Indexed OCR Text
Pages 201-220
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
من خلقه من خمس: من أجله وعمله ومضجعه وأثره ورزقه، رواه أحمد.
١١٤ - (٣٦) وعن عائشة قالت سمعت رسول اللّه مَ ◌ّ يقول: من تكلم فى شئى من القدر سئل
عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم فيه لم يسئل عنه، رواه ابن ماجه.
١١٥ - (٣٧) وعن ابن الديلمى قال:
كذا ولكذا)، وقوله (من خلقه) صلة «فرغ)، أى من خلقة العبد وما يختص به وما لا بد منه من الأجل والعمل
وغيرهما، وقوله (من خمس) بدل منه بإعادة الجار. قال الطبى: والوجه أن الخاق بمعنى المخلوق، و((من)، فيه بيانية،
و((من)) فى ((خمس)) متعاق بفرغ، وقيل من تبعيضية أى فرغ إلى كل عبد كائن من مخلوقه من خمس (من أجله) بفتحتين أى
مدة عمره، ومن بيانية للخمس أو بدل بإعادة الجار (وعمله) أى خيره وشره (ومضجعه) أى سكونه وقراره، والظاهر أن
المراد به مكان موته ومحل قبره (وأثره) أى حركته واضطراره أو أثر مشيه فى الأرض أو ما يحصل له من الثواب
والعقاب (ورزقه) أى حلاله وحرامه، كثيره وقلله (رواه أحمد) (ج ٥: ص ١٩٧) وأخرجه أيضا الطبرانى فى
الكبير والأوسط، والبزار. قال الهيشمى (ج ٧: ص ١٩٥): واحد إسنادى أحمد رجاله ثقات. وأخرج نحوه
الطبرانى فى الأوسط عن ابن مسعود، وابن عساكر عن أنس .
١١٤ - قوله (من تكلم فى شئ من القدر) قيل ((فى شئ)) ولم يقل ((فى القدر)) ليفيد المبالغة فى القلة وفى النهى عنه،
أى من تكلم بشئى يسير منه يسئل عنه يوم القيامة، فكيف بالكثير منه (سئل عنه) سوال تهديد ووعيد، ويحتمل أن يراد به
مطلق السوال. وقال القارى: أى كسائر الأقوال والأفعال، وجوزى كل ما يستحقه (لم يسئل عنه) بأن يقال له ((لم تركت
التكلم فيه؟، فصار ترك التكلم فيه خيرا من التكلم فيه، فالشخص إذا آمن بالقدر ولم يبحث عنه لا يرد عليه سوال الاعتراض
بعدم التفحص ، فإنه غير مأمور به، ولذا قال ◌َّ فيما تقدم على طريق الإنكار: بهذا أمرتم؟ أى بالتنازع بالبحث فى
القدر. وقال أيضا: إذا ذكر القدر فأمسكوا. أخرجه الطيرانى عن ابن مسعود مرفوعا ، فالمقصود من الحديث الزجر.
والمنع من التكلم فى القدر والخوض فيه لعدم الفائدة فيه سوى السوال والمناقشة يوم القيامة (رواه ابن ماجه) فى السنة ،
قال فى الزوائد: إسناد هذا الحديث ضعيف لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان التيمى، قال فيه ابن معين والبخارى وابن
حبان: منكر الحديث. زاد ابن حبان («لا يجوز الاحتجاج به). ویحیی بن عبد الله بن أبى ملیکة، قال ابن حبان فى
الثقات: يعتبر بحديثه إذا روى عنه غير يحيى بن عثمان - انتهى. قلت : حديث عائشة هذا وإن كان ضعيفا لكنه تأيد
بالأحاديث التى تدل على منع الخوض فى القدر والبحث عنه.
١١٥ - قوله (عن ابن الديلمى) بفتح الدال منسوب إلى الديلم ، وهو الجبل المعروف بين الناس ، وابن الديلمى
٢٠١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
أتيت أبى بن كعب فقلت له: قد وقع فى نفسى شئ من القدر حدثنى لعل الله أن يذهبه من قلبى.
فقال: لو أن الله عز وجل عذب أهل سمواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو
رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً فى سبيل الله ما قبله الله منك
هذا هو أبو بسر عبد الله بن غيروز الديلى أخو الضحاك بن فيروز، كان يسكن بيت المقدس، ثقة من كبار التابعين ،
ومنهم من ذكره فى الصحابة. وأبوه فيروز صحابى معروف ، وقال المصنف فى أسماء رجال المشكاة : ابن الديلى هو
الضحاك بن فيروز تابعى حديثه فى المصريين، روى عن أيه - انتهى. والراجح عندنا أن المراد بابن الديلى ههنا هو
عبد الله بن فيروز لا أخوه الضحاك لأنه ليس للضحاك رواية عن أبي بن كعب، والله أعلم (أتيت أبى ابن كعب) هو
أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى النجارى المدنى
سيد القراء، شهد بدرا وما بعدها والعقبة الثانية، كناه النبى ◌َوفق أبا المنذر وعمر أبا الطفيل، وسماه النبىمحدثة سيد
الأنصار وعمر سيد المسلمين، كان يكتب للنبى معَ ◌ّ الوحى، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله
مؤلفة، وأحد الفقهاء الستة الذين كانوا يفتون على عهد رسول اللّه مَّه، وكان أقرأ الصحابة لكتاب الله، كان عمر يسأله
عن النوازل ويتحاكم إليه فى المعضلات ، وله مناقب جمة. روى له مائة وأربعة وستون حديثا، اتفق الشيخان على
ثلاثة ، وانفرد البخارى بأربعة، ومسلم بسبعة، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. واختلف فى سنة موته اختلافا
کثیرا قیل سنة (١٩) وقيل (٢٠) وقيل (٢٢) وقيل (٣٠) وقيل (٣٢) وقيل (٣٣) (قد وقع فى نفسى شئ من
القدر) أى حزازة واضطراب عظيم من جهة أمر القضاء والقدر باعتبار العقل أريد منك الخلاص منه، وقيل ((شئ من
القدر)) أى لأجل القول بالقدر يريد أنه وقع فى نفسه من الشبه لأجل القول بالقدر ، أو المراد بالقدر هو القول بنفى
القدر الذى هو مذهب القدرية (حدثنى) أى بحديث (لعل الله أن يذهبه) دخول ((أن)) فى خبر لعل للتشبيه بعسى (فقال
لو أن الله عز وجل عذب أهل سمواته) من الملائكة (وأهل أرضه) من الأنبياء والأولياء وغيرهم (عذبهم وهو غير
ظالم لهم) الواو للحال ، إرشاد عظيم وبيان شاف لإزالة ما طلب منه لأنه هدم قاعدة الحسن والقبح العقلين لأنه مالك
الأرض والسماوات وما فيهن، فله أن يتصرف فى ملكه كيف يشاء ولا يتصور فى تصرفه ظلم لأنه تصرف فى ملك الغير
ولا ملك لغيره أصلا ثم عطف عليه (ولو رحمهم) إلخ إيذانا بأن النجاة من العذاب إنما هى برحمته وفضله لا بالأعمال
الصالحة ، فالرحمة خير منها فلو شاء أن يصيب برحمته الأولين والآخرين فله ذلك ولا يخرج ذلك عن حكمة (مثل أحد)
بضمتين، جبل عظيم قرب المدينة (ذهبا) تمييز (فى سبيل الله) أى مرضاته (ما قبله الله) أي ذلك الاتفاق أو مثل ذلك الجبل
(منك) وهو تمثيل على سيل الفرض لا تحديد إذ لو فرض إنفاق ملاً السماوات والأرض كان كذلك، وفيه إشارة
٢٠٢٠
١
٠
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت
على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت
حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك. ثم أتيت زيد بن ثابت حدثنى عن النبى مؤتم مثل ذلك، رواه
أحمد وأبو داود وابن ماجه.
إلى أنه لا قبول لعمل المبتدع عند الله تعالى أو هو مبنى على القول بكفر منكره (وتعلم) تخصيص بعد تعميم أن ما أصابك
من النعمة والبلية أو الطاعة والمعصية مما قدره الله لك أو عليك (لم یکن ليخطئك) أى يتجاوز عنك فلا یصیك، بل لا بد
من إصابته، والحيل غير نافعة فى دفعه، وعنوان لم يكن ليخطئك يدل على أنه محال أن يخطتك ، والوجه فى دلالته أن
(لم يكن، يدل على المضئى و(«ليخطئك)) يدل على الاستقبال بواسطة الصيغة سيما مع ((أن، المقدرة فيدل على أنه ما كان قبل
الإصابة فى الأزمنة الماضية قابلا لأن يخطئك فى المستقبل بواسطة تقدير اللّه تعالى وقضاءه فى الأزل، بذلك قاله السندهی ..
(ولو مت) بضم الميم من مات يموت وبكسرها من مات يميت (على غير هذا) أى على اعتقاد غير هذا الذى ذكرت لك
من الإيمان بالقدر (قال) أى ابن الديلى (فقال مثل ذلك) أى مثل جواب أبى فى سوالى (ثم أتيت حذيفة بن اليمان
فقال مثل ذلك) فالحديث من طرق هؤلاء الثلاثة صار موقوفا (ثم أتيت زيد بن ثابت) أفضل كتبة الوحى وأفرض
الصحابة ، وهو زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان الأنصارى النجارى الخزرجى ، أبو سعيد ويقال أبو خارجة المدنى
كاتب الوحى، استصغر يوم بدر، قدم النبي مؤتم المدينة وهو ابن احدى عشرة سنة، وأول مشاهده الخندق ، جمع
القرآن وكتبه فى عهد الصديق ونقله من المصحف فى زمن عثمان، وأمره النبى مؤتم أن يتعلم كتاب يهود فتعلمه فى نصف
شهر فكان يكتب لرسول اللّه مَ ◌ّه إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأه. قال الشعبي: غلب زيد الناس على إثنين:
الفرائض والقرآن. وقال مسروق: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول مؤّم ستة فسماه فيهم ، وقال مسروق:
قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين فى العلم. وقال أبو هريرة يوم مات زيد: مات اليوم حبر الأمة ،
وعسى الله أن يجعل فى ابن عباس منه خلفا. وفضائله كثيرة، له إثنان وتسعون حديثا، اتفقا على خمسة، وانفرد
البخارى بأربعة، ومسلم بواحد. روى عنه خلق كثير٤ مات بالمدينة سنة (٤٥) وقيل (٤٨) وقيل سنة (٥١) وقيل
سنة (٥٥) (حدثنى عن النبى معَّ مثل ذلك) فصار الحديث من طريقه مرفوعا. قال الطيبي: فى سواله من الصحابة
واحدا بعد واحد واتفاقهم فى الجواب من غير تغير ثم انتهاء الجواب إلى حديث النبي مؤثر، دليل على الاجماع المستند
إلى الفص الجلى، فمن خالف ذلك فقد كابر الحق الصريح (رواه أحمد) فى مسنده (جہ: ص ١٨٢) (وأبو داود
وابن ماجه) فى السنة كلهم من طريق أبي سنان سعيد بن سنان عن وهب بن خالد عن ابن الديلى، وأبو سنان هذا قال
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣- باب الايمان بالقدر
١١٦ - (٣٨) وعن نافع أن رجلا أتى ابن عمر فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، فقال: إنه
بلغنى أنه قد أحدث فإن كان قد أحدث فلا تترته منى السلام، فإني سمعت رسول اللّه ل ليه
يقول: يكون فى أمتى أو فى هذه الأمة خسف ومسخ أو قذف فى أهل القدر، رواه الترمذى
وأبو داود وابن ماجه ،
المنذرى: وثقه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه الامام أحمد وغيره وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه والطبرانى فى
الكبير وغيرهما .
١١٦ - قوله (وعن نافع) كنيته أبو عبد الله المدنى، مولى ابن عمر أصابه فى بعض مغازيه، ثقة ثبت فقيه من
أوساط التابعين. قال المصنف: هو من المشهورين بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به ،
معظم حديث ابن عمر دائر عليه. قال مالك: كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر لا أبالى أن لا أسمعه من
غيره. وقال عبد الله بن عمر: لقد من اللّه تعالى علينا بنافع. قال البخارى: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر.
روى عنه خلائق، مات سنة (١١٧) أو بعد ذلك (يقرأ عليك السلام) بفتح الياء والراء، وفى نسخة يقرئ أى بضم الياء
وكسر الراء، قال فى القاموس: قرأ عليه السلام أبلغه كا قرأه ولا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا (فقال) أى
ابن عمر (إنه) أى الشأن وتفسيره الخبر وهو قوله (بلغنى أنه قد أحدث) أى ابتدع فى الدين ما ليس منه من التكذيب
بالقدر (فإن كان قد أحدث) أى ما ذكر (فلا تقرئه من السلام) قال الطيبي: كناية عن عدم قبول السلام. قال القارى:
والأظهر أن مراده أن لا تبلغه منى السلام أورده فإنه يبدعته لا يستحق جواب السلام، ولو كان من أهل الإسلام.
وقال ابن حجر: لا تقرئه منى السلام لأنا أمرنا بمها جرة أهل البدع، ومن ثم قال العلماء: لا يجب رد سلام الفاسق
والمبتدع بل لا يسن زجرا لهما، ومن ثم جاز مجرهم لذلك (يكون فى أمتى أو فى هذه الأمة) أى أمة الاجابة و((أو، الشك
(خسف) أى ذهاب فى عمق الأرض (ومسخ) وفى نسخة ((أو مسخ)) وكذا فى جامع الترمذى، أى تغيير الصورة
(أو قذف) أى رمى بالحجارة من جهة السماء كقوم لوط، و((أو)) للتنويع لا للشك (فى أهل القدر) بدل بعض من قوله
((فى أمتى، بإعادة الجار، وفى سنن ابن ماجه ((وذلك فى أهل القدر)) (رواه الترمذى وأبو داود وابن ماجه) أخرجه
التر مذى فى القدر، وابن ماجه فى الفتن كلاهما من طريق أبي عاصم عن حيوه بن شريح عن أبى صخر عن نافع بالسياق
المذكور ، ولم أجد الحديث فى سنن أبي داود بهذا اللفظ نعم أخرج هو فى السنة عن أحمد بن حنبل عن عبد الله بن يزيد
عن سعيد بن أبى أيوب عن أبى صخر عن نافع قال كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه فكتب إليه عبد الله بن
عمر بلغنى أنك تكلمت فى شئى من القدر فإياك أن تكتب إلى فإني سمعت رسول الله مر ته يقول إنه سيكون فى أمتى أقوام
٢٠٤
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب .
يكذبون القدر. قال المزى فى الأطراف: هو فى رواية ابن الأعرابي وأبى بكر بن داسة. وأخرجه
أيضا أحمد (ج ٢: ص ٩٠) والحاكم (ج ١: ص ٨٤) بهذا اللفظ، ورواه أحمد أيضا (ج ٢: ص ١٠٨) بنحو الرواية
المتقدمة فى الفصل الثانى وفى (ج ٢: ص ١٣٦، ١٣٧) بنحو الرواية التى نحن فى شرحها (وقال الترمذى هذا حديث
حسن صحيح غريب) اعلم أن الغرابة لا تنافى الصحة فيجوز اجتماع الغرابة والصحة فى حديث واحد من غير إشكال،
وكذا لاشبهة فى جواز اجتماع الغرابة والحسن كما أسلفنا، أما اجتماع الحسن والصحة فقد استشكلوه بأن الحسن قاصر عن
الصحيح كما هو ظاهر من تعريفهما عند الجمهور، ففى الجمع بينهما فى حديث واحد نفى ذلك القصور وإثباته وأجيب عنه
بوجوه منها أن ذلك راجع إلى الإسناد، فإذا روى الحديث بإسنادين، أحدهما إسناد حسن، والآخر صحيح استقام أن
يقال فيه إنه حديث حسن صحيح، أى إنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر وفيه أنه لا يصح فى
الأحاديث التى يقول فيها حسن صحيح مع أنه ليس له إلا مخرج واحد، وفى كلام الترمذى فى مواضع يقول: هذا حديث
حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه ومنها أن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة إلا إذا اقتصر على قوله
((حسن)) فالقصور يأتيه بسبب الاقتصار على ذكره لا من حيث حقيقته وذاته ، وبيانه وتوضيحه أن ههنا صفات للرواة
تقتضى قبول الرواة، ولتلك الصفات درجات بعضها فوق بعض كالتيقظ والحفظ والإتقان مثلا فوجود الدرجة الدنيا
كالصدق وعدم التهمة بالكذب لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه كالحفظ والإتقان ، فإذا وجدت الدرجة العليا لم يناف
ذلك وجود الدنيا كالحفظ مع الصدق فيصح أن يقال فى هذا إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا وهى الصدق مثلا ،
صحيح باعتبار الصفة العليا وهى الحفظ والإتقان، ويلزم على هذا أن يكون كل صحيح حسنا ، ويؤيده ورود قولهم
هذا حديث حسن فى الأحاديث الصحيحة ، وهذا موجود فى كلام المتقدمين ومنها أن المراد بقول الترمذى ((حديث
حسن صحيح، ما شابه الصحة والحسن ، فهو إذن دون الصحيح ، وشرح بيانه أن الجمع بين الحسن والصحة فى حديث
واحد رتبة متوسطة بين الصحيح والحسن ، فالمقبول ثلاث مراتب: الصحيح أعلاها ، والحسن أدناها، والثالثة ما
يتشرب من كل منهما ، فإن كل مافيه شبه من شيئين ولم يتمحض لأحدهما اختص برتبة مفردة كقولهم الز وهو ما فيه
حلاوة وحموضة: هذا حلو حامض. أى مز، فعلى هذا يكون ما يقول فيه ((حسن صحيح)) أعلى رتبة عنده من الحسن ،
ويكون حكمه بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن وفيه أنه تحكم لا دليل عليه وهو بعيد من فهمهم
معنى كلام الترمذى. وفيه أيضا أنه يقتضى إثبات قسم ثالث ، ولا قائل به فهو خرق لاجماعهم. وفيه أيضا أنه يلزم
عليه أن لا يكون فى كلام الترمذى حديث صحيح إلا قليلا لقلة اقتصاره على قوله ((هذا حديث صحيح)) مع أن الذى يعبر
فيه بالصحة والحسن أكثره موجود فى الصحيحين ومنها أنه يريد الترمذى بقوله ((حسن صحيح)) فى هذه الصورة الخاصة
الترادف ، فيكون إتيانه باللفظ الثانى بعد الأول التأكيد له كما يقال: حديث صحيح ثابت أو جيد قوى أو غير ذلك.
٢٠٥
منعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
وفيه أن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد لأن الأصل عدم التأكيد ، لكن يندفع ذلك عند وجود القرينة
الدالة على ذلك، وقد وجد فى عبارة غير واحد كالدار قطنى «هذا حديث صحيح ثابت ومنها أنه يجوز أن يريد الترمذى
حقيقتهما الاصطلاحية فى إسناد واحد لكن باعتبار حالين وزمانين ، فيجوز أن يكون سمع هذا الحديث من رجل مرة
فى حال كونه مستورا أو مشهورا بالصدق والأمانة ثم ارتقى وارتفع حاله إلى درجة العدالة فسمعه منه مرة أخرى
فأخبر بالوصفين ، وقد روى عن غير واحد أنه سمع الحديث الواحد على شيخ واحد غير مرة. ورمنها أنه يحتمل أن
يكون الترمذى أدى اجتهاده إلى حسنه وأدى اجتهاد غيره إلى صحته أو بالعكس فهو باعتبار مذهبين ومنها أن المراد
حسن لذاته صحيح لغيره يعنى أنه فى أعلى درجات الحسن وأدنى درجات الصحة ومنها أنه باعتبار صدق الوصفين على
الحديث بالنسبة إلى أحوال رواته عند أئمة الحديث فإذا كان فيهم من يكون حديثه صحيحا عند قوم وحسنا عند قوم
آخرين يقال فيه ذلك وفيه أنه لو أراد ذلك لأنى بالواو التى للجمع فيقول حسن وصحيح. وفيه أيضا أن الترمذى
إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده لا بالنسبة إلى غيره. وفيه أيضا أنه يتوقف على اعتبار الأحاديث التى جمع
الترمذى فيها بين الوصفين، فإن كان فى بعضها مالا اختلاف فيه عند جميعهم فى صحته قدح فى الجواب ومنها أن الحديث
الذى يقول فيه الترمذى ((حسن صحيح)) إن وقع التفرد والغرابة فى سنده فهو محمول على التردد الحاصل من المجتهد فى الرواة.
هل اجتمعت فيهم صفة الصحة أو الحسن؟ فتردد أئمة الحديث فى حال ناقله اقتضى للمجتهد أن يتردد ولا يصفه بأحد
الوصفین جزما فیقال فيه«حسن» باعتبار وصفه عند قوم «صحیح) باعتبار وصفه عند قوم، غاية ما فيه أنه حذف فيه حرف
التردد وكان حقه أن يقول ((حسن أو صحيح)، وهذا كما يحذف حرف العطف من التعداد، وعلى هذا فما قيل فيه حسن
صحيح دون ما قيل فيه صحيح لأن الجزم أقوى من التردد ومنها أنه يجوز أن يكون مراده أن ذلك باعتبار
وصفين مختلفين وهما الإسناد والحكم، فيجوز أن يكون قوله حسن أى باعتبار إسناده ، صحيح أى باعتبار حكمه لأنه
من قبيل المقبول ، وكل مقبول يجوز أن يطلق عليه اسم الصحة ، وهذا يمشى على قول من لا يفرد الحسن من الصحيح ،
بل يسمى الكل صحيحا ، لكن يرد عليه أن الترمذى أكثر من الحكم بذلك على الأحاديث الصحيحة الإسناد ومنها
أنه أراد حسن على طريقة من يفرق بين النوعين لقصور رتبة راويه عن درجة الصحة المصطلحة ، صحيح على طريقة
من لا يفرق، ويرد عليه ما أوردناه سابقا ومنها أنه أراد بالحسن معناه اللغوى، وهو ما تميل إليه النفس وتستحسنه
ولا يأباه القلب دون المعنى الاصطلاحى الذى نحن بصدده وفيه أن حمل الألفاظ الاصطلاحية على معانيها المصطلحة
واجب، ولا يجوز ترك الاصطلاح من غير موجب. وفيه أيضا أنه يلزم أن يطلق لفظ الحسن على الحديث الضعيف،
ولم يقل به أحد إلى الآن ومنها أن المراد حسن باعتبار إسناده، صحيح أى أنه أصح شئى ورد فى الباب ، فإنه يقال
أصح ما ورد كذا وإن كان حسنا أو ضعيفا فالمراد أرجحه أو أقله ضعفا. هذا تلخيص ما فى قوت المغتذى حاشية
جامع الترمذى فى هذا المبحث.
٢٠٦
١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
١١٧ - (٣٩) وعن على قال سألت خديجة النبى مؤ تم عن ولدين ماتا لها فى الجاهلية، فقال رسول الله
مَّ : هما فى النار. قال فلما رأى الكراهة فى وجهها قال: لورأيت مكانهما لأبغضتهما. قالت:
يا رسول الله فولدى منك؟ قال: فى الجنة، ثم قال رسول اللّه ◌ُ له: إن المؤمنين وأولادهم فى
الجنة، وإن المشركين وأولادهم فى النار، ثم قرأ رسول اللّه مؤالى (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم
بإيمان ألحقنابهم ذريتهم)
١١٧ - قوله (سألت خديجة) هى أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى القرشية،
كانت تحت أبى هالة بن زرارة ثم تزوجها عتيق بن عائذ ثم تزوجها النبي مؤلّه ولها يومئذ من العمر أربعون سنة، والنبي
عَّ خمس وعشرون سنة، ولم ينكح النبي ◌َّ قبلها امرأة ولا نكح عليها حتى ماتت. وهى أول من آمن من كافة الناس
من ذكرهم وأنثاهم، وقيل هى أول من آمن من النساء. وكانت تدعى قبل البعثة (الطاهرة)، وجميع أولاده منها غير
إبراهيم فإنه من مارية القبطية. وما تت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بأربع سنين وقيل بثلاث وكان قد مضى من
النبوة عشر سنين، وكان لها من العمر خمس وستون سنة، وكانت مدة مقامها مع رسول اللّه مؤلّعٍ خمسا وعشرين سنة،
ودفنت بالحجون. ومناقبها جمة وفضائلها كثيرة جدا بسط ترجمتها ابن عبد البر فى الاستيعاب، والحافظ فى الإصابة
(عن ولدين) أى عن شأنهما وأنهما فى الجنة أو النار؟ (فلما رأى) النبى مؤقّ (الكرامة) أى أثرها من الكآبة والحزن
(قال) أى تسلية لها (لورأيت مكانهما) وهو جهنم (لأبغضتهما) أى لو أبصرت منزلتهما فى الحقارة والبعد من رحمة الله
وعلمت بغض الله إياهما لأبغضتهما وتبرأت منهما تبرأ إبراهيم عن أبيه (فولدى منك) المراد بأ ولادها منه مَ ل القاسم وعبد الله،
وقيل الطيب والطاهر أيضا، وقيل هما لقبان لعبد الله وهو قول الأكثر (إن المؤمنين وأولادهم فى الجنة) هذا لا خلاف
فيه يعتدبه (وإن المشركين وأولادهم فى النار ثم قرأ رسول اللّه ◌َ بِّه ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنابهم
ذريتهم) وما ألتناهم من عملهم من شئ (سورة الطور: ٢٢) قوله ((والذين آمنوا) مر فوع على أنه مبتدأ والخبر الجملة من
قوله ((ألحقنابهم ذريتهم)، والذى بينهما اعتراض. قال البغوى: اختلفوا فى تفسير الآية، فقال قوم: معناها والذين آمنوا.
واتبعتهم ذريتهم بإيمان يعنى أولادهم الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم أى بإيمانهم الاستقلالى، والصغار.
بإيمان آبائهم أى بإيمانهم التبعى، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين، ألحقنابهم ذريتهم المؤمنين فى الجنة
بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آباءهم تكرمة لآ بائهم لنقر بذلك أعينهم، وهى رواية سعيد بن جبير عن ابن
عباس (رض) وقال آخرون: معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم البالغون بإيمان ألحقنابهم ذريتهم الصغار الذين
٢٠٧
مرعاة المفاتيح ج.
١- كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
رواه أحمد.
١١٨ - (٤٠) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مؤ يّ: لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط
عن ظهره كل نسمة
لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم، وهو رواية العوفى عن ابن عباس (رض) أخبر الله عز وجل أنه يجمع لعبده المؤمن
ذريته فى الجنة كما كان يحب فى الدنيا أن يجتمعوا إليه ، يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه من غير أن ينقص
الآباء من أعمالهم شيئا، فذلك قوله وما ألتناهم أى ما نقصناهم يعنى الآباء من عملهم من شئ - انتهى. ولا ريب أن هذا
الإلحاق لكرامة آباءهم ومزيد سرورهم وتكميل نعيمهم وغبطتهم فى الجنة وإلا فينغص عليهم كل نعيم، وهذا المعنى
مفقود فى الكفار. قال القارى: وظاهر الآية أن الذين آمنوا أعم من الآباء والأمهات. ولعل أولاد خديجة فى النار
لأنها حال موتهم لم تكن مؤمنة، فلا ينافى قول العلماء الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين - انتهى. قلت:
حديث على هذا بظاهره يدل على أن أولاد المشركين فى النار خلافا لمن قال إنهم من أهل الجنة ، ولمن قال بالتوقف فيهم
بمعنى عدم العلم أو عدم الحكم فيهم بشئى، وقد تقدم أن الراجح فيهم قول من ذهب إلى أنهم فى الجنة. وأجيب عن
هذا الحديث بأن المراد بأولاد المشركين فيه أولادهم الكبار وكذا أولاد خديجة ، والنزاع إنما هو فى الصغاردون
الكبار. والظاهر أن يقال إن حديث على هذا لا يقاوم الأحاديث الدالة على كونهم من أهل الجنة ، وهى حديث
سمرة بن جندب فى الرؤيا عند البخارى ، وحديث خنساء بنت معاوية الصريمية عن عمتها عند أحمد ، وحديث أنس عند
أبي يعلى، فتقدم هذه الأحاديث على حديث على، والله أعلم (رواه أحمد) عزوه لأحمد خطأ وإنما رواه ابنه عبد الله فى
زيادات مسند أبيه (ج ١ ، ص ١٣٤) وإليه عزاه الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٧: ص ٢١٧) وقال: وفيه محمد بن
عثمان ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الذهبي فى الميزان (ج ٣: ص ١٠١) فى ابن عثمان: لا يدرى من هو ؟
فتشت عنه فى أماكن، وله خبر منكر فذكر هذا الحديث. وقال الحافظ فى اللسان (ج ٥: ص ٢٧٩) بعد ذكر كلام الذهبي
وسياق الحديث: قلت والذى يظهرلى أنه هو الواسطى المتقدم، هذا. وقال فى (ج ٥: ص ٢٧٨) بعد ذكر كلام الذهبى:
محمد بن عثمان الواسطى عن ثابت البنانى، قال الأزدى ضعيف، وذكره ابن حبان فى الثقات نقال روى عنه أبو عوانة -
انتهى. وفيه أن الراوى عنه ههنا هو محمد بن فضيل لا أبو عوانة والمروى عنه زاذان لا ثابت البنانى، فالظاهر أنه غير
الوالى، والله أعلم. وذكر الحافظ فى التعجيل (ج ٥: ص ٣٧٢) فى ترجمة محمد بن عتمان عن زاذان: كلام الذمى
السابق ثم قال قال شيخنا الهيشمى: ذكره ابن حبان فى الثقات وأغفله الحسينى، قلت وذكره الأزدى فى الضعفاء - انتهى.
والحديث رواه الطبرانى وأبو يعلى عن خديجة كما فى مجمع الزوائد (ج ٧: ص ٢١٧، ٢١٨) وسنده منقطع.
١١٨ - قوله (فسقط) أی خرج ( کل نسمة) بفتح النون والسين المهملة أی ذی روح ، وقيل کل ذى نفس ،
٢٠٨
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيم كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم
على آدم، فقال: أى رب من هؤلاء؟ قال: ذريتك، فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه،
قال: أى رب من هذا؟ قال: داود، فقال: أى رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال:
رب زده من عمرى أربعين سنة، قال رسول الله مؤ لّى: فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك
الموت، فقال آدم: أولم يبق من عمرى أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ جحد آدم فيحدت
ذريته، ونسى آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته، وخطأ آدم وخطأت ذريته، رواه الترمذى.
مأخوذة من النسيم (هو خالقها من ذريته) الجملة صفة نسمة، ذكرها ليتعاق بها قوله ((إلى يوم القيامة)) و((من، بيانية، وفيه دليل
على أن إخراج الذرية كان حقيقيا (وبيصا) أى بريقا ولمعانا (من نور) فى ذكره إشارة إلى الفطرة السليمة، وفى قوله ((بين
عينى كل إنسان)) إيذان بأن الذرية كانت على صورة الإنسان على مقدار الذر (قال ذريتك) أى هم ذريتك (فأعجبه) أى
سره (قال داود) قيل تخصيص التعجب من وبيص داود إظهار لكرامته ومدح له ، فلا يلزم تفضيله على سائر الأنبياء
لأن المفضول قد يكون له مزية بل مزايا ليست فى الفاضل، ولعل وجه الملائمة بينهما اشتراك نسبة الخلافة ( كم جعلت
عمره) كم مفعول لما بعده وقدم لما له الصدر أى كم سنة جعلت عمره (زده من عمرى) أى من جملة الألف، و«من عمرى»
صفة ((أربعين)) قدمت فعادت حالا وقوله (أربعين سنة) مفعول ثان لقوله ((زده، كقوله تعالى {رب زدنى علما) (إلا
أربعين) أى سنة (أو لم يبق من عمرى) بهمزة الاستفهام الإنكارى المنصب على نفى البقاء فيفيد إثباته، وقدمت على
الواو لصدارتها، والواو استئنافية لمجرد الربط بين ما قبلها وما بعدها (أو لم تعطها) أى أنقول ذلك ولم تعطها أى الأربعين
(بجيحد آدم) أى ذلك لأنه كان فى عالم الذر فلم يستحضره حالة مجئى ملك الموت له، قاله ابن حجر. وقيل جحد بحكم
الجملة التى فطر عليها الإنسان من الحرص على المال والعمر فى زمان الشيب وكبر السن (فجحدت ذريته) لأن الولد
سر لأبيه (ونسى آدم) إشارة إلى أن الجحد كان نسيانا أيضا إذ لا يجوز جحده عنادا (فأكل من الشجرة فنسيت ذريته)
وفى رواية الترمذى ((ونسى آدم فنسيت ذريته)) أى بدون قوله ((فأكل من الشجرة)) (وخطأ آدم) قال القارى: بفتح الطاء
أى فى اجتهاده من جهة التعيين والتخصيص، والظاهر أنه بكسر الطاء من باب سمع أى أذنب وعصى ، لقوله تعالى:
﴿ وعصى آدم ربه - ٢٠: ١٢١ ) وفى الحديث إشارة إلى أن ابن آدم مجبول من أصل خلقته على الجحد والنسيان والخطأ
إلا من عصمه الله (رواه الترمذى) فى تفسير سورة الأعراف فى تفسير قوله تعالى: ﴿ وإذأخذربك من بنى آدم من ظهورهم
ذريتهم، الآية -٧: ١٧٢) وقال: حديث حسن صحيح. وقد روى من غير وجه عن أبى هريرة عن النبي مؤتم ، وأخرجه
٢٠٩
مرعاة المفاتيح ج١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
١١٩ - (٤١) وعن أبى الدرداء عن النبى مَّه قال: خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه
اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحم، فقال
للذى فى يمينه: إلى الجنة ولا أبالى، وقال للذى فى كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالى، رواه أحمد.
١٢٠ - (٤٢) وعن أبى نضرة
أيضا الحاكم فى مستدركه (ج٢: ص ٥٨٦،٥٨٥) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وابن أبى حاتم فى تفسيره.
هذا ، وقد أخرج الترمذى حديث أبى هريرة هذا فى آخر كتاب التفسير من طريق سعيد بن أبى سعيد المقبرى ، وقد
ذكره المصنف فى الفصل الثالث من باب السلام، وبين الروايتين مخالفة ظاهرة ويأتى هناك وجه الجمع بينهما إن شاء
الله تعالى.
١١٩ - قوله (حين خلقه) قال الطيبي: ظرف لقوله (فضرب) ولا يمنع الفاء من العمل لأنه ظرف على أن الفاء
السبية أيضا غير مانعة لعمل ما بعدها فى ماقبلها. وقال السيد جمال الدين: ويحتمل أن يكون ظرفا لقوله ((خلق الله))
والمقصود الإشارة إلى عدم العلم بزمان خلقه-انتهى (ذرية بيضاء) أى نورانية (كانهم الذر) بفتح الذال المعجمة ،
وهى صغار النمل، والتشبيه فى الهيئة ، وقيل أى الأبيض بدليل مقابلة الآتى (كأنهم الحم) بضم الحاء جمع حمعة، وهى
الفحم (فقال للذى فى يمينه) أى فى جهة يمين آدم من ذرية المؤمنين بعد إخراجهم من كتفه اليمنى، وقال ابن حجر:
أنى الذى فى كتفه اليمنى بدليل «فى كتفه اليسرى)) الآتى فيكون باعتبار ما كان - انتهى. والمعنى يعنى قال تعالى لآدم لأجل
الذى فى يمينه وعن قبلهم وفى حقهم. و((الذى) صفة الفريق، نحو قوله تعالى ﴿ كالذى خاضوا﴾ (إلى الجنة) خبر مبتدأً
محذوف أى هؤلاء أصيرهم أو أوصلهم إلى الجنة (ولا أبالى) حال من الضمير المستكن فى الخير، أى والحال أنى لا أبالى
بأحد، كيف وأنا الفعال لما يريد، والخلق كلهم لى عبيد، فتصرفت فیھم کیف شئت (وقال الذی فی کتفه الیسری) کذا فى
أكثر الفسخ، وهذا باعتبار ما كان ، وفى أصل السيد جمال الدين ((كفه اليسرى)) أى بفتح الكاف وتشديد الفاء، وكذا
وقع فى مسند أحمد (ج ): ص ٤٤١) والظاهر أن ضمير («يمينه)) و((كفه)) إلى آدم، والمراد جهناه، ونسخة ((كتفه)) صريحة
فى هذا المعنى، والحديث دليل على سبق القضاء على وفق عليه الأزلى فإن القضاء نتيجة علمه تعالى (رواه أحمد)
(ج ٦ : ص ٤٤١) وأخرجه أيضا البزار والطبرانى، قال الهيشمى (ج ٧: ص ١٨٥): ورجاله رجال الصحيح. قال
الشيخ الألباني بعد ذكره: إن عنى رجالا غير رجال أحمد فقد يكونون كما ذكر، وإلا فرجاله ليسوا رجال الصحيح بل هم
ثقات فقط - انتهى. فتأمل.
١٢٠ - قوله (وعن أبى نضرة) بنون ومعجمة ساكنة، اسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدى العوقى البصرى ،
٢١٠
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
أن رجلا من أصحاب النبي ◌َّم يقال له أبو عبد الله، دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكى، فقالوا
له: ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول اللّه مَ له: خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقانى؟ قال: بلى،
ولكن سمعت رسول اللّه مَ ثم يقول: إن اللّه عز وجل قبض بيمينه قبضة، وأخرى باليد الأخرى،
وقال: هذه لهذه، وهذه لهذه؛ ولا أبالى. ولا أدرى فى أى القبضتين أنا؟ رواه أحمد.
مشهور بكنيته، ثقة من أوساط التابعين، مات سنة (١٠٨) أو (١٠٩) (أن رجلا من أصحاب النبي ◌َّم يقال له
أبو عبد اللّه) جهالة الصحابي لا تضر فى الخبر حيث كلهم عدول، قال النووى فى التقريب: الصحابة كلهم عدول من
لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به - انتهى. وارجع إلى التدريب (٢٠٤) والمراد بالعدالة فى قولهم («الصحابة كلهم
عدول)) هو التجنب عن تعمد الكذب فى الرواية وانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها كما صرح بذلك الشاه
عبد العزيز الدهلوى فى بعض إفاداته. قال السخاوى فى فتح المغيث: قال ابن الأنبارى: ليس المراد بعدالتهم ثبوت
العصمة لهم واستحالة المعصية منهم ، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية
إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك - انتهى. وارجع إلى ظفر الأمانى فى مختصر الجرجانى (ص ٣١١،٣١١)
(يعودونه) من العيادة (وهو يبكى) جملة حالية (ألم يقل لك رسول الله عزّم خذ من شاربك) أى بعضه يعنى قصه
(ثم أقره) بفتح الهمزة وكسر القاف وتشديد الراء، أى دم عليه (حتى تلقانى) أى على الحوض أو غيره، قال
القارى: و((حتى) تحتمل الغاية والعلة. قال الطبى: الهمزة للإنكار، دخلت على النفى فأفادت التقرير والتعجب أى كيف
تبكى؟ وقد تقرر أن رسول اللّه مَ فيه وعدك بأنك تلقاه لا محالة، ومن لقيه راضيا عنه مثلك لاخوف عليه (قال بلى)
أى أخبرنى بذلك (قبض) أى بعض الذرية (بيمينه قبضة) أى واحدة (وأخرى) أى وقبض قبضة أخرى لبعض الذرية
(باليد الأخرى) لم يقل بيساره أدبا، ولذا ورد فى حديث آخر: وكلنا يديه يمين (وقال هذه) أى القبضة التى قبضها باليمين
يعنى من فيها أو هذه المقبوضة (لهذه) أى للجنة (وهذه لهذه) أى النار (ولا أبالى) أى فى الحالتين (ولا أدرى فى أى
القبضتين أنا) حاصل الجواب أنى أخاف من عدم الاحتفال والا كتراث فى قوله (ولا أبالى)) كذا قاله الطبى. يعنى غلب
على الخوف بالنظر إلى عظمته وجلاله بحيث منعنى من النظر والتأمل فى رحمته وجماله، فإنه تعالى لذاته وعدم مبالاته، له أن
يفعل ما يريد ولا يجب عليه شئى للعيد، وأيضا لغلبة الخوف قد ينسى البشارة والرجاء بها مع أن البشارة مقيدة بالثبات
والدوام والإقامة على طريق السنة والاستقامة، وهو أمر دقيق وبالخوف حقيق. قال الطيبي: وفى الحديث إشارة إلى
أن قص الشارب من السنن المؤكدة، والمداومة عليه .وصلة إلى قرب دار النعيم فى جوار سيد المرسلين، فيعلم أن من
ترك سنة أى سنة، فقد حرم خيرا كثيرا فكيف المواظبة على ترك سائرها (رواه أحمد) (ج ٤: ص ١٧٦، ١٧٧)
٢١١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
١٢١ - (٤٣) وعن ابن عباس رضى اللّه عنه عن النبى مؤثم قال: أخذ اللّه الميثاق من ظهر آدم
بنعمان يعنى عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلهم قبلا قال:
﴿ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك
آباؤنا من قبل، وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟﴾
و(ج ٥: ص ٦٨) قال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٧: ص ١٨٦): رجاله رجال الصحيح. وفى معنى الحديث عن
عبد الرحمن بن قتادة السلمى عند أحمد والحاكم، وعن أنس عند أبى يعلى، وعن أبى موسى وأبى سعيد وابن عمر ومعاذ
ابن جبل وآخرين ، ذكر أحاديثهم الهيثمى فى مجمع الزوائد مع الكلام عليها .
١٢١ - قوله (أخذ اللّه الميثاق) يعنى العهد أى أراد أخذه بدليل قوله «فأخرج)» (بنعمان) كسلان موضع بقرب
عرفة بين مكة والطاقم، قال الراوى (يعنى عرفة) أى بقرب عرفة وبجوارها (ذرأما) أى خلقها إلى يوم القيامة
(فنثرهم) أى بثهم وفرقهم ونشرهم (بين يديه) أى قدام آدم ( كالذر) أى مشبهين بالنمل فى صغر الصورة (ثم كلهم قبلا)
بضمتين وهو حال، أى كلهم عيانا ومقابلة لا من وراء حجاب ولا أن يأمر أحدا من ملائكته (قال) استئناف بيان،
وقيل بدل ((من كلهم)) (ألست بربكم قالوا بلى) أنت ربنا، والصحيح أن جوابهم بقول («بلى، كان بالنطق وهم أحياء، عقلاء
(شهدنا) هذا من تتمة المقول، أى شهدنا على أنفسنا بذلك وأقررنا بوحدانيتك (أن تقولوا) أى فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا
أكم احتجاجا أو لثلا تقولوا (يوم القيامة) ظرف ((أن تقولوا)) (إنا كنا عن هذا) أى الميثاق أو الإقرار بالربوبية (غافلين)
أى جاهلين لا نعرفه ولا نبهنا عليه (إنما أشرك آباؤنا من قبل) أى من قبل ظهورنا ووجودنا أو من قبل إشراكنا
(وكنا ذرية من بعدهم) أى فاقتدينا بهم ، فاللوم عليهم لا علينا (أفتهلكنا) أى أتعلم ذلك فتعذبنا (بما فعل المبطلون) من
آبائنا بتأسيس الشرك، والمعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير به على لسان
صاحب المعجزة قائم مقام ذكره فى النفوس. هذا، وقد تقدم فى شرح حديث عمر فى الفصل الثانى أن المعتزلة قالوا:
لا يجوز تفسير هذه الآية بحديث عمر. وفى معناه حديث ابن عباس هذا ، قال التور بشتى: لا يحتمل حديث ابن عباس
من التأويل ما يحتمله حديث عمر، ولا أرى المعتزلة يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم: حديث ابن عباس هذا من الآحاد فلا
نترك به ظاهر الكتاب. وإنما هربوا من القول فى معنى الآية بما يقتضيه ظاهر الحديث، لمكان قوله: أن تقولوا يوم القيامة
إنا كنا عن هذا غافلين. فقالوا إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين
فلهم يوم القيامة أن يقولوا شهدنا يومئذ فلا زال عنا علنا بالضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ،
وإن كان عن استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أن يقولوا أيدنا يوم الإقرار بالتوفيق والعصمة، وحرمناهما
٢١٢
.
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - بابَ الإيمان بالقدر
رواه أحمد .
١٢٢ - (٤٤) وعن أبي بن كعب فى قول الله عز وجل ﴿وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم
ذريتهم) قال: جمعهم جعلهم أزواجاً ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا،
من بعد ، ولو مددنا بهما لكانت شهادتنا فى كل حين كشهادتنا فى اليوم الأول. فقد تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم
من العقول وآتاهم وآباءهم من البصائر لأنها هى الحجة الباقية المانعة لهم أن يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين. لأن الله تعالى
جعل هذا الإقرار حجة عليهم فى الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم فى الايمان بما أخبروا به من الغيوب.
قال الطيبي: وخلاصة ما قالوه أنه يلزم أن يكونوا محتجين يوم القيامة بأنه زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آراثنا ، فيقال
لهم كذبتم بل أرسلنا رسلنا تترى يوقظونكم من سنة الغفلة. وأما قولهم حرمنا من التوفيق والعصمة من بعد ذلك ، فجوابه
أن هذا مشترك الإلزام إذلهم أن يقولوا لا منفعة لنا فى العقول والبصائر حيث حرمنا عن التوفيق والعصمة والحق أن
تحمل الأحاديث الواردة على ظواهرها ولا يقدم على الطعن فيها بأنها آحاد لمخالفتها لمعتقد أحد، ومن أقدم على هذا فقد
خالف طريقة السلف الصالحين لأنهم كانوا يثبتون خبر واحد عن واحد عن النبى مَ ◌ّه ويجعلونه سنة - انتهى. وقال
القطب الشيرازى ما حاصله: أن الله سبحانه وتعالى كان له ميثاقان مع بنى آدم ، أحدهما تهتدى إليه العقول من نصب
الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالى. وثانيهما المقالى الذى لا يهتدى إليه العقل بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال
العباد من الأزل إلى الأبد كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فأراد النبي ◌َّم أن يعلم الأمة ويخبرهم عن أن وراء الميثاق
الذى يهتدون إليه بعقولهم ميثاقا آخر أزليا، فقال ما قال من مسح ظهر آدم عليه السلام فى الأزل وإخراج الذرية من
ظهره ليعرف منه أن هذا النسل الذى يخرج فيما لا يزال من أصلاب بنى آدم الذر الذى أخرج فى الأزل من صلب آدم ،
وأخذ منه الميثاق المقالى الأزلى كما أخذ منهم فى ما لايزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الحالى اللا يزالى - انتهى
(رواه أحمد) (ج ١: ص ٢٧٢) وقال الهيشمى (ج ٧ : ص ١٨٩): رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أيضا النسائى
فى كتاب التفسير من سنته الكبرى ، وابن جرير ، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ـ انتهى. وقد روى هذا
الحديث موقوفا على ابن عباس، قال ابن كثير: وهذا أى كونه موقوفا على ابن عباس أكثر وأثبت - انتهى. لكنه فى
حكم المرفوع لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه ولا مجال، فإنه لا سبيل إليه إلا السماع عن النبى مَّم ، ويؤيده حديث
عبد الله بن عمرو عند ابن جرير ، وحديث أبى أمامة عند الطبرانى وابن مردويه ، وأثر أبى بن كعب الآتى بعده.
١٢٢ - قوله (فى قول الله عز وجل) أى فى تفسير قوله تعالى (قال) أى أبى (جمعهم) أى الله بعد أن أخرجهم
(أزواجا) أى ذكورا وإناثا أو أصنافا وهو الأظهر، وفسر الأصناف بقوله الآتى: فرأى الغنى والفقير (ثم صورهم) أى
على صورهم التى يكونون عليها بعد (فاستنطقهم) أى خلق فيهم العقل وطلب منهم النطق (فتكلموا) بما شاء اللّه أو بما
٢١٣
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
ثم أخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا بلى، قال: فإنى أشهد عليكم
السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، إعلموا
أنه لا إله غيرى ولا رب غيرى، ولا تشركوا بى شيئا، إنى سأرسل إليكم رسلى يذكرونكم عهدى
وميثاقى، وأنزل عليكم كتبى، قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا، لارب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك.
فأقروا بذلك، ورفع عليهم آدم عليه السلام ينظر إليهم، فرأى الغنى والفقير وحسن الصورة
ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بين عبادك؟ قال: إنى أحببت أن أشكر. ورأى الأنبياء فيهم
مثل السرج عليهم النور، خصوا بميثاق آخر فى الرسالة والنبوة،
سيأتى (أشهدهم على أنفسهم) أى على ذواتهم أو قال لهم أشهدوا على أنفسكم (ألست بربكم) إما استئناف بيان وإما
التقدير: أشهدهم بقوله ألست بربكم. أى استشهدهم بهذا (قالوا بلى) أى شهدنا (فإنى أشهد عليكم السموات السبع والأرضين
السبع) أى زيادة على شهادتكم على أنفسكم (أن تقولوا) أى لئلا تقولوا (إعلوا) أى تحققوا الآن قبل مجنى ذلك الزمان
وتبين الأمر بالعيان (إنى) بكسر الهمزة استئناف أى إنى مع هذا البيان (وأنزل عليكم كنبي) بواسطة رسلى فيها تيا
كل شئ مما يتعلق بعهدى وميثاقى (فأقروابذلك) أى بجميع ما ذكر (ورفع) بالبناء للمجهول (عليهم) أى أشرف
عليهم من مقام عال (ينظر إليهم) حال أو مفعول له بتقدير أن (فرأى) أى آدم منهم (الغنى) صورة ومعنى باعتبار
الآثار اللائحة (والفقير) يدا وقلبا (وحسن الصورة) الظاهرة والباطنة (ودون ذلك) أى فى الحسن أو غير ما ذكر
(لولا سويت) أى لم ما سويت؟ (بين عبادك) والقصد به أن يبين له حكمته (إنى أحببت أن أشكر) بصيغة المجهول، قال
ابن حجر المكى: إن الغنى يرى عظيم نعمة الغنى، والفقير يرى تعظيم نعمة المعافاة من كدر الدنيا ونكدها وتعبها الذى
لا حاصل له غير طول الحساب وترادف المحن وتوالى العذاب، وحسن الصورة يرى ما منحه من ذلك الجمال
الظاهر الدال على الجمال الباطن غالبا، وغيره يرى أن عدم الجمال أدفع للفتنة وأسلم من المحنة، فكل هؤلاء يرون مزيد تلك
النعم عليهم فيشكرون عليها ولو تساووا فى وصف واحد لم يتيقظوا لذلك (ورأى) أى آدم (الأنبياء فيهم) أى حال
كونهم مندرجين فى جملتهم (مثل السرج) بضمتين جمع سراج بكسر المهملة (عليهم النور) أى يغلب عليهم النور كانه
يان لوجه شبههم بالسرج (خصوا) بصيغة المجهول (بميثاق آخر) بعد ما دخلوا فى ميثاق العوام للإهتمام التام بمرامهم
عليهم الصلاة والسلام ، فقوله ((خصواء استئناف أو صفة للأنبياء (فى الرسالة والنبوة) أى فى شأنهما والقيام بحقهما
٢١٤
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
وهو قوله تبارك وتعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ((إلى قوله)) عيسى بن مريم) كان فى تلك
الأرواح فأرسله إلى مريم عليها السلام، حدث عن أبى أنه دخل من فيها، رواه أحمد .
١٢٣ - (٤٥) وعن أبى الدرداء قال بينما نحن عند رسول اللّه على نتذاكر ما يكون، إذ قال
رسول اللّه مَ ◌ّى: إذا سمعتم بحبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل تغير غمن خلقه فلا
تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه،
(وهو قوله تبارك وتعالى) أى هذا الميثاق هو المراد بقوله: (وإذ أخذنا من النيين ميثاقهم) الآية من أوائل سورة
الأحزاب، قال قتادة: أخذ اللّه الميثاق على النبين خصوصا على أن يصدق بعضهم بعضا ويتبع بعضهم بعضا وأن ينصحوا لقومهم
وأن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته وإلى الدين القيم، وأن يبلغوا رسالات ربهم، وذلك حين أخرجوا من صلب
آدم كالذر-انتهى. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول
مصدق لما معكم لتؤمنن به ولنتنصر نه، الآية - ٣: ٨١﴾ (كان) أى عيسى (فى تلك الأرواح) أى أرواح الذرية (فأرسله)
أى روحه، وهو يذكر ويؤنث أى مع جبريل (فحدث) بصيغة المجهول أى روى (أنه) أى الروح (دخل من فيها) أى
من فمها إلى جوفها ثم رحمها (رواه أحمد) كلا، بل رواه ابنه عبد الله فى زوائد مسند أيه (ج ٥: ص ١٣٥) قال
الهيشمى (ج ٧: ص ٢٥) بعد ذكر الحديث: رواه عبد الله بن أحمد عن شيخه محمد بن يعقوب الربالى وهو مستور
وبقية رجاله رجال الصحيح - انتهى. وأخرجه أيضا ابن أبى حاتم وابن جرير وابن مردويه فى تفاسيرهم، وهو وإن كان
موقوفا على أبي بن كعب من قوله، لكنه مرفوع حكما فإنه لا سبيل إليه إلا السماع عن النبي ◌َ ◌ّه، والله اعلم.
١٢٣ - قوله (نتذاكر) أى مع بعضنا بحضرته وهو يسمع (ما يكون) ما موصولة أى الذى يحدث من
الحوادث أهو شئ مقضى مفروغ منه. فتوجد تلك الحوادث على طبقه أو شئ يوجد أنفا من غير سبق قضاء (زال
عن مكانه) أى الذى هو فيه وانتقل إلى غيره (فصدقوه) أى لا مكانه، وفى المسند ((فصدقوا)) أى بغير الضمير المنصوب
قال العزيزى: أى اعتقدوا أن ذلك غير خارج عن دائرة الامكان (تغير عن خلقه) بضم اللام وتسكن ، أى خلقه.
الأصلى بالكلى (فلا تصدقوا به) أى بالخبر عنه بذلك فإنه غير ممكن عادة (فإنه) أى الرجل، والمراد به الجنس (يصير)
فى كل ما يريد أن يفعله (إلى ما جبل عليه) من الأخلاق يعنى الأمر على ما قدر وسبق حتى العجز والكيس ، فإذا
۵
سمعتم بأن الكيس صار بلدا أو بالعكس فلا تصدقوا به. وضرب زوال الجبل مثلا تقريب، فإن هذا ممكن، وزوال
الخلق المقدر عما كان فى القدر غير ممكن. وقال المناوى: يعنى وإن فرط منه على الندور خلاف ما يقتضيه طبعه فما هو
٢١٥
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
رواه أحمد .
١٢٤ - (٤) وعن أم سلمة، قالت: يا رسول اللّه لا يزال يصيك فى كل عام وجع من الشاة
المسمومة التى أكلت. قال: ما أصابفى شتى منها إلا وهو مكتوب على وآدم فى طينته، رواه
ابن ماجه .
إلا كطيف منام أو برق لمع، وما دام فكما لا يقدر الإنسان أن يصير سواد الشعر بياضا فكذا لا يقدر على تغير طبعه ،
أى الذى خلق عليه. وقدر له فى الأزل. وقال القارى: التبديل الأصلى الذاتى غير ممكن كما أشار إليه الحديث، وأما
التبديل الوصفى أى تبديل الأخلاق عن مقتضى العادة وتعديلها على سنن الاستقامة والعبادة فهو مكن ، بل العبد مأمور به
ويسمى تهذيب النفس وتحسين الأخلاق. قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها) وفى الحديث: حسنوا أخلاقكم.
وارجع إلى فيض القدير (ج ١: ص ٣٨١) المناوى، وإلى الاحياء للغزالى، فإنه قد استوفى الكلام فى ذلك (رواه أحمد)
(ج ٦: ص ٤٤٣) من رواية الزهرى أن أبا الدرداء قال: بينما إلخ. قال الهيشمى (ج ٧: ص ١٩٦): رجاله رجال
الصحيح، إلا أن الزهرى لم يدرك أبا الدرداء -انتهى. وقال السخاوى: حديث منقطع. وكان مقتضى دأب المصنف أن
يقول : روى الأحاديث الخمسة أحمد.
١٢٤ - قوله (وعن أم سلمة) بفتح اللام، هى أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم القرشية المخزومية، تزوجها النبي مَاللّه بعد أبى سلمة بن عبد الله سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك
ستين سنة، ماتت سنة (٦٢) وقيل سنة (٦١) وقيل: قبل ذلك، والأول أصح، ودفنت بالبقيع، قيل وكان
عمرها (٨٤) سنة. قال الذهبي: هى آخر أمهات المؤمنين وفاة، لها ثلاث مائة وثمانية وسبعون حديثا، اتفقا على ثلاثة
عشر، وانفرد البخارى بثلاثة ، ومسلم بمثلها، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين (يصيبك) أى يحصل لك
(وجع) بفتح الجيم أى ألم (من الشاة) أى من أجل أثر الشاة (المسمومة التى أكلت) فى خيبر (ما أصابتى شئى منها)
أى من تلك الشاة، أو من تلك الأكلة (ألا وهو) أى ذلك الشئى من الألم (وآدم فى طيئته) أى ما تم خلقه، وهو
كناية عن تقدم التقدير الأزلى، وإلا فالتقدير سابق على وجود طينة آدم ، قال الطبى: هذا مثل للتقدير السابق لاتعيين ،
فإن كون آدم فى طينته أيضا مقدر قبله - انتهى. والطينة القطعة من الطين والخلقة والجبلة. وقضية الشاة تأتى فى باب
المعجزات إن شاء اللّه تعالى (رواه ابن ماجه) فى باب السحر من آخر أبواب الطب، وفى سنده أبو بكر العنسى وهو
ضعيف .
٢١٦
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
(٤) باب إثبات عذاب القبر
الفصل الأول )
(باب إثبات عذاب القبر) قال فى اللعات: المراد بالقبرهنا عالم البرزخ، قال تعالى: ﴿ ومن وراءهم برزخ إلى يوم
يبعثون -٢٣: ١٠٠) ) وهو عالم بين الدنيا والآخرة له تعلق بكل منهما، وليس المراد به الحفرة التى يدفن فيها الميت، فرب ميت
لا يدفن كالغريق، والحريق، والمأكول فى بطن الحيوانات، يعذب، وينعم، ويسأل، وإنما خص العذاب بالذكر للاهتمام، ولأن
العذاب أكثر لكثرة الكفار والعصاة -انتهى. قلت: حاصل ما قيل فى بيان المراد من البرزخ أنه اسم لانقطاع الحياة
فى هذا العالم المشهود، أى دار الدنيا ، وابتداء حياة أخرى، فيبدأ بشئ من العذاب أو النعيم بعد انقطاع الحياة الدنيوية،
فهو أول دار الجزاء، ثم توفى كل نفس ما كسبت يوم القيامة عند دخولها فى جهنم أو الجنة، وإنما أضيف عذاب
البرزخ ونعيمه إلى القبر لكون معظمه يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالكافر، ومن شاء الله عذابه
من العصاة يعذب بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق إلا من شاء الله. وقيل: لا حاجة إلى التأويل
فإن القبر اسم المكان الذى يكون فيه الميت من الأرض ، ولا شك أن محل الإنسان ومسكنه بعد انقطاع الحياة الدنيوية
هى الأرض كما أنها كانت مسكنا له فى حياته قبل موته، قال تعالى ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا - ٧٧: ٢٥، ٢٦)
أى ضامة الأحياء والأموات ، تجمعهم وتضمهم وتحوزهم، فلا محل لليت إلا الأرض، سواء كان غريقا أو حريقا أو
مأكولا فى بطن الحيوانات من السباع على الأرض، والطيور فى الهواء، والحيتان فى البحر، فإن الغريق يرسب فى الماء
فيسقط إلى أسفله من الأرض ، أو الجبل إن كان تحته جبل ، وكذا الحريق بعد ما يصير رمادا لا يستقر إلا على
الأرض سواء أذرى فى البر أو البحر، وكذا المأكول ، فإن الحيوانات التى تأكله لا تذهب بعد موتها إلا إلى الأرض،
فتصير ترابا. والحاصل أن الأرض محل جميع الأجسام السفلية ومقرها لا ملجأ لها إلا إليها فهى كفات لها. واعلم
أنه قد تظاهرت الدلائل من الكتاب والسنة على ثبوت عذاب القبر، وأجمع عليه أهل السنة ، ولا مانع فى العقل أن
يعيد اللّه الحياة فى جزء من الجسد أو فى جميعه على الخلاف المعروف فيئيه ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به
الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاءه كما يشاهد فى العادة ، أو أكلته السباع،
والطيور، وحيتان البحر، كما أن اللّه تعالى يعيده للحشر وهو قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد فى
آن واحدبكل واحد من أجزاءه المتفرقة فى المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على سيل الحلول حتى يمنعه الحلول فى جزء
من الحلول فى غيره، فلا استحالة فى تعذيب ذرات الجسم فى محالها ، كيف وقد ثبت بالعقل والنقل الشعور فى الجمادات ؟
قال فى مصابيح الجامع: وقد كثرت الأحاديث فى عذاب القبر حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطئى
وإن لم يصح مثلها لم يصح شئى من أمر الدين. قال أبو عثمان الحداد: وليس فى قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا
الموتة الأولى - ٥٦:٤٤) ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر، لأن الله تعالى أخبر بحياة الشهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة
٢١٧
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
١٢٥ - (١) عن البراء بن عازب عن النبى ◌َّم قال: المسلم إذا سئل فى القبر، يشهد أن لا إله
إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا
وفى الآخرة﴾
بقوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) فكذا حياة المقبور قبل الحشر. قال ابن المنير: وأشكل ما فى
القضية أنه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة ليجتمع الخلق كلهم فى الموت عند قوله تعالى: ﴿لمن الملك
اليوم - ٤٠: ١٦) ويلزم تعدد الموت، وقد قال: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) الآية. والجواب الواضح
عندى أن معنى قوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت) أى ألم الموت، فيكون الموت الذى يعقب الحياة الأخروية بعد الموت
الأول لا يذاق ألمه ألبتة، ويجوز ذلك فى حكم التقدير بلا إشكال ، وما وضعت العرب اسم الموت إلا المؤلم على ما
فهموه، لا باعتباركونه ضد الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثانية ضدا يعدمها به ، لا يسمى ذلك الضد موتا وإن
كان للحياة ضد، جمعا بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية -انتهى. وقد ادعى قوم من الملاحدة، والزنادقة، والخوارج،
وبعض المعتزلة عدم ذكر عذاب القبر فى القرآن، وزعموا أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد. وهو مردود عليهم،
قد بسط الكلام فى الرد عليهم الإمام الحافظ ابن القيم فى كتاب الروح ، فعليك أن تطالعه، فإنه كتاب جليل القدر ،
ما صنف مثله فى معناه ، يشتمل على جملة من المسائل، تتضمن الكلام على أرواح الأموات والأحياء.
١٢٥ - قوله (عن البراء) بموحدة مفتوحة وخفة راء ومد (بن عازب) بن الحارث بن عدى الأنصارى
الأوسى ، كنيته أبو عمارة المدنى الصحابى ابن الصحابى ، نزل الكوفة ، استصغر يوم بدر ، وكان هو وابن عمر لدة.
أول مشاهده أحد، وقيل: الخندق. غزا مع النبي مَلّم خمس عشرة غزوة، وافتتح الرى سنة (٢٤) وشهد مع على
ابن أبى طالب الجمل، وصفين، ونهروان. مات بالكوفة سنة (٧٢) له نثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين
وعشرين ، وانفرد البخارى بخمسة عشر، ومسلم بستة ، روى عنه خلق (قال المسلم) وفى رواية: المؤمن ، والمراد به
الجنس ، فيشمل المذكر والمؤنث ، أو يعرف حكمها بالتبعية (إذا سئل فى القبر) التخصيص للعادة ، أوكل موضع فيه
مقره فهو قبره ، والمسئول عنه محذوف ، أى عن ربه، ونيه، ودينه، لما ثبت فى الأحاديث الأخر (يشهد أن لا إله
إلا الله، وأن محمدا رسول الله) أى يجيب بأن لا رب إلا الله، ولا إله سواه، وبأن نيه محمد عَّ ، ويلزم منه أن
دينه الإسلام (فذلك) أى فصداق ذلك الحكم (قوله) أى تعالى (بالقول الثابت) أى الذى ثبت بالحجة عندهم، وهى
كلمة التوحيد ، وثبوتها تمكنها فى القلب، واعتقاد حقيتها، واطمينان القلب بها . قيل: الباء للسبية متعلقة بيثبت ، وكذا
(فى الحياة الدنيا) أى قبل الموت، بأن لا يزالوا عنه إذا فتنوا فى دينهم ، ولم يرتابوا بالشبهات ، وإن ألقوا فى النار ، كما
ثبت الذين فتنتهم أصحاب الأخدود ، والذين نشروا بالمناشير. (وفى الآخرة) أى فى القبر بتلقين الجواب والتمكين على
٢١٨
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
وفى رواية عن النبى معَّفتم قال: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) نزلت فى عذاب القبر،
يقال له: من ربك؟ فيقول: ربى الله ونبى محمد. متفق عليه.
١٢٦ - (٢) وعن أنس قال قال رسول اللّه مَّى: إن العبد إذا وضع فى قبره، وتولى عنه أصحابه
إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول
الصواب عند سوال الملكين بعد إعادة أرواحهم فى أجسادهم، وإنما حصل لهم الثبات فى القبر بسبب مواظتهم فى الدنيا
على هذا القول ، وقيل: فى الحياة الدنيا أى فى القبر عند السوال، وفى الآخرة أى عند البعث إذا سئلوا عن معتقدهم فى
الموقف، فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة، والأول أظهر (قال يثبت الله) مبتدأ أى آية يثبت الله (الذين آمنوا
بالقول الثابت) أى إلى قوله ﴿ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء - ٢٧:١٤) (نزلت فى عذاب القبر) أى فى السوال
فى القبر ، ولما كان السوال يكون سببا للعذاب فى الجملة ولو فى حق بعض عبر عنه باسم العذاب. قال الکرمانى: ليس فى
الآية ذكر عذاب القبرأى المؤمن، فلعله سمى أحوال العبد فى قبره عذاب القبر تغليا لفتنة الكافر على فتنة المؤمن لأجل
التخويف، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يهاب منه ابن آدم فى العادة - انتهى. قال القارى:
وفيه أن المراد إثبات عذاب القبر مجملا ، غايته أن عذاب المؤمن الفاسق مسكوت عنه كما هو دأب القرآن فى الاقتصار
على حكم الفريقين، وهذا المقدار من الدليل حجة على المخالف إذ لا قائل بالفصل - انتهى. ويدل على عذاب القبر للكافر بل
لكل من ظلم نفسه آخر الآية، وهو قوله: ﴿ويضل الله الظالمين) أى يضاهم عنه ولا يلقنهم إياه، فلا يقدرون على التكلم
به فى قبورهم ، ولا عند الحساب، ويقولون: لا أدرى، ويفعل الله ما يشاء من تثبيت بعض وإضلال آخرين، ولا
اعتراض عليه (يقال له) أى لصاحب القبر (ونبى محمد) زاد فى الجواب تبجحا، أو ((ومن نيك؟)) مقدر فى السوال،
أو لأن السؤال عن التوحيد يستلزمه إذ لم يعتد به دونه. وفى المصابيح: نزلت فى عذاب القبر إذا قيل له: من ربك؟
وما دينك؟ ومن نيك؟ مول: ربى الله، ودينى الإسلام، ونبى محمد (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز، وفى
التفسير، ومسلم فى صفة النار، ولفظ الرواية الأولى للبخارى فى التفسير، ولفظ الرواية الثانية لمسلم. وأخرجه أيضا
أحمد فى مسنده، والترمذى فى التفسير، وأبو داود فى السنة، والنسائى فى الجنائز، وفى التفسير. وابن ماجه فى الزهد ،
ولحديث البراء هذا شواهد تدل على أن هذه الآية نزلت فى عذاب القبر، ذكرها ابن كثير فى تفسيره، والمنذری فی
ترغیه، والهیشی فى مجمع الزوائد.
١٢٦ - قوله (إن العبد) المراد به الجنس (إذا وضع) شرط وجوابه ((أناه)) والجملة خبر إن (وتولى) أى أدبر
(عنه) أى عن قبره (إنه) حال بحذف الواو، وقيل: إنه جواب الشرط على حذف الفاء، فيكون («أناه) حالا من فاعل
يسمع، وقد مقدرة، ويحتمل أن يكون ((إذا)) ظرفا محضا وقوله ((إنه)) تأكيد لقوله: إن العبد (ليسمع قرع نعالهم) زاد
٢١٩
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
فى هذا الرجل؟ لمحمد. فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: أنظر إلى مقعدك
من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا. وأما المنافق والكافر
مسلم: إذا انصرفوا . ((والقرع)) بفتح القاف وسكون الراء، و«النعال)) بكسر النون، جمع فعل أى يسمع صوت دقها ،
وفيه دلالة على حياة الميت فى القبر، لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة. وفيه دليل على جواز المشى بالتعال فى
القبور لكونه مَّ قاله وأقره، فلو كان مكروها لينه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد سماعه إياها بعد أن
يجاوزوا المقبرة. قال الشوكانى: سماع الميت خفق النعال لا يستلزم المشى على قبر أو بين القبور - انتهى. وأيضا يجوز
أنه ◌ّ ذكر ذلك على عادات الناس، فلا يلزم من هذه الحكاية من غير إنكار تقرير مشيهم بها . ويدل على الكراهة
حديث الأمر بإلقاء السبتيتين الماشى بين القبور عند أبى داود، والنسائى، وابن ماجه ، لكن يحتمل أن أمره بالخلع كان
القذر بهما كما قال الطحاوى، أو لاختياله فى مشيه كما قال الخطابي، لا لكون المشى بين القبور بالنعال مكروها ، ولا
وتم الاستدلال به على الكراهة إلا إذا قيل: إن الأمر بالخلع كان احتراما للقابر. ومال النسائى إلى الجمع بين الحديثين
بحمل حديث أنس هذا على غير السبتيتين، والكراهة إنما هى فى النعال السبتية واختاره ابن حزم. قلت : حديث أنس
يدل بإطلاقه على جواز المشى بين القبور فى النعال السبتية وغيرها لعدم الفارق بينها وبين غيرها ، واحتمال كون المراد
سماعه إياها بعد مجاوزتهم المقبرة بعيد جدا ، وكذا حمله على عادات الناس أيضا بعيد، خلاف الظاهر. وأما حديث
السبتيتين فلا يتم الاستدلال به إلا على بعض الوجوه كما تقدم، وأيضا حديث أنس أرجح منه فيقدم عليه، وأيضا هو
قضية شخصية معينة تحتمل الخصوص وغير ذلك (فى هذا الرجل) أى فى شأنه، واللام للعهد الذهنى (لمحمد) بيان من
الراوى للرجل، أى لأجل محمد مرَّ. قال الطيبي: دعاءه بالرجل من كلام الملك، فعبر بهذه العبارة التى ليس فيها تعظيم
. امتحانا المسئول، لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل، ثم يثبت الله الذين آمنو - انتهى. ولا يلزم من الإشارة ما قيل من
رفع الحجب بين الميت وبينه مَّ حتى يراه، ويسئل عنه، لأن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال، على أنه مقام امتحان، وعدم
رؤية شخصه الكريم أقوى فى الامتحان، ولا ما تفوه به بعض الجهلة من أنه مرفقم يحضر الميت فى قبره مجسده وروحه،
لأن الإشارة (مبهذاء للحاضر فى الذهن كما فى تنوير الحوالك السيوطى، فإن الإشارة كما تكون للخاضر فى الخارج
كذلك تكون للحاضر فى الذهن أيضا، ويدل على بطلان القولين، وعلى كون الإشارة هنا إلى الموجود الحاضر فى
الذهن رواية أحمد، والطبرانى بلفظ: ما تقول فى هذا الرجل؟ قال: من؟ قال محمد. فيقول إلخ. فإنه لو كشف مَلَّه
ليت، أو حضره فى القبر لما احتاج إلى السوال بقوله (من)) فتأمل (فأما المؤمن فيقول) أى فى جوابه لهما مع اعترافه
بالتوحيد كما فى حديث البراء وغيره (فيقال له) أى على لسان الملكين (أنظر إلى مقعدك من النار) لو لم تكن مؤمنا
ولم تجب الملكين (قد أبدلك الله به) أى بمقعدك هذا (فيراهما) أى المقعدين (جميعا) ليزداد فرحه (وأما المنافق والكافر)
٢٢٠