Indexed OCR Text
Pages 41-60
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
٣٢٥ - (٢٥) وعن ابن عباس، قال: أكل رسول اللّه ◌َيل كتفا ثم مسح يده بمسح كان تحته،
ثم قام فصلى. رواه أبو داود ، وابن ماجه.
٣٢٦ - (٢٦) وعن أم سلمة رضى الله عنها، أنها قالت: قربت إلى النبى معَّم جنبا مشويا فأكل منه
ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ. رواه أحمد.
( الفصل الثالث ).
٣٢٧ - (٢٧) عن أبى رافع، قال: أشهد لقد كنت أشوى لرسول اللّه مريّم بطن الشاة،
4
هذا مما اتفقا عليه أئمة الجرح والتعديل، وقال الدار قطنى بعد أن صرح بعدم سماع إبراهيم عن عائشة: وقد روى هذا
الحديث معاوية بن هشام ، عن الثورى، عن أبى روق ، عن إبراهيم التيمى، عن أبيه، عن عائشة، فوصل إسناده.
ومعاوية هذا ، أخرج له مسلم فى صحيحه، ووثقَه أبوداود، وذكره ابن حبان فى الثقات، ومن هذا يتين أن رواية إبراهيم
التيمى عن عائشة هنا لها أصل ، وليست من الضعيف الذى يعرض عنه ، وقد تكلم الدار قطنى فى رواية معاوية بن هشام
الموصولة ، لكن لم ينصف فى الكلام كما لا يخفى. وإبراهيم التيمى هذا، هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمى، تيم الرباب،
أبو أسماء الكوفى العابد، قال فى التقريب: ثقة إلا أنه يرسل ويدلس، من صغار التابعين ، مات سنة (٩٢) وله أربعون
سنة، وأما عروة بن الزبير، فهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدى ، أبو عبد الله المدنى، ولد سنة (٢٣)
وكان من كبار التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وقال الحافظ: ثقة فقيه مشهور. مات سنة (٩٤) على الصحيح،
ومولده فى أوائل خلافة عمر الفاروق ، وأما عروة المزنى، فهو شيخ لا يدرى من هو ؟.
٣٢٥ - قوله ( كتفا) بفتح الكاف وكسر التاء، وبكسر الكاف وسكون التاء، وبفتح الكاف والتاء معا ، ثلاث
لغات، والمعنى لحم كتف شاة مشوى (بمسح) بكسر الميم، ثوب من الشعر غليظ (كان تحته) أى تحت رسول الله.
(ثم قام) أى إلى الصلاة (فصلى) أى ولم يتوضأ، وفيه دليل على أن أكل ما مسته النار لا ينقض الوضوء، وأن غسل اليد
بعد الطعام ليس بواجب، بل يكفى مسحها (رواه أبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى (وابن ماجه) وأخرجه أيضا ابن
حبان فى صحيحه ، وأضله فى الصحيحين كما تقدم .
٣٢٦ - قوله (جنبا) أى ضلعا (مشويا) من شوى اللحم يشوى شيا أى عرضه للنار فض (ولم يتوضأ) أى.
لا شرعيا ولا لغويا لبيان الجواز (رواه أحمد) (ج ٦: ص ٣٠٧) وأخرجه أيضا الترمذى فى الأطعمة، وقال: حسن
صحيح غريب .
٣٢٧ - قوله (عن أبى رافع) مولى الني تربيته (أشهد) أى أقسم بالله (لرسول الله) أى لأ كله (بطن الشاة) يعنى.
٤١
مرعاة المفاتيح ج٢
٣- كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
ثم صلى ولم يتوضأ. رواه مسلم.
٣٢٨ - (٢٨) وعنه، قال: أهديت له شاة، جعلها فى القدر، فدخل رسول اللّه مفع فقال: ما
هذا يا با رافع؟ فقال: شاة أهديت لنا يا رسول الله! فطبختها فى القدر. قال: ناولى الذراع
يا با رافع! فناولته الذراع. ثم قال: ناولنى الذراع الآخر ، فناولته الذراع الآخر. ثم قال ناولنى
الذراع الآخر: فقال: يا رسول الله! إنما للشاة ذراعان. فقال له رسول اللّه مَ فيه: أما إنك لو
سكت لناولتنى ذراعا فذراعا ما سبكت. ثم دعا بماء فتمضمض فاه،
الكبد والطحال وما معهما من القلب وغيرهما (ثم صلى) أى فأكل ثم صلى، وكان القياس ثم يصلى، لكن أتى به ماضياً ،
لأن قوله« كنت أشوى)) ماض فى المعنى، لأنه حكاية لصورة الحال الماضية (رواه مسلم) فى الطهارة، أخرجه أيضا
أحمد (ج ٦: ص ٨، ٩)
٣٢٨ - قوله (أهديت له) أى لأبي رافع (شاة) برفعها على بناء الفاعل، قيل: فيه التفات، والأظهر أنه نقل
بالمعنى (لجعلها فى القدر) بكسر القاف أى للطبخ (يابا راقع) يقرأ بالهمزة ولا تكتب (ناولنى الذراع) بكسر الذال من
طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤثثة فيهما، وقد تذكر. وخص التي رؤية الذراع بالطلب لمحبته
واستحسانه للذراع، لسرعة نضجها، واستمراءها، من زيادة لنتها، وحلاوة مذاقها، وبعدها عن مواضع الأذى (فقال)
أى أبو رافع على سبيل الالتفات، وفى رواية لأحمد «فقلت له)) (إنما للشاة ذراعان) وفى رواية لأحمد «وهل الشاة إلا
ذراعان)) وفى حديث أبى عبيد عند الدارمى، والترمذى فى الشمائل «وكم للشاة من ذراع، والظاهر أن هذا استفهام استبعاد
لا إنكار، لأنه لا يليق بهذا المقام، قاله القارى (أما) بالتخفيف للتنبيه (إنك لو سكت) أى عما قلت، وامتثلت أدبى
(لناولتنى ذراعا فذراعا ما سكت) أى ما سكت أنت وطلبت أنه قال الطبى: الفاء فى ((فذراعا)) التعاقب، كما فى قوله:
الأمثل فالأمثل. و((ما) فى (ما سكت) المدة ،و المعنى ناولتنى ذولها غب ذراع إلى ما لا نهاية له مادمت ما كنا، فما
نطقت انقطعت - انتهى. وفى رواية لأحمد «لو سكت لناولتنى عنهنا ما دعوت به، أى ما طلبته، من الدعوة بالفتح،
لأن الله تعالى يخلق ما يشاء، وكان يخلق فيها ذراعا بعد ذراع معجزة وكرامة له عربي، وإنما منع كلامه من ذلك ، قيل:
لأنه شغل النبى مؤتم عن التوجه إلى ربه، بالتوجه إليه أو إلى جواب سؤاله. وقيل لأن ظهور شى من عالم الغيب على
سبيل خرق العادة مشروط بأن لا يتطرق إليه الشك والتردد، ولا يقع حتى من الخل والنقص فى اليقين والتصديق،
: ٤٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
وغسل أطراف أصابعه، ثم قام فصلى، ثم عاد إليهم، فوجد عندهم لحما باردا فأكل، ثم دخل
المسجد فصلى ولم يمس ماء. رواه أحمد.
٣٢٩- (٢٩) ورواه الدارمى عن أبى عبيد، إلا أنه لم يذكر («ثم دعا بماء) إلى آخره.
٣٣٠ - (٣٠) وعن أنس بن مالك، قال: كنت أنا، وأبى، وأبو طلحة جلوسا، فأكلنا لحما وخيزا،
ثم دعوت بوضوء، فقالا: لم تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذى أكلنا. فقالا: أتتوضأ من الطيبات؟
لم يتوضأ منه من هو خير منك. رواه أحمد.
٣٣١ - (٣١) وعن ابن عمر، كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها
والله أعلم (وغسل أطراف أصابعه) أى محل الدسومه والتلوث على قدر الحاجة (ثم عاد إليهم) أى إلى أبي رافع
وأهل بيته (فوجد عندهم لحما باردا فأكل) لأنه كان يحب اللحم وما كان يجده دائما (ولم يمس ماء) أى للوضوء ولا لغسل
الفم قبل الصلاة (رواه أحمد) (ج ٦: ص ٣٩٢) أى عن أبي رافع مطولا هكذا ، ورواه أيضا عنه مختصرا
(ج ٦ : ص ٨) مثل رواية الدارمى عن أبى عيد.
٣٢٩ - قوله (ورواه الدارمى عن أبى عبيد) فى باب ما أكرم به النبي مز له فى بركة طعامه، من أول مسنده، وكذا
رواه الترمذى فى شمائله، كلاهما من طريق شهربن حوشب، عن أبى عبيد. قال الحافظ فى الإصابة (ج ٤: ص ١٣١):
ورجاله رجال الصحيح إلا شهربن حوشب. وأبو عبيد هذا، مولى النبي ◌َّ، وصحابى لا يعرف اسمه، له هذا الحديث فقط.
٣٣٠ - قوله (وأبی) أی أبي بن كعب (وأبو طلحة) اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصارى النجارى
المدنى مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها ، وهو أحد النقباء، وزوج أم سليم أم أنس
ابن مالك، وكان من الرماة المذكورين. وقال النبي ◌َّ: لصوت أبى طلحة فى الجيش خير من فئة. قتل يوم حنين
عشرين رجلا، وأبلى يوم أحد بلاء عظيما، وشلت يده التى وقى بها النبي مرَّة، له اثنان وتسعون حديثاً ، اتفقا على حديثين،
انفرد البخارى بحديث، ومسلم بآخر، روى عنه نفر من الصحابة والتابعين. مات سنة (٣٤) وقال أنس: عاش بعد
النبى ◌َّ أربعين سنة، لم يفطر فيها إلا يوم أضحى أو فطر، وكان فى أيام النبي مؤثّم لا يصوم لاشتغاله بالغزو، وعلى
هذا يكون وفاته سنة (٥١) وبه جزم المداتنى، قيل: وهذا أثبت (أتوضأ من الطيات) فيه أن نقض الوضوء إنما يكون
بخبيث ينافيه كالخارج من السيلين، وهو معقول المعنى، وغيره ألحق به وإن لم يكن معقول المعنى، كالنوم والاغماء
والجنون، لأنه مظنة لخروج الخبيث (لم يتوضأ منه) أى من مثل هذا الطعام (من هو خير منك) أى النبي مؤّ ،
(رواه أحمد) قال الهيشمى (ج ١: ص ٢٥١) ورجاله ثقات.
٣٣١ - قوله (قبلة الرجل امرأته) بالنصب على المفعولية (وجسها) بفتح الجيم وتشديد السين المهملة أى مسها
٤٣
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
بيده، من الملامسة. ومن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء. رواه مالك، والشافعى.
٣٣٢ - (٣٢) وعن ابن مسعود، كان يقول: من قبلة الرجل امرأته الوضوء. رواه مالك.
٣٣٣ - (٣٣) وعن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: إن القبلة من اللمس،
فتوضأُوا منها.
(بيده) أى بلا حائل (من الملامسة) أى المذكورة فى قوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ (ومن قبل امرأته أو جسها يده)
فقد لامس، ومن لامس (فعليه الوضوء) قال الطبى: تفريع على ما أصله من قبل، أى إذا كان التقبيل والجس من الملامسة
فيلزم أن يتوضأ من قبل أو جس ، والترتيب مفوض إلى ذهن السامع (رواه مالك) عن الزهرى، عن سالم بن عبد الله ،
عن أبيه عبد الله بن عمر (والشافعى) عن مالك فى الأم (ج ١: ص ١٢) وأخرجه أيضا الدار قطنى (ج ١: ص ٥٣)
عن الحسين بن إسماعيل، عن أحمد بن إسماعيل، عن مالك. ومن طريق الشافعى رواه البيهقى (ج ١: ص ١٢٤).
٣٣٢ - قوله (من قبلة الرجل) من إضافة المصدر لفاعله (امرأته) بالنصب على أنه مفعول «قبلة، لأنها اسم مصدر
(الوضوء) مبتدأ مؤخر أى يجب منها الوضوء. قال الطبى: فى تقديم الخبر على المبتدأ المعرف إشعار بالخلاف، ورد
على من يقول: ليس حكم التقبيل والجس حكم سائر النواقض، فرد وقيل: ليس حكمه إلا كحكمها، فيكون من قصر
القلب (رواه مالك) أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: ((من قبلة الرجل، إلخ. وقد أخرج الطبرانى والدار قطنى
والبيهقى وغيرهم بأسانيدهم نحوه، بألفاظ متقاربة، بمعنى أن الس ما دون الجماع فن قبل أو لمس فعليه الوضوء.
٣٣٣ - قوله (إن القبلة من المس) أى المذكور فى الآية (فتوضأوا منها) رواه الدار قطنى (ج ١: ص ٥٣)
کما قال المصنف، وقال صحيح. وقال الزیلعی فی نصب الراية بعد ذکر أثر عمر عن البيهقى (ج ١ : ص ١٢٤) بنحو ما
رواه الدار قطنى، أما أثرعمر فضعفه ابن عبد البر فى التمهيد وقال: هو عندهم خطأ، وهو صحيح عن ابن عمر لا عن عمر - انتهى.
وهذه الآثار الثلاثة كلها موقوفة على بعض الصحابة، ممن قالوا بكون الس ناقضا، وليست فى حكم المرفوع، إذ الرأى فيه
مجال فانهم أخذوه من قوله تعالى: {أو لا مستم النساء))، واستنبطوه عما فهموا من هذه الآية، وقد ثبت عن النبي مز }
عدم النقض بالقبلة والس، كما تقدم عن عائشة، وهو من أقوى القرائن على أن المراد بالس فى الآية هو الجماع، وبه فسر حبر
القرآن عبد الله بن عباس وعلى رضى الله عنهما، فيجب الأخذ بالحديث المرفوع الصحيح الصريح، ولا ينبغى التردد فى
تفسير الآية، التفسير الصحيح أن اللمس كناية عن الجماع، لأنه لا حجة فى قول الصحابى عند معارضة الحديث.
المرفوع الصحيح.
٤٤
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
٣٣٤ - (٣٤) وعن عمر بن عبد العزيز، عن تميم الدارى، قال: قال رسول اللّه وم ضة: الوضوء من
کل دم سائل.
٣٣٤ - قوله (وعن عمر بن عبد العزيز) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن
عبد شمس، القرشى الاموى، أبو حفص المدنى ، ثم الدمشقى، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب،
واسمها للى. ولى إمرة المدينة الوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولى الخلافة بعده سنة (٩٩) فعد مع الخلفاء الراشدين
مات فى رجب سنة (١٠١) بدير سمعان من أرض حمص، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر وأيام ،
وكان على صفة من الزهد ، والعبادة، والتقى ، والعفة، وحسن السيرة لا سيما أيام خلافته. وقال ميمون بن مهران:
ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذته. وقال هشام بن حسان: لما جاء نعى عمر قال الحسن البصرى: مات خير الناس.
ومناقبه وفضائله كثيرة جدا (عن تميم الدارى) نسبة إلى أحد أجداده، الدار بن هانى بن حبيب، وهو تميم بن أوس بن
خارجة الدارى، أبو رقية بقاف وتحتانية مصغرا ، صحابى مشهور ، سكن بيت المقدس بعد قتل عثمان، وكان إسلامه
سنة (٩) وكان من أهل الكتابين، وقال ابن سيرين: كان يختم فى ركعة. وقال مسروق: صلى ليلة حتى أصبح يقرأ آية
يرددها: (أم حسب الذين يحتر حون السيأت) وهو أول من أسرج السراج فى المسجد، وكان أقطعه النبي مُؤَّم بيت حبرون.
له ثمانية عشر حديثا، انفرد له مسلم بحديث، روى عنه سيد البشر وَّم خبر الجساسة، وناهيك بهذه المنقبة الشريفة،
قيل: مات سنة (٤٠) وروى عنه أيضا جماعة (الوضوء من كل دم سائل) أى كثير، فاحش لا قليل فيه أن خروج الدم
السائل ولو كان من غير السبيلين، ناقض للوضوء، وإليه ذهب بعض الأئمة، لكن الحديث ضعيف جدا، لا يصلح
للاحتجاج كما سيأتى، وقد استدل القائلون بالوضوء من الخارج النجس من غير السبيلين، كالقئى ملأ الفم، والرعاف
والدم الفاحش ، بأحاديث وآثار عن الصحابة ، وليس فى شئ من ذلك حجة أصلا ، فمن أقوى أدلتهم حديث عائشة عند
البخارى وغيره، فى شأن فاطمة بنت أبى حبيش، وكانت من المستحاضات، ففيه أنه مَّم قال: إنما ذلك عرق، وفيه أيضا
ثم توضعى لكل صلاة حتى يحتى ذلك الوقت ، قالوا: المراد من السبيلين، سبيل البول وسبيل البراز، ودم الاستحاضة.
لا يخرج من ثقب البول ، فعلم أن دم الاستحاضة وهو ما يخرج من غير السيلين، من نواقض الوضوء، وأشير بقوله
((إنما ذلك عرق، إلى تعميم الحكم بانتقاض الوضوء من خروج الدم من أى عرق كان من البدن غير السيلين. وفيه أن
فرج المرأة وقبلها الذى يخرج منه دم الاستحاضة، فى حكم مخرج البول للجاورة، ولذا عد الحيض والمتى من نواقض
الطهارة وأيضا دم الاستحاضة حدث بنفسه من جملة الأحداث المستقلة ناقض للوضوء، ولا يقاس عليه غيره ، لأن
الأصل عدم النقض، حتى يقوم ما يرفع هذا الأصل ، ولم يقم دليل على ذلك. وأما قوله ((إنما ذلك عرق)) فإنما أراد به
رد زعمها: أن دم الاستحاضة فى حكم دم الحيض لا غير ، يعنى أن دمها ليس مما تعتاده النساء بل هو دم عرق انفجرت
٤٥
فرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
رواهما الدارقطنى، وقال: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الدارى ولا رآه ، ويزيد بن خالد ،
ویزید بن محمد مجهولان.
لمرض، فافهم. واستدلوا أيضا بحديث أبى الدرداء عند الترمذى، وفيه («قاء فتوضأ، ولا حجة لهم فيه، لاحتمال أن تكون
الفاء للتعقيب فقط لا للسبية، كما فى قوله: قاء فأخطر. ولو سلم أن الفاء السبية، لم تدل أيضا على نقض الوضوء بالقئى، لأنه
قد يتوضأ الإنسان بعده من أجل النظافة، وإزالة القذر الذى يبقى فى الفم والأنف، وعلى بعض الأعضاء ، فالقئى سبب
له، ولكنه سبب عادى طبيعى، ولا يكون سببا شرعيا إلا بنص صريح من الشارع، والحاصل أن وجوب الوضوء أو نقض
الوضوء لا يثبت بالفعل فقط، لأن الفعل لا يدل على الوجوب إلا أن يفعله ويأمر الناس بفعله، أو ينص على أن هذا الفعل ناقض
الوضوء. ومن أصرح أدلتهم ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة مرفوعا ((من قام أو رعف فى صلاته فلينصرف وليتوضأ،
الحديث. وفيه أنه حديث ضعيف ، ضعفه أحمد وغيره، وقد ذكر العلامة الشوکانی فی النيل ، والزیلعی فی نصب الراية،
ما فيه من العلة وكلام الأئمة مفصلا، فارجع إليهما. واستدلوا بأحاديث أخرى كلها ضعيفة ساقطة لا تقوم بها حجة ،
وأيضا هى معارضة، لما ذكره البخارى معلقا عن جابر: أن النبي ◌َّ كان فى غزوة ذات الرقاع، فرمى رجل بسهم ،
غرفه الدم، فركع، وسجد، ومضى فى صلاته. قال الحافظ: أخرجه أحمد وأبو داود، والدار قطنى، وصححه ابن خزيمة،
وابن حبان، والحاكم، وذكر العينى فى شرح الهداية (ج ١: ص ١٢٢) حديث جابر هذا من رواية سنن أبي داود ،
وصحيح ابن حبان والدارقطنى والبيهقى، وزاد فيه: فبلغ ذلك رسول اللّه مزيّم فدعا لهما. قال: ولم يأمره بالوضوء، ولا
بإعادة الصلاة، انتهى. وفى عدم الانتقاض بخروج الدم من البدن غير السبيلين أحاديث وآثار كلها مقررة للأصل،
ذكرها الزيلعى والدار قطنى والشوكانى (رواهما) أى الحديثين السابقين (الدار قطنى) الحديث الثانى رواه الدار قطنى من
طريق يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، قال: قال تميم الدارى: إلخ، ورواه ابن عدى فى الكامل
عن زيد بن ثابت، وفيه أحمد بن الفرج، أبو عتبة الحمصى، وهو من لا يحتج بحديثه، ولكنه یکتب ، قاله ابن عدى.
وقال ابن أبى حاتم: محله الصدق. وقال ابن حبان فى الثقات: يخطئى. وكذبه محمد بن عوف الطائى (وقال) أى
الدار قطنى بعد إخراج الحديث (عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الدارى ولا رآه، ويزيد بن خالد) قال الحافظ
فى لسان الميزان: يزيد بن خالد شيخ لبقية، لا يدرى من هو (ويزيد بن محمد) الراوى عن عمر بن عبد العزيز، قال الحافظ فى
اللسان: لا يدرى من هو (مجهولان) هذا آخر كلام الدارقطنى فى سننه. وقد ظهر بهذا أن حديث تميم هذا ضعيف من
وجهين: الانقطاع بين عمر بن عبد العزيز وبين تميم ، وجهالة اليزيدين. وذكر الزيلعى كلام الدار قطنى هذا فى نصب
الراية وأقره.
٤٦
---
:
i
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
(٢) باب آداب الخلا.
88 ( الفصل الأول)
٣٣٥- (١) عن أبى أيوب الأنصارى، قال: قال رسول اللّه مَّم: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا
القبلة ، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا.
(باب آداب الخلاء) قيل: ((الأدب، مراعاة حد كل شئ، وقيل: هو استعمال ما يحمد قولا وفعلا، ويطلقون
الآداب على ما يليق بالشتى، أو بالشخص، فيقال: آداب الدرس وآداب القاضى. و(«الخلاء، بفتح الخاء والمد، موضع
قضاء الحاجة، سمى به لخلاءه فى غير أوقات قضاء الحاجة، أو لأن الإنسان يخلو فيه، وأصله المكان الخالى، ثم كثر
استعماله حتی مجوز به عن ذلك .
٣٣٥ - قوله (عن أبى أيوب الأنصارى) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصارى الخزرجى النجارى ، أبو
أبوب المدنى، شهد العقبة، وشهد بدرا ، وأحدا ، والمشاهد کلها مع النی زٹے، ونزل عنده رسول الله {اتے حين قدم
المدينة شهرا حتى بنى المسجد ، وكان مسكنه المدينة ، وحضر مع على حرب الخوارج، وورد المدائن فى صحته ، وعاش
بعد ذلك زمانا طويلا حتى مات بالقسطنطينية مرابطا سنة (٥١) فى خلافة معاوية، وكان ذلك مع يزيد بن معاوية لما
غزاه ، يخرج معه فرض، ولما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملونى، فإذا صاففتم العدو فادفنونى تحت أقدامكم. قال
البغوى: قبر ليلا وأمر يزيد بالخيل تقبل وتدبر حتى عمى قبره. وقال ابن حبان: كان المسلمون على حصار القسطنطينية
فقدموه حتى دفن إلى جانب حائط. له مائة وخمسون حديثا، اتفقا على سبعة، وانفرد البخارى بحديث، ومسلم بخمسة».
روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، وله فضائل (إذا أتيتم الغائط) هو فى الأصل اسم المكان المطمئن الواسع من
الأرض فى الفضاء، ثم صار يطلق على كل مكان أعد لقضاء الحاجة ، لأن العادة أن يقضى فى المنخفض لكونه أستر له ،
ثم اتسع حتى أطلق على النجو نفسه، أى الخارج من الإنسان، تسمية للحال باسم المحل، والمراد ههنا هو الأول، إذ
لا يحسن استعمال الاتيان فى النجو الخارج، إذ لا يقال أتى البول أو العذرة، بخلاف استعمال الإتيان بالنظر إلى المكان
فإنه كثير شائع ، وأيضا لا يحسن النهى عن الاستقبال والاستدبار إلا قبل المباشرة بإخراج الخارج، وذلك عند حضور
المكان لا عند المباشرة بإخراج ذلك ، فليتأمل. وقد أوضح ذلك السندهى فى حاشيته على البخاری ، فارجع إليها
(فلا تستقبلوا القبلة) أى جهة الكعبة (ولكن شرقوا أو غربوا) أى استقبلوا جهة الشرق أو الغرب لقضاء الحاجة، وهذا
خطاب لأهل المدينة ومن قبلته فى تلك الجهة ، والمقصود الإرشاد إلى جهة أخرى لا يكون فيها استقبال القبلة ولا
٤٧
٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
متفق عليه.
٣٣٦ - (٢) قال الشيخ الإمام محى السنة، رحمه الله: هذا الحديث فى الصحراء، وأما فى البنيان،
فلا بأس لما روى عن عبد الله بن عمر، قال: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتى، فرأيت
استدبارها ، وهذا مختلف بحسب البلاد ، فلكل أن يأخذوا بهذا الحديث بالنظر إلى المقصود لا بالنظر إلى المفهوم.
والحديث بظاهره دليل على منع الاستقبال والاستدبار عند قضاء الحاجة مطلقا من غير فرق بين الصحراء والبنيان. والمسئلة
مختلف فيها بين العلماء لتعارض الأحاديث فى ذلك، فقال بعضهم بعموم النهى أخذا بظواهر أحاديث النهى، وترجيحالها على أحاديث
الرخصة أو التخصيص. وقال بعضهم بخصوص النهى بالصحراء جمعا بين الأحاديث، لأن إعمال الأدلة كلها أولى من إهمال
بعضها. وقال بعضهم بالإياحة والجواز مطلقا رجوعا إلى البرأة الأصلية، أو حملا للنهى على التنزيه، أو النسخ، جعلوا
أحاديث الإباحة قرينة على حمل النهى على التنزيه ، أو ناسخة لأحاديث المنع. وقال بعضهم بالفرق بين الاستقبال فيحرم
مطلقا ، والاستدبار فيجوز مطلقا. وههنا أقوال أخرى لكنها غير مشهورة. والأول هو المشهور عن أبى حنيفة ،
واختاره ورجحه من المالكية ابن العربى فى شرح الترمذى ، ومن الظاهرية ابن حزم فى المحلى، ومن فقهاء أهل الحديث
ابن القيم فى الهدى (ج ١: ص ٢٧٢) والشوكانى فى النيل (ج ١: ص ٨١) وفى السيل الجرار، وشيخنا الأجل
المباركفورى فى شرح الترمذى (ج ١: ص ١٩). والثانى مذهب الأئمة الثلاثة، ومال إليه الطحاوى من الحنفية ، وقال
الأمير اليمانى فى السبل (ج ١: ص ١١٩): هو أقرب الأقوال. وقال الحافظ: هو أعدل الأقوال، ويؤيده ما روى
عن ابن عمر، أنه قال: إنما نهى عن ذلك فى الفضاء. وإليه يظهر ميلان السندهى فى حواشيه على البخارى، وغيره كما سيأتى.
وعندى: الاحتراز عن الاستقبال والاستدبار فى البيوت أحوط وجوبا لا ندبا، والمقام من معارك النظار فندبره ولا
تعجل (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه ، وغيرهم.
٣٣٦ - قوله (قال الشيخ الإمام محى السنة) البغوى فى المصابيح (هذا الحديث) أى حكمه (وأما فى البنيان) قال
ابن حجر: يعنى الخلاء ليطابق الحديث الذى استدل به (ارتقيت) أى صعدت (فوق بيت حفصة) أى سطحه ، وهى أخت
عبد الله بن عمر، أم المؤمنين زوجة رسول الله مولقه، وبنت عمر بن الخطاب العدوية، قيل: إنها ولدت قبل المبعث بخمسة
أعوام، وكانت قبل رسول اللّه ◌َثم تحت خنيس بن حذافة السهمى، هاجرت معه، ومات عنها بعد غزوة بدر ، فلما مات
ذكرها عمر على أبى بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما، خطبها رسول اللّه مَ التي، فأنكحه إياها سنة ثلاث، وقيل: سنة اثنتين.
لها ستون حديثا، اتفقا منها على ثلاثة، وانفرد مسلم بستة، روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين. ماتت فى شعبان
سنة (٤٥) وهى ابنة ستين سنة، وقيل: ماتت سنة (٤١) وإضافة البيت إلى حفصة مجازية باعتبار تعلق السكنى، وإلا فالبيت
٤٨
٠
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
رسول الله معروض يقضى حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام. متفق عليه.
٣٣٧ - (٣) وعن سلمان رضى الله عنه، قال: نهانا، يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان ملكا للنبي مرَّة (يقضى حاجته) أى فى الخلاء (مستدبر القبلة) هذا هو أصل الأئمة الثلاثة فى جواز الاستدبار فى الأبنية ،
وابنوا عليه جواز الاستقبال ، ويظهر من صنيع البغوى أنه ذهب إلى أن النهى ورد أولا عاما ، ثم خص عمومه بحديث
ابن عمر ، وفيه خدشات من وجوه كثيرة ، ذكرها ابن القيم، وابن العربى، وغيرهما ، وهى تضعف القول بكونه مخصصا
لأحاديث النهى، قال السندهى فى حاشيته على البخارى بعد بان بعض هذه الخدشات: فالوجه أن حديث النهى من أصله
مخصوص بالفضاء لا يعم البناء أصلا، وهو الموافق للقرائن (وقد أشرنا إلى بعض هذه القرائن فى بيان معنى الغائط)
فلعل من فهم عموم الحكم ما فهم من لفظ الحديث ، إنما فهم من ظنه أن علة النهى ! كرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة ،
نفهم من عموم هذه العلة عموم الحكم. وقال فى حاشيته على ابن ماجه: ويؤيد القول بالخصوص تقييد حديث النهى
بإتيان الغائط فى كثير من الروايات ، والمراد به المكان المنخفض فى الفضاء كما قررنا، وبه يظهر التوفيق بين الأحاديث.
وقال فى حاشيته على النسائى: ويمكن أن يكون محمل الحديث الصحراء، وإطلاق اللفظ جاء على ما كان عليه العادة يومئذ،
إذ لم يكن لهم كنف فى البيوت فى أول الأمر - انتهى. قال: ومن قرائن حمل الغائط فى حديث أبى أيوب على معناه
اللغوى أى المكان المطمئن من الأرض فى الفضاء أى الصحراء، أن النهى عن جهتين، والتخيير بين جهتين أخريين عند
إتيان الغائط إنما يحسنان فى الفضاء لا فى البيوت ، فإن الإنسان فى الفضاء متمكن عند إتيان الغائط من الجهات الأربع،
فیمکن أن ینھی عن بعضها ، ويخير بين بعضها ، وأما فى البيوت فلا يتمكن عادة عند إتيان الغائط من الجهات الأربع، بل
يتمكن منها عند بناء الكنيف، وأما بعد البناء عند إتيان الغائط فهو يصير تابعا لكيفية البناء - انتهى (متفق عليه)
وأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
٣٣٧ - قوله (وعن سلمان) هو سلمان الفارسى أبو عبد الله، ابن الإسلام، ويقال له: سلمان الخير. أصله من
أصبهان، وقيل: من رامهرمز. أسلم عند قدوم النبى رَوالتّ المدينة، وأول مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البر: ويقال
إنه شهد بدرا. سافر يطلب الدين من قريته، فدان أولا بالنصرانية، وقرأ الكتب وصبر فى ذلك على مشقات متالية، فأخذه
قوم من العرب فاعوه من اليهود، ثم إنه کوتب فأعانه رسول الله مؤتم فى كتابته، ويقال: إنه تداوله بضعة عشر سيدا
حتى أفضى إلى النبي مَّ لما قدم النبي مَّ إلى المدينة، وقال: سلمان منا أهل البيت. وهو أحد الذين اشتاقت إليهم
الجنة، وكان من المعمرين، قيل: عاش (٢٥٠) سنة، وقيل (٣٥٠) سنة، والأول أصح. وكان يأكل من يده،
ويتصدق بعطاء، مات بالمدائن سنة (٣٥) وقيل: سنة (٣٣) وقيل: غير ذلك، له ستون حديثا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد
البخارى بواحد، ومسلم بثلاثة، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين (قال نهانا يعنى) أى يريد سلمان بالناهى رسول الله
٤٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
أن نستقبل القبلة الغائط أو بول، أو أن نستنجى باليمين، أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار،
أو أن نستنجى برجيع، أو بعظم. رواه مسلم.
٣٣٨ - (٤) وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء يقول:
(أن نستقبل القبلة) أى بفروجنا عند خروج الغائط أو البول (الغائط) قال النووى: كذا ضبطناه فى مسلم («الغائط، باللام،
وروى فى غيره بغائط أى بالباء، وهما بمعنى (أو أن نستنجى باليمين) أو فيه وفيما بعده للعطف، والاستنجاء إزالة النجو
وقطعه بالماء أو الحجارة، وفيه دليل على تحريم الاستنجاء باليمين، لأنه الأصل فى النهى ولا صارف له ، فلا وجه للحكم
بالكرامة فقط، وهذا تنبيه على شرف اليمين وصيانتها عن الأقذار (أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار) وفى رواية أحمد
الآتية فى الفصل الثالث ولا نكتفى بدون ثلاثة أحجار. وفى كلتا الروايتين دليل واضح على أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار
لا يجوز، وإن حصل الإنقاء بما دونها، ولا يعارضه حديث أبى هريرة الآتى فى الفصل الثانى بلفظ «من استجمر فليوتر،
من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) أخرجه أبو داود وغيره، لأن حديث سلمان هذا أصح منه، فيقدم عليه أو يجمع
بينهما بما قال الحافظ فى الفتح: أخذ بهذا أى بحديث سلمان، الشافعى وأحمد وأصحاب الحديث ، فاشترطوا أن لا ينقص
من الثلاث مع مراعاة الانقاء إذا لم يحصل بها فيزداد حتى ينقى، ويستحب حينئذ الايتار لقوله: من استجمر فليوتر. وليس بواجب
لزيادة فى أبى داود حسنة الإسناد قال: ومن لا فلا حرج. وبهذا يحصل الجمع بين الروايات فى هذا الباب، انتهى.
وقال ابن تيمية فى المنتقى بعد ذكر حديث أبى هريرة المذكور: وهذا محمول على أن القطع على وترسنة فيما زاد على ثلاث جمعا
بين النصوص - انتهى (أو أن نستجى برجيع أو بعظم) أو للعطف بمعنى الواو لا للشك. والرجيع هو الخارج من
الإنسان أو الحيوان يشمل العذرة والروث، فعيل بمعنى فاعل، سمى رجيعا لأنه رجع عن حالته الأولى نصار ما صار
بعد أن كان علفا أو طعاما . وفى حديث رويفع عند أبي داود رجميع دابة. وأما عذرة الإنسان فهى داخلة تحت
قوله مَبِّ «فانها ركس) فى بعض الأحاديث. وفى الحديث دليل على أن لا يجوز الاستنجاء بالرجيع والعظم، وعلة
النهى عن الاستنجاء بالرجيع أنه علف لدواب الجن، ولأنه لا يطهر، ولأنه رجس بكسر الراء، وهو المستقذر المكروه
والتعليل بعدم التطهير عائد إلى كونه رجسا، وفيه تنبيه على جنس الرجس فلا يجزئى الاستنجاء بالرجس مطلقا، والعلة فى
النهى عن العظم أنه طعام الجن ، أى فيجدون عليه من اللحم أوفر ما كان عليه، ولأنه لا يطهر فإنه لزج لا يكاد يتماسك
فلا ينشف النجاسة ، ولا يقطع البلة. وقيل: إنه لا يخلو فى الغالب عن الدسومة ، وقيل: لأنه ربما يجرح (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم.
٣٣٨ - قوله (إذا دخل الخلاء) أى أراد دخول موضع قضاء الحاجة. ولا يختص هذا بالأمكنة المعدة لذلك،
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
اللهم إنى أعوذبك من الخبث والخبائث. متفق عليه . .
٣٣٩ - (٥) وعن ابن عباس، قال: مر النبى معَّ بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان فى
كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول. وفى رواية لمسلم: لا يستنزه من البول. وأما الآخر
فكان يمشى بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين، ثم غرز فى كل قبر واحدة. قالوا :
يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ فقال: لعله أن يخفف عنهما
بل يعم ويشمل حتى لو بال فى إناء مثلا فى جانب البيت ما لم يشرع فى قضاء الحاجة، فيقول فى الأمكنة المعدة قبيل دخولها ،
وفى غيرها فى أول الشروع كتشمير ثيابه مثلا، ومن نسى يستعيذ بقلبه لا بلسانه (اللهم إنى أعوذ بك) كان مؤلم يستعيذ
إظهارا للعبودية ويجهربها للتعليم (من الخبث) بضمتين جمع الخبيث، وهو الموذى من الجن والشياطين (والخبائث)
جمع الخبيثة، والمراد ذكور الشياطين وإناثهم، وقد جاءت الرواية بإسكان الباء فى الخبث أيضا إما على التخفيف أو على
أنه اسم بمعنى الشر ، فالخبائث صفة النفوس، فيشمل ذكور الشياطين وإناثهم جميعا، والمراد التعوذ من الشر وأصحابه
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم.
٣٣٩ - قوله (مر النبى مَ ◌ّ بقبرين) أى جديدين كما فى رواية ابن ماجه، قال الحافظ: الظاهر من مجموع طرق
الحديث أن المقبورين كانا مسلمين (فقال إنهما) أى صاحبى القبرين. وقيل: أعاد الضمير إلى غير مذكور لأن سياق
الكلام يدل عليه ، وقيل : الضمیر یرجع إلى قبرین بتقدیر المضاف کما ذکرنا (وما يعذبان فی کبیر) أى فى أمر كان يكبر
ويشق عليهما الاحتراز عنه أو أراداه، لا أنه فى نفسه ليس بكبير، كيف وهما يعذبان فيه. فإن عدم التنزه يبطل الصلاة،
والنميمة سعى بالفساد المفضى إلى سفك الدماء، وأيضا ورد فى رواية للبخارى ((وإنه لكبير، فيحمل قوله: وإنه لكير
على كبر الذنب، وقوله ((ما يعذبان فى كبير، على سهولة الدفع، والاحتراز، والتوقى (لا يستتر من البول) أى من بوله
كما فى رواية، فاللام عوض عن المضاف إليه، أو للعهد، والمعنى: لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعنى لا يتحفظ منه،
وفيه دليل على نجاسة بول الإنسان، ووجوب اجتنابه وهو إجماع، وعظم أمره، وأنه من أعظم أسباب عذاب القبر كالنميمة
(لا يستفزه من البول) أى لا يجتنب ولا يحترزعن وقوعه عليه، وقيل: أى لا يستبرئى، ولا يتطهر ولا يستبعد عنه (فكان يمشى)
أى بين الناس (بالنميمة) هى نقل كلام الغير لقصد الإضرار. والباء المصاحبة أو التعدية على أنه بمعنى يشهر النميمة بين
الناس ويشيعها (ثم أخذ) أى النبي ◌َّ (جريدة رطبة) بفتح الراء وسكون الطاء، أى غصنا من النخل (فشقها بنصفين)
مفعول مطلق، والبدء زائدة للتأكيد ، وقيل: حال أى جعلها مشقوقة حال كونها متلبسة بنصفين (واحدة) أى من كل من
الشقين (لم صنعت هذا؟) أى الغرز (لعله) أى العذاب، أو الهاء ضمير الشأن (أن يخفف عنهما) أى صاحبى القبرين
٥١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
ما لم يبسا. متفق عليه .
٣٤٠ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مُبيّى: اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان
يا رسول الله؟ قال: الذى يتخلى فى طريق الناس أو فى ظلهم. رواه مسلم.
٣٤١ - (٧) وعن أبى قتادة، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إذا شرب أحدكم
(ما لم يببسا) بالتذكير، وبفتح الباء الموحدة، ويجوز كسرها، أى ما دام لم يبس النصفان أو القضيان، قيل: وجه هذا
التحديد أنه مَ ◌ّ سأل التخفيف عنهما وشفع لهما فأجبت شفاعته بالتخفيف إلى مدة بقاء النداوة أى جعل زمان بقاءالنداوة والرطوبة
علامة لتخفيف العذاب بشفاعته مر ضه ودعاءه، كما صرح به فى حديث جابر فى آخر صحيح مسلم، لا أن فى الجريد معنى خصه، ولا أن فى
الرطب معنى ليس فى اليابس ، وهذا بناء على أن القصة فى حديث ابن عباس وحديث جابر واحدة كما رجحه النووى. وفيه
نظر. وقيل تخفيف العذاب كان ببركة يده مرَّة، فالحديث واقعة حال خاص لا يفيد العموم. وقيل: هو عام بدليل
أنه تأسى بذلك بريدة بن الحصيب الصحابى فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان، وروى نحوه عن أبي برزة الأسلى،
والظاهر عندى: أنه مخصوص بالنبى مَّ ليس بعام، وأما ما يفعله القبوريون من وضع الرياحين على القبور، وغرس
الأشجار عليها ، وسترها بالثياب، وإجمارها وتبخيرها بالعود، واتخاذ السرج عليها فلا شك فى كونه بدعة وضلالة.
ومن زعم أن هذا الحديث أصل لهذه الأمور المحدثة فقد جهل وافترى على الرسول مؤتمر (متفق عليه) أخرجه البخارى
فى الطهارة، والجنائز، والأدب، والحج، ومسلم فى الطهارة، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن
ما جه ، وغيرهم.
٣٤٠ - قوله (اللاعنين) أى الأمرين الجالبين للعن، الحاملين للناس عليه، الداعيين إليه، فكانهما لاعنان من
باب تسمية الحامل والداعى فاعلا، أى الذين هما سببا اللعنة غالبا، وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، أى الملعون فاعلهما، ولفظ
مسلم: اتقوا اللعانين. والمعنى: اتقوا فعل اللعانين أى صاحبى اللعن، وهما اللذان يلعنهما الناس فى العادة (الذى يتخلى) أى يتغوط
أو يول، بحذف المضاف، أى أحدهما تخلى الذى يتخلى (أو فى ظلهم) أو التنويع، والمراد بالظل مستظل الناس الذى
اتخذوه مقيلا ومناخا ينزلونه ويقعدون فيه، إذ ليس كل ظل يحرم القعود لقضاء الحاجة تحته، فقد قعد النبى مؤلم تحت حاتش
النخل لحاجته وله ظل بلا شك، ويدل له حديث أحمد ((أو ظل يستظل به) والحديث يدل على تحريم التخلى فى طرق الناس
وظلهم لما فيه أذية المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقداره (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود.
٣٤١ - قوله (وعن أبي قتادة) هو أبو قتادة الأنصارى السلمى فارس رسول اللّه مؤ لم، اسمه الحارث، وقيل: عمرو،
وقيل النعمان ، وقيل: عون بن ربعى بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة مكسورة، والمشهور الحارث بن ربعى بن
٥٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
فلا يتنفس فى الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه. متفق عليه.
٣٤٢ - (٨) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول مَّى: من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليؤتر.
متفق عليه.
٣٤٣ - (٩) وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء،
بلدمة، وهو من غلبت عليه كنيته. صحابى مشهور، شهد أحدا وما بعدها ولم يصح شهوده بدرا. توفى بالكوفة
سنة (٥٤) وهو ابن سبعين سنة، له مائة وسبعون حديثا اتفقا على أحد عشر، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بثمانية.
روى عنه جماعة (فلا يتنفس) بالجزم ولا ناهية فى الثلاثة ، وروى بالضم فيها على أن لا نافية، والمعنى لا يخرج نفسه
(فى الإناء) أى فى داخله لئلا يقل برودة الماء الكاسرة للعطش بحرارة النفس، أو كراهة أن ينحدر قذرة من نفسه ، بل
إذا أراد التنفس فيرفع فه عن الإناء فيتنفس ثم يشرب (وإذا أتى الخلاء فلا يمس) بفتح الميم على الأنصح (ذكره يمينه)
وفى رواية «إذا بال أحدكم فلا يمس ذکره یمینه، وفىالأخرى ((لا يمسکن أحدكم ذكره بيمنه وهو یبول، وهذه الروايات
كلها تدل على أن النهى عن مس الذكر باليمين مقيد بحالة البول، فيكون ما عداها مباحا ، ويحمل على هذا المقيد ما ورد
فى بعض الروايات من النهى المطلق عن مس الذكر باليمين لا تحاد المخرج والحديث. وقيل: يكون ممنوعا أيضا من باب
الأولى لأنه نهى عن ذلك مع مظنة الحاجة فى تلك الحالة، ويؤيد القول الأول حديث طلق بن على، وقد سأله منز له عن
مس ذكره فقال: إنما هو بضعة منك. لأنه يدل على الجواز فى كل حال، خرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقى ما
عداما على الإباحة ، وإنما خص النهى بحالة البول من جهة أن مجاور الشئى يعطى حكمه ، فما منع الاستنجاء باليمين
منع مس آلته حسما المادة (ولا يتمسح) بالسكون وضمها (بيمينه) أى لا يستنجى باليد اليمنى تكريما لليمين. والحديث دليل
على تحريم الأمور الثلاثة المذكورة، لأنه الأصل فى النهى ، ولا صارف له ، وحمله الجمهور على التنزيه (متفق عليه)
أخرجاه فى الطهارة والأشربة ، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم مطولا ومختصرا .
٣٤٢ - قوله (من توضأ فليستنثر) من الاستثمار وهو طرح الماء الذى يستنشفه، ولم يذكر الاستنشاق لأن ذكر
الاستنثار دلیل علیه، إذ لا يكون إلا منه. وفيه دليل على وجوب الاستنثار، وفيه خلاف وسیأتی الكلام فيه فى سنن
الوضوء إن شاء الله تعالى (ومن استجمر) أى استنجى بالجمرة أى الحجر (فليوتر) يشمل الإنقاء بالواحد أيضا لكن يحمل
هذا المطلق على المقيد فى الروايات الأخر. والمعنى فليوتربثلاث، أوخمس، أو سبع، أو غير ذلك، والواجب الثلاثة لتلك الروايات
وما زاد عليها مستحب لقوله: ومن لا فلا حرج (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه.
٣٤٣ - قوله (يدخل الخلاء) المراد بالخلاء ههنا الفضاء بقرينة العنزة، لأنه كان إذا توضأ صلى إليها فى الفضاء، أو
٥٣
مرعاة المفاتيح ج٢
٣- كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة، يستنجى بالماء. متفق عليه.
الفصل الثانى )
٣٤٤ - (١٠) عن أنس، قال: كان النبي ◌َّ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه رواه أبو داود والنسائى
والترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال أبو داود: هذا حديث منكر.
يستقر بها بأن يضع عليها ثوبا أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه، أو ينبش الأرض الصلبة لثلا
يرقد البول إليه، أو لغير ذلك من قضاء الحاجات التى تعرض له، ولأن خدمته فى البيوت تختص بأهله (وغلام) زاد فى رواية لمسلم
«تحوى، والغلام هو المترعرع، قيل: إلى حد السبع سنين، وقيل: إلى الالتحاء، ويطلق على غيره مجازا، قيل: أراد بالغلام الآخر
ابن مسعود، وأراد بقوله (نحوی) أی فی کونه كان يخدمه ،گللے ، فإن ابن مسعود كان صاحب سواد رسول الله ڕێے
يحمل فعله وسوا كه، أو أطلق عليه الغلام مجازا ، وقيل: هو أبو هريرة، وقيل جابر بن عبد الله، وفيه دليل على جواز
الاستخدام للصغير (إداوة) بكسر الهمزة أى مطهرة، وهى إناء صغير من جلد يتخذ الماء (من ماء) أى مملوءة منه (وعنزة)
بالنصب عطفا على إداوة، بفتح النون أطول من العصاء وأقصر من الرمح فيها سنان (يستنجى بالماء) يؤخذ منه ومن غيره
أنه وربّ كان يقتصر على الماء تارة وعلى الحجر أخرى، وكثيرا ما كان يجمع بينهما، قاله القارى. وفيه رد على من أنكر
أن يكون التي تَهل استجى بالماء وهو مالك ومن وافقه (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى.
٣٤٤ - قوله (إذا دخل الخلاء) أى أراد دخوله (نزع) أى أخرج من إصبعه (عاتمه) بفتح التاء، وقيل: بكسر ما لأن
فقشه «محمد رسول الله)) وفيه دليل على تبعيد ما فيه ذكر الله عند قضاء الحاجة، والقرآن بالأولى، حتى قيل: يحرم إدخال
المصحف فى الخلاء ثغیر ضرورة. قال الأمير الیمانی: هذا فعل منه ،ٹے ، وقد عرف وجهه، وهو صيانة ما فيه ذكر
الله عزوجل عن المحلات المستخبئة فدل على ندبه، وليس خاصاً بالخاتم بل فى كل ملبوس فيه ذكر الله - انتهى. وقال
الطبي: فيه دليل على وجوب تنحية المستجى اسم الله واسم رسوله والقرآن، قيل: فلو غفل عن تنحية ما فيه ذكر الله
حتى اشتغل بقضاء الحاجة ، أو خاف ضياءه، غيبه فى فمه، أو فى عمامته، أو نحوها (رواه أبو داود) إلخ. وأخرجه
أيضا ابن ماجه وابن حبان والحاكم كلهم من طريق همام عن ابن جريج عن الزهرى عن أنس (وقال) أى الترمذى
(هذا حديث حسن صحيح غريب) وافقه المنذرى فى تصحيحه وصوبه، وقال: رواته ثقات أثبات. وتبعه أبو الفتح
القشيرى فى آخر الاقتراح، ومال إلى تصحيحه موسى بن هارون، وصححه ابن حبان، وقال النووى فى الخلاصة: هذا أى
قصحيح الترمذى مردود عليه (وقال أبو داود: هذا حديث منكر) وقال النسائى: إنه غير محفوظ، وذكر الدار قطنى
الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه. والمنكر ما رواه الضعيف مخالفا الثقة، ومقابله المعروف، وهو ههنا حديث ابن
٥٤
٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
ب - باب آداب الخلاء
وفی روايته : وضع بدل نزع.
٣٤٥- (١١) وعن جابر، قال: كان النبى ، إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد.
جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهرى، عن أنس قال «إن التى تُوفّى اتخذ غاتما من ورق ثم ألقاء) والوهم فيه من حمام
كما قاله أبو داود، ولم يرو حديث أنس بلفظ «إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)) إلا همام، وقد خالف أصحاب ابن جريج.
وإطلاق المنكر على حديث همام هذا إنماهو على مذهب ابن الصلاح من عدم الفرق بين الشاذ والمنكر، وحكم النسائى عليه
بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شاذ فى الحقيقة على مذهب الجمهور من الفرق بين المنكر والشاذ، إذا المتفرد به
وهو همام، من شرط الصحيح، وثقه ابن معين وغيره ، وقال أحمد: ثبت فى كل المشائخ لكنه بالمخالفة صار حديثه
شاذا. وقد نوزع أبو داود فى حكمه على هذا الحديث بالنكارة مع أن رجاله رجال الصحيح، نازعه المنذرى وموسى بن
هارون وغيرهما ، قال موسى بن هارون: لا أدفع أن يكونا حديثين ، ومال أيضا إليه ابن حبان فصحح حديثين معا ،
وقد تابع هماما يحى بن الضريس البجلى، ويحى بن المتوكل البصرى، أخرجهما الحاكم والدارقطنى، وقد رواه عمرو بن
عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفاً على أنس ، وقال الماردنى فى الجوهر النقي: الحديثان مختلفان متنا وكذا سندا،
لأن الأول رواه ابن جريج عن الزهرى بلا واسطة. والثانى بواسطة، فانتقال الذهن من الحديث الذى قال أبو داود فيه:
إنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهرى، عن أنس قال «إن النبي تَّم اتخذ غاتما من ورق ثم ألقاه،
إلى حديث وضع الخاتم مع اختلافهما سندا ومنا كما بيناه، لا يكون إلا عن غفلة شديدة، وحال همام لا يحتمل مثل ذلك،
هذا مع أن له شاهدا أخرجه البيق، عن يحى بن المتوكل عن ابن جريج عن الزهرى عن أنس إلخ. وذكر الدار قطنى فى كتاب العلل:
أن يحى بن الضريس رواه عن ابن جريج كرواية حمام فهذه متابعة ثانية، وابن الضريس ثقة، فتبين بذلك أن الأمر فيه كما
ذكر الترمذى من الحسن والصحة - انتهى مختصرا. وقال الحافظ بعد بيان وجه حكم أبى داود على هذا الحديث بالنكارة
والكلام فى متابعة يحى بن المتوكل ما نصه: على أن للنظر مجالا فى تصحيح حديث همام لأنه مبنى على أن أصله حديث
الزهرى عن أنس فى اتخاذ الخاتم ، ولا مانع أن يكون هذا متنا آخر غير ذلك المتن، وقد مال إلى ذلك ابن جبان
فصححهما جميعا، ولا علةله عندى إلا تدليس ابن جريج فإن وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته - انتهى
وإن شئت مزيد التفصيل فارجع إلى التلخيص (ج ١: ص ٣٩) وعون المعبود (ج ١: ص ٩،٨) والجوهر النقى
(وفى روايته) أى أبى داود (وضع) أى من يده (بدل نزع) أى من إصبعه، ولا تفاوت واختلاف بينهما معنى.
٣٤٥ - قوله (البراز) أى الفضاء أو قضاء الحاجة بفتح الباء، والكسر لغة قليلة الفضاء الواسع من الأرض، ثم
كنوابه عن الغائط، يقال ((تبرز)) إذا تغوط وهو أن يخرج إلى البراز، كما قيل: تخلى إذا صار إلى الخلاء (انطلقى) أى
ذهب فى الصحراء (حتى لا يراه أحد) أى إلى أن يصل إلى موضع لا يراه فيه أحد. وفيه دليل على مشروعية التباعد
٥٥
.-------
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
رواه أبو داود.
٣٤٦ - (١٢) وعن أبى موسى، قال: كنت مع النى تَّم ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمئا فى
أصل جدار ، فبال. ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله. رواه أبو داود.
٣٤٧ - (١٣) وعن أنس، قال: كان النبي ◌َّ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
عند الحاجة عن حضور الناس إذا كان فى مراح من الأرض، ويدخل فى معناه الاستتار بالأبنية، وضرب الحجب،
وإرعاء الستر وأعماق الآبار والحفائر ونحو ذلك من الأمور السائرة العورات، وكل ما ستر العورة عن الناس
(رواه أبو داود) وسكت عنه، وفيه إسماعيل بن عبد الملك الكوفى قد تكلم فيه غير واحد، وقال الحافظ: صدوق کثیر
الوهم، وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وفيه أيضا إسماعيل بن عبد الملك، ويؤيده حديث المغيرة بن شعبة عند الترمذى و مححه ،
وأبي داود والنسائى وابن ماجه بلفظ: كان إذا ذهب المذهب أبعد.
٣٤٦ - قوله (ذات يوم) أى يوما وذات زائدة، وقيل: كنابة عن الساعة، أى كنت يوما أوساعة يوم معه عليه
الصلاة والسلام (دمثا) بفتح الدال وكسر الميم، قال الخطابي: الدمث المكان السهل الذى يجذب فيه البول فلا يرتد على .
البائل، يقال الرجل إذا وصف باللين والسهولة ((إنه لدمث الأخلاق، وفيه دماثة)) ويقال: دمث المكان كفرح دمئا أى
لان وسهل (فى أصل جدار) أى قريب منه (فليرتد) بسكون الدال المخففة من الارتياد، أى فليطاب مكانا مثل هذا
-فذف المفعول لدلالة الحال عليه . وفيه دليل على أنه ينبغى لمن أراد قضاء الحاجة أن يعمد إلى مكان لین سهل لا صلابة
فيه ليأمن من رجوع رشاش البول ونحوه عليه (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد ، والبيهقى. والحديث فى سنده
رجل مجهول ولذا ضعفه النووى، وهو وإن كان ضعيفا فأ حاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك، وقد روى الطبرانى
فى الأوسط عن أبى هريرة، قال: كان رسول ◌َّ يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله، قال الهيشمى (ج١: ص ٢٠٤): هو من
رواية يحى بن عبيد بن دجى عن أبيه، ولم أر من ذكرما ، وبقية رجاله موثقون.
٣٤٧ - قوله (إذا أراد الحاجة) أى قضاء الحاجة يعنى إذا أراد القعود للغائط أو البول (لم يرفع ثوبه) مبالغة
فى دوام التستر (حتى يدنو) أى يقرب (من الأرض) احترازاعن كشف العورة، وهذا من أدب قضاء الحاجة، ويستوى
فيه الصحراء والبفيان لأن فى رفع الثوب كشف العورة، وهو لا يسوغ إلا عند الحاجة، ولا ضرورة فى الرفع قبل القرب
من الأرض قاله الطبي، وقال الجزيرى: لميرفع ثوبه أى لم يتم رفعه حتى يدنو من الأرض، فيندب رفعه شيئا محافظة على
الستر ما لميضف تنجس ثوبه وإلا رفعه بقدر حاجته - انتهى، ويمكن أن يستنبط منه قولهم: ما أبيح للضرورة بتقدر بقدر
٥٦
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - بلب آداب الخلاء
رواه الترمذى وأبو داود والدارمى.
٣٤٨ - (١٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّهِ مَّى: إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، أعلكم:
إذا أنيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، وأمر بثلاثة أحجار. ونهى عن الروث
والرمة ، ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه. رواه ابن ماجه والدارمى.
الضرورة (رواه الترمذى وأبو داود والدارمى) أخرجه الترمذى والدارمى من طريق عبد السلام بن حرب عن الأعمش
عن أنس. وقال الترمذى: وروی و کیع واحانىعن الأعمش قال: قال ابن عمر ((كان التىلاے إذا أراد الحاجة) الحديث،
قال: وكلا الحديثين مرسل أى منقطع، لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك، ولا من أحد من أصحاب النبي ◌َ}. وأخرجه
أبو داود من طريق وكيع، عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر ((أن النبى مَّ كان)) الحديث، قال: رواه عبد السلام
ابن حرب، عن الأعمش عن أنس بن مالك وهو أى الحديث ضعيف أى لجهالة الراوى عن ابن عمر فى الأول، والانقطاع
فى الثانى. وأخرجه أيضا الطبرانى فى الأوسط عن جابر، قال الهيشمى: وفيه الحسين بن عبيد الله العجلى، قيل فيه: كان
يضع الحديث.
٣٤٨ - قوله (إنما أنا لكم مثل الوالد لولده) أى فى الشفقة (أعلم) كما يعلم الوالد ولده كل ما يحتاج إليه ولا
يالى بما يستحى بذكره، فهذا تمهيد لما يبين لهم من آداب الخلاء، إذ الإنسان كثيراما يستحى من ذكرها ، سيما فى مجلس
العظماء، وفى هذا بيان وجوب إطاعة الآباء، وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمور
دينهم (وأمر بثلاثة أحجار) لأن المطلوب شرعا الإنقاء والايتار، وهما يحصلان بثلاثة أحجار (ونهى عن الروث والرمة)
أیعن استعمالهما فىالاستنجاء. الروث رجیع ذواتالحوافر،ذكره صاحب الحكم وغيره، قال السندمى: والأشبه أن يراد
ههنا رجيع الحيوان مطلقا ليشمل رجيع الإنسان وذكر بإطلاق اسم الخاص على العام ، ويحتمل أن يقال: ترك ذكر
رجيع الإنسان لأنه أغلظ فيشمله النهى بالأولى، والرمة بكسر الراء وتشديد الميم، العظم البالى، ولعل المراد
ههنا مطلق العظم. ويحتمل أن يقال: العظم البالى لا ينتفع به فإذا منع عن تلويثه فغيره أولى، قاله السندهى. ويجوز
أن يكون الرمة جمع الرميم أى العظام البالية، قال فى شرح السنة: تخصيص النهى بهما يدل على أن الاستنجاء يجوز بكل
ما يقوم مقام الأحجار فى الإنقاء، وهو كل جامد طاهر قالع للنجاسة ، غير محترم من مدر وخشب وخرق وخزف
انتهى (أن يستطيب) أى يستنجى (الرجل) وكذا المرأة، قال الطبي: سمى الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة
وتطهيرها (رواه ابن ماجه والدارمى) بسند حسن، وأخرجه أيضا الشافعى وأحمد وأبو داود والنسائى وابن جبان
وابن خزيمة، وأبو عوانة فى صحيحه بألفاظ متقاربة، وسكت عنه أبو داود والنذرى.
٥٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
ـتّ اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت يده
٣٤٩ - (١٥) وعن عائشة، قالت : كانت يد رسول الله
اليسرى لخلاته وما كان من أذى. رواه أبو داود.
٣٥٠ - (١٦) وعنها، قالت: قال رسول اللّه مَّى: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة
أحجار يستطيب بهن ، فإنها تجزئى عنه. رواه أحمد وأبو داود والنسائى والدارمى.
٣٥١ - (١٧) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول اللّه مَ له: لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنها
٣٤٩ - قوله (الطهوره) بضم الطاء أى الوضوء، فيما لم يعهد فيه المقارنة، ويكون من باب التشريف بخلاف غسل
الوجه ومسح الرأس والأذن ، فإن المعهود فى هذه الأشياء قران اليسار باليمين (وطعامه) أى لأكله وشربه وما كان
من مكرم كالإعطاء، واللبس والسواك والتنعل والترجل والمصالحة، والاكتحال (لخلاءه) أى لأجل استنجاته فى الخلاء
(وما كان) تامة أى ما وجد ووقع (من أذى) من بيانية أى ما تستكرهه النفس الزكية كالمخاط والرعاف وخلع الثوب.
والظاهر أن إدخال الماء فى الأنف باليمين والامتخاط باليسار (رواه أبو داود) فى الطهارة، وأخرجه أيضا أحمد
والطبرانى كلهم من طريق إبراهيم النخعى عن عائشة، قال المنذرى: إبراهيم لم يسمع من عائشة فهو منقطع. وأخرجه
أبو داود من طريق أخرى عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة بمعناه. وأخرجه فى اللباس من حديث مسروق عن
عائشة، ومن ذلك الوجه أخرجه الشيخان والترمذى والنسائي وابن ماجه، ويأتى فى آخر الفصل الأول من سنن الوضوء.
٣٥٠ - قوله (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط) أى الخلاء (فليذهب) أمر وجوب (معه بثلاثة أحجار) الباء التعدية
(يستطيب) بالرفع مستأنف، علة للأمر أو حال بمعنى عازما على الاستطابة (بهن) الباء للآلة (فإنها) أى الأحجار
(تجزئ) من الاجزاء أی تکنی وقغنی، وفى بعض النسخ ((تجرى)) بفتح التاء وكسر الزاى بعده ياء، من جرى يجزى مثل
قضى يقضى وزنا ومعنى، قاله القارى (عنه) أى عن المستنجى ، أو عن الماء المفهوم من المقام، وهو الأظهر معنى.
والحاصل أن الاستطابة بالأحجار تكفى المستنجى، أو تكفى عن الماء وتنوب عنه، وإن بق أثر النجاسة بعد ما زالت عين
النجاسة وجرمها وذلك رخصة ، نفيه دليل على كفاية الأحجار وعدم وجوب الاستنجاء بالماء، وهو أيضا يدل على
وجوب الاستجمار بثلاثة أحجار لأن الإجزاء يستعمل غالبا فى الواجب (رواه أحمد) إلخ. وأخرجه أيضا الدارقطنى،
وقال: إسناده صحيح.
١
٣٥١ - قوله (فانها) وفى بعض النسخ فإنه. قال الطيبي: الضمير فى دفايه» راجع إلى الروث والنظام باعتبار
المذكور، كما ورد فى شرح السنة، وجامع الأصول، وفى بعض نسخ المصابيح. وفى بعضها وجامع الترمذى ((ظنته))
٥٨
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
زاد إخوانكم من الجن. رواه الترمذى والنسائى، إلا أنه لم يذكر: زاد إخوانكم من الجن.
٣٥٢ - (١٨) وعن رويفع بن ثابت، قال: قال لى رسول اللّه ◌َفقيل: يا رويفع! لعل الحياة ستطول
بك بعدى، فأخبر الناس أن من عقد لحيته ، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة ، أو عظم ،
فإن محمدا منه برئی. رواه أبو داود.
تالضمير راجع إلى العظام، والروث تابع لها، وعليه قوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها - ١١:٦٢)
انتهى. وقال ابن حجر المكى: وسكت عن الروث لأن كونه زادا لهم إنما هو مجاز، لما تقرر أنه لدوابهم ـ انتهى. وفى
رواية أحمد ومسلم فى قصة ذهابه إلى الجن وقراءته عليهم القرآن وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع
فى أيديكم أوفر ما يكون لهما، وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول اللّه مؤثّه: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام الجن
(زاد إخوانكم من الجن) قال الطبي: فيه أن الجن مسلمون حيث سماهم إخوانا وأنهم ليأكلون (رواه الترمذى) فى
الطهارة وفى التفسير (والنسائى) فى الطهارة. وأصل حديث ابن مسعود هذا عند مسلم ، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود
والدار قطنى والحاكم من طرق عنه.
٣٥٢ - قوله (وعن رويفع) بضم الراء وكسر الفاء تصغير رافع، بكسر الفاء، ابن ثابت بن السكن بن عدى بن
حارثة الأنصارى المدنى ، صحابى سكن مصر ، وأمره معاوية على طرابلس سنة (٤٦) فغزا إفريقية. قال أحمد بن البرقى
الفتيانى: توفى ببرقة سنة (٥٦) وهو أمیر عليها، وقد رأيت قبره بها . له ثمانية أحاديث، روى عنه حنش الصنعانى وبسر
ابن عبيد الله (لعل الحياة ستطول بك) الباء للإلصاق (بعدى) أى بعد موتى، وقد ظهر مصداق ذلك فطالت به الحياة
حتى مات سنة (٥٦) بإفريقية، وهو آخر من مات بها من الصحابة كما ذكره أبو زكريا بن مندة (فأخبر الناس) الفاء
جراء شرط محذوف والتقدير فإذا طالت فأخبر ، والمعنى: لعل الحياة ستمتد حال كونها ملتصقة بك، حتى ترى الناس
قد ارتكبوا أمورا من المعاصى يتجاهرون بها فإذا رأيت ذلك فأخبرهم (من عقد لحيته) قيل: هو معالجتها حتى تنعقد
وتتجعد. وقيل: كانوا يعقدونها فى الحرب فأمرهم بإرسالها، كانوا يفعلون ذلك تكبرا وعجبا، وقيل: هو فتلها كفتل الأعاجم
(أو تقلد وترا) بفتحتين وتر القوس، أو مطلق الحبل والخيط. قيل: المراد به ما كانوا يعلقونه عليهم وعلى أولادهم
وخيلهم من العوذ والتمائم التى يشدونها بتلك الأوتار، ويرون أنها تعصم من الآفات والعين. وقيل: النهى من جهة
تعليق الأجراس عليها. وقيل: الثلا تختنق الخيل عند شدة الركض (أو استنجى برجميع دابة) هو الروث والعذرة
(فإن محمدا منه برئى) هذا من باب الوعيد والمبالغة فى الزجر الشديد، وقوله منه برى هكذا فى بعض النسخ وكذا وقع
عند أبى داود، وفى بعض نسخ المشكاة («برئى منه، وهكذا وقع فى رواية النسائى (رواه أبو داود) فى الطهارة وسكت
عنه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا النسائى فى الزينة .
٥٩
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٢ - باب آداب الخلاء
٣٥٣ - (١٩) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مثل: من اكتحل فليوتر، من فعل فقد
أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج.
ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج.
ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كئيبا من رمل فليستدبره ، فإن الشيطان يلعب
بمقاعد بنى آدم ،
٣٥٣ - قوله (من ١ كتحل) أى أراد الاكتحال (فليوتر) أى ثلاثا متوالية فی کل عین ، وقيل: ثلاثا فی الیمنی
واثنين فى اليسرى ليكون المجموع وترا، والتثليث على من فعله مرتے ، فتی شمائل الترمذى أنه كانت له مكحلة يكتحل كل
ليلة ثلاثة فى هذه وثلاثة فى هذه (من فعل) كذلك (فقد أحسن) أى فعل فعلا حسنا ويثاب عليه، لأنه
سنة رسول اللّه مَّة (ومن لا) أى لا يفعل الوتر (فلا حرج) فيه دليل على أن أمره ◌َّ يدل على الوجوب وإلا لما
احتاج إلى بيان سقوط وجوبه بقوله لاحرج أى لا إثم، قاله الطبي (ومن استجمر فليؤتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا
حرج) هذا محمول على أن القطع على وتر سنة فيما إذا زاد على ثلاث جمعا بين النصوص، وقال الشوكانى: الأدلة
المتعارضة قد دلت على عدم جواز الاستجمار بدون ثلاث، وليس لمن جوز دليل يصلح للتمسك به فى مقابلتها - انتهى
وقد تقدم الكلام عليه فى شرح حديث سلمان من الفصل الأول (فما تخلل) ما شرطية أى أخرج من بين أسنانه بعود
ونحوه (فليلفظ) بكسر الفاء أى فليرم به وليخرجه من فمه، وهو جزاء قوله ما تخلل، والشرطية جزاء الشرط الأول
(وما لاك) عطف على ما تخلل ، واللوك إدارة الشئى فى الفم، قيل معناه أنه ينبغى للآكل أن يلق ما يخرج من بين
أسنانه بعود ونحوه لما فيه من الاستقذار، ويبتلع ما يخرج بلسانه، وهو معنى «لاك، لأنه لا يستقذر، ويحتمل أن
يكون المراد «بما لاك، ما يقى من آثار الطعام على لحم الأسنان وسقف الحلق وأخرجه بإدارة لسانه، وأما الذى يخرج
من بين أسنانه غيرميه مطلقا سواء أخرجه بعود أو باللسان لأنه يحصل له التغير غالبا (من فعل) أى ما ذكر من رمى ذاك
وابتلاع هذا (ومن أتى الغائط) أى الخلاء (فليستتر فإن لم يجد) أى شيئا ساترا (إلا أن يجمع كئيبا) أى كومة (من رمل
فليستدبره) أی لیجعله خلفه ٹلا يراه أحد ، قال الطیی: الاستثناء متصل أی فإن لم يجد ما يستتر به إلا جمع کثیب من
رمل فليجمعه ويستدبره لأن القبل يسهل ستره بالذيل ونحوه (فإن الشيطان يلعب بمقاعد بنى آدم) أى يقصد الإنسان
بالشر فى تلك المواضع، يعنى يحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد، لأنها موضع يهجر ذكر الله فيه ، فأمر
بستر العورات ما أمكن، والامتناع من التعرض لأبصار الناظر، وهبوب الرياح، وترشش البول على ثيابه وبدنه،
٦
مـ