Indexed OCR Text
Pages 81-100
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
رواه البخارى.
٨١٤ - (١٩) وعن على بن الحسين مرسلا، قال: كان رسول اللّه مفه يكبر فى الصلاة كلما
خفض ورفع، فلم يزل تلك صلاته معزوجته حتى لقى الله تعالى. رواه مالك.
ليست بجلسة مستقلة، بل هى من جملة النهوض إلى القيام؛ فكيف يستفاد من هذا الحديث ترك جلسة الاستراحة، ولو
سهم، فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة، وحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على ثبوتها بالعبارة ومن المعلوم
أن العبارة مقدمة على الإشارة (رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد والطحاوى والطبرانى.
٨١٤ - قوله (وعن على بن الحسين) هو على بن الحسين بن على بن أبى طالب المعروف بزين العابدين الهاشمى
أبو الحسن. ويقال: أبو الحسين المدنى، من أكابر سادات أهل البيت وجلة التابعين وأعلامهم. قال الحافظ: ثقة،
ثبت، عابد، فقيه، فاضل، مشهور. قال الزهرى: ما رأيت قرشيا أفضل منه، وما رأيت أفقه منه. وقال سعيد بن
المسيب: ما رأيت أورع منه، وكان يصلى فى كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، وكان يسمى زين العابدين لعبادته ،
وكان مع أبیه یوم قتل وهو مريض فسلم. قال ابن عيينة : حج على بن الحسین ، فلما أحرم اصفر ، وانتفض، وارتعد ،
ولم يستطع أن يلى، فقيل: مالك لا تلبى؟ فقال: أخشى أن أقول لبيك، فيقول لا ليك. فقيل له: لابد من هذا.
فلما لي غشى عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه. ومناقبه كثيرة، مات سنة (٩٤) وهو
ابن (٥٨) سنة، ودفن بالبقيع فى القبر الذى فيه عمه الحسن (مرسلا) لأنه لم يدرك النبى حزبه. قال ابن حجر:
(مرسلا)) حال متقدمة على صاحبها - انتهى. قال القارى: وهو موافق لما فى الفسخ المصححة المضبوطة على صيغة المفعول
(كلما خفض) أى أراد الخفض إلى الركوع والسجود (ورفع) أى رأسه من السجود، فإنه إذا رفع رأسه من الركوع
يسمع ويحمد، ثم يكبر الخفض، فذكر الرفع من الركوع التسميع والتحميد لا التكبير. قال الحافظ: هو عام فى
جميع الانتقالات فى الصلاة، لكن خص منه الرفع من الركوع بالاجماع، فإنه شرع فيه التحميد - انتهى. ويؤيده
الروايات المفصلة المفسرة مثل حديث أبى هريرة وحديث أبي حميد السابقين وغيرهما (فلم يزل) بالتذكير، وقيل:
بالتأنيث (تلك) أى تلك الصلاة المقترنة بذلك التكبير (صلاته) بالرفع، وقيل: بالنصب، قال الطيبي: يحتمل أن يكون
اسم لم يزل، مستكنا عائدا إلى النبي مَثّ، والجملة الاسمية خبرها، وأن يكون («تلك)) اسمها و(«صلاته)) خبرها إذا رويت
منصوبة، وبالعكس إذا رويت مرفوعة (حتى لقى الله) قد تقدم سبب إثبات تكبيرات النقل، وأنه استقر الأمر على
مشروعيتها لكل مصل (رواه مالك) فى الموطأ عن ابن شهاب الزهرى، عن على بن الحسين مرسلا. قال ابن عبد البر:
لا أعلم خلافا بين رواة الموطأ فى إرسال هذا الحديث. ورواه عبد الوهاب، عن مالك، عن الزهرى، عن على، عن
أيه. ورواه عبد الرحمن بن خالد بن نجيح عن أبيه، عن مالك، عن الزهرى ، عن على بن الحسين ، عن على بن
٨١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
؟
٨١٥ - (٢٠) وعن علقمة، قال: قال لنا ابن مسعود: ألا أصلى بكم صلاة رسول الله
فصلى، ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبير الافتاح.
أبى طالب. ولا يصح إلا ما فى الموطأ مرسلا. وأخطأ فيه ابن مصعب، فرواه عن مالك، عن الزهرى ، عن سالم،
عن أبيه، ولا يصح. والصواب عندهم ما فى الموطأ - إنتهى. قلت: الحديث وإن كان مرسلا لكنه قد تعاضد بما جاء
فى الباب من الأحاديث المسندة باللفظ العام كحديث عمران بن حصين وأبى هريرة عند البخارى ومسلم ، وحديث
أبى موسى عند أحمد، وحديث ابن مسعود عند أحمد والنسائى والدارمى والترمذى والطحاوى، وحديث ابن عباس عند
البخاری، وحديث ابن عمر عند أحمد والنسائى، و حديث عبد الله بن زيد عند سعيد بن منصور، وحديث وائل بن حجر
عند ابن حبان، وحديث جابر عند البزار.
٨١٥٠ - قوله (فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة) هذا لفظ النسائى فى رواية، وفى أخرى له «فقام.
فرفع يديه أول مرة ، ثم لم يعد، ولفظ الترمذى ((فصلى نظم يرفع يديه إلا فى أول مرة)) ولفظ أبي داود فى رواية «فصلى
ظم يرفع يديه إلا مرة)) وفى أخرى له ((فرفع يديه فى أول مرة) قال أبو داود: وقال بعضهم: مرة واحدة (مع تكبير
الافتاح) ليست هذه اللفظة فى النسخ الموجودة عندنا للترمذى وأبى داود والنسائى. والحديث قد استدل به من قال من
الحنفية بعدم استحباب رفع اليدين فى غير تكيرة الإحرام. وأجيب عنه بوجوه، أحدها: أنه حديث ضعيف غير صالح
للاحتجاج قد ضعفه الأئمة الحفاظ النقاد وعللوه كما ستعرف. ثانيها : أن مدار هذا الحديث على عاصم بن كليب ، وهو
قد انفرد به، وقال ابن المدينى: لا يحتج بما انفرد به. وقال ابن عبد البر فى التمهيد: أما حديث ابن مسعود فانفرد به.
عاصم بن كليب واضطرب فيه، وليس بمن يحتج بما انفرد به. ثالثها: وهو على تقدير كونه صحيحاً أو حسنا أنه قد نسى
ابن مسعود رفع اليدين فى غير التحريمة كما قد نسى أمورا كثيرة ، وقد تقدم بيانها. قال الخطابى فى معالم السنن: قد
يجوز أن يذهب ذلك على ابن مسعود كما ذهب عليه الأخذ بالركبة فى الركوع وكان يطبق على الأمر الأول، وخالفه
الصحابة كلهم فى ذلك - انتهى. وقد أوضح ذلك شيخا الأجل المباركفورى فى أبكار المتن (ص ٢٠٥) فارجع إليه.
رابعها : أنه نفى والأحاديث الدالة على الرفع إثبات، والإثبات مقدم. قال الخطابي: الأحاديث الصحيحة التى جاءت فى
رفع اليدين عند الركوع ، وبعد رفع الرأس منه أولى من حديث ابن مسعود، والإثبات أولى من النفى. خامسها : أن.
أحاديث الرفع فى المواضع الثلاثة متضمنة لزيادة غير منافية وهى مقبولة بالإجماع لا سيما وقد نقلها جماعة من الصحابة ،
واتفق على إخراجها الجماعة. سادسها: أن أحاديث الرفع مقدمة على حديث ابن مسعود لأنها قد رويت عن عدد كثير.
من الصحابة حتى قال السيوطى: إن حديث الرفع متواتر عن التى تَث كما عرفت فيما سلف. وقال العينى فى شرح
٨٢
هـ
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
البخارى: إن من جملة أسباب الترجيح كثرة عدد الرواة وشهرة المروى حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد ،
والآخر يرويه اثنان، فالذى يرويه اثنان أولى بالعمل به - انتهى. وقال الحازمى فى كتاب الاعتبار: ومما يرجح به
أحد الحديثين على الآخر كثرة العدد فى أحد الجانبين، وهى مؤثرة فى باب الرواية لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو
التواتر - انتهى. سابعها: يحتمل أن الاقتصار على الرفع فى الافتاح كان فى الابتداء ثم زيد الرفع فى المواضع الثلاثة
لكونه عبادة وفعلا تعظيميا ، لكن خفى ذلك على ابن مسعود كما خفى عليه نسخ التطبيق والأمر بأخذ الركبة ، والحاصل
أنه يحتمل أن يكون ابن مسعود حكى الصلاة الأولى كماحكى التطبيق فى الركوع وهو منسوخ. قال البيهقى فى معرفة السنن: وقد
يكون ذلك فى ابتداء قبل أن يشرع رفع اليدين فى الركوع ثم صار التطبيق منسوخاوصار الأمرفى السنة إلى رفع اليدين عند
الركوع ورفع الرأس منه جميعا، وخفيا جميعا على عبد الله بن مسعود - انتهى. ثامنها: أن هذا الحديث ليس بنص فى أنه مَّة
لم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبيرة الافتاح ، نعم هو يدل بظاهره على ذلك، بخلاف الأحاديث المثبتة للرفع فى
المواضع الثلاثة فإنها نص فى الرفع فى غير الافتاح. قال الشيخ الإمام ابن تيمية فى فتاواه (ج ٢: ص ٣٧٦): وابن
مسعود لم يصرح بأن النبي ◌َّه لم يرفع إلا أول مرة، لكنهم رأوه يصلى ولا يرفع إلا أول مرة - انتهى. ومن المعلوم
أن النص مقدم على الظاهر عند التعارض. تاسعها: أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: لم يرفع يديه إلا مرة واحدة، أى
لم يبالغ فى الرفع إلا أول مرة، وأما بعد ذلك فكان يرفع دون ذلك، فالمراد من نفى الرفع فى غير الافتاح ففى المبالغة
فى الرفع فى غير الافتاح لا نفى نفس الرفع، فقد روى عن أبى هريرة قال: كان رسول اللّه مَّ إذا قام إلى الصلاة
رفع يديه مدا. رواه أحمد والترمذى وغيرهما. وقد فسر ابن عبد البر المد المذكور بمد اليدين فوق الأذنين مع
الرأس، ومعنى قوله ثم لا يعود، أى إلى المبالغة فى الرفع. عاشرها: أن معنى قوله «لم يرفع يديه إلا مرة واحدة)) أى
لم يكرر الرفع عند الإحرام ، بل اقتصر عند التجريمة على الرفع مرة. قال الشيخ الأكبر المعروف بابن عربى: وغاية
المفهوم من حديث ابن مسعود والبراء أنه كان عليه السلام يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة لا يزيد عليها ، أى أنه
رفع مرة واحدة، ولم يصنع ذلك مرتين، ذكره فى الفتوحات .. ومعنى قوله ((ثم لم يعد) أو ((لا يعود)) أى إلى الرفع عند
ابتداء الركعة الثانية. قال صاحب الفتوحات: معنى ((لا يعود)، عدم الرفع فى ابتداء الركعة الثانية كما كان فى الأول.
الحادى عشر: أن الرفع سنة وقد يتركها مرة أو مرارا، ولكن الفعل الأغلب والأكثر هو السنة، وهو الرفع عند
الركوع وعند الرفع منه. قال السندى فى حاشية النسائى: يكفى فى إضافة الصلاة إلى رسول اللّه مؤتم كونه صلى
هذه الصلاة أحيانا: وإن كان المتبادر الاعتياد والدوام فيجب الحمل على كونها كانت أحيانا، توفيقا بين الأدلة ودفعا .
التعارض. وعلى هذا فيجوز أنه تم ترك الرفع عند الركوع وعند الرفع منه إما لكون الترك سنة كالفعل ، أو ليان
٨٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب صفة الصلاة
رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى. وقال أبو داود: ليس هو بصحيح على هذا المعنى.
الجواز، فالسنة هى الرفع لا الترك - انتهى. قلت: هذا كله على تقدير التنزل وتسليم كون حديث ابن مسعود صحيحا
أو حسنا ، وإلا فهو حديث ضعيف لا يقوم بمثله حجة كما عرفت، وكما ستعرف (رواه الترمذى) وقال : حديث
ابن مسعود حديث حسن. وقال ابن حزم فى المحلى (ج ٤: ص ٨٨): إن هذا الخبر صحيح (وأبو داود والنسائى)
وأخرجه أيضا أحمد وابن حزم (وقال أبو داود: ليس هو بصحيح على هذا المعنى) قال أبو داود فى سننه بعد رواية هذا
الحديث: هذا حديث مختصر من حديث طويل ليس هو بصحيح على هذا اللفظ - انتهى. يعنى أن الراوى اختصر هذا
الحديث من حديث طويل (رواه أبو داود قبل ذلك ويأتى لفظه) فأداه بالمعنى وأخطأ فى اختصاره. قال ابن أبى حاتم
فى كتاب العلل (ص ٩٦): سألت أبي عن حديث رواه الثورى عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن
علقمة عن عبد اللّه: أن النبي ◌َّ قام فكبر فرفع يديه ثم لم يعد. قال أبى: هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثورى. روى
هذا الحديث عن عاصم جماعة فقالوا كلهم: إن النبي ◌ُّے افتح الصلاة فرفع يديه ، ثم ركع فطبق وجعلها بين ركبتيه .
ولم يقل أحد ما روى الثورى - انتهى. وقال البخارى فى جزء رفع اليدين (ص ٩) بعد ذكر هذا الحديث : قال
أحمد بن حنبل: عن يحيى بن آدم، قال نظرت فى حديث عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه ((ثم لم يعد)) فهذا
أصح، لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم لأن الرجل يحدث بشئى ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما فى الكتاب:
حدثنا الحسن بن الربيع: ثنا ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود: ثنا علقمة أن عبد الله قال،
علمنا رسول الله ژێ الصلاة فقام فکبرورفع يديه، ثم ركع وطبق یدیه فجعلهما بین ر کبته، فبلغ ذلك سعدا ، فقال:
صدق أخى ، ألا بل قد نفعل ذلك فى أول الإسلام ثم أمرنا بهذا. قال البخارى: هذا هو المحفوظ عند أهل النظر من
حديث عبد الله بن مسعود - انتهى. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ٨٣): وهذا الحديث حسنه الترمذى وصححه ابن
حزم. وقال ابن المبارك: لم يثبت عندى. وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: هذا خطأ. وقال أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن
آدم: هو ضعيف، نقله البخارى عنها وتابعهما على ذلك. وقال أبوداود: ليس هو بصحيح. وقال الدار قطنى: لم يثبت.
وقال ابن حبان فى الصلاة : هذا أحسن خبر روى لأهل الكوفة فى نفى رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه ، وهو
فى الحقيقة أضعف شئ يعول عليه، لأن له عللا تبطله - انتهى. وقال البزار: لا يثبت ولا يحتج بمثله. وقال ابن
عبد البر: هو من آثار معلولة ضعيفة عند أهل العلم ، وهؤلاء الأئمة كلهم إنما طعنوا فى طريق عاصم بن كليب ، كما قاله
الحافظ. وقال النووى فى الخلاصة: اتفقوا على تضعيف هذا الحديث. وقال البيهقى فى سننه (ج ٢: ص ٧٩) :
لم يثبت عندى حديث ابن مسعود - انتهى. فثبت بهذا كله أن حديث ابن مسعود ليس بصحيح ولا بحسن ، بل هو
ضعيف لا يقوم بمثله حجة، وأين يقع تحسين الترمذى مع ما فيه من التساهل وتصحيح ابن حزم من طعن أولئك الأئمة
٨٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
٨١٦ - (٢١) وعن أبي حميد الساعدى، قال: كان رسول اللّه ◌َفَّى إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة،
الحفاظ النقاد القائمين بمعرفة فن المعلول؟ ولو تم ما قالا لا يخرج الحديث عن الاختلاف فيه جرحا وتعديلا ، وقد
اجتمع أهل الحديث والأصول على أن الجرح مقدم على التعديل. قال الشيخ محمد معين السندى فى دراساته (ص ١٧٦):
والترمذى وإن حسنه حكى قبل ذلك عن ابن المبارك عدم ثبوت هذا الحديث من غير قيد بطريق معين ، وظاهره
الإطلاق. قال: فلم يتأت أن يحكم على هذا الحديث بأزيد من أنه اختلف فى كونه حسنا أو ضعيفا. وهذا يوجب
انحطاطه مما سلم من هذا الاختلاف واتفقت الأمة على حسنه فضلا عما حكم بصحته عموما فكيف عما اتفق عليه الشيخان
خصوصا ، فما ظنك بما رواه الخمسون من الصحابة، وحكم عليه بالتواتر ، ووردت فى معناه أربعمائة حديث بين أثر.
ومرفوع؟ فقول ابن الهمام وجوابه - أى جواب حديث الرفعات المعارضة بما فى أبى داود والترمذى - مما يفضى منه
العجب، مع أن الصحيح من السنن لا يعارض المتفق عليه، والإمام ابن الهمام إذا تأيد مذهبه بحديث الصحيحين
لا يالى فى كتابه هذا - أى فتح القدير - إلى تمسك الخصم بحديث غيرهما هذا إذا لم يكن حديث الغير معلولا، وأما إذا
اقسم بعلة من حكم إمام حافظ فليت شعرى ما معنى معارضة بحديث الصحيحين بمجرد وصف إخراجها له من غير زيادة
أخرى توجد فى حديث الرفعات فكيف به معها - انتهى. وأما ما روى عن البراء بن عازب أن رسول الله مؤ في كان
إذا افتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود. أخرجه أبوداود والدار قطنى وغيرهما ، ففيه أنه من رواية
يزيد بن أبى زياد وهو ضعيف، كبر فتغير ، فصار يتلقن. واتفق الحفاظ على أن قوله «ثم لا يعود)» مدرج فى الخبر من
قول يزيد بن أبى زياد. قال الحميدى: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد. وقال عثمان الدارمى عن أحمد بن
حنبل: لا يصح. وكذا ضعفه البخارى وأحمد بن حنبل وأبو داود ويحيى والدارمى والحميدى وغير واحد. وقال
السندى فى حاشية النسائى: التحقيق عدم ثبوت الحديث من رواية البراء. وارجع لتفصيل الكلام فيه إلى جزء رفع
اليدين البخارى (ص ٩): السنن الكبرى للبيهقى (ج ٢: ص ٧٦ - ٧٩)) ونصب الراية للزيلعى (ج ١:
ص ٤٠٣، ٤٠٤) والتلخيص (ص ٨٢) هذا، ولبعض شيوخنا تأليف مفرد مستقل فى مسئلة رفع اليدين سماه ((التحقيق!
الراسخ فى أن أحاديث الرفع ليس لها ناسخ)».
٨١٦ - قوله (استقبل القبلة) فيه مشروعية استقبال القبلة فى الصلاة. واتفقوا على وجوبه إلا فى حالة العجز
١ - كتاب كبير باللغة الأردوية كمل فى ٢٠٠ صفحة، مرتب على مبادى ومقاصد وخاتمة. المبادى فى تعريفات بعض مصطلحات أهل الحديث
مما يحتاج إليه فى تحقيق هذه المسئلة، وفى ذكر مراتب كتب الحديث نقلا عن حجة الله، وفى البحث عن شروط الشيخين. والمقاصد فى ذكر
اختلاف الروايات فى مواضع الرفع، وذكر تعامل الصحابة والتابعين وغيرهم، وبسط الأحاديث المثبتة للرفع، والجواب عما يعترضها الخفية،
وذكر دلائلهم مع الرد عليها دليلا دليلا. والخاتمة فى إبطال أصول اخترعها الخفية لرد الأحاديث الصحيحة وتزييفها، وتقيد ما يذكرونه من
بعض المناظرات فى هذه المسئلة عقلا ونقلا .
٨٥
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
ورفع يديه، وقال: الله أكبر. رواه ابن ماجه.
٨١٧ - (٢٢) وعن أبى هريرة، قال: صلى بنا رسول اللّه مَّ الظهر، وفى مؤخر الصفوف رجل،
فأساء الصلاة، فلما سلم ناداه رسول اللّه مَّفتم: يا فلان! ألا تتقى الله؟ ألا ترى كيف تصلى؟
إنكم ترون
والخوف. قال القارى: وفيه إشارة إلى اعتبار الجهة حيث لم يقل ((استقبل الكعبة)) (ورفع يديه) أى حذو منكبيه
(وقال) لا دلالة فيه على تقديم الرفع على التكبير ، ولا على تأخيره. وروى الترمذى وابن ماجه هذا الحديث مطولا
فى باب (رفع البدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع)) بلفظ «ثم قال)، وهو يدل على تقديم الرفع. وقد تقدم
الكلام فيه (الله أكبر) فيه بيان المراد بالتكبير وهو قول ((الله أكبر)) وهو حجة الجمهور على تعين لفظ ((الله أكبر))
دون غيره من ألفاظ التكبير والتعظيم. قال السندى: الحديث ظاهر فى أنه ما كان ينوى باللسان ، ولذلك عند كثير
من العلماء النية باللسان بدعة، لكن غالبهم على أنها مستحبة ليتوافق اللسان والقلب - انتهى. قلت: استحب مشائخ
الحنفية النطق بالنية والتلفظ بها للاستعانة على استحضار النية لمن احتاج إليه. وقالت الشافعية باستحباب التلفظ بها
مطلقا. واتفق الفريقان على أن الجهر بالنية غير مشروع سواء يكون إماما أو (أموما أو منفردا. وقالت المالكية
بكراهة التلفظ بالنية. والحنابلة نصوا على أنه بدعة. وهذا هو الحق والصواب عندنا. فلا شك فى كونه بدعة؛ إذ لم
يثبت عن رسول الله مَثّه بطريق صحيح، ولا ضعيف، ولا مسند، ولا مرسل أنه كان يتلفظ بالنية كأن يقول: أصلى الله
صلاة كذا مستقبل القبلة. وغير ذلك مما يتلفظ به الحنفية والشافعية عند افتاح الصلاة ، ولا عن أحد من الصحابة
والتابعين، وقد ثبت أنه تمبم قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشئى آخر لنقلوه، وورد فى حديث المسئی فی صلاته أنه قال
له ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر، فدل على عدم وجود التلفظ، وقد أطنب الإمام الحافظ ابن القيم في زاد المعاد فى رد
الاستحباب، وأكثر من الاستدلال على ذلك، فعليك أن تراجعه (رواه ابن ماجه) وإسناده صحيح. وقال الحافظ
فى الفتح (ج ٣: ص ٤٠٢) بعد ذكره بلفظ ((إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر) أخرجه
ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان - انتهى. قلت: وأخرجه الترمذى أيضا باللفظ الذى ذكره الحافظ كما يظهر
من تصريح الزيلغى فى نصب الراية (ج ١: ص ٣١١).
٨١٧ - قوله (فأساء الصلاة) قال ابن حجر: أى أتى فيها بما يبطلها، كما يدل عليه قوله ((ألا تقى الله)) والفاء هنا
الظاهر أنها زائدة لتزيين اللفظ - انتهى. قال القارى: والأظهر أنها للتعقيب، والتقدير: وفى مؤخر الصفوف رجل
صلى معنا فأساء الصلاة (ألا تنقى الله) أى مخالفته أو معاقبته (ألا ترى) أى تنظر وتأمل (إنكم ترون) بضم التاء أى
٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٣
2- كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
أنه يخفى على شتى ما تصنعون، والله إنى لأرى من خلفى كما أرى من بين يدى. رواه أحمد.
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
﴿ الفصل الأول )!
٨١٨ - (١) عن أبى هريرة، قال: كان رسول اللّه مؤ لم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكانة.
فقلت: بأبي أنت وأمى يا رسول الله!
قظنون (مما تصنعون) أى فى صلاتكم (إنى لأرى) أى أبصر، أى فى حال الصلاة (من خلفى) بحرف الجر. قال القارى:
وفى نسخة بمن الموصولة ( کما أری من بین یدی) بكسر ((من، وجر "بین، وفى نسخة بفتح (من، ونصب (بین یدی» على
الظرفية، قاله القارى. قيل: هذه رؤية قلب، وقيل: وحى أو إلهام. والصواب أنها رؤية مشاهدة بالبصر. قال
الشيخ عبد الحق الدهلوى فى اللغات: الصواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الابصار إدراك حقيقى بحاسة العين؛
خاص به ◌َّ على خرق العادة ، فكان يرى من غير مقابلة -انتهى، وفى معنى هذا خبر الصحيحين عن أبى هريرة أيضا:
هل ترون قبلتى ههنا ، فوالله ما يخفى على ركوعكم ولا سجودكم، إنى لأراكم من وراء ظهرى. وفيه أيضا رواية لمسلم
عن أنس: أيها الناس! إنى إمامكم فلا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود، فإنى أراكم من أمامى ومن خلفى. قال النووى:
قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له مرويتم إدراكا فى قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ژێ بأكثر من
هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع ، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به. قال القاضى: قال أحمد بن حنبل
وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية عين حقيقة - انتهى (رواه أحمد) وأخرجه أيضا ابن خزيمة فى صحيحه والحاكم فى
المستدرك (ج ١: ص ٢٣٦) وقال: صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي.
(باب ما يقرأ بعد التكبير) الأولى باب ما يقول أو يقال بعد التكبير ليشمل دعاء الافتاح، ولعله أراد به التغليب،
والمراد التكبير الذى للاحرام ، قاله القارى.
٨١٨ - قوله (يسكت) قال التور بشتى: ضبطناه بفتح أوله وضم ثالثه، من السكوت. وحكى الكرمانى عن
بعض الروايات بضم أوله من الاسكات. قال الجوهرى: تكلم الرجل ثم سكت - بغير ألف - إذا انقطع كلامه فلم يتكلم،
قلت أسكت (إسكانة) بكسر الهمزة بونمن إفعالة من السكوت، وهو من المصادر الشاذة إذ القياس سكوتا. وهو منصوب
مفعولا مطلقا، والمراد به ههنا السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو عن قراءة القرآن لا عن الذكر، وإلا
فالسكوت الحقيقى ينافى القول، فلا يصح السؤال بقوله ((ما تقول)) أى فى سكوتك (بأبي أنت وأمى) الباء متعلقة بمحذوف
٨٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١١ - باب بما يقرأ بعد التكبير
إسكاتك بين التكبير وبين القراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت
بين المشرق والمغرب ، اللهم نقنى من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل
خطاياى بالماء والثلج والبرد.
قيل: هو اسم فيكون ما بعدة مرفوعا تقديره ((أنت مندى بأبى وأمى)، وقيل: هو فعل أى فديتك بهما، وما بعده منصوب
وحذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الاستعمال وعلى المخاطب (إسكاتك) بكسر أوله (ما تقول؟) أى فى سكوتك عن
الجهر. قال المظهر: قوله ((إسكاتك)) بالنصب مفعول فعل مقدر أى أسألك إسكاتك ما تقول فيه؟ أو فى إسكاتك ما
تقول؟ بنزع الخافض، وقال الحافظ: والذى فى روايتنا بالرفع للا كتر، وأعربه مبتدأ لكنه لم یذ کر خبره، وروى
بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام، وقوله ((ما تقول، يشعر أنه فهم هناك قولا فإن السؤال وقع بقوله ((ما تقول))
ولم يتمع بقوله ((هل تقول)، والسؤال مبهل، مقدم على السؤال (بماء ولعله استدل على أصل القول بحر کة الفم كما ورد فى
استدلالهم على القراءة فى السرباضطراب لحيته، قاله ابن دقيق العيد (اللهم باعد بينى وبين خطاياى) أى بين أفعال لوفعلتها
قصير خطايا ، فالمطلوب الحفظ وتوفيق الترك، أو بين ما فعلتها من الخطايا والمطوب المغفرة. قال ابن دقيق العيد:
المراد بالمباعدة محو ما حصل منها وترك المؤاخذة بها ، أو المنع من وقوعها والعصمة منها. وفيه مجازان: أحدهما
استعمال المباعدة فى ترك المؤاخذة أو فى العصمة منها، وحقيقة المباعدة إنما هى فى الزمان والمكان. الثانى استعمال المباعدة
فى الإزالة بالكلية مع أن أصلها لا يقتضى الزوال، وليس المرادههنا البقاء مع البعد ولا ما يطابقه من المجاز (كما باعدت)
أى كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) أخرجه مخرج المبالغة لأن المفاعلة إذا لم تكن الغالبة فهى المبالغة، وموقع التشبيه أن
النقاء المشرق والمغرب مستحيل ، فكأنه أراد أن لا يقع منها اقتراب بالكلية، والمعنى أمح ما حصل من خطاياى، وحل
بينى وبين ما يخاف من وقوعه حتى لا يبقى لها منى اقتراب بالكلية (نقنى) بتشديد القاف من التنقية (كما ينقى) بصيغة
المجهول (الثوب الأبيض من الدنس) بفتح الدال والنون فسين مهملة، أى الدرن والوسخ، وهذا مجاز عن إزالة
الذنوب ومحو أثرها بالكلية، أى طهرفى منها بأتم وجه وأوكدها. وشبه بالثوب الأيض لأن الدنس فيه أظهر من
غيره من الألوان (اللهم اغسل خطاياى بالماء والثلج) بسكون اللام (والبرد) بفتحتين جمع بردة ، ماء الغمام يتجمد فى
الهواء البارد ويسقط على الأرض حبوبا. قال الخطابي: هذه أمثال ولم يرد أعيان هذه المسميات، وإنما أراد بها
التأكيد فى التطهير والمبالغة فى محوها عنه. وقيل: خص الثلج والبرد بالذكر لأنهما ماءان مقطوران على خلقتهما لم يستعملا
ولم تنلهما الأيدى، ولم تخضهما الأرجل كسائر المياه التى خالطت التراب، وجرت فى الأنهار، وجمعت فى الحياض،
فهما أحق بكمال الطهارة. وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو أعنى بالمجموع، فإن الثوب الذى تكرر عليه
٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
متفق عليه .
٨١٩ - (٢) وعن على رضى الله عنه، قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة
التنقية بثلاثة أشياء منقية يكون فى غاية النقاء. قال: ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن
صفة يقع بها المحو. ولعل ذلك كقوله تعالى ﴿ واعف عنا واغفرلنا وارحمنا - ٢: ٢٨٦﴾ فكل واحدة من هذه
الصفات أعنى العفو والمغفرة والرحمة لها أثر فى محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد ويجعل كل فرد من أفراد
الحقيقة دالا على معنى فرد مجازى ، وفى الوجهالأول لا ينظر إلى أفراد الألفاظ بل يجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو
للذنب - انتهى. وقال الطيبي: يمكن أن يكون المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد
العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التى هى فى غاية الحرارة، ومنه قولهم: برد الله مضجعه، أى رحمه ووقاه عذاب
النار - انتهى. ويزيده ورود وصف الماء بالبرودة فى حديث عبدالله بن أبى أو فى عند مسلم، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة
نار جهنم لكونها مسية عنها ، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه.
وقال الكرمانى: يحتمل أن يكون الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة ، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال ، والغسل
الماضى - انتهى. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتى قبل رفع ما حصل. ثم إن أمثال هذا السؤال منه مؤلّ
من باب إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وإلا فهو مع عصمته مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لو كان هناك ذنب.
وقيل. إن الاستغفار له زيادة خير، والمغفرة حاصلة بدون ذلك لو كان هناك ذنب. وفيه إرشاد للأمة إلى الاستغفار
وقد ورد الأمر بذلك الدعاء فى حديث سمرة عند البزار. والحديث يدل على مشروعية دعاء الافتاح بعد التحريم قبل
القراءة بالفرض والنفل خلافا الشهور عن مالك، وورد فيه أيضا حديث ((وجهت وجهى)) إلى آخره، وهو عند مسلم من
حديث على قيل يخير العبد بين هذا الدعاء والدعاء الذى فى حديث على، وسيأتى الكلام فيه فى الفصل الثانى (متفق عليه)
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٨١٩ - قوله (إذا قام إلى الصلاة) أى مكتوبة كانت أو نافلة، فإنه ليس فيه ما يدل على كون هذا الذكر
مخصوصا بالنوافل دون الفرض. وقد روى أيضا هذا الحديث الترمذى وأبو داود والنسائى وابن حبان والدار قطنى
والشافعى وليس فى رواية لهؤلاء المخرجين أنه كان فى صلاة الليل، بل وقع فى رواية التر مذى وأبى داود («إذا قام إلى
الصلاة المكتوبة» ووقع فى رواية الدار قطنى (إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة)). وقال الشوكانى: وأخرجه أيضا ابن حبان
وزاد ((إذا قام إلى الصلاة المكتوبة)) وكذلك رواء الشافعى وقيده أيضاً بالمكتوبة وكذا غيرهما ، فالقول بأن هذا الذكر
مخصوص بصلاة التطوع ولا يكون مشروعاً فى الفريضة كما هو مذهب الحنفية باطل جدا. وإيراد مسلم هذا الحديث
فى صحيحه فى صلاة الليل لا يدل على أنه متى كان يقوله فى التهجد دون الفرض ما لم يدل الحديث على ذلك كما لا يخفى
٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
- وفى رواية: كان إذا افتح الصلاة - كبر، ثم قال: وجهت وجهى الذى فطر السموات والأرض
حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك
أمرت وأنا من المسلمين.
وأما ما وقع فى حديث محمد بن مسلمة عند النسائى ((كان إذا قام يصلى تطوعا قال: الله أكبر، وجهت وجهي، إلخ. فليس
فيه دليل على كونه مخصوصا بالتطوع لوجود التقيد بالمكتوبة فى أكثر روايات على رضى الله عنه، ولا منافاة بينهما لأنه مد ◌ّه
كان يقول هذا الذكر فى الفريضة وصلاة الليل كلتيهما فقال على فى روايته «إذا قام إلى الصلاة المكتوبة، وقال محمد بن
سلة ((إذا قام يصلى تطوعاء وأجاب بعض الحنفية عن الروايات التى فيها التقيد بالمكتوبة بأنه كان فى أول الأمر كما فى
شرح المنية لابن أمير الحاج، وفيه أن هذا ادعاء محض لا دليل عليه فهو مردود على قائله (وفى رواية: كان إذا افتح
الصلاة كبر ثم قال: وجهت) هذا صريح فى أن هذا الذكر بعد تكبير التحريمة لا كما ذهب إليه المتأخرون من الحنفية
وغيرهم من أنه قبل التكبير ليكون أبلغ فى إحضار القلب وجمع العزيمة ، وقولهم هذا مما لا أصل له فى السنة بل هو منابذ
السنة الصحيحة الثابتة. لأن الثابت فى الأحاديث التوجيه فى الصلاة أى بعد التحريمية لا قبلها (وجهى) بسكون
الياء وفتحها أى توجهت بالعبادة بمعنى أخلصت عبادقى لله، وقيل: صرفت وجهى وعملى ونيتى، أو أخلصت وجهتى
وقصدى (للذى فطر السموات والأرض) أى ابتدأ خلقهما من غير مثال سبق (حيفا) حال من ضمير (وجهت)) أى
مائلا إلى الدين الحق ثابتا عليه. قال الجزرى: الحنيف المائل إلى الإسلام ، الثابت عليه، والحنيف عند العرب من
كان على دين إبراهيم عليه السلام، وأصل الحنف الميل (وما أنا من المشركين) بيان الحنيف وإيضاح لمعناه. والمشرك يطلق على
کل کافر من عابد و ٹن وصنم، ويهودى ونصرانى و مجوسی ومرتد وزنديق وغيرهم (إن صلاتي ونسكى) النسك بضم
النون والمهملة الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، وعطفه على الصلاة من عطف العام على الخاص (ومحياى وماتى)
أى حياتى وماتى، ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانهما، والأكثرون على فتح ياء محيى، وإسكان مماتى (لله) أى هو خالقهما
ومقدرهما، أو هو المالك لهما والمختص بهما لا تصرف لغيره فيهما. وقيل: طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى المات
كالوصية والتدبير، أو ما أنا عليه من العبادة فى حياتى وما أموت عليه خالصة لوجه الله (رب العالمين) بدل أو عطف
بيان؛ أى مالكهم ومريبهم وهم ما سوى الله على الأصح (لا شريك له) هو تأكيد لقوله «رب العالمين، المفهوم منه
الاختصاص (وبذلك) أى بالتوحيد الكامل الشامل للإخلاص قولا واعتقادا (وأنا من المسلمين) قال السندى: كأنه
كان يقول أحيانا كذلك لإرشاد الأمة إلى ذلك ولاقتداءهم به فيه، وإلا فاللائق به مثل «وأنا أول المسلمين، كما جاء فى
كثير من الروايات - انتهى. قلت: وقع فى رواية أبى داود وكذا فى رواية لمسلم ((وأنا أول المسلمين)) أى من هذه
الأمة، لأنه والج كان أول مسلى هذه الأمة. قال فى الانتصار: إن غير النبى إنما يقول «وأنا من المسلمين)، وهو وهم
٩٠
١
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربى وأنا عبدك، ظلمت نفسى، واعترفت بذنبى، فاغفر لى
ذنوبى جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدنى لأحسن الأخلاق، لا يهدى لأحسنها إلا
أنت، واصرف عنى سيئها، لا يصرف عنى سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله فى يديك،
والشر ليس إليك.
منشأه توهم أن معنى ((وأنا أول المسلمين)) أنى أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك،
بل معناه بيان المسارعة فى الامثال لما أمر به، ونظيره (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين - ٤٣: ٨١)
وظاهر الإطلاق أنه لا فرق فى قوله ((وأنا من المسلمين)، وقوله ((أنا من المشركين)) بين الرجل والمرأة، وهو صحيح على
إرادة الشخص. وفى المستدرك الحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبي ◌َّم قال لفاطمة: قومى فاشهدى أضحيتك
وقولى إن صلاتي ونسكى ، إلى قوله «وأنا من المسلمين، فدل على ما ذكرناه (اللهم) أى يا الله! والميم بدل عن حرف
النداء ولذا لا يجمع بينهما إلا فى الشعر (أنت الملك) أى القادر على كل شئى، المالك الحقيقى لجميع المخلوقات
(وأنا عبدك) أى معترف بأنك مالكى ومدبرى وحكمك نافذ فى (ظلمت نفسى) أى اعترفت بالتقصير. قدمه على
سؤال المغفرة أدبا كما قال آدم وحواء عليهما السلام {ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفرلنا وترحمنا لنكونن من
الخاسرين - ٧: ٢٣﴾ (فاغفرلى ذنوبى) أى تقصيراتى (إنه) بالكسر استئناف فيه معنى التعليل والضمير للشأن
(لا يغفر الذنوب) أى جميعها (واهدني لأحسن الأخلاق) أى أرشدنى لأ كملها وأفضلها ، ووفقنى للتخلق بها ، وثبتنى عليها
(واصرف عنى سيئها) أى قبيحها (ليك) أى أقيم على طاعتك وامتثال أمرك إقامة متكررة. يقال: لب بالمكان لا وألب
إلابا أى أقام به. وثتى هذا المصدر مضافا إلى الكاف، وأصل «لبيك)) لبين حذفت النون للإضافة وأريد بالشنية التكرير
من غير نهاية (وسعديك) أى أسعد أمرك واتبعه إسعادا متكررا (والخير كله فى يديك) معناه الإقرار بأن كل خير
واصل إلى العباد ومرجو وصوله فهو فى يديه تعالى (والشر ليس إليك) أى لا يضاف إليك على انفراده، فلا يقال: يا
رب الشر، ويا خالق القردة والخنازير، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شئ ورب كل شتى، ففيه الإرشاد إلى الأدب فى الثناءعلى
الله ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأموردون مساويها على جهة الأدب، وليس المقصود نفى شئ عن قدرته، أو إثبات شئى
المغيره. وقيل: معناه الشر ليس مما يتقرب به إليك، بل هو سبب إبعاد، والتقدير: والشر ليس مقربا إليك. ولا بد
من حذف لأجل خبر ليس فيقدر هنا خاصا. وقيل: معناه: الشرلا يصعد إليك ، فإنه إنما يصعد إليه الكلم الطيب
والعمل الصالح. وقيل: معناه الشرليس شرا بالنسبة إليك، فإنك خلفته لحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين.
وقيل: هذا كقول القائل ((فلان إلى بنى تميم)، إذا كان عداده فيهم أو صفوه معهم، حكى هذه الأقوال النووى .. وقال:
٩١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
أنا بك، وإليك، تباركت وتعاليت ، استغفرك وأتوب إليك. وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت،
وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعى، وبصرى، ومخى، وعظمى، وعصبى. فإذا رفع رأسه
قال: اللهم ربنا لك الحمد ملاً السموات والأرض وما بينهما، وملأ ما شئت من شئى بعد. وإذا
سيد قال: اللهم لك سيدت، وبك آمنت ولك أسلمت، سيحد وجهى الذى خلقه وصوره، وشق سمعه
وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين. ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لى
ما قدمت وما أخرت،
إنه ما يجب تأويله، لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها (أنا بك وإليك).
أی توفیقی بك والتجانى و انتمائى إليك، أو وجودی بایجادك، ورجوعی إليك، أو بك اعتمد ، وإليك التجٹی ، أو نحو
هذا من الكلام (تباركت) أى أستحققت الثناء. وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنبارى: تبارك العباد بتوحيدك.
وقيل: تكاثر خيرك. وأصل الكلمة للدوام والثبوت (وتعاليت) أى ارتفع عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من
فى الكونين. وقيل: أى عن مشابهة كل شتى (لك ركعت، وبك آمنت) فى تقديم الجار إشارة إلى الخصيص
(ولك أسلمت) أى لك ذللت وانقدت، أو لك أخلصت وجهى (خشع) أى خضع وتواضع ، وأقبل عليك أو سكن
من قولهم : خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت (لك سمعى وبصرى) خصهما من بين الحواس لأن أكثر الآفات
بها ، فإذا خشعتا قلت الوساوس (ومخى) بضم الميم وتشديد المعجمة. قال ابن رسلان: المراد به هنا الدماغ، وأصله
الودك الذى فى العظم وخالص كل شئ (وعصى) العصب بفتحتين طنب المفاصل، وهو ألطف من العظم (فإذا رفع رأسه)
أى من الركوع (قال) أى بعد قوله «سمع الله لمن حمده، كما فى رواية للترمذى (ملا السموات) بكسر الميم ونصب
الهمزة بعد اللام ورفعها ، والنصب أشهر صفة مصدر محذوف ، وقيل: حال ، أى حال كونه مالئا لتلك الأجرام على
تقدير تجسمه، والرفع على أنه صفة الحمد (وملاً ما شئت من شتى بعد) بالبناء على الضم، أى بعد السموات والأرض
وما بينهما كالكرسى والعرش وغيرهما ما لم يعلمه إلا الله. والمراد الاعتناء فى تكثير الحمد (سجد وجهى) أى خضع
وذل وانقاد (وصوره) زاد مسلم فى رواية وأبو داود («فأحسن. صوره، وهو الموافق لقوله تعالى (فأحسن
صوركم - ٤٠: ٦٤﴾ (أحسن الخالقين) أى المصورين والمقدرين فإنه الخالق الحقيقى المنفرد بالايجاد والإمداد وغيره
إنما يوجد صورا مموهة ليس فيها شئى من حقيقة الخلق مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته. والله خلقكم وما تعملون
والله خالق كل شئى (ثم يكون) أى بعد فراغه من ركوعه وسجوده (ما قدمت) من سيئة (وما أخرت) من عمل
٩٢
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به منى. أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا
أنت. رواه مسلم. وفى رواية الشافعى: والشر ليس إليك، والمهدى من هديت، أنا بك وإليك، لا
منجا منك ولا ملجأ إلا إليك، تباركت.
٨٢٠ - (٣) وعن أنس: أن رجلا جاء فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الله أكبر،
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. فلما قضى رسول اللّه مؤفي صلاته قال:
أى جميع ما فرط منى، قاله الطبي. وقيل: ما قدمت قبل النبوة وما أخرت بعدها. وقيل ما أخرته فى علك ما قضيته
على. وقيل: معناه إن وقع منى فى المستقبل ذنب فاجعله مقرونا بمغفرتك. فالمراد من طلب المغفرة قبل الوقوع أن
يغفر إذا وقع (وما أسررت، وما أعلنت) أى جميع الذنوب، لأنها إما سر أو على (وما أسرفت) أى جاوزت الحد
(وما أنت أعلم به منى) أى من ذنوبى التى لا أعلمها عددا وحكما (أنت المقدم وأنت المؤخر) قال البيهقى: قدم من
شاء التوفيق إلى مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم. وقيل: قدم من أحب من أوليائه على غيرهم من بعيده
وأخر من أبعده عن غيره، فلا مقدم لما أخر ، ولا مؤخر لما قدم. وقيل: أنت الرافع والخافض، والمعز والمذل على
ما تقتضيه حكمتك (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى مطولا وابن ماجه مختصرا وابن
جان والدارقطنى والشافعى (والمهدى من هديت) أى لاَ مهدى إلا من هديته، وترك مقابله وهو لا ضال إلا من
أضلته لما تقدم من مراعاة الأدب، أو هو من باب الاكتفاء بمقابله كقوله تعالى (سرائيل تقيكم الحر - ١٦: ٨١)
(لا منجا) بالقصر لا غير. وهو مصدر ميمى أو اسم مكان، أى لا موضع ينجو به اللائذ (منك) أى من عذابك
(ولا ملجأ) الأصل فيه الهمز ، ومنهم من يلين همزته ليزدوج مع منجا، أى لا ملاذ عند نزول النوائب وحصول
المصائب (إلا إليك) فإنك المفرج عن المهمومين، المعيد السبتعيذين. أو المراد ((لا مهرب ولا مخلص ولا ملاذ لمن
طالبته إلا إليك)، والحديث يدل على مشروعية الاستفتاح بما فى هذا الحديث. قال النووى: إلا أن يكون إماما لقوم
لا يرون التطويل. وفيه استحباب الذكر فى الركوع، والسجود، والاعتدال، والدعاء قبل السلام.
٨٢٠ - قوله (وقد حفزه) بفتح الحاء المهملة والفاء والزاى المعجمة (النفس) بفتحتين، أى جهده النفس من شدة
السعى إلى الصلاة. وأصل الحفز الدفع العنيف ، قاله الخطابى. وقال النووى: أى ضغطه لسرعته (حمدا كثيرا)
. قال الطبي: منصوب بمضمر يدل عليه الحمد، ويحتمل أن يكون بدلا منه جاريا على محله. وقوله (طيا) وصف له، أى
خالصا عن الرياء والسمعة. وقوله (مباركا فيه) يقتضى بركة وخيرا كثيرا يترادف إرفاده، ويتضاعف إمداده. قال
٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
أيكم المتكلم بالكلمات؟ فأرم القوم. فقال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فأرم القوم. فقال: أيكم المتكلم بها؟
فإنه لم يقل بأسا. فقال رجل: جئت وقد حفزنى النفس فقلتها. فقال: لقد رأيت اثنى عشر ملكا
يبتدرونها، أيهم يرفعها. رواه مسلم.
:﴿ الفصل الثانى )؟
٨٢١ - (٤) عن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كان رسول اللّه ◌َفتر إذا افتتح الصلاة قال:
سبحانك اللهم وبحمدك،
ابن الملك: أى حمدا جعلت البركة فيه، يعنى حمدا كثيرا غاية الكثرة (أيكم المتكلم بالكلمات) أى المذكورات المسموعة
آنفا (فأرم القوم) بفتح الراء المهملة وتشديد الميم، أى سكتوا. ويحتمل إعجام الزاى وتخفيف الميم من الأزم وهو
الامساك، أى أمسكوا عن الكلام، والأول أشهر رواية، أى سكت القائل خوفا من الناس ، قاله السندى (فقال أيكم
المتكلم بالكلمات؟ فأرم القوم) كذا وقع مكررا فى بعض نسخ المشكاة ، ووقع فى بعضها مرة واحدة موافقا لما فى
صحيح مسلم (فإنه لم يقل بأسا) قال الطبي: يجوز أن يكون مفعولا به، أى لم يتفوه بما يؤخذ عليه، وأن يكون مفعولا
مطلقا ، أى ما قال قولا يشدد عليه (فقال رجل) الظاهر «فقال الرجل، كما فى رواية أبي داود (يبتدرونها) أى كل منهم
يريد أن يسبق على غيره فى رفعها إلى محل العرض أو القبول. وقال ابن الملك: يعنى يسبق بعضهم بعضا فى كتب هذه
الكلمات ورفعها إلى حضرة الله لعظمها وعظم قدرها. وتخصيص المقدار يؤمن به ويفوض إلى علمه تعالى (أيهم يرضها)
هذه الجملة حال ، أى قاصدين ظهور أيهم يرفعها. قال القارى: مبتدأ وخبر، والجملة فى موضع نصب أى يتدرونها
ويستعجلون أيهم يرفعها. قال أبو البقاء: فى قوله تعالى: ﴿إِذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم - ٣: ٤٤) ((أيهم، مبتدأ
وخبر فى موضع نصب أى يقترعون أيهم ، فالعامل فيه ما دل عليه «يلقون، كذا ذكره الطبي. وقيل: المراد أيهم يرضعها
أول (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى ولم يخرج البخارى فى هذا عن أنس شيئا إنما أخرج عن رفاعة فى
فضل هذه الكلمات وسيأتى فى باب الركوع وقال أبو داود بعد رواية هذا الحديث: زاد حميد فيه أى عن أنس ((وإذا جاء
أحدكم فليمش نحو ما كان يمشى ، فليصل ما أدرك وليقض ما سبقه)).
٨٢١ - قوله (إذا افتح الصلاة) أى بالتكبير (سبحانك اللهم) قال ابن الملك ((سبحان)) اسم أقيم مقام المصدر
وهو التسبيح، منصوب بفعل مضمر تقديره ((أسبحك تسبيحا)) أى أنزمك تنزيها من كل السوء والنقائص، يعنى اعتقدت
براءتك من السوء ونزاهتك عما لا ينبغى لجلال ذاتك وكمال صفاتك (وبحمدك) قيل الواو للحال والباء الصافية والتقدير
٩٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.
أسبحك تسبيحا وأنا متلبس بحمدك. وقيل: الواو زائدة، والجار والمجرور حال ، أى أسبحك تسبيحا حال كونى
متلبسا ومقترنا بحمدك، فالباء للملابسة والواو زائدة، وعلى التقديرين هو حال من فاعل ((أسبح)) المفهوم من ((سبحانك
اللهم، وقيل: الواو بمعنى مع، أى أسبحك مع التلبس بحمدك. وقيل: الواو عاطفة عطف جملة فعلية على مثلها والباء
سبية، أى أنزهك تنزيها واعتقدت نزاهتك بسبب الثناء الجميل عليك، ويصح أن يكون صفة لمصدر محذوف، أى.
أسبحك تسبيحا مقرونا بشكرك إذكل جمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة ويستصحب توفيقا إلهيا . قال الخطابي فى معالم
السنن (ج ١: ص١٩٧): أخبر فى ابن الخلاد قال سألت الزجاج عن الواو فى «وبحمدك، فقال: معناه سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك.
قال الطبي: قول الزجاج يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون الواو للحال، وثانيهما أن يكون عطف جملة فعلية على مثلها، إذ التقدير:
أنزهك تنزيها وأسبحك تسبيحا مقيدا بشكرك، وعلى التقديرين (اللهم)) معترضة، والجار والمجرور أعنى ((بحمدك)) إما متصل
بفعل مقدروالباء سبية، أو حال من فاعل؛ والباء إلصاقية، أو صفة لمصدر محذوف كقوله (ونحن نسبح بحمدك - ٢: ٣٠)
أى نسبح بالثناء عليك، أو نسبح متلبسين بشكرك، أو نسبح تسبيحا مقيدا بشكرك (وتبارك اسمك) أى كثرت بر کة
اسمك إذ وجد كل خير من ذكر اسمك. وقيل: تعاظم ذاتك، أو هو على حقيقته لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى
فأولى لذاته، ونظيره { سبح اسم ربك الأعلى) (وتعالى جدك) الجد العظمة و«تعالى، تفاعل من العلوأى علا جلالك
وعظمتك على عظمة غيرك غاية العلو. وقيل: تعالى غنائك أن ينقصه إنفاق أو يحتاج إلى معين ونصير. والحديث يدل
على مشروعية الاستفتاح بهذه الكلمات، وقد اختلف العلماء فيما يستفتح به الصلاة من الذكر بعد التكبير ، فذهب الشافعى
إلى ما رواه على وهو حديث ((وجهت وجهى)) إلى آخره. وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى حديث عائشة، وكان مالك
لا يقول شيئا من ذلك، إنما يكبر ويقرأ (الحمد تمرب العالمين)) وأحاديث الباب ترد عليه فيما ذهب إليه من عدم استحباب
الافتاح بشئ. وقد روى عن النبي ◌َّ أنواع من الذكر فى استفتاح الصلاة، ذكر المصنف خمسة منها، وترك بعضا آخر
وهو من الاختلاف المباح فبأيها استفتح الصلاة كان جائزا، لكن الأولى بالاختيار عندنا حديث أبى هريرة الذى جاء فيه
دعاء الافتاح بلفظ ((اللهم باعد بنى، إلخ. لأنه أصح ما ورد فى ذلك. قال ابن الحمام فى فتح القدير بعد ذكر هذا الحديث:
وهو أصح من الكل لأنه متفق عليه-انتهى. ثم بعد ذلك أولى بالاختيار حديث على لأنه رواه مسلم، ثم بعد ذلك ما روى
عن أبى سعيد، قال: كان رسول الله مَّ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك
وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من
همزه، ونفخه ، ونفئه. أخرجه أحمد والترمذى وأبوداود والنسائى. وهو حديث صحيح أو حسن، وسيأتى فى باب
ما يقول إذا قام من الليل. تنبيه قال المجد بن تيمية فى المنتقى بعد ذكر حديث عائشة، والإشارة إلى حديث أبى سعيد
٩٥
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
رواه الترمذى وأبو داود.
٨٢٢ - (٥) ورواه ابن ماجه عن أبى سعيد. وقال الترمذى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حارثة،
هذا: وأخرج مسلم فى صحيحه أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك ، وتعالى
جدك، ولا إله غيرك. وروى سعيد بن منصور فى سننه عن أبى بكر الصديق أنه كان يستفتح بذلك ، وكذلك رواه
الدار قطنى عن عثمان بن عفان، وابن منذر عن عبد الله بن مسعود، وقال الأسود: كان عمر إذا افتح الصلاة قال:
سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، يسمعنا ذلك ويعلمنا. رواه الدارقطنى. ثم
قال ابن تيمية : واختيار هؤلاء وجهر عمر به أحيانا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس مع أن السنة إخفاءه يدل على أنه
الأفضل وأنه الذى كان النبى مَّ يداوم عليه غالبا، وإن استفتح بما رواه على أو أبو هريرة فحسن لصحة الرواية - انتهى.
قال الشوكانى بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ولا يخفى أن ما صح عن النبي ◌َّم أولى بالايثار والاختيار، وأصح ما ورد
فى الاستفتاح حديث أبى هريرة ثم حديث على (إلى أن قال): وقال ابن خزيمة: لا نعلم فى الافتاح ((بسبحانك اللهم)
خبرا ثابتا ، وأحسن أسانيده حديث أبى سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدا ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه -
انتهى (رواه الترمذى وأبو داود) وأخرجه أيضا ابن ماجه والدار قطنى والحاكم.
٨٢٢ - قوله (ورواه ابن ماجه عن أبى سعيد) أى مختصرا مثل حديث عائشة، وأخرجه النسائى أيضا مختصرا،
.وأخرجه أحمد والترمذى وأبو داود مطولا كما ذكرنا لفظه (وقال الترمذى: هذا) أى حديث عائشة (حديث لا نعرفه
إلا من حارثة) أى ابن أبى الرجال. وقوله ((إلا من حارثة، كذا وقع فى جميع نسخ المشكاة، والذى فى جامع الترمذى:
((إلا من حديث حارثة)، والظاهر أنه سقط لفظ ((حديث)) من نسخ المشكاة. حديث عائشة هذا قد روى من غير طريق
حارثة وإن لم يعرفه الترمذى. قال أبو داود فى سننه: حدثنا حسين بن عيسى: حدثنا طلق بن غنام: حدثنا عبد السلام
ابن حرب الملائى، عن بديل بن ميسرة، عن أبى الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله مَيتم إذا افتح الصلاة
قال : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمشهور
عن عبد السلام بن حرب لم يروه عنه إلا طلق بن غنام ، وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئا من
هذا يعنى دعاء الاستفتاح. وأجيب عنه بأن طلق بن غنام ثقة صدوق أخرج عنه البخارى فى الصحيح ، وعبد السلام بن
حرب أخرج له الشيخان، وقد زاد فى قصة الصلاة ما رواه أبو داود ، والزيادة من الثقة مقبولة ، وقد روى هذه
الزيادة أيضا حارثة بن أبى الرجال عن جدته عمرة، عن عائشة، ثم قد تأيدت روايتهما أعنى حارثة وطلقا بحديث
أبى سعيد، وقد صح الحاكم حديث عائشة من طريق ابن غنام وأورد له شاهدا ، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ فى
٩٦
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
وقد تكلم فيه من قبل حفظه.
٨٢٣ - (٦) وعن جبير بن مطعم، أنه رأى رسول اللّه مؤ لم يصلى صلاة قال: الله أكبر كبيرا.
الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا،
التلخيص (ص ٨٦): رجال إسناده ثقات، لكن فيه انقطاع - انتهى. لأن أبا الجوزاء لم يسمع من عائشة، قاله
ابن عبد البر، وقال البخارى: فى إسناد أبى الجوزاء نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة، لا أنه ضعيف
عنده ، وأحاديثه مستقيمة. قلت : قال الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ١: ص ٣٨٤): قال جعفر القریابی فی کتاب
الصلاة: حدثنا مزاحم بن سعيد: ثنا ابن المبارك: ثنا إبراهيم بن طهمان: ثنا بديل العقلى، عن أبى الجوزاء، قال: أرسلت
رسولا إلى عائشة يسألها. فذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه لم يشافهها ، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد
ذلك فشافهها على مذهب مسلم فى إمكان اللقاء - انتهى. وظهر من هذا كله أن حديث عائشة من طريق طلق بن غنام
أعلوه بثلاثة وجوه: أولها أنه ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب. ثانيها أن جماعة رووا قصة الصلاة عن بديل
ابن ميسرة ولم يذكروا ذلك فيه. ثالثها أن فيه انقطاعا، وهذه العلل الثلاث كلها مدفوعة كما بينا. فالظاهر أن حديث
عائشة من طريق طلق بن غنام ليس بضعيف (وقد تكلم فيه من قبل حفظه) قال الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج٢: ص١٦٦):
وقال ابن حبان: كان من كثر وهمه وخش خطأه، تركه أحمد ويحمى. وقال النسائى: متروك الحديث. وقال
أبو حاتم والبخارى: منكر الحديث: وقال أبو زرعة: واهى الحديث ضعيف. وقال ابن عدى: عامة ما يرويه منكر.
وقال ابن خزيمة: حارثة ليس يحتج أهل الحديث بحديثه. وقال ابن عدى: بلغنى أن أحمد نظر فى جامع إسحاق فإذا
أول حديث فيه حديث حارثة فى استفتاح الصلاة فقال: منكر جدا - انتهى.
٨٢٣ - قوله (وعن جبير) بمضمومة ففتوحة وسكون ياء (بن مطعم) بضم الميم، ابن عدى بن نوفل بن عبد
مناف القرشى النوفلى المدنى أبو محمد ، قدم على النبى مية فى فداء أسارى بدر ، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر ، وقيل يوم
الفتح. ذكر ابن إسحاق أن النبي ◌َّ أعطاه مائة من الايل، كان حليما، وقورا، عارفا بالنسب. وكان أخذ النسب
عن أبى بكر. وسلحه عمر سيف النعمان بن المنذر. له ستون حديثا، اتفقا على ستة، وانفرد البخارى بحديث، ومسلم.
بآخر. توفى بالمدينة سنة (٥٨) أو (٥٩) (رأى رسول اللّه ◌َو ◌ِّم يصلى صلاة) قال عمرو بن مرة الراوى للحديث:
لا أدرى أى صلاة هى؟ ولفظ ابن حبان: كان رسول اللّه مَّ إذا دخل فى الصلاة (قال) أى عقب تكبيرة
الإحرام ، قاله ابن حجر. والظاهر أنه هو عين التحريمة مع الزيادة، والله أعلم (الله أكبر) بالسكون ويضم (كيرا)
أى كبرت كبيرا، ويجوز أن يكون حالا مؤكدة، أو صفة لمصدر محذوف بتقدير (تكيرا كبيرا، وأفعل لمجرد المبالغة ،
أو معناه: أعظم من أن يعرف عظمته. قال ابن الحمام: إن أفعل وفعيلا فى صفاته تعالى سواء لأنه لا يراد «بأكبر»
٩٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ثلاثا، أعوذ بالله
من الشيطان، من نفخه ونفئه وهمزه، رواه أبو داود، وابن ماجه، إلا أنه لم يذكر: والحمد لله
كثيرا. وذكر فى آخره: من الشيطان الرجيم. وقال عمر:
إثبات الزيادة فى صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة لأنه لا يساويه أحد فى أصل الكبرياء (كثيرا) صفة لمحذوف
مقدر ، أى حمدا كثيرا (بكرة وأصيلا) أى فى أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية، والعامل ((سبحان)، وخص
هذين الوقتين لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، كذا ذكره الأبهرى وصاحب المفاتيح. ويمكن أن يكون وجه
التخصيص تنزيه الله تعالى عن التغير فى أوقات تغير الكون. وقال الطبى: الأظهر أن يراد بها الدوام كما فى قوله تعالى:
﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا - ١٩: ٦٢﴾ (ثلاثا) كالذى قبله (من نفخه) بدل اشتمال أى من تكبره يعنى مما يأمر
الناس به من التكبر (ونفئه) أى ما يأمر الناس به من إنشاء الشعر المذموم ما فيه هجو مسلم أو كفر أو فسق. والنفث
فى اللغة قذف الريق، وهو أقل من النفل. والنفخ فى اللغة إخراج الريح من الفم ونفخها فى الشئى (وهمزه) أى من
جعله أحدا مجنونا بنخسه وغمزه. كل من الثلاثة بفتح فسكون. قال التوربشتى: النفخ كناية عما يسوله الشيطان.
للإنسان من الاستكباروالخيلاء فيتعاظم فى نفسه كالذى نفخ فيه، ولهذا قال عليه السلام الذى رآه قد استطار غضبا: نفخ فيه
الشيطان. قال: ولعل المراد من النفث السحر، فإنه أشبه لما شهد له التنزيل قال تعالى: ﴿ومن شر النفاثات فى العقد - ٤:١١٣)
وأما الهمز ، فالأشبه أن يراد به ما يوسوس به ، قال تعالى: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين - ٢٣: ٩٧)
وهمزاته: خطراته التى يخطرها بقلب الإنسان. وقيل فى معنى الآية: إن الشياطين يحثون أولياءهم على المعاصى
ويغرونهم عليها، كما يهمز الركضة الدواب بالمهماز حثا لها على المشى - انتهى مختصرا (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا
أحمد وابن حبان والحاكم، وابن حزم فى المحلى. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذرى (وابن ماجه إلا أنه)
أى ابن ماجه (لم يذكر والحمد لله كثيرا) ولا يضر لأنه زيادة ثقة لا تعارض المزيد عليه فتقبل، قاله القارى، لكن فى
النسخ الموجودة لسنن ابن ماجه الحاضرة عندنا هذه الزيادة موجودة (وذكر فى آخره من الشيطان الرجيم) أى المرجوم.
وهى زيادة يعمل بها كذلك بأن يجمع بين الروايات باحوق الزيادات ، أو باعتبار التارات. قال الحافظ فى التلخيص
(ص ٨٦) بعد ذكر الحديث بلفظ ابن حبان مع هذه الزيادة: ولفظ الحاكم نحوه، وحكى ابن خزيمة الاختلاف فيه ،
وقد أوضحت طرقه فى المدرج۔ انتھی (وقال عمر) صوابه «عمرو» بالواو كما صرح به صريحا فى رواية ابن ماجه،
وهو عمرو بن مرة أحد رواة إسناد هذا الحديث. وروى ابن ماجه أيضا نحو حديث أبى سعيد مختصرا من حديث
ابن مسعود، وفى آخر، هذا التفسير أيضا مصدرا بلفظ ((قال)) ولم يبين القائل، والظاهر أنه أحد رواة الإسناد.
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
تفخه الكبر، ونفئه الشعر، وهمزه المؤنة.
٨٢٤ - (٧) وعن سمرة بن جندب: أنه حفظ عن رسول الله يرفع سكتتين: سكتة إذا كبر،
وعمرو بن مرة هو عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجلى - بفتح الجيم والميم ـ المرادى، أبو عبد الله الكوفى
الأعمى، ثقة عابد، كان لا يدلس، ورمى بالإرجاء، من رواة الكتب الستة. مات سنة (١١٠) وقيل قبلها
(نفخه) بالرفع على الإعراب، وبالجر على الحكاية (الكبر) بكر فيكون، أى التكبر، وهو أن يصير الإنسان
معظما كبيرا عند نفسه ، ولا حقيقة له إلا مثل أن الشيطان نفخ فيه فانتفخ فرأى انتفاخه مما يستحق به التعظيم مع أنه على
العكس. قال الزمخشرى فى الفائق: إنما سمى الكبر نفخا لما يوسوس إليه الشيطان فى نفسه فيعظمها ويحقر الناس فى عينه
(ونفته الشعر) فإنه ينفثه من فيه كالرقية. والمراد الشعر المذموم وإلا فقد جاء («إن من الشعر لحكمة)). وقيل إنما كان
الشعر من نفئة الشيطان لأنه يدعو الشعراء المداحين الهجائين المعظمين المحترين إلى ذلك (وهمزه المؤنة) بضم الميم وهمزة
ساكنة ، وقيل: بلا همز، بعدها مثناة فوقية . نوع من الجنون والصرع يعترى الانسان ، فإذا أفاق عاد عليه كمال عقله ..
وقال أبو عبيدة: المؤنة الجنون، سماه همزا لأنه جعله من النخس والغمز، وكل شئى دفعته فقد همزته. قال ابن سيد الناس:
وتفسير الثلاثة بذلك من باب المجاز ـ انتهى. والحديث يدل على مشروعية الافتاح بما ذكر فيه. وفيه أيضا مشروعية
التعوذ من الشيطان من نفخه و نفتهو همزه، وقد ورد فى التعوذأحاديث أخرى:منهاحديث أبى سعيد، وقد ذكرنا لفظه، ومنها
حديث أبى أمامة أخرجه أحمد بنحو حديث أبى سعيد. ومنها حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والبيهقى.
ومنها حديث أنس أخرجه الدار قطنى. ومنها ما روى عن عمر موقوفا عند الدار قطنى أيضا، هذا مع ما يؤيد ثبوت
هذه السنة من عموم قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله - ١٦: ٩٨﴾. ثم إن حديث أبي سعيد مصرح بأن
التعوذ المذكور يكون بعد الافتاح بالدعاء المذكور فى الحديث. قال الشوكانى: الأحاديث الواردة فى التعوذ ليس فيها
إلا أنه فعل ذلك فى الركعة الأولى. وقد ذهب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه فى كل ركعة ، محتجين بعموم
قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) ولا شك أن الآية تدل على مشروعية الاستعاذة قبل قراءة القرآن،
وهى أعم من أن يكون القارى خارج الصلاة أو داخلها. وأحاديث النهى عن الكلام فى الصلاة تدل على المنع منه
حال الصلاة من غير فرق بين الاستعاذة وغيرها ما لم يرد به دليل يخصه، ولا وقع الاذن بجنسه، فالأحوط الاقتصار
على ما وردت به السنة، وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط. وسيأتى حديث أبى هريرة الدال على ذلك.
٨٢٤ - قوله (سكنة إذا كبر) أى للإحرام، وكانت هذه السكتة لدعاء الاستفتاح كما وقع يانها فى حديث
أبى هريره السابق أنه رؤية كان يسكت بين التكبير والقراءة، يقول: اللهم باعد بنى، إلخ. فالمراد من السكتة ههنا
٩٩
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير.
وسكتة إذا فرغ من قراءة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فصدقه أبى بن كعب. رواه أبو داود،
وروى الترمذى، وابن ماجه، والدارمى نحوه.
السكوت عن الجهر وترك رفع الصوت ، لأنها لم تكن مجردة عالية عن الذكر (وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب
عليهم ولا الضالين) هذه السكتة الثانية كانت ليتراد إليه نفسه وليعلم المأمومون أن لفظة آمين ليست من القرآن ، أى
للتمييز بين الفاتحة وآمين لثلا يشتبه غير القرآن بالقرآن، وهى أخف من السكنة الأولى. واستدل بعض الحنفية بهذا الحديث
على الإسرار بالتأمين والإخفاء به. قال: الأظهر أن السكتة الثانية كانت للتأمين سرا. والجواب عنه بأن السكنة الثانية
لم تکن لتأمین سراً، لأنه ◌ُٹے کان مجهر بالتامین ویرفع صوته بآمین، ولم یثبت عنه ،ێے الا سرار بالتامین فکیف یقال إنها
كانت للتأمين سرا، بل السكتة الثانية كانت ليتراد إليه نفسه وليستريح، وليعلم المأموم أن لفظة آمين ليست من القرآن.
قال زين العرب: الغرض من هذه السكتة أن يقرأ المأموم الفاتحة ويرجع الإمام إلى التنفس والاستراحة - انتهى.
وقال ابن حزم فى المحلى (ج ٤: ص ٩٧): يقرأ المأموم فى السكتة الأولى أم القرآن فمن فاته قرأ فى السكتة الثانية. وفى
٠
رواية لأبي داود: أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها. وفى أخرى: إذا فرغ
من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع، أى قبل الركوع عند الفراغ من القراءة كلها. ولا مخالفة
بينهما ، بل يحصل من مجموعهما ثلاث سكنات: بعد الإحرام، وبعد الفاتحة، وبعد السورة عند الركوع، أى ليتراد إليه
نفسه. قيل: والثالثة أخف من السكنتين اللتين قبلهما، وذلك بمقدار ما تنفصل القراءة عن التكبير، فقد نهى رسول الله مر ثية
عن الوصل فيه. وقال القارى: وكأن المراد بالسكتات الزيادة على حد التنفس فى أواخر الآيات ، إذ ثبت عنه عليه السلام
كان يقرأ الحمد لله رب العالمين فيقف، وهكذا على رؤس الآى. وأما إطلاق القراء السكتة على الوقف بلا تنفس
فبنى على اصطلاحهم - انتهى. وهذه السكنات الثلاث قد ذهب إلى مشروعيتها الشافعى وأحمد وإسحاق والأوزاعى،.
وعند أبى حنيفة ومالك لا سكتة إلا الأولى (فصدقه) من التصديق (أبي بن كعب) الأنصارى الخزرجى
سيد القراء، كتب الوحى ، وشهد بدرا وما بعدها، وكان من جمع القرآن، أى وافق أبى سمرة، وقال صدق سمرة ،
- بالتخفيف - وحاصل القصة أنه وقع الاختلاف بين سمرة وعمران بن حصين فى سكنتى الصلاة، قال سمرة : حفظت
سكتين، وأنكر ذلك عمران ، وقال حفظت سكتة، وكانا إذ ذاك بالبصرة ، فكتبا فى ذلك إلى أبى بن كعب بالمدينة ،
فكتب أبى أن حفظ سمرة (رواه أبو داود) أى بهذا اللفظ (وروى الترمذى وابن ماجه والدارمى نحوه) أى معناه،
وأخرجه أيضا أحمد ، وابن حبان فى صحيحه، والبيهقى والحاكم كلهم من طريق الحسن البصرى عن سمرة. وقد اختلف
فى سماع الحسن من سمرة، وقد تقدم فى باب الغسل المسنون أن رواية الحسن عن سمرة محمولة على الاتصال عند
٠٠
١