Indexed OCR Text
Pages 21-40
مرعاة المفاتيح ج١ مفتحة الكتاب وأبى الحسن رزين بن معاوية العبدرى ، الحديث) ، ويزيد عليه بأنواع من العلوم كتب الحديث وحفظه من صباه وتفقه وبرع وأخذ فى الأصول وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز ثم صنف ، وتواليفه تقارب ألف جزء ما لم يسبقه إليه أحد، وجمع بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث ووجه الجمع بين الأحاديث. طلب منه الأئمة الانتقال من الناحية إلى نيسابور لسماع الكتب فأتى فى سنة إحدى وأربعين وأعدوا له المجلس لسماع كتب المعرفة ، وحضره الأئمة، وكان على سيرة العلماء قانعا باليسير. قال الذهبي: ولم يكن عنده سنن النسائى ولا جامع الترمذى ولا سنن ابن ماجه، بلى كان عنده الحاكم فأكثر عنه، وعنده عوال، وبورك له فى عمله لحسن مقصده وقوة فهمه وحفظه، وعمل كتبا لم يسبق إلى تحريرها، منها الأسماء والصفات مجلدان، والسنن الكبير عشر مجلدات ، ومعرفة السنن والآثار أربع مجلدات ، وشعب الإيمان مجلدان ، ودلائل النبوة ثلاث مجلدات ، والسنن الصغير مجلدان، والزهد مجلد ، والبعث مجلد، والدعوات مجلد، ونصوص الشافعى ثلاث مجلدات ، والمدخل مجلد، والترغيب والترهيب مجلد، ومناقب الشافعى ، ومناقبَ أحمد ، وكتب عديدة لا أذكرها. قال إمام الحرمين أبو المعالى: ما من شافعى إلا والشافعى عليه منة إلا أبا بكر البيهقى فإن له المئة على الشافعى لتصانيفه فى نصرة مذهبه. سمع أبا عبد الله الحاكم وأبا بكر بن فورك وأبا على الروذبارى وخلقا بخرسان وبغداد والكوفة. وحدث عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصارى بالإجازة وولده إسماعيل بن أحمد وأبو عبد الله الفزارى وخلق كثير - انتهى كلام الذهبى مختصرا. وقد بسط ترجمته فى إتحاف النبلاء (١٩٠ - ١٩١)، وبستان المحدثين (٥٤ - ٥٥). (وأبى الحسن رزين) بفتح الراء وكسر الزاى، ابن معاوية السرقسطى (العبدرى) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح الدال المهملة وبالراء المخففة، منسوب إلى عبد الدار بن قصى بطن من قريش ، وهذه النسبة على خلاف قواعد النسبة. وهو الذى جمع الكتب الستة فى كتابه تجريد الصحاح الستة، وهو أكبر الكتب الذى رأها ابن الأثير الجزرى وأغمها حيث حوى الكتب الستة. التى هى أم كتب الحديث وأشهرها ، لكن قد أودع فيه أحاديث فى أبواب غير تلك الأبواب أولى بها ، وكرر فيه أحاديث كثيرة وترك أكثر منها، وفيه أيضا أحاديث كثيرة لا توجد فى كتب أصول الستة، وقد اعتمد فى ترتيب كتابه هذا على أبواب البخارى ، وذكر فيه أيضا أقوال التابعين والأئمة سيما فقه مالك ، كما يظهر من كلام ابن الأثير فى مقدمة كتابه جامع الأصول لأحاديث الرسول. قال الشوكانى فى الفوائد المجموعة (١٩): لقد أدخل رزين بن معاوية العبدرى فى كتابه الذى جمع بين دواوين الإسلام بلايا وموضوعات لا تعرف ولا يدرى من أين جاء بها، وذلك خيانة المسلمين، وقد أخطأ ابن الأثير خطأ بينا بذكرما زاده رزين فى جامع الأصول ولم ينبه على عدم صحته فى نفسه إلا نادرا كقوله بعد ذكر هذه الصلوة أى صلوة الرغائب المشهورة التى اتفق الحفاظ على أنها موضوعة ما لفظه : هذا الحديث مما وجدته فى كتاب رزين ولم أجده فى واحد من الكتب الستة، والحديث مطعون فيه - انتهى كلام الشوكانى. قال المؤلف فى الإكمال ، وطاش كبرى زاده فى مفتاح السعادة (ج ٢: ص ١٢): مات رزين بعد العشرين ٢١ مرعاة المفاتيح ١ ج مفتحة الكتاب وغيرهم، وقليل ما هو. وإنى إذا نسبت الحديث إليهم كانى أسندت إلى النبى معَّم، لأنهم قد فرغوا منه، وأغنونا عنه، وسردت الكتب والأبواب كما سردها، واقتفيت أثره فيها، وقسمت كل باب غالبا على فصول ثلاثة، أولها ما أخرجه الشيخان أو أحدهما ، وخمس مائة. وقال العلامة القنوجي البوفالى فى الاتجاف (٣٥): توفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ، فالله أعلم (وغيرهم) بالجر عطفا على أبى عبد الله. وقيل بالرفع، عطفا على (( مثل)) (وقليل ما) ما زائدة إبهامية تزيد الشيوع والمبالغة فى القلة (هو) أى غيرهم والافراد للفظ ((غيرهم، وهو مبتدأ، خبره ((قليل)) يعنى غير الأئمة الثلاثة عشر المذكورين قليل، كالنووى وابن حبان وابن عبد البر وغيرهم. ولما قال فيما قدمه: ((فأعلمت ما أغفله)) استشعر اعتراضا بأن الإعلام الحقيقى إنما هو بإيراد الإسناد الكلى ليترتب عليه معرفة رجاله التى يتوقف عليها الحكم بصحة الحديث وحسنه وضعفه وسائر أحواله ، وأيضا كان طعن بعض النقاد على صاحب المصابيح من جهة ترك ذكر الإساد وهو باق على حاله لأنه لم يتأت ذكر الاسناد بذكر أحد من المؤلفين، فاعتذر عن الإشكال ، فقال (وإنى إذا تسبت) أى كل حديث (إليهم) أى إلى بعض الأئمة المذكورين المعروفة كتبهم بأسانيدهم (كانى أسندت) أى الحديث برجاله (إلى النّبِ يٍَّ) أى فيما إذا كان الحديث مرفوعا وهو الغالب (لأنهم قد فرغوا منه) أى من الإسناد الكامل بذكرهم على حد قوله ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى - ٨:٥﴾ (وأغنونا) بهمزة قطع، أى جعلونا فى غنى وكفاية (عنه) أى عن ذكر الإسناد. وقال القارى: أى عن تحقيق الاسناد من وصله وقطعه ووقفه ورفعه وضعفه وحسنه وصحته ووضعه ، ومن ثم لزم الأخذ بنص أحدهم على صحة السند أو الحديث أو على حسنه أوضعفه أو وضعه (وسردت الكتب والأبواب) أى أوردتها ووضعتها متابعة ومتوالية (كما سردها) أى رتبها وعينها البغوى فى المصابيح (واقتفيت) أى اتبعت (أثره) بفتحتين وقيل بكسر الهمزة وسكون المثلثة، أى طريقه (فيها) أى فى الكتب والأبواب من غير تقديم وتأخير وزيادة وتغيير، فإن ترتيبه على وجه الكمال وتبويبه فى غاية من الحسن (وقسمت) بالتخفيف (غالبا) أى فى غالب الأحوال، وقيد الغالبية بمعنى الأكثرية، لأنه قد لا يوجد الفصل الأول أو الثانى أو الثالث أو الثانى والثالث كلاهما فى بعض الأبواب كما يأتى (أولها) أى أول الفصول فى هذا الكتاب بدل قول البغوى فى المصابيح ((من الصحاح)) (ما أخرجه) أى رواه (الشيخان أو أحدهما) أى بزعم صاحب المصابيح لما سيأتى من قوله ((وإن عثرت على اختلاف فى الفصلين ، أو المراد فى الغالب، والنادر كالمعدوم. والمراد بالشيخين فى اصطلاح المحدثين: البخارى ومسلم .. والإخراج والتخريج هو إيراد المحدث الحديث بسنده فى كتابه، ويقال له الرواية أيضا، فلا يقال فى حق أحد من جمع الأحاديث فى مؤلفاتهم ونقلوها من كتب الأصول الصحاح الستة والمسانيد والمعاجم والسنن وأمثالها كالبغوى فى المصابيح والخطيب فى المشكوة والحميدى فى الجمع بين الصحيحين وابن الأثير فى جامع الأصول والسيوطى فى جمع ٢٢ مرعاة المفاتيح ج١ مفتحة الكتاب واكتفيت بهما وإن اشترك فيه الغير لعلو درجتهما فى الرواية. وثانيها ما أورده غيرهما من الأئمة المذكورين. وثالثها ما اشتمل على معنى الباب من ملحقات مناسبة الجوامع والمناوى فى الجامع الأزهر والهيشمى فى مجمع الزوائد والرودانى المغربى المالكى فى جمع الفوائد وأمثالهم أنه أخرجه أو خرجه أو رواه فى كتابه، لأنه لم يرو هؤلاء تلك الأحاديث فى كتبهم بأسانيدهم بل نقلوها من الكتب المروية فيها مع ذكر الصحابة وذكر من خرجها من المحدثين. والفرق بين المخرج اسم فاعل والمخرج فى قولهم فى بعض الأحاديث ((عرف مخرجه)) أو ((لم يعرف مخرجه)) أن المخرج (بالتشديد أو التخفيف على صيغة إسم الفاعل) هو ذاكرالحديث على سبيل الرواية كالبخارى مثلا، وأما المخرج المذكور فى القول المتقدم فهو (بفتح الميم والراءاسم مكان). بمعنى محل خروجه، وهو الصحابى الراوى للحديث، أو رجاله الراوون له، لأنه خرج منهم ، وقد يطلق لفظ الاخراج أو التخريج على ذكر الحديث وإيراده مطلقا أى أعم من أن يذكره بسنده على سبيل الرواية، أو يذكره على سيل النقل من الأصول مع ذكر المخرج أى الصحابى، والمخرج أى المحدث الذى رواه فى كتابه. وعلى هذا يجوز أن يقال خرجه أو أخرجه الخطيب فى المشكوة والهيشمى فى مجمع الزوائد ونحو ذلك، فيكون الإخراج والتخريج أعم من الرواية. ثم رأيت الجزائرى قال فى توجيه النظر (١٤٢) أما المخرج بفتح الميم فهو فى الأصل بمعنى مكان الخروج، فأطلق على الموضع الذى ظهر منه الحديث، وهم الرواة الذين جاء عنهم ، وأما التخريج فيطلق على معنين: أحدهما إيراد الحديث بإسناده فى كتاب أو إملاء، وأكثر ما تقع هذه العبارة الغاربة، والأولى أن يقولوا الإخراج كما يقوله غيرهم. الثانى عزو الأحاديث إلى من أخرجها من الأئمة، ومنه قيل ((خرج فلان أحاديث كتاب كذا، و((فلان له كتاب فى تخريج أحاديث الأحياء، ونحو ذلك - انتهى. وقد أطلق بعضهم لفظ الرواية على ذكر الحديث معلقا من غير سند، كما قال المجد بن تيمية فى المنتقى وحفيده فى فتاواه وابن قدامة فى المغنى والخطيب فى المشكوة فى حديث أبى هريرة الذى ذكره مسلم تعليقا بلفظ ((إذا قرئ فأنصتوا)،رواه مسلم. وهذا الاطلاق غير جيد غندى بل غير صحيح (واكتفيت بهما) أى بذكرهما فى التخريج (وإن اشترك) وصلية لا تطلب جزاء وجوابا (فيه الغير) أى فى تخريج الحديث وروايته غيرهما من المحدثين كبقية الكتب الستة ونحوها (لعلو درجتهما) ورفعة شأنهما على سائر المخرجين مع الفرق بينهما (فى الرواية) متعلق بالعلو أى فى شرائط اسنادها والتزام صحتها ما لم يلتزمه غيرهما من المحدثين فلا يحتاج مع تخريجهما إلى ذكر رواية غيرهما الذين اشتركوا فيه فى نفس صحة الحديث وإن كان لرواية الغير مدخل فى تقوية الحديث وتأيده وتوكيده ، لكن ما ذكرت الغير طلبا للاختصار (وثانيها) أى الفصول ، وهو المعبر عنه فى المصابيح بقوله ((الحسان) (على معنى الباب) أى على معنى عقد له الباب (من ملحقات) بفتح الحاء، ومن بيانية لما اشتمل (مناسبة) بكسر السين صفة لملحقات، والمراد بها زيادات ألحقها صاحب المشكوة على وجه .. ٢٣ مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب مع محافظة على الشريطة وإن كان مأثورا عن السلف والخلف. ثم إنك إن فقدت حديثا فى باب فذلك عن تكرير أسقطه، وإن وجدت آخر بعضه متروكا على اختصاره أو مضموما إليه تمامه فعن داعى اهتمام أتركه وألحقه ، المناسبة بكل كتاب وباب غالبا لزيادة الفائدة (مع محافظة على الشريطة) أى من إضافة الحديث إلى راويه من الصحابة والتابعين ونسبته إلى مخرجه من الأئمة المذكورين. ولما كان صاحب المصابيح ملتزما للأحاديث المرفوعة فى كتابه فى الفصلين ولم يلتزم المصنف ذلك نبه عليه بقوله (وإن كان) أى المشتمل (مأثورا) أى منقولا ومرويا (عن السلف) المتقدمين وهم الصحابة (والخلف) أى المتأخرين وهم التابعون ، يعنى أنه لم يلتزم ذكر الأحاديث المرفوعة فى ما زاد من الفصل الثالث ، بل أورد فيه بعض ما روى من أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم المناسبة للباب أيضا. ومن المعلوم أنه يطلق عليه أيضا لفظ الحديث. واعلم أنه لم يذكر البغوى فى المصابيح القسم الأول والثانى بعنوان الفصل . بل عبر الأول أى أحاديث الشيخين أو أحدهما بقوله ((من الصحاح)) والثانى أى أحاديث غيرهما بقوله ((من الحسان)) وهو اصطلاح حادث، ولا مشاحة فيه، وقد تقدم. وعبرهما صاحب المشكوة بالفصل الأول والثانى، وزاد الفصل الثالث من عند نفسه، وأورد الأحاديث فيه من الكتب المذكورة من الصحيحين وغيرهما، وذكر أيضا الآثار الموقوفة ، والتزم ذكر الراوى من الصحابة والتابعين وذكر المخرج من الأئمة المحدثين (ثم إنك إن فقدت حديثاً) من ههنا شرع فى بيان بعض تصرفاته فى المصابيح، أى بعد ما ذكرت لك أيها الناظر فى كتابى هذا أنى التزمت متابعة صاحب المصابيح فى كل باب إن فقدت من محله حديثا من أصله الذى هو المصابيح (فى باب) مثلا أو فى كتاب وما وجدته بالكلية (فذلك) الفقدان وعدم الوجد ليس صادرا عن سهو بل صدر (عن تكرير) أى عن تكرار وقع فى المصابيح (أسقطه) أى لم أذكر ذلك الحديث فى الباب الذى ذكره فيه فى المصابيح لكونه وقع مكررا حذفته لأجل التكرار وذكرته فى موضع آخر بعينه من غير تغییر (وإن وجدت آخر) أى حديثا آخر (بعضه) بالنصب بدل من آخر (متروكا) حال (على اختصاره) الضمير فيه للحديث، ويؤيده قوله (أو مضمونا إليه تمامه) وقيل لنحى السنة ، والأول أظهر فإنه حينئذ يكون الكلام على نسق واحد. وأما على الثانى فيحصل تفكيك الضمير ثم المعنى ، أو وجدت حديثا آخر مضموما إليه تمامه الذى أسقطه البغوى أو أتى به فى محل آخر (فعن داعى اهتمام) الفاء جزائية ، أى فذلك. الترك أو الضم لم يقع اتفاقا، وإنما صدر عن موجب اهتمام. وقيل عن بمعنى اللام أى لأجل باعث اهتمام اقتضى أنى (أتركه) على اختصاره فى الأول (وألحقه) الواو بمعنى أو أى وألحقه فى الثانى لفوات الداعى والباعث على اختصاره، فهو لف ونشر مرتب. والمعنى أنه قد يكون حديث اختصره الشيخ البغوى فأتركه أنا أيضا على اختصاره، وقد أضم ٢٤ ١ مرعاة المفاتيح ج١ مفتحة الكتاب وإن عثرت على إختلاف فى الفصلين من ذكر غير الشيخين فى الأول وذكرهما فى الثانى فاعلم أنى بعد تتبعى كتابى الجمع بين الصحيحين للحميدى، إليه بقية الحديث، وذلك لشىء يدعونى إلى تركه على اختصاره أو إلى ضم بقيته إليه، أما الداعى إلى تركه مختصرا فهو أن يكون جزء من حديث طويل مناسبا للباب دون باقى أجزائه ، أو يكون حديث مشتملا على معان كثيرة يقتضى كل باب معنى من معانيه أى يكون جزء منه مناسبا لهذا الباب، وجزء آخر لباب آخر، وهكذا. وأورد الشيخ كلا فى بابه فأقتفى أثره فى الإيراد أى أختصره وأقتصر على جزء منه فى هذا الباب، وأذكر جزء آخر فى ذلك الباب، وما لم يكن على هذين الوصفين ألحقت معه بقيته، وإن ذكره الشيخ مختصرا. وحاصل المعنى أن بعض الروايات كان مختصرا، عن حديث طويل وكان جزء منه مناسبا للباب دون باقى أجزائه فتركه فى المشكوة أيضا على الاختصار ، وما كان يقتضى إتمام الحديث بجميع أجزائه أتمه فى المشكوة (وإن عثرت) اطلعت (على اختلاف) بينى وبين صاحب المصابيح (فى الفصلين) الأول والثانى دون الثالث فإنه ليس محلا للخلاف، وبيان الاختلاف قوله (من ذكر غير الشيخين فى الأول) أى فى الحديث المذكور فى الفصل الأول (وذكرهما فى الثانى) من الفصلين بأن يسند بعض الأحاديث فيه إليهما أو إلى أحدهما (كتابى الجمع) تثنية مضاف أى كتابين أحدهما (الجمع بين الصحيحين) أى بين كتابى البخارى ومسلم المسمين بالصحيحين (للحميدى) متعلق بالجمع، وهو بالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الحافظ أبى عبد الله محمد ابن أبى نصر فتوح بن عبد الله بن حميد بن يصل ١ الأزدى الأندلسى٢ الميورقى القرطبي سمع بالأندلس ومصر والشام والعراق وسكن بغداد ، وكان من كبار تلامذة ابن حزم، حدث عنه فأكثر ، وعن أبى عبد الله القضاعى وأبى عمر ابن عبد البر وأبى القاسم الجيانى الدمشقى وأبى بكر الخطيب وغيرهم ، ولم يزل يسمع ويكثر ويجد حتى كتب عن أصحاب الجوهرى وابن المذهب. سمع بإفريقية كثيرا ولقى بمكة كريمة المروزية راوية البخارى أول رحلته وكان فى سنة ثمان وأربعين وأربع مائة. قال يحيى بن البناء: كان الحميدى من اجتهاده يتسخ بالليل فى الحر فكان يجلس فى إجانة ماء يتبرد به. وقال الحسين بن محمد بن خسرو: جاء أبو بكر بن ميمون فدق على الحميدى وظن أنه قد أذن له فدخل فوجده مكشوف الفخد فبكى الحميدى ، فقال: والله لقد نظرت إلى موضع لم ينظره أحد منذ عقلت. وقال يحيى بن إبراهيم السلماسى: قال أبى: لم تر عيناى مثل الحميدى فى فضله ونبله وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم. قال: وكان ورعا ثقة إماما فى الحديث وعلله ورواته متحققا فى علم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة ، فصيح العبارة متبحرا فى علم الأدب والعربية والترسل، وله كتاب الجمع بين الصحيحين وهو مشهور ، وأخذه الناس عنه، وله أيضا تاريخ علماء الأندلس سماه «جذوة المقتبس)) فى مجلد واحد، ذكر فى خطبته أنه كتبه من حفظه، وذكره (١). بفتح الياء المثناة من تحتها وكسر الصاد المهملة وبعدها لام. (٢) نسبة إلى ميورقه بفتح الميم وضم المثناة من تحتها ومكون الواو وفتح الراء والقاف وبعدها هاء ساكنة. ٢٥ مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب وجامع الأصول اعتمدت على صحيحى الشيخين الأمير أبو نصر على بن ما كولا صاحب كتاب الإكمال فقال: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدى وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، وقال: لم أر مثله فى عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم. وقال القاضى عياض: أبو عبد الله الحميدى سمع بميورقة عن أبى محمد بن حزم قديما، وكان يتعصب له ويميل إلى قوله، وكان قد أصابته فيه فتنة علماء شددوا على ابن حزم، يخرج الحميدى إلى المشرق. قال الذهبي: روى عنه محمد بن على الخلال وإسماعيل بن محمد الطلحى وشيخه أبو بكر الخطيب وآخرون، وكان صاحب حديث كما ينبغى علما وعملا، وكان ظاهريا ويسر ذلك بعض الأسرار - انتهى مختصرا. قال ابن الصلاح فى الفائدة الرابعة من مقدمته : ويكفى وجوده فى كتاب من اشترط الصحيح وكذلك ما يوجد فى الكتب المخرجة من تتمة محذوف أو زيادة شرح وكثير من هذا موجود فى الجمع للحميدى ، فربما نقل من لا يميز بعض ما يجده فيه عن الصحيحين أو أحدهما وهو مخطئى لكونه من تلك الزيادات التى لا وجود لها فى واحد من الصحيحين. قال العراقى: وهذا مما أنكر على الحميدى لأنه جمع بين كتابين فمن أين تأتى الزيادة ، قال: واقتضى كلام ابن الصلاح أن الزيادات التى تقع فى كتاب الحميدى لها حكم الصحيح، وليس كذلك، لأنه ما رواه بسنده كالمستخرج ولا ذكر أنه يزيد ألفاظا واشترط فيها الصحة حتى يقلد فى ذلك. قال الحافظ: قد أشار الحميدى إجمالا وتفصيلا إلى ما يطل ما اعترض به عليه، أما إجمالا فقال فى خطبة الجمع: وربما زدت زيادات من تتمات وشرح بعض ألفاظ الحديث ونحو ذلك ، وقفت عليها فى كتب من أعنى بالصحيح كالإسماعيلى والبرقانى ، وأما تفصيلا فعلى قسمين: جلى، وخفى ، أما الجلى فيسوق الحديث ، ثم يقول فى أثناءه ((إلى هنا انتهت رواية البخارى، ومن هنا رواه البرقانى)). وأما الخفى فإنه يسوق الحديث كاملا أصلا وزيادة، ثم يقول: أما من أوله إلى كذا فرواه فلان، وما عداه زاده فلان، أو يقول: لفظة كذا زادها فلان، ونحو ذلك. وإلى هذا أشار ابن الصلاح بقوله ((ربما نقل من لا يميز)، وحينئذ فظزيادته حكم الصحة لنقله لها عمن اعتنى بالصحيح، كذا فى التدريب (٣٣ - ٣٤). مات ببغداد ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذى الحجة سنة ٤٨٨ هـ. وكان مولده قبل العشرين وأربعمائة (وجامع الأصول) بالجر عطفا على الجمع أى والآخر جامع الأصول أى الكتب الستة للإمام مجد الدين أبى السعادات المبارك بن محمد المشهور بابن الأثير الجزرى صاحب النهاية فى غريب الحديث. كان عالما محدثا لغويا روى عن خلق من الأئمة الكبار، كان بالجزيرة، وانتقل منها إلى الموصل سنة خمس وستين وخمسمائة، ولم يزل بها إلى أن قدم بغداد حاجا وعاد إلى الموصل، ومات بها يوم الخميس سلخ ذى الحجة سنة ٦٠٦ه. كذا فى الإكمال. وقال ابن خلكان فى تاريخه (ج ١: ص ٤٤١): قال أبو البركات بن المستوفى فى تاريخه فى حقه: أشهر العداء ذكرا، وأكبر النبلاء قدرا، وأحد الأفاضل المشار اليهم ، وفرد الأماثل المعتمد فى الأمور عليهم. أخذ النحو عن شيخه أبى محمد سعيد بن المبارك الدمان ، وسمع الحديث متأخرا ، ولم تتقدم روايته ، وله المصنفات البديعة ، منها: جامع الأصول فى أحاديث الرسول، جمع فيه بين الصحاح الستة، وهو على وضع كتاب ٢٦ مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب ومتنهما. وإن رأيت اختلافا فى نفس الحديث فذلك من تشعب طرق الأحاديث، وزين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه. ومنها: كتاب النهاية في غريب الحديث، وكتاب الشافى فى شرح مسند الإمام الشافعى، وغير ذلك من التصانيف. وكانت ولادته بجزيرة ابن عمر فى أحد الربيعين سنة ٥٤٤هـ، ونشأ بها ثم انتقل إلى الموصل ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه فمنعه من الكتابة مطلقا، وقام فى داره يغشاه الأكابر والعلماء . انتهى مختصرا. وهو أخو عز الدين بن الأثير الجزرى صاحب الكامل فى التاريخ، وأسد الغابة فى معرفة الصحابة (ومتنيهما) عطف بيان. قال القارى: وإنما لم يكتف بهما لأنه ربما يحتمل أن يتوهم أن تتبعه واستقرائه غير تام، فإذا وافق الحميدى وصاحب جامع الأصول يصير الظن قويا بصحة استقرائه للموافقة، ولو اكتفى بتتبع الجمع بين الصحيحين وجامع الأصول لاحتمل وقوع القصور فى استقراتهما، فبعد اتفاق الأربعة يمكن الحكم بالجزم على سهو البغوى - انتهى. وتوضيح الكلام فى هذا المقام أن المصنف يقول: قد تقرر أن ما أورده الشيخ محى السنة من الأحاديث فى القسم الأول فهو من الشيخين منهما أو من أحدهما، وما أورده فى القسم الثانى فهو من غيرهما من الأئمة المذكورين، وقد يذكر الشيخ حديثا فى الأول ونسبته أنا إلى غير الشيخين ، وذلك مذكور فى مواضع ، كما فى الفصل الأول من باب سنن الوضوء، ومن باب فضائل القرآن ، ومن باب السلام من كتاب الآداب وغيرها ، ونسبت بعض أحاديث القسم الثانى إلى الشيخين، كما فى الفصل الثانى من باب ما يقرأ بعد التكبير، وباب الموقف وغيرهما ، فاعلم أن عذرى فى ذلك ودليلى عليه أنى تتبعت كتابين جمع فيهما أحاديث الشيخين ، أحدهما كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدى ، والثانى جامع الأصول لابن الأثير الجزرى، ولم أقتصر فى معرفة أحاديث الشيخين على تتبع هذين الكتابين ، بل اعتمدت على صحيحى الشيخين ومتنيهما أى أصل كتابيهما ونفسيهما دون الجمع بين الصحيحين، وجامع الأصول المشتغلين عليهما المغايرين لها كالشرحين لها، فما وجدت من الأحاديث للشيخين فى الكتابين المذكورين وفى أصلى صحيحيهما نسبتها إليهما وما لم أجد لم أنسب إليهما وإن كان مخالفا لما ذكره الشيخ محى السنة. وهذا ادعاء منه كمال التقبع والتصفح لأحاديث الشيخين، يعنى لو اقتصرت على تتبع الكتابين وقلت: ليس هذا الحديث للشيخين ، لكان لقائل أن يقول : لعله يكون فى منى صحيحيهما ، ووقع القصور فى استقراء الحميدى والجزرى. ولو اقتصرت على متنى صحيحيهما يقال: لعله يوجد فى كتابى الجمع بين الصحيحين وجامع الأصول، ووقع القصور فى استقراء المصنف وتتبعه، فتبعت الكل ليحصل الوثوق والاعتماد فى هذه النسبة على وجه الكمال أى ويقع الجزم بسهو الشيخ البغوى، كذا فى اللعات (وإن رأيت اختلافا فى نفس الحديث) أى فى متن الحديث بأن يكون أورده الشيخ فى المصابيح بلفظ، وأنا أوردته فى المشكوة بلفظ آخر مخالفا للفظه فى المصابيح (فذلك) أى الاختلاف ناشئ (من تشعب طرق الأحاديث) أى اختلاف أسانيدها وتعددها إذ كثيرا ما يقع للشيخين وغيرهما سوق الحديث الواحد من عدة طرق بألفاظ مختلفة ، فاللفظ الذى أورده الشيخ لعله جاء بطريق، واللفظ الذى أوردته جاء من طريق آخر. لما كان ههنا محل أن يقال: ٢٧ مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب ولعلى ما اطلعت على تلك الرواية التى سلكها الشيخ - رضى الله عنه - وقليلا ما تجد أقول ((ما وجدت هذه الرواية فى كتب الأصول)، أو ((وجدت خلافها فيها، فإذا وقفت عليه فانسب القصور إلى لقلة الدراية، لا إلى جناب الشيخ رفع اللّه قدره فى الدارين، حاشا لله من ذلك. رحم الله من إذا وقف على ذلك نبهنا عليه، وأرشدنا طريق الصواب. ولم آل جهدا فلم لم تورد بلفظ الشيخ، ولم اخترت هذا اللفظ؟ قال فى جوابه: (ولعلى ما اطلعت على تلك الرواية التى سلكها الشيخ) أى اختارها وأوردها فى مصابيحه، فلما لم أطلع عليها كيف أوردها. أى فآتى باللفظ الذى وقفت عليه (وقليلا ما) زيادة ((ما)) لتاكيد القلة ونصب ((قليلا)) على المصدرية لقوله (أقول) أى وتجدفى أقول قولا قليلا ما، فى أى غاية من القلة، والمقول قوله (ما وجدت هذه الرواية) التى أوردها الشيخ فى المصابيح مثلا (فى كتب الأصول) المراد بها كتب أئمة المحدثين ومؤلفاتهم التى هى أصول الروايات ومعادنها والعمدة فى هذا الباب (ووجدت) من جملة المقول ، أو للتنويع (خلافها فيها) أى خلاف هذه الرواية فى الأصول (فإذا وقفت عليه) أى على قولى هذا ، فالضمير راجع إلى المصدر المفهوم من قوله ((أقول)) (فانسب) بضم السين أى مع هذا (القصور) أى التقصير فى التتبع (إلى لقلة الدراية) أى درايتى وتتبع روايتى (لا) أى لا تنسب القصور (حاشا لله) أى تنزيها لله (من ذلك) أى من نسبة القصور إلى الشيخ. قال بعضهم ( حاشا) حرف جر وضعت موضع التنزيه والبراءة. وفى مغنى اللبيب: الصحيح أنها اسم مرادف التنزيه من كذا، وحينئذ قوله ((لله)، بيان النزه والمبرأ، كأنه قال ((براءة وتنزيه)) ثم قال «الله، بيانا المسبراً والمنزه، فلامه كاللام فى ((سقيا لك))، فعلى هذا يقال: معنى عبارة المشكوة أن الشيخ مبرأ ومنزه عن قلة الدارية، ثم أتى لبيان المنزه والمبرأ بقوله ((لله)). وكان الظاهر أن يقول ((الله)) بلا لام، وكأنها لإفادة معنى الاختصاص، فكأنه يقول: تنزيه مختص لله، وله أن ينزهه، وليس لغيره ذلك. ويحتمل أن يكون التقدير: وأقول فى حقه التنزيه لله لا لأمر آخر. وقيل ((حاشا)) فعل، وفسر الآية أى قوله تعالى (حاش لله) فى سورة يوسف بأن معناها جانب يوسف الفاحشة لأجل اللّه. وعلى هذا يرجع عبارة المشكوة إلى أنه جانب الشيخ. ذلك القصور لأجل الله، لا لغرض آخر، أو قولنا فى حقه ((حاشا)) إنما هو الله لا لأمر آخر. وقيل معناه: معاذ الله. فراد المصنف أن ما قلت فى شان الشيخ قلت خالصا لوجه الله، لا لغرض آخر، لأنى أعوذ بالله من غرض آخر (إذا وقف على ذلك) أى على ما ذكر من الرواية التى أوردها الشيخ ولم أجدها فى الأصول (طريق الصواب) أى إليه بنسبة الرواية وتصحيحها إلى الباب والكتاب إما بالمشافهة حال الحياة، أو بكتابة حاشية أو شرح بعد المات (ولم آل) بمد الهمزة وضم اللام من ألا يألو فى الأمر إذا قصر (جهدا) بالضم المشقة أى لم أترك سعيا واجتهادا، فيكون منصوبا ٢٨ . مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب فى التنقير والتفتيش بقدر الوسع والطاقة، ونقلت ذلك الاختلاف كما وجدت، وما أشار إليه - رضى الله عنه - من غريب أو ضعيف أو غيرهما، بينت وجهه غالبا، وما لم يشر إليه ما فى الأصول فقد قفيت فى تركه إلا فى مواضع لغرض، وربما تجد مواضع مهملة وذلك حيث لم أطلع على راويه فتركت البياض، فإن عثرت عليه فألحقه به - أحسن الله جزاءك - وسميت الكتاب بمشكوة المصابيح. وأسأل الله التوفيق والاعانة والهداية والصيانة على المفعولية لتضمين الألو معنى الترك، أو لم أقصر لكم فى السعى والاجتهاد، فيكون منصوبا بنزع الخافض ، أو هو منصوب على أنه حال أو تمييز (فى التنقير) أى البحث والتجسس عن طرق الأحاديث ، واختلاف ألفاظها فى كتب الأصول (والطاقة) عطف بيان (ونقلت ذلك الاختلاف كما وجدت) أى بعد بذل السعى الموفور فى المطابقة بين أحاديث المصابيح، وأحاديث الكتب الستة حيث يقي الاختلاف نقلت ذلك الاختلاف كما وجدت فى الأصول بلا زيادة ونقصان وتغییر لإظهار أصل الحال، كما أقول «ما وجدت هذه الرواية فی کتب الأهول، أو وجدت خلافها)، وأنا أنسب القصور فى التقبع إلى لا إلى صاحب المصابيح (وما أشار إليه) الشيخ محى السنة (من غريب) بيان لما أى من حديث غريب (أو غير هما) اعتبارا لا حقيقة من نحو منكر أو شاذ أو معلل (بينت وجهه) أى وجه غرابته أو ضعفه أو نكارته، وذلك ما ينقل المؤلف عن الأئمة كلاما يحكم فيه بضعف الحديث أو غرابته مثلا (غالبا) أى فى أكثر المواضع، ولعل ترك التبيين فى بعض المواضع لعدم الاطلاع على وجه ما أشار إليه البغوى من غرابة الحديث أو ضعفه أو لأمر آخر (وما لم يشر) أى الشيخ البغوى (إليه مما فى الأصول) أى مما أشير إليه من المنقطع والموقوف والمرسل فى جامع الترمذى، وسنن أبي داود، والبيهقى، وهو كثير (فقد قفيته) بالتشديد أى اتبعته تأسيا به. قال فى مختصر النهاية: قفيته وأقفيته: تبعته واقتديت به (فى تركه) أى فى ترك الاشارة (إلا فى مواضع) قليلة أبينها (لغرض). وذلك أن بعض الطاعنين أفرزوا أحاديث من المصابيح ونسبوها إلى الوضع، ووجدت الترمذى صححها أو حسنها، وغير الترمذى أيضا كما تقدم التنبيه على ذلك فينته لرفع تهمة الوضع منها، ومن الغرض أيضا ، كما قال الطبى: إن الشيخ شرط فى خطبة المصايح أنه أعرض عن ذكر المنكر وقد أتى فى كتابه بكثير منه وبين فى بعضها كونه منکرا ، وترك فی بعضها، فینت أنه منکر إظهارا للواقع (وربما تجد) فى المشکوة (مواضع مهملة) أی غیر مبین فیها ذکر مخرجها (وذلك) الإعمال وعدم التبيين (حيث لم أطلع على راويه) أى مخرجه (فتركت البياض) أى عقب الحديث، دلالة على ذلك (فإن عثرت عليه) أى على مخرجه (فألقه) أى ذكر المخرج (به) أى بذلك الحديث، واكتبه فى موضع البياض. ونحن نذكر أسماء المخرجين فى مواضع البياض حسب ما يتيسر لنا، إن شاء الله تعالى (وسميت الكتاب بمشكوة المصابيح) قال الطبى: روعى المناسبة بين الاسم والمعنى، فإن المشكوة يجتمع فيها الضوء فيكون أشد. ٢٩ مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب وتيسير ما أقصده وأن ينفعنى فى الحياة وبعد الممات وجميع المسلمين والمسلمات. حسبى الله، ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. تقويا بخلاف المكان الواسع، والأحاديث إذا كانت غفلا عن سمة الرواة انتشرت، وإذا قيدت بالراوى انضبطت واستقرت فى مكانها - انتهى. وقال الشيخ الدهلوى فى اللغات: قد عرفت أن المشكوة هى الكوة الغير النافذة فى الجدار التى توضع فيها المصابيح ، فوجه التسمية أنه كما يوضع المصباح فى الكوة كذلك وضع كتاب المصابيح فى كتاب المشكوة لأنه يشتمل عليه اشتمال المشكوة على المصباح، أو لأن الأحاديث التى ذكرت فى هذا الكتاب كل منها كالمصباح ، فهذا الكتاب كالكوة التى وضع فيها المصابيح المتعددة - انتهى. وقد علمت مما تقدم أن المشكوة تكملة للمصابيح، وتذييل لأبوابه، جمعه مؤلفه بإشارة شيخه الحسين بن عبد الله بن محمد الطبي المتوفى سنة ٥٧٤٣، وفرغ من تأليفه آخر يوم الجمعة من رمضان عند رؤية هلال شوال سنة ٧٣٧، وله أيضا أسماء رجال المشكوة فرغ من تصنيفه يوم الجمعة عشرين رجب سنة ٧٤٠ هـ، جمعه بمعاونة شيخه العلامة الطبى. وقد عرض الكتابين عليه فاستحسنهما وإستجادهما. وللمشكوة شروح عديدة: فأول من شرحها هوشيخه الطبي، سماه «الكاشف عن حقائق السنن)). وشرحه أنفس الشروح وأحسنها. قال فى مقدمة شرحه: كنت قبل قد استشرت الأخ فى الدين المساهم فى اليقين بقية الأولياء قطب الصلحاء شرف الزهاد والعباد فى الدين محمد بن عبد الله الخطيب بجمع أصل من الأحاديث المصطفوية فاتفق رأينا على تكملة المصابيح وتهذيبه وتشذيبه وتعيين روايته ونسبة الأحاديث إلى الأئمة التقنین فا قصر فیما أشرت إليه من جمعه ، فبذل وسعه واستفرغ طاقته فيما رمت منه، فلما فرغ من إتمامه شمرت عن ساق الجد فى شرح معضله وحل مشكله وتلخيص عويصه وإبراز نكاته ولطائفه على ما يستدعيه غرائب اللغة والنحو ويقتضيه على المعانى والبيان ، بعد تتبع الكتب المنسوبة إلى الأئمة ، معلما لكل مصنف بعلامة مختصة به، فعلامة معالم السنن وأعلامها (خط) وشرح السنة (حس) وشرح صحيح مسلم (مح) والفائق الزمخشرى (نا) ومفردات راغب (غب) ونهاية الجزرى (نه) والشيخ التور بشتى (تو) والقاضى ناصر الذين البيضاوى (قض) والمظهر (مظ) والأشرف (شف) وما لا ترى عليه علامة فأكثرها من نتائج خاطرى، فإن ترى فيه خللا فسدده - جزاك الله خيرا. فإن نظرت بعين الإنصاف لم تر مصنفا أجمع ولا أوجز منه ولا أشد تحقيقا فى بيان حقائق السنة ودقائقها، وسميته («بالكاشف عن حقائق السنن) - انتهى. وشرحه علم الدين السخاوى المتوفى سنة ٦٤٣ه، وعبد العزيز الأبهرى المتوفى فى حدود سنة ٥٨٩٥. وسماه «منهاج المشكوة)، وهو تاريخ تأليفه. وشرحه أحمد بن الحجر المكى الهيتمى بالفوقية صاحب الزواجر والصواعق وغيرهما المتوفى سنة ٩٧٥هـ. قال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى زاد المتقين فى ترجمته: وشرحدارد بر شمائل ترمذی وبر أربعین نووى وبر مشكوة نيز شرح نوشته كه دروى داد فقامت داده - انتهى. وعلى المشكوة حاشية لعلى بن محمد بن على المعروف بالسيد الشريف ، والسيد السند الجرجانى وهى مختصرة من شرح الطبى مع بعض زيادات قليلة. وحاشية ٣٠ مرعاة المفاتيح ج ١ . مفتحة الكتاب للسيد جمال الدين المحدث. وللعلامة على بن سلطان المعروف بالقارى المتوفى سنة ١٠١٤ هـ شرح عظيم مزوج على المشكاة مسمى ((بالمرقاة)) جمع فيه جميع الشروح والحواشى واستقصاها. ثم جاء بعده واحد من الفضلاء فزاد فى كل باب فصلا آخر فصار كله أربعة فصول مما وجد بعدهما فى الدواوين المعتبرة للأئمة السبعة من كل حديث استدل به مجتهد فى مذهبه، فكان كالشرح لهذين الكتابين وسماه ((أنوار المشكوة). ومن شروح المشكاة لمعات التنقيح، وأشعة اللعات، الأول بالعربية وهو شرح لطيف بين الإيجاز والإطناب. والثانى بالفارسية ، كلاهما للعلامة الشيخ عبد الحق الدهلوى المتوفى سنة ١٠٥٢ه. وللحافظ ابن حجر تأليف خرج فيه أحاديث المصابيح والمشكوة، اسمه «هداية الرواة إلى تخريج المصابيح والمشكوة)، ذكره صاحب كشف الظنون ، وهو أيضا مذكور فى فهرس تصانيف الحافظ واعلم أنه أنكر على القارى أن يكون للسيد الشريف حاشية على المشكوة حيث قال فى المرقاة فى شرح حديث (خرج معاوية على حلقة فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله وما أجلسكم إلا هذا؟ الحديث. قال السيد جمال الدين: قوله (( آلله)» بالجر لقول المحقق الشريف فى حاشيته: همزة الاستفهام وقعت بدلا عن حرف القسم ويحب الجر معها - انتهى. وهو يشعر بأن خلاصة الطبى حاشية من المحقق الشريف الجرجانى على المشكوة كما هو المشهور بين الناس، وهو بعيد جدا. أما أولا فلأنه غير مذكور فى أسامى مؤلفاته. وأما ثانيا فإنه مع جلالة قدره كيف يختصر كلام الطبى اختصارا مجردا لا يكون معه تصرف مطلقا كما لا يخفى - انتهى كلام القارى. قلت: فبه نظر فقد نسبها إليه جماعة، منهم المصطفى بن عبد الله المعروف بكاتب چلبي، وبحاجى خليفة فى كشف الظنون، ومنهم السخاوى فى ((الضوء اللامع)) نقلا عن سبط السيد الشريف، وحاشية السيد الشريف هذه موجودة فى مكتبة خدا بخش خان بعظيم آباد يثنه (الهند). قال القارى فى المرقاة (ج ١: ص ١٠): قيل أحاديث المصابيح أربعة آلاف وأربع مائة وأربعة وثلاثون حديثا . وزاد صاحب المشكوة ألقا وخمس مائة وأحد عشر حديثا، فصار المجموع خمسة آلاف وتسع مائة وخمسة وأربعين ، وينضبط بستة آلاف إلا كسر خمس وخمسين - انتهى. قلت ما نقل القارى من قول البعض فى عدد أحاديث المصابيح هو مخالف لما ذكره حاجى خليفه جلبى فى كشف الظنون وابن الملك فى شرح المصابيح، فالله أعلم. هذا ولم أقف على ترجمة صاحب المشكوة وعلى مولده ووفاته ولا على مذهبه مع الجهد البالغ فى التقبع ، وقال الشيخ أبو بكر شاويش ناشر مشكوة المصابيح بتحقيق العلامة الشيخ ناصر الدين الألبانى فى مقدمته: صاحب المشكوة من علماء القرن الثامن للهجرة ولم نجد له فيما بين أيدينا ترجمة وافية إلا أن من عرضوا له ذكروه بالعلم والصلاح. قال فيه شيخه العلامة حسن بن محمد الطيبى أحد شراح المشكوة: بقية الأولياء، قطب الصلحاء. وقال عنه الملا على القارى صاحب مرقاة المفاتيح: «مولانا الحبر العلامة والبحر الفهامة مظهر الحقائق وموضح الدقائق الشيخ التقى النقى وإن فيما الفه لدليلا واضحا. على سعة عليه ووفرة فضله)). ولا نعرف تاريخ وفاته على الضبط كما لا نعرف تاريخ ولادته غير أننا نستطيع الجزم. بأنه توفى بعد سنة (٧٣٧)، وهى السنة التى أكمل فها كتابه المشكوة .. ٣١ ١ : مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب ١- عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول برقم: إنما الأعمال بالنيات، ١ - قوله (عن عمر بن الخطاب) هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوى الفرشى المدنى، يجتمع مع النبى مَ ◌ّه فى كعب بن لؤى. أحد فقهاء الصحابة ، ثانى الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد ضجيعى المصطفى، وأول خليفة دعى ((أمير المؤمنين)). أسلم سنة ست من النبوة، وقيل سنة خمس بعد أربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة. ويقال: به تمت الأربعون. ظهر الإسلام بإسلامه، وسمى ((الفاروق) لذلك. شهد بدرا والمشاهد كلها مع النبي مَّة. ولى الخلافة بعد أبى بكر بعهده إليه، ونصه عليه. وله مشاهد فى الإسلام وفتوحات مشهورة فى العراق والشام. عن ابن عمر مرفوعا: أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه. ولما دفن قال ابن مسعود: ذهب اليوم بتسعة أعشار العلم. وكان أشدهم فى أمر الله. له خمسمائة وتسعة وثلثون حديثا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخارى بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، قاله الخزرجى. طعنه نصرانى اسمه ((أبو لؤلؤة)) غلام مغيرة ابن شعبة، بالمدينة فى صلاة الصبح من الأربعاء لأربع بقين من ذى الحجة سنة ٢٣ هـ من الهجرة، وله من العمر ثلاث وستون سنة ، ودفن يوم الأحد فى أول المحرم سنه ٢٤ هـ. وكانت خلافته عشر سنين ونصفا، وصلى عليه صهيب ودفن فى الحجرة النبوية، ومناقبه جمة. روى عنه أبو بكر وباقى العشرة، وخلق كثير من الصحابة والتابعين (إنما الأعمال بالنيات) أشار المصنف بالبداية بهذا الحديث قبل الشروع فى ذكر الكتب والأبواب إلى حسن نيته فى تأليفه هذا الكتاب ، وأنه قصد به وجه اللّه فقط وأراد به تنبيه الطالب على تحسين النية وترغيبه إلى تصحيح الطوية. وكان المتقدمون يستحبون تقديم هذا الحديث أمام كل شىء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة إليه ، ولهذا صدر به المصنف تبعا للبخارى وغيره، فينبغى لمن أراد أن يصنف كتابا أن يبدأ به. قال عبد الرحمن بن مهدى: لوصنفت كتابا فى الأبواب لجعلت حديث عمر بن الخطاب فى الأعمال بالنيات فى كل باب. وعنه أنه قال: من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات. وقد تواتر النقل عن الأئمة فى تعظيم قدر هذا الحديث. وهو أحد الأحاديث التى يدور عليها الدين. اتفق ابن مهدى والشافعى وابن حنبل وابن المدينى وأبو داود والترمذى وغيرهم على أنه ثلث الإسلام، ومنهم من قال ربعه. وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فى أوراق وأطالوا فيه الكلام ، والظاهر عندى فى معناه أن الأعمال فيه على عمومها لا يختص منها شىء، فالمراد بها مطلق الأفعال الاختيارية الصادرة عن المكلفين، وتقدير الكلام: الأعمال واقعة أو متحققة أو حاصلة بالنيات ، فيكون إخبارا عن الأعمال الاختيارية أنها لا تقع إلا عن قصد من العامل، هو سبب عملها ووجودها. فهى مقدمة عقلية ذكرها التى تولى تمهيدا لما بعدها من المقدمات الشرعية وتوضيحا لها، ولا استبعاد فيه. ومنه قوله مَ ◌ّل: لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. ويكون قوله بعد ذلك ((وإنما لا مرئى ما نوى)) إخبارا عن حكم الشرع، وهو أن حظ العامل من عمله نيته ، فإن كانت صالحة ٣٢ مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب وإنما لامرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن کانت هجرته إلى دنيا فعمله صالح فله أجره ، وإن كانت فاسدة فعمله فاسد فعليه وزره ، فالذى يرجع إليه من العمل نفعا وضرا هى النية ، فإن العمل بحسبها يحسب خيرا وشرا، ويجزى المرأ بحسبها على العمل ثوابا وعقابا. وإذا تقرر هاتان المقدمتان ترتب عليهما قوله: فمن كانت هجرته إلى الله تعالى ورسوله - أى قصدا ونية - فهجرته إلى الله ورسوله - أجرا وثوابا - إلى آخر الحديث. وعلى هذا فالنية فى الحديث محمولة على المعنى اللغوى أى القصد ، لا الشرعى وهو توجه القلب نحو الفعل ابتغاء لوجه الله وامتثالا لحكمه، وذلك ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه بقوله فمن كانت هجرته إلخ، فإنه تفصيل لما أجمل، فالحديث ورد ليان الفرق بين النية الفاسدة والصحيحة الصالحة ، فالأولى مذمومة ضارة ، والثانية محمودة نافعة. ولم يرد لبيان ما فيه النية وما ليست فيه فلم يتعرض لوجود النية وعدمها ولم يختص بعمل دون عمل ولا بحكم دون حكم كما يشعر به تفاريع الشافعية والحنفية. وقد بسط المعنى الذى ذكرناه العلامة السندهى فى تعليقه على البخارى فارجع إليه. وقيل: التقدير فى قوله الأعمال بالنيات صالحة أو فاسدة أو مقبولة أو مردودة أو مثاب عليها أو غير مثاب عليها بالنيات، فيكون خبرا من الحكم الشرعى ، وهو أن صلاحها وفسادها بحسب صلاح النية وفسادها كقولهِ مَّه (إنما الأعمال بالخواتيم)، أى إن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب الخاتمة. وقوله بعد ذلك ((وإنما لكل امرئ ما نوى)» إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به ، فإن نوى خيرا حصل له خير، إن نوى به شرا حصل له شر. وليس هذا تكريرا محضا للجملة الأولى، فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة ، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة فيكون مباحا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب ، فالعمل فى نفسه صلاحه وفساده بحسب النية الحاصلة عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب الفية التى صار بها العمل صالحا أو فاسدا أو مباحا (وإنما لامرئى ما نوى) وكذا لامرأة ما نوت، لأن النساء شقائق الرجال (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فجهرته إلى الله ورسوله) إلخ هو تفصيل ما أجمله أولا كما تقدمت الإشارة إليه، وقد ذكرنا هناك فى تقدير الكلام ما يدل على التغاير بين الشرط والجزاء. وقيل: اتحد الشرط والجزاء لقصد المبالغة فى التعظيم، ولاإرادة التحقير فى ما سيأتى فيكون التغاير معنى بدليل قرائن السياق بأن يراد المعهود المستقر فى النفس كقولهم ((أنت أنت)، أى الصديق الخالص، وقولهم ((هم هم)) أى الذين لا يقدر قدرهم، وغير ذلك من الأمثلة. فالمهاجر إلى دار الاسلام حباً لله ورسوله ورغبة فى تعلم دين الإسلام وإظهار دينه هو المهاجر إلى الله ورسوله ، و کفاه شرفا وخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى أقتصر فى جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب فى الدنيا والآخرة (ومن كانت هجرته إلى دنيا) فعلى من الدنو ، لا تنون ٣٣ مرعاة المفاتيح ج ١ مفتحة الكتاب يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ، لأن ألفها مقصورة للتأنيث، أو هى تانيث أدبى، وهى كانية فى منع الصرف، وتنوينها فى لغية شاذ، ولا جرائها مجرى الأسماء وخلعها عن الوصفية نكرت كرجعى ، ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى (يصيبها) أى يحصلها (أو امرأة) قيل خصت بالذكر تنبيها على سبب الحديث وإن كانت العبرة بعموم اللفظ ، وهو قصة مهاجر أم قيس المروية فى المعجم الكبير للطبرانى بإسناد رجاله ثقات. قال الحافظ بعد ذكره: لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك ، ولم أر فى شىء من الطرق ما يقتضى التصريح بذلك - انتهى. وقال ابن رجب فى شرح الأربعين: قد اشتهر أن قصة مها جر أم قيس هى كانت سبب قول النبي ◌ّ ((من كانت هجرته إلى دنيا) إلخ، وذكر ذلك كثير من المتأخرين فى كتبهم، ولم نرى لذلك أصلا يصح - انتهى. قال الحافظ: لم نقف على تسمية مهاجر أم قيس. ونقل ابن دحية أن اسمها قيلة. وقال العلامة القنوجى فى عون البارى: لم يسم هذا الرجل أحد من صنف فى الصحابة فيما رأيته ، والظاهر أن التنصيص على المرءة من باب التنصيص على الخاص بعد العام للاهتمام ، والنكرة إذا كانت فى سياق الشرط تعم . ونكتة الاهتمام الزيادة فى التحذير، لأن الافتتان بها أشد، وإنما وقع الذم هنا على مباح، ولا ذم فيه ولا مدح، لكون فاعله أبطن خلاف ما أظهر ، إذ خروجه فى الظاهر ليس لطلب الدنيا ، وإنما خرج فى صورة طلب فضيلة الهجرة (فهجرته إلى ما هاجر إليه) أى منصرفة إلى الغرض الذى هاجر إليه، وفيه تحقير لما طلبه من أمر الدنيا واستهانة به، حيث لم يذكر بلفظه، وأيضا أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط ، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر ، فقد يهاجر الإنسان لطلب الدنيا مباحة تارة ومحرمة تارة. وإفراد ما يقصد الهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر ، فلذلك قال: فهجرته إلى ما هاجر إليه، يعنى كائنا ما كان. واعلم أن النية فى اللغة نوع من القصد والإرادة ، وفى كلام العلماء تقع بمعنيين: أحدهما تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلا، وتمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك، وهذه النية هى التى توجد كثيرا فى كلام الفقهاء فى كتبهم. والمعنى الثانى بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له أم لله وغيره. وهذه هى النية التى يتكلم فيها العارفون فى كتبهم فى كلامهم على الاخلاص وتوابعه ، وهى التى توجد كثيرا فى كلام السلف المتقدمين، وهى التى يتكرر ذكرها فى كلام النبي مد ته تارة بلفظ النية وتارة بلفظ الإرادة وتارة بلفظ مقارب لذلك. قيل: وحديث الباب دل على هذه النية بالقصد، وإن كان يدخل فى عموم قوله معد له ((وإنما لا مرئى ما نوى» المعنى الأول أيضا ، وفى بعض المسائل المتفرعة على المعنى الأول اختلاف مشهور بين العلماء ، كما أنهم اختلفوا فى اشتراط النية للطهارة بعد اتفاقهم على اشتراطها فى العبادات المقصودة لقوله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين - ٥:٩٨}، وهذا الخلاف يرجع إلى أن الطهارة للصلوة هل هى عبادة مستقلة أم هى شرط من شروط الصلوة كاإزالة النجاسة وستر العورة ، فمن لم يشترط لها الفية جعلها كسائر شروط الصلوة ، ومن اشترط لها النية جعلها ٣٤ ٢ . مرعاة المفاتيح ج١ مفتحة الكتاب متفق عليه . عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة فى نفسها لم تصح بدون النية ، وهذا قول جمهور العلماء مالك والشافعى وأحمد وأبى ثور وداود. قال ابن رجب: ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي مؤتم أن الوضوء يكفر بالذنوب والخطايا وأن من توضأ كما أمر كان كفارة لذنوبه. وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به فى القرآن عبادة مستقلة بنفسها حيث رتب عليه تكفير الذنوب ، والوضوء الخالى من الفية لا يكفر شيئًا من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأمورا به ولا تصح به الصلوة، ولهذا لم يرد فى شىء من بقية شرائط الصلوة كإزالة النجاسة وستر العورة ما ورد فى الوضوء من الثواب (متفق عليه) أى اتفق البخارى ومسلم على روايته ، ويقال عند المحدثين للحديث الذى اتفق الشيخان على روايته من صحابى واحد (متفق عليه)) أى بين الشيخين. وهذا الحديث قد اتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول. قال الحافظ: ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك ، فإنه لم يخرجه فى موطئه ، ووهم من زعم أنه فى الموطا مغترا بتخريج الشيخين له، والنسائى من طريق مالك. ورده السيوطى فى تنوير الحوالك بقوله: فى موطأ محمد بن الحسن عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطات، منها حديث ((إنما الأعمال بالنية)) وبذلك يتبين صحة قول من عزى روايته إلى المؤطا ووهم من خطأه فى ذلك - انتهى. ٣٥ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان (١) كتاب الإيمان (كتاب الإيمان) الكتاب مصدر بمعنى المكتوب مأخوذ من ((الكتب)) بمعنى الجمع والضم، أى هذا مجموع الأحاديث الواردة فى الايمان. والكتاب عند المصنفين: عبارة عن طائفة من المسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعا أى أبوابا، أو لم تشمل. وإنما عنون به مع ذكره الاسلام أيضا لأنهما بمعنى واحد فى الشرع، وعلى اعتبار المعنى اللغوى من الفرق يكون فيه إشارة إلى أنه الأصل. وقدمه لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها، ولأنه أول واجب على المكلف، ولأنه شرط لصحة العبادات المتقدمة على المعاملات. والكلام فى الإيمان على أنواع: الأول فى معناه اللغوى، وقد أوضحه الزمخشرى وابن تيمية وغيرهما. والثانى فى معناه الشرعى، واختلفوا فيه على أقوال ، فقال الحنفية: الإيمان هو مجرد تصديق النبى مؤيّ فيما علم مجيئه به بالضرورة تفصيلا فى الأمور التفصيلية وإجمالا فى الأمور الإجمالية تصديقاً جاز ما ولو بغير دليل. فالايمان بسيط عندهم غير مركب ، لا يقبل الزيادة والنقصان من حيث الكمية ، بجعلوه كالكلى المتواطى لا تفاوت فى صدقه على أفراده. واستدلوا على ذلك بوجوه، ذكرها العينى فى شرح البخارى وغيره فى غيره ، لا يخلو واحد منها من الكلام. ثم المتكلمون منهم جعلوا الإقرار شرطا لإجراء الأحكام فمن صدق فهو مؤمن بينه وبين الله وإن لم يقر بلسانه. وقال الفقهاء منهم: الإقرار بالشهادتين ركن لكنه . ليس بأصلى له كالتصديق، بل هو ركن زائد، ولهذا يسقط حالة الإكراه والعجز. قال القارى: والحق أنه ركن عند المطالبة به وشرط لإجراء الأحكام عند عدم المطالبة - انتهى. وفى المسايرة: وجعل الإقرار بالشهادتين ركنا من الإيمان هو الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطا خارجا عن حقيقة الايمان - انتهى. وإنما جعل هؤلاء الإقرار بالشهادتين وبالتزام الطاعة ركنا أو شرطا لا خراج تصديق أبى طالب وهرقل والذين قال الله فيهم ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا - ٢٧: ١٤ ﴾ من مسمى الإيمان الشرعى. وقال المرجئة: هو اعتقاد فقط، والإقرار باللسان ليس بركن فيه ولا شرط ، فجعلوا العمل خارجا من حقيقة الإيمان كالحنفية وأنكروا جزئيته ، إلا أن الحنفية اهتموا به وحرضوا عليه وجعلوه سببا ساريا فى نماء الإيمان، وأما المرجئة فهدروه وقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط ، فلا يضر المعصية عندهم مع التصديق. وقال الكرامية : هو نطق فقط ، فالإقرار باللسان يكفى للنجاة عندهم سواء وجد التصديق أم لا. وقال السلف من الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد وغيرهم من أصحاب الحديث: هو اعتقاد بالقلب ، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فالإيمان عندهم مركب ذو أجزاء، والأعمال داخلة فى حقيقة الإيمان. ومن ههنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقصان بحسب الكمية ، فهو كالكلى المشكك عندهم، واحتجوا لذلك بالآيات والأحاديث وقد بسطها البخارى فى جامعه، والحافظ ابن تيمية فى كتاب الإيمان. قيل وهو مذهب المعتزلة والخوارج، إلا أن السلف لم يجعلوا أجزاء الإيمان متساوية الأقدام ، فالأعمال عندهم كواجبات الصلوة لا ٣٦ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان الفصل الأول ) ٢ - (١) عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: بينما نحن عند رسول اللّه مولته ذات يوم إذ طلع علينا رجل كأركانها، فلا ينعدم الإيمان بانتفاء الأعمال بل يبقى مع انتفاءها، ويكون تارك الأعمال وكذا صاحب الكبيرة مؤمنا فاسقا لا كافرا بخلاف جزئيه: التصديق والإقرار ، فإن فاقد التصديق وحده منافق، والمخل بالإقرار وحده كافر ، وأما المخل بالعمل وحده ففاسق ينجو من الخلود فى النار ويدخل الجنة. وقال الخوارج والمعتزلة : تارك الأعمال خارج من الإيمان لكون أجزاء الايمان المركب متساوية الأقدام فى أن انتفاء بعضها - أى بعض كان - يستلزم انتفاء الكل، فالأعمال عندهم ركن من أركان الايمان كاركان الصلوة. ثم اختلف هؤلاء، فقالت الخوارج: صاحب الكبيرة وكذا تارك الأعمال كافر مخلد فى النار، والمعتزلة أثبتوا الواسطة فقالوا لا يقال له مؤمن ولا كافر ، بل يقال له فاسق مخلد فى النار. وقد ظهر من هذا أن الاختلاف بين الحنفية وأصحاب الحديث اختلاف معنوی حقیق لا لفظی کما توهم بعض الحنفية. والحق ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة والمحدثون لظاهر النصوص القرآنية والحديثية. ومحل الجواب عن دلائل الحنفية هو المطولات. والثالث فى أن الإيمان هل يزيد وينقص؟ قيل: هو من فروع اختلافهم فى حقيقة الإيمان. والرابع فى أن الإسلام مغاير للايمان شرعا ، أو هما متحدان ، فقال بعضهم بالترادف والتساوى ، وإنهما عبارة عن معنى واحد ، وإليه ذهب البخارى. وقيل بالتغاير والاختلاف والتباين. وقيل: إن بينهما عموما وخصوصا مطلقاً. وقال بعضهم: إن بينهما غموما وخصوصا من وجه. وقيل: إنهما مختلفان باعتبار المفهوم ، متحدان فى الماصدق ، والتفصيل فى إحياء العلوم للغزالى، وشرحه للزبيدى الحنفى. والخامس فى قران المشيئة بالإيمان، ومحل بسط الدلائل والجواب عن أدلة الأقوال الزائغة هو المطولات مثل شرح مسلم للنووى، والفتح للحافظ ، وكتاب الايمان لابن تيمية ، والعمدة للعينى ، وحجة اللّه للشيخ ولى اله الدهلوى. ٢ - قوله (عن عمر بن الخطاب) قال القرطبى: هذا الحديث يصلح أن يقال له ((أم السنة)) لما تضمنه من جمل علم السنة. قال الطيبي: ولهذه النكتة استفتح به البغوى كتابه (المصابيح)) و((شرح السنة)) اقتداء بالقرآن فى افتتاحه بالفاتحة لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا - انتهى. وبالجملة إنه حديث جليل فيه وحده كفاية لمن تأمل فيه. سمى ((حديث جبريل)) و((أم الأحاديث) لأن العلوم الشرعية التى يتكلم عليها فرق المسلمين من الفقه والكلام والمعارف والأسرار كلها منحصرة فيه، راجعة إليه، ومتشعبة منه، كما أن فاتحة الكتاب تسمى أم القرآن وأم الكتاب لاشتمالها على المعانى القرآنية والمقاصد الفرقانية إجمالا (بينما نحن عند رسول الله مح له ذات يوم إذ طلع علينا رجل) أى بين أوقات نحن حاضرون عنده فاجأنا وقت طلوع ذلك الرجل فأصله ((بين)) عوض بما عن كلمة أوقات المحذوفة التى تقتضيها بين عند الإضافة إلى الجملة، وهو ظرف زمان مثل إذ بمعنى المفاجأة، يضافان إلى الجملة الاسمية تارة، وإلى ٣٧ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبى مَتم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على نفذيه، وقال: يا محمد الفعلية أخرى ، ويكون العامل معنى المفاجأة فى إذ ويكون بينما ظرفا لفاجأنا المقدر وإذ مفعول به لهذا المقدر بمعنى الوقت ونحن مبتدأ وعند ظرف مكان وذات يوم ظرف لقوله عند باعتبار أن فيه معنى الاستقرار، أى بين أوقات نحن حاضرون عنده ، فنحن مخبر عنه بحملة ظرفية والمجموع صفة المضاف اليه المحذوف وزيادة ذات لدفع توهم التجوز بأن يراد باليوم مطلق الزمان لا النهار، وقيل ذات مقحم وقيل بمعنى الساعة. وكان مجىء هذا الرجل فى آخر عمر النبى مرّ كما يدل عليه رواية ابن مندة فى كتاب الإيمان بإسناده الذى هو على شرط مسلم، بجاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة فى مجلس واحد لتضبط وتحفظ. وسبب ورود الحديث ما فى مسلم أن رسول الله مَّ قال: سلونى، فها بوه أن يسألوه، فجاء رجل جلس عندركبتيه. وقوله طلع علينا رجل أى ظهر علينا رجل فى غاية الأبهة ونهاية الجلالة ، كما تطلع علينا الشمس، وفيه دليل على تمثل الملائكة بأى صورة شاءوا من صور بنى آدم كقوله تعالى - فتمثل لها بشرا سويا - ١٩: ١٧ ) وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية وغيره كما فى هذا الحديث (شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية مفيدة للتخفيف فقط ، صفة رجل ، واللام فى الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل أى شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره، والمراد به شعر اللحية كما فى رواية ابن حبان شديد سواد اللحية (لا يرى عليه أثر السفر) روى بصيغة المجهول الغائب ورفع الأثر وهو رواية الأكثر والأشهر، وروى بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأثر، والجملة حال من رجل أو صفة له، والمراد بالأثر ظهور التعب والتغير والغبار (ولا يعرفه منا أحد) استند فى ذلك عمر إلى صريح قول الحاضرين. ففي رواية لأحمد: فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا. والمعنى تعجبنا من إتيانه وترددنا فى أنه من الملك والجن، إذلو كان بشرا من المدينة لعرفناه، أو كان غريبا لكان عليه أثر السفر (حتى جلس) غاية بمحذوف دل عليه طلع لأنه بمعنى أتى، أى أقبل واستأذن حتى جلس متوجها ومائلا إلى النبي ◌َّ (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه) أى إلى ركبتى رسول اللّه مَّمه، لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب ، وإيصال الركبة بالركبة أبلغ فى الإصغاء وأكمل فى الاستئناس (على خذيه) أى على نفذى التى تَثير، كما تفيده رواية ابن خزيمة فى صحيحه وغيره وحديث ابن عباس وأبى عامر الأشعرى عند أحمد بإسناد حسن، ورواه النسائى من حديث أبىهريرة وأبى ذربلفظ: حتى وضع يده على ر کیتی رسول الله ڕێل ، وسنده صحيح. والظاهر أنه أراد بذلك جبريل المبالغة فى تعمية أمره ليقوى الظن بأنه من جفاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى التى مَّى، ولهذا استغرب الصحابة صفيعه (وقال: يا محمد) أى بعد ما قال ((السلام عليك، كما فى حديث أبى هريرة و أبى ذر عند أبي داود والنسائىّ، ووقع فى حديث ابن عمر عند الطبرانى وفى حديث عمر عند أبى عوانة فى صحيحه وفى حديث أبى هريرة عند البخارى فى تفسير سورة لقمان أنه قال له ((يا رسول اللّه)، ويجمع بأنه بدأ أو لا ٣٨ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان أخبرنى عن الإسلام. قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلوة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال فأخبرنى عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملٹکته ببداءة اسمه قصدا للتعمية فصنع صنيع الأعراب، ثم خاطبه بعد ذلك بقوله ((يا رسول الله)) (أخبرنى عن الإسلام) فيه أنه قدم السوال عن الإسلام وثنى بالايمان وثلث بالإحسان. وفى رواية أبى عوانة بدأ بالإسلام وثنى بالإحسان وثلث بالايمان ، وفى حديث أبى هريرة عند البخارى قدم السوال بالايمان وثنى بالإسلام وثلث بالإحسان. قال الحافظ : لا شك أن القصة واحدة ، واختلفت الرواة فى تأديتها ، وليس فى السياق ترتيب ، ويدل عليه رواية مطر الوراق عند أبى عوانة ، فالحق أن الواقع أمر واحد ، والتقديم والتأخير وقع من الرواة ، عبروا عنه بأساليب مختلفة. وأعلم أن البغوى ذكر فى المصابيح السوال عن الإيمان وجوابه مقدما على الإسلام وهو خلاف ما وقع فى حديث عمر عند مسلم وغيره ، ففى إيراد الحديث بهذا اللفظ اعتراض فعلى من صاحب المشكوة على البغوى فى المصابيح (وتقيم) أى وأن تقيم، وكذا بالنصب فى تؤتى وتصوم وتحج (الصلوة) أى المكتوبة كما فى حديث أبى هريرة عند مسلم (الزكوة) أى المفروضة (البيت) أى الحرام ، فال فيه للعهد، أو اسم جنس غلب على الكعبة علما ، واللام فيه جزء كما فى النجم (إن استطعت إليه سبيلا) المراد بهذه الاستطاعة: الزاد والراحلة. وكان طائفة لا يعدومهما منها ، ويثقلون على الحاج فنهوا عن ذلك. وإيراد الأفعال المضارعة لإفادة الاستمرار التجددى لكل من الأركان الإسلامية. وحكم الاسلام يظهر بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الأعمال المذكورة لأنها أظهر شعائره وأعظمها (قال) أى الرجل (صدقت) بفتح الفوقية، دفعا لتوهم أن السائل ما عده من الصواب (قال) أى عمر (فعجبنا له) أى السائل (يسأله ويصدقه) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسئول عنه، ولم يكن فى ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي مَّ، وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي مؤثّمٍ ولا بالسماع منه (فأخبرنى عن الإيمان قال أن تؤمن بالله) دل الجواب على أنه يَّ علم أنه سأله عن متعلقات الإيمان لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق. وقال الطبى: هذا يوهم التكرار وليس كذلك، فإن قوله ((أن تؤمن بالله)) مضمن معنى تعترف به، ولهذا عداه بالباء أى أن تصدق معترفا بكذا والايمان بالله هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص (وملئكته) أى تصدق بوجودهم وأنهم - كما وصفهم الله - عباد مكرمون، وقدم الملكة على الكتب والرسل نظرا للترتيب الواقع لأنه سبحانه وتعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول. وليس فيه تمسك ٣٩ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الا يمان وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرنى عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. لمن فضل الملك على الرسول (وكتبه) أى تصدق بأنها كلام الله، وأن ما تضمنته حق (ورسله) أى تصدق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن اللّه. ودل الإجمال فى الملكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك فى الايمان بهم من غير تفصيل إلا من ثبتت تسميته فيجب الايمان به على التعيين (واليوم الآخر) أى يوم القيامة لأنه آخر أيام الدنيا . والمراد بالإيمان به التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار (وتؤمن) أى وأن تؤمن (بالتقدر) بفتح الدال ويسكن ما قدره الله وقضاه. والمراد أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق فى علبه أنه يوجد ، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته ، وهذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية ، وسیجی. الكلام عليه فى كتاب القدر. وأعاد العامل ومتعلقه تنبيها على الاهتمام بالتصديق به الشرف قدره وتعاظم أمره (خيره وشره) بالجر بدل من القدر (فأخبرنى عن الإحسان) أى الإحسان فى العبادة، وهو إتقانها والإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود. قال الحافظ : وأشار فى الجواب إلى حالتين أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق حتى كأنه يراه بعينه هو قوله ((كأنك تراه)) أى وهو يراك. والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه، يرى كل ما يعمل، وهو قوله ((يراك)). وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته. وقال النووى: معناه أنك إنما تراعى الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك لكونه يراك لا لكونك تراه ، فهو دائما يراك فأحسن عبادته وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك (كأنك تراه) صفة مصدر محذوف، أى عبادة شبيهة بعبادتك حين تراه ، أو حال من الفاعل أى حال كونك مشبها بمن يراه ، قاله الكرمانى. وقال العينى: التقدير: الإحسان عبادتك الله تعالى حال كونك فى عبادتك مثل حال كونك رائيا. وهذا التقدير أحسن وأقرب المعنى من تقدير الكرمانى، لأن المفهوم من تقديره أن يكون هو فى حال العبادة مشبها بالرائى إياه، وفرق بين عبادة الرائى بنفسه وعبادة المشبه بالرائى بنفسه - انتهى. وقال السندهى: وليس المقصود على تقدير الحالية أن ينتظر بالعبادة تلك الحال فلا يعبد قبل تلك الحال بل المقصود تحصيل تلك الحال فى العبادة. والحاصل أن الإحسان هو مراعاة الخشوع والخضوع وما فى معناهما فى العبادة على وجه مراعاته لو كان رائيا ، ولا شك أنه لو كان رائيا حال العبادة لما ترك شيئا بما قدر عليه من الخشوع وغيره ، ولا منشأ لتلك المراعاة حال كونه رائيا إلا كونه رقيبا مطلعا على حاله ، وهذا موجود وإن لم يكن العبد يراه تعالى. ولذلك قال مَّم فى تعليله: فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أى هو يكفى فى مراعاة الخشوع على ذلك الوجه، فإن على هذا وصلية لا شرطية، والكلام بمنزلة فإنك وإن لم تكن تراه فإنه يراك ـ انتهى: (فإن لم تكن تراه) أى تعامله معاملة من تراه (فإنه يراك) أى فعامل معاملة من يراك أو فأحسن فى عملك فإنه يراك. ٤٠