Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌ِ اللهِ العَى الشَّة
(٣) كتاب الطهارة
( الفصل الأول ):
٢٨٣- (١) عن أبى مالك الأشعرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطهور
(كتاب الطهارة) الطهارة لغة: النظافة والنزاهة من كل عيب حسى أو معنوى، وشرعا: طهارة البدن من النجاسة
الحكمية، أى الحدثين الأكبر والأصغر، وطهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة الحقيقة أى الأخبات وفضلات الأعضاء
ولما كان العمل نتيجة العلم، وبعد العلم يكون العمل، وأفضل الأعمال البدنية الصلاة، ولا يتوصل اليها إلا بالطهارة عقب كتاب
العلم بكتاب الطهارة. وينبغى بل يجب للطالب أن يرجع لمعرفة أسرار الدين ومصالح أحكامه إلى إعلام الموقعين الامام ابن قيم،
وحجة الله البالغة، وأحياء علوم الدين مع تخريج أحاديثه العراقى، والحصون الحميدية للجسر، وغير ذلك من كتب هذا الفن.
٢٨٣ - قوله (عن أبى مالك الأشعرى) أختلف فى اسمه فقيل: عبيد. وقيل: عبيد الله. وقيل: عمرو. وقيل: كعب
ابن كعب. وقيل: عامربن الحارث. وقيل: الحارث بن الحارث: وقيل: غير ذلك. حابى، مات فى خلافة عمر فىطاعونعمواس
سنة (١٨). وقال الحافظ فى المقدمة: لا يعرف اسمه، وهو من رواة مسلم، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه، وله عند
البخارى تعليقاً روى عنه عبد الرحمن بن غنم الأشعرى، وربيعة الجرشى، وأبو سلام مطور الأسود وغيرهم، وروى أبو
سلام أيضاً عن عبد الرحمن بن غنم عنه. وفى الصحابة أبو مالك الأشعرى اثنان غير هذا: أحد هما الحارث بن الحارث الأشعرى
الشامى من رواة الترمذى والنسائى، تفرد بالرواية عنه أبو سلام مطور الأسود، أخرجله الترمذى والنسائیحدیثا قدسیا
طويلا جامعا لأنواع من العلوم، وهو حديث: إن الله أمريحيى بن زكريا بخمس كلمات. والثانى كعب بن عاصم الأشعرى
نزل الشام ومصر، له حديثان فقط: أحدهما ماروته أم الدرداء عنه مرفوعا: ليس من البر الصيام فى السفر. أخرجه
أحمد، والنسائى، وابن ماجه، وغيرهم. والحديث الثانى: ماروى جابر بن عبد الله عنه أنه رأى النبي مؤكّم يخطب عند
الجمرة أوسط أيام النحر. أخرجه البغوى، وابن السكن وهو أى أبو مالك كعب بن عاصم الأشعرى من رواة النسائى
وابن ماجه فقط ليس له عند غير هما من أصحاب الكتب الستة شىء. وقال المصنف فى الاكمال أبو مالك الأشعرى راوى
حديث: ((الطهور شطر الإيمان)) هو كعب بن عاصم الأشعرى، كذا قال البخارى فى التاريخ وغيره. وقيل: هو الحارث بن
الحارث الأشعرى المتقدم الذى روى الحديث القدسى الطويل. والراجح عندى أنه غيرهما أعنى هوأبو مالك
الأشعرى الذى أختلف فى اسمه حتى قال الحافظ فى المقدمة فيه: أنه لا يعرف اسمه، فليس هو الحارث بن الحارث الأشعرى،
لأن هذا قد تأخرت وفاته، وأما أبو مالك الأشعرى المختلف فى اسمه فقد تقدم أنه توفى فى خلافة عمر. وليس هو
كعب بن عاصم أيضاً لأنه لميرو عنه غير أم الدرداء وجابر بن عبدالله، والله أعلم (الطهور) بضم أوله على الأفصح،

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣- كتاب الطهارة
شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين
السماوات والأرض،
والمراد به المصدر أى التطهر، وروى بالفتح على حذف المضاف، أى استعماله، وفى بعض الروايات الوضوء بدل
الطهور (شطر الإيمان) أى نصفه، قيل: المراد به الترغيب فى الطهور، وتعظيم ثوابه، حتی کانه بلغ إلى نصف
ثواب الإيمان. وقيل: الإيمان يكفر الصغائر والكبائر والوضوء لا يكفر إلا الصغائر، فكان فى مرتبة
نصف الإيمان. وقيل: المراد بالإيمان الصلاة ، ولا تصح الصلاة إلا بالطهارة فصارت كالشطر. وتوضيحه
أن صحة الصلاة باستجماع الشرائط الخارجة عنها ، والأركان الداخلة فيها. والطهارة أقوى الشرائط وأعظمها . لجعلت
كأنها لا شرط سواها، واعتبرت الأركان والشرائط نصفا، والطهارة وحدها نصفا آخر على سيل المبالغة والإدعاء.
وقيل: المراد بالطهورههنا التخلية عن الرذائل من العقائد الزائغة، والأخلاق الذميمة، والجرائم، والآثام، والأحداث
والأخباث. ومن المعلوم أن الإيمان موجب التخلية عن الرذائل، والتحلية بالفواضل، فيكون الطهور شطر الإيمان.
ويرد هذا الاحتمال رواية ((الوضوء شطر الإيمان، وكذا رواية إسباغ الوضوء. وقيل: المراد بالشطر الجزء، والمعنى
أن الطهارة جزء من أجزاء الإيمان، وركن من أركان الإسلام، وقد تقدم أن الأعمال من أجزاء الإيمان.
وهذا أيضا ضعيف يرده حديث رجل من بنى سليم بلفظ ((الطهور نصف الايمان)) وأيضاً إنما يعرف استعمال الشطر لغة
فى النصف (والحمد لله) أى تلفظه (تملاً) بالتأنيث على تأويل الكلمة أو الجملة، وروى بالتذكير على إرادة اللفظ.
والكلام، أو المضاف المقدر أى ثوابها لو قدر مجسما لملاً (الميزان) فمعناه بيان عظم أجرها وأن ثوابها يملأ الميزان،
أو محمول على أن الأقوال والأعمال والمعانى تتجسد يوم القيامة عند الوزن، وقد تظاهرت نصوص الشرع من القرآن
والسنة على وزن الأعمال ، وثقل الموازين وخفتها، وأما القول بأن الأعمال والأقوال أعراض مستحيلة البقاء، غير
متصفة بالثقل والخفة، فمن هفوات الأهفاء وسقطات الحمقاء، قد أبطلها وحقق خلافها الفلسفة الحديثة الجديدة. وقال
السندى: ولعل الأعمال تصير أجساما لطيفة نورانية لا تزاحم بعضها ولا تزاحم غيرها أيضا، كما هو المشاهد فى الأنوار،
إذ يمكن أن يسرج ألف سراج فى بيت واحد مع أنه يمتلأ نورا من واحد من تلك السرج، لكن لكونه لا يزاحم
يجتمع معه نور الثانى ونور الثالث، ثم لا يمنع امتلاء البيت من النور جلوس القاعدين فيه لعدم التزاحم، فلا يرد أنه
كيف يتصور ذلك مع كثرة التسبيحات والتقديسات، مع أنه يلزم من وجوده أن لا يبقى مكان الشخص من أهل
المحشر، ولا لعمل آخر متجسد مثل تجسد التسبيح وغيره (ملآن) أى هاتان الجملتان (أو تملاً) أو الشك من الراوى
والضمير فى ((تملاً)) للجملة الشاملة لهما، ويمكن أن يكون الافراد بتقدير كل واحدة منهما (ما بين السماوات والأرض)
معناه لو قدر ثوابهما جسما لملاً ما بين السماوات والأرض، وسبب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله:
سبحان الله، والتفويض والافتقار إليه بقوله: الحمد لله، وقد أوضحه الشيخ عبد الحق الدحلوى فى أشعة اللغات، فارجع إليها

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
والصلاة نور. والصدقة برهان. والصبر ضياء، والقرآن حجة لك وعليك. كل الناس يغدو: فبائع
نفسه، فمعتقها أو موبقها. رواه مسلم.
(والصلاة نور) لتأثيرها فى تنوير القلوب وإشراح الصدور وإشراق أنوار المعارف وكشف الحقائق لفراغ القلب فيها ،
وقيل: لأنها تمنع من المعاصى والشهوات، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدى إلى الصواب كما أن النور يستضاء به،
وقيل: يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة. وقيل: إنها تكون نورا فى ظلمة القبر، وقيل إن الصلاة تكون نورا
ظاهرا على وجهه يوم القيامة ، ويكون فى الدنيا أيضا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصل (والصدقة برهان) أى دليل
واضح على صدق صاحبه فى دعوى الايمان إذ الإقدام على بذله خالصا لله لا يكون إلا من صادق فى إيمانه ، وقيل:
معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين فى جواب
هذا السؤال، فيقول تصدقت به، ويجوز أن يوسم المتصدق بسيما يعرف بها، فيكون برهانا له على حاله ، ولا يمثل عن
مصرف ماله (الصبر) على الطاعة ، وعن المعصية، وفى النائبات، وأنواع المكاره فى الدنيا ، (ضیاء) أی نور قوى ، شديد
كامل، فإن الضياء أقوى من النور، قال تعالى: (هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نوراً - ٥:١٠) وذلك لأن
الصبر أوسع من الصلاة، لأن كل واحدة من الواجبات والخطورات تحتاج إلى الصبر، بل مناط جميع أمور الدين على
الصبر. وقيل معناه: الصبر المحمود المحبوب فى الشرع، لا يزال صاحبه مستضيتا مهتديا مستمرا على الصواب، وقيل:
المراد بالصبر الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة والصدقة، وهو لكونه قهراعلى النفس، قامعا لشهواتها له تأثير عادة فى تنوير
القلوب بأتم وجه، وقيل: خص الصبر بالضياء على تفسيره بالصوم لتخصيصه بالنهار كتخصيص الشمس به لا لمزية
الصوم على الصلاة (والقرآن حجة لك) أى تنتفع به إن عملت به (وعليك) أى إن أعرضت عنه، أو قصرت فيه بترك
العمل بما فيه (كل الناس يغدو) أى يصبح أو يسير ، وهى جملة مستأنفة، جواب ما يقال: قد تبين الرشد مما تقدم ، فا
حال الناس؟ فأجيب بأن كلهم يغدو أى يسعى ويعمل، فيبيع نفسه من اللّه أو من الشيطان، فالأول أعتقها، لأن الله
اشترى أنفسهم، والثانى أوبقها {ولبئس ما شروا به أنفسهم - ٢: ١٠٢) وقال النووى معناه كل إنسان يسعى
بنفسه، فنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته، فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما فيوبقها أى
ہلکها ،وقوله (فائع) خبر لمبتدأ محذوف ، أی نھو بائع أی باذل نفسه ، فمن بذلها فى طاعة الله ، فهو معتقها ، ومن
بذلها فى هوى نفسه فهو مهلكها، وقوله: فمعتقها، قال الطبي: الفاء فيه للسبية وهو خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون بدل
البعض من قوله فبائع (رواه مسلم) فى أول الطهارة، وأخرجه أيضا أحمد ، والترمذى فى الدعوات، والنسائى فى الزكاة،
وابن ماجة فى الطهارة إلا أنهما قالا: إسباغ الوضوء شطر الإيمان. والحديث أخرجه مسلم، وأحمد، والترمذى من
طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبى سلام ، عن أبى مالك الأشعرى، وأخرجه النسائى، وابن
ماجِهٍ من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبى سلام، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبى مالك
٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
وفى رواية: لا إله إلا الله والله أكبر، تملآن ما بين السماء والأرض». ثم أجد هذه الرواية فى
الصحيحين، ولا فى كتاب الحميدى، ولا فى الجامع، ولكن ذكرها الدارمى بدل سبحان الله والحمد لله.
٢٨٤ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مؤلّى: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا.
ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى
المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط.
الأشعرى، فتكلم الدارقطنى وغيره فى رواية مسلم، فقالوا: هى منقطعة، لسقوط عبد الرحمن بن عم فيها بين أبى سلام
وأبى مالك، قال النووى: ويمكن أن يجاب لمسهم عن هذا بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبى سلام لهذا الحديث
من أبى مالك فیکون أبو سلام سمعه من أبى مالك،وسمعه أيضا من عبدالرحمن بن غنم عن أبى مالك فرواه مرة عنه ومرة عن
عبد الرحمن عنه (وفى رواية لا إله إلا الله والله أكبر تملآن ما بين السماء والأرض) هذا قول صاحب المصابيح. قال صاحب
المشكاة (لم أجد هذه الرواية) أى التى أوردها صاحب المصابيح فى ما ذكر فى قوله من الصحاح (فى الصحيحين) أى مننيها
(ولا فى كتاب الحميدى الجامع بين الصحيحين (ولا فى الجامع) أى للأصول السنة (ولكن ذكرها) أى هذه الرواية
(الدارمى) يعنى التزم صاحب المصابيح أن يكون جميع ما ذكر فى قوله من الصحاح المعبر عنه بالفصل الأول مما أخرجه
الشيخان أو أحدهما ، وهذه الرواية ليست فى أحدهما، فإيرادها فى الصحاح خلاف لما التزمه، وقد يجاب بأن الالتزام
إنما هو فى أصول الأحاديث، وأما هذه فانما هى زيادة إفادة متفرعة على أصل الحديث الموجود فى صحيح مسلم والله أعلم.
٢٨٤ - قوله (ألا أدلكم) الهمزة للاستفهام، ولا نافية، وليس إلا للتنبيه بدليل قولهم: بلى (يمحوالله به الخطايا)
أى يغفرها، أو يمحوها من كتب الحفظة، ويكون ذلك المحو دليلا على عفوه تعالى ومغفرته، والمراد بالخطايا الصغائر،
مما يتعلق بحقوق الله. (يرفع به الدرجات) أى يعلى به المنازل فى الجنة، ويحتمل رفع الدرجات فى الدنيا أيضا (قالوا بلى)
فائدة السؤال والجواب أن يكون الكلام أوقع فى النفس بحكم الابهام والتين (إسباغ الوضوء) أى إكماله بتطويل الغرة
والتحجيل و والتثليث والدلك. (على المكاره) جمع مكره، بفتح الميم من الكره بمعنى المشقة، كبرد الماء، وألم الجسم،
والاشتغال به مع ترك أمور الدنيا. قيل: ومنها الجد فى طلب الماء مع إعزازه وشراءه بالثمن الغالى. (وكثرة الخطى
إلى المساجد) إما لبعد الدار، او على سبيل التكرار، والخطا بضم الخاء جمع خطوة وهي ما بين القدمين (وانتظار الصلاة)
بالجلوس لها فى المسجد ، أو تعلق القلب بها والتأهب والاهتمام لها مع اشتغاله بكسبه فى بيته، كما ورد «ورجل قلبه معلق
بالمسجد إذا خرج منه، حتى يعود)، (فذلكم) الاشارة إلى ما ذكر من الأعمال الثلاثة، وقيل: إلى انتظار الصلاة (الرباط)
المرغب فيه، أو أفضل أنواع الرباط، كما قيل: الجهاد جهاد النفس، أو الرباط التيسر الممكن، أى أنه من أنواع الرباط، أو

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣- كتاب الطهارة
وفى حديث مالك بن أنس: فذلكم الرباط فذلكم الرباط مرتين. رواه مسلم. وفى رواية الترمذى ثلاثاً .
٢٨٥ - (٣) وعن عثمان، قال: قال رسول اللّه مَّى: من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من
جسده حتى تخرج من تحت أظفاره. متفق عليه ..
أراد أن ثوابه كثواب الرباط. وقيل: أصل الرباط ملازمة ثغر العدو لمنعه، والمعنى أن هذه الأعمال هى المرابطة
الحقيقة المذكورة فى قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا - ٤: ٢٠٠) لأنها تسد طرق الشيطان
عنه، وتمنع النفس عن الشهوات، وعداوة النفس والشيطان لا تخفى، فهذا هو الجهاد الأكبر الذى فيه قهر أعدى عدوه فلذلك
قال: فذلكم الرباط)، بالتعريف، أى هو الذى يستحق أن يسمى رباطا، والتكرار تعظيما لشأنه (وفى حديث مالك بن أنس)
إمام دار الهجرة، صاحب المذهب، راوى الحديث فى سند مسلم (فذلكم الرباط فذلكم الرباط مرتين) وفى بعض النسخ ردد
مرتين ، أى كرر ((فذلكم الرباط) مرتين والذى فى صحيح مسلم ((وفى حديث مالك ثنتين فذلكم الرباط فذلكم الرباط، قال
النووى: هكذا هو فى الاصول ((ثنتين)) وهو صحيح ونصبه بتقدير فعل أى ذكر ثنتين أو كرر ثنتين انتهى. وهذا قول مسلم
صاحب الصحيح، قاله بناء على رواية معن عنده ، وإلا فأكثر المؤطات ثلثا (رواه مسلم) فى الطهارة، وأخرجه أيضا
مالك، وأحمد، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه بمعناه (وفى رواية الترمذى ثلثا) أخرجه الترمذى أولا من طريق
على بن حجر ، وذكر فيه ((فذلكم الرباط)) مرة، ثم رواه من طريق قية: وقال: قال قية: فذلكم الرباط ثلثا) أى ذكره
ثا تأ كيدا أو تعظيما لشأنه، ولزيادة الحث عليه.
٢٨٥ - قوله (فأحسن الوضوء) بضم الواو، والفاء لتفسير كيفية الوضوء على أحسن وجه بمراعاة سننه وآدابه،
والمعنى من أراد الوضوء وشرع فيه فأحسنه (خرجت خطاياه) هو محمول على الحقيقة بناء على أن الخطايا جواهر متعلقة
يدن الإنسان تتصل به وتنفصل عنه، لا أعراض كما قيل، قال السيوطى فى قوت المغتذى: الظاهر حمله على الحقيقة،
ثم حقق ذلك بأحاديث تدل على أن الذنوب جواهر وأجسام، ووافقه شيخنا فى شرح الترمذى ، لكن جعله السيوطى
من عالم المثال، وعندنا ينبغى تفويض أمثال هذه الأمور إلى الله تعالى. وقيل: هو تمثيل وتصوير لبراءة البدن عن
الذنوب ومجاز عن غفرانها. ثم الظاهر عموم الخطايا، والعلماء خصصوها بالصغائر المتعلقة بحقوق اللّه للتوفيق بين الأدلة
فإن منها ما يقتضى الخصوص كما سيأتى (من جسده) أى جميع بدنه أو أعضائه (حتى تخرج من تحت أظفاره) أى مثلا ،
والأظفار جمع ظفر بضمتين (متفق عليه) قلت تفرد مسلم بهذا اللفظ، ولذا اقتصر المنذرى فى الترغيب. على عزوه لمسلم.
وقال القارى: قال عبد العزيز الأبهرى فى منهاج المشكاة فيه: أنه من أفراد مسلم. وقال ابن حجر المكى: كذا فى جامع
الأصول. واقتصر شيح الاسلام الحافظ ابن حجر العسقلانى فى «هداية الرواة إلى تخريج المصابيح والمشكاة، على
عزوه لمسلم انتهى. وأخرجه أيضا أحمد، والنسائى، وابن ماجة بنحوه مختصرا.

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣- كتاب الطهارة
٢٨٦ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَثٍ: إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن -
فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أومع آخر قطر الماء - فإذا غسل
يديه، خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل
رجليه، خرج كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيا من الذنوب.
رواه مسلم.
٢٨٧ - (٥) وعن عثمان، قال: قال رسول اللّه معرفتى: ما من امرئى مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن
وضوءها وخشوعها وركوعها،
٢٨٦ - قوله (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن) شك من الراوى فى لفظ النبوة، وإلا فهما مترادفان شرعا.
والمؤمنة فى حكم المؤمن (فغسل وجهه) عطف على توضأ عطف تفسير، أو المراد إذا أراد الوضوء (خرج من وجهه)
جواب إذا ( كل خطيئة نظر إليها) أى إلى الخطيئة يعنى إلى سيبها، إطلاقا لاسم المسبب على السبب مبالغة (بعينيه)
تأكيد. وسبب التخصيص بالعين مع أن الوجه مشتمل على الأنف والفم هو أن كلا من الفم والأنف، وكذا الأذن
له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه، فكانت متكفلة بإخراج خطاياه، بخلاف العين ، فإنه ليس لها طهارة إلا
فى غسل الوجه، لخصت خطيئتها بالخروج عند غسله دون غيرها مما ذكر، وسيأتى فى الفصل الثالث حديث عبد الله
الصنابجى وهو صريح فى ذلك (مع الماء) أى مع انفصاله (أو مع آخر قطر الماء) أو الشك من الراوى (كل خطيئة
كان بطشتها) أى أخذت (يداه) كملامسة المحرمة، ويدخل فيه كتابة إثم (كل خطيئة مشتها) الضمير الخطيئة، ونصبت
بنزع الخافض، أى مشت إلى الخطيئة، أو فى الخطيئة، أو يكون مصدرا أى مشت المشية (نقيا من الذنوب) أى ذنوب
أعضاء الوضوء، أو جميع الذنوب من الصغائر (رواه مسلم) وأخرجه أيضا مالك، والترمذى، وليس عندهما غسل
الرجلين .
٢٨٧ - قوله (ما من امرئى مسلم) من زائدة لتأكيد النص على العموم (فيحسن وضوءها) بمراعاة السنن والآداب.
والمكملات (وخشوعها) باتيان كل ركن على وجه هو أكثر تواضعا وإخباتا وتضرعا، ظاهرا وباطنا بالقلب والجوارح
(وركوعها) اكتفى بذكر الركوع عن السجود لأنهما ر كنان متابعان فإذا حث على إحسان أحدهما حث على الآخر،
وفى تخصيصه بالذكر تنبيه على أن الأمر فيه أشد، فافتقر إلى زيادة توكيد، لأن الراكع يحمل نفسه فى الركوع، ويتحامل
فى السجود على الأرض. وقيل: خص الركوع بالذكر لاستتباعه السجود إذ لا يستقل عباده وحده ، بخلاف السجود

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، مالم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله. رواه مسلم.
٢٨٨- (٦) وعنه، أنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا،
ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم غسل يده اليسرى
فإنه يستقل عبادة، كسجود التلاوة والشكر. وقيل: تخصيص الركوع لأنه من خصائص المسلمين، فأراد التحريض
عليه، ولعل هذا فى الأغلب لقوله تعالى في شأن مريم (واسجدى واركتى مع الرا كعين - ٤٣:٣) وقيل: معناه
انقادى وصلى مع المصلين، فلا إشكال (إلا كانت) أى الصلاة (ما لم يؤت) بكسر التاء معلوما من الإيناء وقيل
مجهول، أى ما لم يعمل، وضع الايتاء موضع العمل (كبيرة) بالنصب لا غير، كأن الفاعل يعطى العمل من نفسه،
أو يعطيه غيره من الداعى أو المحرض عليه، فهو على حد (ثم سئلوا الفتنة لآتوها - ٣٣: ١٤) بالمد أى لأعطوما
من أنفسهم، ثم ظاهره أن كون الصلاة كفارة الذنوب مشروط بعدم إتيان الكبائر، فإن أتى بالكبائر لم يكفر
صغائره، وهو الظاهر من قوله تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سياتكم - ٤: ٣١) لكنهم قالوا معناه:
أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر. قال النووى: هذا هو المراد، والأول وإن كان محتمل العبارة فسياق
الحديث بأباه، والكبائر إنما يكفرما التوبة، أو رحمة الله تعالى وفضله، وقد يقال: إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟
وإذا كفرت الصلاة فاذا تكفر الجماعات وغيرها مما ورد فى الأحاديث من مكفرات الذنوب؟ وأجيب بأن كل واحد
من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفر من الصغائر كفره، وإن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادف
سغيرة يغنى غير مكفرة رجونا أن يخفف من الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعته
به درجات، (وذلك) أى التكفير بسبب الصلاة (الدهر) بالنصب على الظرفية، ومجله الرفع على الخبرية، أى ذلك
الحكم من التكغير حاصل ومستمر فى جميع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان (كله) تأكيد الدهر (رواه مسلم) هو
من مفاريد مسلم لم يروه بهذا اللفظ غيره.
٢٨٨ - قوله (فأفرغ) من الإفراغ عطف بيان وتفسير أى صب الماء (على يديه) أى فنسلهما إلى رسغيه وفى
رواية كفيه، والمراد غسل اليدين إلى الرسغين. وفيه دليل على غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ولو لم يكن عقب نوم
احتياطا. وفى الحديث الترتيب فى أعضاء الوضوء للإتيان ثم فى جميعها (واستثر) الاستثمار هو إخراج الماء من الأقف
بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء بالنفس إلى الأقصى، ويدل عليه الرواية الأخرى ((استنشق واستنثر، الجمع بينهما، وهو
مأخوذ من النثرة وهو طرف الأنف، قال الحافظ: لم أر فى شئى من طرق هذا الحديث تقيد ذلك بعدد، نعم، ذكره
ابن المنذر من طريق يونس عن الزهرى، وكذا ذكره أى تقيد المضمضة والاستنشاق بثلاث أبو داود من وجهين آخرين
٧

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
إلى المرفق ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ثم اليسرى ثلاثا، ثم قال: رأيت
رسول اللّه مع توضأ نحو وضوئى هذا. ثم قال: من توضأ نحو وضوئى هذا، ثم يصلى ركعتين
لا يحدث نفسه فيهما بشىء غفرله ما تقدم من ذنبه. متفق عليه. ولفظه للبخارى.
٢٨٩ - (٧) وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول اللّه مَّ: ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه،
عن عثمان (إلى المرفق) بكسر الميم وفتح الفاء «وإلى، بمعنى مع عند الجمهور (ثم مسح برأسه) ليس فى شئ من طرق
هذا الحديث فى الصحيحين ذكر عدد المسح، فالظاهر الاكتفاء بالمرة الواحدة، وهو مذهب الجمهور (ثم قال) أى
التى تُؤَّ (من توضأ نحو وضوئى هذا) أى جامعا الفرائضه وسننه، وقوله (نحو وضوئى هذا، كذا وقع فى الصيام من نسخ
البخارى الموجودة عندنا، وقال الحافظ فى شرح كتاب الوضوء: ((والبخارى فى الصيام من رواية معمر: من توضأ وضوئى
هذا، أى بترك حرف التشيه (ثم يصلى ركعتين) فيه استحباب ركعتين عقب كل وضوء، ولو صلى فريضة حصلت له
هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك (لا يحدث فيهما نفسه بشئى) من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة ولو عرض
له حديث فأعرض عنه لمجرد عروضه، عنى عنه ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة، لأن هذا ليس من فعله وكسبه، وقد عفى
لهذه الأمة عن الخواطر التى تعرض ولا تستقر. وقال الحافظ: المراد ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرأ قطعه، لأن
قوله «يحدث، يقتضى تكسبا منه فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه فذلك معفو عنه. وقال السندهى:
أى يدفع الوسوسة مهما أمكن. وقيل: يحتمل العموم إذ ليس هو من باب التكليف حتى يجب دفع الحرج والعسر، بل من
باب ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، أى من باب الوعد على العمل ، فمن حصل منه ذلك العمل يحصل له ذلك
الثواب، ومن لا فلا . نعم، يجب أن يكون ذلك مكن الحصول فى ذاته وهوهنا كذلك، فإن المتجردين عن شواغل الدنيا
يتأتى منهم هذا العمل على وجهه. انتهى (غفر له ما تقدم من ذنبه) حملوه على الصغائر، لكن كثير من الأحاديث يقتضى
أن مغفرة الصغائر غير مشروطة بقطع الوسوسة، فيمكن أن يكون الشرط لمغفرة الذنوب جميعا قاله السندهى. ثم إنه
يفهم من هذا الحديث أن غفران الذنوب مرتب على الوضوء الموصوف بتلك الصفة، وصلاة ركعتين لا يحدث فيهما نفسه
بشئى، ومن الحديث المتقدم ترتبه على مجرد الوضوء، ويمكن أن يقال كل منهما مكفر ، أو الوضوء المجرد مكفر لذنوب
أعضاء الوضوء، ومع الصلاة مكفر لذنوب جميع الأعضاء أو الوضوء مكفر للذنوب الظاهرة، ومع الصلاة مكفر الذنوب
الظاهرة والباطنة (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى (ولفظه البخارى) أى فى باب السواك الرطب واليابس
الصائم من كتاب الصيام.
٢٨٩ - قوله (وعن عقبة) بضم عين وسكون قاف (بن عامر) الجهنى صحابى مشهور، اختلف فى كنيته على سبعة
أقوال، أشهرها أبوحماد، اختط البصرة، وولى إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وحضر معه بصفين، وولى غزو البحر،
٨

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
ثم يقوم فيصلى ركعتين، مقبلا عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة. رواه مسلم.
٢٩٠ - (٨) وعن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال: قال رسول اللّه مَّ: ما منكم من أحد
يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله - وفى
رواية: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - إلا فتحت له
أبواب الجنة الثمانية ،
وكان فصيحا ، شاعرا، مفوها، كاتبا، قارئا لكتاب الله، عالما بالفرائض والفقه، قديم الهجرة، والسابقة، والصحبة، مات
سنة (٥٨) بمصر، ودفن بالمقطم، له خمسة وخمسون حديثا، اتفقا على سبعة، وانفرد البخارى بحديث، ومسلم بتسعة، روى
عنه خلق كثير (ثم يقوم) حقيقة أو حكما سيما إذا كان بعذر، فإطلاقه جرى على الغالب لا أنه قيد احترازى، وثم للترقى
(مقبلا عليهما بقلبه ووجهه) الإقبال بالقلب أن لا يغفل عنهما ولا يتفكر فى أمر لا يتعلق بهما ويصرف نفسه عنه مهما أمكن،
والإقبال بالوجه أن لا يلتفت به إلى جهة لا يليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه الخشوع والخضوع، فإن الخشوع فى
القلب والخضوع فى الأعضاء، قال السندهى: يمكن أن يكون هذا الحديث بمنزلة التفسير لحديث عثمان (وهو من توضأ نحو
وضوئى، إلخ وعلى هذا فقوله ((أحسن الوضوء) هو أن يتوضأ نحو ذلك الوضوء. وقوله فى حديث عثمان: ((لا يحدث
نفسه فيهما، هو أن يقبل عليهما بقلبه ووجهه. وقوله فى ذلك الحديث ((غفر له)) إلخ، أريد به أنه يجب له الجنة، ولا
شك أن ليس المراد دخول الجنة مطلقا فإنه يحصل بالإيمان، بل المراد دخولا أوليا، وهذا يتوقف على مغفرة الصغائر
والكبائر جميعا، بل مغفرة ما يفعل بعد ذلك أيضا، نعم لا بد من اشتراط الموت على حسن الخاتمة، وقد يجعل هذا
الحديث بشارة بذلك أيضا. انتهى (إلا وجبت له الجنة) أى أنه تعالى يدخله الجنة بفضله بحيث لا يخالف وعده،
كمن وجب عليه شئى (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى.
٢٩٠ - قوله (ما منكم) من بيانية (من أحد) مبتدأ ومن زائدة (فيبلغ) من الابلاغ (أو فيسبغ) من الاسباغ
وأولئك (الوضوء) بفتح الواو وقيل بضمها أى ماء الوضوء، والمراد بإبلاغ الوضوء أو إسباغه هو أن يتم الوضوء
ويكله فيوصله مواضعه على الوجه المسنون (ثم يقول) أى عقيب وضوءه (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداعبده ورسوله)
قال الطبى: قول الشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله، وطهارة القلب من الشرك والرياء ، بعد طهارة
الأعضاء من الحدث والخبث (إلا فتحت له) هو من باب ((ونفخ فى الصور، عبر عن الآتى بالماضى لتحقق وقوعه،
والمراد تفتح له يوم القيامة (أبواب الجنة الثمانية) أى تعظيما لعمله المذكور وإن كان الدخول يكنى فيه باب واحد. ثم
الظاهر أن يوفق للدخول من الباب الذى غلب عليه عمل أهله، إذ أبواب الجنة معدة لأعمال مخصوصة ، كالريان لمن غلب.

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
يدخل من أيها شآء. هكذا رواه مسلم فى صحيحه، والحميدى فى أفراد مسلم، وكذا ابن الأثير فى
جامع الأصول. وذكر الشيخ محى الدين النووى فى آخر حديث مسلم على مارويناه، وزاد الترمذى:
((اللهم اجعلنى من التوابين واجعلني من المتطهرين)).
عليه الصيام ونحو ذلك ، قال ابن سيد الناس: فائدة تعدد الأبواب وفتحها والدعاء منها هو التشريف فى الموقف
والإشارة بذکر من حصل له ذلك علی رؤس الأشهاد ، فليس من يؤذن له فى الدخول من باب لا يتعداه، کمن یتلقی من
كل باب ويدخل من حيث شاء. وحديث عمر هذا يدل على أن للجنة ثمانية أبواب، وقد جاء تعيين هذه
الأبواب لبعض العمال، كباب الصلاة ، وباب الجهاد ، وباب الصدقة ، وباب الصيام ، وباب التوبة ، وباب
الكاظمين الغيظ ، وباب الراضين ، وباب الأيمن الذى يدخل منه من لا حساب عليه، وذكر الحكيم الترمذى أبواب
الجنة فعد أبوابا غير ما ذكر، وعلى قوله أبواب الجنة أحد عشر بابا، والتفصيل فى تذكرة القرطبي (هكذا رواه مسلم فى
صحيحه) وأخرجه أيضا أحمد ، والنسائى، وأبو داود، وابن ماجه ، وقالا فيحسن الوضوء، وفى رواية لأحمد وأبي داود
«ثم رفع نظره إلى السماء فقال، الحديث، وفى سنده رجل مجهول، وأخرجه أيضا الترمذى وزاد ((اللهم اجعلنى، إلخ
وتكلم فيه بما يطول ذكره، إن شئت الوقوف عليه فارجع إلى تحفة الأحوذي ، وجامع الترمذى المطبوع بتعليق العلامة
الشيخ أحمد محمد شاكر. واعلم أن حديث عقبة بن عامر المتقدم ، وحديث عمر هذا، حديث واحد ، رواهما بسياق
واحد مسلم ، وأبو داود، وابن حبان فى قصة، لكن صدره أى الحديث المتقدم ، سمعه عقبة بن عامر من رسول الله
عَّ، والحديث الثانى تكلم به النبي ◌َّ قبل حضور عقبة، فأخبره عمر به، فرواه عقبة عن عمر عن رسول الله
(والحيدى) أى وهكذا ذكره الحميدى (فى أفراد مسلم وكذا) ذكره (ابن الأثير) الجزرى (فى جامع الأصول، وذكر
الشيخ محى الدين) من الأحياء (النووى) قال ابن حجر: بواوين ليس بينهما ألف، وبعضهم يقولون النواوى بالألف ،
والقیاس الأول ، لأنه منسوب إلى «نوى» قرية قریب دمشق (على ما رويناه) متعلق بآخر ، وهو معلوم، وقيل مجهول
أى على وفقه (وزاد الترمذى) إلخ هذا مذكور النووى (اللهم اجعلنى من التوابين واجعلني من المتطهرين) جمع بينهما إلماما
بقوله تعالى: ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين - ٢٢٢:٢) ولما كانت التوبة طهارة الباطن عن أدران الذنوب،
والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث المانعة عن التقرب إلى الله تعالى ناسب الجمع بينهما ، وقد تفرد بهذه الزيادة
الترمذى وفى صحتها نظر، لما فى سنده من الاضطراب والخطأ ، وإنما جاءت فى حديث بهذا المعنى عن ثوبان مرفوعاً،
فقله الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١: ص ٢٣٩) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير باختصار، وقال فى الأوسط:
تفرد به مسور بن مورع، ولم أجد من ترجمه، وفيه أحمد بن سهيل الوراق، ذكره ابن حبان فى الثقات ، وفى إسناد
-
١٠

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
والحديث الذى رواه محى السنة فى الصحاح: ((من توضأ فأحسن الوضوء، إلى آخره، رواه الترمذى
فى جامعه بعينه إلا كلمة ((أشهد، قبل ((أن محمدا)).
٢٩١ - (٩) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّى: إن أمتى يدعون يوم القيامة غرا محجلين
من آثار الوضوء. فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)).
الكبير أبو سعيد البقال، والأكثر على تضعيفه، ووثقه بعضهم، انتهى. ورواها أيضا عن ثوبان البزار كما فى التلخيص ،
وابن السنى، والخطيب، وابن النجار كما فى كنز العمال. (الحديث الذى رواه محى السنة) أى ذكره فى المصابيح
(فى الصحاح) المعبر عنه فى المشكاة بالفصل الأول (رواه الترمذى فى جامعه بعينه) إلخ والحاصل ورود الاعتراض على
صاحب المصابيح، حيث ذكر رواية الترمذى فى الصحاح لإيهامها أنه كله فى أحد الصحيحين أو كليهما وليس كذلك.
٢٩١ - قوله (إن أمتى) أى أمة الإجابة وهم المسلمون أى المتوضون منهم (يدعون) أى ينادون أو يسمون
(غرا) جمع أغر أى ذوى غرة، وأصلها لمعة بيضاء تكون فى جبهة الفرس، والمراد ههنا النور الكائن فى وجوه
المسلمين (محجلين) من التحجيل، وهو بياض يكون فى قوائم الفرس، وأصله من الحجل بالكسر وهو القيد والخلخال،
والمراد به هنا أيضا النور. واتصلبهما على الحال إذا كان يدعون بمعنى ينادون، ويحتمل أن يكون غرا مفعولا ثانيا
ليدعون بمعنى يسمون، والمراد بيض مواضع الوضوء من الوجوه، والأيدى والأقدام، استعار أثر الوضوء فى الوجه
واليدين والرجلين للإنسان من البياض الذى يكون فى وجه الفرس ويديه ورجليه، والمعنى: إذا دعوا على رؤس الأشهاد
أو إلى الموقف، أو إلى الميزان، أو إلى الصراط، أو إلى الجنة نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة، أو سموا بهذا
الاسم (من) أى لأجل (آثار الوضوء) أو من سبية أى بسبب آثار الوضوء، وهو متعلق بمحجلين أو بيدعون على الخلاف
فى باب التنازع بين البصريين والكوفيين. والوضوء بضم الواووي وزفتحها، فإن الغرة والتحجيل نشأعن الفعل بالماء، فيجوز
أن ينسب إلى كل منهما، وللغرة علتان الوضوء كما فى هذا الحديث، والسجود كما يدل عليه حديث عبد الله بن بسر عند الترمذى،
وأما التحجيل فعلته هو الوضوء (فمن استطاع منكم) إلخ ظاهر سياق الحديث أن قوله فمن استطاع إلى آخره من الحديث،
وهو يدل على عدم الوجوب، إذ هو فى قوة «فمن شاء منكم، فلو كان واجبا ما قيده بها، إذ الاستطاعة لذلك متحققة
قطعا، وقال نسيم أحد رواته: لا أدرى قوله: فمن استطاع، إلخ من قول النبي ◌َّم أو من قول أبى هريرة. قال الحافظ
فى الفتح: لم أر هذه الجملة فى رواية أحد من روى هذا الحديث من الصحابة وهو عشرة، ولا ممن رواه عن أبى هريرة،
غير رواية نعيم هذه (ثمرته) أى وتحجيله وإنما انتصر على أحدهما لدلالته على الآخر وآثر الغرة وهى مؤنثة على التحجيل
وهو مذكر الشرف موضعها. (فليفعل) أى ما ذكر من الغرة والتحجيل والإطالة ، تحذف المفعول للعلم به. وفيه دليل
١١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
متفق عليه .
٢٩٢ - (١٠) وعنه، قال: قال رسول اللّه ويتى: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء).
رواه مسلم.
( الفصل الثانى )
٢٩٣ - (١١) وعن ثوبان، قال: قال رسول اللّه مثل: ((استقيموا ولن تحصوا،
على مشروعية إطالة الغرة والتحجيل. واختلفوا فى القدر المستحب من ذلك ، فقيل: فى اليدين إلى المنكب ، وفى الرجلين
إلى الر كبة، وقد ثبت هذا عن أبى هريرة رواية ورأیا، و ثبتمن فعل ابن عمر، أخرجه ابن شية وأبو عبيد بإسناد حسن،
وقيل: إلى نصف العضد والساق. والغرة فى الوجه أن يغسل إلى صفحتى العنق، والقول بعدم مشروعتهما وتأويل حديث
أبى هريرة بأن المراد به المداومة على الوضوء خلاف الظاهر، ورد هذا التأويل أيضا بأن الراوى أعرف بما روى،
كيف وقد رفع معناه كما فى الحديث الآتى فلا وجه لنفيه، والغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة لا أصل الوضوء
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد، وأخرجه مع أبى هريرة عشرة من الصحابة، ذكر سبعة منهم ابن مندة فى مستخرجه ،
وذكر أحاديث بعضهم الهيشمى فى مجمع الزوائد ، وعلى المتقى فى كنز العمال.
٢٩٢ - قوله (تبلغ الحلية) إلخ. قال الطيبي: ضمن ((يلغ، معنى «يتمكن، وعدى بمن، أى تتمكن من المؤمن
الحلية مبلغا يتمكنه الوضوء منه (حيث يبلغ الوضوء) بالفتح أى ماءه، وقيل بالضم (رواه مسلم) وأخرجه أيضا النسائى
وابن خزيمة فى صحيحه بنحوه إلا أنه قال: سمعت رسول الله يقول: إن الحلية تبلغ مواضع الطهور، والمراد بالحلية الغرة
والتحجيل، أى النور والبياض ، وقيل: الزينة فى الجنة وهو بعيد.
٢٩٣ - قوله (عن ثوبان) بمفتوحة وسكون واو وبموحدة، الهاشمى مولى رسول الله عزت ، وهو ثوبان بن
يحدد، بضم الباء الموحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى، قيل: أصله من اليمن أصابه سباء فاشتراه التى مؤلفه.
فأعتقه فقال: إن تلحق بمن أنت منهم فعلت، وإن شئت أن تثبت فأنت منا أهل البيت، فثبت ولم يزل معه فى حضره وسفره،
ثم خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم حمص ، وابتنى بها دارا، ومات بها سنة (٥٤). له مائة وسبعة وعشرون حديثا،
روى له مسلم عشرة أحاديث ، روى عنه خلق كثير (استقيموا) الاستقامة اتباع الحق وملازمة المنهج المستقيم من
الإتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن جميع المناهى، وذلك خطب لا يطيقه إلا من استضاء قلبه بالأنوار القدسية،
وتخلصي عن الظلبات الإنسية ، وأيده الله تعالى من عنده، وقليل ما هم، فأخبرهم بعد الأمر بذلك أنكم لا تقدرون على
إيفاء حقه بقوله (ولن تحصوا) أى لن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة لعسرها لئلا يغفلوا عنه فلا يتكلوا على ما
١٢
١
.

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
واعلموا أن خير أعمالكم الصلوة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)). رواه مالك، وأحمد، وابن
ماجه، والدارمى .
٢٩٤ - (١٢) وعن ابن عمر، قال: قال رسول مَلِّم: ((من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات)»
يأتون به، ولا ييأسوا من رحمته فيما يذرون عجزا وقصورا لا تقصيرا، وأصل الإحصاء العد والضبط والإحاطة
بالشئى. وقيل: معناه لن تحصوا ثوابه وأجره لو استقمتم، قال الطبى قوله: ((لن تحصوا)) إخبار واعتراض بين
المعطوف والمعطوف عليه كما اعترض ((ولن تفعلوا)) بين الشرط والجزاء فى قوله: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا
النار - ٢: ٢٤ ) وكانه مرَّ لما أمرهم بالاستقامة وهى شاقة جدا كما مر، تداركه بقوله: لن تحصوا، رحمة وشفقة، كما
قال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم - ٦٤: ١٦) بعد قوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته - ٣: ١٠٢) ثم نبيهم على ما يتيسر لهم
من ذلك بقوله (واعلموا) أى إن لم تطيقوا ما أمرتم به من الاستقامة لحق عليكم أن تلزموا بعضها، وهى الصلاة الجامعة
لأنواع العبادات: القراءة، والتسبيح، والتهليل، والامساك عن كلام الغير، والمفطرات ، فالزموها وأقيموا حدودها
لا سيما مقدمتها التى هى شطر الإيمان وهو الوضوء، وأيضا فى ذكر الصلاة إشارة إلى تطهير الباطن لأنها تنهى عن
الفحشاء والمنكر. وفى ذكر الوضوء إلى تطهير الظاهر، انتهى مختصرا (إن خير أعمالكم) أى أفضلها وأتمها دلالة على
الاستقامة (الصلاة) أى المكتوبة أو جنسها. والأحاديث فى خير الأعمال جاءت متعارضة صورة فينبغى التوفيق بحمل
((خير أعمالكم، على معنى ((من خير أعمالكم، كما يدل عليه حديث ابن عمرو، عند ابن ماجه (ولا يحافظ على الوضوء) أى
على الدوام ، وتركه لبيان الجواز لثلا يلتبس الفضل بالفرض، والبيان عليه واجب ، فالترك فى حقه خير من الدوام عليه ،
فإن غايته أن يكون مندوبا (إلا مؤمن) أى كامل فى إيمانه فإن الظاهر عنوان الباطن ، نطهارة الظاهر دليل على طهارة
الباطن سيما الوضوء على المكاره. والمراد بالمؤمن الجنس، والتكير للتعظيم (رواه مالك) أى بلاغا ورواه (أحمد) من
طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان ، ومن طريق حسان بن عطية عن أبي كبشة السلولى عن ثوبان ، ومن طريق حريز بن
عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن ثوبان. والطريق الأول منقطع، فإن سالم بن الجعد لم يسمع من ثوبان بلا
خلاف (وابن ماجه) منقطعا من طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان (والدارمى) منقطعا ومتصلا. وأخرجه أيضا الحاكم
منقطعا، وابن حبان فى صحيحه متصلا ، والبيهقى. وأخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ، وفيه ليث بن سليم ، وعن
أبى أمامة ، وفيه أبو حفص الدمشقى، وهو مجهول ، والطبرانى عن سلبة بن الأكوع وعبادة بن الصامت.
٢٩٤ - قوله (من توضأ على طهر) ((على، بمعنى مع أى وضوءا مصاحبا لطهر ، وقيل: أو ثابتا على طهر تشبيها
ثبوته على ظهر وصف الطهر بثبوت الراكب على مركوبه، واستعارة لفظة «على، المستعملة فى الثانى للأول، كما قالوا فى
قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى - ٥:٢) (كتب له عشر حسنات) بالوضوء المجدد، وقيل: أى عشر وضوءات،
١٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
رواه الترمذى.
﴿ الفصل الثالث )
٢٩٥ - (١٣) عن جابر، قال: قال رسول اللّه عَّ: ((مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور.
رواه أحمد.
فإن أقل ما وعد به من الأضعاف الحسنة بعشر أمثالها، وقد وعد بالواحد سبع مائة . ووعد ثوابا بغير حساب ، قال
البغوى: تجديد الوضوء مستحب إذا كان قد صلى بالوضوء الأول صلاة فريضة كانت أو تطوعاً، وكرهه قوم إذا لم
يصل بالأول صلاة، ذكره الطبي. قال القارى: ولعل سبب الكراهة هو الإسراف. قلت: الحديث ساكت عن
هذا التفصيل. قال المنذرى فى الترغيب: وأما الحديث الذى يروى عن النبى مُوفّ أنه قال: الوضوء نور على نور فلا
يحضرنى له أصل من حديث النبى مَّة، ولعله من كلام بعض السلف. انتهى (رواه الترمذى) من طريق عبد الرحمن بن
زیاد الإفریقی ، عن أبى غطف الهذلى، عن ابن عمر ، وقال: هو إسناد ضعيف، وذلك لتفرد الإفريقى وأبى غطيف به،
والأول مختلف فيه والثانى مجهول الحال ، لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا إلا قول البخارى فى حديثه هذا: «لم يتابع عليه»
وليس له فى الكتب الستة إلا هذا الحديث، وأخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه من طريق الافريقى عن أبى غطيف ،
وسکت عنه أبو داود.
٢٩٥ - قوله (مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور) فيكون مفتاح الجنة الطهور، وهو بضم الطاء
ويجوز فتحها ، والمراد به أيضا المصدر، قال الطيبي: جعلت الصلاة مقدمة لدخول الجنة كما جعل الوضوء مقدمة للصلاة،
وكما لا تتأتى الصلاة بدون الوضوء كذلك لا يتهيأ دخول الجنة بدون الصلاة. وفيه دليل لمن يكفر تارك الصلاة، وأنها
الفارقة بين الإيمان والكفر. وقال غيره: هو حث وتحريض على الصلاة ، وأنها مما لا يستغنى عنه قط ، فإنها من
أسباب دخول الجنة أولا من غير سابقة عذاب. قال ابن العربى: سمى الطهور مفتاحا مجازا ، لأن الحدث مانع من
الصلاة، فالحدث كالقفل موضوع على المحدث حتى إذا توضأ انحل الغلق، وهذه استعارة بديعة لا يقدر عليها إلا
النبوة، وكذلك مفتاح الجنة الصلاة ، لأن أبواب الجنة مغلقة يفتحها الطاعات ، وركز الطاعات الصلاة (رواه أحمد)
وأخرجه أيضا الترمذى على ما فى نسخة الترمذى (ج ١: ص ١٠) طبعة مصر بتصحيح وتعليق العلامة الشيخ أحمد محمد
شاكر، وعلى ما فى التلخيص الحبير (ص ٨٠)، والبزار، والطبرانى، والبيهقى من حديث سليمان بن قرم، عن أبى يحيى القتات،
عن مجاهد ، عن ابن عمر ، وسليمان سعى الحفظ، وأبو يحيى لين الحديث ، وقال ابن عدى: أحاديثه عندى حسان.
١٤
سـ

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢٩٦ - (١٤) وعن شبيب بن أبى روح، عن رجل من أصحاب رسول اللّه عَ فيم أن رسول الله عزَّ
صلى صلاة الصبح، فقرأ الروم، فالتبس عليه، فلما صلى، قال: ما بال أقوام يصلون معنا لا
يحسنون الطهور؟ وإنما يلبس علينا القرآن أولئك)). رواه النسائى.
٢٩٦ - قوله (شبيب) كحبيب (بن أبى روح) بفتح الراء بعدها واو ثم حاء مهملة، ويقال: إن أبا روح كنية
شبيب، واسم أبيه نعيم الكلاعى، من ثقات التابعين ، قال الحافظ: أخطأ من عده من الصحابة (عن رجل من أصحاب
رسول اللّه ◌َع) اسمه الأغر بفتح المعجمة بعدها راء مشددة، الغفارى، قال ابن عبد البر فى الاستيعاب (ج ١: ص ٤٥)
الأغر الغفارى روى عن النبي ◌َّم أنه سمعه يقرأ فى الفجر بالروم». ولم يروه عنه إلا شيب أبو روح وحده. انتهى (فقرأ).
فيها (الروم) أى سورة الروم (فالتبس عليه) أى اشتبه واستشكل واختلط، وضميره للروم باعتبار أنه اسم مقدار من
القرآن ، وفى حديث أبى روح عند أحمد فقراً بالروم فتردد فى آية (فلما صلى) أى فرغ من الصلاة (لايحسنون) من
الإحسان أو التحسين (الطهور) بضم الطاء ويجوز فتحها، والحمل على الماء لا يناسب المقام، أى لا يأتون بواجباته
وسنته. ففى حديث أبى روح عند أحمد (ج٣: ص ٤٧١) (إنما لبس الشيطان القرأة من أجل أقوام يأتون الصلاة بغير وضوء، أى
بفقد ركز أو شرط من شروط الطهارة ، فيعود شوم خللهم على المصلى معهم. وفيه تشريع وتعليم للأمة أن المقصريعود
شومه على غيره. وقال الطبى: فيه أن ترك السنن والآداب سد باب الفتوحات الغية، وأنه يسرى إلى الغير ، وأن
بركتها تسرى فى الغير، ثم تأمل أن مثله مَ ته مع جلالة قدره وغاية كماله إذا كان يتأثر من مثل تلك الهيئة فكيف بغيره
من صحبة أهل الأهواء والبدع، وصحبة الصالحين بعكسه (رواه النسائي) فى الصلاة، وأخرجه أيضا أحمد ، وعبد الرزاق،
والبغوى، والطبرانى، وأبو نعيم كلهم عن رجل من الصحابة ، قال على المتقى: سماه مؤمل بن إسماعيل الأغر. قال أبو موسى:
لا نعلم أحد اسماه غيره، وهو أحد الثقات، وقال البغوى عن الأغر: رجل من بنى غفار - انتهى. قال الحافظ: وسماه الطبرانى
وخلطه بالأغر المزنى صحابى آخر. وأما ابن عبد البر جعل هذا غضاريا، وكذا ثبت فى بعض طرقه ـ انتهى. قلت: رجال
النسائی و کذا أحد رجال الصحيح، لکن الحديث مضطرب الإسناد، اختلف أصحاب عبد الملك بن عمير عليه، فرواه
سفيان عند النسائى، وشعبة عند أحمد، عن عبدالملك بن عیر، عن شیب أبى روح، عن رجل من أصحاب النبي مزێ}. ورواه
شريك وزائدة، عن عبد الملك، عن شبيب أبى روح الكلاعى أنه صلى مع النبي مريم الصبح، الحديث، جملا الحديث عن
أبى روح نفسه، وهذا أيضا عند أحمد (ج ٣: ص ٤٧١ - ٤٧٢) والراجح عندنا رواية سفيان وشعبة، وقد صوب
الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٤: ص ٣١٠) رواية شعبة، وخطأ فى التقريب من عد شبيا أبا روح فى الصحابة.

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٢٩٧ - (١٥) وعن رجل من بی سليم، قال: عد من رسول الله ے فی یدی۔أو فى يده- قال:
التسبيح نصف الميزان، والحمد لله يملأه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر،
والطهور نصف الإيمان، رواه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن.
٢٩٨ - (١٦) وعن عبد الله الصنابحى، قال: قال رسول الله متّم:
٢٩٧ - قوله (وعن رجل) من الصحابة (من بنى سليم) بالتصغير (عدهن) أى الخصال الآتية ، فهو ضمير مبهم
يفسره ما بعده، والمفسر قوله ((التسيخ)) (فى يدى) أى أخذ أصابع يدى، وجعل يعقدها فى الكف خمس مرات على
عد الخصال لمزيد التفهيم والاستحضار، (أو فى يده) شك من الراوى (التسبيح نصف الميزان) قيل: إنه ضرب مثل
وأن المعنى: لوكان التسبيح جسما لملا نصف الميزان. وقيل: بل اللّه يمثل أقوال بنى آدم وأعمالهم صورا ترى يوم القيمة
وتوزن وهذا هو الظاهر، وقيل: أى ثوابه بعد تجسمه يملاً نصف الميزان والمراد به إحدى كفتيه الموضوعة لوضع الحسنات
فيها (والحمد لله يملأه) أى الميزان كله، فيكون المراد تفضيل الحمد على التسبيح، وأن ثوابه ضعف ثواب التسبيح أو
نصفه الآخر، فيكون المقصود التسوية بين التسبيح والحمد بأن كل واحد منهما يأخذ نصف الميزان فيملآنه معا، وذلك لأن الأذكار
تحصر فى نوعين: التنزيه والتحميد، والأول أظهر، ويؤيده حديث أبى مالك الأشعرى المتقدم فى الفصل الأول، ولأن
الحمد يشتمل على التنزيه ضمنا، لأن الوصف بالكمال متضمن نفى النقصان. وقال الطبي: لأن الحمد جامع لصفات الكمال
من الثبوتية والسلبية والتسبيح من السلبية (والصوم نصف الصبر) لأن الصبر حبس النفس على الطاعات، وعن المعاصى ،
وكان الصوم أقمع لشهوات النفس الباعثة على المعاصى فصار نصف الصبر بهذا الاعتبار ، وقيل: الصوم صبر عن الحلق
والفرج فيقى نصفه الآخر من الصبر عن سائر الأعضاء (رواه الترمذى وقال: هذا حديث حسن) وأخرجه أيضا أحمد ،
وأخرجه الترمذى أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بنحوه، وزاد فيه ((ولا إله إلا اللّه ليس لها دون الله حجاب حتى
تخلص إليه».
٢٩٨ - قوله (عبد الله الصنابحى) مختلف فى صحبته بل فى وجوده، فقيل: هو صحابى مدنى وإليه جنح الحاكم،
وابن السكن، وابن معين، والترمذى، ففى بعض نسخ الترمذى الصحيحة القلمية: الصنابحى هذا الذى روى عن النبى مزؤتى
((فضل الطهور)) هو عبد الله الصنابحى، والذى روى عن أبى بكر الصديق ليس له سماع من النبى مزثية، واسمه عبد الرحمن
ابن عسيلة. انتهى. وإليه يميل كلام الحافظ فى تهذيب التهذيب والإصابة، وابن الأثير الجزرى فى أسد الغابة، والذهبى
فى التجريد، والمصنف فى الإكمال، والمنذرى فى الترغيب. وقيل: هو أبو عبد الله الصنابحى عبد الرحمن بن عسيلة
التابعى، ووهم من قال عبد الله الصنابحى، وأخطأ قلب كنيته جملها إسما، فأحاديثه عن النبي ◌َّ مرسلة، صرح بذلك
١٦
أ:

مرعاة المفاتيح ج٢
٣- كتاب الطهارة
إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض، خرجت الخطايا من فيه. وإذا استنثر، خرجت الخطايا من أنقه.
وإذا غسل وجهه، خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه. فإذا غسل يديه، خرجت
الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه، خرجت الخطايا من رأسه،
حتى تخرج من أذنيه. فإذا غسل رجليه، خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار
رجليه. ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له. رواه مالك، والنسائى.
٢٩٩ - (١٧) وعن أبى هريرة، أن رسول اللّه تَّي أبى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين،
البخارى، وعلى بن المدينى، ويعقوب بن شيبة، ومن تبعهم، والراجح عندنا هو القول الأول، فعبد الله الصنابحى صابى
له ثلاثة أحاديث، الأول هو هذا، والثانى ياتى فى الفصل الثالث من باب أوقات النهى، وقد صرح فى بعضها بالسماع من
النبى مُؤَّ. وأبو عبد الله الصنابحى عبد الرحمن بن عسيلة رجل آخر تابعى، وارجع إلى تهذيب التهذيب
(ج ٦: ص ٫٩١ ٢٢٩) والإصابة (ج ٢: ص ٣٨٥،٣٨٤ وج ٣: ص ٩٦) وسيكون لنا عودة إلى البحث عن ذلك
فى باب أوقات النهى إنشاء اللّه تعالى (إذا توضأ) أى أراد الوضوء (خرجت الخطايا) أى خطايا فيه من فيه ، فاللام
بدل من المضاف إليه، أو للعهد بالقرينة المتأخرة ، وهكذا فيما بعد ، فلا يرد: أن تمام الخطايا إذا خرجت من فيه فماذا
يخرج من سائر الأعضاء؟ والمراد بخطايا الفم المراودة على الفاحشة، والمواعدة على المعصية، وغير ذلك من الصغائر.
(خرجت الخطايا) كثم ما لا يجوز كطيب مغصوب (من أنقه) أى مع الماء (خرجت الخطايا من وجهه) كالنظر إلى
ما لا يخل قصدا (حتى تخرج من تحت أشغار عينيه) أشغار العين أطراف الأجفان التى ينبت عليها الشعر جمع شفر بالضم
(فإذا غسل يديه) أى إلى المرفقين (خرجت الخطايا من يديه) كالس لمالا يجوز (فإذا مسح برأسه) ظاهره الاستيعاب
(خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه) فيه دليل على أن الأذنين من الرأس، وأنهما يمسحان بماء الرأس لا
بماء جديد، لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن إذا كانا منه، وهذا كما جعل العينين مخرجا لخطايا الوجه،
والأظفار مخرجا لخطايا اليدين، وعليه بنى النسائى الكلام في سننه فقال: باب مسح الأذنين من الرأس، وما يستدل به على
أنهما من الرأس (فإذا غسل رجليه) أى إلى الكعبين (خرجت الخطايا من رجليه) كالمشى فيما لا ينبغى (وصلاته)
فريضة كانت أو ناظة (نافظة له) أى زائدة على تكفير تلك الخطايا المتعلقة بأعضاء الوضوء، فتكون لتكفير خطايا باق
الأعضاء إن كانت، وإلا تخفيف الكبائر ثم ترفع الدرجات (رواه مالك والتساقى) وأخرجه أيضا أحد وابن ماجه
والمحاكم، وقال صحيح على شرطهما ولا على له وعبد الله السنايحي صحابى ..
٢٩٩ - قوله [أنى المقبرة) تليف الاه والمكسر قليل، قبل؛ الظاهر أنها البقيع (السلام عليكم دار قوم مؤمنين)
١٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول
الله؟ قال: أنتم أصحابى، وإخواننا الذين لم ياتوا بعد)). فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من
أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة، بين ظهرى خيل دهم بهم،
ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى، يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء،
منصوب على الاختصاص أو النداء لأنه مضاف، ويجوز الجر على البدلية من الكاف والميم فى ((عليكم)، والمراد الجماعة
وأهل الدار (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) أتى بالاستثناء مع أن الموت لاشك فيه، والعلماء فيه أقوال تبلغ إلى عشرة،
أظهرها أنه للتبرك لا للشك، كما فى قوله: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين - ٤٨: ٢٧ ) وقيل لامتثال أمر
الله فى قوله: ﴿ ولا تقولن الشائى إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله - ١٨: ٢٣، ٢٤ ) وقيل: باعتبار اللحوق فى هذا
المكان والموت بالمدينة (وددت) بكسر الدال أى تمنيت وأحبيت (أنا) بفتح الهمزة وتشديد النون أى أنا وأصحابى
(إخواننا) فى الحياة الدنيا وقيل بعد الموت، ووجه اتصال هذه الودادة بذكر أصحاب القبور أنه ذكر اللاحقين عند
تصور السابقين ، وذكرهم إظهارالشرفهم وكرامتهم ومحبته إياهم (أو لسنا) أى أتقول هذا ولسنا (أنتم أصحابي) ليس هذا
ففيا لأخوتهم ولكن ذكر مزيتهم الزائدة بالصحبة، فإن الاتصاف فى محل الثناء يكون بأرفع حالاته وأفضل صفاته،
وفضيلة الصحبة لا يعدلها عمل ، فإنها من الصفات التى لا يلحقهم فيها أحد فهؤلاء إخوة وصحابة، واللاحقون إخوة
تحسب قال تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة - ٤٩: ١٠) (وإخواننا) أى المراد بإخوانى أو الذين لهم اخوة فقط
(الذين لم يأتوا بعد) أى لم يلحقوا إلى الآن (فقالوا كيف تعرف) أى يوم القيامة، وفى رواية مالك والنسائى وأنا
فرطهم على الحوض، فقالوا يارسول الله كيف تعرف؟ إلخ فكانهم فهموا من تمنى الروية وتسميتهم باسم الاخوة دون
الصحبة أنه لا يراهم فى الدنيا فإنما يتمنى عادة ما لم يمكن حصوله، ولو حصل اللقاء فى الدنيا لكانوا صحابة، وفهموا من
قوله: «أنا فرطهم، أنه يعرفهم فى الآخرة فسألواعن كيفية ذلك (أرأيت) أى أخبرنى، والخطاب مع كل من يصلح له من
الحاضرين أو السائلين ، (بين ظهرى خيل) أى بينها، ولفظ الظهر مقحم (دم) بضم الدال وسكون الهاء جمع أدهم، وهو
الأسود، والدهمة السوادة (بهم) بضم الموحدة وسكون الهاء جمع بهيم، وقيل: المراد السود أيضا، وقيل : البهيم الذى
الا يخالط لونه لون سواه، سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر، بل يكون لونه خالصا (ألا يعرف خيله؟) الهمزة للافكار
(فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء) أى وسائر الناس ليسوا كذلك، لاختصاص الغرة والتحجيل بهذه الأمة من بين
الأمم، ويكون الوجه كله متنورا من أثر الوضوء، ولكن الجبهة تكون أشد تنورا من أجل السجود، فلا يخالفه حديث
١٨

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
وأنا فرطهم على الحوض. رواه مسلم.
٣٠٠ - (١٨) وعن أبى الدرداء قال: قال رسول اللّه مَّ: أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم
القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدى، فأعرف أمتى من بين الأمم،
ومن خلفى مثل ذلك، وعن يمينى مثل ذلك، وعن شمالى مثل ذلك. فقال رجل: يا رسول الله!
كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غر محجلون من أثر الوضوء،
ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم،
رواه أحمد.
عبد الله بن بسر عند الترمذى وغيره، وقد تقدم وجه آخر للجمع (وأنا فرطهم على الحوض) بفتحتين، أى أنا أتقدمهم
على الحوض، أهنئ لهم ما يحتاجون إليه. ففيه بشارة لهذه الأمة، هنيئا لمن كان النبي مؤ لّم فرطه (رواه مسلم) وأخرجه
أيضا مالك والنسائى.
٣٠٠ - قوله (فأنظر) أى فأرفع رأسى فأنظر (فأعرف) أى أميز، ليستقيم تعلق من به (أمتى) أى الذين أجابوا
(ومن خلفي) أى وأنظر من ورائى (مثل ذلك) بالنصب أى فأعرف أمتى (فيما بين نوح) بان للأمم ، حال منه ، أى
الأمم كائنة فيما بين نوح (إلى أمتك) إلى للانتهاء، أى مبتدأ من نوح منتهيا إلى أمتك (ليس أحد كذلك غيرهم) بالرفع
على البدلية، وبالنصب على الاستثناء، هذا صريح فى أن الغرة والتحجيل من خصوصيات أمته مَّم (وأعرفهم أنهم
يؤتون كتبهم بأيمانهم) ظاهره أنه من خصوصياتهم إلا أن يحمل على أنهم يؤتون ذلك قبل غيرهم، أو على صفة لم تكن لغيرهم،
إذ الذى دلت عليه الآيات وبقية الأحاديث العموم (وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم) قال الطيبي: لم يأت بالوصفين
هذين تفصلة وتميزا كالأول، بل أتى بهما مدحا لأمته، وابتهاجا بما أوتوا من الكرامة والفضيلة، انتهى (رواه أحمد)
وفيه ابن لهيعة قال المنذرى: وهو حديث حسن فى المتابعات، وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير، وفيه أيضا ابن لهيعة.

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
(١) باب ما يوجب الوضوء
( الفصل الأول ):
٣٠١ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّ: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ.
متفق عليه.
٣٠٢ - (٢) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه مثل: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة
من غلول.
(باب ما يوجب الوضوء) أى وما يتعلق به، قال فى القاموس: ((الوضوء» بالضم الفعل، وبالفتح ماؤه، ومصدر
أيضا، أو لغتان قد يعنى بهما المصدر، وقد يعنى بهما الماء، انتهى والمراد بيان الاشياء التى تنقض الوضوء، وتكون سببا
لوجوب وضوء آخر. والموجب للوضوء وسيه فى الحقيقة هى إرادة الصلاة المقرونة إليها، كما تدل عليه آية الوضوء،
وقد يطلق على نواقض الوضوء لفظ الموجب كما هنا بالوجه الذى أشرنا إليه.
٣٠١- قوله (لا تقبل) وفى رواية لا يقبل الله، والقبول ضد الرد، فعتی لا تقبل أى ترد ولا تعتد ولا تجزی،
أى تبطل ولا تصح، فالقبول فى معنى الإجراء والصحة ، وقد يطلق عدم القبول ويراد به فى الإثابة لدليل خارجى.
(صلاة من أحدث) أى صار ذا حدث، والمراد به الخارج من أحد السيلين. (حتى يتوضأ) أى فتقبل حينئذ، وقوله:
(يتوضأ) أى حقيقة بالماء، أو حكما بما يقوم مقامه، وهو التيمم، وقد أطلق الوضوء على التيمم، أو يتوضأ بمعنى يتطهر،
فيشمل الغسل والوضوء والتيمم. والحديث فيه دليل على بطلان الصلاة بالحدث ، سواء كان خروجه اضطراريا أو
اختياريا، لعدم التفرقة فى الحديث بين حدث وحدث، فى حالة دون حالة، ففيه رد على من يقول وهو أبو حيفة: أنه
إذا سبقه الحدث يتوضأ ، ويبنى على صلاته، وفيه أن الصلوات كلها تفتقر إلى الطهارة ، ويدخل فيها صلاة الجنازة
والعيدين وغيرهما (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الطهارة، وفى ترك الحيل، ومسلم فى الطهارة، وأخرجه أيضا الترمذى
وأبو داود.
٣٠٢ - قوله (بغير طهور) أى بلا طهور ، وليس المعنى صلاة متلبسة بشئى مغاير الطهور، إذ لا بد من ملابسة
الصلاة بما يغاير الطهور، كسائر شروط الصلاة ، إلا أن يراد بمغاير الطهور، ضد الطهور، حملا لمطلق المغاير على الكامل ،
وهو الحدث. والطهور يضم الطاء فعل المتطهر، وهو المراد ههنا، وبالفتح اسم الآلة كالماء والتراب، وقيل بالفتح يطلق
على الفعل أيضا، فيجوز ههنا الوجهان (ولا صدقة من غلول) بضم الغين أى مال حرام. والغلول فى الأصل الخيانة فى
المنتم، والسرقة من الغنيمة قبل القسيمة، وكل من خان فى شئى خفية فقد غل ، قال ابن العربى: فالصدقة من مال حرام فى
٢٠