Indexed OCR Text

Pages 341-360

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
وان منا رجالا يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم، قلت: ومنا رجال يتطيرون، قال: ذاك شىء
يجدونه فى صدورهم فلا يصدنهم.
روايات أحمد (ج ٥ص ٤٤٨) (وإن منا رجالا يأتون الكهان) بضم الكاف جمع كاهن ، وهو من يتعاطى
الأخبار عن الكوائن فى المستقبل، ويدعى معرفة الأسرار، ومن الكهنة من يزعم أن له تابعا من الجن يلقى عليه
الأخبار ، ومنهم من يدعى ادراك الغيب بفهم أعطيه، ومنهم من يدعى معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل
بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا القسم يسمى عرافا، كمن يدعى معرفة المسروق ومكان
السرقة والضالة ونحوهما، والمنجم من ينظر فى النجوم أى الكواكب ويحسب سيرها ومواقيتها ليعلم بها أحوال العالم،
ومنهم من يسمى المنجم كاهنا. وقوله (فلا تأتهم) يشمل النهى عن اتيان هؤلاء كلهم والرجوع اليهم وتصديقهم
فيما يدعونه. قال العلماء: وإنما نهى عن اتيان الكهان لأنهم يتكلمون فى مغيبات قد يصادف بعضها الاصابة فيخاف
الفتنة على الانسان بسبب ذلك ، ولأنهم يلبسون على الناس كثيرا من الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة
بالنهى عن اتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون (ومنا رجال يتطيرون) التطير أخذ الفأل الشؤم، من الطيرة بكسر
الطاء وفتح الياء وقد تسكن. قال فى القاموس: الطيرة والطيرة والُطورة ما يتشاءم به من الفأل الردى .- انتهى.
وأصله أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبى فينفرونه، فإن أخذذات اليمين مضوا الى ما قصدوا وعدوه حسنا، وان أخذذات
الشمال انتهوا عن ذلك وتشاءموا به، وكذا إن عرض فى طريقهم ، فإن مر عن يمينهم الى الشمال تشاءموا، وان
مر من الشمال الى اليمين مضوا، والتفاؤل يحثى للتطير وغيره، وأكثر ما يستعمل فى الفأل الحسن، وهو غير موع
جدا. قال الجزرى فى النهاية: الطيرة هى التشاءم بالشىء، وهى مصدر تطير طيرة، كما تقول تخير خيرة، ولم يجىء من
المصادر غيرهما، وأصل التطير التفاؤل بالطير، واستعمل لكل ما يتفاءل ويتشام به، وقد كانوا فى الجاهلية يتطيرون بالصيد
كالطير والظبى فيقيمنون بالسوائح ويتشاء مون بالبوارح، والبوارح على ما فى القاموس من الصيد ما مر من ميامنك
الى مياسرك، والسوائح ضدها. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، ويمنع السير الى مطالبهم، فنفاه الشرع وأبطله ونها هم
عنه (قال ذاك) أى التطير (شىء يجدونه فى صدورهم) أى ليس له أصل يستند اليه، ولا له برهان يعتمد عليه،
ولا هو فى كتاب نازل من لديه. وقيل: معناه أنه معفو لأنه يوجد فى النفس بلا اختيار ، نعم المشى على وفقه منهى
عنه، فلذلك قال (فلا يصدنهم) أى لا يمنعهم عماهم فيه، ولا يخفى أن التفريع على هذا المعنى يكون بعيدا، قاله السندى.
قلت: المعنى الثانى هو الذى ذكره عامة العلماء. قال النووي: قال العلماء معناه أن الطيرة شىء تجدونه فى نفوسكم ضرورة،
ولا عتب علیکم فى ذلك لأنه غير مکتسب لكم فلا تكلیف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف فى أموركم، فهو
الذى تقدرون عليه وهو مكتسب لكم فيقع به التكليف. فنهاهم مَّة عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرفاتهم
٣٤١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
قال قلت: ومنا رجال يخطون، قال: كان نى من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك، رواه مسلم.
قوله: لکنی سکت، هكذا وجدت فى صحيح مسلم وکتاب الحیدی،
بسيها . وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة فى النهى عن التطير والطيرة ، وهى محمولة على العمل بها لاعلى ما يوجد
فى النفس من غير عمل على مقتضاه -انتهى. وقال القارى: يعنى هذا وهم ينشأ من نفوسهم ليس له تأثير فى اجتلاب نفع
وضر، وإنما هو شىء يسوله الشيطان ويزينه حتى يعملوا بقضيته ليجرهم بذلك الى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى، وهو
كفر صراح، فلا يمنعهم التطير من مقاصدهم لأنه لا يضرهم ولا ينفعهم ما يتوهمونه. وقال الطبى: أى لا يمنعهم
عما يتوجهون اليه من المقاصد أو من سواء السبيل ما يجدون فى صدورهم من الوهم ، فالنهى وارد على ما يتوهمونه
ظاهرا، وهم منهيون فى الحقيقة عن مزاولة مايوقعهم من الوهم فى الصد (ومنا رجال يخطون) يشير الى علم الرمل
والخط عند العرب ، فيما فسره ابن الأعرابى، أن يأتى الرجل العراف وبين يديه غلام، فيأمره بأن يخط فى الرمل
خطوطا كثيرة وهو يقول: ابنى عيان أسرعا البيان، ثم يأمره أن يمحو منها اثنين اثنين ، ثم ينظر الى أخر ما يبقى
من تلك الخطوط، فإن كان الباقى منها زوجا فهو دليل الفلج والظفر، وإن كان فردا فهو دليل الخيبة والبأس، وقد
طول الكلام فى ذلك فى لسان العرب ( كان نبي من الأنبياء يخط) قيل هو إدريس أودانيال عليهما الصلاة والسلام
(فمن وافق) ضمير الفاعل راجع الى ((من)) أى فمن وافق فيما يخطه (خطه) بالنصب على الأصح المشهور، وروى
مرفوعا، فيكون المفعول محذوفا أى من وافق خطه ، خطه أى خط ذلك النبى فى الصورة والحالة (فذاك) أى هو
المصيب، وهو كالتعليق بالمحال. قال النووى: اختلف العلماء فى معناه، فالصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له،
ولكن لا طريق لنا الى العلم اليقينى بالموافقة فلا يباح، والمقصود أنه حرام لأنه لا يباح الا بيقين بالموافقة، وليس
لنا يقين بها. وإنما قال النبي مَث فن وافق خطه فذاك، ولم يقل حرام بغير تعليق على الموافقة، لثلايتوهم متوهم ان
هذا النهى يدخل فيه ذاك النبى الذى كان يخط، محافظ النبي تؤثر على حرمة ذاك النبى، مع بيان الحكم فى حقنا، فالمعنى
أن ذلك النبى لا منع فى حقه، وكذا لو علتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال الخطابي فى المعالم (ج١ ص٢٢٢):
يشبه أن يكون أراد به الزجر عنه وترك التعاطى له، اذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبى، لأن خطه كانعلما
أى معجزة لنبوته وقد تقطعت نبوته فذهبت معالمها - انتهى. وقال ابن حجر: قال المحرمون لعلم الرمل، وهم أكثر
العلماء، لا يستدل بهذا الحديث على اباحته، لأنه علق الاذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، اذ
لا تعلم الا من تواتر وفص منه عليه الصلاة والسلام أو من أصحابه أن الأشكال التى لأهل علم الرمل كانت كذلك،
ولم يوجد ذلك ، فاتضح تحريمه (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٤٤٧ - ٤٤٨) وأبو داود والنسائى
والبيهقى (ج٢ص٢٤٩) (قوله: لكنى سكت هكذا وجدت فى صحيح مسلم وكتاب الحميدى) أى الجمع بين الصحيحين
٣٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
وصحح فى جامع الأصول بلفظة كذا فوق لكنى.
٩٨٦ - (٢) وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نسلم على النبى معَّ وهو فى الصلوة فيرد علينا،
فلما رجعنا من عند النجاشى
(وصحح فى جامع الأصول) لابن الأثير الجزرى (بلفظة كذا) أى بكتابة لفظة كذا (فوق لكنى) قال القارى:
أى كذا فى الرواية لفظ لكنى مسطور، دفعا لوهم أنه ليس فى الحديث بمذكور، والحاصل أن لكنى ثابت فى الأصول،
لكنه ساقط فى المصابيح - انتهى. قلت: غرض المصنف من هذا الكلام أن لفظة لكنى فى قوله لكنى سكت صحيحة
رواية ومعنى ، ثابتة فى الأصول، لا ينبغى الشك فى صحتها وثبوتها، ولفظة كذا علامة للتصحيح، فإنهم كما يكتبون
لفظ صح على كلام صح رواية ومعنى، وهو عرضة للشك أو الخلاف، هكذا يكتبون لفظة كذا فوق اللفظ الذى
هو محل الشك أو الخلاف و مظنة لعدم الصحة ، ويعنون به أن هذا اللفظ صحيح ثابت فى الأصول ، فلفظة كذا
قصحيح لمثل هذا اللفظ ، كما أن قولهم (صح)) علامة ورمز للتصحيح، وسبب كون لفظة لكنی، فی قوله لكنی سکت،
عرضة للشك فى صحته أن فى ذكرها ههنا اشكالا، كما لا يخفى، وأيضا لم تقع هذه اللفظة فى بعض روايات أحمد
ولفظها: فلما رأيتهم يصمتوننى سكت حتى صلى رسول اللّه مَث} فدعانى.
٩٨٦ - قوله ( كنا نسلم على النبى ومؤئل وهو فى الصلوة فيرد علينا) أى السلام بالقول واللفظ حين
كان الكلام مباحا فى الصلوة . وفى رواية لأبي داود: كنا نسلم فى الصلوة ونأمر بحاجتنا (فلما ربعنا من
عند النجاشى) بفتح النون وتكسر وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة وتخفيف الياء وتشدد كياء النسب، فى القاموس:
النجاشى بتشديد الجيم، وتخفيفها أفضح وبكسر النون وقيل هو أفصح، وقال الجزرى: الياء مشددة، وقيل الصواب
تخفيفها، وأفاد ابن التين أنه بسكون الياء، يعنى أنها أصلية لاياء النسبة، وحكى غيره تشديد الياء أيضا، وحكى ابن
دحية كسر نونه، وهو لقب لملك الحبشة، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس، وفرعون ملك مصر. وأسمه
أصحمة، أسلم فى زمن النبي مَثّل ومات سنة تسع من الهجرة عند الأكثر، وصلى عليه النبي ◌َّثم هو وأصحابه بالمدينة
اعلم أن جماعة من الصحابة كانت ماجرت من مكة الى أرض الحبشة، حین کان رسول اللّه ◌ُفے بمكة ، فرارا
بدينهم من الفتنة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا الى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك واشتد الأذى عليهم
تخرجوا اليها أيضا، فكانوا فى المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفرقتين، ولما خرج رسول الله عز ◌ّه
الى المدينة وبلغهم مهاجرته اليها رجعوا من الحبشة الى المدينة، حين كان النبي ◌َ ◌ّلم يتجهز لغزوة بدر. واختلف
فى مراد قول ابن مسعود فلما رجعنا هل أراد الرجوع الأول أى الى مكة من الهجرة الأولى، أو الرجوع الثانى
أى الى المدينة من الهجرة الثانية، فال الى كل منها فرقة، والراجح أن ابن مسعود أراد رجوعه الثانى. وقد ورد
٣٤٣
:

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك فى الصلوة فترد علينا، فقال ان فى
الصلوة لشغلا ،
أنه قدم المدينة والنبى معَ ◌ّ يتجهز لبدر. وفى مستدرك الحاكم عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله محمدوفضّل الى
النجاشى ثمانين رجلا، فذكر الحديث بطوله ، وفى آخره: فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدرا ، وفى السير لابن
اسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي مؤ هاجر الى المدينة رجع منهم الى مكة ثلاثة و ثلاثون رجلا ، فمات
منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه الى المدينة أربعة وعشرون رجلا ، فشهدوا بدرا ، فعلى هذا كان ابن
مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي مَثّم بعد رجوعه كان بالمدينة قبل بدر، وعلى هذا لا يكون فى حديث
ابن مسعود دلالة على أن نسخ الكلام فى الصلوة كان بمكة قبل الهجرة، بل هو يتفق مع حديث زيد بن أرقم على أن
النهى عن الكلام فى الصلوة كان بالمدينة بعد الهجرة بمدة يسيرة، ولفظه قال: كنا نتكلم فى الصلوة، يكلم الرجل منا صاحبه
وهو الى جنبه فى الصلوة، حتى نزلت (وقوموا لله قانتين- ٢: ٢٣٨) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، أخرجه أحمد
والشيخان والترمذى وأبو داود والنسائى، والترمذى: كنا نتكلم خلف رسول الله مز ◌ّمه فى الصلوة، وحديث زيد هذا
ظاهر فى أن نسخ الكلام فى الصلوة وقع بهذه الآية، فيقتضى أن النسخ وقع بالمدينة لان الآية مدنية بالاتفاق، وصحبة
زيد لرسول اللّه يَّ كانت بالمدينة فإنه ممن لم يدخل مكة قط، مع انه يروى أنه وجد زمان جواز الكلام فى الصلوة
ونسخه کلیهما،فدل على أن الكلام کان جائزا بالمدينة أیضا الى زمن أدركه زید بن أرقم ثم أنه نسخے، کما رواه هو،
فلو كان نسخ الكلام بمكة لم يكن لزيد بن أرقم أن يدرك جوازه ويرويه ويروى نسخه أيضا. ويقوى ذلك ما
زاد فى رواية كلثوم الخزاعى عن ابن مسعود عند النسائى: أن الله أحدث فى الصلاة أن لا تكلموا الا بذكر الله
وما ينبغى لكم فقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت ، فان هذه الرواية ظاهرة فى أن كلا من ابن مسعود وزيد بن
أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين). وقال: من مال الى أن المراد بقوله فلما رجعنا
الرجوع الأول: ان تحريم الكلام كان بمكة ، وحمل حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ ، وقال
لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه. وفيه أن قول زيد بن أرقم يكلم الرجل منا صاحبه وأن ذلك كان
خلف رسول اللّه ◌َبية، يرد هذا التأويل لأن تكليم بعضهم بعضا فى الصلوة لا يخفى عليه مزثم لما قد صح عنه أنه كان
يراهم فى الصلوة من خلفه (سلمنا عليه) أى وهو فى الصلوة (فلم يرد) بفتح الدال ويجوز ضمها وكسرها (علينا) أى
رد على ابن مسعود فى هذه القصة
السلام باللفظ فيها، فقد روى ابن أبى شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبى
السلام بالإشارة (فقلنا) أى بعد الصلوة (إن فى الصلوة لشغلا) بضم الشين وسكون الغين وبضمهما ، قال الشوكانى:
ههنا صفة محذوفة، والتقدير: لشغلا كافيا عن غيره من الكلام. أو مانعا من الكلام، وقال الطيبي: التفكير فيه للتنويع،
أى بقراءة القرآن والذكر والدعاء لا الكلام، أو للتعظيم أى شغلا وأى شغل لأنها مناجاة مع الله تعالى، تستدعى
٣٤٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤- كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
متفق عليه.
٩٨٧ - (٣) وعن معيقيب عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الرجل يسوى التراب حيث يسجد
الاستغراق بخدمته فلا تصلح الاشتغال بالغير، وقال النووى: معناه أن وظيفة المصلى الاشتغال بصلوته وتدبر
ما يقوله، فلا ينبغى أن يعرج على غيرها من رد السلام ونحوه. وزاد فى الرواية الآتية فى الفصل الثانى: أن الله يحدث
من أمره ما يشاء، وان مما أحدث أن لا تتكلموا فى الصلاة. والحديث استدل به على كراهة ابتداء السلام على المصلى،
لكونه ربما شغل بذلك فكره واستدعى منه الرد، وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر وعطاء والشعبى ومالك فى رواية
ابن وهب. وقال فى المدونة: لا يكره، وبه قال أحمد والجمهور. ثم اختلف هؤلاء فرخصت طائفة للصلى فى رد السلام
قولا ونطقا، وهم سعيد بن المسيب والحسن البصرى وقتادة وأبو هريرة، والحديث حجة عليهم لنفى الرد فيه صراحة ،
وقال أكثر الفقهاء لا يرد السلام لفظا، قالوا يرد اذا فرغ من الصلوة باللفظ أو وهو فيها بالإشارة. قال فى شرح
السنة: أكثر الفقهاء على انه لا يرد بلسانه، ولو رد بطلت صلوته، ويشير بيده أو أصبعه- انتهى. وقال الخطابي:
رد السلام فى الصلوة قولا ونطقا محظور ، ورده بعد الخروج من الصلوة سنة، والإشارة حسنة . وقال الشوكانى:
مذهب الشافعى والجمهور أن المستحب أن يرد السلام فى الصلوة بالإشارة ، واستدلوا بحديث ابن عمر وصهيب
فى الفصل الثانى، وبما روى فى معناه. وقال أبو حنيفة: لا يرد فى الصلوة مطلقا لا باللفظ ولا بالإشارة، واستدل له
بحديث ابن مسعود هذا. وفيه أنه قد تقدم أن المراد بنفى الرد فيه فى الرد بالكلام واللفظ، لما روى ابن أبى شيبة
من مرسل ابن سيرين أنه صلى الله عليه وسلم رد على ابن مسعود فى هذه القصة السلام بالإشارة، ولو لم ترد هذه
الرواية لكان الواجب هو ، ذلك جمعا بينه وبين الأحاديث الصحيحة التى تدل على جواز رد السلام بالإشارة،
وسنذكرما انشاء اللّه تعالى (متفق عليه) واللفظ لمسلم وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى
(ج ٢ ص ٢٤٨) .
٩٨٧ - (وعن معيقيب) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر القاف بعدها مثناة تحتية
ساكنة ثم موحدة، هو ابن أبى فاطمة الدوسى حليف بنى عبد شمس، شهد بدرا وكان أسلم قديما بمكة وهاجر الى
الحبشة الهجرة الثانية وأقام بها حتى قدم النبي ◌َثّة، بالمدينة، وكان على خاتم النبى مَثّة واستعمله أبو بكر وعمر على بيت
المال . قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام فغولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، وتوفى فى خلافة
عثمان، وقيل بل فى خلافة على سنة أربعين. له أحاديث اتفقا على هذا الحديث وانفرد مسلم بآخر (عن النبى مر ثية.
فى الرجل) ولفظ الشيخين أن النبي ◌َّثم قال فى الرجل أى فى شأن الرجل حال كونه (يسوى التراب) أى فى
الصلوة (حيث) أى فى المكان الذى (يسجد) فيه، والحديث أخرجه الترمذى بلفظ سألت النبي مَث عن مسح
٣٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤- كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
قال: ان كنت فاعلا فواحدة. متفق عليه.
٩٨٨ - (٤) وعن أبى هريرة، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخصر فى الصلوة.
الحصى فى الصلوة ، قال الحافظ: التقييد بالحصى و بالتراب خرج للغالب لكونه كان الموجود فى فرش المساجد اذ
ذاك، فلا يدل تعليق الحكم به على نفيه عن غيره ما يصلى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك. وكذا ذكر الرجل
للغالب والا فالحكم جار فى جميع المكلفين (قال) أى النبى تَّة (ان كنت فاعلا) أى لذلك ولابد (فواحدة)
بالنصب بتقدير فامسح مسحة واحدة أو افعل فعلة واحدة أو فليكن واحدة، أو بالرفع مبتدأ وحذف خبره أى
فمرة واحدة تكفيك، أو خبر مبتدأ محذوف أى المشروع فعلة واحدة، أو فالجائز واحدة أى لئلا يلزم العمل
الكثير المبطل، أو عدم المحافظة على الخشوع، أو لئلا يجعل بينه وبين الرحمة التى تواجه حائلا. وأبيح له المرة لئلا
يتأذى به فى سجوده. وروى ابن أبى شيبة عن أبى صالح السمان قال: إذا سجدت فلا تمسح الحصى فإن كل حصاة
تحب أن يسجد عليها. فهذا تعليل آخر غير ما تقدم. وفى الحديث كرامة مسح الحصى والتراب فى الصلاة مع
الإذن بمسحة واحدة عند الحاجة. وحكى النووى اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره فى الصلوة، وفيه نظر
فقد حكى الخطابى فى المعالم وابن العربى فى شرح التر مذى عن مالك: أنه لم ير به بأسا وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه
الخبر، وأفرط بعض أهل الظاهر فقال أنه حرام اذا زاد على واحدة لظاهر النهى، ولم يفرق بين ما اذا توالى أولا
مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع، كذا فى الفتح (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى
وابن ماجه والبيهقى (ج ٢ ص ٢٨٤).
٩٨٨- قوله (نهى عن الخصر) بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة من الخاصرة (فى الصلوة)
قال النوربشتى: فسر الخصر بوضع اليد على الخاصرة وهو صنع اليهود، والخصر لم يفسر على هذا الوجه فى شىء
من كتب اللغة، ولم أطلع عليه الى الآن ، والحديث على هذا الوجه أخرجه البخارى ، ولعل بعض الرواة ظن أن
الخصر يرد بمعنى الاختصار وهو وضع اليد على الخاصرة ، وفى رواية أخرى له: نهى أن يصلى الرجل مختصرا
وكذا رواه مسلم والدارمى والترمذى والنسائى، وفى رواية لأبى داود: نهى عن الاختصار فى الصلوة ، فبين
أن المعتبر هو الاختصار لا الخصر، قال الطيبي: رده هذه الرواية على مثل هذه الأئمة المحدثين بقوله لم يفسر
الخصر بهذا الوجه فى شىء من كتب اللغة، لا وجه له لأن ارتكاب المجاز والكناية لم يتوقف على السماع
بل على العلاقة المعتبرة، و بيانه: أن الخصر وسط الإنسان والنهى لماورد عليه علم أن النهى عن أمر يتعلق به ،
ولما اتفقت الروايات على أن المراد وضع اليد على الخاصرة وجب حمله عليه وهو من الكناية فإن نفى الذات
أقوى من ففى الصفة ابتداء ـ انتهى. قلت: وقع فى رواية للبخارى: نهى النبي مثل أن يصلى الرجل متخصرا،
٣٤٦

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
متفق عليه.
٩٨٩ - (٥) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: سألت رسول اللّه تَفي عن الالتفات فى الصلوة،
أى من التخصر، قال الحافظ: وفى رواية الكشمهينى مخصرا بتشديد الصاد، والنسائى مختصرا بزيادة المثناة، قال النووى:
اختلف العلماء فى معنى الاختصار ، فالصحيح الذى عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين:
١ - أن المختصر هو الذى يصلى ويده على خاصرته، وقال الهروى: قيل ٢ - هو أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها،
وقيل ٣ - أن يختصر سورة فيقرأ من آخرها آية أو آتين، وقيل ٤ - هو أن يحذف الطمأنينة فلا يمد قيامهاوركوعها
وسجودها وحدودها، وقيل ٥ - الاختصار أن يحذف الآية التى فيها السجدة إذا مر بها فى قراءته حتى لا يسجد
فى الصلاة لتلاوتها، وهذه الأقوال الثلاثة الأخيرة وإن كان أخذها ممكنا من الاختصار لكن رواية التخصر
والخصر تأباها ، قال النووى والصحيح الأول، وقال العراقى: والقول الأول هو الصحيح الذى عليه المحققون
والأكثرون من أهل اللغة والحديث والفقه، والحديث يدل على تحريم الاختصار فى الصلوة ، وقد ذهب
الى ذلك أهل الظاهر وذهب ابن عمر وابن عباس وعائشة ومالك والشافعى وأبو حنيفة والأوزاعى وآخرون
الى أنه مكروه، والظاهر ما قاله أهل الظاهر لعدم قيام قرينة تصرف النهى عن التحريم الذى هو معناه الحق كما هو
الحق. واختلف فى حكمة النهى عن ذلك، فقيل لأن إبليس أهبط متخصرا، قاله حميد بن هلال فى رواية ابن
أبى شيبة عنه، وقال الترمذى: يروى أن إبليس إذا مشى يمشى مختصرا، وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله فنهى
عنه كرامة للتشبه بهم ، أخرجه البخارى فى ذكر بنى اسرائيل عن عائشة، وقيل: إنه راحة أهل النار ، كما
سيأتى فى الفصل الثالث، وقيل: إنه فعل المختالين والمتكبرين، وقيل: لأنه شكل من أشكال أهل المصائب
يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا فى المآتم، وقيل: لأنها صفة الراجز حين ينشد ، قال الحافظ بعد
سرد هذه الأقوال والعزو الى قائليها: وقول عائشة أعلى ما ورد فى ذلك، ولا منافاة بين الجمع (متفق عليه)
قال ميرك: الأولى أن يقال رواه البخارى فإن الحديث من افراده عن مسلم، قلت: لما كانت رواية مسلم
موافقة لرواية البخارى معنى كما تقدم صح إسناد الحديث اليهما ، فالمراد بقوله ((متفق عليه)) أى على أصل الحديث
ومعناه لا على اللفظ المذكور، والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى والحاكم والبيهقى
(ج ٢ ص ٢٨٧).
٩٨٩ - قوله (سألت رسول الله وضع عن الالتفات فى الصلوة) أى بالرأس يمينا وشمالا من
غير حاجة، والالتفات فى الصلوة على ثلاثة أنحاء، الأول: الالتفات بطرف الوجه يمينا وشمالا بلا حاجة من
غير أن يتحول صدره عن القبلة، وهذا مكروه عند الجمهور، حرام عند الظاهرية، والثانى: الالتفات بطرف
٣٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلوة العبد. متفق عليه.
٩٩٠ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّثه: لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند
الدعاء فى الصلوة إلى السماء
العين ، وهذا لا بأس به، وان كان خلاف الأولى، والثالث: الالتفات بحيث أن يتحول صدره عن القبلة، وهذا
مبطل الصلوة بالاتفاق، والمراد فى الحديث هو الأول (فقال) وَّ (هو) أى الالتفات (اختلاس)
افتعال من الخلس، وهو السلب أى استلاب وأخذ بسرعة، وقيل: شىء بختلس به (يختلسه الشيطان) قال
القسطلانى: بابراز الضمير المنصوب، وهو رواية الكشمهينى، وللأكثر يختلس الشيطان - انتهى (من صلوة العبد)
أى يحمله الشيطان على هذا الفعل لأجل نقصان صلوة العبد، أو يسلبه الشيطان من كمال صلوة العبد، وضمير
يختلسه منصوب على المصدر ، قال الطيبي: المعنى من التفت يمينا وشمالا ذهب عنه الخشوع المطلوب بقوله
تعالى: ﴿الذين هم فى صلوتهم خاشعون - ٢٣: ٢) فاستعير لذهاب الخشوع اختلاس الشيطان تصويرا لقبح تلك
الغفلة ، أو ان المصلى حينئذ مستغرق فى مناجاة ربه، وأنه تعالى مقبل عليه، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك
الحالة عنه، فإذا التفت المصلى اغتنم الفرصة فيختلسها منه - انتهى. والحديث يدل على كراهة الالتفات فى
الصلوة، وهو اجماع، لكن الجمهور على أنها كراهة تنزيه، ما لا يبلغ الى حد استدبار القبلة بالصدر. وقال المتولى:
يحرم الا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر، وسبب الكراهة والتنفير عنه ما فيه من نقص الخشوع أو ترك
استقبال القبلة ببعض البدن (متفق عليه) فيه نظر، فإن الحديث لم يروه مسلم، وقد ذكر الحاكم فى المستدرك
(ج ١ ص ٢٣٧) أيضا أن الشيخين اتفقا على اخراجه، وكذا نسبه الجزرى اليهما فى جامع الأصول
(ج ٦ ص ٣٢٥). وهو سهو منهم جميعا، فإن مسلما لم يروه، فلم أجده فيه، وكذلك نص العينى والحافظ فى الفتح
على أنه من افراد البخارى ، ويدل عليه أيضا أن المجد ابن تيمية فى المنتقى والمنذرى فى الترغيب وتلخيص
السين نسباه الى البخارى فقط، والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن
خزيمة والبيهقى وغيرهم .
٩٩٠ - قوله : (لينتهين) اللام جواب قسم محذوف ، وقيل للتا كيد، وهو خبر بمعنى أمر (عن رفعهم
أبصارهم عند الدعاء فى الصلوة الى السماء) قال القارى: أى خصوصا وقت الدعاء، والا فرفع الأبصار مطلقا فى
الصلوة مكروه. قلت : التقييد بقوله عند الدعاء فى الصلوة يقتضى اختصاص الكرامة بالدعاء الواقع فى الصلوة،
لكن أخرجه البخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه من حديث أنس بغير تقييد، ولفظه: ما بال أقوام يرفعون
أبصارهم الى السماء فى الصلوة، فاشتد قوله فى ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو ليخطفن أبصارهم، وأخرجه بغير
٣٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب مالا يجوز من العمل
أو لتخطف أبصارهم. رواه مسلم.
٩٩١ - (٧) وعن أبى قتادة، قال: رأيت التى مَّ يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص
تقييد أيضا ابن ماجه وابن حبان والطبرانى من حديث ابن عمر ، ولفظه: لا ترفعوا أبصاركم الى السماء أن تلتمع
يعنى فى الصلوة، وأخرجه أيضا بغير تقييد مسلم والنسائى وابن ماجه من حديث جابر بن سمرة، والطبرانى من حديث
أبى سعيد الخدرى وكعب بن مالك ، وأخرج ابن أبى شيبة من رواية هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين : كانوا
يلتفتون فى صلواتهم حتى نزلت: ﴿قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلوتهم خاشعون - ٢٣: ٢،١} فاقبلوا على صلوتهم،
ونظروا أمامهم، وكانوا يستحبون أن لا يجاوز بصر أحدهم موضع سجوده، وصله الحاكم بذكر أبى هريرة فيه، ورفعه
الى النبى تَّ، وقال فى آخره: فطاطاً رأسه. واطلاق هذه الأحاديث يقضى بأنه لا فرق بين أن يكون عند الدعاء
أو عند غيره اذا كان فى الصلوة ، والعلة فى ذلك أنه اذا رفع بصره الى السماء خرج عن سمت القبلة وأعرض عنها
وخرج عن هيئة الصلوة (أو لتخطفن) بضم الفوقية وفتح الفاء على البناء للمفعول، أى لتسلبن بسرعة (أبصارهم)
ان لم ينتهوا عن ذلك، أى أن أحد الأمرين واقع لا محالة، اما الانتهاء منهم أو خطف أبصارهم من الله تعالى
عقوبة على فعلهم، قال الطيبي: كلمة ((أو)) ههنا التخيير تهديدا، أى ليكونن أحد الأمرين، كما فى قوله تعالى: ﴿ تقاتلونهم
أو يسلمون) أى يكون أحد الأمرين، أما المقاتلة أو الاسلام لا ثالث لهما، وكما فى قوله تعالى: ﴿لخرجنك ياشعيب
والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا - ٧: ٨٨} أى ليكونن أحد الأمرين، أما اخراجكم واما
عودكم فى الكفر، والمعنى ليكونن منكم الانتهاء عن الرفع أو خطف الأبصار من الله تعالى - انتهى. وفيه وعيد عظيم
وتهديد شديد، وهو يدل على أن رفع البصر الى السماء حال الصاوة حرام ، لان العقوبة بالعمى لا تكون الا عن
محرم، والمشهور عند الشافعية أنه مكروه، وبالغ ابن حزم فقال: تبطل الصاوة به ، واختلف فى رفع البصر إلى
السماء حال الدعاء خارج الصلوة، فكرهه القاضى شريح وآخرون، وجوزه الأكثرون، لأن السماء قبلة الدعاء،
كما أن الكعبة قبلة الصلوة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى والبيهقى (ج ٢ ص ٢٨٢)
٩٩١ - قوله: (يؤم الناس) الجملة حال، لأن رأيت بمعنى النظر لا العلم، قاله الطبي (وامامة) بضم الهمزة
وتخفيف الميمين: وهى ابنة زينب بنت رسول اللّه وَثل، كانت صغيرة على عهد رسول اللّه مريض، وتزوجها على بعد
موت فاطمة بوصية منها . وقيل : كان أبوها أبو العاص قد أوصى بها الى الزبير بن العوام، فزوجها من على ، فدا
قتل على ، وانقضت عدتها تزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث ، زوجها منه الحسن بن على، وماتت عند المغيرة
(بنت أبي العاص) بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبدمناف بن قصى. اختلف فى اسم أبي العاص، فقيل:
اسمه لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم، وقيل: مهشم، وقيل هشيم: وقيل: ياسر، وهو مشهور بكنيته، وهو
٣٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها.
ختن السی منے، زوج ابنته زينب أ كبر بناته، رضى الله عنهن . وأمه هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة لأبيها
وأمها ، أسلم قبل الفتح، و هاجر الى التى مُٹے بعد أن كان أسر يوم بدر كافرا، ورد عليه النبي من ابنته زينب
بالنكاح الأول، وماتت معه، وأثنى عليه فى مصاهرته. وكانت وفاته فى خلافة أبى بكر الصديق فى ذى الحجة سنة أثنى
عشرة من الهجرة، وقد بسط قصة أسره يوم بدر واسلامه ابن عبد البر والحافظ نقلا عن ابن اسحاق (على عاتقه)
بكسر التاء وهو ما بين المنكبين الى أصل العنق. وفى رواية لأحمد على رقبته (فاذا ركع وضعها) هكذا فى صحيح مسلم
والسائى وأحمد وابن حبان، ورواية البخارى: فإذا سجد وضعها ولأبى داود: حتى اذا أراد أن يركع أخذها فوضعها
ثم ركع وجد ، حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها فى مكانها، وهذا صريح فى أن فعل الحمل والوضع كان
منه مَّع، لا أنها كانت تنزل وتركب بنفسها. وهذا يرد تأويل الخطابى، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية قد
ألعته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها (وإذا رفع)
أى رأسه (من السجود أعادما) ولأحمد: فإذا قام حملها فوضعها على رقبته. والحديث فيه دليل لصحة صلوة
من حمل آدميا أو حيوانا طاهرا، وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى يتحقق نجاستها، وأن الفعل القليل
لا يطل الصلوة، وأن الأفعال إذا تعددت ولم تنوال بل تفرقت لا تبطل الصلوة. وفيه تواضع مع الصبيان
وسائر الضعفة، ورحمتهم و ملاطفتهم. وفيه دليل على جواز ادخال الصبيان فى المساجد ، وعلى أنه يجوز حمل
الصبي والصبية فى الصلوة من غير فرق بين الفريضة والنافلة والمنفرد والمؤتم والإمام، لأن قوله : يؤم
الناس صريح، أو كالصريح فى أنه كان فى الفريضة. وأصرح من هذا ما أخرجه أبو داود بلفظ: بينما نحن ننتظر
رسول اللّه ◌َع فى الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلوة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه، فقام فى
مصلاه، فقمنا خلفه فكبر فكبرنا وهى فى مكانها. وإذا جاز ذلك فى حال الا مامة فى صلوة الفريضة جاز فى غيرها
بالأولى. وإليه ذهب الشافعى وأحمد. قال فى الشرح الكبير (ج١ ص ٦٧٢): وإن كان، أى العمل الذى من غير
جنس الصلوة ، متفرقا لم تطل ، لأن النى تَّثم حمل أمامة فى الصلوة ، إذا قام حملها، و إذا سجد وضعها،
وهذا لواجتمع كان كثيرا، وان كان يسيرا لم يبطلها - انتهى. وذهب مالك إلى عدم جواز الحمل مطلقا ،
وأجاب عن الحديث بأنه كان فى النافلة ، وهو مردود، لما تقدم من رواية أبى داود. ويرده أيضا رواية مسلم،
لأن أمامته بالناسى فى النافلة ليست بمعهودة. وأجاب أيضا بأن ذلك كان للضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها،
وقال بعض أصحابه لأنه لو تركها ليكت وشغلت سره أكثر من شغله بحملها. وقال الباجى: إن وجد من يكفيه
أمرها جاز فى النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. وهذا أيضا مردود لأنه دعوى مجردة لا دليل
٣٥٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
عليها ولا ضرورة اليها . وأجاب أيضا بأنه منسوخ، قال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل فى الصلوة.
وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله مؤٍّ: إن فى الصلوة لشغلا، لأن
ذلك كان قبل الهجرة أو بعدها بمدة يسيرة ، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعا بمدة مديدة. وأجاب بعض
المالكية بأن ذلك كان من خصائصه ◌َّ لكونه كان معصوما من أن تبول وهو حاملها. ورد بأن الأصل
عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص فى أمر ثبوته فى غيره بغير دليل ، ولا مدخل للقياس
فى مثل ذلك. وقال أبو حنيفة: بجوازه عند الضرورة، وبكراهته عند عدم الحاجة. وحمل الحديث على حال
الضرورة كما حمل عليها مالك. وأول بعض الحنفية بأنه عليه السلام كان يشير بها بالنزول عند الركوع
وبتعلقها بنفسها عند القيام فلم يكن منه مَّم، الا الإشارة، فعبر الراوى عن تعلقها بنفسها وعن اشارته بالنزول
والتعلق بأنه صلى وهو حامل لها وإذا ركع وضعها وإذا قام حملها، فهذا توسع من الراوى لا غير. وهذا تاويل
بعيد غاية البعد، يرده ظاهر ألفاظ الحديث وطرقه وهو فى الحقيقة تحريف للحديث لا توجيه له فلا يلتفت إليه.
وقال الخطابى فى المعالم (ج ١ ص ٢١٧): بعد تأويل الحديث بنحو ذلك، وإذا كان على الخميصة يشغله
عن صلاته حتى يستبدل بها الانبجانية فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر - انتهى. وتعقبه النووى
فقال: وأما قضية الخميصة فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب، وإن شغله
فيترتب عليه فوائد ، وبيان قواعد مما ذكرنا وغيره ، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة. فالصواب
الذى لا معدل عنه أن الحديث كان لبيان الجواز، والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا ، وشرع مستمر المسلمين
إلى يوم الدين - انتهى. قلت: هذا هو الصواب الذى لا يجوز العدول عنه، أن الحديث محمول على بيان
الشرع والجواز. وإليه ذهب بعض الحنفية. قال فى رد المحتار (ج ١ ص ٦١٢): قد أطال المحقق ابن أمير
حاج فى الحلية فى هذا المحل ثم قال: إن كونه للتشريع بالفعل هو الصواب الذى لا يعدل عنه، كما ذكره النووى
فانه ذكر بعضهم: أن البيان بالفعل أقوى من القول، ففعله ذلك لبيان الجواز، وأن الآدمى طاهر ، وما فى
جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه فى معدنه، ثم ذكر بقية كلام النووى، وسنذكر تمامه. قال الحافظ : حمل أكثر
أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة فى أركان الصلوة. وقال النووى بعد أن ذكر
التأويلات المتقدمة ما لفظه: وكل هذه الدعاوى باطلة مردودة ، فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة اليها، بل
الحديث صحيح صريح فى جواز ذلك ، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمى طاهر وما فى جوفه من
النجاسة معفو عنه لكونه فى معدنه، وثياب الأطفال وأجسامهم على الطهارة ، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا،
٣٥١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
متفق عليه.
٩٩٢ - (٨) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول اللّه وَّى: إذا تناسب أحدكم فى الصلوة فليكظم
والأفعال فى الصلوة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبى ومثل هذا بيانا للجواز - انتهى. وقال الفاكهانى:
وكان السرفى حمله أمامة فى الصلوة دفعا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن ، خالفهم فى ذلك حتى
فى الصلوة البالغة فى ردعهم ، و البيان بالفعل قد يكون أقوى من القول (متفق عليه) واللفظ لمسلم ، والحديث
أخرجه أيضا مالك وأبو داود والنسائى والبيهقى (ج ٢ ص ٢٦٢).
٩٩٢ - قوله (إذا تثاءب أحدكم) بالهمزة، وقيل بالواو، ونسب إلى الغلط . قال الحافظ فى الفتح:
قال شيخنا فى شرح الترمذى : وقع فى رواية المحبوبی عن الترمذى ۔ أی لحديث أبى هريرة - بالواو، وفى رواية
السبخی بالهمز ، ووقع عند الخاری وأبى داود بالهمز، وكذا فى حديث أبى سعيد - أى الذى نحن بصدد شرحه -
عند أبى داود. وأما عند مسلم فبالواو. قال: وكذا هو فى أكثر نسخ مسلم، وفى بعضها بالهمز، وقد أنكر
الجوهرى كونه بالواو. قال: تقول تثاءبت على وزن تفاعلت، ولا تقل تثاوبت. قال: والتثاؤب أيضا مهموز،
وقد يقلبون الهمز المضمومة واواء والاسم الثوباء بضم، ثم ممز، على وزن الخيلاء. وجزم ابن دريد وثابت بن قاسم
فى الدلائل: بأن الذى بغير واو بوزن تيممت ، فقال ثابت: لا يقال تثاءب بالمد مخففا ، بل يقال تشأب بالتشديد
وقال ابن دريد: أصله من ثتب فهو مثوب، إذا استرخى وكسل. وقال غير واحد: انهما لغتان، وبالمد
والهمز أشهر - انتهى. والتثاءب التنفس الذى ينفتح منه الفم لدفع البخارات المحتقنة فى عضلات القلب، وينشأ
من امتلاء المعدة وثقل البدن واسترغائه وكدورة الحواس، فيورث الغفلة وسوء الفهم والكسل والنوم الداعى
إلى اعطاء النفس شهواتها، ولذا كرهه الله وأحبه الشيطان، كما فى الحديث الصحيح. قال القارى: أى فتح
فاه لكسل أو فترة أو امتلاء أو غلبة نوم، وكل ذلك غير مرضى، لأنه يكون سببا للكسل عن الطاعة والحضور
فيها (فى الصلوة) هكذا قيده بحالة الصلوة، وكذا أخرجه الترمذى فى الصلوة من طريق العلاء بن عبد الرحمن
عن أبيه عن أبى هريرة بلفظ: التثاءب فى الصلوة من الشيطان ، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع. قال العراقى
فى شرح الترمذى: أكثر روايات الصحيحين فيها اطلاق الشامب، ووقع فى الرواية الأخرى تقييده بحالة
الصلوة، فيحتمل أن يحمل المطلق على المقيد، والشيطان غرض قوى فى التشويش على المصلى فى صلوته ، ويحتمل
أن تكون كرامته فى الصلوة أشد، ولا يلزم من ذلك أن لا يكره فى غير حالة الصلوة، ويؤيد كراهته مطلقا
كونه من الشيطان، وبذلك صرح النووى. وقال ابن العربى: ينبغى كظم التثاؤب فى كل حالة، وإنساخص
الصلوة، لأنها أولى الأحوال بدفعه لما فيه من الخروج من اعتدال الهيئة واعوجاج الخلقة (فليكظم) بفتح ياء
٣٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
ما استطاع، فإن الشيطان يدخل. رواه مسلم.
٩٩٣ - (٩) وفى رواية البخارى عن أبى هريرة، قال: إذا تناب أحدكم فى الصلوة فليكظم
ما استطاع ولا يقل: ما، فإنما ذلكم من الشيطان
المضارعة وكسر الظاء، أى ليحبس التثاؤب وليدفعه وليمسكه بضم الشفتين وتطبيق السن ، وإن لم يقدر، فبوضع
اليد على الفم (ما استطاع) أى ما أمكنه. وفى رواية لأبى داود: فليمسك على فيه. وفى حديث أبى هريرة عند البخارى:
فليرده ما استطاع. قال الحافظ : أى يأخذ فى أسباب رده، وليس المراد به أنه يملك دفعه، لأن الذى وقع لا يرد
حقيقة. وقيل: معنى اذا تثاءب اذا أراد أن يتثاءب. وجوز الكرمانى: أن يكون الماضى فيه بمعنى المضارع -
انتهى . وفى رواية الترمذى: فليضع يده على فيه. وهذا يتناول ما اذا انفتح بالثاؤب فيغطى بالكف ونحوه،
وما اذا كان منطبقا حفظا له عن الانفتاح بسبب ذلك، وفى معنى وضع اليد على الفم وضع الثوب ونحوه ما يحصل
ذلك المقصود، ويستثنى ذلك من النهى عن وضع المصلى يده على فمه. ومما يؤمر به المتشاب فى الصلاة أن
يمسك عن القراءة حتى يذهب عنه، لئلا يتغير نظم قراءته. وأسند ابن أبى شيبة نحو ذلك عن مجاهد وعكرمة
والتابعين المشهورين (فان الشيطان يدخل) أى فى فيه. قال الحافظ: يحتمل أن يراد به الدخول حقيقة، وهو وإن
كان يجرى من الانسان مجرى الدم لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكرا لله تعالى، والمتثاءب فى تلك الحالة غير
ذاكر، فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة ، ويحتمل أن يكون أطلق الدخول وأراد التمكن منه، لأن من
شأن من دخل فى شىء أن يكون متمكنا منه (رواه مسلم) فى كتاب الزهد فى أواخر صحيحه ، وأخرجه أيضا
أحمد وأبو داود فى الأدب ، والبيهقى.
٩٩٣ - (وفى رواية البخارى) بالاضافة (اذا تناسب أحدكم) أى أحس بالتثاؤب (فليكظم ما استطاع)
أى بالضم أو الوضع (ولا يقل ما) بل يدفعه بالفعل. و«ها)، مقصورة من غير همز حكاية صوت المتثاءب،
والمعنى لا يصوت عند التثاؤب، كما يفعله بعض من لا يضبط حاله فى التثاؤب (فانما ذلكم) أى التشاؤب وقيل:
قولكم (ها)) (من الشيطان) أى من حمله عليه. قال ابن بطال: اضافة التثاؤب الى الشيطان بمعنى اضافة الرضا والارادة،
أى أن الشيطان يحب أن يرى الانسان متثائبا، لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه، لا ان المراد أن الشيطان
فعل التثاؤب. وقال ابن العربى: قد بينا أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه واسطته، وأن كل فعل
حسن. نسبه الشرع إلى الملك لأنه واسطته. قال: والتثاؤب من الامتلاء، وينشأ عنه التكامل، وذلك بواسطة
الشيطان. وقال النووى: أضيف التثاؤب إلى الشيطان لأنه يدعو إلى الشهوات، إذ يكون عن ثقل البدن
٣٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
يضحك منه.
٩٠٤ - (١٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌ُفى: ان عفريتا من الجن تفلت
واسترخاءه وامتلاءه. والمراد التحذير من السبب الذى يتولد منه ذلك، وهو التوسع فى المآكل (يضحك) أى
الشيطان، حقيقة أو كناية عن فرحه وسروره بكونه أغواه بتعاطى سبب التثاؤب، وهو كثرة الأكل فطاوعه
واغتوى ، والأصل الأول، إذ لاضرورة تدعو إلى العدول عن الحقيقة (منه) أى من ذلك القول. قال الطيبى:
أى يرضى بتلك الفعلة، والضمير فى ((منه، راجع إلى المشار اليه بذا، وكم، بيان لخطاب الجماعة، وليس بضمير.
وقال ابن حجر: يضحك حال ـ انتهى. ويمكن أن يكون استئناف بيان. تنبيه لم أجد حديث أبى هريرة عند
البخارى باللفظ الذى ذكره المصنف، نعم روى أبو داود عن أبى هريرة بلفظ: اذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع،
ولا يقل هاه هاه ، فإنما ذلكم من الشيطان ، يضحك منه . ولفظه عند البخارى فى رواية: وأما التثاؤب فانما هو من
الشيطان فليرده ما استطاع، فإذا قال ((ما)، ضحك منه الشيطان، وفى أخرى: فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع،
فإن أحدكم اذا قال ما ضحك الشيطان، وفى أخرى: فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان. والظاهر أن المصنف
أخذ الطرف الأول من حديث أبي سعيد عند مسلم ، أى قوله: اذا تناب أحدكم فليكظم ما استطاع، وأخذ
الطرف الآخر من حديث أبي داود ، أى قوله: ولا يقل ماه ، فانما ذلكم من الشيطان ، يضحك منه. لجعل مجموعهما
حديثا واحدا من رواية أبى هريرة وعزاه للبخارى، ولا يخفى ما فى هذا الصنيع. ثم رأيت جامع الأصول
(ج ٧ ص ٣٩٨) للجزرى وقد وقع فيه مثل ما فى المشكوة ، فلعل المصنف تبعه فى ذلك. والله أعلم.
٩٩٤ - قوله (ان عفريتا) بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء، أى جنيا خبيثا منكرا مبالغا فى
المرودة، مع دهاء وخبث. فعليت من العفر بكسر فسكون، وهو الخبث ، قاله القارى (من الجن) بيان له . قال
ابن عبدالبر : الجن على مراتب، فالأصل جنى، فإن خالط الإنس ، قيل: عامر ، ومن تعرض منهم للصبيان
قيل: أرواح، ومن زاد فى الخبث قيل: شيطان ، فإن زاد على ذلك قيل: مارد ، فإن زاد على ذلك قيل: عفريت.
وقال الراغب : العفريت من الجن هو العارم الخبيث ، واذا بولغ فيه قيل: عفريت نفريت. وقال ابن قتيبة:
العفريت الموثق الخلق. وقال الزجاج: العفريت النافذ فى الأمر المبالغ فيه من خبث ودها. (تفلت) أى علىّ ،
كما فى رواية. وهو بفتحات وتشديد اللام، أى تعرض لى فلتة، أى بغتة فى سرعة. وقال القزاز: يعنى توثب،
وقيل: تخلص فجأة. قال ابن حجر: أى من أسر سليمان عليه الصلاة والسلام الذى حرق اللّه له به عادة الأنبياء
والملوك، حتى مكنه ما أراد بهم. وفى رواية: عرض لى فشد على. فإن قلت: قد ثبت أن الشيطان يفر من ظل
عمر، وأنه يسلك فى غير جه، ففراره من النبى وَّثْلٍ أولى، فكيف شد عليه عليه الصلاة والسلام وأراد قطع صلاته؟
٣٥٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
البارحة ليقطع علىّ صلانى، فأمكنى الله منه، فأخذته فأردت أن اربطه على سارية من سوارى المسجد
حتى تنظروا اليه كلكم،
أجيب بأنه ليس المراد حقيقة الفرار، بل بيان قوة عمر وصلابته على قهر الشيطان، وقد وقع التصريح بأنه مزل}
قهره وطرده ، كما سيأتى (البارحة) هى أقرب ليلة مضت، وفى المنتهى: كل زائل بارح ، ومنه سميت البارحة
لأدنى ليلة زالت عنك. وانتصابها على الظرفية ، والمعنى تعرض فى صلاتى الليلة الماضية (ليقطع على) بتشديد
الياء (صلانى) أى يبطلها ويفسدها، إما بمروره بين يديه، لأن النبي مَّم حكم بقطع الصلاة من مرور الكلب
الأسود، فقيل: ما بال الأحمر من الأبيض من الأسود؟ فقال: الكلب الأسود شيطان ، والجن يتصورون
بصورته ، أو بالجاءه الى العمل الكثير، بأن يصدر من العفريت أفعال يحتاج إلى دفعها بأفعال كثيرة منافية
للصلاة فيقطعها بتلك الأفعال . وقيل: المراد بالقطع قطع وصلة المناجاة بمروره بين يديه . وقيل: المراد قطع
الخشوع وكمال الصلاة (فامكنى الله منه) أى أعطانى مكنة منه وقدرة عليه (فاردت أن أربطه) بكسر الباء
أى أشده (على سارية) أى أسطوانة (من سوارى المسجد) الظاهر أنه المسجد النبوى. وفيه دليل على إباحة
ربط الأسير فى المسجد، وقد بوب البخارى على هذا الحديث ((باب الأسير أو الغريم يربط فى المسجد )) ومن
هذا قال المهلب: إن فى الحديث جواز ربط من خشى هروبه بحق عليه، أودين والتوثق منه فى المسجد، أو
غيره. والمراد بالربط فى الصلاة: أن يربطه يوجه كان شغلا يسيرا فلا تفسد به الصلاة. وقال السندى:
لا يلزم منه أن أخذه وربطه غير مفسد، لجواز أن يكون مفسدا، ويحمل له ذلك لضرورة أو بلا ضرورة ،
نعم يلزم أن تكون ارادته غير مفسدة، فليفهم - انتهى (حتى تنظروا) وفى رواية حتى تصبحوا فتنظروا.
(اليه) أى الى الشيطان فى حالة المذلة نظرة عبرة (كلكم) أى صغاركم وكباركم. وهو بالرفع توكيد الضمير
المرفوع. فيه دليل على جواز رؤية الجن . قال الخطابي: فى الحديث دليل على أن رؤية الجن البشر غير مستحيلة ،
والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف فدركه غير ممتنع أصلا. وأما قوله تعالى: ﴿إنه يراكم - ٧: ٢٧) هو
وقبيله من حيث لا ترونهم ، فان ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بنى آدم، امتحنهم الله بذلك وابتلاهم ليفزعوا
آليه ويستعيذوا به من شرهم ويطلبون الأمان من غائلتهم. ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين
من عباده بخلاف ذلك . وقال الكرمانى: لا حاجة الى هذا التأويل ، اذ ليس فى الآية ما ينفى رؤيتنا اياهم مطلقا ،
اذا المستفاد منها أن رؤيته ايانا مقيدة من هذه الحيثية ، فلا نراهم فى زمان رؤيتهم لنا قط ، ويجوز رؤيتنا لهم
فى غير ذلك الوقت - انتهى. وفهم أكثر العلماء منها العموم، حتى قال الشافعى: من زعم أنه يرى الجن أى
٣,٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
فذكرت دعوة أخى سليمان: رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى، فرددته خاسئا.
على صورهم التى خلقوا عليها أبطلنا شهادته. واستدل بهذه الآية. وفيه دليل على أن الجن ليسوا باقين على
عنصرهم النارى والا لأحرق اذا مس شىء من أعضاءه ابن آدم، كما نحرق الآدمى النار الحقيقية بمجرد الس،
فدل على أن تلك النارية انغمرت فى سائر العناصر حتى صار الى البرد، ويؤيد ذلك قوله مَيتم عند السانى من
حديث عائشة: حتى وجدت برد لسانه على يدى. وفى رواية: برد لعابه. وقال ابن بطال: رؤيته برّمه للعفريت
هو ما خص به، كما خص برؤية الملائكة، وقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، ورأى النبي ◌َّ الشيطان
فى هذه الليلة وأقدره الله عليه، ولكن ألقى فى روعه ما وهب سليمان فلم ينفذ ما قوى عليه من حبسه رغبة عما
أراد سليمان الانفراد به، وحرصا على اجابة اللّه تعالى دعوته، وأما غير النبى مؤ لمه من الناس فلا يمكن منه،
ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره بٍّ، لقوله تعالى: ﴿إنه يراكم - ٧: ٢٧) الآية، لكنه يراه سائر
الناس اذا تشكل فى غير شكله ، كما تشكل الذى طعنه الأنصارى حين وجده فى بيته على صورة حية فقتله ، فمات
الرجل به، رواه مالك فى الموطأ. وفيما ادعى ابن بطال من الفرق بينه مَ لّه وبين الناس فى رؤية الشيطان على
صورته الأصلية : عندى نظر ، فإن هذه دعوى مجردة ، فان لم يصح لها مستند فهى مردودة (فذكرت دعوة
أخى) فى النبوة (سلیمان) أی التی استجابها الله تعالى له. وهی قوله الآتى طلبا لآن يميز بخصوصية لا يشار كه فيها
غيره، كما وقع لغيره من الأنبياء، أو غيرة على ملكه ونفوذ حكمه فى الجن والانس والهواء أن يناله غير نبى
(رب هب لى ملكا) وقع فى رواية البخارى: فى باب الأسير أو الغريم يربط فى المسجد: رب اغفرلى وهب لى
ملكا، أى كما فى التلاوة. قال الحافظ فى الفتح: كذا فى رواية أبى ذر، وفى بقية الروايات هنا: رب هب لى.
قال الكرمانى: لعله ذكره على طريق الاقتباس من القرآن لا على قصد التلاوة. قال الحافظ: ووقع عند
مسلم ، كما فى رواية أبى ذر على نسق التلاوة ، فالظاهر أنه تغيير من بعض الرواة (لا ينبغى لأحد من بعدى) من
البشر مثله (فرددته) أى دفعت العفريت حال كونه (خاسئا) أى مبعدا مطرودا صاغرا ذليلا، كماأنه معروفٍ نظر
الى أن من أعظم ذلك الملك وأخصه التصرف فى الشياطين والتمكين منهم ، فيتوهم بربط الشياطين عدم خصوص
ذلك الملك بسليمان ، وعدم استجابة دعاءه، لما فيه من المشاركة معه فى جملة ما هو من أخص أمور ذلك الملك، فترك
الربط خشية ذلك التوهم الباطل ، ولم يرد أن ربط الشياطين يوجب المشاركة معه فى تمام ملكه ، ويفضى الى عدم
خصوص ذلك الملك بسليمان ، فان التمكن من شيطان واحد ، بل من ألف شيطان ، لا يقدح فى الخصوص قطعا ،
فإن الخصوص كان بالنسبة الى تمام الملك، كما لا يخفى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى اللمعات: من جملة
ملك سليمان تسخير الريح والجن والشياطين ، وهو مخصوص بسليمان عليه السلام ، فيلزم عدم اجابة دعاءه لو ربط
٣٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب مالا يجوز من العمل
متفق عليه.
٩٩٥ - (١١) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله {ثم: من نابه شىء فى صلوته فليسبح،
فإنما التصفيق
العفريت، فتركه ليبقى دعاءه محفوظا فى حقه، ونبينا مري كان له القدرة على ذلك على الوجه الأتم والأكمل ،
ولكن التصرف فى الجن فى الظاهر كان مخصوصا بسليمان، فلم يظهره مَّ لأجل ذلك. وقيل: يمكن أن يكون
عموم دعاء سليمان عليه السلام مخصوصا بغير سيد الأنبياء ◌َ ◌ّه ، بدليل اقداره على أخذه ليفعل فيه ما يشاء،
ومع ذلك تركه على ظاهره رعاية لجانب سليمان. والله أعلم. ويحتمل أن تكون خصوصية سليمان استخدام الجن
فى جميع ما يريده، لا فى هذا القدر فقط . قال ابن الملك: إن قلت يفهم من هذا الحديث أنه عليه السلام تذكر
دعوة سليمان بعد أخذه، ومن الحديث الآتى فى آخر الباب أنه تذكر قبله فيتنافيان . قلت: لامنافاة، لأن
الحديثين صدرا فى وقتين . قال القارى: أو يكون الأخذ الآتى بمعنى الأخذ للربط ، فإنه المنافى للدعوة، فلا
منافاة، وان قلنا بوحدة القضية. وفى أخذه بيَّن العفريت ثم رده اياه دليل على جواز العمل القليل فى الصلوة،
وأنه لاتبطل به الصلوة (متفقٌ عليه) أخرجه البخارى فى الصلوة فى موضعين ، وفى صفة ابليس، وفى أحاديث
الأنبياء، وفى تفسير ((ص))، وأخرجه مسلم فى الصلوة، وأخرجه النسائى فى التفسير من سننه الكبرى، واللفظ
المذكور البخارى فى أحاديث الأنبياء.
٩٩٥ - قوله (من نابه) أى من الرجال. قال الطيبي: النوب رجوع الشىء مرة بعد أخرى، ونابته
نائبة أى حادثة من شأنها أن تنوب دائما، ثم كثرت حتى استعمل فى كل اصابة تصيب الانسان ، أى من أصابه
(شىء) أى عارض (فى صلوته) وفى بعض النسخ: فى الصلوة، أى من عرض له ونزل به أمر فى الصلوة، كتنبيه
امام على سهو ، واذن لمستأذن فى الدخول، وانذار أعمى أن يقع فى بئر ونحوها (فليسبح) أى فليقل سبحان الله،
كما فى رواية للبخارى زاد فى رواية: فإنه اذا سبح التفت اليه (فانما التصفيق) بالقاف، وفى رواية مسلم وأبى داود
وغيرهما: التصفيح بالحاء المهملة. قال العراقى: المشهور أن معناهما واحد. قال سهل بن سعد راوى الحديث:
التصفيح هو التصفيق . وكذا قال عقبة و أبو على القالى والخطابى و الجوهرى وغيرهم. وادعى ابن حزم نفى
الخلاف فى ذلك، وتعقب بما حكاه عياض فى الا كمال. والقرطبي فى المفهم: أنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين
على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى. وقيل: بالحاء الضرب باصبعين للإنذار والتنبيه. وبالقاف بجميعها
للهو واللعب. وروى أبو داود فى سننه عن عيسى بن أيوب: أن التصفيح الضرب باصبعين من اليمين على باطن
٣٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
للنساء. وفى رواية، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء. متفق عليه.
ة (الفصل الثانى).
٩٩٦ (١٢) عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نسلم على النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى الصلوة
الكف اليسرى (للنساء) أى مشروع للنساء، لأن صوتهن عورة. قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: أى لا للرجال ،
فإنه بعد أن غلب فى النساء صار لا يليق بشهامة الرجال (وفى رواية) أى للبخارى (قال) أى رسول اللّه مؤ لم
(التسبيح) بأن يقول من نابه شىء فى صلوته سبحان الله، لا يكون الا (للرجال والتصفيق) بالصاد والقاف لا يكون الا
(للنساء) إذا نابهن شىء فى صلوتهن، وهذا مذهب الجمهور والشافعى وأحمد وأبى حنيفة، للأمر به فى رواية البخارى
فى الأحكام بلفظ: اذا رابكم شىء فليسبح الرجال و لتصفح النساء. ولأبى داود: اذا نابكم شىء فى الصلوة فليسبح
الرجال وليصفح النساء، خلافا لمالك حيث قال: المشروع فى حق الرجال والنساء جميعا التسبيح دون التصفيق، وأما
قوله: والتصفيق للنساء، أى من شأنهن فى غير الصلوة، وهو على جهة الذم له ، ولا ينبغى فعله فى الصلوة لرجل
ولا امرأة، أى لأنه من دأب النساء الناقصات ولهوهن خارج الصلوة . ورواية البخارى وأبى داود ترد هذا
التأويل وتبطله، اذ هى نص فيما قاله الجمهور. قال القرطبى: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبرا
ونظرا، لأنها مأمورة بخفض صوتها مطلقا لما يخشى من الافتتان ، ومن ثم منعت من الأذان مطلقا، ومن الاقامة
للرجال، ومنع الرجال من التصفيق، لأنه من شأن النساء. وقال ابن عبد البر بعد ذكر لفظ أبى داود: هذا قاطع
فى موضع الخلاف برفع الاشكال، لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء - انتهى. وفى الحديث أنواع من الفقه:
منها : أن الالتفات فى الصلوة لا يبطلها ما لم يتحول المصلى عن القبلة بجميع بدنه . ومنها: أن التصفيق سنة النساء فى
الصلوة، والتسبيح سنة الرجال. ومنها: أن المأموم من الرجال اذا سبح ومن النساء اذا صفق يريد بذلك تنبيه
الإمام واعلامه لم يكن ذلك مفسدا للصلوة (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى، وهو حديث طويل ،
هذا طرف منه، والرواية الثانية من افراد البخارى، ورواها ابن ماجه والبيهقى أيضا وفى الباب عن أبى هريرة
أخرجه أحمد والشيخان والترمذى وأبوداود والنسائى وابن ماجه .
٩٩٦ - قوله (كنا نسلم على النبي ول وهو فى الصلوة) وفى رواية لأحمد (ج ١ ص ٤٣٥): كنا نتكلم
فى الصلوة ويسلم بعضنا على بعض ويؤمن١ أحدنا بالحاجة. واعلم أن لفظ الحديث بالسياق الذى
ذكره المصنف تبعا للبغوى لم أجده فى سنن أبي داود، والحديث أخرجه أحمد والنسائى وليس عندهما
أيضا هذا السياق، كما لا يخفى على المتتبع . وسياق أبى داود هكذا: كنا نسلم فى الصلوة ونأمر بحاجتنا ، فقدمت على
رسول اللّه ◌َع وهو يصلى فسلمت عليه فلم يرد على السلام، فأخذنى ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله
(١) كذا فى الأصل ولعله يأمر.
٣٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
قبل أن نأتى أرض الحبشة فيرد علينا، فلما رجعنا من أرض الحبشة أتيته فوجدته يصلى فسلمت عليه
فلم يرد على حتى إذا قضى صلوته، قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن
لا تتكلموا فى الصلوة، فرد على السلام، وقال: انما الصلوة لقراءة القرآن وذكر الله، فإذا كنت فيها
فليكن ذلك شأنك. رواه أبو داود.
الصلوة قال: أن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء، وان اللّه تعالى قد أحدث من أمره أن لا تكلموا فى الصلوة،
فرد على السلام - انتهى (قبل أن نأتى أرض الحبشة) أى نهاجر اليها من مكة (فيرد علينا) اى السلام نطقا وقولا
(فلما رجعنا من أرض الحبشة) أى الى المدينة على ما هو الراجح (فسلمت عليه) استصحابا لما كان من حل الكلام
فى الصلوة (فلم يرد على) أى السلام باللفظ (حتى اذا قضى الصلوة) أى أداها وكملها (إن الله يحدث) أى يظهر
(من أمره) أى شأنه أو أوامره (وإن مما أحدث) أى جدد من الأحكلام، بأن نسخ حل الكلام فى الصلوة
بقوله ناهيا عنه (أن لا تتكلموا فى الصلوة) ويحتمل كون الاحداث فى تلك الصلوة أو قبلها ، كذا قال القارى
(فرد على) بتشديد الياء (السلام) أى باللفظ بعد فراغه من الصلاة وفى الحديث دليل على أنه لا يجوز لمن
سلم عليه فى الصلوة أن يرد السلام فيها نطقا وقولا، وعلى أنه يستحب له أن يرد باللفظ بعد الفراغ من الصلوة ،
ولا دليل فيه على منع الرد فى الصلوة بالاشارة، بل مرسل ابن سيرين عند ابن أبى شيبة يدل صريحا على أنه مؤلفه
رد السلام على ابن مسعود فى هذه القصة بالاشارة كما تقدم (انما الصلوة) أى موضوعة (لقراءة القرآن
وذكر الله) أى الشامل للدعاء. قال القارى: وفى بعض النسخ بفتح اللام ورفع القراءة والذكر. وفى نسخة: انما
الصلوة قراءة القرآن وذكر الله (فإذا كنت فيها) أى فى الصلوة (فليكن ذلك) اشارة الى ما ذكر من القراءة
وذكر الله وهو اسم فليكن، وخبره (شأنك) بالنصب أى حالك المهم، لا غير ذلك من التكلم وغيره . قال
الطبى: الشأن الحال والأمر والخطب، والجمع شئون، ولا يقال إلا فى ما يعظم من الأحوال والأمور
(رواه أبو داود) فيه نظر، لأن هذه الألفاظ ليست فى أبى داود كما قدمنا. وفيه أيضا ما قال ميرك: أن أبا داود
لم يخرج قوله: أنما الصلوة لقراءة القرآن الخ من حديث عبد الله بن مسعود، بل أخرجه من حديث معاوية بن الحكم
السلمى فى حديث طويل، والذى أوقع صاحب المشكوة فى هذا الخبط ايراد صاحب المصابيح بعد قول عبد الله بن
مسعود: فرد على السلام وقال أنما الصلوة الخ فظن صاحب المشكوة أنه من تتمة حديث ابن مسعود عطفا على
قوله: ((فرد))، وليس كذلك، ومقصود صاحب المصابيح ايراد حديث آخر كعادته. والله تعالى أعلم - انتهى.
٣٥٩٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
٩٩٧ - (١٣) وعن ابن عمر، قال: قلت لبلال: كيف كان النبي مَّ يرد عليهم حين كانوا يسلمون
عليه وهو فى الصلاة؟ قال: كان يشير بيده.
قلت: الظاهر أن أصل الوهم من البغوى، يدل على ذلك تصرفه فى الفاظ الحديث ، حيث ذكر للحديث سياقا
لا يوجد فى أبى داود ولا فى غيره، كمسند أحمد وستن النسائى والبيهقي، ويدل على ذلك أيضا أنه لم يذكر اسم
الصحابى كعادته قبل قوله : وقال انما الصلوة الخ فصنيعه هذا قرينة واضحة على أنه لم يقصد بقوله: انما الصلوة الخ
ايراد حديث آخر. والله أعلم. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٣٧٧،
٤٣٥،٤١٥) والنسائى وابن حبان فى صحيحه والبيهقى (ج ٢ ص ٢٤٨).
٩٩٧ - قوله (كيف كان النبي ◌ُّ يرد عليهم) أى على الصحابة (حين كانوا يسلمون عليه) قال
القارى: ظاهره أنه أراد قبل نسخ الكلام، ويحتمل أن يكون بعده، ويبعد - انتهى. وفيه: أن الظاهر أن ذلك
كان بعد نسخ الكلام ، كما قال الشيخ عبد الحق الدحلوى فى أشعة الدمعات ، بل هو المتعين عندى لما سيأتى (كان
يشير بيده) وفى حديث صهيب الآتى قال: لا أعلمه إلا أنه قال اشارة باصبعه، ولا اختلاف بينهما، فيجوز أن
يكون اشار مرة باصبعه ، ومرة بجميع يده، ويحتمل أن يكون المراد باليد الاصبع حملا المطلق على المقيد.
والحديث فيه دليل على جواز رد السلام فى الصلوة بالاشارة، وهو مذهب الجمهور،, اختلفت الحنفية، فمنهم
من كرهه ومنهم الطحاوى، ومنهم من قال لا بأس به. قلت: ما ذهب إليه الجمهور هو الحق ، يدل عليه
الأحاديث الصحيحة الصريحة: ١ - منها حديث بلال هذا. ٢ - ومنها حديث صهيب: مررت برسول الله
وهو يصلى فسلمت عليه، فرد على اشارة، وقال: لا أعلم إلا أنه قال إشارة باصبعه، أخرجه الترمذى وحسنه،
وأبوداود والنسائى والبيهقى ٠ ٣ - ومنها حديث ابن عمر قال: دخل النى حَد ◌ّم مسجد قباء ليصلى فيه ، فدخل
عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيبا وكان معه، كيف كان النبى مَثّ يصنع اذا سلم عليه ؟ قال : كان يشير بيده
أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمى والحاكم والبيهقى. ٤ - ومنها حديث عمار بن ياسر: أنه سلم على
رسول اللّه عليه وسلم فى الصلوة وهو يصلى، فرد عليه، أخرجه النساقى وبوب عليه « باب رد السلام بالاشارة فى
الصلوة)). ٥ - ومنها حديث ابن جابر: أن رسول اللّه ◌َ فّل بعثنى لحاجة ثم أدركته وهو يسير، قال قتيبة: يصلى
فسلمت عليه، فأشار إلى، أخرجه مسلم والنسائى والبيهقى. ٦ - ومنها حديث أبي سعيد: ان رجلا سلم على
النبي تَبث فرد عليه اشارة، وقال: كنا نرد السلام فى الصلوة فنهينا عن ذلك، أخرجه الطحاوى والبزار، وفى الباب
عن جماعة من الصحابة، ذكر أحاديثهم الشوكانى فى النيل. واستدل من منع رد السلام بالاشارة فى الصلوة
بحديث أبى هريرة، قال: قال رسول الله ◌َّه: التسبيح للرجال، يعنى فى الصلوة، والتصفيق للنساء، من أشار فى
٣٦٠