Indexed OCR Text

Pages 401-420

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤- كتاب الصلاة
٢٠ ۔ باب السهو
١٠٢٣ - (٣) ورواه مالك عن عطاء مرسلا. وفى روايته، شفعها بهاتين السجدتين.
١٠٢٣ - (ورواه مالك عن عطاء مرسلا) وأخرجه أبو داود والبيهقى أيضا مرسلا عن عطاء.
قال الزرقانى فى شرح الموطأهكذا مرسلا عند جميع الرواة (أى رواة الموطأ) وتابع مالكاعلى ارساله الثورى وحفص
ابن ميسرة ومحمد بن جعفروداود بن قيس فى رواية ، ووصله الوليد بن مسلم ويحمي بن راشد المازنى كلاهما عن مالك
عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبى سعيد الخدرى. وقد وصله مسلم من طريق سليمان بن بلال وداود بن قيس كلاهما عن
زيد بن أسلم عن عطاء عن أبى سعيد. وله طرق عند أبى داود والنسائى وابن ماجه عن زيد موصولا، ولذا قال
أبو عمربن عبد البر: هذا الحديث وإن كان الصحيح فيه عن مالك الإرسال فانه متصل من وجوه ثابتة من حديث
من تقبل زيادته لأنهم حفاظ فلا يضره تقصير من قصرفى وصله إلا أن الصحيح أنه من مسند أبي سعيد الخدرى.
وما أخرجه النسائى من طريق عبد العزيز الدراوردى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ، قال ابن
حبان: وهم عبد العزيز فى قوله ابن عباس، وانما هو عن أبى سعيد. وقال الأثرم لأحمد بن حنبل. أتذهب إلى
حديث أبى سعيد))؟ قال. نعم، قلت: إنهم يختلفون فى اسناده، قال: إنما قصر به مالك وقد أسنده عدة منهم ابن
عملات وعبدالعزيز بن أبى سلمة - انتهى. وقال الخطابى فى المعالم (ج١ ص٢٤٠): قد ضعف حديث أبى سعيد
الخدرى قوم زعموا أن مالكا أرسله عن عطاء بن يسار ولم يذكر فيه أبا سعيد الخدرى. وهذا مما لا يقدح فى صحته.
ومعلوم عن مالك أنه يرسل الأحاديث وهى عنده مسندة وذلك معروف من عادته وقد رواه أبو داودمن
طريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم وذكر أن هشام بن سعد أسنده فبلغ به أبا سعيد، وقد أسنده أيضا سليمان
ابن بلال - انتهى. قلت: رواية هشام بن سعد أخرجها البيهقى فى السين الكبرى وفى معرفة السين. وأما
رواية الدراوردى عن زيد عن عطاء عن ابن عباس، فلم أجدما فى الصغرى من سين النسائى، فلعلها فى الكبرى،
فعم ذكرها الخطابى فى المعالم ( ج١ ص٢٤٠) قال: قال الشيخ: ورواه ابن عباس أيضا حدثونا به عن محمد بن.
إسماعيل الصائغ قال حدثنا ان قعنب حدثنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن
عباس: أن رسول الله ےہے قال: إذا شك أحدكم، الحديث . قال الحافظ فى التلخيص (ص ١١٢) وروى عن.
ابن عباس وهو وهم، وقال ابن المنذر: حديث أبى سعيد أصح حديث فى الباب - انتهى (وفى روايته) أى.
ورواية مالك المرسلة بدل (( شفعن له صلاته)) (شفعها) أى صيرها شفعا (بهاتين السجدتين) اللتين سجدهما للسهو
أى لما بنى على اليقين وصلى ركعة أخرى، فإن صارت صلاته خمسا شفعها أى جعل الخمس شفعا بهاتين السجدتين.
لأنها قصير ستا بهنا حيث أتى بمعظم أوكان الركعة وهو السجود، فكأنه أتى بالركعة السادسة. وقال ابن رسلان :
يعنى لو لم يسجد للسهو لكانت الخامسة، لا يتناسب أصل المشروعية، فلا مجد جدتي السهو ارتفعت الوترية»
ومامت الشفعية المناسبة الاصل - انتهى.
٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
١٠٢٤ - (٤) وعن عبد الله بن مسعود: أن رسول اللّه عَّ صلى الظهر خمسا، فقيل له:
أ زيد فى الصلوة؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلم.
١٠٢٤ - قوله (صلى الظهر خمسا) أى خمس ركعات (فقيل له) أى لرسول الله ومؤفيه بعد أن
سلم (أزيد فى الصلاة) بهمزة الاستفهام للاستخبار (فقال وما ذاك) أى وما سؤالكم عن الزيادة فى الصلاة. وفى
رواية لمسلم: فلما انقتل توشوش القوم بينهم فقال: ما شأنكم، قالوا: يا رسول الله ! هل زيد فى الصلاة ، قال:
لا وقد تبين بهذه الرواية أن سؤالهم لذلك كان بعد استفساره لهم عن مساورتهم. وهو دال على عظيم أدبهم معه
◌َت (فسجد سجدتين) أى للسهو (بعد ما سلم) كلمة ( ما)) مصدرية أى بعد سلام الصلاة. وفى رواية للشيخين
فثنى رجليه واستقبل القبلة، وسجد سجدتين ثم سلم، أى من سجدتي السهو. وقد روى أحمد ومسلم وابن خزيمة
وغيرهم هذا الحديث مختصراً أيضا بلفظ: أن النبى تؤدي سجد سجدتى السهو بعد السلام والكلام. قال ابن خزيمة: إن
كان المراد بالكلام قوله. وما ذاك)) فى جواب قولهم ((أزيد فى الصلاة)) فهذا نظير ما وقع فى قصة ذى اليدين.
وسيأتى البحث فيه فيها . وإن كان المراد به قوله: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. فقد اختلفت الرواة فى الموضع.
الذی قاها فيه : ففي رواية منصور : أن ذلك كان بعد سلامه من سجدتی السهو . وفى رواية غيره أن ذاك كان قبل
ورواية منصور أرجح - انتهى. واحتج به من قال إن سجود السهوكله بعد السلام، وهم الحنفية وتعقب
بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه هل زيد فى الصلاة. وقد اتفق العلماء فى هذه الصورة على أن
مجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو. وأجاب بعضهم بما وقع فى هذا الحديث من الزيادة
الآتية القولية. وأجيب بأنه معارض بحديث أبى سعيد المتقدم. فالظاهر أن ذلك كان منه ربيع لبيان الجواز،
والتوسع فى الأمرين. كما تقدم، وقد رجح البيهقى: التخيير فى سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردى
وغيره: الاجماع على الجواز. وإنما الخلاف فى الأفضل. وكذا قال النووى واستدل بالحديث على أن من
صلى خمساً ساميا ولم يجلس فى الرابعة أن صلاته لا تفسد، خلافا للكوفين. وقولهم : يحمل هذا على أنه قعد فى
الرابعة يحتاج إلى دليل، بل السياق يرشد إلى خلافه، وعلى أن الزيادة فى الصلاة على سبيل السهولا تبطلها ،
وعلى أن من لم يعلم بسهوه الا بعد السلام يسجد للسهو، وعلى أن الكلام العمد فيما يصلح به الصلاة لا يفسدها، وعلى
أن من تحول عن القبلة سابها لا إعادة عليه كذا فى الفتح قلت: ذهب الجمهور مالك والشافعى وأحمد وإسحاق
ابن راهويه وغيرهم إلى أنه إذا صلى الرجل الظهر خمسا فصلاته جائزة، وستجد محدثى السهو، وإن لم يجلس فى
الرابعة. والحديث حجة لهم. ومسلك الحنفية فى ذلك على ما فى الهداية وحواشيه: أن من سها عن القعدة الأخيرة
٤٠٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
حتى قام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد ، لأن فيه إصلاح صلاته، وأمكنه ذلك، لأن ما دون الركعة
بمحل الرفض ، وألنى الخامسة، وسجد للسهو لتأخير الفرض، وهى القعدة، وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه،
لأنه تحقق شروعه فى النافلة قبل إكمال الفرض، فان القعدة الأخيرة فرض عندهم، وبترك الفرض تبطل الصلاة،
وتحولت صلاته ففلا عند أبى حنيفة وأبى يوسف ، وبطلت عند محمد، فيضم اليها ركعة، ولولم يضم لا شىء عليه،
ولو قعد فى الرابعة، ثم قام، ولم يسلم عاد إلى القعدة ما لم يسجد الخامسة، وسلم، وإن قيد الخامسة بالسجدة،
ثم تذكر ضم اليها ركعة أخرى، وتم فرضه لأن الباقى إصابة لفظ السلام ، وهى غير فرض عندهم، وإنما يضم اليها
أخرى لتصير الركعتان نقلا ، لأن الركعة الواحدة لا تجزيه عندهم لحديث النهى عن البتيراء. وحملوا حديث
ابن مسعود هذا على أنه جلس على الرابعة . وفيه: أنه محتاج إلى دليل ، بل سياق الحديث يرشد إلى خلافه،
قال ابن قدامة فى المغنى ( ج١ ص ٦٨٩) الظاهر أنه تربية لم يجلس عقيب الرابعة، لأنه لم ينقل، ولأنه قام إلى
الخامسة معتقدا أنه قام عن ثالثة، ولم تبطل صلاته هذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى. وحديث أبى سعيد أيضاحجة
عليهم، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التى قلبها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعانها ، ولم يضم اليها
ركعة أخرى. وهذا كله خلاف لما قالوه. فقد خالفوا الخبر ين جميعا. وقولنا يوافق الخبرين جميعا - انتهى. وقال
السندى: حمله علماءنا الحنفية على أنه جلس على الرابعة، إذ ترك هذا الجلوس عندهم مفسد. ولا يخفى أن الجلوس
على رأس الرابعة إما على ظن أنها رابعة أو على ظن أنها ثانية ، وكل من الأمرين يفضى إلى اعتبار الواقعة منه أكثر
من سهو واحد . وإثبات ذلك بلا دليل مشكل. والأصل عدمه. فالظاهر أنه ماجلس أصلا. وذلك لأنه إن ظن أنها
رابعة فالقيام إلى الخامسة يحتاج إلى أنه نسى ذلك، وظهرله أنها ثالثة مثلا ، واعتقد أنه خطأ فى جلوسه. وعند ذلك
ينبغى أن يسجد للسهو فتركه لسجود السهو. أو لا يحتاج إلى القول أنه نسى ذلك الاعتقاد أيضا، ثم قوله: وماذاك بعد ان
قيل له، يقتضى أنه نسى بحيث ما تنبه له بتذكيرهم أيضا. وهذا لا يخلوعن بعد. وإن قلنا أنه ظن أنها ثانية سهوا ونسيانا
فذاك النسيان مع بعده يقتضى أن لا يجلس على رأس الخامسة ، بل يجلس على رأس السادسة، فالجلوس على رأس
الخامسة يحتاج إلى اعتبار سهو آخر - انتهى. تنبيه: قال العينى فى شرح البخارى ( ج٧ ص ٣٠٧) مستدلا
على وقوع الجلوس منه مثل عقيب الرابعة: إن المذكور فى الحديث ((صلى الظهر خمسا)) والظهراسم للصلاة المعهودة
فى وقتها بجميع أركانها. وفيه: أن إطلاق لفظ الظهر لا يدل على أنه جلس فى الرابعة بل قوله خمسا يرشد إلى
خلاف ذلك وانما هذا كقول الراوى فى قصة ذى اليدين «صلى بنا النبي مرثية الظهر، وفى رواية العصر فسهم مع أنه
عربيّة قد ترك الركعتين الأخير تين نسيايا، وقال بعضهم حديث ابن مسعود واقعة حال، لا عموم لها، فلا
٤٠٣
:

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
وفى رواية: قال: إنما أنا بشر مثلكم،
يشكل على الحنفية إلا بعد إثبات أنه عليه الصلاة والسلام لم يجلس على الرابعة وهو لم يثبت بعد، بل هو محتمل،
ولا يحتاج الحنفية إلى إثبات القعدة، كما هو ظاهر، لأنهم قالوا إن القعدة فرض فلا يترك إلا بنص يخالفه لا بمحتمل.
وفيه: أنه لم يقم دليل يثبت به كون القعدة الأخيرة فرضا بالمعنى المصطلح عندهم . ولا بد لمن يدعى قعوده
على الرابعة أن يأتى بدليل يدل صراحة على ذلك. ولا يكفى الاحتمال فى مثل هذا . والحديث ليس بظاهر فى ثبوت
القعود، بل هو ظاهرفى ففيه، كما يرشد السياق اليه. بل ذكر الشيخ محمد انور الحنفى تصريح نفى الجلوس عقب
الرابعة عن معجم الطبرانى حيث قال: وفى المعجم الطبرانى نفى القعدة على الرابعة صراحة، فأشكل لأمر علينا،
ولابد له من جواب - انتهى. (فيض البارى ج٢ ص ٣٣٩) قال جامعه: ولم أسمع منه - يعنى من شيخه محمد نور-
جوابه ، ولا اتفق لى السؤال عنه. والله تعالى يدرى ما كان جوابه عنده. ولاريب أن الأمر أمر- انتهى. قلت:
لاشك أن الحديث مشكل جدا على الحنفية ولم أرلهم جوابا عنه إلا ادعاء القعود على الرابعة من غير دليل مع كونه
مخالفا لما فى الطبرانى من أفى القعدة صراحة على ما قال صاحب فيض البارى. ولوصرفنا النظر عن ذلك،
وسلمنا أنه قعد فى الرابعة أشكل عليهم أيضا، لأنه لم يضم السادسة ، بل اكتفى بسجدتى السهو. وضم الركمة السادسة
مؤكد، بل واجب عندهم. وأما قول العينى: لا يضرنا ذلك، لأنما لا نلزمه بعضم الركعة السادسة على طريق
الوجوب حتى قال صاحب الهداية: ولو لم يضم لاشئى عليه لأنه مظنون. وقال صاحب البدائع: والأولى أن
يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا ففلا إلا فى العصر. ففيه: أن هذا مخالف لقولهم: لا بد من أن يضم سادسة،
لان الركعة الواحدة لا تجزيه لنهيه عليه السلام عن البتيراء، فانه ظاهر فى وجوب ضم السادسة فى هذه الصورة.
واعلم أن حديث النهى عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد بسنده من رواية أبى سعيد الخدرى بلفظ: أن
رسول اللّه مَّ نهى عن البتيراء أن يصلى الرجل واحدة يوتر بها، ذكره عبد الحق فى أحكامه، وقال الغالب
على حديث عثمان بن محمد بن ربيعة - أحد رواة هذا الحديث - الوهم. وقال ابن القطان فى كتابه الوم
والايهام بعد ذكره من جهة ابن عبد البر: الحديث شاذ، لا يعرج عليه ما لم يعرف عدالة روايه.
وعثمان بن محمد بن ربيعة الغالب على حديثه الوهم - انتهى. وقال ابن حزم: لم يصح عن النبي لح نهى
عنه البيراء - انتهى. وهو أيضا معارض بما ثبت. وصح عن النبى مَثّم من الإيتار بركمة قولا وفعلا
(وفى رواية قال) أى رسول اللّه تمثل بعد سلامه من سجدتى السنهو (إنما أنا بشر مثلكم) أى فى جميع الأمور البشرية
إلا أنه يوحى إلى. قال الشوكانى: هذا حصرله فى البشرية بإعتبار من انكرثبوت ذلك ، ونازع فيه عنادا وجحودا.
. وأما باعتبار غير ذلك مما هو فيه فلا ينحصر فى وصف البشرية ، إذ له صفات أخر ككونه جسما حيا متحركا، عيا
٤٠٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكرونى، وإذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه،
يسجد سجدتين .
ـم
ليسلم
رسولا، بشيرانذيرا، سراجا منيرا وغير ذلك (أنسى كما تنسون) زاد النسائى ((واذكركما تذكرون)) وفيه دليل على
جواز السهو والنسيان عليه روت فيما طريقه التشريع. وقد نقل عياض الاجماع على عدم جواز دخول السهوفى
الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه بل يقع
له بيان ذلك إما متصلا بالفعل أو بعد، كما فى حديث ذى اليدين من قوله: لم أنس ولم تقصر، ثم تبين أنه نسى .
وفائدة جواز السهو فى مثل ذلك بيان الحكم الشرعى، إذا وقع مثله لغيره (فإذا نسيت فذكرونى) فكان حقهم أن
يذكروه بالإشارة ونحوها عند إرادة قيامه إلى الخامسة (فظيتحر الصواب) قال الطيبى: التحرى القصد والاجتهاد
فى الطلب، والعزم على تحصيل الشىء بالفعل. والضمير البارزفى (فظيتم عليه) راجع إلى ما دل عليه ((فليتحر)).
والمعنى فليتم على ذلك ما بقى من صلاته بأن يضم اليه ركعة. ولمسلم فى رواية: فأيكم شك فى صلاته فلينظر أحرى
ذلك إلى الصواب. وله أيضا: فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب. وفى لفظ له: فظيتحر الذى يرى أنه الصواب. واستدل
به من قال بالعمل بغالب الظن، وتقديمه على البناء على اليقين أى الأقل وهم الحنفية. قال القارى: معناه فليطلب
بغلبة ظنه واجتهاده الصواب. وقال السندى: أى فليطلب ما يغلب على ظنه ليخرج به عن الشك، فإن وجد فليين
عليه، ولاظين على الأقل لحديث أبى سعيد السابق - انتهى. قال الحافظ: وهو أى كون التحرى بمعنى الأخذ بغالب
الظن ظاهر الروايات التى عند مسلم - انتهى. وحمله الجمهور على اليقين. قال الخطابى فى المعالم (ج ١ ص ٢٣٩)
ومعنى التحری فی حدیث ابن مسعود عند أصحاب الشافعی هو البناء على البقین على ما جاء تفسيره فى حديث أبى سعيد
الخدرى. وحقيقه التحرى هو طلب أحرى الأمرين وأولاهما بالصواب. وأحراهما ما جاء فى حديث أبى سعيد
من البناء على اليقين لما كان فيه من كمال الصلاة والاحتياط لها ومما يدل على أن التحرى قديكون بمعنى اليقين قوله
تعالى: ﴿فمن أسلم فأولئك تحروا وشد ٧٢ - ١٤﴾ - انتهى. وقال الشافعى: فليتحر الصواب معناه فليتحر الذى يظن
أنه نقصه فيتمه فيكون التحرى أن يعيد ما شك فيه، وبنى على ما استيقن، وهو كلام عربى مطابق لحديث أبي سعيد
إلا أن الالفاظ تختلف لسعة الكلام فى الامر الذى معناه واحد - انتهى. وقدمنا طرفا من الخلاف فى كون التحرى
والبناء على اليقين شيئا واحدا أم لا (ثم ليسلم ثم يسجد) بالجزم. وقيل: بالرفع. وثم لمجرد التعقيب ، وفيه دليل
لمن قال أن سجود السهو بعد السلام. وقد اختلف أهل العلم فى ذلك على عشرة أقوال: الأول: أن سجود
السهو كله بعد السلام. وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه عملا بحديث ابن
مسعود، وحديث ذى اليدين التالى، وحديث عمران بن حصين فى الفصل الثالث، وحديث عبد الله بن جعفر.
٤٠٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
.
المتقدم، وحديث ثوبان عند أبى داود وابن ماجه مرفوعا: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم . قال الحافظ: فى سنده
اختلاف. وقال العراقى: حديث مضطرب. الثانى: أنه كله قبل السلام. وبه قال الشافعى أخذا بحديث
أبى سعيد الخدرى، وحديث عبدالرحمن بن عوف، وقد ذكرنا لفظه، وحديث عبد الله بن بحينة الآتى. الثالث:
التفرقة بين الزيادة والنقصان فيسجد للزيادة بعد السلام أخذا بحديث ذى اليدين والنقص قبله أخذا بحديث ابن
بحينة. قيل: وهذا مذهب مالك. وفيه أن هذا الفرق غير صحيح، لأن قصة ذى اليدين وقع السجود فيها بعد
السلام، وهى عن نقصان، وأيضا من جمع عليه السهوان: أحدهما فى الزيادة ، والثانى، فى النقصان ، فلا يكون
مساغ له . وما قالوا يسجد قبل السلام تغلييا لجانب النقص لادليل عليه. الرابع: أنه يستعمل كل حديث، كما ورد
ففى السلام من اثنتين بعد السلام لحديث ذى اليدين ، وكذا اذا سلم من ثلاث لحديث عمران، وفى التحرى بعد
السلام لحديث ابن مسعود، وفى القيام من ثنتين قبل السلام لحديث ابن بحينة، وفى الشك بنى على اليقين ، ويسجد
قبل السلام لحديث أبى سعيد، وما عدا هذه المواضع يسجد كله قبل السلام. والى ذلك ذهب أحمد بن حنبل .
الخامس : أنه يستعمل كل حديث ، كما ورد وما لم يرد فيه شىء مما كان نقصا سجد له قبل السلام ، وفى الزيادة
بعد السلام. وبه قال اسحاق بن راهويه. وقد تبين بهذا أنن الشافعى وأبا حنيفة سلكا مسلك الترجيح، ومالكا.
وأحمد وإسحاق سلكوا مسلك الجمع. السادس: أن البانى على الأقل عند شكه يسجد قبل السلام على حديث.
أبى سعيد، والمتحرى فى الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود. وإلى ذلك ذهب أبو حاتم.
ابن حبان. السابع: أنه يتخير السامى بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص، حكام
ابن أبى شيبة فى المصنف عن على، وحكاء الرافعى قولا للشاضى. قال الحافظ: ورجح البيهقى طريقة التخيير فى
مجود السهو قبل السلام أو بعده. ودليلهم أن النبي مَثُ صح عنه السجود قبل السلام وبعده فكان الكل سنة .
الثامر . : أن كله بعد السلام الا فى موضعين، فان الساهى فيهما خير، احدهما من قام من ركعتين ،
ولم يجلس، ولم يتشهد . والثانى أن لا يدرى أصلى ركعة أم ثلاثا أم أربعا فينى على الأقل، ويخير فى السجود.
وإلى ذلك ذهب أهل الظاهر، وبه قال ابن حزم. التاسع: أنه لا يشرع مجود السهو إلا فى المواضع التى
مسجد النبي ◌ُّ فيها فقط. وهو مذهب داود الظاهرى. العاشر: ما اختاره الشوكانى فى النيل حيث قال:
وأحسن ما يقال فى المقام أنه يعمل على ما يقتضيه أقواله وأفعاله وجئ من السجود قبل السلام وبعده، فما كان
من أسباب السجود ، مقيدا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيدا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده
٤٠٦

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
متفق عليه
بأحدهما كان مخيرا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص - انتهى. وهذا الخلاف أنما
هو فى الاختيار والأفضل ، لافى الجواز وعدمه ، قال عياض وجماعة من أصحاب الشافعى: ولاخلاف بين هؤلاء
المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة، أو للنقص أنه يجزه، ولا تفسد صلاته وإنما اختلافهم
فى الأفضل. وفى الهداية: هذا الخلاف فى الأولوية، وكذا قال الماوردى فى الحاوى ، وابن عبدالبروغيرهم ، قاله
العينى. وقال النووى: جميع العلماء قائلون بجواز التقديم وجواز التأخير، ونزاعهم فى الأفضل- انتهى. والراجح عندى
القول السابع أعنى التخيير من غير تفصيل وترجيح ، والله أعلم. تنبيه المشهورفى كتب شروح الحديث من
مذهب أبى حنيفة أن سجود السهو كله بعد السلام، كما تقدم . وهذا صريح فى أنه سلك مسلك الترجيح، وترك
أحاديث السجود قبل السلام، لكن قال بعض الحنفية: إن فيما قاله الحنفية جمعا بين روايات فعله مؤثره، لأنهم
قالوا إنه يسلم بعد التشهد عن يمينه فيسجد سجدتى السهو، فيتشهد ويصلى ثم يسلم. وهكذا ورد فى بعض الروايات
المفصلة فى فعله وَيثير، فهذا أوجه ما يجمع به اختلاف الحديث. فالروايات التى ورد فيها سجوده عَ لّه قبل
السلام فالمراد فيها من السلام سلام الانصراف عن الصلوة ، وهو التسليم الثانى فى قولنا ، وماورد فيه السجود
بعد السلام فالمراد فيه سلام الفصل بين الصلاة والسجدتين ، قال وفيه العمل بكل من روايات القول والفعل ، فهذا .
الجمع لشموله لجميع الروايات أولى - انتهى. قلت : هذا الجمع ليس بوجيه فضلا عن أن يكون أولى بل هو بعيد
جدا يرده ظاهر سياق الأحاديث الواردة فى المسئلة، لأن المراد من السلام المذكور فى هذه الأحاديث هو
التسليمتان، لأنه هو المعهود لا السلام الواحد. فالأحاديث التى ذكر فيها سجود السهو بعد السلام المراد من
السلام فيها تسليمتا التحليل بعد التشهد وبعد الصلاة على النبى والأدعية المأثورة. وما ورد فيه السجود قبل السلام
فالمراد منه أنه تشهد وصلى ثم سجد للسهو، ثم سلم السلام المعهود وهو التسليمتان. وهذا كله مخالف لما ذكره مذا
البعض من تفصيل مذهب الحنفية. ففى قولهم هذا طرح لجميع الروايات الواردة فى الباب لا إعمالها ، ولم يرد هذا
التفصيل فى حديث مرفوع صحيح أو ضعيف فهو مردود على قائله (متفق عليه) وأخرجه أيضا البيهقى، وأخرج
الرواية الأولى أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه أيضا، والرواية الثانية أخرجها أحمد وأبو داود
والنسائى وابن ماجه. قال ابن حجر: صريح كلام المنصف أن قوله ((بعد ما سلم)) رواه الشيخان ، وليس كذلك
اذ لم يروه مسلم، وإنما رواه البخارى. والمصنف كأصله يقع له ذلك كثيرا لكن عذره أنه يريد اتفاق
الشيخين على أصل إخراجه وإن لم يتساويا فى كل ألفاظه فاستحضر ذلك فانه ينفعك فى مواضع كثيرة من هذا
الکتاب - انتهى.
٤٠٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
١٠٢٥ - (٥) وعن ابن سيرين، عن أبى هريرة، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
١٠٢٥ - قوله (وعن ابن سيرين) بكسر السين والراء، قال القارى: إنه مضبوط فى جميع النسخ
المصححة والأصول الحاضرة بالفتح (أى بفتح النون على أنه غير منصرف) ويوجه منع صرفه على رأى أبى على
الفارسى فى اعتبار مطلق الزائدين كحمدون وعليون على ما ذكره الجعبرى - انتهى. وسيرين هو مولى أنس بن
مالك من سبى عين التمر ، أدرك الجاهلية ، وسى فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه، كاتبه أنس على عشرين ألف
درهم، فأداها وعتق، والمراد بابن سيرين محمد أبو بكر الأنصارى مولاهم البصرى ثقة ثبت عابد كبير القدر من
كبار التابعين، أخو أنس ومعبد ويحي وحفصة وكريمة أولاد سيرين أبى عمرة. واذا أطلق ابن سيرين فهو محمد
هذا وهؤلاء الستة كلهم تابعيون. قال ابن سعد: كان محمد ثقة مأمونا عاليا فقيها رفيعا إماما كثير العلم. وقال
أبو عوانة: رأيت ابن سيرين فى السوق، فما رأه أحد الا ذكر الله. وروى: أنه اشترى بيتا فأشرف فيه على ثمانين
ألف دينار، فعرض فى قلبه شىء، فتركه. قال الحافظ: كان لايرى الرواية بالمعنى ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ،
ومات لتسع مضين من شوال سنة ١١٠ م، وله سبع وسبعون سنة (عن أبى هريرة قال صلى بنا رسول الله مح بيّة)
أى أمنا، يدخل فيه حرف التعدية فيفيد معنى قولنا: أمنا جعلنا من المؤتمين بصلاته. وفى رواية لمسلم وغيره:
.صلى لنا . واللام فيه قائم مقام الباء ويصح أن يراد صلى من أجلنا لما يعود اليهم من فائدة الجماعة، وبصيب اليهم
من البركة بسبب الاقتداء. واللفظان ظاهران، بل صريحان فى أن أباهريرة حضر قصة السهو. وحمله الطحاوى على
المجاز فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين متمسكا بما قاله الزهرى أن القصة لذى الشمالين المستشهد يبدر قبل إسلام
أبى هريرة بأكثر من خمس سنين ، فإن مقتضاه أن تكون القصة وقعت قبل بدر لكن اتفق أئمة الحديث ،كما
. نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهرى وهم فى ذلك ، فالصواب أن القصة لذى اليدين وهو غير ذى الشمالين نص
على ذلك الشافعى فى اختلاف الحديث وأبو عبد اللّه الحاكم والبيهقى وغيرهم. وقال النووى، فى الخلاصة: إنه
قول الحفاظ وسائر العلماء إلا الزهرى، واتفقوا على تغليطه، وذو الشمالين هو الذى قتل بيدر وهو خزاعى،
و اسمه عمير بن عبد عمرو بن فضلة. وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبى معَّه بمدة ، لأنه حدث بهذا الحديث بعد
النبي مَّثة، كما أخرجه الطبرانى وغيره وهو سلمى، واسمه الخرباق. وقد جوز بعض الأئمة أن القصة وقعت
لكل من: ذى الشمالين وذى اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما، وهو قصة ذى الشمالين،
وشاهد الآخر، وهى قصة ذى اليدين. وهذا محتمل من طريق الجمع. وقيل: يحمل على أن ذا الشمالين كان يقال
له أيضا ذو اليدين وبالعكس فكان ذلك سببا للاشتباه. قلت: قد وقع فى رواية لمسلم عن أبى هريرة قال: بينما أنا
أصلى مع رسول اللّه تَّه، وهى صريحة فى أن أبا هريرة كان حاضرا فى الصلوة، وهى تبطل تأويل الطحاوى. قال
الحافظ: ويدفع المجاز الذى ارتكبه الطحاوى، ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن
٤٠٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ _ باب السهو
إحدى صلوقى المشى.
أبى سلمة فى هذا الحديث عن أبى هريرة بلفظ. بينما أنا أصلى مع رسول اللّه مَّم - انتهى. وقال الشيخ عبد الحى
الكنوى فى التعليق الممجد (ص ١٠٤): قال بعضهم إن أبا هريرة لم يحضر القصة، وإنما رواها مرسلا بدليل أن
ذا الشمالين قتل يوم بدر، وهو صاحب القصة، وردوه بأن رواية مسلم وغيره صريحة فى حضور أبى هريرة تلك
القصة والمقتول ببدر هو ذو اثمالين، وصاحب القصة هو ذو الیدین ، وهو غیرہ ـ انتهى. وقال البيهقى فى
المعرفة: إن هذا ترك الظاهر على أنه رواه يحي بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلى مع
رسول اللّه ◌َّ. فلم يجز فى هذا القول معناه صلى بالمسلمين - انتهى. قلت: رواية أحمد ومسلم والبيهقى بلفظ:
بينما أنا أصلى مع رسول اللّه عَّ نص صريح فى حضور أبى هريرة قصة ذى اليدين، وليس عند من ادعى عدم
حضوره عن هذه الرواية الصحيحة الصريحة جواب شاف. وقد اعترف به صاحب البحر الرائق من الحنفية ،
وقد اعترف به صاحب العرف الشذى أيضا حيث قال : ولكن الطحاوى لم يجب عما فى طريق مسلم عن أبى هريرة.
بينما أنا أصلى الخ. وقال صاحب البحر: لم أجد جوابا شافيا عن هذه. وقال ابن عابدين ما قال، وتعجب من
عدم جواب البحر. أقول أن ابن عابدين غفل عما فى مسلم، فإن الرواية مهنا أنا أصلى رواما مسلم، وأما أنا
ظم أجد جوابا شافيا أيضا - انتهى. ثم إنه لما عجز الحنفية عن جواب هذه الرواية اعترف بعضهم بعدم
وجدان الجواب الشافى وسعى بعضهم لإثبات الوهم فيها من الراوى ، فقال النيموى ومن تبعه أخذا عن العينى
قوله: بينما أنا أصلى: ليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة الحديث فهم من قول أبى هريرة ((صلى بنا، أنه كان حاضرا.
فروى هذا الحديث بالمعنى على مازعمه. وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، فلفظه فى طريقين: صلى بنا. وفى طريق: صلى
لنا . وفی طریق: أن رسول اللّه ◌ُٹے علی ر کمتین. وفی طریق: بينما انا أصلی مع رسول الله ےٹے. تفرد به حی بن
أبى كثير وخالفه غير واحد من أصحاب أبى سلمة وأبى هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة قال فى هذا الخبر: بينما
أنا أصلى - انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى مجيا عن كلام النيموى هذا ما لفظه: قلت يحيى بن أبي كثير
ثقة ثبت متقن. قال الحافظ فى مقدمة الفتح: أحد الأئمة الثقات الأثبات. قال شعبة: حديثه أحسن من حديث.
لزهرى. وقال فى تهذيب التهذيب: وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه يحي من أثبت الناس إنما يعد مع الزهرى
ويحمي بن سعيد وإذا خالفه الزهرى، فالقول قول يحيى - انتهى. فكيف لا يقبل ما تفرد به مثل هذا الثقة الثبت.
الذى هو من أثبت الناس، وإذا خالفه الزهرى فالقول قوله، فقول النيموى قوله: بينما أنا أصلى. غير محفوظ
مردود عليه. والحاصل أن رواية مسلم وأحمد بلفظ: بينما أنا أصلى. صحيحة محفوظة وهى نص صريح فى شهود.
أبى هريرة قصة ذى اليدين ، وليس لمن أفكر ذلك جواب شاف عن هذه الرواية - انتهى كلام الشيخ. (إحدى ..
صلوقى العشى) بفتح العين وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء. قال الأزهرى: العشى عند العرب ما بين زوال.
٤٠٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
- قال ابن سيرين: قد سمًاما أبو هريرة، ولكن نسيت - أنا قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام
إلى خشبة معروضة فى المسجد،
الشمس وغروبها . ويبين ذلك ما وقع فى رواية لمسلم، إحدى صلوتى العشى أما الظهر وأما العصر. وفى رواية
البخارى: صلى بنا النبى مَّم الظهر أو العصر. وفى رواية له أيضا بلفظ: الظهر بغير شك. ولمسلم من طريق
أبى سلمة المذكورة: صلوة الظهر. وله من طريق أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد عن أبى هريرة: صلوة العصر من
غير شك. قال الحافظ: الظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة وأبعد من قال ( كالنووى وأبى حاتم بن حبان)
يحمل على أن القصة وقعت مرتين (مرة فى صلاة الظهر ومرة فى صلاة العصر) بل روى النسائى من طريق ابن
عون عن ابن سيرين: أن الشك فيه من أبى هريرة، ولفظه: صلى النبي ◌َّ إحدى صلاتى العشى. قال أبو هريرة:
ولكنى نسيت. فالظاهر أن أباهريرة رواه كثيرا على الشك ، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها ، وتارة
غلب على ظنه أنها العصر، فجزم بها ، وطرأ الشك فى تعيينها أيضا على ابن سيرين. وكان السبب فى ذلك الاهتمام
بما فى القصة من الأحكام الشرعية ولم تختلف الرواة فى حديث عمران فى قصة الخرباق (الآتية فى الفصل الثالث)
أنها العصر فإن قلنا: أنهما قصة واحدة، فيترجح رواية من حين العصر فى حديث أبى هريرة - انتهى. وقال
النارى: الأظهر أن القضية متحدة والصلوة هى العصر. فانها مجزومة فى جميع الروايات، وإنما التردد فى غيرها،
فيترك الشك، وبعمل بالمتيقن - انتهى. (قال ابن سيرين) محمد (قد سماها أبو هريرة) أى تلك الصلوة
بالخصوص (ولكن نسيت أنا) أى هى الظهر أم العصر. وفى رواية للبخارى: قال محمد وأكثر ظنى أنها
العصر. قال القسطلانى: هذا شك آخر من ابن سيرين وذلك أن أبا هريرة حدثه بها معينة، كما عينها لغيره ، ويدل
على أنه عينها له قول البخارى فى بعض طرقه. قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكنى نسيت. قال الحافظ:
وإنما رجح كونها العصر عند ابن سيرين، لأن فى حديث عمران الجزم بأنها العصر، كما تقدمت الاشارة اليه
قبل (قال) أى أبو هريرة (فصلى بنا ركعتين ثم سهم فقام) أى من ذلك الموضع وأتى (إلى خشبة معروضة) أى.
موضوعة بالعرض أو مطروحة (فى) ناحية (المسجد) وفى رواية للبخارى فى مقدم المسجد. وفى رواية لمسلم :
ثم أتى جذعا فى قبلة المسجد، يعنى من جذوع النخل التى كان المسجد مسقوفا عليها. قال الحافظ: ولا تنافى
بين هذه الروايات ، لأنها تحمل على أن الجذع قبل اتخاذ الخبر كان ممتدا بالعرض، وكأنه الجذع الذى كان
يستند اليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشراح - انتهى. قلت: ليس فى شتى من روايات الحديث.
وطرقه ما يدل على أن المراد به الجذع الذى كان يستند إليه النبي تبثّم عند الخطبة قبل اتخاذ المنير، ولا حجة
لمن يدعى أنه كان يرى من ذلك الجذع شىء بعد دفنه، واليه استند النبي تَ واتكأ عليه فى هذه القصة ولا على أن
٤١٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن
على ظهر كفه اليسرى، وخرجت سرعان القوم من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفى
القوم أبو بكر وعمر، رضى الله عنهما، فها باه أن يكلماء،
الجذع دفن فى قبلة المسجد ولا على أن عمل المنبر كان قبل بدر ( كأنه غضبان) قال القارى: لعل وجه الغضب
تأثير التردد والشك فى فعله أو كان غضبان، فوقع له الشك لأجل غضبه (على الیسری) أى على يده اليسرى
(وشبك بين أصابعه) أى أدخل بعضها فى بعض من فوق الكف (وخرجت سرعان القوم) وفى بعض النسخ
الناس بدل القوم. ولفظ البخارى مهنا خرجت السرعان أى بالألف واللام وبدون الاضافة. نعم فى رواية أخرى
له ولمسلم: خرج سرعان الناس، وهو بفتح السين والراء المهملتين وضم النون فاعل خرجت ومنهم من سكن الراء،
والمراد بهم أوائل الناس خروجا من المسجد. والمستعجلون منهم وهم أهل الحاجات غالبا قال الجزرى: السرعان
بفتح السين والراء أوائل الناس ، الذين يتسارعون إلى الشئى ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء ، قال
عياض: وضبطه الأصيلى فى البخارى بضم السين واسكان الراء، ويكون جمع سريع كقفيز وقفزان وكئيب
وكثبان وهو المسرع الخروج، ومن قال سرعان بكسر السين فهو خطأ ، لأنه إنما هو فى سرعان الذى هو اسم فعل
أى سرع (فقالوا قصرت الصلوة) كذا فى جميع النسخ بدون همزة الاستفهام، وكذا وقع فى رواية للبخارى ،
لكن وقع فى رواية البخارى هذه، فقالوا أقصرت أى بذكر همزة الاستفهام، قال الحافظ: فتحمل تلك على هذه،
وفيه دليل على ورعهم إذ لم يجزموا بوقوع شئ بغير علم وهابوا النبي حديثة أن يستلوه وإنما استفهموه لأن الزمان
زمان النسخ - انتهى. وقصرت بفتح القاف وضم الصاد على البناء للفاعل أى صارت قصيرة وروى بضم القاف
وكسر الصاد على البناء المفعول أى أن اللّه قصرها. قال النووى: كلاهما صحيح ولكن الأول أشهر وأصح. وقال
ابن رسلان: الفعل لازم ومتعد فاللازم مضموم الصاد ، لأنه من الأمور الخلقية كحسن وقبح، والمتعدى بفتح
الصاد منه قصر الصلوة وقصرها بالتخفيف والتشديد وأقصرها على السواء حكامن الأزهرى (وفى القوم) أى
المصلين (فها باه) من الهيبة وهو الخوف والاجلال أى فخاف أبو بكر وعمر النبي مَثّ تعظيما وتبجيلا وأجلالا
له (أن يكلماه) بما وقع له أنه سهوا وعمدا وبأنه سلم من ركعتين فإن يكلماه بدل اشتمال من ضمير ((ها باه، لبيان
أن المقصود هيبة تكليمه، لا نحو نظره واتباعه. يروى ((فهابا)) بدون الضمير المنصوب، وأن مصدرية.
والتقدير من التكليم. قال الطبى: أى نخشيا أن يكلم رسول اللّه تَّه فى نقصان الصلاة. والمعنى أنهما غلب
عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه. وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم . وقيل : خشيا أن
٤١١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
وفى القوم رجل فی مدیه طول، يقال له: ذو البدين،
بكلماه لما ظهر عليه من أثر الغضب (وفى القوم رجل) هو الخرباق السلمى، وكان (فى يديه طول) أى كانت يداه
أطول من يدى القوم وهو محمول على الحقيقة. ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل ، قاله
الفرطي. وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعا، (يقال له ذو اليدين) وفى رواية: يدعوه النبى مود
ذا اليدين. وهذا لقبه، واسمه الخرباق، من بنى سليم، وبقى بعد النبى معَفّة. قال السهيلى فى الروض الأنف:
مات ذو اليدين السلمى فى خلافة معاوية. وقال أبو عوانة فى صحيحه: ذو اليدين عاش بعد النبي ◌َّةٍ، ومات بذى
خشب على عهد عمر. ويدل عليه ما رواه الحسن بن سفيان والطبرانى وغيرهما من طريق شعيب بن مطير عن
أبيه أنه لقى ذا اليدين بذى خشب، فحدثه أن النبي ◌ُّ صلى بهم إحدى صلوتى العشى، وهى العصر، فصلى ركعتين،
وخرج سرعان الناس ، فذكر الحديث . وروى ابن أبى شيبة من طريق عمرو بن مها جر أن محمد بن سويد أفطر قبل
الناس بيوم ، فأنكر عليه عمر بن عبد العزيز، فقال شهد عندى فلان أنه رأى الهلال، فقال عمر أو ذو اليدين
هو ذكره الحافظ فى الاصابة (ج ١ ص ٤٨٩) قلت: حديث ذى اليدين هذا رواه أيضا عبد الله بن أحمد: فى
زيادات المسند (ج٤ ص٧٧)، والبيهقى (ج٢ ص٣٦٦) من طريق معدى بن سليمان، وكان ثقة، كما فى مجمع الزوائد
(ج ٢ ص ١٥٠)، قال أتيت مطيرا لأسأله عن حديث ذى اليديرن، فأتيته فسألته، فإذا هو شيخ كبير،
لا ينفذ الحديث من الكبر: فقال ابنه شعيب: بلى، يا أبت ! حدثنى أنك لقيت ذا اليدين بذى خشب، حدثك
أن رسول اللّه مَّه صلى بهم إحدى صلوتى العشى، وهى العصر، ركعتين ثم سلم، فذكر الحديث. وفى رواية:
حدثنى شعيب ابن مطير، ومطير حاضر ، يصدق مقالته، قال كيف كنت أخبرتك؟ قال يا أبتاه أخبرتنى أنك
لقيت ذا اليدين بذى خشب الحديث. قال الهيشمى: رواهما عبد الله بن أحمد مما زاده فى المسند. وفيه معدى بن
سليمان. قال أبو حاتم شيخ، وضعفه النسائى - انتهى. قلت: معدى هذا من رجال الترمذى وابن ماجه. قال
الشاذكونى: كان من أفضل الناس ، وكان يعد من الأبدال ، وقد صحح الترمذى حديثه، كذا فى تهذيب التهذيب
(ج ١٠ ص ٢٢٩) واما تضعيف النسائى، وقول ابن حبان فيه: لا يجوز أن يحتج به فالظاهر أنه فى
روايته عن ابن عجلان خاصة. ففى تهذيب التهذيب قال أبو زرعة: واهى الحديث يحدث عن ابن عجلان بمناكير-
انتهى. على أن النسائى وابن حبان من المتشددين، كما قال النيموى. وأما مطير فهو بالتصغير ابن سليم شيخ من
أهل وادى القرى من دجال أبى داود ، ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال البخارى: لم يثبت حديثه . والظاهر
أنه أراد حديثه الذى رواه عن ذى الزوائد، وهو صحابى آخر أخرج أبو داود حديثه فى كتاب الخراج.
وذو اليدين هو غير ذى الشمالين المستشهد ببدر و اسمه عمير بن عبد عمرو بن فضلة خزاعى حليف بنى زهرة قال
الحافظ فى الفتح قد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذى اليدين. ونص
٤١٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠- باب السهو
على ذلك الشافعى فى اختلاف الحديث - انتهى. وقال بعد ورقة: وقد تقدم أن الصواب التفرقة بين ذى اليدين
وذى الشمالين. وذهب الأكثر إلى أن اسم ذى اليدين الخرباق بكسر المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة ،
وآخره قاف اعتمادا على ما وقع فى حديث عمران بن حصين (الآتى فى الفصل الثالث) عند مسلم .
وهذا صنيع من يوحد حديث أبى هريرة بحديث عمران. وهو الراجح فى نظرى، وإن كان ابن خزيمة
ومن تبعه جنحوا إلى التعدد ۔ انتهى. وقال ابن رسلان فى شرح سنن أبي داود: والناس خلاف فيما يتعلق
بذى اليدين فى موضعين: الأول: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد أو اثنان ، ولا خلاف بين أهل السيران
ذا الثمالين قتل بيدر ، فالجمهور على أن ذا اليدين غيره لروايات أبى هريرة فى شهوده القصة. قال العلائى: هذا
هو الصحيح الراجح. وقال أبو بكر بن الأثرم: الذى قتل ببدر أنما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف
لبنى زهرة. واختار القاضى عياض فى الاكمال بأنهما واقعتان: أحدهما كانت قبل بدر ، والمتكلم فيها ذو الشمالين ،
ولم يشهدها أبو هريرة بل أرسل روايتها. والثانية كانت بعد اسلامه، وحضرها أبو هريرة ، والمتكلم ذو اليدين.
والثانى: أن ذا اليدين هو الخرباق المتكلم فى حديث عمران أو غيره ، فالذى اختاره عياض و ابن الأثير
والنووى فى غير موضع أنهما واحد. وأما ابن حبان فيعلهما اثنين، فقال فى معجم الصحابة: الخرباق صلى مع
رسول الله ◌َّ حيث سها، وهو غير ذى البدين. وتوقف ابن عبدالبر والقرطبى، فقالا يحتمل أن يكون الخرباق
ذا اليدين ، وأن يكون غيره. وقال ابن الجوزى: فى اسم ذى اليدين قولان: أحدهما عمير بن عبد عمرو بن
فضلة السلمى، ذكره الأكثرون. والثانى خرباق، ذكره أبو بكر الخطيب، قال وقد قيل: إنه ذو الشمالين ،
وليس بصحيح. قال العلاقى: وعمير بن عبد عمرو بن فضلة هو ذو الشمالين لا ذو اليدين. وابن الجوزى وهم فى
هذه التسمية - انتهى. قلت: وادعى الحنفية أن ذا اليدين وذا الشمالين رجل واحد اسمه عمير بن عبد عمرو بن
فضلة، ويقال له الخرباق أيضا، وهو سلى وخزاعى، واختاروا ذلك، لأنه ينفعهم فى مسئلة الكلام فى الصلاة سهوا
أو نسيانا أو عمدا لإصلاح الصلاة، وسنذكرها. واستدلوا على ذلك بما وقع عند النسائى من رواية الزهرى
عن أبى سلمة وأبى بكر بن سليمان بن أبى حثمة عن أبى هريرة ، ومن رواية عمران بن أبى أنس عن أبى سلسة عن
أبى هريرة بلفظ: ذى الشمالين مكان ذى اليدين. قال الصينى فى شرح البخارى (ج ٤ ص ٢٦٤) وابن التركانى
فى الجوهر النقي بعد ذكر الروايتين، صرح فيهما بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقالا أيضا فثبت أن ذا اليدين
وذا الشمالين واحد، وهذا أولى من جعله رجلين، لأنه خلاف الأصل فى هذا الموضع - انتهى. قلت: فى
كون رواية الزهرى و عمران بن أبى أنس بلفظ: ذى الشمالين محفوظة نظر، لأنه وقع فى عامة روايات أبى هريرة
٤١٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
قال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت
الصحيحة لفظ: ذى اليدين دون ذى الشمالين . وكذلك وقع فى حديث عمران بن حصين عند أحمد ومسلم
وغیرهما ، وحديث ابن عمر عند أبى داود وغيره لفظ : ذى اليدين، وقد ثبت شهود أبى هريرة قصة ذى اليدين ،
وشهدها عمران بن حصين أيضا ، كما صرح به الحافظ فى الفتح. وعمران بن حصين أسلم عام خيبر، كما نص عليه
الحافظ فى التقریب . وروى معاوية بن حديج عند أحمد وأبى داود ، وغیر هما قصة أخرى فى السهو، و وقع فيها
الكلام ثم البناء، وكان إسلامه قبل موت النبي مَّم بشهرين، كما صرح به البيهقى والنووى. والحافظ. وهذا كله
يدل دلالة واضحة على أن من روى فى حديث أبى هريرة ذا الشمالين فقد وهم . ولذلك قال الحاكم على ما نقل عنه
البيهقى (ج٢ ص٣٦٧) كل من قال ذلك فقد أخطأ - انتهى. فعلى هذا لا فائدة فى ذكر متابعة عمران بن أبى أنس
الزهرى على ذكر ذى الشمالين ويمكن أن يقال: إن ذا اليدين كان يقال له أيضا ذو الشمالين ويؤيده أنه وقع فى
رواية الزهرى وعمران بن أبى أنس أولالفظ ذى الشمالين، ثم وقع فيها لفظ ذى اليدين. وعلى هذا فالمراد بذى الشمالين
فى روايتهما هو ذو اليدين لا ذو الشمالين الذى قتل بيدر. واستدل الحنفية أيضا بأقوال بعض أهل العلم كابن سعد فى
الطبقات وغيره فى غيرها مما يدل أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. وفيه: أنها معارضة بما تقدم عن الحافظ
أنه اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين و غيرهم علی أن ذا الشمالین غیر ذی اليدين، وقد ثبت شهود أبى هريرة
قصة ذى اليدين ، فهذا بر: قول من قال: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. قال ابن عبد البر : ذو اليدين غير
ذى الشمالين المقتول بيدر بدليل حضور أبى هريرة، ومن ذكرنا قصة ذى اليدين وأن المتكلم رجل من بنى سليم ، كما
ذكر مسلم فى صحيحه. وفى رواية عمران بن الحصين اسمه الخرباق ذكره مسلم، فذو اليدين الذى شهد السهو فى
الصلوة سلمى ، وذو الشمالين المقتول بيدر خزاعى ، يخالفه فى الاسم والنسب . وقد يمكن أن يكون رجلان وثلاثة
يقال لكل واحد منهم ذو اليدين وذو الشمالين ، لكن المقتول بيدر غير المذكور فى حديث السهو. هذا قول أهل
الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه، ثم روى هذا بإسناده عن مسدد. قال ابن عبد البر: وقد اضطرب
الزهرى فى حديث ذى اليدين اضطرابا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه ، و بين
اضطرابها فى المتن والإسناد، وذكر أن مسلم بن الحجاج غلط الزهرى فى حديثه. قال ابن عبد البر: لا أعلم
أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على حديث الزهرى فى قصة ذى اليدين ، وكلهم تركوه لاضطرابه ،
وأنه لم يتم له إسنادا ولا متنا وإن كان إماما عظيما فى هذا الشأن ، فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال لله تعالى، وكل
أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ◌ُّ، فقول الزهرى أن ذا اليدين قتل يوم بدر متروك لتحقق غلطه فيه -
انتهى كلامنه ملخصاً مختصراً (أنسيت) بالخطاب (أم قصرت) بالفتح ثم الضم أو الضم ثم الكسر كالسابقة
٤١٤

مرعاة المفاتيح ج.٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ ۔ باب السھو
الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر. فقال: أ كما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلى
ما ترك، ثم سلم،
(الصلاة) بالضم على الوجهين، وحصر فى الأمرين، لأن السبب إما من اللّه، وهو القصر أو من النبى مَّةٍ،
وهو النسيان (فقال) عَّ (لم أنس) أى فى ظنى أى لافى نفس الأمر، خرج هذا الكلام على حسب الظن،
ويعتبر الظن قيدا فى الكلام ، ترك ذكره بناء على أن الغالب فى بيان أمثال هذه الأشياء أن يجرى فيها الكلام بالنظر
إلى الظن، فكأنه قال ما نسيت ولا قصرت فى ظنى، وهذا الكلام صادق لا غبار عليه ، ولا يتوهم فيه شائبة
كذب، وليس مبنى الجواب على كون الصدق المطابقة للظن، بل على أنه مطابقة الواقع ، فافهم (ولم تقصر) أى
الصلاة وهو بفتح التاء وضم الصاد على بناء الفاعل ، أو ضم الناء وفتح الصاد على بناء المفعول. وهذا صريح فى
ففى النسيان، وففى القصر. وفيه تفسير الراد بقوله فى الرواية الآتية: كل ذلك لم يكن، وتائيد لما قاله أصحاب المعانى
أن لفظ ((كل)) إذا تقدم وعقبها النفى كان نفيا لكل فرد لا للمجموع بخلاف ما إذا تأخرت كأن يقول لم يكن كل
ذلك، فإنه يفيد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد (بخلاف الأول فإنه، يقتضى السلب عن كل فرد) ولهذا أجاب
ذو اليدين بقوله قد كان بعض ذلك ، وأجابه فى بعض الروايات التى وقع فيها ففى النسيان ، ونفى القصر صريحا بقوله
((بلى قد نسيت))، لأنه لما ففى الأمرين، وكان مقررا عند الصحابى أن السهوغير جائز عليه فى الأمور البلاغية جزم
بوقوع النسيان لا بالقصر، وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع وقد تقدم الكلام
فى ذلك (فقال) تَّ بعد تردده بقول ذى اليدين (أ كما يقول ذو اليدين) أى أتقولون كقوله، أو أكان كما يقول،
أو الأمر كما يقول. وفى رواية بعد قوله لم أنس ولم تقصر: فقال بل نسيت يا رسول الله فأقبل رسول الله عزَّمه على
القوم فقال أصدق ذو اليدين، فلما جزم بالنسيان استثبت عليه السلام فقال أوقع منى أنى تركت نصف الصلاة ،
كما يقول، وعدل عن قال لتصوير صورة للحال الماضية حتى يستحضر ويتأمل (فقالوا: نعم) الأمر كما يقول. وفى
رواية لمسلم: قالوا صدق لم تصل إلا ركعتين قال ابن حجر: حينئذ تيقن عليه السلام أنه ترك ركعتين، إما لتذكره
أو لكونهم عدد التواتر أو لا خبار الله له بالحال، كما فى رواية أبى داود، ولم يسجد سجدقى السهو حتى يقنه الله
ذلك ، أى ألقى الله تعالى اليقين بوقوع النسيان فى قلبه (فتقدم) أی مشی إلى محل صلاته . ففى رواية أبى داود:
فرجع رسول اللّه مَّ إلى مقامه (فصلى ما ترك) أى الذى تركه، وهو الركعتان. ففى رواية: فصلى ركعتين
أخراوين (ثم سلم) قال العلائى: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شىء منها أن السجود بعد السلام، كذا فى
شرح ابن رسلان لسنن أبي داود وهذا يهدم قاعدة المالكية ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل
٤١٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر ثم كبر، وسجد مثل سجوده أو أطول،
ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه، ثم سلم. فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.
متفق عليه،
السلام (ثم كبر) أى بعد السلام للسجود. واختلف فى سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة احرام
أو يكتفى بتكبير السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبى: أن قول مالك
لم يختلف فى وجوب السلام بعد سجدقى السهو، قال وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة إحرام كسائر الصلاة
لكن لا تبطل بتركها . ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين فى
هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. قال أبو داود : لم يقل فکیر ثم کبر الا حماد بن زيد ، فأشار
إلى شذوذ هذه الرواية (وسجد) أى للسهو (مثل سجوده) الذى للصلاة. والمثل الشبه. قال الراغب: المثل
عبارة عن المشابهة لغيره فى معنى من المعانى أى معنى كان ، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للشابهة ، وذلك لأن الندم
يقال لما يشارك فى الجوهر فقط، والشبه فيما يشاركه فى الكيفية فقط ، والمساوى فيما يشاركه فى الكمية فقط ، والمثل
عام فى جميع ذلك ، ولذا قال تعالى: ( ليس كمثله شىء - ٤٢: ١١). وأما نحو هذا فيقتضى المشابهة مع التقريب-
انتهى. (أو أطول) منه (ثم رفع رأسه وكبر) أى للرفع من السجود (ثم كبر) أى للسجود الثانى (وسجد)
أى ثانيا (مثل سجوده) الأول أو مثل سجوده للصلاة والأول أقرب لفظا، والثانى معنى (ثم رفع رأسه)
من السجدة الثانية (فربما سألوه) أى سألوا ابن سيرين هل فى الحديث (ثم سلم) أى النبي تَوَّ بعد سجدفى السهو.
فالضمير المنصوب لابن سيرين و المسئول عنه قوله: ثم سلم (فيقول) أى ابن سيرين فى جواب سؤالهم (نبتت)
بضم النون أى أخبرت (أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) هذا يدل على أنه لم يسمع ذلك من عمران، وقد
بين أشعث فى روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران ، فقال قال ابن سيرين : حدثنى خالد الحذاء عن
أبي قلابة عن عمه أبى المهلب عن عمران بن حصين ، أخرجه أبو داود ، والترمذى والنسائى والبيهقى فظهر أن ابن
سيرين أبهم ثلاثة ، وروايته عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، كذا فى الفتح. وقول ابن سيرين هذا،
وهو راوى حديث ذى اليدين يدل ، على أنه كان يرى التوحيد بين حديث أبى هريرة هذا ، وحديث عمران
بن حصين ، وهو الذى رجحه الحافظ فى الفتح، كما تقدم. ووقع عند البخارى من طريق حماد عن سلمة بن علقمة
قال : قلت لمحمد فى سجدتى السهو تشهد ؟ فقال ليس فى حديث أبى هريرة . وقد يفهم منه أنه ورد فى حديث
غيره ، وهو كذلك. فقد رواه الترمذى وغيره من حديث عمران بن حصين ، وسيأتى الكلام فى ذلك فى
الفصل الثانى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد ومالك والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى
٤١٦

ـرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
ولفظه للبخارى، وفى أخرى لهما: فقال رسول اللّه عَل بدل («لم انس، ولم تقصر»: ((كل ذلك
لم يكن))، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله!
وغيرهم. قال ابن حجر : أى اتفقا على المقصود منه، فلا ينافيه خلو حديث مسلم عن ذكر وضع اليد على اليد ،
والتشبيك. قال الحافظ فى التلخيص (ص ١١٢) لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع جميع طرقه
الحافظ صلاح الدين العلائى، وتكلم عليه كلاما شافيا - انتهى. (ولفظه البخارى) فى باب تشبيك الأصابع فى
المسجد وغيره (وفى أخرى) أى فى رواية أخرى (له)) أى للشيخين. وفيه نظر، لأن هذه الرواية من إفراد
مسلم، وليست البخارى (كل ذلك) أى كل من النسيان والقصر (لم يكن) أى فى ظنى، أى لم يكن لا ذلك ولا
ذا فى ظنى بل ظنى أنى أكملت الصلاة أربعا، فهو فى معنى لا شىء منهما بكائن على شمول النفى وعمومه الثلاثة
وجوه: أحدها الرواية المتقدمة لم أنس ولم تقصر. والثانى القاعدة المتقدمة عن علماء المعانى. والثالث أنه قال
ذو اليدين فى جوابه ◌َّثم قد كان بعض ذلك. ومعلوم أن الثبوت للبعض أنما ينافى النفى عن كل فرد لا النفى عن
المجموع. وقوله قد كان بعض ذلك موجبة جزئية ونقيضها السالبة الكلية ، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلى
لما ذكر فى مقابلته الايجاب الجزئى (فقال) أى ذو البذين (قد كان بعض ذلك) يعنى قصرت الصلاة، ولكن
لا أدرى قصرتها سهوا أو أمر الله تعالى بقصرما، قاله القارى. واعلم أن حديث ذى اليدين هذا فيه فوائد
كثيرة وقواعد مهمة: منها جواز النسيان فى الأفعال والعبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين ، وأنهم لا يقرون عليه . ومنها أن الواحد اذا ادعى شيئا جرى بحضرة جمع كثير لا يخفى عليهم سئلوا ،
ولا يعمل بقوله من غير موال. ومنها اثبات سجود السهو، وأنه سجدتان ، وأنه يكبر لكل واحدة منهما،
وأنهما على هيئة سجود الصلاة ، وأنه يسلم من سجود السهو. ومنها جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافى سهوا
وإن طال زمن الفصل. ومنها أن البانى لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام وأن السلام ونية الخروج من الصلوة
سهوا لا يقطع الصلوة. ومنها أنه يرجع الإمام لقول المأمومين اذا شك. ومنها جواز التلقيب الذى سبيله
التعريف دون التهجين. ومنها أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس، لأنه يَّ سلم وتكلم.
ومشی تاسیا ولم يسجد الا سجدتین . وروى ابن أبى شيبة عن النخعى والشعبى: أن لكل سهو سجدتين و ورد
١١ على وفقه حديث ثوبان عند أحمد وأبي داود والبيهقى (ج ٢ ص ٣٣٧). وحمل على أن معناه من سها بأى
سهو كان شرع له السجود، أى لا يختص بالمواضع التى سها فيها النبي مَثية، ولا بالأنواع التى سها بها . فالحديث
سیق للعموم لكل ساء لا لتعدد السجود عند تعدد مقتضیه . وروى البيهقى (ج٢ ص٣٤٦) من حديث عائشة سجدتا
السهو تجزءان من كل زيادة ونقصان. ومنها أن من ظن أنه فعل شيئا فقال فعلته أو قال: ما فعلته، وفى ظنه
٤١٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
أنه لم يفعل، ثم تبين خلاف ما ظن لم يأثم، لأنه عليه السلام قال كل ذلك لم يكن وقد كان السهو. ومنها أن
العمل الكثير والخطوات إذا كانت فى الصلوة سهوا أو مع ظن التمام لا تفسد بها الصلوة ، فان فى رواية: أنه
مَّ خرج إلى منزله. وفى أخرى: يحر رداءه مغضبا. وفى أخرى: أنه مشى إلى الجذع، واستند اليه، وخرج
السرعان . وفى أخرى: دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلوته. قال النووي: الحكم ببطلانها بما ذكر .
من الأفعال فى حديث ذى اليدين مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها - انتهى. ومنها أن من تحول عن
القبلة سهوا لم تكن عليه الاعادة. ومنها أن الكلام سهوا، أو على ظن تمام الصلوة ، لا يقطع الصلوة خلافا للحنفية.
قالوا : أن قصة ذى اليدين كانت قبل نسخ الكلام فى الصلوة. و فيه أن هذا مبنى على قول الزهرى انها قبل
بدر. وقد قدمنا أنه إما وهم فى ذلك أو تعددت القصة لذى الشمالين المقتول بيدر ، ولذى اليدين الذى تأخرت
وفاته بعد النبى معَّم فقد ثبت شهود أبى هريرة للقصة، كما تقدم، وشهدها عمران بن حصين ، واسلامه متأخر
أيضا. وروى معاوية بن حديج قصة أخرى فى السهو ، أى فى صلوة المغرب ، و وقع فيها الكلام ثم البناء ،
أخرجها أبو داود وابن خزيمة وغيرهما، وكان اسلامه قبل موت النبي مَّه بشهرين. قال السندى: من يقول
بإيطال الكلام للصلاة مطلقا يحمل الحديث على أنه قبل نسخ إباحة الكلام فى الصلوة لكن يشكل عليه أن النسخ
كان قبل بدر ، وهذه الواقعة قد حضرها أبو هريرة وكان اسلامه أيام خيبر . وقال صاحب البحر من علماءنا
الحنفية: ولم أر لهذا إلا يراد جوابا شافيا - انتهى. وأما ما روى الطحاوى عن ابن عمر أنه ذكر له حديث
ذى اليدين ، فقال: كان اسلام أبى هريرة بعد ما قتل ذو اليدين. ففيه: أن هذه الرواية ضعيفة منكرة مخالفة
الروايات الصحيحين ، تفرد بها عبد الله بن عمر بن حفص العمرى، وهو ضعيف، كما فى التقريب. وقال الذهبي:
صدوق فى حفظه شىء. وأما ما قيل: أن عمر كان حاضرا فى حادثة ذى اليدين ، وقد حدث به مثل تلك الحادثة
بعد النبى مؤثر فى صلاته، وفعل فيها بخلاف ما عمل رسول اللّه تَّ يوم ذى اليدين، مع أنه كان حاضرا فى
قصته . وهذا يدل على أن قصة ذى اليدين كانت حين كان الكلام مباحا فى الصلوة ، أخرج الطحاوى فى معانى
الآثار بإسناده عن عطاء قال: صلى عمر بن الخطاب بأصحابه فسلم فى الركعتين، ثم انصرف، فقيل له فى ذلك،
فقال: إنى جهزت عيرا من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، فصلى بهم أربع ركعات. ففيه أن
رواية الطحاوى هذه مرسلة، ومع ذلك ضعيفة جدا، لأن مرسل عطاء أضعف المراسيل. قال أحمد: ليس فى
المرسل أضعف من مرسل الحسن وعطاء يأخذان عن كل أحد - انتهى. فرسل عطاء هذا لا يصلح للاستدلال،
على أن قصة ذى اليدين كانت حين كان الكلام مباحا. علا أنه يحتمل أن عمر كان إذ ذاك قد ذهل عن قصة
٤١٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
١٠٢٦ - (٦) وعن عبد الله بن بحينة: أن النبى صلى الله عليه وسلم، صلى بهم الظهر،
ذى اليدين، كما كان قد ذهل عن قصة التيمم، ولم يتذكر بتذكير عمار مع أنه حضر معه تلك القصة. وأيضا يحتمل أنّ
عمر كان يرى أن من حدث به هذه الحادثة فله أن يستأنف الصلوة، وله أن يبنى ولم يرما فعله برّ واجبا ، فاذا
جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وقد بسط شيخنا الكلام فى هذا الباب فى ابكار المنن (ص ٢٤٧ - ٢٥٧) فعليك
أن تطالعه. وأما ما توهم بعضهم أن حديث ذى اليدين مخالف لقول زيد بن أرقم نهينا عن الكلام ، فيحمل
قصة ذى اليدين على أنها كانت قبل النهى والنسخ. ففيه أنه لا معارضة بينهما لأن قول زيد بن أرقم عام يشمل كل
نوع من الكلام ، وحديث ذى اليدين خاص، كما لا يخفى ولا معارضة بين العام والخاص . قال ابن بطال:
يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم ونهينا عن الكلام أى إلا إذا وقع سهوا وعمدا لمصلحة الصلوة فلا يعارض
قصة ذى اليدين - انتهى . ومنها أن تعمد الكلام لمصلحة الصلوة لا يبطلها ، وهو المشهور من مذهب مالك
والأوزاعى أن التكلم عمدا على جهة إصلاح الصلوة وبيانها لا يفسدها، وهو رواية عن أحمد. وأجاب من
لم يقل بذلك بأن كلامهم كان جوابا النبي ◌َّة، وجوابه لا يقطع الصلوة وتعقب بأنه لا يلزم من وجوبه
الإجابة عدم قطع الصلوة وأجيب بأنه ثبت مخاطبته فى التشهد، وهو حى بقولهم: السلام عليك أيها النبي،
ء
ولم تفسد الصلوة. والظاهر أن ذلك من خصائصه. ويحتمل أن يقال ما دام النبى مؤثّ يراجع المصلى بجائز له
جوابه حتى تنقضى المراجعة ، فلا يختص الجواز بالجواب لقول ذى اليدين: بلى قد نسيت ، ولم تبطل صلوته.
قلت الخصوصية لا تثبت بالادعاء والاحتمال ، وأيضا ما الجواب عن قول سرعان الناس: قصرت الصلوة ، فأته
لم يكن خطابا النبي ◌َّ ولا جوابا له. والحق أن الحديث مشكل على المالكية أيضا، والجواب عما ذكر فى
رواياته وطرقه من الأفعال والأقوال صعب على أصحاب المذاهب الأربعة، كما لا يخفى على من له وقوف على
مذاههم ، ولا عذر عندنا عن العمل بما ورد فى الحديث لمن يتفق له مثل ذلك وما أحسن كلام صاحب المنار
حيث قال بعد الرد على من ادعى نسخه ما نصه: وأنا أقول أرجو الله للعبد إذا لقى الله عاملا بذلك أن يثبته فى
الجواب بقوله صح لى ذلك عن رسولك، ولم أجد ما يمنعه، وأن ينجو بذلك ويثاب على العمل به ، وأخاف على
المتكلفين وعلى الجبرين على الخروج من الصلوة للاستئناف، فانه ليس بأحوط ، كما ترى، لأن الخروج بغير دليل
ممنوع وابطال للعمل - انتهى .
١٠٢٦ - قوله (وعن عبد الله بن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن القشب الأسدى أو الأزدى من
أزدشنوءة ، وأما بحينة فهى أمه، فإسم أبيه مالك، واسم أمه بحينة مصغرا بنت الحارث بن عبد المطلب بن عبدمناف.
قيل: فينبغى كتابة ابن بحينة بالألف لثلا يلتبس بالأب، وإذا نسب اليهما، وكتب عبدالله بن مالك ابن بحينة
٠ ٤١٩

مرعاة مفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
فقام فى الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلوة. وانتظر الناس تسليمه،
كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم.
ينبغى أن يكتب ألف ابن وينون مالك ليندفع الوهم، ويعرف أن ابن بحينة فعت لعبد الله لا لمالك. وينبغى أن
يحفظ هذا الأصل، فيحتاج اليه فى أسماء كثيرة مثل محمد بن على بن الحنفية، واسماعيل بن ابراهيم ابن علية وغير
ذلك. وعبد الله هذا صحابى مشهور. أسلم قديما، كان ناسكا فاضلا صائم الدهر ، وأمه بحينة أيضا صحابية
أسلمت وبايعت رسول اللّه رَوثم وأطعمها من خيير ثلاثين وسقا، قال فى الاصابة: كان عبد الله ينزل ببطن ريم
على ثلاثين ميلا من المدينة ، ومات به فى امارة مروان الأخيرة على المدينة ، وأرخه ابن زير سنة ست وخمسين
(فقام فى الركعتين الأوليين) بالمثناتين التحتيتين يعنى أنه قام إلى الركعة الثالثة حال كونه (لم يجلس) أى عقب
الركعتين للنشهد. ووقع فى رواية ابن عساكر: ولم يجلس بزيادة الواو. وفى صحيح مسلم فلم يجلس بالفاء، وكذا فى
رواية للبخارى. وزاد فى رواية ابن خزيمة: فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته . وفى حديث معاوية عندالنسائى
والبيهقى وعقبة بن عامر عند الحاكم والبيهقى جميعا نحو هذه القصة بهذه الزيادة. وفيه دليل على أن تارك الجلوس
الأول اذا قام لا يرجع له (فقام الناس معه) إلى الثالثة اتباعا لفعله مرثية. وفيه دليل على وجوب متابعة الامام حيث
تركوا القعود الأول وتشهده (حتى إذا قضى الصلوة) أى فرغ منها ، وقد استدل به لمن زعم أن السلام ليس من
الصلوة حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يسلم تمت صلوته. وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال
أبو حنيفة، كما تقدم . وتعقب بأن السلام لما كان لتحليل من الصلوة كان المصلى إذا انتهى اليه كمن فرغ من صلاته.
ويدل على ذلك قوله فى رواية ابن ماجه من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج: حتى إذا فرغ
من الصلوة إلا أن يسلم ، فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه. والزيادة من الحافظ مقبولة، كذا
فى الفتح. وقيل: معناه قارب الفراغ من الصلوة. وقال الباجى: ويحتمل أن يراد بالصلوة الدعاء والصلوة على
النبى مُّبفي، فيكون لفظ ((قضى)) على حقيقته - انتهى. (كبر وهو جالس) جملة حالية (فسجد سجدتين) أى
للسهو بعد التشهد (قبل أن يسلم) وفى رواية : كبر قبل التسليم فسجد سجدتين، وهو جالس، أى أنشأ السجود جالسا.
فهى جملة حالية. وفى أخرى لهما: يكبر فى كل سجدة. وعند أحمد: فكبر فسجد، ثم كبر فسجد ثم سلم، قال الحافظ
فى الفتح: وفى رواية الأوزاعى فكبر ثم سجد، ثم كبر فرفع رأسه ، ثم كير فسجد، ثم كبر فرفع رأسه ثم سلم.
أخرجهابن ماجه. واستدل به على مشروعية التكبير فى سجدنى السهو والجهر به، كما فى غيرهما من سجود الصلوة
وأن بينهما جلسة فاصلة (ثم سلم) بعد ذلك للانصراف من الصلوة. واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام.
ولاحجة فيه فى كون جميعه كذلك، نعم يرد على من زعم أن جميعه بعد السلام كالحنفية، وققدم ذكر مستندم،
٤٢٠