Indexed OCR Text

Pages 261-280

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه أبو داود، وروى الدارمى نحوه، وكذا ابن ماجه إلى قوله: كما حرم الله.
١٦٤ - (٢٥) وعن العرباض بن سارية، قال: قام رسول اللّه مؤلّم فقال: أيحسب أحدكم متكئاً على
أريكته يظن أن اللّه لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن؟ ألا وإنى واللّه قد أمرت ووعظت ونهيت
عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب
الأنفس، وسيأتى بسط الكلام فى ذلك فى باب الضيافة إن شاء الله (رواه أبو داود) فى الأطعمة مختصرا، وفى السنة بهذا
اللفظ إلا أنه ليس فيه قوله: وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله (وروى الدارمى نحوه) أى بالمعنى (وكذا) روى
نحوه (ابن ماجه) فى السنة لكن (إلى قوله: كما حرم الله) وأخرج أيضا نحوه مختصرا الترمذى فى العلم، وقال: حسن
غريب. والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وأحمد (ج ٤ ص ١٣١) مطولا بلفظ أبي داود.
١٦٤ - قوله (وعن العرباض) بكسر أو له وسكون الراء بعدها موحدة وبعد الألف معجمة (بن سارية) السلمى يكنى
أبا نجيح، صحابى مشهور من أهل الصفة، سكن الشام ومات بها سنة (٧٥) وهو من نزل فيه قوله تعالى: ﴿ولا على الذين
إذا ما أتوك لتحملهم - ٩: ٩٢) إلخ. روى عنه من الصحابة أبورهم، وأبو أمامة، وروى عنه جماعة من تابعي أهل الشام،
له أحد وثلاثون حديثا. وقال البرقى: بضعة عشر حديثاً (قام) أى خطيا أو خطب (أيحسب) بكسر السين وفتحها أى
أيظن (متكئا) حال (يظن) بدل من ((يحسب)) بدل الفعل من الفعل للبيان والتفسير، قاله الأشرف. قال الطيبي: ويجوز
أن يكون التكرار للتأكيد كما فى قوله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ((إلى قوله)) فلا تحسبهم بمفازة من
العذاب - ٣: ١٨٨﴾ (ألا) للتنبيه (وإنى) الواو الحال، قال الطبى: الواو ههنا بمنزلة الواو فى ((وإن ماء فى الحديث
السابق، لأن الهمزة للإنكار أى همزة ((أيحسب)) والمعنى: أيحسب أحدكم أن الله تعالى حصر المحرمات فى القرآن والحال
أنى قد حرمت ، فأقحم حرف التنبيه المتضمن للإنكار بين الحال وعاملها ، كما أقحم حرف الافكار بين المبتدأ والخبر فى
قوله: ﴿أفن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار -٣٩: ١٩ ) جاءت الهمزة مؤكدة معادة بين المبتدأ المتضمن
للشرط وبين الخبر، ذكره الزجاج (عن أشياء) متعلق بالنهى فحسب، ومتعلق الأمر والموعظة محذوف، أى بأشياء (إنها)
أى الأشياء المأمورة والمنهية عنها على لسانى بالوحى الغير المتلو (لمثل القرآن) أى فى المقدار (أو أكثر) أى بل أكثر.
قال القارى: وقد يستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئى - ١٦: ٨٩) بناء على بقائه على
عمومه، أى فيما يحتاج إليه فى الدين، ويجاب بأن نسبة هذا إليه مَ و إنما هو لكونه الذى استفطه واستخرجه من القرآن
ولذا قال الشافعى: كل ما حكم به رسول اللّه مَّم فهو ما فهمه من القرآن، ثم أخرج ما يؤيده وهو قوله مؤثّ: إنى
لا أحل إلا ما أحل الله فى كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله فى كتابه (لم يحل لكم) من الإحلال (أهل الكتاب)
٢٦١

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
إلا بإذن، ولا ضرب نساءهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذى عليهم. رواه أبو داود، وفى إسناده
أشعث بن شعبة المصيصى، قد تكلم فيه.
١٦٥ - (٢٦) وعنه، قال: صلى بنا رسول اللّه عَلّ ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة
بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال رجل: يا رسول اللّه! كأن هذه موعظة
مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة،
يعنى أهل الذمة الذين قبلوا الجزية (إلا بإذن) وفى بعض النسخ المصححة ((إلا بإذنهم، أى إلا أن يأذنوا لكم بالطوع
والرغبة (ولا أكل ثمارهم) أى بالقهر من بساتينهم فضلا عن بقية أموالهم (إذا أعطوكم الذى عليهم) أى من الجزية وما
قال القارى: كذا أى بياض فى أصل المشكاة بعد قوله «رواه)) وسببه
عاهدوا عليه والتزموه (رواه)
تقدم فى الخطبة، فألحقه ميرك شاه فى هذا المحل، وقال: رواه أبو داود وفى إسناده أشعث بن شعبة المصيصى تكلم
فيه - انتهى. قلت: أخرج الحديث أبو داود فى كتاب الخراج، وسكت عنه. وقال المنذرى: فى إسناده أشعث بن
شعبة المصيصى، وفيه مقال - انتهى. وفى التهذيب (ج ١: ص ٣٥٤) قال أبو زرعة: لين، وذكره ابن حبان فى الثقات.
قال الحافظ: وفى سوالات الأحمرى عن أبى داود: أشعث بن شعبة ثقة. وقال فى التقريب: هو مقبول. والمصيصى
بكسر الميم والمهملة المشددة ، نسبة إلى المصيصة مدينة على ساحل البحر ، كذا فى لب اللباب. وفى القاموس: والمصيصة
کسفينة بلد بالشام ولا تشدد .
١٦٥ - قوله (صلى بنا) أى إماما لنا (بوجهه) تأكيد (فوعظنا) بفتح الظاء (بليغة) أى تامة فى الإنذار من
المبالغة، أى بالغ فيها بالانذار والتخويف ، لا من البلاغة المفسرة بوجازة اللفظ وكثرة المعنى مع البيان، لعدم المناسبة
بالمقام (ذرفت) بفتح الراء. أى دمعت (منها) أى من موعظته (العيون) أى سالت دموع العيون، وفى إسناد («الذرف،
إلى (العيون، مع أن السائل دموعها مبالغة، والمقصود أنها أثرت فيهم ظاهرا وباطنا (ووجلت) بكسر الجيم أى خافت
(منها القلوب) لتأثيرها فى النفوس واستيلاء سلطان الخشية على القلوب (فقال رجل) وفى رواية لأحمد «قلنا، وفى رواية
للحاكم ((فقلنا)) (كان) بالتشديد (موعظة مودع) اسم فاعل من ودع، أى المبالغة تدل على أنك تودعنا، فإن المودع عند
الوداع لا يترك شيئا مما يهم المودع بفتح الدال، ويفتقر إليه إلا ويورده، ويستقصى فيه (فأوصنا) أى إذا كان الأمر
كذلك فمرنا بما فيه كمال صلاحنا (أو صيكم بتقوى الله) هذا من جوامع الكلم، لأن التقوى امتثال المأمورات واجتناب
المنهيات، وهى كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها وهى وصية الله الأولين والآخرين (والسمع والطاعة) أى
وبقبول قول من على أمركم من المسلمين وطاعته ما لم يأمر بمعصية عادلا كان أو جائرا ، وإلا فلا سمع ولا طاعة لمخلوق فى
٢٦٢
١

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين ،
معصية الخالق (وإن كان عبدا حبشيا) أى ولو كان الأمير الذى ولاء الخليفة عليكم أدنى الخلق فلا تستكفوا عن
إطاعته مخافة إثارة الحروب وتهيج الفتن وظهور الفساد فى الأرض، وفى رواية الحاكم: وإن أمر عليكم عبد حبشى. وفيه
دليل على أن الكلام فى الأمير الذى ولاه الخليفة لا فى الخليفة حتى يرد أنه كيف يكون الخليفة عبدا حبشيا، ويشهد لذلك
حديث على عند الحاكم: وإن أمرت قريش فيكم عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا. وإسناده جيد، على أن المحل محل
المبالغة فى لزوم الطاعة، ففرض الخليفة عبدا حبشيا لإفادة المبالغة يحتمل. وقيل: هو محمول على المتغلب المتسلط فإنه تصبح
خلافته تسلطا وتغلبا (فإنه من يعش) بالجزم (منكم بعدى) إلخ. هذا بمنزلة التعليل للوصية بما تقدم . أى السمع والطاعة
ما يدفع الخلاف الشديد فهو خير ، قال الطبى: الفاء فى «فإنه، السبية جعل ما بعدها سيبا لما قبلها، يعنى من قبل وصيتى
والتزم تقوى الله، وقبل طاعة من ولى عليه، ولم يهيج الفتن أمن بعدى ما يرى من الاختلاف الكثير، وتشعب الآراء،
ووقوع الفتن والحروب، وظهور البدع والأهواء (بسنتى) أى بطريقتى الثابتة عنى واجبا أو مندوبا (وسنة الخلفاء)
لأنهم فيما سنوه إما متبعون لسنتى نفسها ، وإما متبعون لما فهموا من سنتى فى الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله
(الراشدين) أى الذين أوتوا الرشد والسداد فى مقاصدهم الصحيحة (المهديين) أى الذين هداهم الله إلى الحق. والمعنى:
الزموا طريقتهم ، وقد كانت طريقتهم هى نفس طريقته بَ ع، فانهم أشد الناس حرصا عليها ، وعملا بها فى كل شئى،
وعلى كل حال، فالإضافة إليهم إما لاشتهارها فى زمانهم وعملهم بها، أو لاستنباطهم واختيارهم إياها. قال التور بشتى فى
شرح المصابيح: المعنيون بهذا القول هم الخلفاء الأربعة لأنه قال فى حديث آخر: الخلافة بعدى ثلاثون سنة ، وقد انتهت
الثلاثون بخلافة على، وليس معنى هذا القول نفى الخلافة عن غيرهم، لأن النبى مَّم قال: يكون فى أمتى اثنا عشر خليفة
وإنما المراد تفخيم أمرهم، وتصويب رأيهم، والشهادة لهم بالتفوق فيما يمتازون به عن غيرهم من الاصابة فى العلم ، وحسنِ
السيرة، واستقامة الأحوال، ولهذا وصفهم بالراشدين ، وهم الذين أوتوا رشدهم فى مقاصدهم الصحيحة ، وهدوا إلى
الأقوم والأصلح فى أقوالهم وأفعالهم. وإنما ذكرستهم فى مقابلة سنته لأمرين: أحدهما علم أنه لا يخطون فيما
يستخرجونه من سنته باجتهادهم، والثانى أنه يَيقيم علم أن بعضا من سننه لا يشتهر بزمانه، وإن علم الأفراد من أصحابه ثم
يشتهر فى زمانهم فيضاف إليهم ، فربما يستدرع أحد من رد تلك السنن بإضافتها إليهم فأطلق القول باتباع سنتهم سدا
لهذا الباب - انتهى مختصرا. وقيل: الحديث عام فى كل خليفة راشد لا يخص الخلفاء الراشدين الأربعة ، ومعلوم من
قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبى مَّن، فليس المراد فى الحديث بسنة الخلفاء
الراشدين، إلا طريقتهم الموافقة لطريقته مواقع من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها. وقال الشوكانى فى
مجموعة فتاواه التى سماها ولده بالفتح الربانى فى الجواب عن معنى هذا الحديث: المراد بالسنة الطريقة، فكأنه قال: الزموا
٢٦٣
٠٫٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة
ضلالة. رواه أحمد، وأبو داود ،
طريق وطريقة الخلفاء الراشدين ، وقد كانت طريقهم هى نفس طريقته، فإنهم أشد الناس حرصا عليها ، وعملا بها فى كل
شتى، وعلى كل حال، وكانوا يتوقون مخالفته فى أصغر الأمور فضلا عن أكبرها، وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله
وسنة رسوله وَُِّّ عملوا بما يظهر لهم من الرأى بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر، وهذا الرأى عند عدم الدليل
هو أيضا من سنته لما دل عليه حديث معاذ لما قال له رسول اللّه ◌َوِّه: بما تقضى؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد .
قال: فبسنة رسول الله عَزِّ. قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد رأيي. قال: الحمد لله الذى وفق رسول رسوله. أو كما
قال. وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف فالحق أنه من قسم الحسن لغيره، وهو معمول به ، فإن
قلت: إذا كان ما عملوا فيه بالرأى هو من سنته لم يبق لقوله «وسنة الخلفاء الراشدين، ثمرة. قلت: ثمرته أن من الناس من
لم يدرك زمنه موجة وأدرك زمن الخلفاء الراشدين، أو أدرك زامنه وزمن الخلفاء، ولكنه حدث أمر لم يحدث فى زمنه،
ففعله الخلفاء، فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد فى بعض النفوس من الشك ، ويختلج فيها من
الظنون ، فأقل فوائد الحديث أن ما يصدر عنهم من الرأى وإن كان من سنته كما مر ولكنه أولى من رأى غيرهم عند
عدم الدليل. وبالجملة فكثيرا ما كان مَّمِ ينسب الفعل أو الترك إليه وإلى أصحابه فى حياته مع أنه لا فائدة لنسبته إلى
غيره مع نسبته إليه لأنه محل القدوة ومكان الأسوة - انتهى. وقيل المعنى فى ذكر سنة الخلفاء مع سنته : أن يعلم أن
النبي ◌َّ مات وهو على تلك السنة، وأنه لا يحتاج مع قول النبي مَفّم إلى قول أحد، فلا زائد إذاً على ما ثبت فى
السنة النبوية ، إلا أنه قد يخاف أن تكون منسوخة بسنة أخرى، فافقر العلماء إلى النظر فى عمل الخلفاء بعده ليعلموا أن ذلك
هو الذى مات عليه النبي مؤ قّم من غير أن يكون له ناسخ، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره
(تمسكوا بها) أى بالسنة (وعضوا) بفتح العين (عليها) أى على السنة (بالنواجذ) بالذال المعجمة، وهى الأضراس جمع
ناجذة أراد به الجد فى لزوم السنة ، كفعل من أمسك الشئى بين أضراسه، وعض عليه منعا من أن ينتزع ، أو الصبر
على ما يصيب من التعب فى ذات الله كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه ولا يريد أن يظهره (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن
كل محدثة بدعة) فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله (وكل بدعة ضلالة) والمراد
بالبدعة ما أحدث فى الدين ما لا أصل له فى الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس يبدعة شرعا
وإن كان بدعة لغة. وأما ما وقع فى كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك فى البدع اللغوية لا الشرعية ، فمن
ذلك قول عمر (رض) لما جمع الناس فى قيام رمضان على إمام واحد فى المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت
البدعة هذه. فالبدع الشرعية كلها مذمومة لأنها موجبة الضلال والغواية، وارجع إلى الاعتصام (ج ١ : ص ١٤٧، ١٦٧)
وشرح الأربعين لابن رجب (ص ١٨٥ - ١٩٣) (رواه أحمد) (ج ٤: ص ١٢٦، ١٢٧) (وأبو داود) فى السنة
٢٦٤

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
والترمذى، وابن ماجه، إلا أنهما لم يذكرا الصلاة.
١٦٦ - (٢٧) وعن عبد الله بن مسعود، قال: خط لنا رسول اللّه مَله خطاً، ثم قال: هذا سبيل
اللّه، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه.
وقرأ: ﴿وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه) الآية. رواه أحمد، والنسائى، والدارمى.
(والترمذى) فى العلم. وقال: حديث حسن صحيح (وابن ماجه) فى السنة ، وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه ، والحاكم
وقال: صحيح على شرطهما، وليس له علة (إلا أنهما) أى الترمذى وابن ماجه (لم يذكرا الصلاة) أى لم يوردا أول الحديث
وهو قول العرباض «صلى بنا رسول مَطّ، بل قالا: وعظنا، كما فى المصابيح.
١٦٦ - قوله (خط لنا) أى خط لاجلنا تقريبا وتفهيما وتعليما لنا لأن التصوير والتمثيل إنما يسلك ويصار إليه
لايراز المعانى المحتجبة ورفع الأستار عن الرموز المكنونة لتظهر فى صورة المشاهد المحسوس فيساعد فيه الوهم العقل
ويصالحه عليه (خطأ) أى مستويا مستقيما (هذا سبيل الله) أى هذا الدين القويم والصراط المستقيم وهما الاعتقاد الحق
والعمل الصالح، وهذا الخط لما كان مثالا سماه سبيل الله، كذا قاله ابن الملك. قال القارى: والأظهر أن المشار إليه بهذا
هو الخط المستوى، والتقدير هذا مثل سبيل الله، أو هذا سبيل الله مثلا. وقيل تشبيه بليغ معكوس أى سبيل الله الذى هو عليه
وأصحابه مثل الخط فى كونه على غابة الاستقامة (ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله) أى خطوطا منحرفة عن يمين الخط
المستوى وعن شماله (وقال هذه) أى الخطوط (سبل) أى سبل للشيطان (على كل سبيل) أى رأسه (منها) أى من السبل
(شيطان) من الشياطين (يدعو) ذلك الشيطان الناس (إليه) أى إلى سبيل من السبل، وفيه إشارة إلى أن سبيل اللّه وسط
وقصد، ليس فيه تفريط ولا إفراط، وسبل أهل البدع منحرفة عن الاستقامة وفيها تقصير وغلو (وقرأ) أى رسول الله
وَّة (وأن هذا) بالفتح والتشديد على تقدير أتل عليهم، وقيل على تقدير لام التعليل المتعلقة باتبعوه أى اتبعوه لأنه مستقيم
و(هذا) إشارة إلى ما ذكر فى الآيتين قبله من الأوامر والنواهى، وقيل الإشارة إلى ما ذكر فى هذه السورة أى سورة الأنعام
فإنها بأسرها فى اثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة (صراطى) أى دينى وهو خبر ((أن)) (مستقيما) حال مؤكدة والعامل
فيها اسم الإشارة (الآية) بعدها { ولا تتبعوا السبل) أى سبل الشياطين المنحرفة الزائغة من طرق الشرك والبدعة
والضلالة (فتفرق بكم) بحذف إحدى التائين منصوب بإضمار ((أن)) بعد الغاء فى جواب النهى (عن سيله-٦: ١٥٣)
إشارة إلى أنه لا يمكن اجتماع سيل الحق مع السبل الباطلة، وفيه أن أصحاب سبيل الحق والصراط المستقيم هى الفرقة الناجية،
وأصحاب السبل المنحرفة هى الفرق الغير الناجية (رواه أحمد والنسائى والدارمى) وأخرجه أيضا الحاكم وقال: صحيح. وعبد
ابن حميد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، وابن مردويه، وله شاهد من حديث جابر عند أحمد، وابن ماجه، والبزار.
٢٦٥

مرعاة المفاتيح ج ١
١٠- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٧ - (٢٨) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ◌َفّ: لا يؤمن أحدكم حتى يكون
هواه تبعا لما جئت به. رواء فى شرح السنة، وقال النووى فى أربعينه: هذا حديث صحيح، رويناه
فى «كتاب الحجة، بإسناد صحيح.
١٦٧ - قوله (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه) أى ميل نفسه (تبعا لما جئت به) هذا محمول على نفى أصل الإيمان،
أى حتى يكون تابعا مقتديا لما جئت به من الدين والشرع عن الاعتقاد لا عن الإكراه، وخوف السيف كالمنافقين.
وقيل: المراد نفى الكمال، أى لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون فى متابعة الشرع وموافقته له كموافقته لمألوفاته ، فيستمر على
الطاعة من غير كلفة وكراهية ، وذلك عند ذهاب كدر النفس، وبقاء صفوتها ، وهذه حالة نادرة إلا فى المحفوظين من
أولياءه. وقيل فى معناه: حتى يحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، أى يقدم الشرع على هواه (رواه) أى البغوى
(فى شرح السنة) بإسناده (وقال النووى) بالقصر. قال القارى: ويجوز المد، نسبة إلى نوى قرية من أعمال دمشق، وهو
أبو زكريا محى الدين يحيى بن شرف الحزامى بكسر الحاء المهملة وبالزاى ، نسبة إلى حزام أحد أجداده. ولد فى
أوائل المحرم سنة (٦٣١) كان عالما، فاضلا، متورعا، فقيها، محدثا، ثبتا، حجة ، له تصانيف كثيرة مشهورة، وتأليفات
جية مفيدة، فى الفقه مثل الروضة، وفى الحديث مثل الرياض والأذكار، وفى شرحه مثل شرح مسلم، وغير ذلك من
معرفة علوم الحديث واللغة، سمع من المشائخ الكبار، ومنه خلق كثير، وأجاز رواية شرح مسلم والأذكار لجميع
المسلمين، نشأ بقريته نوى، وحفظ الختمة، وقدم دمشق سنة (٦٥٠) وله تسع عشرة سنة ، فتفقه وبرع، وكان خشن
العيش ، قانعا بالقوت، تاركا للشهوات ، صاحب عبادة وخوف، وكان قوالا بالحق ، كبير الشأن ، كثير السهر ، مكبا
على العلم والعمل، مات فى رجب سنة (٦٧٦) وعاش (٤٥) سنة، وقد بسط ترجمته الذهبي فى تذكرة الحفاظ (ج ٤:
ص ٢٥٩، ٢٦٤) فمن شاء فليرجع إليه (فى أربعينه) أى الأربعين حديثا الذى صنفه (هذا حديث صحيح رويناه)
بصيغة المجهول (فى كتاب الحجة بإسناد صحيح) أى رواه لنا صاحب كتاب الحجة، وهو الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم
المقدسى الشافى الفقيه الزاهد نزيل دمشق، وكتابه هذا، هو ((كتاب الحجة على تاركى سلوك طريق المحجة)) يتضمن ذكر
أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة. والحديث أخرجه أيضا الحافظ أبو نعيم فى كتاب الأربعين ، والطبرانى،
وأبو بكر بن عاصم الأصبهانى، والحكيم الترمذى، وأبو نصر السجزى فى الايانة وقال: حسن غريب. والخطيب،
ونسبه الشيخ الألبانى للحسن بن سفيان، وابن عساكر، قال: أخرجاه فى أربعينهما. وقد تعقب الحافظ ابن رجب على
النووى فى تصحيح الحديث، فقال: تصحيح الحديث بعيد جدا من وجوه، ثم ذكرها، إن شئت الوقوف عليها فارجع
إلى شرحه لأربعین النووى (ص ٢٨٢).
٢٦٦

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - بب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٨ - (٢٩) وعن بلال بن الحارث المزنى، قال: قال رسول اللّه مؤلفى: من أحي سنة من سنتى
قد أميقت بعدى، فإن له من الأجر مثل أجور من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا،
ومن ابتدع بدعة ضلالة لايرضاها الله ورسوله، كان عليه من الإثم مثل آثام من عمل بها لا
ينقص ذلك من أوزارهم شيئا. رواه الترمذى.
١٦٩ - (٣٠) ورواه ابن ماجه عن كثير بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه،
١٦٨ - قوله (وعن بلال بن الحارث المزنى) بضم الميم وفتح الزاى ، نسبة إلى مزينة، يكنى أبا عبد الرحمن ، من
أهل المدينة، كان أول من قدم من مزينة على النبى مؤتم فى رجال من مزينة فى رجب سنة (٥) من الهجرة، أقطعه النبى
مرَّة العقيق، وكان صاحب لواء مزينة يوم الفتح، وكان يسكن وراء المدينة، ثم تحول إلى البصرة. له ثمانية أحاديث.
مات سنة (٦٠) وله (٨٠) سنة (من أحبى سنة) أى أظهرها وأشاعها بالقول والعمل. قال المظهر: السنة ما وضعه
رسول اللّه ◌َيّ من أحكام الدين، وهى قد تكون فرضا كزكاة الفطر، وغير فرض كصلاة العيدين، وقراءة الناس
القرآن فى غير الصلاة، وما أشبه ذلك، وإحياءها أن يعمل بها ويحرض الناس عليها (من سنتى) النظر يقتضى أن يقال:
من سنى، بلفظ الجمع لكن الرواية بالافراد ، فيحمل المفرد على الجنس الشائع فى الافراد (قد أميقت بعدى) أى تركت
عن العمل بها. استعير الإماتة لما يقابل الاحياء، من الترك ومنع الناس عن إقامتها، كما استعير الاحياء للعمل بها
وحث الناس عليها (من غير أن ينقص) على بناء الفاعل، وضميره لإعطاء مثل أجر العاملين لمن أحياها (من أجورهم)
((من)) للتبعيض أى من أجور من عمل بها، فأفرد أولا رعاية للفظه، وجمع ثانيا لمعناه (شيئا) مفعول به أو مفعول مطلق،
لأنه حصل له باعتبار الإحياء، والدلالة، والحث، والعاملين باعتبار الفعل، فلم يتواردا على محل واحد حتى يتوهم أن
حصول أحدهما ينقص الآخر (بدعة ضلالة) بالإضافة، ويجوز أن ينصب نعتا ومنعوتا، وقيد البدعة بالضلالة لا خراج
البدعة الغير الشرعية ، أو هى صفة كاشفة للبدعة (لا يرضاها الله ورسوله) صفة كاشفة لقوله مبدعة، وصفت بهذا
تقبيحا البدعة ، وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى الذى ذكرناه ، وهو ما لا أصل له فى الشرع ، يدل عليه ( كان عليه من
الاثم) أى الوزر وليست لفظة (من الإثم)) فى الترمذى، وهى فى جميع نسخ المشكاة (لا ينقص ذلك) أى ذلك الاثم
(من أوزارهم) وفى الترمذى ((من أوزار الناس)) (شيئا) مفعول به لا غير (رواه الترمذى) فى العلم يعنى عن بلال.
١٦٩ - قوله (ورواه ابن ماجه) فى السنة (عن كثير بن عبد الله بن عمرو) بن عوف المزنى المدنى، قال الحافظ:
ضعيف، ومنهم من نسبه إلى الكذب. وقال المنذرى: متروك واه، وقال أبو داود والشافعى: هو أحد الكذابين.
وقال أحمد: منكر الحديث، ليس بشتى (عن أبيه) عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزنى المدنى، ذكره ابن
٢٦٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
عن جده.
١٧٠ - (٣١) وعن عمرو بن عوف، قال: قال رسول اللّه مَلّم: إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما
تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروبة
حبان فى الثقات ، وقال فى التقريب: مقبول ، من الطبقة الوسطى من التابعين (عن جده) أى عن جد كثير ، وهو عمرو
ابن عوف بن زيد بن ملحة أبو عبد الله المزنى أحد البكائين ، كان قديم الإسلام، شهد بدرا ، وروى ابن سعد عنه: أن
أول غزوة شهدها الأبواء. وقال الواقدى: استعمله النبى معَّم على حرم المدينة. مات فى ولاية معاوية. واعلم أنه
يظهر من كلام المصنف أن هذا الحديث روى عن صحابين أحدهما بلال بن الحارث المزنى ، أخرج عنه الترمذى
بإسناده، والثانى عمرو بن عوف المزنى جد كثير بن عبد الله، وأخرج عنه ابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله ، عن
أبيه، عن جده. والبغوى أيضا عزى هذا الحديث لبلال بن الحارث، وهذا وهم منهما، لأن الحديث رواه الترمذى
وابن ماجه كلاهما من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه ، عن جده أن النبى گێے قال لبلال بن
الحارث: اعلم. قال: أعلم يا رسول الله. قال: إنه من أحيى، إلخ. فهو موجه إلى بلال وليس من روايته، وهذا
السياق للترمذى، ولفظ ابن ماجه عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول اللّه مَّه يقول: من
أحی، إلخ. فالحديث من مسانید عمرو بن عوف، لا من مسانید بلال بن الحارث، فإن للال هذا ثمانية أحاديث، روى
"أربعة منها أصحاب السنن الأربعة، ومالك، وليس هذا الحديث منها كما يظهر من ذخائر المواريث للشيخ عبد الغنى
النابلسى، ويدل أيضا على ما قلنا من أن الحديث عند الترمذى من مسند عمرو بن عوف ، أن النابلسى ذكره فى مسند
عمرو بن عوف، وعزاه الترمذى وابن ما جه کلیهما. والحديث قد حسنه الترمذى واعترض عليه، لأن فى سنده كثير
ابن عبد الله وقد ضعفوه جدا، بل رماه بعضهم بالكذب ، وأجيب عنه بأن تحسينه توثيق للراوی ، وذهاب منه إلى
أنه لم يرض الكلام فيه، كيف وهو من علماء هذا الشأن ، فيعتمد على تحسينه وتصحيحه، وقد احتج بطريق كثير بن
عبد الله عن أبيه عن جده، ابن خزيمة فى صحيحه كما ذكره المنذرى فى الترغيب ، وقيل: حسنه الترمذى لشواهده، فإنه قد
يحسن الحديث الضعيف ويصححه شواهده.
١٧٠ - قوله (إلى الحجاز) هو اسم مكة فالمدينة وحواليهما من البلاد، وسميت حجازا لأنها حجزت أى منعت
وفصلت بين بلاد نجد والغور ، قيل: التوفيق بينه وبين ما سبق من حديث أبى هريرة فى آخر الفصل الأول على كون
الدين والإيمان مترادفين: أنه يأرز أولا إلى الحجاز أجمع ثم إلى المدينة. وفى حديث ابن عمر عند مسلم: وهو أى
الإسلام يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها (وليعقلن) عطف على ((الأرز)، أو على ((إن)) ومعمولها، أى
ليتحصن؛ يقال: عقل الوعل أى امتنع بالجبال العوالى (من الحجاز) أى يمكان منه، أو مكانا منه (معقل الأروية)
٢٦٨

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
من رأس الجبل. إن الدين بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء، وهم الذين يصلحون ما أفسد
الناس من بعدى من سنتى. رواه الترمذى.
١٧١ - (٣٢) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللّه مَلّى: ليأتين على أمتى كما أتى على
بنى اسرائيل حذو النعل بالنعل،
بضم الهمزة وتكسر، وبكسر الواو وتشديد الياء، أنثى الوعول، وهى تيوس الجبل، وهى تعتصم فى أعلى الجبال ، ولذلك
يقال الرعل: الأعصم. والمعقل بكسر القاف، مصدر بمعنى العقل، ويجوز أن يكون اسم مكان أى كاتخاذ الأدوية
(من رأس الجبل) حصنا. قال القارى: وخص الأدوية دون الوعل لأنها أقدر من الذكر على التمكن من الجبال الوعرة
والمعنى: أن الدين فى آخر الزمان عند ظهور الفتن واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الإسلام يعود إلى الحجاز كما
بدأ. وقيل: المعنى أن الدين سيعقل، ويعتصم فى الحجاز، ويجتمع فيه عند ما يكون غريبا فيعود إلى الحجاز كما بدأ منه،
ويكون عزيزا قويافيه كالأروية فى شناخيب الجبال، ثم يمتد وينتشر منه ثانية (غريا) أى كالغريب، أو حال (وسيعود)
أى غريبا (وهم الذين يصلحون) إلخ. أى يعتنون بإصلاح ما أفسد الناس من السنة، ويعملون بها، ويظهرونها بقدر
طاقتهم (رواه الترمذى) فى الايمان من طريق کثیر بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه ، عن جده ، وقال : حديث
حسن. وفيه ما تقدم انتقادا وجوابا. وارجع إلى المشكاة طبعة دمشق بتعليق الشيخ الألباني (ج ١: ص ٦٠)
١٧١ - قوله (ليأتين) من الاتيان وهو المجنى بسهولة ، وعدى بعلى لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك، ومنه قوله
تعالى: ﴿ما تذر من شئ أتت عليه - ٤٢:٥١﴾ (على أمتى) قالوا: المراد أمة الإجابة وهم أهل القبلة، فإن اسم الأمة
مضافاً إليه ◌َّ يتبادر منه أمة الإجابة (كما أتى) وفى جامع الترمذى (ما أتى) أى بغير الكاف، فما موصولة، وهى مع
صلتها فاعل ((ليأتين)) أى ليفعلن أمتى ما فعل بنو إسرائيل من القبائح. وأما توجيه ما وقع ههنا فقال القارى: فاعل «ليأتين))
مقدر يدل عليه سياق الكلام ، والكاف منصوب عند الجمهور على المصدر ، أى ليأتين على أمتى زمان إتيانا مثل الإتيان
على بنى إسرائيل. وجوز أن يكون الكاف فاعلا، أى ليأتين على أمتى مثل ما أتى على بنى إسرائيل (حذو النعل بالفعل)
حذو النعل استعارة فى التساوى، وهو منصوب على المصدر، أى يحذونهم حذوا مثل «ذو النعل بالفعل، يوافقونهم مثل موافقة
النعل للنعل، ويعملون مثل أعمالهم كما تقطع إحدى النعلين على قدر النعل الأخرى، والحذو التقدير والقطع. فإن قيل
قد وقع فيما مضى قتل الأنبياء، وتحريف الكتب ، قلت: لعل ما وقع فى أيام بنى أمية من قتل علماء التابعين مثل سعيد بن
المسیب ونحوه، من هذا القبيل ، فعلاء أمته کا نیاتهم، کیف وقد قتلوا لذة کبدة الرسول ◌ُٹے والولد من أیە کما قيل،
وما اشتهر فيما مضى من تحاريف الباطنية ، وفى هذا الزمان من بعض أهل البدع لا يقصر من تحريفهم، قاله محمد طاهر
٢٦٩

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، لكان فى أمتى من يصنع ذلك. وإن بنى إسرائيل تفرقت
على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين ملة،
الفتنى (حتى إن كان) ((حتى) ابتدائية، والواقع بعده جملة شرطية، و((إن)، بمعنى لو، ولذا قرن جوابها باللام، وقيل ((إن))
هذه مخففة من المثقلة أى حتى إنه (من أتى أمه) إتيانها كناية عن الزنا، والمراد من الأم موطؤة الأب (من يصنع ذلك)
أى الإتيان (وإن بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة) وفى حديث أنس عند ابن ماجه: إن بنى إسرائيل افترقت
على إحدى وسبعين فرقة ، وفى حديث أبى أمامة ، وأبى الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأنس عند الطبرانى، وحديث
عوف بن مالك عند ابن ماجه ، وحديث أنس عند أبي يعلى ما يدل على أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلهم
فى النار، وواحدة فى الجنة، وإن النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة كلهم فى النار ، وواحدة فى الجنة ، وفى حديث
أبى هريرة عند الترمذى وغيره: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو (على الشك) اثنتين وسبعين فرقة،
والنصارى مثل ذلك. ولا تخالف بين هذه الروايات، فإنه يجمع بينها بأنه يمكن أن تكون رواية الاحدى والسبعين
وقت أعلم بذلك، ثم أعلم بزيادة فرقة، إما أنها كانت فيهم ولم يعلم بها النبي ◌َ ◌ّ أولا ثم أعلم بها فى وقت آخر، وإما
أن تكون جملة الفرق فى المدين ذلك المقدار فأخبر به ، ثم حدثت الثانية والسبعون فيهما فأخبر بذلك عليه السلام، وعلى
الجملة فيمكن أن يكون الاختلاف بحسب التعريف بها أو الحدوث، والله أعلم بحقيقة الأمر. و((الملة)) فى الأصل ما شرع
الله لعباده على ألسنة الأنبياء ليتوصلوا به إلى القرب من حضرته تعالى، ويستعمل فى جملة الشرائع دون آحادها، ثم
إنها اتسعت فاستعملت فى الملل الباطلة، فقيل: الكفر ملة واحدة، لأن طريقة أهل الكفر، وكذا طريقة كل فرقة من
أهل الأهواء والبدع كالملة الحقيقية فى التدين بما تدينوا به، فسميت باسمها مجازا (وتفترق أمتى) أى أمة الاجابة ، فيكون
الملل الثلاث والسبعون منحصرة فى أهل قبلتنا، وإن كانت بدعة بعض هذه الملل مكفرة ومخرجة عن الاسلام، هذا هو
المتبادر من إضافة اسم الأمة إليه مرَّة، ويؤيده اعتبار الواقع لأن كل فرقة منهم تدعى الشريعة، وأنها على صوبها، وأنها
المتبعة لها ، وتتمسك بأدلتها ، وتعمل على ما ظهر لها من طريقها، وتناصب العداوة من نسبتها إلى الخروج عنها، وترمى
بالجهل وعدم العلم من ناقضها، لأنها تدعى أن ما ذهبت إليه هو الصراط المستقيم دون غيره، ويؤيده أيضا أن افتراق أمة
محمد شبه بافتراق اليهود والنصارى ، ومن المعلوم أن افتراق بنى إسرائيل وقع حال كونهم من أمة موسى وعيسى، أى
شمول لفظ اليهود والنصارى إياهم (على ثلاث وسبعين ملة) أى يفترقون ثلاثا وسبعين فرقة تندين كل واحدة منها
بخلاف ما تتدین به الأخرى. وفيه إشارة بل تصريح لتلك المطابقة مع زيادة هؤلاء فى إرتكاب البدع بدرجة ، وليس
المراد بالاقتراق فى الحديث مطلق الافتراق حتى يدخل فيه ما وقع من الاختلاف فى مسائل الفروع فى زمان الخلفاء
الراشدين، ثم فى سائر الصحابة، ثم فى التابعين، ثم فى الأئمة المجتهدين، بل المراد به الافتراق المقيد، وهو التفرق الذى
٢٧٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
صاروا به شيعا وأحزابا وفرقا وجماعات ، بعضهم فارق البعض، ليسوا على تألف ، ولا تعاضد، ولا تناصر ، بل على
عدد ذلك من الهجران، والقطيعة، والعداوة، والبغضاء، والتضليل، والتكفير، والتفسيق، وهذه الفرقة المشعرة بتفرق
القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء إنما هى بسبب الابتداع فى الشرع، والخروج عن السنة، لا بسبب أمر دنيوى، ولا
بسبب معصية ليست بدعة. قيل: والمراد بالابتداع المذكور الابتداع فى الأصول والعقائد لا الفروع والعمليات. قال
العلقمى: قال شيخنا: ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمى فى شرح هذا الحديث كتابا قال فيه: قد علم
أصحاب المقالات أنه مرّ لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين فى فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم
من خالف أهل الحق فى أصول التوحيد ، وفى تقدير الخير والشر، وفى شروط النبوة والرسالة ، وفى موالاة الصحابة ،
وما جرى مجرى هذه الأبواب ، لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم ، بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير
ولا تفسيق للخالف فيه ، فيرجع تأويل الحديث فى افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف، وقد حدث فى آخر أيام
الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهنى وأتباعه وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر، وجابر، وأنس
ونحوهم ، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئا فشيئا إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة ، والثالثة والسبعون هم
أهل السنة والجماعة، وهى الفرقة الناجية - انتهى. وقال الشاطى فى الاعتصام: القول بأن الفرق المذكورة فى الحديث هى
المبتدعة فى قواعد العقائد على الخصوص كالجبرية والقدرية والمرجئة وغيرها هو مما ينظر فيه، فإن إشارة القرآن
والحديث تدل على عدم الخصوص، وهو رأى أبى بكر الطرطوشى، أفلا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ
فيتبعون ما تشابه - ٣: ٧) الآية. و((ما) فى قوله «ما تشابه)) لا تعطى خصوصافى اتباع المتشابه لا فى قواعد العقائد ولا
فى غيرها ، بل الصيغة تشمل ذلك كله، فالتخصيص تحكم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست
منهم فى شئ- ٦: ١٥٩) فعل ذلك التفريق فى الدين، ولفظ الدين يشمل العقائد وغيرها من الأقوال والأعمال. وقوله:
﴿ وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله - ٦: ١٥٣) فالصراط المستقيم هو الشريعة
على العموم ، وأشار بلفظ «هذا، إلى ما تقدم ذكره من أصول الشريعة وقواعدها الضرورية، ولم يخص ذلك بالعقائد.
قال: نعم ثم معنى آخر ينبغى أن يذكر ههنا، وهو أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية فى معنى كلى فى
الدين ، وقاعدة من قواعد الشرعية ، لا فى جزئى من الجزئيات ، إذا الجزئى والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها
التفرق شيعا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة فى الأمور الكلية، لأن الكليات تقتضى عددا من الجزئيات غير قليل،
ويدخل شذوذها فى أبواب كثيرة من الأصول والفروع. قال: ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن
المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة ، كما قصير القاعدة الكلية معارضة
أيضا. وأما الجزئى فخلاف ذلك - انتهى كلامه مختصرا. وقد بسط قبل ذلك الكلام (ج ١: ص ١٤١، ١٥٩) فى
ذكر أسباب افتراق هذه الفرق من جماعة المسلمين وخلافهم للفرقة الناجية وابتداعهم الذى صاروا لأجله فرقا وأحزابا،
وجماعات متعادين، متباخنين، متدابرين، متقاطعين فعليك أن ترجع إليه. ثم إن العلماء اختلفوا فى معنى عدد الفرق
٢٧١
/

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
المذكورة فى الحديث فقيل هو للتكثير لا للتحديد، فإن الفرق المذمومة تزيد على المآت بالنظر إلى تفرقهم فى الأصول
والفروع. وقيل: معنى الحديث أن الفرق المذمومة لا بد أن تبلغ هذا العدد، أى لا ينقص عدد الفرق الغير الناجية
من هذا المقدار ، فلا بأس لو زاد على ذلك. والحاصل أن العدد المذكور ليس لنفى الزائد. وقيل: هو محمول على
التحديد ، فإن المراد بالتفرق تفرقهم فى أصول الدين ، والفرق المبتدعة مع شعبها وفروعها لا تزيد على هذا العدد بالنظر
إلى ذلك. ثم اختلف أصحاب هذا القول فى تعيين هذه الفرق، فعينها كثير من العلماء، لكن فى الطوائف التى خالفت فى
مسائل العقائد، فمنهم من عد أصولها ثمانية. فقال: كبار الفرق الإسلامية ثمانية : المعتزلة القائلون: بأن العباد خالقوا
أعمالهم، وبنفى الرؤية، وبوجوب الثواب والعقاب، وهم عشرون فرقة. والشيعة، وهم ثنتان وعشرون فرقة. والخوارج،
وهم عشرون فرقة. والمرجئة، وهم خمس فرق. والنجارية الموافقة لأهل السنة فى خلق الأفعال ، والمعتزلة فى نفى
الصفات وحدوث الكلام، وهم ثلاث فرق. والجبرية القائلة: بسلب الاختيار عن العباد، فرقة واحدة. والمشبهة
الذين يشبهون الحق بالخلق فرقة أيضا. فالجميع اثنتان وسبعون فرقة. فإذا أضيفت الفرقة الناجية إلى عدد الفرق صار
الجميع ثلاثا وسبعين فرقة. وقد وصف صاحب المواقف هذه الفرق وفروعها وشعبها وما انفردت به من الآراء
بأخصر ما كتب فى هذا الموضوع، فارجع إليه. وقد عد الشاطبي أسماء أصول هذه الفرق وفروعها ، ثم قال: وهذا
التعديد بحسب ما أعطته المنة فى تكلف المطابقة للحديث الصحيح، لا على القطع بأنه المراد ، إذ ليس على ذلك دليل
شرعى ، ولا دل العقل أيضا على انحصار ما ذكر فى تلك العدة من غير زيادة ولا نقصان كما أنه لا دليل اختصاص تلك
البدع بالعقائد ومنهم من قال: أصول البدع أربعة، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وهم الخوارج،
والروافض ، والقدرية، والمرجئة ، قال يوسف بن أسباط: ثم تشعبت كل فرقة ثمان عشر فرقة ، فتلك ثنتان وسبعون
فرقة ، والثالثة والسبعون هى الناجية. وقال الشهر ستانى بعد ما ذكر ضابطا فى مسائل الخلاف، وحصرها فى أربع
قواعد هى الأصول الكبار ما لفظه: وإذا تعينت المسائل التى هى قواعد الخلاف ، تبينت أقسام الفرق، وانحصرت
كيارها فى أربع بعد أن تداخل بعضها فى بعض، كبار الفرق الإسلامية أربع القدرية ، الصفاتية، الخوارج، الشيعة ، ثم
يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف ، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة ومنهم من قال : أصول الفرق
الضالة ست: الحرورية، والقدرية، والجهمية، والمرجئة والرافضة، والجبرية، وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتى عشرة
فرقة فصارت إلى اثنتين وسبعين فرقة، وهذان التقديران نحو من الأول يرد عليهما من الإشكال ما ورد على الأول
فالأولى أن لا تعين هذه الفرق الضالة المخالفة للفرقة الناجية فى أصول الدين وقواعده فإنه لا بأس لو لم نحط بأسماء ما
وآراءها تفصيلا. ويقال: لا بد أن تبلغ هذه الفرق العدد المذكور فى الحديث، لأن الزمان باق ، والتكليف قائم ،
والخطرات متوقعة ، والبدع قد نشأت إلى الآن ، ولا تزال تحدث وتكثر مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة. وإلى
عدم التعيين مال أبو بكر الطرطوشى. قال الشاطبى: وهو أصح فى النظر لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل، والعقل لا
يقتضيه. وإن سلمنا أن الدليل قائم له على ذلك فلا ينبغى التعيين لوجوه ثلاثة فذكرها، ثم قال: فمن هنا لا ينبغى الراسخ
٢٧٢
مـ

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنه
كلهم فى النار إلا ملة واحدة.
فى العلم أن يقول: هؤلاء الفرق هم بنو فلان وبنو فلان، وإن كان يعرفهم بعلامتهم بحسب اجتهاده، اللهم إلا فى موطنين:
أحدهما حيث نبه الشرع على تعيينهم كالخوارج، فإنه ظهر من استقراءه أنهم متمكنون تحت حديث الفرق، ويجرى مجراهم
من سلك سبيلهم، ثم ذكر الأحاديث التى وردت فى تعيين أهل القدر وذمهم، وقد تقدم بعضها فى باب الإيمان بالقدر.
قال: والموطن الثانى الذى يجوز فيه التعيين حيث تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزينها فى قلوب العوام ، ومن لا علم
عنده ، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس ، وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدعة
والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود على أنهم منهم. قال: ولما تبين أنهم أى الفرق المذكورة فى
الحديث لا يتعينون لهم خواص وعلامات يعرفون بها ، وهى على قسمين : علامات إجمالية ، وعلامات تفصيلية ، فأما
العلامات الإجمالية فثلاثة: أحدها الفرقة أى التى تكون سببا للتخرب، ومستلزما للعداوة، والبغضاء، والتدابر،
والقطيعة. والثانية اتباع المتشابه من القرآن، وترك المحكم. والثالثة اتباع الهوى وتقديمه على الأدلة الشرعية،
والاعتماد على الرأى، وتحكيم العقل. ثم ذكر ما يعرف به هذه الخواص والعلامات، ومن يرجع إليه فى معرفتها ، ثم
قال: وأما العلامة التفصيلية فى كل فرقة فقد نبه عليها وأشير إلى جملة منها فى الكتاب والسنة ، وفى ظنى أن من تأملها فى
كتاب الله وجد منبها عليها، ومشارا إليها، ولولا فهمنا من الشرع الستر عليها لكان فى الكلام فى تعيينها مجال متسع،
مدلول عليه بالدليل الشرعى، قال: فأنت ترى أن حديث افتراق الأمة لم يعين فى الرواية الصحيحة واحدة منها لهذا المعنى
المذكور. والله أعلم. وإنما نبه عليها فى الجملة لتحذر مظانها، وعين فى الحديث، المحتاج إليه منها، وهى الفرقة الناجية
يتحراما المكلف، وسكت عن ذلك فى الرواية الصحيحة لأن ذكرها فى الجملة يفيد الأمة الخوف من الوقوع فيها ، وذكر
فى الرواية الأخرى فرقة من الفرق الهالكة، كما قال: أشد الفرق فتنة على الأمة ( كلهم فى النار) أى يستحقون الدخول فى
النار من أجل اختلاف العقائد ، فمن أفضى به بدعته إلى الكفر يدخل فيها ألبتة دخولا مؤبدا ، ومن لم يكن كذلك فهو
من يستحق النار إن لم يعف اللّه عنه، فإن عفا عنه فله العفو إن شاء الله (إلا ملة واحدة) بالنصب أى إلا أهل ملة
واحدة، أى فلا يدخلون النار من جهة اختلاف العقائد. وقيل: المعنى يدخل أصحاب الملل الضالة النار بسبب بدعهم،
ثم يخرجون منها برحمة الله، ويدخلون الجنة إلا أهل ملة واحدة، فلا يدخلون النار أصلا، بل يدخلون الجنة أولا ،
وم المتمسكون بالكتاب والسنة المرافقون لجماعة الصحابة، المجتنبون عن الابتداع فى الاعتقاد، والعمل والقول
اتنابا کلیا ، وإن كان مدر من أحد منهم ذنب غیر بدعة ، عفا الله عنه برحمته، أو یکون سكرات الموت ، أو شدائد
القبر، أو أهوالى المحشر كفارة له فيدخل الجنة ابتداء. قال الشاطبى: قوله ((كلها فى النار) وعيد يدل على أن تلك الفرق
قد ارتكبت كل واحدة منها معصية كبيرة ، أو ذنبا عظيما لما تقرر فى الأصول أن ما يتوعد عليه الشر لخصوصيته كبيرة،
إذ لم يقل «كلها فى النار)) إلا من جهة الوصف الذى افترقت بسببه عن السواد الأعظم وعن جماعته، وليس ذلك إلا
:
٢٧٣

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
قالوا: من هى يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابى.
للدعة المفرقة ، إلا أنه ينظر فى هذا الوعيد هل هو أبدى أم لا؟ وإذا قلنا: إنه غير أبدى هل هو نافذ °م فى المشيئة؟.
أما المطلب الأول فينى على أن بعض البدع مخرجة من الإسلام أو ليست مخرجة، والخلاف فى الخوارج وغيرهم من
السبائية، والغرابية، والجناحية، ونحوهم المخالفين فى العقائد، موجود. حيث نقول بالتكفير لزم منه تأيد التحريم على
القاعدة ((أن الكفر والشرك لا يغفره الله سبحانه، وإذا قلنا بعدم التكفير فيحتمل على مذهب أهل السنة أمرين: أحدهما
نفوذ الوعيد من غير غفران، ويدل على ذلك ظواهر الأحاديث، وقوله هنا «كلها فى النار)) أى مستقرة ثابتة فيها. والثانى
أن يكون مقيدا بأن يشاء الله تعالى إصلاءهم فى النار، وإنما حمل قوله «كلها فى النار)) على معنى هى ممن يستحق النار. كما قيل
فى قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا جزاءه جهنم خالدا فيها - ٤: ٩٣﴾ أى ذلك جزاءه إن لم يعف اللّه عنه، فإن
عفا عنه فله العفو إن شاء الله، لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - ٤: ٤٨)
فكما أن القاتل فى المشيئة وإن لم يكن الاستدراك كذلك يصح أن يقال هنا بمثله - انتهى مختصرا. وسيأتى مزيد الكلام فى
ذلك فى شرح حديث معاوية. وقوله (ملة واحدة)) نص فى أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فرق أيضا لم يقل:
إلا واحدة. ولأن الاختلاف منفى عن الشريعة بإطلاق، لأنها الحاكمة بين المختلفين لقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم فى شئى
فردوه إلى الله والرسول - ٤: ٥٩) إذ رد التنازع إلى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضى الخلاف لم یکن فى الرد إليها
فائدة. وقوله (فى شئ) نكرة فى سياق الشرط ، فهى صيغة من صيغ العموم ، فتنتظم كل تنازع على العموم ، فالرد فيها
لا يكون إلا لأمر واحد فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقا، قاله الشاطبى (قالوا من هى) أى تلك الملة أى أهلها الناجية
(ما أنا عليه وأصحابى) أى هى ما أنا عليه وأصحابى، فسر أهل تلك الملة الواحدة بذلك لأن تعريف أهل الملة حاصل
بتعريف ملتهم ، وقيل: التقدير أهلها من كان على ما أنا عليه وأصحابى من الاعتقاد، والقول ، والعمل. والمراد بهم
المهتدون المتمسكون بسنته وسنة الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة الذين فهموا أمر دين اللّه بالتلق من نيه مشافهة
على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال. قال الشاطبى: أصل الجواب أن يقال: أنا وأصحابى، ومن عمل
مثل عملنا ، أو ما أشبه ذلك مما يعطى تعيين الفرقة إما بالإشارة إليها أو بوصف من أوصافها إلا أن ذلك لم يقع ، وإنما
وقع فى الجواب تعيين الوصف لا تعيين الموصوف، فلذلك أتى بما أتى، فظاهرها الوقوع على غير العاقل من الأوصاف
وغيرها، والمراد هنا الأوصاف التي هو عليها ◌َّ وأصحابه، فلم يطابق السوال الجواب فى اللفظ، والعذر عن هذا
أن العرب لا تلتزم ذلك النوع إذا فهم المعنى لأنهم لما سألوه عن تعيين الفرقة الناجية بين لهم الوصف الذى به صارت
ناجية فقال: ما أنا عليهُ وأصحابى. ويمكن أن يقال: إن النبي ◌َّةٍ لما ذكر الفرق، وذكر أن فيها فرقة ناجية كان السوال
عن أعمال الفرقة الناجية لا عن نفس الفرقة، لأن التعريف فيها من حيث هى لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التى نجت
بها، فالمقدم فى الاعتبار هو العمل لا العامل، فلو سألوا ما وصفها أو عملها؟ أو ما أشبه ذلك لكان أشد مطابقة فى اللفظ
٢٧٤
١

١ - كتاب الايمان
مرعاة المفاتيح ج ١
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
والمعنى، فلما فهم عليه السلام منهم ما قصدوا أجابهم على ذلك، وتقول: لما تركوا السوال عما كان الأولى فى حقهم، أتى
به جوابا عن سؤالهم حرصا منه عليه السلام على تعليمهم ما ينبغى لهم تعلمه والسؤال عنه ويمكن أن يقال: إن ما سألوا
عنه لا يتعين ، إذ لاتختص النجاة بمن تقدم دون من تأخر، إذ قد كانوا قد اتصفوا بوصف التأخير، ومن شأن هذا
السوال التعيين، وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضى التعيين، وانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع،
وهو ما كان عليه وأصحابه، وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم ، وهو بالنسبة إلى السائل معين ، لأن أعمالهم كانت
الحاضرين معهم رأى عين ، فلم يحتج إلى أكثر من ذلك، لأنه غاية التعيين اللائق بمن حضر، فأما غيرهم ممن لم يناهد
أحوالهم ولم ينظر أعمالهم فليس مثلهم، ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود، والله أعلم. قال: ولم يعين النبي محمد كلّه
من الفرق إلا واحدة، وإنما تعرض لعدها خاصة، وأشار إلى الفرقة الناجية حين سئل عنها، وإنما وقع ذلك كذلك،
ولم يكن الأمر بالعكس لأمور أحدها أن تعين الفرقة الناجية هو الآكد فى البيان بالنسبة إلى تعبد المكلف، والأحق
بالذكر، إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذا عينت الواحدة ، وأيضا لو عينت الفرق كلها إلا هذه الأمة لم يكن بد من بيانها
لأن الكلام فيها يقتضى ترك أمور وهى بدع، والترك للشئى لا يقتضى فعل شئى آخر لا ضدا ولا خلافا، فذكر الواحدة
هو المفيد على الإطلاق والثانى أن ذلك أوجز لأنه إذا ذكرت نحلة الفرقة الناجية على على البديهة أن ما سواها مما يخالفها
ليس بناج، وحصل التعيين بالاجتهاد بخلاف ما إذا ذكرت الفرق الغير الناجية، فإنه يقتضى شرحا كثيرا، ولا يقتضى فى
الفرقة الناجية اجتهاد لأن إثبات العبادات التى تكون مخالفتها بدءا لاحظ للعقل فى الاجتهاد فيها. والثالث أن ذلك أحرى
بالستر، ولو فسرت لناقض ذلك قصد الستر، ففسرما يحتاج إليه وترك ما لا يحتاج إليه إلا من جهة المخالفة، فللعقل وراء
ذلك مرمى تحت أذيال الستر، فبين النبى مَّم ذلك بقوله «ما أنا عليه وأصحابى)، يعنى أن الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه
عليه السلام، وأوصاف أصحابه، وكان ذلك معلوما عندهم غير خفى ، فاكتفى به ، وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من
بعد تلك الأزمان. وحاصل الأمر أن أصحابه كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم فى القرآن ، وأثنى
عليهم متبوعهم محمد مرَّة، وإنما خلقه مَّ القرآن ، فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة له ، فالمتبع
السنة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك ، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلة للجنة بفضل
الله، وهو معنى «ما أنا عليه وأصحابى، فالكتاب والسنة هو الطريق المستقيم، وما سواهما من الاجماع وغيره فناشئى
عنهما، هذا هو الوصف الذى كان عليه النبي ◌َّمٍ وأصحابه، وهو معنى ما جاء فى الرواية الأخرى (((وهى الجماعة، لأن
الجماعة فى وقت الاخبار كانوا على ذلك الوصف -انتهى. قلت: وهو معنى ما جاء فى حديث أبي أمامة عند الطبرانى:
كلهم فى النار إلا السواد الأعظم. وأصرح من ذلك ما رواه الطبرانى أيضاً عن أبى الدرداء، وواثلة، وأنس بلفظ:
كلهم على الضلالة إلا السواد الأعظم. قالوا يا رسول الله! من السواد الأعظم؟ قال: من كان على ما أنا عليه
وأصحابى. فالمراد ((بالجماعة)) و(«السواد الأعظم، و«ما أنا عليه وأصحابى، شئ واحد، ولا شك أنهم أهل السنة والجماعة.
قال الشيخ الجيلانى فى الغنية: وأما الفرقة الناجية فهى أهل السنة والجماعة. قال: وأهل السنة لا اسم لهم إلا اسم
٢٧٥

مرعاة المفاتيح ج ١.
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه الترمذى.
واحد، وهو أصحاب الحديث. وقال الشاه ولى الله الدحلوى: الفرقة الناجية هم الآخذون فى العقيدة والعمل جميعا بما
ظهر من الكتاب والسنة ، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين ، وإن اختلفوا فيما بينهم فيما لم يشتهر فيه نص ، ولا ظهر
من الصحابة اتفاق عليه، استدلالا منهم بعض ما هنالك، أو تفسيرا لمجمله، وغير الناجية كل فرقة انتحلت عقيدة خلاف
عقيدة السلف، أو عملا دون أعمالهم - انتهى. وقال ابن حزم فى الفصل (ج ٢، ص ١١٣): وأهل السنة الذين نذكرهم
أهل الحق ، ومن عداهم فأهل البدعة ، فإنهم الصحابة وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين ، ثم أصحاب الحديث، ومن
تبعهم من الفقهاء جيلا جيلا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام فى شرق الأرض وغربها - انتهى . قال الشاطبى:
ثم إن فى تعريف الفرقة الناجية المذكورة فى الحديث نظرا، وذلك أن كل داخل تحت ترجمة الإسلام من سنى ومبتدع
مدع أنه هو الذى نال رتبة النجاة ودخل فى غمار تلك الفرقة ، قال فتعيين هذه الفرقة الناجية فى مثل زماننا صعب، ومع
ذلك فلا بد من النظر فيه ، ثم بسط الكلام فى ذلك أشد البسط فارجع إليه (رواه الترمذى) فى الايمان، وحسنه، وفى
سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقى، وقد ضعفه الدار قطنى وغيره. وقال الحافظ: ضعيف فى حفظه، ووثقه
يحيى القطان، وقال البخارى: هو مقارب الحديث. والظاهر أن الترمذى حسنه لشواهده، فمنها حديث أبى هريرة أخرجه
الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، والحاكم، وصححه الترمذى، وسكت عنه أبو داود، وأقر المنذرى تصحيح
الترمذى، وقال الحاكم (ج ١: ص ١٢٨): صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ومنها حديث أنس أخرجه أحمد
(ج ٣: ص ١٢٠) وابن ماجه. قال البوصيرى فى الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى فى مسنده
مطولا من طريقين فى أحدهما أبو معشر نجيح، وفيه ضعف، وفى الآخر يزيد الرقاشى ، قال الهيشمى فى مجمع الزوائد
(ج ٦: ص ٢٢٦) : ضعفه الجمهور، لوفيه توثيق لين، وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الطبرانى فى الصغير مختصرا.
قال الهيشمى (ج ١: ص ١٨٩): وفيه عبد الله بن سفيان، قال العقيلى: لا يتابع على حديثه. هذا، وقد ذكره ابن حبان فى
الثقات و منهاحديث عوف بن مالك، أخرجه ابن ماجه. قال البوصيرى: فى سنده مقال، وراشد بن سعد، قال فيه أبو
حاتم: صدوق، وعباد بن یوسف، لم يخرج لهسوى ابن ماجه، وليس له عنده سوى هذا الحديث. وقال ابن عدی روی
أحاديث تفردبها، وذكره ابن حبان فى الثقات، وباقى رجال الإسناد ثقات -انتهى كلام البوصيرى. قلت: راشد بن سعد
الحمصى ثقة، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والسجلى، ويعقوب بن شية، والنسائى، وابن سعد. وقال أحمد: لا بأس به.
وقال يحيى بن سعد: هو أحب إلى من مكحول. وقال الدارقطنى: لا بأس به إذا لم يحدث عنه متروك. وعباد بن
يوسف الكرايسى، قال عثمان بن محمد: حدثنا إبراهيم بن العلاء: ثنا عباد بن يوسف صاحب الكرايس ثقة، وقال
فى التقريب: مقبول. فالحديث لا يتخط عن درجة الحسن، بل هو صحيح، وأخرجه الحاكم (ج ٤: ص ٤٣٠) من طريق
آخر ، وقال صحيح على شرط الشيخين، وسكت عليه الذهبى. ومنها حديث معاوية بن أبى سفيان، وسيأتى الكلام فيه.
٢٧٦

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٢ - (٣٣) وفى رواية أحمد، وأبى داود، عن معاوية: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة فى الجنة،
ومنها حديث أبي أمامة ، أخرجه الطبرانى فى الأوسط والكبير، وفيه أبو غالب، وثقه ابن معين وغيره ، وبقية رجال
الأوسط ثقات، وكذلك أحد إسنادى الكبير، قاله الهيشمى (ج ٦: ص ٢٥٨، ٢٥٩). ومنها حديث أبى الدرداء،
وواثلة بن الأسقع، أخرجه الطبرانى أيضا، وفى إسناده كثير بن ودان، وهو ضعيف جدا، قاله الهيشمى (ج٦: ص ٢٥٩)
ومنها حديث عمرو بن عوف، عزاه الهيشمى (ج٦: ص ٢٦٠) الطبرانى، وقال: فيه كثير بن عبد الله، وهو ضعيف،وقد
حسن الترمذى له حديثا ، وبقية رجاله ثقات. ومنها حديث سعد بن أبى وقاص ، أخرجه البزار. قال الهيشمى (ج ٦:
ص ٢٥٩): وفيه موسى بن عبيدة الربذی، وهو ضعيف. و منهاحديث ابنعمر، أخرجه أبو يعلى، وفی سنده لیث بن أبى
سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات ، قاله الهيثمى (ج ٦: ص ٢٥٩) ومنها حديث ابن مسعود، وحديث على
موقوفا عليهما ، ذكرهما الشاطبى فى الاعتصام (ج ٢: ص ٢١١) وقال: لا أضمن عهدة صحتهما ، وذكر على المنقى فى
الكنز (ج ١: ص ٩٦) حديثا مرفوعا عن على، وعزاه لابن النجار ، وقد ظهر بما ذكرنا من الكلام فى أحاديث هؤلاء
الصحابة أن بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وتحصل منه أن حديث افتراق الأمة صحيح من غير شك، فلا يعبأ
بقول ابن حزم فى الفصل (ج ٣: ص١٣٨): إن هذا الحديث لا يصح عن طريق الإسناد. وأيضا نفى الصحة لا يلزم منه
ثبوت الضعف أو الوضع، فيمكن أن يراد به ففى الصحة مع ثبوت الحسن رتبة بين الصحيح والضعيف ، وكذا لا يدل
قول المجد صاحب القاموس فى آخر سفر السعادة: أنه لم يثبت فيه شتى. على ثبوت العدم أو الضعف، لاحتمال أن يراد
بالثبوت الصحة، فلا ينتفى الحسن ، وعلى التنزل فيقدم تصحيح الترمذي والحاكم ومن وافقهما على قول ابن حزم والمجد.
١٧٢ - قوله (وفی رواية أحمد) بن حنبل فى مسنده (ج ٤ ، ص ١٠٤) (وأبى داود عن معاوية) أى بعد قول
((وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ومعاوية هذا، هو ابن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو
عبد الرحمن الأموى. أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، وكتب الوحى، وقيل: لم يكتب من الوحى شيئا إنما كتب له
كتبه، تولى الشام بعد أخيه يزيد فى زمن عمر، ولم يزل بها متوليا حاكما إلى أن مات ، وذلك أربعون سنة ، منها فى أيام
عمر أربع سنين أو نحوه، ومدة خلافة عثمان، وخلافة على وابنه الحسن، وذلك تمام عشرين سنة، ثم استوثق الأمر بتسليم
الحسن بن على إليه فى سنة (٤١) ودام له عشرين سنة، فى رجب بد مشق، وله (٤٨) سنة. قال الذهبي: ولى الشام عشرين سنة،
وملك عشرين سنة. وكان حليما، كريما ، سائسا ، عاقلا ، خليقا للإمارة ، كامل السودد ، ذا دها. ورأى ومكر ، كأنما
خلق لللك. له مائة وثلاثون حديثا، اتفقا على أربعة ، وانفرد البخارى بأربعة، ومسلم بخمسة، روى عنه أبو ذر، وابن
عباس من الصحابة ، وجماعة من التابعين. مات فى رجب سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين (ثنتان وسبعون فى النار وواحدة
فى الجنة) قال السندهى فى حاشية ابن ماجه: قيل إن أريد الخلود فى النار فهو خلاف الإجماع، فإن المؤمنين لا يخلدون
فى النار ، وإن أريد مجرد الدخول فيها فهو مشترك بين الفرق ، إذ ما من فرقة إلا بعضهم عصاة ، والقول بأن معصية
٢٧٧

مرعاة المفاتيح ج ١
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١- كتاب الايمان
وهى الجماعة، وأنه سيخرج فى أمتى أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه،
لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله.
الفرقة الناجية مطلقا مغفورة بعيد، أجيب بأن المراد أنهم فى النار لأجل اختلاف العقائد ، فمعنى ((وواحدة فى الجنة))
أنهم لا يدخلون النار لأجل اختلاف العقائد، أو المراد بكونهم فى النار طول مكثهم فيها ، وبكونهم فى الجنة أن لا يطول
مكثهم فى النار. وعبر عنه بكونهم فى الجنة ترغيا فى تصحيح العقائد، وأنه يلزم أن لا يعفى عن البدعة الاعتقادية كما لا يعفى
عن الشرك ، إذ لو تحقق العفو عن البدعة فإن قيل : لا يلزم دخول كل الفرقة المبتدعة فى النار فضلا عن طول مكثهم إذ
هو مخالف لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - ٤: ٤٨﴾ أجيب بأن المراد أنهم
يتعرضون لما يدخلهم النار من العقائد الرديئة، ويستحقون ذلك. ويحتمل أن المراد أن الغالب فى تلك الفرق دخول النار
فيندفع الإشكال من أصله - انتهى (وهى الجماعة) أى الموافقون لجماعة الصحابة الآخذون بعقائدهم، المتمسكون
بطريقتهم، وهم أهل السنة والجماعة، أى أصحاب الحديث الذين اجتمعوا على اتباع آثاره مؤتم فى جميع الأحوال، واتفقوا
على الأخذ بتعامل الصحابة وإجماعهم ، ولم يبتدعوا بالتحريف والتغيير، ولم يبدلوا بالآراء الفاسدة (وأنه سيخرج) أى
سيظهر (فى أمتى أقوام) أى جماعات (تتجارى) بالتائين أى تدخل وتجرى وتسرى (بهم) أى فى مفاصلهم وعروقهم
(تلك الأهواء) جمع هوى أى البدع التى كانت السبب فى الافتراق، وضعت موضعها وضعا للسبب موضع المسبب، لأن
هوى الرجل هو الذى يحمله على الابتداع فى العقيدة والقول والعمل ( كما يتجارى الكلب) بفتحتين دا. يعرض للإنسان
من عض الكلب الكلب أى المكلوب، وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحدا إلا كلب، ويعرض له أعراض
رديئة ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشا، كذا فى النهاية (بصاحبه) أى مع صاحبه إلى جميع أعضاءه أى مثل جرى
الكلب فى العروق، شبه حال الزائغين من أهل البدع فى استيلاء تلك الأهواء عليهم وفى سراية تلك الضلالة منهم إلى الغير
بدعوتهم إليها، ثم تتفرهم من العلم وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلا، بحال صاحب الكلب وسريان تلك العلمة فى عروقه
ومفاصله شبه الجنون ، ثم تعديته إلى الغير فلا يعض المجنون أحداً إلا كلب أى جن، ويعرض له أعراض رديئة تشبه
الماليخوليا مهلكة غالبا ، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشا ، قاله الطبي. وفى هذا التشبيه فوائد: منها التحذير من
مقاربة تلك الأهواء ومقاربة أصحابها ، وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى فإن أصل الكلب واقع فى الكلب ،
ثم إذا عض ذلك الكلب أحدا صار مثله ولم يقدر على الانفصال منه فى الغالب إلا بالهلكة ، فكذلك المبتدع إذا أورد
على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه فى مذهبه ويصير من شيعته ، وإما أن يثبت فى قلبه شكا
يطمع فى الانفصال عنه فلا يقدر، هذا بخلاف سائر المعاصى ، فإن صاحبها لا يضاره ولا يدخله فيها غالبا إلا مع طول
الصحبة والأفس به، والاعتياد لحضور معصيته، وقد أتى فى الآثار ما يدل على هذا المعنى، فإن السلف الصالح نهوا عن
مجالستهم ، ومكالمتهم ، وكلام مكالمهم، وأغلظوا فى ذلك ، قاله الشاطبي وبسط الكلام فى شرح رواية معاوية أيضا ،
٢٧٨
.

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٣ - (٣٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه مَّه: إن الله لا يجمع أمتى، أوقال: أمة محمد،
على ضلالة، ويد اللّه على الجماعة ، ومن شذ شذ فى النار. رواه الترمذى.
فعليك أن ترجع إلى كتابه الاعتصام (ج ٢: ص ٢٣١ - ٢٤٣) وحديث معاوية هذا ، أخرجه أبو داود فى السنة ،
وسكت عليه هو والمنذرى ، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ١٢٨) وقال بعد ذكره وذكر طرق حديث أبى هريرة.
هذه أسانيد تقام بها الحجة فى تصحيح هذا الحديث.
١٧٣ - قوله (إن الله لا يجمع أمتى) أى أمة الإجابة (أو قال: أمة محمد) شك من الراوى (على ضلالة)
أى لا يجتمعون على ضلالة غير الكفر، وقيل: على خطأ فى الاجتهاد. وقيل: على كفر ومعصية، وهذا قبل مجث الريح
اللينة. قيل: فيه دليل على أن إجماع المسلمين حق، والمراد إجماع العلماء المجتهدين من أهل السنة والجماعة، ولا عبرة
بإجماع العوام، لأنه لا يكون عن على ، ووجه الاستدلال به أن عمومه ينفى وجود الضلالة، والخطأ ضلالة فلا يحوز
الإجماع عليه، فيكون ما أجمعوا عليه حقا، وعندنا فى دلالة هذا الحديث وما فى معناه من الأحاديث على حقية الإجماع
الشرعى ثم على حجيته نظر، لأن الاستدلال به على ذلك موقوف على أن المراد بالضلالة ، الخطأ فى الاجتهاد ، وكون
الخطأ المظنون ، ضلالة ممنوع، والظاهر أن المراد به الكفر والمعصية (ويد الله على الجماعة) قال الجزرى: أى أن
الجماعة المتفقة من أهل الإسلام فى كنف الله، ووقايته فوقهم، وهم بعيد عن الخوف والأذى فأقيموا بين ظهرانيهم -
انتهى. وقال الفتى فى المجمع: أى سكينته ورحمته مع المتفقين، وهم بعيد من الخوف والأذى والاضطراب، فإذا
تفرقوا زال السكينة، وأوقع بأسهم بينهم، وفسد الأحوال (ومن شذ) بصيغة المعلوم أى انفرد عن الجماعة وخرج
عنها (شذ) بصيغة المجهول، وحكى بصيغة المعلوم أيضا (فى النار) كذا عند الحاكم، والحكيم الترمذى، وابن جرير،
ووقع فى جامع التر مذى ((إلى النار)) يعنى انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة وألقى فى النار. وقال الطبى: أى فقد
شذ فيما يدخله النار ، أو فى أمر النار، والشذوذ المنهى عنه شرعا هو الشذوذ الذى يشق به صاحبه عصا الإسلام،
ويثير به الفتن المنهى عن إثارتها، كشذوذ الخوارج والرافضة وأمثالهم مما يظهر آنا فأنا لا الشذوذ فى أحكام
الاجتهاد (رواه الترمذى) فى أوائل الفتن، وفى سنده سليمان بن سفيان التيمى، وهو ضعيف. قال البخارى: إنه
منكر الحديث. فالحديث ضعيف لكن له شواهد ذكرها الحافظ فى التلخيص، والحاكم فى المستدرك، تدل على أن
للحديث أصلا. تنبيه: اعلم أن المراد بالاجماع الذى احتجوا على حجيته بهذا الحديث وأمثاله هو الإجماع الشرعى
المصطلح عند الأصوليين ، وهو اتفاق مجتهدى هذه الأمة بعد وفاته مؤ تم فى عصر من الأعصار على أمر دينى.
واختلفوا فى وقوعه، وحجيته، والذى ندين الله به فى هذا هو أن إجماع الصحابة حق وحجة، وإليه الإشارة بقوله
«ما أنا عليه وأصحابى، وأما إجماع مجتهدى الأمة قاطبة بعد عصر الصحابة فى عصر من الأعصار أى الاجماع الكلى.
٢٧٩

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٤ - (٣٥) وعنه، قال: قال رسول اللّه موقع: اتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ فى النار.
رواه (ابن ماجه من حديث أنس).
فلا تصح دعواه عندنا، فإنه متعذر بل ممتنع لعدم إمكان العلم به. ولذا قال الإمام أحمد : من ادعى الاجماع فهو
كاذب. وأما الإجماع الجزئى لخارج عن البحث، وارجع للتفصيل إلى كتب الأصول للذاهب الأربعة، وإرشاد
الفحول للعلامة الشوكانى ، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخواطر لابن قدامة المقدسى.
١٧٤ - قوله (اتبعوا السواد) (السواد)) فى اللغة العدد الكثير، وسواد الناس عامتهم (الأعظم) أى جملة الناس،
ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة الامام أى السلطان الأعظم ، وسلوك النهج المستقيم. وقيل: المراد «بالسواد
الأعظم، من كان على ما عليه رسول الله تَّم وأصحابه من أهل الحديث، وهم الطائفة المنصورون، الظاهرون على
الحق، المعظمون عند الله، المذكورون فى قوله ((لا تزال طائفة من أمتى، الحديث. قال فى الأزهار: اتبعوا السواد
الأعظم يدل على أن أعاظم الناس العلماء وإن قل عددهم، ولم يقل: الأكثر. لأن العوام والجهال أكثر عددا (فإنه)
الضمير للشأن (من شذ) أى نفر عن السواد الأعظم بخروجه على الإمام الذى اجتمع على طاعته معظم الناس ،
أو انفرد عن الجماعة الحقة الناجية، الكائنة على ما هو عليه وأصحابه مَ ◌ّه (رواه ابن ماجه من حديث أنس) كذا
فى جميع طبعات الهند من المشكاة. قال الشيخ الألباني قوله: ((رواه ابن ماجه من حديث أنس، كذا فى الأصل
أى النسخة المطبوعة فى الهند ، وفى جميع النسخ أى المخطوطة الثلاث، وهى نسخة حاكم قطر، ونسخة مكتبة دمشق ،
ونسخة حلب ، بياض. ويظهر أن المؤلف تعمد تركه لأنه لم يجد من أخرجه كما أشار إليه فى مقدمة الكتاب، وكذلك
لم أجده فى شئ من كتب السنة المعروفة حتى الأمالى والفوائد والأجزاء التى مررت عليها وهى تبلغ المئات، ولا
أورده السيوطى فى الجامع الكبير. وأما قول القارى: بعده بياض، وألحق ميرك شاه ((ابن ماجه) ففى هذا الالتحاق
فظر، لأن ابن ماجه وإن رواه عن أنس فهو بلفظ: إن أمتى لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد
الأعظم. وكذا ابن بطة فى ((الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية)) (ق ٢/١٤٥) وسنده ضعيف جدا، ومن ذلك
يتبين أن ما فى الأصل كأنه إضافة نقلا عن ميرك شاه - انتهى. قلت: قال البوصيرى فى زوائد ابن ماجه: فى
إسناد حديث أنس ، أبو خلف الأعمى واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف ، وقد جاء الحديث بطرق، فى كلها نظر،
قاله شيخنا فى تخريج أحاديث البيضاوى - انتهى. قلت: أخرج الحاكم (ج ١، ص ١١٥) وابن جرير كما فى
الكنز (ج ١: ص ٥٣) وذكره الحكيم الترمذى فى نوادر الأصول (ص ١٢٨) بغير سند عن ابن عمر ، قال:
قال رسول الله مؤقّى: لا يجمع اللّه هذه الأمة على الضلالة أبدا، وقال: يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم،
فإنه من شذ شذ فى النار. قال الحاكم: لو حفظ خالد بن يزيد القرى هذا الحديث لحكنا له بالصحة ، ثم بسط الاختلاف
فى سنده ومتنه، وعلى ذلك فكان ينبغى أن يلحق ((الحاكم فى المستدرك)).
٢٨٠
١