Indexed OCR Text

Pages 41-60

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٥ - باب الموقف
والناس يأتمون به من وراء الحجرة.
فئاب اليه أناس نصفواء قال الحافظ: غرض البخارى من إيراده بيان أن الحجرة المذكورة فى الرواية التى قبل هذه
كانت حصيراً. وقال العينى: لعل مراده منه بيان أن الحجرة المذكورة فى الحديث المذكور قبل هذا كانت حصيراً
والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وكل موضع حجر عليه فهو حجرة - انتهى. وفى حديث زيد بن ثابت الذى رواه البخارى
بعد رواية عائشة السابقة ، أن رسول اللّه ◌ُٹے اتخذ حجرة من حصیرفی رمضان فصلی فیها لیالی، فصلى بصلاته ناس
من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد - الحديث . ولأحمد وأبي داود ومحمد بن نصرعن أبى سلمة عن عائشة أنها هى
التى نصبت له الحصير على باب بيتها . قال الحافظ: فأما أن يحمل على التعدد أو على المجاز فى الجدار وفى نسبته الحجرة
اليها. وقال العين بعد ذكر حديث زيد بن ثابت: وجاء فى رواية احتجر بخصفة أو حصير فى المسجد. وفى رواية: صلى فى
حجرتى، روته عمرة عن عائشة، وفى رواية: فأمرنى فضربت له حصيراً يصلى عليه. ولعل هذه كانت فى أحوال -
انتهى. قلت: الراجح عندى هو الحمل على التعدد (والناس يأتمون به) أى يقتدون به (من وراء الحجرة) أى
خلفها وفيه دليل على أن الحائل بين الامام والمؤتمين غير مانع من صحة الصلاة ، لأن مقتضاه أنهم كانوا يقتدون
به، وهو داخل الحجرة ، وهم خارجها ، وقد بوب له أبو داود باب الرجل بأتم بالامام ، وبينهما جدار ، وبوب
البخارى على روايتى عمرة وأبى سلمة عن عائشة ، وحديث زيد بن ثابت باب إذا كان بين الامام وبين القوم حائط
أو سترة، وذكر فيه قول الحسن: لا بأس أن تصلى وبينك وبينه نهر، وقول أبى مجلز (لاحق بن حميد التابعى
المشهور): يأتم بالامام وإن كان بينهما طريق أوجدار إذا سمع تكبير الامام. قال العينى: جواب إذا محذوف
تقديره لا يضره ذلك، والمسئلة فيها خلاف، لكن ما فى الباب يدل على أن ذلك جائز، وهو مذهب المالكية
أيضا، وهو المنقول عن أنس وأبى هريرة وابن سيرين وسالم. وكان عروة يصلى بصلاة الامام، وهو فى دار
بينها وبين المسجد طريق وقال مالك: لا بأس أن يصلى وبينه وبين الامام نهر صغير أو طريق ، وكذلك السفن
المتقاربة، يكون الامام فى أحداما تجزيهم الصلاة معه. وكره ذلك طائفة ، وروى عن عمر بن الخطاب إذا كان
بينه وبين الامام طريق أو حائط أو نهر فليس هو معه. وكره الشعبى وابراهيم أن يكون بينهما طريق . وقال
أبو حنيفة لا يجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة فى الطريق، وبه قال الليث والأوزاعى والأشهب - انتهى.
قلت: مذهب الحنفية أنه إيما يجوز ذلك بثلاثة شروط: الأول: أن لا يلتبس على المأموم حال الامام ، والثانى: أن
لا يختلف المكان بينهما، والمسجد فى حكم مكان واحد، والثالث: وهو تتمة الثانى أن لا يمنع التبعية فى المكان.
وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنه لم يوجد فيها ما يخالف هذه الشروط، لأن المسجد كله مكان واحد. وفى
المكان الواحد عند حيلولة الجدار يكفى علم انتقالات الا مام فقط ولو بمجرد صوته، وهو المفتى به، ولا يحتاج
إلى المنافذ أو غيرها، واعتبروا فى الصحراء تباعد قدر ثلاث صفوف إذ لم تتصل الصفوف، فإن كان بينهما طريق
٤١

مر عاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٥ - باب الموقف
رواه أبو داود .
الفصل الثالث
١١٢١ - (١٠) عن أبى مالك الأشعرى، قال: ألا أحدثكم بصلاة رسول اللّه مَثّل؟ قال: أقام
الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم، فذكر صلاته، ثم قال: هكذا صلاة
- قال عبد الأعلى:
أو نهر تجرى فيه السفينة منعوا مطلقا، وعدوه كأنه مكان مختلف ، واستدلوا لذلك بأثر عمر الذى ذكره العينى بلا
سند. وقال ابن حجر: ليس فى الحديث دليل لما قاله عطاء وغيره ان الشرط فى صحة القدوة بشخص علمه بانتقالاته
لاغير ، أما أولا فلأنه لو اكتفى بذلك لبطل السعى المأمور به والدعاء إلى الجماعة ، وكان كل أحد يصلى فى بيته
وسوقه بصلاة الامام فى المسجد وهو خلاف الكتاب والسنة، فاشتراط اتحاد موقف الامام والمأموم على ما
فصل فى الفروع لأنه من مقاصد الاقتداء اجتماع جمع فى مكان واحد عرفا، كما عهد عليه الجماعات فى العصور
الخالية، ومبنى العبادات على رعاية الاتباع. وأما ثانيا فلأن المراد بالحجرة كما قالوه المحل الذى اتخذه عليه السلام
فى المسجد من حصير حين أراد الاعتكاف. ويؤيده الخبر الصحيح أنه عليه السلام اتخذ حجرة من حصير صلى
ليالى فيها - انتهى. (رواه أبو داود) فى أواخر أبواب الجمعة من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وهو
حديث صحيح سكت عنه أبو داود والمنذرى ، وقد أخرجه البخارى أيضاً بنحوه ، كما تقدم.
١١٢١ - قوله (ألا أحدثكم) يحتمل أن تكون ألا، للتنبيه، وهو الظاهر. ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام
ولا للنفى ( قال) أى أبومالك ( أقام ) وفى أبى داود فأقام، وكذا فى جامع الأصول (ج ٦ ص ٣٩١) أى
أمر رسول اللّه مَّ باقامة الصلاة أو أقامها بنفسه (وصف الرجال) وفى أبى داود: افصف الرجال، وكذلك نقله
الجزرى فى جامع الأصول، أى صفهم رسول اللّه يَّ صفا مقدما. يقال صففت القوام فاصطفوا (وصف خلفهم)
أى خلف الرجال (الغدان) الصبيان والولدان، زاد أحمد فى روايته: وصف النساء خلف الولدان (ثم صلى بهم)
أى بالرجال والغلمان (فذكر) أى وصف الراوى أى أبو مالك (صلاته) أى كيفية صلاة رسول اللّه مَ للَّه.
وهذا قول أبى داود. اختصر الحديث. وأخرجه أحمد فى مسنده مطولا (ج ٥ ص ٣٤٢،٣٤١، ٣٤٤٠٣٤٣)
(ثم قال) أی رسول الله ڑٹے وهو عطف على محذوف ، أی قال أبومالك قال رسول اللّه ◌ُٹے کیت و کیت ، ثم
قال قال رسول الله جل، هكذا صلاة أمتى (هكذا) أى مثل ما صليت لكم (صلاة قال عبد الأعلى) أى الراوى
٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٥ - باب الموقف
لا أحسبه الا قال - أمتى. رواه أبو داود.
١١٢٢ - (١١) وعن قيس بن عباد، قال: بينا أنا فى المسجد، فى الصف المقدم، خذنى رجل من
خلفى جبذة، فتحانى، وقام مقامى، فوالله ما عقلت صلونى.
عن قرة بن خالد عن بديل بن مسيرة عن شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم عن أبى مالك. وعبد الأعلى هذاهو
عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصرى السامى بالمهملة من بنى سامة بن لوى، أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له أبو همام ،
ثقة (لا أحسبه) أى شيخى قرة (الا قال أمتى) أى هكذا صلاة أمتى. والمعنى أنه ينبغى لهم أن يصلوا هكذا. وفى
رواية البيهقى: ثم قال هكذا صلاة، قال عبد الأعلى: لا أحسبه الا قال صلاة النبي مَّهِ. ولأحمد من طريق
عبد الحميد بن بهرام الفزارى عن شهر بن حوشب: فلما قضى (أى أبو مالك) صلاته أقبل إلى قومه بوجهه فقال
احفظوا تكبيرى، وتعلموا ركوعى وسجودى، فانها صلاة رسول اللّه تَفي التى كان يصلى لنا. والحديث يدل على
ترتيب صفوف الرجال والصبيان والنساء بأن تكون صفوف الرجال مقدمة، ثم صفوف الصبيان، ثم صفوف
النساء. قال السبكى : هذا إذا كان الغلمان اثنين فصاعداً ، فإن كان صبي واحد دخل مع الرجال ولا ينفرد خلف
الصف. ويدل على ذلك حديث أنس المتقدم فى الفصل الأول ، فان اليتيم لم يقف منفرداً بل صف مع أنس. وقال
أحمد بن حنبل: يكره أن يقوم الصبى مع الناس فى المسجد خلف الامام إلا من قد احتلم وأنبت وبلغ خمس عشرة
سنة. وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا رأى صبيا فى الصف أخرجه ، وكذلك عن أبى وائل وزربن
حبيش (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذرى وأخرجه أحمد والبيهقي ( ج ٣ ص ٩٧) وفى سنده عندهم
جميعاً شهر بن حوشب ، وفيه مقال .
١١٢٢ - قوله (عن قيس بن عباد) بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة الضبعى أبى عبد الله
البصرى ، ثقة من كبار التابعين ، مخضرم، مات بعد الثمانين، ووهم من عده فى الصحابة ، كذا فى التقريب ، قدم
المدينة فى خلافة عمر وروى عنه وعن على وأبى ابن كعب وغيرهم ، كان من كبار الصالحين، وثقه ابن سعد
والعجلى والنسائى وابن خراش، وذكره ابن مختف عن شيوخه فيمن قتله الحجاج من خرج مع ابن الأشعث ،
وذكره ابن حبان فى الثقات من التابعين (بينا أنا فى المسجد) النبوى (فى الصف المقدم بجبذنى) قال الطيبي:
مقلوب جذبنى ، أى جرنى (فتحانى) بتشديد الحاء المهملة ، أى بعدنى وأخرنى عن الصف المقدم (وقام مقامى) أى
مكانى (فوالله ما عقلت صلوتى) أى ما دريت كيف أصلى وكم صليت لما فعل بى ما فعل ولما حصل عندى
بسبب تأخرى عن المكان الفاضل مع سبقى اليه واستحقاقى له، فانتفاع العقل مسبب عما قبله، والقسم معترض
٤٣

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٥ - باب الموقف
فلما انصرف، إذا هو أبي بن كعب. فقال: يافى! لا يسؤك اللّه، إن هذا عهد من النى وَّيَّ الينا أن
عليه، ثم استقبل القبلة فقال: ملك أهل العقد ورب الكعبة، ثلاثا، ثم قال: والله ما عليهم آسى،
ولكن آسى على من أضلوا. قلت: يا با يعقوب! ما تعنى بأمل العقد؟ قال: الأمراء. رواه النسائى.
(فلما انصرف) أى ذلك الرجل الذى جبذنى (إذا هو أبى بن كعب) من أكابر الصحابة (فقال) أى لى إذ فهم
منى التغير بسبب ما فعله معى تطييبا لخاطرى (لا يسوءك اللّه) قال الطيبي: كان الظاهر لا يسوءك ما فعلت بك.
ولما كان ذلك من أمر الله وأمر رسوله أسنده إلى الله مزيدا للتسلية - انتهى. والظاهر: أن معناه لا يحزنك الله
بى وبسبب فعلى، من ساء الأمر فلانا، أى أحزنه. ثم ذكر جملة مستأنفة مبينة لعلة ما فعل اعتذارا اليه (إن هذا)
أى ما فعلت (عهد من النبى مَّ) أى وصية أو أمر منه يريد قوله: ليلينى منكم أولوا الأحلام والنهى. وفيه أن
قيسما لم يكن منهم، ولذلك نحاه (الينا أن نليه) أى ومن يقوم مقامه من الأمة (ثم استقبل) أى أبى (ملك أهل العقد)
بضم العين وفتح القاف يعنى الأمراء، أى لأن عليهم رعاية أمور المسلمين دنياهم وأخراهم حتى رعاية صفوفهم
فى الصلوة ، ورعاية الموقف فيها . قال الجزرى فى النهاية يعنى أصحاب الولايات على الأمصار من عقد الألوية
للأمراء، وروى العقدة يريد البيعة المعقودة للولاة (ثلاثا) أى قال مقوله ثلاثا (ما عليهم آسى) بمد الهمزة
آخره الف، أى ما أحزن من الأسى مفتوحا ومقصورا، وهو الحزن (ولكن آسى على من أضلوا) قال الطيبي:
أى لا أحزن على هؤلاء الجورة، بل أحزن على أتباعهم الذين أضلوهم. لعله قال ذلك تعريضا بأمراء عهده
(قلت) هذا مقولة محمد بن عمر بن على المقدمى شيخ النسائى (يا با يعقوب) وفى بعض النسخ: يا أبا يعقوب
بكتابة الهمزة موافقا لما فى النسائى. وهو كنية يوسف بن يعقوب السدوسى مولاهم السلعى البصرى الضبعى، وثقه
أحمد. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حبان فى الثقات، مات سنة إحدى وماتين (قال الأمراء)
بالنصب على تقدير أغنى ، وبالرفع بتقدير ((هم، قال ابن حجر: أى الأمراء على الناس لا سيما أهل الأمصار سموا
بذلك لجريان العادة بعقد الألوية لهم عند التولية، وفعل أبى هذا مؤيد بما روى عن أنس، قال: كان رسول الله عزلته
يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه، أخرجه أحمد وابن ماجه، وبما روى عن سمرة مرفوعا ليقم
الأعراب خلف المهاجرين والأنصار ليقتدوا بهم فى الصلوة ، أخرجه الطبرانى فى الكبير من حديث الحسن عن
سمرة. قال البيهقى: وفيه سعيد بن بشير، وقد اختلف فى الاحتجاج به، وبما روى عن ابن عباس مرفوعا
لا يتقدم فى الصف الأول أعرابى ولا مجمى ولا غلام لم يحتلم، وفى إسناده ليث بن أبى سليم، وهو ضعيف.
وفى هذه الأحاديث مشروعية تقديم أهل العلم والفضل ليأخذوا عن الامام ويأخذ عنهم غيرهم، لأنهم أمس بضبط
صفة الصلوة وحفظها وفقلها وتبليغها وتنبيه الامام إذا احتيج اليه، والاستخلاف إذا احتيج اليه (رواه النسائى)
٤٤

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الإمامة
(٢٦) باب الإمامة
الفصل الأول )
١١٢٣ - (١) عن أبى مسعود، قال: قال رسول اللّه عَّ: يؤم القوم أقرأم لكتاب الله تعالى،
فإن كانوا فى القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا فى السنة سواء،
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ١٤٠) وابن خزيمة فى صحيحه. ولفظ أحمد قال قيس بن عباد أتيت المدينة
للقى أصحاب محمد عَّ ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلى من أبى، فأقيمت الصلوة لخرج عمر بن الخطاب مع
أصحاب رسول اللّه عَّ، فقمت فى الصف الأول، لجاء رجل فنظر فى وجوه القوم فعرفهم غيرى، فنحانى وقام
فى مكانى، فما عقلت صلوتى، فلما صلى قال يابنى لا يسوءك اللّه، فانى لم آتك الذى أتيتك بجهالة، ولكن رسول الله
مَّ قال لنا كونوا فى الصف الذى يلينى، وإنى نظرت فى وجوه القوم فمرفتهم غيرك ثم حدث فما رأيت الرجال
متحت أعنافها إلى شئ متوجها اليه ، قال فسمعته يقول هلك أهل القعدة ورب الكعبة ، إلا لا عليهم آسى، ولكن
آسى على من يهلكون من المسلمين ، وإذا هو أبى.
(باب الإمامة) أى أحكام الامامة فى الصلوة وصفة الأئمة ، وهى مصدر أم القوم فى صلوتهم .
١١٢٣ - قوله (يؤم القوم) صيغة خبر بمعنى الأمر، أى ليؤمهم (أقرأهم لكتاب الله) أختلف فى المراد
منه: فقيل: أفقههم فى القرآن وأعلهم بمعانيه وأحكامه. وقيل: المراد أحسنهم وأجودهم قراءة للقرآن وإن
كان أقلهم حفظا . وقيل: هو على ظاهره، فالمراد به أكثرهم حفظا للقرآن، ويدل على ذلك ما رواه الطبرانى فى
الکبیر، ورجاله رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة: انطلقت مع أبى إلى النبي ◌ُّٹے باسلام قومه ، فكان فيما أوصانا
ليؤمكم أكثركم قرأنا ، فكنت أكثرهم قرآنا، فقدمونى. وأخرجه أيضا البخارى، وسيأتى فى الفصل الثالث.
قال القارى: بعد ذكر قول ان الملك، أى أحسنهم قراءة لكتاب الله: والأظهر أن معناه أكثرهم قراءة بمعنى
أحفظهم للقرآن، كما ورد أكثرهم قرآنا - انتهى. قلت: هذا هو الراجح عندى لحديث عمرو بن سلمة، والروايات
يفسر بعضها بعضا (فإن كانوا) أى القوم (فى القراءة) أى فى العلم بها أو فى حسنها أو مقدارها على اختلاف
الأقوال (سواء) أى مستوين. قال الشوكانى: أى استووا فى القدر المعتبر من القراءة إما فى حسنها أو فى كثرتها
وقلتها. وفى رواية: لمسلم فان كانت قراءتهم سواء (فأعلمهم بالسنة) قال الطيبي: أراد بها الأحاديث. وقال
السندى: حملوها على أحكام الصلوة (فان كانوا) أى بعد استواءهم فى القراءة (فى السنة) أى بالعلم بها
٤٥
١

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الادامة
فأقدمهم هجرة، فإن كانوا فى الهجرة سواء، فأقدمهم سنا،
(سواء فأقدمهم هجرة) أى انتقالا من مكة إلى المدينة قبل الفتح، فمن هاجر أولا فشرفه أكثر من هاجر بعده، قال
تعالى: ﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح - ٥٧: ١٠} الآية، قاله القارى. وقيل: هذا شامل لمن تقدم
حجرة سواء ما كان فى زمنه مَ ثل أو بعده كمن يهاجر من دار الكفار ..... إلى دار الاسلام. وأما حديث
لا هجرة بعد الفتح فاالمراد من مكة إلى المدينة، لأنهما جميعا صارا دارا سلام. قال الشوكانى: الهجرة المقدم بها
فى الامامة لا تختص بالهجرة فى عصره ثمَّ بل هى التى لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث،
وقال به الجمهور. وأما حديث لا هجرة بعد الفتح فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة أو لا هجرة بعد الفتح.
فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. وهذا لا بد منه للجمع بين الأحاديث (فان كانوا) أى بعد استواءهم فيما سبق
من القراءة والسنة (فى الهجرة سواء فأقدمهم سنا) وفى رواية أكبرهم سنا، أى يقدم فى الامامة من كبر سنه
فى الاسلام، لأن ذلك فضيلة يرجح بها. قلت: ويويده ما فى رواية لمسلم: فأقدمهم سما، أى اسلاما ، يعنى أن من
تقدم اسلامه يقدم على من تأخر إسلامه. والحديث دليل لمن قال يقدم الأقرأ فى الامامة على الأعلم.
وإليه ذهب أحمد وأبو يوسف وإسحاق. وقال مالك والشافعى وأبو حنيفة: الأعلم مقدم على الأقرأ، قال العينى:
اختلف العلماء فيمن هو أولى بالامامة: فقالت طائفة الأفقه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور ، وقال
أبو يوسف وأحمد وإسحاق الأقرأ، وهو قول ابن سيرين وبعض الشافعية، قال العينى: وقال أصحابنا: أولى
الناس بالامامة أعلهم بالسنة أى بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلوة ، وهو
قول الجمهور، واليه ذهب عطاء والأوزاعى ومالك والشافعى. وقال السيد محمد مرتضى الزبيدى الحنفى فى شرح
الاحياء: قال أصحابنا يقدم الأعلم ثم الأقرأ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، واختاره صاحب الهداية وغيره من
أصحاب المتون وعليه أكثر المشائخ. وقال أبو يوسف يقدم الأفرأ ثم الأعلم واختاره جمع من المشائخ، ومن
الشافعية ابن المنذر، كما نقله النووى فى المجموع - انتهى. واستدل الشافعى ومن وافقه بأن الذى يحتاج اليه
من القراءة مضبوط، والذى يحتاج اليه من الفقه غير مضبوط، وقد تعرض فى الصلوة أمور لا يقدر على
مراعاتها إلا كامل الفقه، فيقدم الأفقه على الأقرأ قال البغوى: لأن الفقيه يعلم ما يجب من القراءة فى الصلوة ،
لأنه محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور، وقد يعرض للصلى ما يفسد صلاته، وهو لا يعلم إذا
لم يكن فقيها. وقال صاحب الهداية: القراءة يفتقر اليها لركن واحد، والعلم لسائر الأركان، أى فالأعلم أولى
بالامامة من الأقرأ. قلت: هذا كلا تعليل فى مقابلة النص ، فلا يلتفت اليه ، بل يرد على قائله كائنا من كان .
واستدل لهم أيضا بقوله تعرَّف مروا أبا بكر أن يصلى بالناس، وسيأتى فى باب ما على المأموم من المتابعة
٤٦
!

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
فإن تقديمه وعَّه فى مرض موته أبا بكر فى الصلوة على غيره مع قوله أقرأكم أبى يدل على أنه يقدم الأعلم على
الأقرأ لكون أبى بكر أعلهم. قال ابن الحمام: أحسن ما يستدل به لمختار الجمهور حديث: مروا أبا بكر فليصل ،
وكان ثم من هو أقرأ منه لا أعلم . دليل الأول قوله عليه السلام أقرأ كم أبى ، ودليل الثانى قول أبى سعيد كان
أبو بكر أعلمنا، وهذا آخر الأمر من رسول اللّه تَّضية، فيكون المعول عليه. وقال العينى: حديث أبى مسعود
كان فى أول الأمر، وحديث أبى بكر فى آخر الأمر ، وقد تفقهوا فى القرآن، وكان أبو بكر أعلهم وأفقههم
فى كل أمر - انتهى. قلت قصة إمامة أبى بكر فى مرض موته رؤية واقعة عين غير قابلة للعموم بخلاف
حديث أبى مسعود، فانه تقرير قاعدة كلية تفيد التعميم ، فلا يصح الاستدلال بقصة أبى بكر على تقديم الأعلم على
الأقرأ يجعلها ناسخة لحديث أبى مسعود، قال صاحب البذل: قصة الإشارة إلى الاستخلاف ربما تكون مخصصة
على أنها واقعة حال لا عموم لها ، ومن ثم اختار جمع من المشائخ قول أبى يوسف - انتهى. وأجاب صاحب
الهداية وغيره عن حديث أبى مسعود بأنه خرج على ما كان عليه حال الصحابة من أن أقرأهم كان أعلهم،
لأنهم كانوا فى ذلك الوقت يتلقونه بأحكامه، فقدم فى الحديث، ولا كذلك فى زماننا، فقدمنا الأعلم . قال
الشافعى: المخاطب بذلك الذين كانوا فى عصره كان أقرأهم أفقههم ، فإنهم كانوا يسلمون كبارا، ويتفقهون
قبل أن يقرأوا فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، وقد يوجد الفقيه، وليس بقارئ. ورد هذا الجواب بأنه
لو كان المراد بالأقرأ فى قوله يؤم القوم أقرأهم هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأعلم فى الحديث، ويكون التقدير
يؤم القوم أعلمهم، فان تساووا فأعلهم. وقال الأمير اليمانى: ولا يخفى أنه يبعد هذا الجواب قوله: فإن كانوا فى القراءة
سواء فأعلمهم بالسنة، فانه دليل على تقديم الأقرأ مطلقا. والأقرا على ما فسروه به هو الأعلم بالسنة ، فلو أريد به
ذلك لكان القسمان قسما واحدا. وقال الزبيدى: وأما تأويل المخالف للنص أى لحديث أبى مسعود بأن الأقرأ فى
ذلك الزمان كان الأفقه فقد رد هذا التأويل قوله عليه السلام: فأعلهم بالسنة، ولكن قد يجاب عنه بأن المراد
بالأقرأ فى الخبر الأفقه فى القرآن فقد استووا فى فقهه، فإذا زاد أحدهم بفقه السنة فهو أحق، فلا دلالة فى الخبر على
تقديم الأقرأ مطلقا، بل على تقديم الأقرأ الأفقه فى القرآن على من دونه، ولا نزاع فيه . قال العينى: المراد من
قوله يؤم القوم أقرأهم أى أعلهم ، يعنى أعلمهم بكتاب الله دون السنة، ومن قوله: أعلمهم بالسنة أعلمهم بأحكام
الكتاب والسنة جميعاً فكان الأعلم الثانى غير الأعلم الأول - انتهى. قلت: قد سلف منا أن الراجح فى المراد
من قوله أقرأهم هو الأكثر حفظا للقرآن وإن حمله على الأفقه فى القرآن والأعلم بأحكامه ومعانيه خلاف الظاهر
فلا يلتفت إليه. وأما حمل الحديث على الصحابة خاصة فهو ادعاء محض على أنه يلزم من هذا الجواب أن من نص
النبى ◌َّ على أنه أقرأ من أبى بكر كان أفقه من أبى بكر فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبى بكر كان لأنه الأفته.
٤٧

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الإمامة
ولا يؤمن الرجل الرجل فى سلطانه
قال السندى: الحديث يفيد تقدم الأقرأ وغالب الفقهاء على تقديم الأعلم، ولهم عن هذا الحديث جوابان النسخ
بإمامة أبى بكر مع أن أقرأهم أبى ، وكان أبو بكر أعلهم ، كما قال أبو سعيد ودعوى أن الحكم مخصوص
بالصحابة ، وكان أقرأهم أعلمهم لكونهم يأخذون القرآن بالمعانى. وبين الجوابين تناقض لا يخفى، ولفظ
الحديث يفيد عموم الحكم - انتهى. وقد ظهر بهذا التفصيل أن القول الراجح المعول عليه هو تقديم الأقرأ
على الأعلم وهذا انما هو حيث يكون الأقرأ عارف بما يتعين معرفته من أحوال الصلوة فأما إذا كان جاهلا بذلك
فلا يقدم اتفاقا. قال الزبيدى: والذى ذهب اليه أبو يوسف من تقديم الأقرأ على الأعلم رواية عن أبى حنيفة،
ودليله قوى من حيث النص ، فإنه فرق بين الفقيه والقارئ، وأعطى الامامة للقارئى مالم يتساويا فى القراءة فإن
تساويا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر فوجب تقديم الأعلم بالسنة وهو الأفته - انتهى. (ولا يؤمن الرجل الرجل)
برفع الأول ونصب الثانى (فى سلطانه) أى فى محل سلطانه ، وهو موضع يملكه الرجل أوله فيه تسلط بالتصرف
كصاحب المجلس وإمام المسجد، فانه أحق من غيره وإن كان أفقه لئلايؤدى ذلك إلى التباغض والخلاف الذى
شرع الاجتماع لرفعه . قال الطيبي: أى لا يؤم الرجل الرجل فى مظهر سلطنته ومحل ولايته أو فيما يملكه أو فى محل
يكون فى حكمه . ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى فى أهله. وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين
على الطاعة وتألفهم وتوادهم فإذا أم الرجل الرجل فى سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة
الطاعة ، وكذلك إذا أمه فى أهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذى شرع لرفعه الاجتماع،
فلا يتقدم الرجل على ذى السلطنة لاسيما فى الأعاد والجمعات، وعلى إمام الحى ورب البيت إلا بالإذن ـ انتهى.
وقال النووى: معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره قال ابن رسلان: لأنه موضع
سلطنته - انتهى . قال الشوكانى: والظاهر أن المراد به السلطان الذى اليه ولاية أمور الناس لا صاحب البيت
ونحوه . ويدل على ذلك ما فى رواية أبى داود بلفظ: ولا يؤم الرجل فى بيته ولا فى سلطانه. وظاهره أن
السلطان مقدم على غيره وإن كان أكثر منه قرآنا وفقها وورعا وفضلا فيكون كالمخصص لما قبله ، يعنى أن أول
الحديث محمول على من عدا الامام الأعظم ومن يجرى مجراه وقد ورد فى صاحب البيت حديث بخصوصه بأنه
الأحق ، فقد أخرج الطبرانى من حديث أبى مسعود قال من السنة أن يتقدم صاحب البيت. قال الحافظ: رجاله
ثقات. وقال الهيثمى رجاله رجال الصحيح. وأخرج البزار والطبرانى فى الأوسط والكبير من حديث عبد الله بن
حنظلة مرفوعا: الرجل أحق أن يؤم فى بيته. قال الهيثمى: فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة ، ضعفه أحمد وابن معين
والبخارى ، ووثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان . قال أصحاب الشافعى: ويتقدم السلطان أو نائبه على صاحب
البيت وإمام المسجد وغيرهما، لأن ولايته وسلطنته عامة، قالوا ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل
٤٨
1
١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
ولا يقعد فى بيته على تكرمته إلا بإذنه. رواه مسلم. وفى رواية له: ولا يؤمن الرجل الرجل
فی آمله.
١١٢٤ - (٢) وعن أبى سعيد، قال: قال رسول اللّه وَبيع: إذا كانوا ثلاثة فليزمهم أحدهم،
منه (ولا يقعد) بالجزم. وقيل: بالرفع أى الرجل (فى بيته) أى بيت الرجل الآخر (على تكرمته) بفتح التاء
وكسر الراء، مصدر كرم تكريما، أطلق مجازا على ما يعد للرجل إكراما له فى منزله من فراش وسجادة
ونحوهما . قال فى النهاية: هو الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعد لا كرامه وهى تفعلة من
الكرامة (إلا بإذنه) قال ابن الملك: متعلق بجميع ما تقدم، قلت : ورد ذلك فى بعض روايات الحديث نصا،
فقد قال المجد بن تيمية فى المنتقى: ورواه سعيد بن منصور، لكن قال فيه لا يؤم الرجل الرجل فى سلطانه إلا
بإذنه، ولا يقعد على تكرمته فى بيته إلا بإذنه - انتهى. فالا ذن فى الكل، وبه قال أحمد والجمهور، وهو الحق.
وقيل: يتعلق قوله إلا بإذنه بقوله لا يقعد فقط، وبه قال إسحاق (رواه مسلم) وأخرجه أيضا، أحمد (ج ٤
ص ١١٨، ١٢١ وج ٥ ص ٢٧٢) والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وأبو داود الطيالسى وابن
الجارود والبيهقى (ج ٣ ص ٩٠، ١١٩، ١٢٥) (وفى رواية له: ولا يؤمن الرجل الرجل فى أهله) وفى بعض
النسخ من صحيح مسلم: ولا تؤمن الرجل فى أهله، أى بصيغة الخطاب. ويؤيده ما بعده ولا فى سلطانه ولا تجلس
على تكرمته فى بيته إلا يأذن لك أو بإذنه. فائدة: قال الشاه ولى الله الدحلوى فى حجة الله البالغة: سبب تقديم
الأقرأ أنه تَيّ حد للعلم حدا معلوما، كما بينا، وكان أول ما هناك كتاب الله، لأنه أصل العلم، وأيضا فانه من
شعائر الله، فوجب أن يقدم صاحبه. وينوه بشأنه ليكون ذلك داعيا إلى التنافس فيه، وليس كما يظن أن السبب
احتياج المصلى إلى القراءة فقط، ولكن الأصل حملهم على المنافسة فيها ، وإنما تدرك الفضائل بالمنافسة ، وسبب
خصوص الصلاة باعتبار المنافسة احتياجها إلى القراءة، فليتدبر، ثم من بعدها معرفة السنة ، لأنها تلو الكتاب،
وبها قيام الملة، وهى ميراث النبي مَثّ فى قومه، ثم بعده اعتبرت الهجرة إلى النبى مَّثية، لأن النبى عليه الصلوة
والسلام عظم أمر الهجرة ورغب فيها ونوه بشأنها، وهذا من تمام الترغيب والتنويه، ثم زيادة السن إذ السنة
الغاشية فى الملل جميعها توفيرا لكبير، ولأنه أكثر تجربة وأعظم حلما، وإنما نهى عن التقدم على ذى سلطان فى
سلطانه، لأنه يشق عليه ويقدح فى سلطانه فشرع ذلك إبقاء عليه - انتهى.
١١٢٤ - قوله (إذا كانوا) أى القوم (ثلاثة) أى واثنين. كما أفاده الخبر السابق أن الجماعة تحصل بهما،
قاله القارى . وقال الشوكانى: مفهوم العدد هنا غير معتبر لما فى حديث مالك بن الحويرث إذا حضرت الصلوة
فأذنا وأنيا وليؤمكما أكبركا. أخرجه أحمد وغيره من أصحاب الكتب الستة، وقد تقدم (فليوم أحدم) إشارة
٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
وأحقهم بالإمامة أقرأهم. رواه مسلم. وذكر حديث مالك ابن الحويرث فى باب بعد باب
فضل الأذان.
إلى جواز إمامة المفضول (وأحقهم بالإمامة أقرأم) أى أكثرهم. حفظ القرآن ، فان إمامته أفضل (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد والنسائى والبيهقي (ج ٣ ص ٨٩، ١١٩). وفى الباب عن أنس عند أحمد (ج ٣ ص ١٦٣)
بلفظ: يؤم القوم أقرأهم للقرآن. قال الهيثمى: رجاله رجال الصحيح، وعن أبى هريرة عند البزار بنحوه.
قال الهيشمى: فى سنده الحسن بن على النوفلى الهاشمى، وهو ضعيف، وقد حسنه البزار، وعن ابن عمر عند
الطبرانى بلفظ: من أم قوما، وفيهم من هو أقرأ لكتاب الله منه، لم يزل فى سفال إلى يوم القيامة. قال الهيشمى:
فيه الهيثم بن عقاب. قال الازدى: لا يعرف. وذكره ابن حبان فى الثقات (وذكر) بصيغة المجهول (حديث
مالك بن الحويرث) أى فى المشكوة، وكذا فى المصابيح. والحديث هو قوله قال رسول اللّه مَ ◌ّه صلواكما رأيتمونى
أصلى. واذا حضرت الصلوة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم يعنى سنا، وذلك لاستواءهم فى وجوه التقديم
من القراءة والعلم، ففى رواية لأبى داود: وكنا يومئذ متقاربين فى العلم (فى باب بعد باب فضل الأذان) أى
فراجعه هناك. والمقصود أن حديث مالك بن الحويرث هذا ذكره البغوى أولا فى باب بعد باب فضل الآذان،
وذكره صاحب المشكوة أيضا هناك تبعاللبغوى الكون صدره فى الآذان، ثم ذكره البغوى مهنا فى آخر الفصل الأول
لكون عجز الحديث متعلقا باب الامامة، ولما كان فى ذكره هنا تكرار حذفه صاحب المشكوة ، وأحال على
الباب المذكور. وقال القارى: حديث مالك بن الحويرث فيه تفضيل الإمامة، فهو بباب الامامة أولى، فلا
معنى لتغيير التصنيف مع وجود الوجه الأدنى فضلا عن الأعلى، ثم يحتاج الى الاعتذار المشير الى الاعتراض،
لا يقال صدر الحديث فى الأذان ، لأن تقديمه لتقدمه فى الوجود ومنه تقدم بلال على التى تحدث فى دخول الجنة
تقدم الخادم على المخدوم. ففيه أيماء الى فضيلة الإمامة، وكذلك الحديث الآتى قريباً فالحاصل أن حديث مالك
أبن الحويرث كان فى المصابيح هنا فى آخر الفصل الأول، ونقله صاحب المشكورة فذكره فى باب بعد باب فضل
الآذان - انتهى. قلت: قد وهم القارى فى فهم غرض صاحب المشكوة كما لا يخفى ولوراجع المصابيح لم يقع فى
هذا الوهم، وقد وهم أيضا فى تعيين الحديث حيث قال: والحديث هو قال أتيت النبى مَّ أنا وابن عم لى، فقال
إذا سافرتما فأذنا وأفيما وليؤمكما أكبركما مع أنه غير مذكور فى المصابيح فى باب الإمامة. واعلم أن هذا كله مبنى
على أن الحديث المذكور هنا فى المصابيح بغير تسمية الصحابى لمالك بن الحويرث كما قال المصنف. وعندى فيه
كلام لأن الحديث الذى أورده البغوى هنا هو بلفظ: اذا حضرت الصاوة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم
قرآنًا. وحديث مالك بن الحويرث الذى ذكرناه. أنما هو بلفظ: وليؤمكم أكبركم. وهذا هو الذى ذكره البغوى فى
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الإمامة
الفصل الثانى )
١١٢٥ - (٣) عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّهَ وَّل: ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قدَّاءكم.
رواه أبو داود.
المصابيح والمصنف فى المشكوة فى باب هو بعد باب فضل الآذان . ولا يخفى ما بين اللفظين من الفرق
البين. والظاهر أن الحديث المذكور فى المصابيح هنا، أى فى باب الامامة بلفظ: وليؤمكم أكثركم قرآنا، إنما هو
لعمرو بن سلمة الجرمى، رواه البخارى فى حديث طويل فى غزوة الفتح فى باب بعدباب مقام التى تؤثر يمكن. وذكره
البغوى مهنا لاثبات جواز إمامة الصى المميز. وقد ذكره المصنف فى الفصل الثالث مطولا، كما سيأتى.
١١٢٥ - قوله (ليؤذن لكم) أمر استحباب (خياركم) أى الذين يحتاطون فى أمر الأوقات، وفى أمر
الحرم والعورات، فإنهم يشرفون على المنارات العالية، قاله السندى. وقال القارى: أى من هو أكثر صلاحا
ليحفظ نظره عن العورات ، ويبالغ فى محافظة الأوقات. قال الجوهرى: الخيار خلاف الأشرار، والخيار الاسم
من الاختيار، وانما كانوا خيارا لما ورد أنهم أمناء، لأن أمر الصائم من الافطار والأكل والشرب والمباشرة
منوط اليهم ، وكذا أمر المصلى لحفظ أوقات الصاوة يتعلق بهم ، فهم بهذا الاعتبار مختارون، ذكره الطبي
(وليؤمكم) بسكون اللام وتكسر (قراءكم) بضم القاف وتشديد الراء، جمع قارئ. كذا وقع فى جميع النسخ،
وهكذا فی المصابيح وستن أبى داود و ابن ما جه . ونقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٦ ص ٣٧٧) عن
أبى داود بلفظ: وليؤمكم أقرأكم، وكذلك رواه البيهقى (ج ١ ص ٤٢٦) وفيه دليل على تقديم الأقرأ فى
الامامة على الأفقه. قال السندى: ظاهر الحديث أن الأقرأ أحق بالا مامة من الأعلم. وقال القارى: وكلما يكون
أقرأ فهو أفضل اذا كان عالما بمسائل الصلوة، فإن أفضل الأذكار وأطولها وأصعبها فى الصلوة أنما هو القراءة.
وفيه تعظيم لكلام الله، وتقديم قارئه، واشارة الى على مرتبته فى الدارين كما كان مؤثّم يأمر بتقديم الأقرأ ....
فی الدفن ۔ انتهى. (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا ابن ماجه والبيهقى، وسكت عنه أبو داود . وقال المنذرى:
فى سنده الحسين بن عيسى الحنفى الكوفى، وقد تكلم فيه أبو حاتم و أبو زرعة الرازيان ، وقد ذكر الدار قطنى أن
حسين بن عيسى تفرد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان - أنتهى. قلت: الحسين بن عيسى هذا قال البخارى:
مجهول، وحديثه منكر. وقال أبو زرعة: منكر الحديث . وقال أبو حاتم: ليس بالقوى، روى عن الحكم بن أبان
أحاديث منكرة. وقال الآجرى عن أبى داود: بلغنى أنه ضعيف. وذكره ابن حبان فى الثقات . وقال الحافظ فى
التقريب: ضعيف .
٥١
%

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
١١٢٦ - (٤) وعن أبى عطية العقيلى، قال: كان مالك بن الحويرث بأتينا إلى مصلانا يتحدث،
حضرت الصلوة بوما، قال أبو عطية: فقلنا له: تقدم فصله. قال لنا: قدموا رجلا منكم يصلى بكم،
وسأحدثكم لم لا أصلى بكم؟ سمعت رسول اللّه مَفجعل يقول: من زار قوما فلا يؤمهم، وليؤمهم
رجل منهم .
١١٢٦ - قوله (عن أبى عطية) بفتح العين وكسر الطاء وتشديد التحتية (العقيلى) بضم العين المهملة، أى
مولاهم، فهى نسبة الولاء كما يدل عليه بعض روايات هذا الحديث. ففي رواية لأحمد (ج ٣ ص ٤٣٧ وج ٥
ص ٥٣) عن بديل بن ميسرة العقيلى قال: حدثنى أبو عطية مولى منا، وكذا عند أبى داود. والنسائى وأحمد فى
رواية (ج ٥ ص ٥٣) مولى لنا. قال الذهبي في الميزان: أبو عطية عن مالك بن الحويرث لا يدرى من هو.
وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ١٢ ص ١٧٠): أبو عطية مولى بني عقيل، روى عن مالك بن الحويرث
حديث : من زار قوما الخ، وعنه بديل بن ميسرة ، قال أبو حاتم: لا يعرف ولا يسمى . وقال ابن المدينى:
لا يعرفونه. وقال أبو الحسن القطان: مجهول. وصحيح ابن خزيمة حديثه. وقال فى التقريب: مقبول (يأتينا
الى مصلانا) أى مسجدنا فى البصرة (يتحدث) وفى بعض النسخ تتحدث، أى بالنون فى أوله بصيغة المتكلم (تقدم)
أى للإمامة (فصله) الهاء للسكتة (يصلى بكم) أى يؤمكم فى الصلوة (وسأحدثكم لم لا أصلى بكم) أى مع أتى أحق
بالإمامة منكم، وذلك لكونه صحابيا عالما (من زار قوما فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم) فإنه أحق من
الزائر. وامتنع مالك من الامامة مع وجود الإذن منهم عملا بظاهر الحديث، ثم أن حدثهم بعد الصلوة.
فالسين للاستقبال، والا فلجرد التأكيد. والحديث دليل على أن المزور أحق بالإمامة من الزائروإن كان أقرأ
أو أعلم من المزور. قال الترمذى بعد رواية الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي
مرّ وغيرهم، وقالوا صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم: اذا أذن له فلا بأس أن
يصلى به. وقال اسحاق بحديث مالك بن الحويرث: وشدد فى أن لا يصلى أحد لصاحب المنزل وإن
أذن له صاحب المنزل، قال وكذلك فى المسجد لا يصلى بهم فى المسجد اذا زارهم، يقول
ليصل بهم رجل منهم - انتهى كلام الترمذى. وقد حكى المجد بن تيمية فى المنتقى بعد ذكر الحديث عن أكثر أهل
العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان، واستدل بقوله معروفة فى حديث أبى مسعود (يعنى المتقدم) الا
باذنه، قال وبعضده عموم ما روى ابن عمر أن النبي ◌َّثم قال: ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة عبد أدى
حق الله وحق مواليه، ورجل أم قوما، وهم به راضون - الحديث - رواه الترمذى، وعن أبى هريرة عن
٥٢
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
رواه أبو داود، والترمذى، والنساقى إلا أنه اقتصر على لفظ النبى معَد.
١١٢٧ - (٥) وعن أنس، قال: استخلف رسول اللّه مثل ابن أم مكتوم يؤم الناس.
النبي ◌َّم قال لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوما الا باذنهم - الحديث. رواه أبو داود - انتهى.
قلت: الراجح عندنا هو قول من قال أن المزور اذا أذن للزائر فلا بأس أن يصلى به. ومعنى قوله مؤثر فى حديث
مالك بن الحويرث من زار قوما فلا يؤمهم، أى الا أن يأذنوا له . يدل عليه حديث أبى مسعود عد سعيد بن
منصور، وقد تقدم. ويعضد ما ذكرنا من النقيد بالاذن عموم قوله فى حديث ابن عمر: وهم به راضون، وقوله
فى حديث أبى هريرة: إلا باذنهم، كما قال ابن تيمية: فانه يقتضى جواز إمامة الزائر عند رضا المزور وإذنه . وقبل
حديث مالك بن الحويرث محمول على من عدا الامام الأعظم فإذا حضر الإمام الأعظم أو من يجرى مجراه بمكان
مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار، ولكن ينبغى المالك أن يأذن له ليجمع بين الحقين حق الامام فى التقدم وحق
المالك فى منع النصرف بغير اذنه، (رواه أبو داود) وسكت عنه (والتر مذى) وقال حديث حسن . وفى بعض
فسخ الترمذى: حديث حسن صحيح. ويؤيد الأول ما نقله المنذرى والشوكانى عن الترمذى من التحسين فقط ،
ويفهم ذلك من قول الحافظ فى التهذيب فى ترجمة أبى عطية أن ابن خزيمة صحح حديثه، فلو كان التصحيح عنده فى
فسخة الترمذى لأشار اليه، وإنما حسن الترمذى هذا الحديث ، مع أن فى سنده أبا عطية ، وهو مجهول ، كما قال
الذهبى وأو حاتم وابن المدينى وأبو الحسن القطان، لأن له شواهد، والترمذى قد يحسن الحديث الضعيف
لشواهده. وقال الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على الترمذى بعد قول أبى حاتم وغيره : ولكن تصحيح ابن خزيمة
حديثه ، وتحسين الترمذى أو تصحيحه اياه يجعله من المستورين المقبولى الرواية، ولحديثه شواهد. يشير الى
ما تقدم من حديث أبى مسعود عند أبى داود بلفظ: ولا يؤم الرجل فى بيته، ومن حديث أبى مسعود عند
الطبرانى، وحديث عبد الله بن حنظلة عند البزار والطبرانى، وقد ذكرنا لفظهما فى شرح حديث أبى مسعود
(والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٤٣٦ - ٤٣٧ وج ٥ ص ٥٣) والبيهقى (ج ٣ ص ١٢٦) (إلا أنه)
أى النسائى (اقتصر على لفظ النبى) أى قوله، وهو: إذا زار أحدكم قوما فلا يصلين بهم ، ولم يذكر صدر الحديث.
واللفظ المذكور فى الكتاب لأبى داود الا قوله: يتحدث حضرت الصلوة يوما، فانه للترمذى، ولفظ أبي داود:
الى مصلانا هذا فأقيمت الصلوة .
١١٢٧ - قوله ( استخلف رسول اللّه عَّ ابن أم مكتوم) أى أقامه مقام نفسه فى مسجد المدينة حين
خرج الى الغزو (يؤم الناس) قال القارى: هو بيان للاستخلاف. وقال ابن حجر: أى استخلافا عاما على المدينة
مرتين على ما روى، وخاصا بكونه يؤم الناس. وقال الأمير المانى: المراد استخلافه فى الصلوة وغيرها، وقد
٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
وهو أعمى. رواه أبو داود.
أخرجه الطبرانى بلفظ: فى الصلوة وغيرها ، وإسناده حسن. وقد عدت مرات الاستخلاف له، فبلغت ثلاث عشرة
مرات. ذكره فى الخلاصة (وهو أعمى) قال الشيخ عبد الحق الدهاوى فى أشعة العات: فيه دليل على جواز إمامة
الأعمى من غير كرامة فى ذلك. وقال ابن حجر: فيه جواز إمامة الأعمى. ولا نزاع فيه، وانما النزاع فى أنه
أولى من البصير أو عكسه . قال الشوكانى: قد صرح أبو اسحاق المروزى والغزالى بأن إمامة الأعمى أفضل من
إمامة البصير، لأنه أكثر خشوعا من البصير لما فى البصير من شغل القلب بالمبصرات. ورجح البعض أن إمامة
البصير أولى، لأنه أشد توقيا للنجاسة. والذى فهمه الماوردى من فص الشافعى أن إمامة الأعمى والبصير سواء فى
عدم الكراهية ، لأن فى كل منهما فضيلة غير أن إمامة البصير أفضل، لأن أكثر من جعله النبى وَث إما ما البصراء.
وأما استنابته مَّ لابن أم مكتوم فى غزواته فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين الا معذور. فلعله لم يكن
فى البصراء المتخلفين من يقوم مقامه أو لم يتفرغ لذلك أو استخلفه لبيان الجواز. وأما إمامة عتبان بن مالك
لقومه، أى مع كونه ضرير البصر فلعله أيضا لم يكن فى قومه من هو فى مثل حاله من البصراء - انتهى كلام
الشوكانى . وقال فى البدائع بعد التصريح بجواز إمامة الأعمى ما لفظه: والأعمى يوجه غيره الى القبلة ، فيصير فى
أمر القبلة مقتديا بغيره ، وربما يميل فى خلال الصلوة عن القبلة، ولأنه لا يمكنه التوقى عن النجاسة ، فكان البصير
أولى الا اذا كان فى الفضل لا يوازيه فى مسجده غيره، فحينئذ يكون أولى، ولذا استخلف التى تَع ابن أم مكتوم -
انتهى . وقال ابن الملك: كراهة إمامة الأعمى إنما مى اذا كان القوم سليم أعلم منه أو مساوله علما - انتهى: قال
النوربشتى : استخلف ابن أم مكتوم على الإمامة حين خرج الى تبوك مع أن عليا رضى الله عنه فيها لئلا يشغله
شاغل عن القيام بحفظ من يستحفظه من الأهل حذرا أن ينالهم عدو بمكروه . وقال ابن حجر . يمكن أن يوجه بأنه
لو استخلفه فى ذلك أيضا لوجد الطاعن فى خلافة الصديق سبيلا وإن ضعف (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا
أحمد والبيوتى (ج ٣ ص ٨٨) وسكت عنه أبو داود والمنذرى، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه ، وأبو يعلى
والطبرانى فى الأوسط عن عائشة. قال الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٦٥) بعد عزوه الى أبي يعلى والطبرانى:
ورجال أبى يعلى رجال الصحيح. وأخرجه أيضا البزار والطبرانى فى الأوسط عن ابن عباس. قال الهيشمى: وفيه
عقير بن معدان ، وهو ضعيف، وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير من حديث عبدالله بن بحينة. قال الهيشمى: وفيه
الواقدى، وهو ضعيف. وفى الباب عن عبدالله بن عمير امام بنى خطمة أنه كان إماما لبنى ختمة على عهد رسول الله
عَلَّ، وهو أعمى. قال الشوكانى: أخرجه الحسن بن سفيان فى مسنده وابن أبى خيمة. وقال الهيشمى: رواه
الطبرانى فى الكبير ، ورجاله رجال الصحيح.
٥٤
١

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
١١٢٨ - (٦) وعن أبى إمامة، قال: قال رسول اللّه وَّ: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد
الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارمون.
١١٢٨ - قوله (ثلاثة) أى أشخاص (لا تجاوز صلوتهم آذانهم) جمع الأذن الجارحة، أى لا ترتمع الى
السماء، كما فى حديث ابن عباس الآتى، وهو كناية عن عدم القبول، كما هو مصرح به فى الحديث الذى بعده ، وفى
حديث ابن عباس عند ابن حبان. قال التوربشتى: أى لا ترفع الى اللّه تعالى رفع العمل الصالح، بل أدنى شىء من
الرفع . وخص الآذان بالذكر لما يقع فيها من التلاوة والدعاء ، ولا تصل الى الله تعالى قبولا واجابة . وهذا
مثل قوله عليه السلام فى المارقة يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم عبر عن عدم القبول بعدم مجاوزة الآذان .
انتهى . وقال فى اللعات: خص الآذان بالذكر لقربها، لأنها يقع فيها صوت التلاوة، وإن غاية حظهم منها سماع
ذكرها (العبد الآبق) أى أولهم أو منهم أو أحدهم (حتى يرجع) أى من إباقه الى سيده. وفى معناه الجارية
الآبقة. وفى صحيح مسلم، وسنن أبي داود والنسائى من حديث جرير بن عبد الله البجلي عن التى رَبفى: اذا أبق
العبد لم تقبل له صلوة. وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بعدم المجاوزة عدم قبول الصلوة (وامرأة باتت وزوجها
عليها ساخط) من السخط وهو بالضم وكعنق وجبل ومقعد ضد الرضا، وقد سخط كفرح، وتسخط وأسخطه
أغضبه، قال القارى: هذا اذا كان السخط لسوء خلقها أو سوء أدبها أو قلة طاعتها. أما إن كان سخط زوجها
من غير جرم فلا إثم عليها. قال الشوكانى فى الحديث: ان اغضاب المرأة لزوجها حتى يبيت ساخطا عليها من
الكبائر. وهذا اذا كان غضبه عليها بحق. وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ◌ُ لّم إذا دعا
الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبانا عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح. وسيأتى فى عشرة النساء (وإمام
قوم وهم له كارهون) أى لأمر مذموم فى الشرع، وإن كرهوا لخلاف ذلك فلا كراهة. قال ابن الملك: أى
كارهون لبدعته أو فسقه أو جهله. أما اذا كان بينه وبينهم كراهة أو عداوة بسبب أمر دنيوى فلا يكون له
هذا الحكم. والحديث يدل على كراهة أن يكون الرجل إماما لقوم يكرهونه. قال الشوكانى: وقد ذهب قوم الى
التحريم ، والى الكراهة آخرون. ويدل على التحريم ففى قبول الصلوة وأنها لا تجاوز أذنه، ولعن الفاعل
لذلك، كما فى حديث أنس عند الترمذى: لعن رسول اللّه مَّ ثلاثة رجل أم قوما وهم له كارهون - الحديث ، قال
وقد قيد ذلك جماعة عن أهل العلم بالكراهة الدينية لسبب شرعى. وأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها ،
وقيدوه أيضا بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين ، ولا اعتبار بكراهة الواحد والاثنين والثلاثة اذا كان
المؤتمون جمعا كثيرا الا اذا كانوا اثنين أو ثلاثة ، فإن كراهتهم أو كرامة أكثرهم معتبرة. قال والاعتبار بكراهة
أهل الدين دون كراهته غيرهم، حتى قال الغزالى فى الاحياء لو كان الأقل من أهل الدين يكرهونه فالنظر اليهم،
٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
رواه الترمذى وقال: هذا حديث غريب.
١١٢٩ - (٧) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ◌َوَه: ثلاثة لا تقبل منهم صلوتهم: من تقدم
قال وحمل الشافعى الحديث على إمام غير الوالى، لأن الغالب كراهة ولاة الأمر ، قال وظاهر الحديث عدم
الفرق - انتهى. (رواه الترمذى) هذا الحديث مما انفرد به الترمذى، كما قال الشوكانى (وقال هذا حديث
غريب) كذا فى جميع النسخ. والذى فى الترمذي حديث حسن غريب. وهو الذى ذكره المنذرى فى الترغيب
والشوكانى فى النيل. والحديث قد ضعفه البيهقى (ج ٣ ص ١٢٨). قال النووى فى الخلاصة: والأرجح هنا
قول الترمذى - انتهى. وفى سنده أبو غالب الراسى البصرى، ضعفه النسائى وابن سعد. وقال أبو حاتم: ليس
بالقوى. ووثقه موسى بن هارون الحمال والدارقطنى. وقال ابن معين: صالح الحديث . وقال ابن عدى: لم أر فى
أحاديثه منكرا، وأرجو أنه لا بأس به. وحسن الترمذى بعض أحاديثه. وصحح بعضها. كذا فى تهذيب التهذيب.
وقال فى التقريب: صدوق يخطئى - انتهى. فالظاهر أن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن، والله أعلم. وفى الباب
أحاديث عن جماعة من الصحابة. ذكرما الشوكانى فى النيل مع الكلام عليها .
١١٢٩ - قوله (وعن ابن عمر) كذا فى جميع النسخ الحاضرة الموجودة عندنا. والمراد به عبد الله بن
عمر بن الخطاب . والذى فى سنن أبي داود، وابن ماجه عبد الله بن عمرو، أى ابن العاص. وكذا ذكره المجد بن
تيمية فى المنتقى نقلا عن أبى داود و ابن ماجه . و کذا وقع فى معالم السنن (ج ١ ص ١٦٩) شرح سنن أبي داود
للخطابى، والسنن الكبرى للبيهقى (ج٣ ص ١٢٨) وهذا هو الصواب، فإن الحديث من رواية عمران من
عبد المعافرى التابعى، وهو يرويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص لا ابن عمر. قال الذهبي فى الميزان (ج ٢
ص ٢٨٨) فى ترجمة عمران المذكور: ضعفه يحيى بن معين، يحدث عنه الافريقى عن عبد الله بن عمرو: ثلاثة
لا يقبل منهم صلوة - الحديث . وقال الحافظ فى التهذيب (ج ٨ ص ١٣٤): روى عن عبد الله بن عمرو وعنه
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقى. وكذا قال الخزرجى فى الخلاصة (ص ٢٩٦). والحديث ذكره النابلسى
فى ذخائر المواريث فى مسند عبد الله بن عمرو بن العاص وكذا نسبه اليه السيوطى فى الجامع الصغير، والعزيزى فى
فى السراج المنير. ووقع فى تيسير الوصول (ج ٢ ص ٢٦٨) وجامع الاصول (ج٦ ص٣٧٩) وعن ابن عمرو
ابن العاص. فالظاهر أن ما وقع فى نسخ المشكوة من قصرف النساخ والله تعالى أعلم (لا تقبل منهم صلاتهم) وفى
أبى داود: لا يقبل الله منهم صلوة ولفظ ابن ماجه: لا تقبل منهم صلوة، قالوا القبول أخص من الاجزاء،
أى فلا يلزم من عدمه عدم الاجزاء، وهو كونه سيبا لسقوط التكليف، والقبول كونه سييا
للثواب. والحاصل أن المراد بنفى القبول ففى الثواب لا ففى الصحة والاجزاء (من تقدم) خير
٥٦
١

مرعاة المفاتيح ج؛
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الإمامة
قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلوة دبارا - والدبار: أن يأتيها بعد أن تفوته - ورجل
اعتبد محررة. رواه أبو داود، وابن ماجه.
مبتدأ محذوف أى أحدهم (قوما) للإمامة (وهم له كارهون) فى شرح السنة. قيل: المراد به إمام ظالم .
وأما من أقام السنة فاللوم على من كرمه. وقال الخطابى فى المعالم (ج ١ ص ١٧٠): يشبه أن يكون هذا
الوعيد فى الرجل ليس من أهل الإمامة، فيقتحم فيها ويتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته. فأما إن كان
مستحقا للإمامة فاللوم على من كرهه دونه - انتهى . (ورجل) أى و ثانيهم رجل (أتى الصلوة) أى حضرها
(دبارا) بكسر الدال . وانتصابه على المصدر، أى إتيان دبار، يعنى صلاها حين ادبار وقتها بحيث لا يسع
الوقت جميعها وكان ذلك عادة له قال فى الفائق: قبال الشىء ودباره أوله وآخره ، يقال فلان لا يدرى قبال
الأمر من دباره أى ما أوله من آخره وفى الغريبين عن ابن الاعرابى: الدمار جمع دير وُدُبر
وهو آخر أوقات الشىء، أى يأتى الصلوة بعد ما يفوت الوقت. قال ابن حجر: بأن لا يدركها كاملا فيه وقال
الجزرى: دبار جمع دبر أو دُبر، وهو آخر أوقات الشىء. وقيل: أراد بعد ما يفوت الوقت، وقد ذكر فى
الحديث (والدبار أن يأتيها) أى الصلوة من غير عذر (بعد أن تفوته) أى الصلوة جماعة أو أداء قال الخطابي هو
أن يكون قد اتخذه عادة حتى يكون حضوره الصلوة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها - انتهى. وهذا التفسير
ظاهر أنه من الراوى (ورجل اعتبد) أى ثالثهم رجل اتخذ عبدا (محررة) أى نسمة أو رقبة أو نفسا محررة .
قال الطيبي: يقال أعبدته واعتبدته اذا اتخذته عبدا وهو حر وذلك بأن يأخذ حرا، فيدعيه عبدا ويتملكه أو يعتق
عبده ثم يستخدمه كرها أو يكتم عتقه استدامة لخدمته ومنافعه. قال ابن الملك: تأنيث محررة بالحمل على النسمة
لتناول العبيد والاماء. وقيل: خص المحررة لضعفها وعجزها خلاف المحرر لقوته بدفعه. وقال فى المفاتيح شرح
المصابيح: فى بعض النسخ أى للمصابيح محرره بالضمير المجرور. قلت : و كذا وقع فى بعض نسخ أبى داود ، كما
صرح به فى عون المعبود، وكذا ذكره المجد بن تيمية فى المنتقى. وفى الترغيب النذرى وسنن ابن ماجه اعتبد
محررا. قال الشوكانى: أى اتخذ معتقه عبدا بعد إعتاقه. قال الخطابي: اعتباد المحرر يكون من وجهين أحدهما أن
يعتقد ثم يكتم عنقه أو ينكره، وهو شر الأمرين. والوجه الآخر أن يستخدمه كرها بعد العتق، أى بالقهر والغلبة
(رواه أبو داود وابن ماجه) وكذا البيهقى كلهم من رواية الافريقى عن عمران بن عبد بغير إضافة المعافرى،
والافريقى تمد تقدم الكلام فيه. وأما عمران فقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. وذكره
ابن حبان فى الثقات . وقال العجلى: مصرى تابعى ثقة. وذكره يعقوب بن سفيان فى ثقات المصريين كذا فى
التهذيب (ج٨ ص ٣٤). وقال فى التقريب: ضعيف.
٥٧

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
١١٣٠ - (٨) وعن سلامة بنت الحر قالت: قال رسول اللّه ◌َيته: إن من أشراط الساعة أن يتدافع
أهل المسجد لا يجدون إماما يصلى بهم. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
١١٣١ - (٩) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َل: الجهاد واجب عليكم مع كل أمير،
برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر.
١١٣٠- قوله (وعن سلامة) بفتح سين مهملة وخفة لام وها. (بنت الحر) بضم الحاء المهملة بعدها راء
مهملة مشددة، أخت خرشة بن الحر الفزارى ، صحابية ، لذا هذا الحديث فقط (ان من أشراط الساعة) أى من
علاماتها الصغرى الدالة على قربها. واحدها شرط بالتحريك (أن يتدافع أهل المسجد) أى فى الامامة فيدرا كل
من أهل المسجد الامامة عن نفسه إلى غيره، ويقول لست أهلا لها لما ترك تعلم ما تصح به الامامة، و لجهلهم
بما يجوز ولا يجوز (لا يجدون إماماً) أى قابلا للإمامة (يصلى بهم) على وجه الصحة بأداء أركانها. وواجباتها
وسلنها ومندوباتها. وقيل: المعنى يدفع كل من أهل المسجد الامامة عن غيره إلى نفسه، فيحصل بذلك النزاع،
فيؤدى ذلك إلى عدم الامام (رواه أحمد) (ج ٦ ص ٣٨١) (وأبو داود) ومن طريقه رواه البيهقى (ج ٣
ص ٢٩) (وابن ماجه) واللفظ لأحمد وأبي داود. ولفظ ابن ماجه وأحمد فى رواية: يأتى على الناس زمان
يقومون ساعة لا يحدون إماما يصلى بهم. والحديث سكت عنه أبو داود و المنذرى. وفى سنده عندهم جميعا
طلحة أم غراب . قال فى التقريب: لا يعرف حالها. وذكرها ابن حبان فى الثقات ، روت عن عقيلة الفزارية
عن سلامة بنت الحر. قال الحافظ فى التقريب، والذهبى فى الميزان: عقيلة الفزارية جدة على بن غراب،
لا يعرف حالها.
١١٣١- قوله (الجهاد واجب عليكم) أى فرض عين فى حال وفرض كفاية فى أخرى (مع كل أمير)
أى مسلم سلطان أو ولى أمره (برا) بفتح الباء (كان أو فاجرا) فإن الله قد يؤيد الدين بالرجل الفاجر، وإنمه
على نفسه. ويؤيده ما روى عن أنس مرفوعا الجهاد ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال ،
لا یبطله جور جائر ، ولا عدل عادل، أخرجه أبو داود فی حدیث، و سکت عنه هو والمنذری. قال ابن حجر فى
حديث أبى هريرة: جواز كون الأمير فاسقا جائرا وإنه لا ينعزل بالفسق والجور ، وأنه تجب طاعته مالم يأمر
بمعصية. وخروج جماعة من السلف على الجورة كان قبل استقرار الاجماع على حرمة الخروج على الجائر - انتهى
(وإن عمل الكبائر) كذا فى جميع النسخ الموجودة، وكذا وقع فى المصابيح، وليست هذه الزيادة فى سنن
أبى داود، ولم يذكرها أيضا المجد بن تيمية فى المنتقى، والزيلعى فى نصب الراية (ج ٢ ص ٢٧) ولم تقع أيضا فى
٥٨
١
١

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الإمامة
والصلوة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر.
رواية البيهقى (والصلوة) أى بالجماعة (واجبة عليكم) قال القارى: أى بالجماعة، كما تقدم من القول المختار، وهو
فرض عملى لا اعتقادى لثبوته بالسنة، وهى آحاد. وقال ابن حجر: أى على الكفاية لا الأعيان ـ انتهى. وهى فى
غاية من البعد عن شعار الاسلام، وطريق السلف العظام، لأنه يؤدى إلى أنه لو صلى شخص واحد مع الامام فى
مصر أسقط عن الباقين . وقال الطيبي : القرينة الأولى تدل على وجوب الجهاد على المسلمين، وعلى جواز كون
الفاسق أميرا، والثانية على وجوب الصلوة بالجماعة عليهم، وجواز أن يكون الفاجر إماما هذا ظاهر الحديث.
ومن قال الجماعة ليست بواجبة على الأعيان تأوله بأنه فرض على الكفاية كالجهاد، وعليه دليل إثبات ما ادعاه
(خلف كل مسلم) إذا كان إماما (برا كان أوفاجرا وإن عمل الكبائر) قال ابن الملك: أى جاز اقتداءكم خلفه
لورود الوجوب بمعنى الجواز لاشتراكهما فى جانب الاتيان بهما. وهذا يدل على جواز الصلوة خلف الفاسق،
وكذا المبتدع إذا لم يكن ما يقوله كفرا. قال القارى فى أمره بالصلوة خلف الفاجر مع أن الصلوة خلفه
الفاسق والمبتدع مكروهة عندنا دليل على وجوب الجماعة - انتهى. قلت : أختلف فى امامة الفاسق والمبتدع:
فذهب مالك إلى اشتراط عدالة من يصلى خلفه، وقال لا تصح أمامة الفاسق. وذهبت الشافعية والحنفية إلى
صحة إمامته. قال العينى: أما الصلوة خلف الخوارج وأهل البدع فاختلف العلماء فيه: فأجازت طائفة منهم ابن
عمر إذا صلى خلف الحجاج، وكذلك ابن أبى ليلى وسعيد بن جبير. وقال النخبى كانوا يصلون وراء الأمراء
ما كانوا. وروى أشهب عن مالك لا أحب الصلوة خلف الاباضية والواصلية، ولا السكنى معهم فى بلد. وقال
ابن القاسم: أرى الاعادة فى الوقت على من صلى خلف أهل البدع. وقال أصبغ يعيد أبدا. وقال الثورى فى
القدرى لا تقدموه . وقال أحمد بن حنبل: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيا إلى هواه ، ومن صلى
خلف الجهمية والرافضية والقدرية يعيد. وقال أصحابنا: تكره الصلوة خلف صاحب هوى وبدعة ، ولا تجوز
خلف الرافضى والجهمى والقدرى ، لأنهم يعتقدون أن الله لا يعلم الشىء قبل حدوثه وهو كفر، والمشبهة،
ومن يقول بخلق القرآن. وكان أبو حنيفة لا يرى الصلوة خلف المبتدع، ومثله عن أبى يوسف. وأما الفاسق
بجوارحه كالزانى وشارب الخمر فزعم أبن الحبيب أن من صلى خلف من شرب الخمر يعيد أبدا الا أن يكون
واليا . وفى رواية: يصح. وفى المحيط: لو صلى خلف فاسق أو مبتدع يكون محرز الثواب صلوة الجماعة ، ولا ينال
ثواب من صلى خلف المتقى . وفى المبسوط: يكره الاقتداء بصاحب البدعة - انتهى. والحق عندى أنه لا يشترط
عدالة إمام الصلوة لصحة الجماعة وصحة صلوة المقتدين ، ولكن لا يجوز تقديم الفاسق، وكذا المبتدع ببدعة
غير مكفرة للامامة، لأن فى تقديمه تعظيمه، وقد وجب إهانته شرعا، ولأن الفاسق لا يهتم بأمر دينه، ولأن
٥٩

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٦ - باب الامامة
الامامة من باب الامانة، والفاسق خائن، ولأن مبنى الا مامة على الفضيلة، ولأن الناس لا يرغبون فى الصلوة
خلف الفاسق والمبتدع ، فتؤدى إمامتهما إلى تنفير الجماعة وتقليلها ، وذلك مكروه، ولقوله عليه السلام: اجعلوا
أثمتكم خياركم ، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. أخرجه الدار قطنى (ص ١٩٧) والبيهقى (ج ٣ ص ٩٠)
من حديث ابن عمر قال البيهقى: إسناده ضعيف - انتهى. قلت: فى سنده حسين بن نصر المؤدب. قال ابن
القطان: لا يعرف. وفيه أيضا سلام بن سليمان المدائى. قال الشوكانى: ضعيف، ولقوله عليه السلام: إن
سركم أن تقبل صلوتكم فليؤمكم خياركم - الحديث. أخرجه الحاكم من حديث مرتد الغنوى فى كتاب الفضائل
(ج ٤ ص ٢٢٢) وسكت عنه، وأخرجه أيضا الطبر انى والدار قطنى (ص ١٩٧) الا أن الطبرانى قال فظيؤمكم
علماءكم. وفيه عبد الله بن موسى. قال الدارقطنى: ضعيف. وفيه أيضا القاسم بن أبى شيبة، وقد ضعفه ابن
معين، ولما روى أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى عن السائب بن خلاد أن رسول الله عَّم رأى رجلا أم
قوما فبصق فى القبلة، ورسول اللّه مَّم ينظر اليه فقال رسول الله عز فه حين فرغ لا يصلى لكم فأراد بعد ذلك
أن يصلى بهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول اللّه ◌َبث}، فذكر ذلك لرسول اللّه مؤله فقال نعم. قال الراوى:
حسبت أنه قال له إنك آذيت الله ورسوله، ولما روى عن على رضى الله عنه مرفوعا لا يؤمنكم ذوجرأة فى
دينه. ذكره الشوكانى فى النيل بلا سند. وقال العلامة القنوجى فى دليل الطالب (ص ٣٣٩) هو مرسل ، ولقوله
عليه السلام: لا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه. أخرجه ابن ماجه من حديث
جابر فى صلوة الجمعة. وفى سنده عبد الله بن محمد العدوى التميمى، وهو تألف. قال البخارى وأبو حاتم
والدار قطنى: منكر الحديث. وقال الدار قطنى أيضا: متروك. وقال وكيع: يضع الحديث . وقال ابن حبان
لا يجوز الاحتجاج بخيره . وقال ابن عبد البر: جماعة أهل العلم بالحديث يقولون إن هذا الحديث من وضع
عبد الله بن محمد العدوى، وهو عندهم موسوم بالكذب. كذا فى تهذيب التهذيب (ج ٦ ص ٢١) هذا ولا يجوز
للفاسق المبتدع التقدم للإمامة لما سبق من حديثى أبى أمامة وعبدالله بن عمروبن العاص وما وافقهما من الأحاديث
الدالة على تحريم إمامة الرجل، وهم له كارهون. ولو تقدم الفاسق والمبتدع للامامة وجب على القوم أن يمنعوهما عن
الامامة و إن عجزوا عن المنع والعزل جازت الصلاة خلفهما مع الكراهة أى جاز الاقتداء بهما للضرورة، وهى
خوف الفتنة فى منعهما وعزلهما عن الإمامة ، وفى ترك الصلوة بالجماعة ، وقصح الجماعة، ويكون المصلى محرزا
الثواب الجماعة. لكن لاينال مثل ما ينال خلف تقى وبالجملة لا تفسد صلوة من صلى خلف الفاسق والمبتدع
لعدم ما يدل على اشتراط عدالة الامام فى حق صحة صلوة المقتدى، وجواز الاقتداء، ولأن جواز الصلوة متعلق
بأداء الأركان، وهما قادران عليها، ولأن عدم قبول صلوتهما لا يستلزم عدم جواز الاقتداء بهما، ولا عدم
٦٠
١