Indexed OCR Text

Pages 1-20

٠٠
بسم الله الرحمن الرحيم
٠٠
الحمد لله
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد خاتم النبيين وإمام
ء
المتقين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن بعض الإخوان سألنى أن أعلق له شرحا
لطيفا على مشكوة المصابيح للشيخ ولى الدين أبى عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب العمرى التبريزى، فأجبته إلى سواله
رجاء المنفعة به. وأسأل الله تعالى أن ينفعنا به ومن كتبه أو سمعه أو قرأه أو نظر فيه، وأن يجعله خالصا لوجهه ،
موجبا للفوز لديه، وبالإخلاص إنما يتقبل العمل، «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى)). فأقول مستعينا
بالله مهتديا به متوكلا عليه، وما توفيقى إلا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل: قال: (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمدلله) إلخ
افتح الكتاب بالبسملة ثم أتى بالحمدلة ، موافقة لكتاب الله العظيم، فإن الصحابة افتحوا كتابة الإمام الكبير بالتسمية
والحمدلة ، وتلوها، وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم فى جميع الأعصار، من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة ،
ومن لا يقول ذلك. وعملا بحديث نبيه الكريم فى بداءة كل أمرذى بال ببسم الله الرحمن الرحيم، أخرجه الرهاوى فى
أربعينه من حديث أبى هريرة مرفوعا، وأخرج أبو داود والنسائى وابن ماجه وأبو عوانة والدار قطنى وابن حبان
والبيهتى عن أبى هريرة مرفوعا (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم)) وفى رواية «كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه
بحمد الله فهو أقطع)، حسنه ابن الصلاح وغيره. ولا منافاة بين روايتى التسمية والتجميد لأن المقصود منهما فيما نرى
- والله أعلم بمراد كلام نبيه - إنما هو الابتداء بذكر الله والثناء عليه، سواء يكون فى ضمن البسملة أو الحمدلة، لا أن لفظ الحمد
أو البسملة متعين ، فالقدر الذى يجمع الأمرين هو ذكر الله، وقد حصل بالبسملة ، وحينئذ فالحمدلة والبسملة والذكر سواء.
ويدل على ذلك ما ورد فى بعض طرق الحديث لفظ ((ذكر الله)) مصرحا، ففي مسند أحمد عن أبى هريرة مرفوعا (( كل
أمر ذى بال لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع)). قال التاج السبكى فى أول الطبقات الشافعية فى الجمع بين الروايتين
ما لفظه: وأما الحمد والبسملة فجائزان يعنى بهما ما هو الأعم منهما ، وهو ذكر الله والثناء عليه على الجملة، إما بصيغة الحمد
أو غيرها. ويدل على ذلك رواية ذكر الله، وحينئذ فالحمد والبسملة والذكر سواء. وجائزان يعنى خصوص الحمد
وخصوص البسملة، وحينئذ فرواية الذكر أعم، فيقضى لها على الروايتين الأخيرتين لأن المطلق إذا قيد بقيدين متنافيين
لم يحمل على واحد منهما ويرجع إلى أصل الإطلاق. وإنما قلنا أن خصوص الحمدلة والبسملة متنافيان لأن البداءة إنما
تكون بواحد ، ولو وقع الابتداء بالحمد لما وقع بالبسملة وعكسه. ويدل على أن المراد الذكر، فتكون روايته هي
١

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله.
فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تكون للنجاة وسيلة
المعتبرة أن غالب الأعمال الشرعية غير مفتحة بالحمد كالصلوة فأنها مفتحة بالتكبير والحج وغير ذلك. فإن قلت: لكن
رواية بحمد الله أثبت من رواية بذكر اللّه قلت: صحيح، ولكن لم قلت: إن المقصود بحمد الله خصوص لفظ الحمد، ولم
لا يكون المراد ما هو أعم من لفظ الحمد والبسملة؟ ويدل على ذلك ما ذكرت لك من الأعمال الشرعية التى لم يشرع
الشارع افتاحها بالحمد بخصوصه - انتهى كلام السبكى.
قوله (الحمد لله) الحمد هو الثناء على الجميل الاختيارى من نعمة أو غيرها. أتى بالجملة الاسمية واسم الذات للدلالة على
الدوام والثبات. وقوله ((الحمد لله)) مطلق يتناول حمد الله تعالى نفسه، وأرفع حمد ما كان من أرفع حامد وأعرفهم
بالمحمود وأقدرهم على إيفاء حقه، قال رَّم: ((لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) ويتأول حمد الحامدين
له تعالى من ابتداء الخلق إلى انتهاء قولهم ((وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين)) (نحمده) استئناف، فأولا أثبت
الحمد له بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، سواء حمد أو لم يحمد، فهو إخبار متضمن للإنشاء، ثانيا أخبر عن
حمده وحمد غيره معه بالجملة الفعلية التى للتجدد والحدوث بحسب تجدد النعماء وتعدد الآلاء وحدوثها فى الآناء. وإظهار
لتخصيص حمده لكن باستعانته، ونفى الحول والقوة ودفع الرياء والسمعة من نفسه، ومن ثم أتبعه بقوله ((ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا». وحاصل وجه التخصيص أنه تعالى لما كان مستحقا للحمد باسباغ أنواع النعم علينا فلا بد أن نحمده،
وأورد صيغة الجمع ليشمل جميع الخلق الجسمانى والروحانى فى الدارين. وقال الطبى: الضمير المستكن فى نحمده ونستعينه
ونستغفره لتكلم ومن معه من أصحابه الحاضرين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. (ونستعينه) أى فى أداء الحمد
وغيره من الأمور الدنيوية والأخروية. وفيه إشارة إلى أن حمده تعالى أمر لا يتيسر من الخلائق أجمعين إلا با عانته تعالى،
فيكون تبريا عن الحول والقوة (ونستغفره) أى من سيئاتنا وتقصيراتنا ولو فى أداء ذلك الحمد ، كما هو حقه من الصدق
والإخلاص (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أى من ظهور السيئات الباطنية التى جبلت الأنفس عليها. ومنها
التقصير فى الصدق والإ خلاص، أى الحمد مع الرياء والسمعة، وكذا مع إثبات الحول والقوة (ومن سيئات أعمالنا)
أى من مباشرة الأعمال السيئة الظاهرة التى تنشأ عنها. والمراد منها هو التصدى للتصنيف فى علم الحديث مع قصور فى
تصحيح الطية وإخلاص الطوية، أو التقصير فى الشكر على توفيقه تعالى لهذه النعمة العظيمة والمنحة الجليلة، أو التكلم بما لا
يعنيه والغفلة عن ذكر الله تعالى، أو التهاون فى الطاعات والعبادات وارتكاب المكروهات والمحرمات مطلقا. والأول
أظهر. فتعوذ رحمه الله من ذلك لحصول الإخلاص (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضللفلا هادی له) لما
أضيف الشرور والأعمال إلى الأنفس أوهم أن لها الاختيار والاستقلال بالأعمال، أتبعه بقوله من يهده الله إلخ ليؤذن
بأن كل ذلك منه تعالى، وليس للعبد إلا الكسب ، وبعد الكسب الشقى والسعيد على حسب علمه الأزلى سبحانه

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
ولرفع الدرجات كفيلة. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى بعثه وطرق الايمان قد عفت
وتعالى. والضمير البارز ثابت فى يهده، وأما فى يضاله فغير موجود فى أكثر نسخ المشكوة، وهو عمل بالجائزين ،
والأول أصل وفيه وصل والثانى فرع وفيه فصل، قاله القارى. وهذا الكلام وإن كان خبرا وبيانا للواقع وإثباتا لتفرد
الله تعالى بالهداية والإضلال، لكنه فى الحقيقة طلب وسؤال من اللّه للهداية والحفظ من الضلالة. والمعنى: لا هادى
ولا مضل غيرك فوفقنى للهداية واحفظنى من الضلالة واعصمنى من الغواية فإنك على كل شئ قدير (وأشهد أن لا إله
إلا الله) إلخ أتبع الحمد بالشهادتين فى الخطبة عملا بما روى عن أبى هريرة مرفوعا (( كل خطة ليس فيها شهادة كاليد
الجزماء)) أخرجه أحمد وأبو داود فى الأدب والترمذى فى النكاح وحسنه. وأورد صيغة الجمع فى الحمد والاستعانة
والاستغفار والتعوذ نظرا إلى كثرة الآلاء والنقصيرات والذنوب وكشف الصفات. وأفرد الضمير فى مقام التوحيد
لأنه إثبات القدم وإسقاط الحدوث ومحل مشاهدة وحدة الذات وسقوط ما سوى الله، فأشار أولا إلى التفرقة وثانيا
إلى الجمع. قال القارى : وقد يقال إن الأفعال المتقدمة أمور ظاهرية يحكم بوجودها على الغير أيضا بخلاف الشهادة
فإنه أمرقلبي غينى لا يعلم بحقيقته إلا هو - انتهى. يعنى أن الشهادة خبر قاطع مطابق للمواقع، فلم يكن للصنف أن يحكم به بالجزم
إلا على نفسه بخلاف الحمدو أخواته، والله أعلم (شهادة) مفعول مطلق موصوف بقوله (تكون) إلخ، والشهادة التى تكون
سببا للخلاص من العذاب وكفيلة لرفع الدرجات فى الجنان إنما هى التى تكون بالصدق والإخلاص ومواطأة القلب
وموافقة الظاهر والباطن مع الاستقامة عليها لقوله عز وجل ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا - الآية ٤١: ٣٠)
وقال القارى : والمعنى: أن الشهادة إذا تكررت وانتجت ارتكاب الأعمال الصالحة واجتناب الأفعال الطالحة صارت سببا
لعلو الدرجات، وكانت مانعة عن الوقوع فى الذركات. وبما قررناه اندفع ما يرد على المصنف من أن دخول الجنة بالايمان
ورفع الدرجات بالأعمال ولكون التوفيق على هذا السبب من فضله لا ينافى قوله عليه الصلوة والسلام ((لن ينجو أحد منكم
بعمله» (عبده) إضافة تشريف وتخصيص، إشارة إلى كمال مرتبته فى العبودية وقدمه لأنه أشرف أو صافه وأعلاها وأفضلها
وأغلاها، ولذا ذكره الله تعالى بهذا الوصف فى كثير من المواضع فقال { سبحان الذي أسرى بعبده - ١٧: ١، تبارك
الذى نزل الفرقان على عبده - ٢٥: ١، فأوحى إلى عبده ما أوحى - ٩:٥٣﴾، وفى الجمع بين الوصفين العبودية
والرسالة تعريض للنصارى حيت غلوا فى دينهم وأطروا فى مدح نبيهم (وطرق الايمان) مبتدأ وقوله ((قد عفت آثارها))
خبر، أو الجملة حالية، والمعنى: أن الله أرسله فى حال كمال احتياج الناس إليه مَّه، فإنهم كانوا فى غاية من الضلالة والجهالة، إذ
لم يكن حى على وجه الأرض من يعرفها إلا أفراد من أتباع عيسى عليه السلام، استوطنوا زوايا الخمول ورؤس الجبال
وآثروا الوحدة والاعتزال (قد عفت آثارها) أى اندرس ما بقى من رسومها، من عفا الشئى عَفُوا وعفاء وعُفُوا إِذا
نقص ودرس واتَّحى ، ومنه قولهم ((عليه العفاء)). قال زهير:
على آثار ما ذهب العفاء
تحمل أهلها منها فبانوا
٣

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
آثارها، وخبت أنوارها، ووهنت أركانها، وجهل مكانها. فشيد صلوات الله عليه وسلامه من
معالمها ما عفا، وشفى من العليل فى تأيد كلمة التوحيد من كان على شفا، وأوضح سبيل
الهداية لمن أراد أن يسلكها، وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها.
(وخبت أنوارها) من خبا يخبو خبوا وُخُبُوا، يقال ((خبت النار أو الحدة)) إذا خمدت وسكنت وطفئت، والمعنى:
خفيت أنوارها وانطفئت بحيث لا يمكن اقتباس العلم المشبه بالنور فى كمال الظهور (ووهنت) أى ضعفت حتى انعدمت
(أركانها) من أساس التوحيد والنبوة والإيمان بالبعث والقيامة. وقيل: المراد الصلوة والزكوة وسائر العبادات
(وجهل) بصيغة المجهول (مكانها) مبالغة فى ظهور الجهل وغلبة الفسق وكثرة الظلم وقلة العدل. قيل: المراد من طرق
الإيمان الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم وأتباعهم من العلماء والأولياء. ومن عفوآثارها وخبو أنوارها ووهن
أركانها ترك العمل بما جاءوا به من الشرائع، وأمروا به من الأعمال والأخلاق والآداب، وأظهروه من العلوم
والمعارف وترك التعلم والتخلق والتأدب بها. ومن جهل مكانها عدم معرفة مراتبهم ومنازلهم وتناسى حقوقهم.
ويحتمل أن يكون المراد بطرق الإيمان العلوم والمعارف والأعمال الصالحة والآداب المرضية والمجاهدات النفسية
والرياضات البدنية والصفات الجميلة والأخلاق الحميدة التى يبلغ المتصف بها مرتبة كمال الإيمان، وبعفاء الآثار
وخبو الأنوار ووهن الأركان وجهل المكان عدم سلوك هذه الطرق وعدم المبالاة بها والاهتمام بتحصيلها وتكميلها ،
والله أعلم. (فشيد) أى رفع وأعلى وأظهر وقوى بما أعطيه من العلوم والمعارف التى لم يؤت أحد مثله فيما مضى
(صلوات الله) أى أنواع رحمته (عليه وسلامه) وفى بعض النسخ: صلوات الله وسلامه عليه. وهى جملة معترضة
دعائية (من معالمها) جمع المعلم وهو العلامة (ما عفا) ما موصولة أو موصوفة مفعول شيد ، ومن بيانية متقدمة،
والمعنى: أظهر وبين ما أندرس وخفى من آثار طرق الايمان وعلامات أسباب العرفان والايقان وإن لم يبصرها
الذين ختم الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم وأصم آذانهم مع كمال وضوحها وغاية ظهورها (وشفى) عطف على
شيد (من العليل) بيان مقدم لـ «من» رعاية للسجع (فى تأيد كلمة التوحيد) متعلق بشفى ومفعوله قوله (من كان على شفا)
أى وخلص من علة الجهل والشرك فى تقوية كلمة الايمان من كان مشرفا على الموت والهلاك ، أو كان على حرف من
الصراط السوي ومنحرفا عن الطريق المستقيم، أو أنقذ من كان قريبا من الوقوع فى حفرة الجحيم إشارة إلى قوله تعالى
﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها - ٣: ١٠٣) والشفا حرف كل شئى وطرفه وحده (لمن أراد أن
يسلكها) أنث الضمير لأن السبيل يذكرويؤنث، أى بين وعين طريق الاهتداء إلى المطلوب لمن طلب وشاء من نفسه أن
يدخل فيها (وأظهر كنوز السعادة) أى المعنوية وهى المعارف والعلوم والأعمال والأخلاق والشمائل والأحوال البهية
المؤدية إلى الكنوز الأبدية والخزائن السرمدية من نعيم الجنة ورضوان الله ولقائه ورؤيته (لمن قصد أن يملكها) وجه
التخصيص أنهم هم المنتفعون بالإيضاح والإظهار وإن كان بان شرائع الإسلام وتعليم أمور الدين عاما لجميع الناس.
٤

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
أما بعد: فإن التمسك بهديه لا يستتب إلا بالاقتفاء لما صدر من مشكوته، والاعتصام بحبل
اللّه لا يتم إلا بيان كشفه. وكان كتاب المصابيح
لمن أراد سلوكها وقصد تملكها، ولمن أعرض عنها، كقوله تعالى {هدى للمتقين﴾ (أما بعد) أتى به اقتداء به مؤ خّ
وبأصحابه فإنهم كانوا يأتون به فى خطبهم للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، ويسمى فصل الخطاب. واختلف فى أول
من قالها ، فقيل: داود عليه السلام، رواه الطبرانى مرفوعا من حديث أبى موسى الأشعرى، وفى إسناده ضعف. وفيه أقوال
أخرى ذكرها الحافظ فى الفتح. و((أما) لتفصيل المجمل، وهو كلمة شرط محذوف فعله وجوبا. و«بعد» من الظروف الزمانية
متعلق بالشرط المحذوف وهو مبنى على الضم لقطعه عن الإضافة والمضاف إليه منوى، والتقدير: مهما يذكرشئى من الأشياء
بعد ما ذكر من البسملة والحمدلة والصلاة والثناء (فإن التمسك بهديه) بفتح الهاء وسكون الدال، أى طريقه وسيرته،
يقال ما أحسن هديه أى طريقه وهدى هديه أى سيرته (لا يستتب) بتشديد الباء أى لا يستقيم ولا يستمر، أو لا يتأتى
ولايتهيا (إلا بالاقتفاء) أى بالاتباع (لما صدر) أى ظهر (من مشكوته) أى صدره، والمشكوة هى الكوة فى الجدار غير
النافذة يوضع فيها المصباح أى السراج، استغيرت لصدره ◌ٍَّ، شبه صدره الذى يفيض النور المقتبس من القلب على
الخلق بالمشكوة التى فيها المصباح، وشبه قلبه المنوربنور الله تعالى بالمصباح المضىء (والاعتصام) بالنصب ويجوز الرفع،
أى التمسك والتشبث (بحبل الله) أى القرآن لما ورد فى حديث الحارث الأعور عن على مرفوعا فى صفة القرآن ((هوحبل
الله المتين وصراطه المستقيم)، أخرجه الترمذى. وروى الحافظ أبو جعفر الطبرى بسنده عن أبى سعيد مرفوعاه كتاب الله
هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض). وروى من حديث عبد الله بن مسعود وزيدبن أرقم وحذيفة نحو ذلك. استعار
الحبل للقرآن من حيث أن العمل بالقرآن سبب لحصول العلوم والمعارف التى هى وسيلة إلى الحياة الأبدية، كما أن الحبل
وسيلة إلى الوصول إلى الماء الذى هو سبب للحياة الدنيوية، أو من حيث أن التمسك بالقرآن سبب للنجاة عن التردى
والخلاص من الوقوع فى دركات جهنم، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة عن التردى فى البئر عند الاحتياج إلى الماء
(إلا بيان كشفه) أى السنة النبوية، والإضافة بيانية، قال الله تعالى: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم -
(١٦: ٤٤) ولا شك أنه لا يمكن الوصول إلى حقيقة معانى القرآن ولا يتيسر فهم مقاصده إلا بتبينه معر فية وإيضاحه،
فكان هو مبينا لمجملات القرآن ومفسراً لمشكلاته ، وليس بيانه وتفسيره إلا فى أحاديثه، فكل حديث ورد فى الصلاة
فهو بيان وتفسير لقوله تعالى ﴿ وأقيموا الصلاة)) فإن الصلاة محملة لم يبين أوقاتها وأعدادها وأركانها وشرائطها وواجباتها
وسننها ومفسداتها إلا السنة، وكذا الزكاة والصوم والحج (وكان كتاب المصابيح) قيل إن البغوى لم يسم هذا
الكتاب بالمصابيح نصا منه وإنما صار هذا الاسم علنا له بالغلبة من حيث أنه ذكر بعد قوله (( أما بعد)): فهذه ألفاظ
صدرت عن صدر النبوة ، وسنن سارت عن معدن الرسالة ، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم النبيين هن
مصابيح الدجى - إلخ. وهو من أجمع الكتب فى باب الحديث فإنه جمع فيه أحاديث الأحكام على ترتيب الأبواب

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
الفقهية بحيث يستحسنه الفقيه، ووضع الترغيب والترهيب على ما يقتضيه العلم ويرتضيه. ولوفكر أحد فى تغيير باب عن
موضعه لم يجد له موضعا أنسب مما اقتضى رأيه ، ولذلك كف عليه المتعبدون، واعتنى بشأنه العلماء بالقراءة والتعليق ،
فله شروح كثيرة، ذكرها چلى فى كشف الظنون، لكنه لطلب الاختصار ترك ذكر الأسانيد اعتمادا على نقل الأئمة،
ولم يذكر كثيرا من الصحابة رواة الآثار، ولا تعرض لتخريج تلك الأخبار، بل قسم أحاديث كل باب إلى صحاح
وحسان، واصطلح على أن جعل الصحاح ما هو فى الصحيحين أو أحدهما. والحسان ما ليس فى واحد منهما . والتزم
أن ما كان فيها من ضعيف أو غريب أشار إليه ونبه عليه. وإن ما كان موضوعا أو منكرا لم يذكره ولا يشير إليه.
هذا هو المشروط فى الخطبة ، لكن ذكر فى أواخر باب مناقب قريش حديثا وقال فى آخره: منكر. وقيل قد ألحقه
بعض المحدثين. قال النووى فى التقريب تبعا لابن الصلاح: أما تقسيم البغوى أحاديث المصابيح إلى حسان وصماح
مريدا بالصحاح ما فى الصحيحين وبالحسان ما فى السنن فليس بصواب ، لأن فى السنن الصحيح والحسن والضعيف
والمنكر - انتهى. قال السيوطى فى التدريب (ص ٥٤): ومن أطلق عليها الصحيح كقول السلفى فى الكتب الخمسة اتفق على
صحتها علماء المشرق والمغرب ، وكإطلاق الحاكم على الترمذى الجامع الصحيح ، فقد تساهل. قال العراقى: وأجيب عن
البغوى بأنه يبين عقب كل حديث الصحيح والحسن والغريب ، قال: وليس كذلك فإنه لا يبين الصحيح من الحسن
فيما أورده من السنن بل يسكت وبين الغريب والضعيف غالبا، فالإيراد باق فى مزجه صحيح ما فى السنن بما فيه من
الحسن. وقال شيخ الإسلام: أراد ابن الصلاح أن يعرف أن البغوى اصطلح لنفسه أن يسمى السنن الأربعة الحسان،
ليغتنى بذلك عن أن يقول عقب كل حديث أخرجه أصحاب السنن ، فإن هذا اصطلاح حادث ليس جاريا على المصطلح
العرفى - انتهى. قلت: وقد وقع له بعد ذلك الاصطلاح أن ذكر أحاديث من الصحاح ليست فى أحد من الصحيحين
وأحاديث من الحسان هى فى أحد الصحيحين وأدخل فى الحسان أحاديث ولم ينبه عليها وهى ضعيفة واهية فى غاية
الضعف كما ستقف عليه إنشاء الله تعالى. ثم إن الشيخ ولى الدين محمد بن عبد الله الخطيب كمل المصابيح وذيل أبوابه ،
فذكر الصحابى الذى روى الحديث عنه ، وذكر الكتاب الذى أخرجه منه ، وزاد على كل باب من صحاحه وحسانه إلا
نادرا فصلا ثالثا. وسماه ((مشكوة المصابيح)) فصار كتابا حافلا كما ترى. وله تصرفات أخرى أيضا فى المصابيح،
كما سيجىء ذكره فى كلامه، نعم، لم يتعرض هو كالبغوى للكلام على الأحاديث التى أوردها من السنن والمسانيد التى لم
يلتزم مصنفوها الصحة فى الغالب طلبا للاختصار، ولا يخفى أنه يسوغ العمل بأحاديثها التى لم يقع التصريح بتحسينها أو
تصحيحها منهم أو من غيرهم من يعتمد عليه إلا بعد البحث عنها ، فما كان منها صحيحا أو حسنا أو ضعيفا يحتمل ضعفه
يقبل ، وما لم يكن كذلك يرد. قال فى كشف الظنون: قيل عدد أحاديث المصابيح أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة
عشر حديثا ، منها المختص بالبخارى ثلثمائة وخمسة وعشرون حديثا ، وبمسلم ثمان مائة وخمسة وسبعون حديثا ، ومنها
المتفق عليها ألف وإحدى وخمسون حديثاً ، والباقى من كتب أخرى. وقال ابن الملك: إن عدد الأحاديث المذكورة
فيه أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وثمانون حديثا ، منها ما هو من الصحاح ألفان وأربعمائة وأربعة وتلتون حديثا ،
٦

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
الذى صنفه الإمام محى السنة قامع البدعة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوى - رفع الله
ومنها ما هو من الحسان وهو ألفان وخمسون حديثا (محى السنة) روى أنه لما جمع كتابه المسمى بشرح السنة رأى
النبي ◌َّ فى المنام فقال له(( أحياك الله كما أحييت سنتى)) فصار هذا اللقب علما له بطريق الغلبة (قامع البدعة) أى قاطعها
ودافع أهلها أو مبطلها وعميتها (أبو محمد الحسين بن مسعود) هو الإمام الحافظ المجتهد المحدث المفسر أبو محمد الحسين
ابن مسعود بن محمد الشافعى صاحب معالم التنزيل فى التفسير وشرح السنة والمصابيح والجمع بين الصحيحين فى الحديث
والتهذيب فى الفقه، وغير ذلك من التصانيف الحسان ، كان بحراً فى العلوم ، إماما فى الفقه والحديث والتفسير، أخذ
الفقه عن القاضى حسين بن محمد صاحب التعليقة فى الفقه، وحدث عنه، وعن أبى الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودى،
ويعقوب بن أحمد الصير فى وغيرهم. وروى عنه أهل مرو وغيرهم ، وبورك له فى تصانيفه لقصده الصالح ، فإنه كان
من العلماء الربانيين ، كان ذا تعبد ونسك وقناعة باليسير ، وكان يا كل كسرة وحدها فعذلوه، فصار يا كلها بزيت.
قال القارى: كان مفسرا محدثا فقيها. قال بعض مشائخنا: ليس له قول ساقط. وكان عابدا زاهدا جامعا بين العلم
والعمل على طريقة السلف الصالحين. توفى بمرو الروذ فى شوال سنة ٥١٦ هـ ست عشرة وخمس مائة، ودفن عند
شيخه القاضى حسين بمقبرة الطالقانى ، ولعله بلغ ثمانين سنة ، وارجع إلى تذكرة الحفاظ (ج ٤: ص ٥٤ - ٥٥)
ووفيات الأعيان (ج ١: ص ١٤٥ - ١٤٦) واتحاف النبلاء (٢٤٤) وأشعة اللغات (ج ١: ص ٢٨ - ٢٩)
(الفراء) بالرفع على أنه صفة لأبى محمد الحسين كما يظهر من كلام ابن خلكان حيث قال: أبو محمد الحسين بن مسعود بن
محمد المعروف بالفراء البغوى الفقيه. وقيل بالجر نعت لأبيه نسبة إلى عمل الفراء وصنعها وبيعها. قال الذهبى فى
ترجمة البغوى: هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعى، قال: وكان أبوه يعمل الفراء ويبيعها. قال فى
الاتحاف: يقال له الفراء وابن الفراء أيضا. قال القارى: وهو غير الفراء النحوى المشهور (البغوى) بالرفع صفة
للحسين، لأن المقصود ببيان النسبة البلدية وكذا الولادية والصناعية عند المحدثين هو العلم الأول إلا نادرا. والبغوى
بفتح الباء الموحدة والغين المعجمة وبعدها واو ، هذه النسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهرات يقال لها بغ وبغشور
بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة وضم الشين وبعدها واو ساكنة ثم راء معرب ((باغ كور)). وهذه النسبة
شاذة على خلاف القياس، قاله السمعانى فى كتاب الأنساب. وقيل العلم المركب تركيبا مزجيا يحذف نجزه وينسب إلى
صدره أو ينسب إليه برمته من دون حذف، فتقول بَعِىُّ ومعدوىُ وبعلبكى ومعدى كربى فى النسبة إلى بعلبك
ومعدى كرب، والبغوى من هذا القبيل، وإنما جاءت الواو فى النسبة إجراء للفظة بغ مجرى محذوف العجز كالدموى
فإنه يرد المحذوف إلى الاسم المحذوف منه إذا بقى على حرفين من أصوله فتقول فى أب وأخ أبوى وأخوى ، ويجوز فى
مثل يد ودم أن يرد المحذوف، وهو الأفصح، وحينئذ إذا كان ياء قابت واوا فيقال يدوى ودهوى، ويجوز النسبة
٧

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
درجته - أجمع كتاب صنف فى بابه، وأضبط الشوارد الأحاديث وأوابدها. ولما سلك - رضى الله
عنه - طريق الاختصار وحذف الأسانيد تكلم فيه بعض النقاد وإن كان نقله - وإنه من الثقات -
على اللفظ فيقال يدى ودمى. ولئلا يلتبس بالبغى بمعنى الزانى ( أجمع كتاب) خبر كان (صنف فى بابه) أى فى
باب الحديث فإنه جمع فيه الأحاديث المهمة على ترتيب الأبواب الفقهية ، والمراد أنه من أجمع الكتب فى باب الحديث،
أو قاله مبالغة فى مدحه، ويجوز مثل هذه المبالغة فى مدح كتاب ترغيا للطالبين وتشويقا لهم إليه (وأضبط) عطف على
أجمع، لأنه لما جرد عن الأسانيد وعن اختلاف الألفاظ وتكرارها فى المسانيد صار أقرب إلى الحفظ والضبط ، وأبعد
من الغلط والخبط (لشوارد الأحاديث) جمع شاردة وهى النافرة والذاهبة عن الدرك، من إضافة الصفة إلى الموصوف.
والأحاديث قيل جمع أحدوثة فى الأصل كاسا طير جمع أسطورة ثم جعل جمع حديث (وأوابدها) عطف تفسير ، أى
وحشياتها جمع آبدة وهى الوحش والشىء الغريب، وأوابد الكلام غرائبه، شبهت الأحاديث بالوحوش السرعة تنفرها وتبعدها
عن الضبط والحفظ، ولذا قيل «العلم صيد والكتابة قيد، قاله القارى. وقال السيد جمال الدين: المراد بالشوارد الأحاديث
المخرجة فى الأصول قدخفيت على الطالبين مواضع إيرادها فكانها نفرت منهم، وبالأوابد الأحاديث التى دلالتها على معانيها
كانت خقية، فكأنها توحشت من الطلاب بالنظر إلى معانيها المقصودة، فبإيراد محى السنة إياها فى الأبواب المناسبة والمواضع
اللائقة من كتاب المصابيح ظهرت معانيها واتضحت ، فارتفع الشرود وانتفى التوحش منها وصارت ما نوسة، ذكره فى
اللغات (طريق الاختصار) أى بالاكتفاء على متون الأحاديث (وحذف الأسانيد) عطف تفسير على ذلك، والمراد
بحذف الإسناد إما حذف الصحابى وترك المخرج فى كل حديث ، وهو مجاز من باب إطلاق الكل على البعض أى طرفى
الإسناد، وهو مراد المصنف ظاهرا من قوله ((لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال)) فالشىء الذى ذكره المصنف فى المشكوة
زيادة على المصابيح هو ذكر الصحابى وبيان المخرج، وهو الذى أهمله صاحب المصابيح. وأما معناه الحقيقى على مصطلح
أهل الحديث، وهو حكاية طريق المتن بحيث يعلم جميع رواته، لكن المصنف اكتفى بذكر المخرج كما يقول: وإنى إذا
نسبت الحديث اليهم - إلخ، وعلى هذا يكون ذكر المخرج أى الصحابى للتبرك والتاكيد فقط (تكلم) جواب لما، أى طعن
فى بعض أحاديث كتابه حتى أن بعض الطاعنين أفردوا أحاديث من المصابيح ونسبوها إلى الوضع، ثم أنه لما نسبت إلى
. الأئمة المخرجين لها علم أن بعضها صحيح وبعضها حسن، كحديث أبى هريرة ((المرأ على دين خليله)) فإنه أحد الأحاديث
التى انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح، وقال: إنه موضوع، وكذا أورده ابن الجوزى فى الموضوعات،
وقد حسنه الترمذى، وصححه الحاكم، وقال النووى: إسناده صحيح (بعض النقاد) بضم النون وتشديد القاف، وقال
السيد جمال الدين: أى تكلم فى حقه واعترض عليه بعض المبصرين بأن صحة الحديث وسقمه متوقفة على معرفة الإسناد
فاذا لم يذكر لم يعرف الصحيح من الضعيف فيكون نقصا (وإن كان نقله) أى نقل البغوى بلا إسناد، والواو وصلية
(وإنه من الثقات) أى المعتمدين فى نقل الأحاديث وبيان صحتها وحسنها وضعفها. روى بكسر الهمزة فى (( إنه)) على أنه حال
٨

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
كالإسناد، لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال، فاستخرت الله واستوفقت منه، فأعلمت
ما أغفله فأودعت كل حديث منه فى مقره كما رواه الأئمة المتقنون والثقات الراسخون ،
مثل أبى عبد الله محمد بن إسماعيل
من المضاف إليه فى نقله. وروى بفتحها للعطف على اسم كان، يعنى نقله بتأويل المصدر أى وإن كان نقله وكونه من الثقات
كالإسناد ( كالإسناد) أى كذكره (لكن ليس ما فيه أعلام) أعلام الشئى بفتح الهمزة آثاره التى يستدل بها وهو جمع
علم بفتحتين ( كالأغفال) بالفتح وهى الأراضى المجهولة التى لا عمارة فيها ولا أثر تعرف به ، جمع غفل بضم الغين
المعجمة وسكون الفاء ، وفى بعض النسخ بكرة الهمزة فيهما ، فهما مصدران لفظا وضدان معنى ، وأراد بالأول كتابه
المشكوة ، وبالثانى المصابيح، وكان حقه أن يقول لكن ليس ما فيه أغفال كالأعلام ، ولعله قلب الكلام تواضعا مع
البغوى وهضما لنفسه. والحاصل أنه ادعى أن فى صنيع البغوى قصورا فى الجملة ، وهو عدم ذكر الصحابة أولا وعدم
ذكر المخرج فى كل حديث آخرا، فإن ذكرهما مشتمل على فوائد. قال القارى: أما ذكر الصحابى ففائدته أن الحديث تتعدد
رواته وطرقه، وبعضها صحيح وبعضها ضعيف، فيذكر الصحابى ليعلم ضعف المروى من صحيحه. ومنها رجحان الخبر بحال
الراوى من زيادة فقهه وورعه ومعرفة ناسخه من منسوخه بتقدم إسلام الراوى وتأخره. وأما ذكر المخرج ففائدته تعيين لفظ
الحديث، وتبين رجال إسناده فى الجملة ، ومعرفة كثرة المخرجين وقلتهم فى ذلك الحديث لإفادة الترجيح وزيادة
التصحيح. ومنها الرجوع إلى الأصول عند الاختلاف فى الفصول وغيرها من المنافع (فاستخرت الله) لقوله تعالى
﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختارما كان لهم الخيرة﴾، ولما روى الطبرانى فى الصغير والأوسط من حديث أنس مرفوعا «ما
خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد)) (واستوفقت منه) بتقديم الفاء على القاف ، أى طلبت
من الله التوفيق (فأعلمت ما أغفله) أى فبينت ما أهمله البغوى عمدا فإنه ترك ذكر الصحابة فى كثير من الأحاديث
فالتزمت ذكر الصحابى فى كل حديث وأيضا لم يتعرض هو لذكر المخرج بحيث يعلم مخرج كل حديث بخصوصه وإن علم
بجملا من اصطلاحه فى الصحاح والحسان أنه ذكر فى القسم الأول أى الصحاح أحاديث الصحيحين أو أحدهما ، وفى القسم
الثانى أى الحسان أحاديث غيرهما، فذكرت المخرج فى كل حديث بخصوصه، قال القارى: أى فينت ما تركه بلا إسناد
عمدا من ذكر الصحابى أولا وبان المخرج آخرا بخصوص كل حديث التزاما (فأودعت كل حديث منه) أى من المصابيح
(فى مقره) أى وضعت كل حديث من الكتاب فى محله الموضوع فى أصله من كل كتاب وباب من غير تقديم وتأخير
وزيادة ونقصان وتغير (كما رواه الأمة) أى أئمة الحديث الذين يقتدى بهم (المتقنون) أى الضابطون الحافظون
الحاذقون لمروياتهم من أتقن الأمر إذا أحكمه، ومنه قوله تعالى (صنع الله الذى أتقن كل شىء). (الثقات) بكسر المثلثة
جمع ثقة وهم العدول والاثبات (الراسخون) أى الثابتون بمحافظة هذا العلم ، المتمكنون فيه، من رسخ أى ثبت فى
موضعه، يقال رسخ الحبر فى الصحيفة ، والعلم فى القلب ، وفلان راسخ فى العلم أى متمكن فيه (مثل أبى عبد الله محمد
إسماعيل) هو أمير المؤمنين فى حديث سيد المرسلين، إمام الأئمة المجتهدين ، سلطان المحدثين ، أبو عبد الله محمد بن
٩

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
البخارى، وأبى الحسين مسلم بن الحجاج
إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف بردزبه الجعفى مولاهم ولاء إسلام البخارى صاحب الجامع الصحيح
والتصانيف، جبل الحفظ وإمام الدنيا فى ثقة الحديث ، ومعجزة للرسول البشير النذير حيث وجد فى أمته مثل هذا الفرد
العديم النظير، فلم ير مثله من جهة الحديث واتقانه، وفهم معانى كتاب الله وسنة رسوله، ومن حيثية حدة ذهنه،
ودقة نظره، ووفور فقهه ، وكمال زهده ، وغاية ورعه، وقوة اجتهاده واستنباطه، وكثرة اطلاعه على طرق الحديث
وَعلله. ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلث عشرة ليلة خلت من شوال سنة ١٩٤هـ، وتوفى وقت العشاء ليلة السبت ليلة
· الفطر سنة ٢٥٦هـ، ودفن يوم العيد بعد صلاة الظهر بخرتنك على فرسخين من سمر قند، وعمره اثنتان وستون سنة إلا
ثلثة عشر يوما ، ولم يخلف ولدا ، كانت أمه مستجابة الدعوات ، توفى أبوه وهو صغير فنشأ فى حجر والدته ، ثم عمى،
وقد عجز الأطباء عن معالجته، فرأت فى المنام إبراهيم الخليل عليه السلام قائلا لها قد رد الله على ابنك بصره بكثرة
دعائك له، فأصبح وقد رد الله عليه بصره ، فنشأ متربيا فى حجر العلم، مرقضعا من ثدى الفضل، ثم ألهم طلب الحديث
وله عشر سنين، ورد على بعض مشائخه غلطا وهو فى إحدى عشرة سنة، فأصلح كتابه من حفظ البخارى، سمع الحديث
بيلده بخارى، ثم رحل فى طلب هذا الشان إلى جميع محدثى الأمصار، وسمع الكثير ، وأخذ عنه الحديث خلق كثير
فى كل بلدة حدث بها، روى عنه الترمذى فى جامعه كثيرا ومسلم فى غير صحيحه. قال الفربرى سمع كتاب البخارى
منه تسعون ألف رجل. قال البخارى خرجت كتابى الصحيح من زهاء ست مائة ألف حديث ، وما وضعت فيه إلا
صحيحا. وارجع لترجمته إلى كتاب ((سيرة البخارى)) جزء كبير وتاليف مفرد مبسوط فى ترجمة الإمام البخارى
وذكر تصانيفه وبيان محاسن جامعه الصحيح وفضائله باللغة الأردوية لوالدنا العلامة محمد عبد السلام المباركفورى
رحمه الله، وقد ذكر شيئا من ترجمته الشيخ الدهلوى فى أشعة اللعات (ص ٩ - ١٣) والعلامة القنوجى فى اتحاف
النبلاء (٣٤٩ - ٣٥٥) وعلى القارى فى المرقاة (١٣ - ١٦) والحافظ فى أواخر مقدمة الفتح (٥٦٣ - ٥٨٣) وفى
تهذيب التهذيب (ج ٩: ص ٤٧ - ٥٥) والقسطلانى فى مقدمة إرشاد السارى (ج ١: ص ٣١ - ٤٦) والنووى فى
تهذيب الأسماء واللغات (ج ١: ص ٦٧ - ٧٦) والسبكى فى طبقات الشافعية (ج ٢: ص ٢ - ١٩) والسمعانى فى
الأنساب (ورقة ٦٨ و ١٣١) والخطيب فى تاريخ بغداد (ج ٢: ص ٤ - ٣٤) وابن خلكان فى تاريخه ، والذهبى فى
تذكرته ، والمصنف فى الإكمال وغيرهم، وأفرد بعضهم ترجمته فى تاليفات مبسوطة كالذهبي وابن الملقن والأمير اليمانى
والعجلونى وغيرهم (البخارى) نسبة إلى ((بخارى)) بلدة عظيمة من بلاد ما وراء النهر لنولده فيها وصار بمنزلة العلم له
ولكتابه (وأبى الحسين مسلم بن الحجاج) هو الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى
النيسابورى أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين صاحب التصانيف ، طلب علم الحديث صغيرا، ورحل إلى العراق.
والحجاز والشام ومصر، سمع من مشائخ البخارى وغيرهم كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والقعنى وغيرهم.
وروى عنه أئمة من كبار عصره وحفاظ دهره، كأبى حاتم الرازى وابن خزيمة وغيرهما. وروى عنه الترمذى
١٠

مرعاة المفاتيح ج١
: مفتحة الكتاب
القشيرى ، وأبى عبد الله مالك بن أنس الأصبحى ،
حديثا واحدا (( أحصوا هلال شعبان لرمضان، ماله فى جامع الترمذى غيره. ألف المؤلفات النافعة، وأنفعها صحيحه
الذى فاق بحسن ترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته، قال مسلم: صنفت المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث
مسموعة. قال الحافظ: حصل لمسلم فى كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث أن بعض الناس كان
يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل ، وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ ،
كما هى من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه ، وحفظت منهم
أكثر من عشرين إماما من صنف المستخرج على مسلم ، وقال الخطيب: إنما قنا مسلم طريق البخارى ونظر فى علمه
وحذا حذوه ، ولما ورد البخارى النيسابور فى آخر مرة لازمه مسلم وداوم الاختلاف إليه، وقال الدار قطنى: لو لا
البخارى لما ذهب مسلم وجاء. ولد سنة ٢٠٤هـ وقيل سنة ٢٠٦هـ وتوفى عشية يوم الأحد لأربع أو خمس أو لست قين
من رجب سنة ٢٦١هـ وعمره خمس وخمسون سنة ودفن بنصرآباد ظاهر نيسابور يوم الإثنين، ملفقط من التذكرة
للذهبي (ج ٢: ص ١٦٥ - ١٦٧) ووفيات الأعيان (ج ٢: ص ٩١) وتهذيب التهذيب (ج ١٠: ١٢٦ - ١٢٨)
والمرقاة (ج ١ ص ١٦ - ١٧) واتحاف النبلاء (٤٣٠ - ٤٣١) وأشعة اللعات (ج ١: ١٣ - ١٤) والإكمال للصنف.
وبستان المحدثين (١١٦ - ١١٧). (القشيرى) بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون المثناة من تحتها وبعدها راء، نسبة
إلى قشير بن كعب، قبيلة كبيرة من العرب (وأبى عبد الله مالك بن أنس) هو الإمام الحافظ فقيه الأمة، أحد أعلام
الإسلام، إمام دار الهجرة ، رأس المتقنين، كبير المثبتين ، صاحب المذهب ، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن
أبى عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان ويقال عثمان بن جثيل وقيل خثيل بن عمرو بن ذى أصبح الحارث المدنى
(الأصبحى) بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها حاء مهملة، نسبة إلى ذى أصبح جده التاسع
واسمه الحارث بن عوف، وهى قبيلة كبيرة من أكرم قبائل اليمن جاهلية وإسلاما، من يعرب بن يشجب بن قحطان ،
كان جده الأعلى الحارث بن عوف من الأصبح، وهو بطن من الحمير، ولذا لقب بذى أصبح. واختلف فى ولادته
فقيل ولدسنة ٥٩٠. وقيل سنة ٩٤هـ، وقيل سنة ٨٩٥. قال الذهبى فى التذكرة: أما يحيى بن بكير فقال: سمعته يقول: ولدت
سنة ٩٣ هـ ثلث وتسعين، فهذا أصح الأقوال انتهى. واختاره السمعانى فى الأنساب، وقال: هذا متصل بالسند إلى
يحيى بن بكير تلميذ الإمام ، واختاره ابن فرحون وقال: هو الأشهر، وحمل فى بطن أمه ثلث سنين ، واختلف فى تاريخ
وفاته أيضا ، قال ابن فرحون: والصحيح أنها كانت يوم الأحد لتمام اثنين وعشرين يوما من مرضه فى ربيع الأول سنة
١٧٩ هـ، فقيل لعشر مضت، وقيل لأربع عشرة، ولثلث عشرة، ولا حدى عشرة. وقيل الثنتى عشرة من رجب. ودفن بالقيع،
قال المصنف فى الاكمال: هو - أى مالك - إمام الحجاز، بل الناس فى الفقه والحديث، وكفاه نخرا أن الشافعى من أصحابه.
أخذ العلم عن الزهرى ويحيى بن سعيد ونافع مولى ابن عمر وهشام بن عروة وربيعة بن عبد الرحمن وخلق كثير ، قال
الزرقانى: أخذ عن تسعمائة شيخ فأكثر قال: والرواة عنه فيهم كثرة جدا بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة
١١

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
وأبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعى،
كرواته. وقال الذهبى: حدث عنه أمم لا يكادون يحصون. وروى سعيد بن أبي مريم عن أشهب بن عبد العزيز قال:
رأيت أبا حنيفة بين يدى مالك كالصبي بين يدى أبيه. وقال الشافعى : قال لى محمد بن الحسن : أيهما أعلم صاحبنا أم
صاحبكم؟ يعنى أبا حنيفة ومالكا رضى الله عنهما. قال: قلت على الانصاف؟ قال: نعم. قال: قلت: ناشدتك اللّه،
من أعلم بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت: ناشدتك الله، من أعلم بالسنة صاحبنا أم
صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت: ناشدتك الله، من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله مطعم المتقدمين
صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال الشافعى: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه
الأشياء. فعلى أى شىء نقيس. ذكره ابن خلكان. ساد مذهبه فى الأندلس قضاء وفتيا ولا يزال هو السائد إلى اليوم
فى المغرب. وقد أطنب الناس من السلف والخلف فى ذكر ترجمته فى كتبهم، وصنف جمع منهم تأليفات مفردة بذكر
أحواله ، منهم الذهبي ، وأبو بكر بن أحمد بن مروان المالكى المتوفى سنة ٣١٠ هـ، وأبو الروح عيسى بن مسعود الشافعى
المتوفى سنة ٧٧٤ هـ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد التسترى المالكى المتوفى سنة ٣٤٥ هـ، ومحمد أبو إسحق بن القاسم بن
شعبان المتوفى سنة ٣٥٥ هـ، ومحمد أبو بكر بن اللباد بن محمد المتوفى سنة ٣٣٣ هـ، والحافظ ابن حجر، والسيوطى
وغيرهم. وقد ذكر شطرا صالحا من ترجمته وكشف حال كتابه المؤطا الشاه عبد العزيز فى ((بستان المحدثين))،
والشيخ عبد الحى اللكنوى فى مقدمة التعليق المجد، والعلامة القنوجى فى اتحاف النبلاء (ص ٣٣٨ - ٣٣٩)،
والحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ١٠: ص ٣ - ٩)، والمصنف فى الاكمال، والقارى فى المرقاة (ج ١: ١٧ - ١٨)،
وصاحب الأوجز فى مقدمة شرحه لمؤطا (ص ١١ - ٣٥) فعليك أن تراجع هذه الكتب. قال الذهبي فى التذكرة
(ج ١: ص ١٩١): قد كنت أفردت ترجمة مالك فى جزء وطولتها فى تاريخى الكبير ، قد اتفق لمالك مناقب ما
علمتها اجتمعت لغيره، أحدها: طول العمر، وعلو الرواية. وثانيها: الذهن الثاقب، والفهم، وسعة العلم. وثالثها:
اتفاق الأئمة على أنه حجة ، صحيح الرواية. ورابعتها : تجمعهم على دينه، وعدالته، واتباعه السنن. وخامستها:
تقدمه فى الفقه والفتوى، وصحة قواعده. عاش ستا وثمانين سنة - انتهى. وقدم المصنف عليه البخارى ومسلما مع
كونه أولى وأحرى بالتقديم للشرط الذى لكتابيهما. وقال القارى: أخر عن البخارى ومسلم ذكرا وإن كان مقدما
عليها وجودا ورتبة وإسنادا لتقدم كتابيهما على كتابه ترجيحا لعدم التزامه تصحيحا - انتهى. (وأبى عبد الله محمد
ابن إدريس) هو الإمام العلم حبر الأمة صاحب المذهب ناصر الحديث المجدد لأمر الدين على رأس المائتين محمد بن
إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشى
المطلبى المكى نزيل مصر أبو عبدالله (الشافعى) بكسر الفاء بعدها عين مهملة، نسبة إلى شافع. قيل: لقى شافع النبي محمد له وهو
مترعرع، وهذا وجه تخصيص النسبة إليه. ثم نسبة أهل مذهبه أيضاشا فعى لأن الاسم إذا كان مختوما بياء مشددة، فإن كان
قبلها أكثر من حرفين وجب حذفها فتقول فى النسبة إلى إسكندرية إسكندرى ، والشافعى من هذا القبيل. فقول العامة
١٢

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
وأبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانى،
((شافعوى)) خطأ. ولد بغزة سنة ١٥٠ هـ، على الأصح، وهى سنة وفاة أبى حنيفة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين،
وتوفى عند العشاء الآخرة ليلة الجمعة آخر يوم من رجب سنة ٢٠٤، ودفن بعد العصر يوم الجمعة بقرافة مصر ، عاش
أربعا وخمسين سنة. قال المصنف بعد ذكر شىء من مناقبه: وفضائله أكثر من أن تحصى ، كان إمام الدنيا وعالم
الناس شرقا وغربا ، جمع الله له من العلوم والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر.
أحد سواه. سمع مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومسلم بن خالد، وخلقا سواهم كثيرا. حدث عنه أحمد بن.
حنبل ، وأبو ثور، وأبو إبراهيم المزنى، والربيع بن سليم المرادى، وخلق كثير غيرهم. قدم بغداد سنة خمس وتسعين
ومائة فأقام بها أشهرا، ثم خرج إلى مصر ومات بها. قال القارى: وصنف فى العراق كتابه القديم المسمى بالحجة ،
ثم رحل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة، وصنف كتبه الجديدة بها ، ورجع عن تلك ومجموعها يبلغ مائة وثلاثة عشر
مصنفا ، وسار ذكرها فى البلدان، وقصده الناس من الأقطار للأخذ عنه، و کذا أصحابه من بعده لسماع کتبه حتى
اجتمع فى يوم على باب الربيع تسعمائة راحلة. وابتكر أصول الفقه ، وكتاب القسامة، وكتاب الجزية ، وقتال أهل
البغى. وكان حجة فى اللغة والنحو. وقال ابن خلكان: كان الشافعى كثير المناقب ، جم المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت
فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول مَ ◌ّه وكلام الصحابة وآثارهم واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة
كلام العرب واللغة والعربية والشعر، حتى أن الأصمعى مع جلالة قدره فى هذا الشان قرأ عليه أشعار الهذلين ما لم يجتمع
فى غيره ، حتى قال أحمد بن حنبل: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالست الشافعى. وقال أبو عبيد القاسم
ابن سلام: ما رأيت رجلا قط أكمل من الشافعى. قال ابن خلكان: والشافعى أول من تكلم فى أصول الفقه، وهو
الذى استنبطه، وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته
وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخاءه. وأخبرنى أحد المشائخ أنه عمل
فى مناقب الشافعى ثلاثة عشر تصنيفا - انتهى. قلت: بل زيادة على ذلك فقد ذكر فى كشف الظنون أحدا وعشرين
تصنيفا مع العزو إلى من صنف هذه التصانيف. وقال ابن الملقن فى العقد المذهب: بلغ التصانيف فى مناقب الشافعى
إلى نحو أربعين مؤلفا بل زيادة على ذلك. وقال الحافظ فى توالى التأسيس بمعالى ابن إدريس: قد سبق إلى التأليف
فى ذلك من يتعسر استيعا بهم بالذكر، أو يطمع فى اللحاق بهم المتأخر ولو وسع المجال أو ضيق الفكر. ثم ذكر أسماء
بعض من صنف فى ذلك وعليك أن تراجع توالى التأسيس ، فقد ذكر فيه الحافظ شطرا صالحا من مناقبه (وأبى عبد الله
أحمد بن محمد بن حنبل) بن هلال بن أسد الامام الحافظ الحجة صاحب المذهب (الشيبانى) نسبة إلى شيبان بن ذهل
ابن ثعلبة أحد أجداده، وهو مروزى الأصل. خرجت أمه من مرو وهى حامل فولدته ببغداد فى ربيع الأول سنة
١٦٤ هـ وتوفى ضحوة نهار الجمعة لشتى عشرة خات من ربيع الأول سنة ٢٤١ هـ بغداد. كان - رحمه الله - إما ما
فى الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، وبه عرف الصحيح والسقيم والمجروح من المعدل. ونشأ ببغداد وطلب
١٣

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
وأبى عيسى محمد بن عيسى الترمذى ،
العلم وسمع الحديث من شيوخها ، ثم رحل إلى مكة والكوفة والبصرة والمدينة واليمن والشام والجزيرة ، فسمع من
يحيى بن سعيد القطان، وابن عيينة، والشافعى، وعبد الرزاق بن الهمام، وخلق كثير. وروى عنه ابناه صالح
وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق، والبخارى، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو القاسم البغوى، وخلق
كثير سواهم. قال أبو زرعة: كانت كتبه إثنى عشر جملا ، وكان يحفظها على ظهر قلبه ، وكان يحفظ ألف ألف
حديث. قال الشافعى: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدا أتقى وأورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
ودعى إلى القول بخلق القرآن فلم يجب فضرب وحبس وهو مصر على الامتناع ، وكان ضربه فى العشر الأخير من
شهر رمضان سنة عشرين ومائتين وكان حبسه أيام المعتصم ثمانية وعشرين شهرا، ثم عرف المتوكل قدره وأكرمه
وقدره. وألف المسند الكبير، أعظم المسانيد وأحسنها وضعا وانتقادا، انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث
وخمسين ألف حديث. ومناقبه كثيرة، وفضائله جمة ، وله كرامات جليلة. وقد طول المؤرخون ترجمته، وترجمه
الذهبى فى النبلاء فى مقدار خمسين ورقة. وأفردت ترجمته بمصنفات مستقلة بسيطة. قال الذهبي فى التذكرة: سيرة أبى
عبد الله - يعنى الإمام أحمد - قد أفردها البيهقى فى مجلد، وأفردها ابن الجوزى فى مجلد، وأفردها شيخ الإسلام
الأنصارى فى مجلد لطيف - انتهى. وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ١: ص ٧٥): لم يسق المؤلف - يعنى مصنف
التهذيب - قصة المحنة، وقد استوفاها ابن الجوزى فى مناقبه فى مجلد، وقبله شيخ الإسلام الهروى، وترجمته فى تاريخ
بغداد للخطيب (ج ٤: ص ٤٢٣،٤١٢) مستوفاة - انتهى. قال ابن خلكان: وحرز من حضر جنازته من الرجال فكانوا
ثمان مائة ألف، ومن النساء ستين ألفا. وقال أبو الحسن بن الزاغونى: كشف قبر أحمد حين دفن الشريف أبو جعفر
ابن أبى موسى إلى جانبه فوجد كفنه صحيحا لم يبل، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة (وأبى عيسى
محمد بن عيسى) بن سورة بن الضحاك السلمى الضرير البوغى (الترمذى) نسبة إلى ترمذ، واختلف فى ضبطها كثيرا،
والمعروف المشهور على الألسنة كسر التاء والميم وبينهما راء ساكنة بوزن ((إنمد، كما ضبطها صاحب القاموس. قال
السمعانى فى الأنساب (ورقة ١٠٥): والناس مختلفون فى كيفية هذه النسبة ، بعضهم يقول بفتح التاء المنقوطة بنقطتين
من فوق، وبعضهم يقول بكسرها ، والمتداول على لسان تلك البلدة، وكنت أقمت بها إثنى عشر يوما، فتح التاء وكسر
الميم، والذى كنا نعرفه قديما كسر التاء والميم جميعا، والذى يقوله المتوقون وأهل المعرفة بضم التاء والميم، وكل
واحد يقول معنى لما يدعيه - انتهى. وقال الذهبي فى التذكرة (ج ١: ص ١٨٨): قال شيخنا ابن دقيق العيد: وترمذ
بالكسر هو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر. وهذه البلدة ترمذ قال السمعانى: مدينة قديمة على طرف نهر
بلخ الذى يقال له جيحون. ولد سنة ٢٠٩هـ، كتبه نصا العلامة الشيخ محمد عابد السندى المتوفى سنة ١٢٥٧ هـ بخطه
على نسخته من كتاب الترمذى المكتوبة سنة ١٢٢١هـ المصححة المقابلة على أصل صحيح معتمد، ذكره العلامة الشيخ أحمد
محمد شاكر فى مقدمة تعليقه على الترمذى (٧٧) قال: ولعله نقل ذلك استنباطا من كلام غيره من المتقدمين ، وقد.
١٤

مرعاة المفاتيح : ج
:مفتحة الكتاب
صرح بذلك أيضا جسوس والبيجورى فى شرحهما على الشمائل. وقد ذكره الذهبي فى ميزان الاعتدال أنه مات فى رجب
سنة ٢٧٩هـ، وقال: وكان من أبناء السبعين. وقال القارى فى شرح الشمائل بعد أن ذكر وفاته سنة ٢٧٩ هـ: وله
سبعون سنة. وقال الصلاح الصفدى فى نكت الهميان: ولد سنة بضع ومائتين. وقال ابن الأثير فى جامع الأصول:
ولد فى ذى الحجة سنة مائتين١- فالله أعلم بصحة ذلك، والأكثر على أنه توفى ليلة الإثنين الثالث عشر من رجب
سنة ٢٧٩ هـ، وقيل سنة ٢٧٥هـ، وقيل سنة ٢٧٧ هـ، والصواب الأول. وهو - رحمه الله - أحد الأئمة الحفاظ
الأعلام المبرزين الذين يقتدى بهم فى علم الحديث. صنف الجامع والتواريخ والعلل تصنيف رجل عالم متقن ، كان
يضرب به المثل فى الحفظ ، قد امتحنه بعض المحدثين بأن قرأ له أربعين حديثا من غرائب حديثه فأعادها من صدره
فقال: ما رأيت مثلك. ونقل الحاكم أبو أحمد عن عمر بن علك أنه قال: مات البخارى فلم يخلف بخراسان مثل أبى
عيسى فى العلم والحفظ والورع والزهد. بكى حتى عمى وبقى ضريرا سنين. وذكره ابن حبان فى الثقات وقال : كان
من جمع وصنف وحفظ وذاكر. وقال أبو الفضل البيانى: سمت نصر بن محمد الشير كوهى يقول: سمت محمد بن
عيسى الترمذى يقول: قال لى محمد بن إسماعيل يعنى البخارى: ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بى. وقال ابن خلكان:
وهو تلميذ أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، وشاركه فى بعض شيوخه ، مثل قتيبة بن سعيد ، وعلى بن حجر ، وابن
بشار، وغيرهم. وقال الشيخ أحمد المصرى فى مقدمة تعليقه: الترمذى تلميذ البخارى وخريجه، وعنه أخذ علم
الحديث، وتفقه فيه، ومرن بين يديه، وسأله، واستفاد منه، وناظره فوافقه وخالفه كعادة هؤلاء العلماء فى اتباع
الحق حيث كان ، وفى إنكار التقليد والإعراض عنه. وقد طاف البلاد وسمع خلقا من الخراسانيين والعراقيين
والحجازيين كما فى التهذيب. والرواة عنه كثيرون، ذكر بعضهم فى تذكرة الحفاظ وفى التهذيب، وأهمهم عندنا ذكرا
المحبوبى راوى كتاب الجامع عنه، ترجم له ابن العماد فى شذرات الذهب (ج ٢: ص ٣٧٣) فقال: أبو العباس
المحبوبى محمد بن أحمد بن مجوب المروزى ، محدث مرو وشیخها وزئيسها. توفى فى رمضان سنة ٣٤٦ هـ، وله سبع
وسبعون سنة. روى جامع الترمذى عن مؤلفه، وروى عن سعيد بن مسعود صاحب النضر بن شميل وأمثاله.
ووصفه السمعانى فى الأنساب (ورقه ٥١١): شيخ أهل الثروة من التجار بخراسان وإليه كانت الرحلة. وقد أراد
البخارى أن يشهد لتلميذه الترمذى شهادة قيمة فسمع منه حديثا واحدا كعادة كبار الشيوخ فى سماعهم ممن هو أصغر
منهم - انتهى كلام الشيخ أحمد مختصرا. قلت: بل سمع البخارى من الترمذى حديثين ، ذكر أحدهما فى تفسير سورة
الحشر ، والثانى فى مناقب على. وقال المصنف: والترمذى تصانيف كثيرة فى علم الحديث، وهذا كتابه الصحيح
أحسن الكتب وأكثرها فائدة وأحسنها ترتيبا وأقلها تكرارا ، وفيه ما ليس فى غيره من ذكر المذاهب ووجوه
الاستدلال وتبين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل ، وفى آخرَه كتاب العلل ، وقد
جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها٢. وارجع للبسط والتفصيل إلى مقدمة تحفة الأحوذي شرح
(١) كذا نقله شيخنا فى مقدمة شرح الترمذى (ص١٦٧). والذى فى جامع الأصول طبعة مصر (ج١: ص ١١٤): ولد سنة تسع ومائتين.
(٢) وكتاب العلل هذا الملحق بكتاب الجامع (سنن الترمذى) معروف بالتلل الصغير وقد شرحه ابن رجب الحنبلى المتوفى سنة ٧٩٥، وطبع هذا
الشرح فى بغداد سنة ١٣٩٦ه بتحقيق السيد صبحى جاسم الحميدى البدرى السامرانى. والترمذى أيضا كتاب العلل الكبير، ذكره ابن النديم فى
الفهر ست ص ٣٣٩ قال السيد صبحى: لمأقف عليه ولعله فقد .
١٥

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
وأبى داود سليمان بن الأشعث السجستانى، وأبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائى ،
جامع الترمذى ، وإلى مقدمة تعليق الترمذى للشيخ أحمد محمد شاكر المصرى (وأبى داود سليمان بن الأشعث) بن
إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدى (السجستانى) بكسر السين المهملة وتفتح وبكسر الجيم وسكون
السين الثانية بعدها تاء مثناة من فوقها وبعد الألف نون ، نسبة إلى سجستان معترب سيستان الأقليم المشهور بين
خراسان وكرمان. ويقال فى النسبة إلى سجستان ((سجزى)) أيضا. وقد نسب أبو داود وغيره كذلك وهو عجيب
التغير فى النسب. ولد سنة ٢٠٢ هـ، وتوفى بالبصرة يوم الجمعة منتصف شوال سنة ٢٧٥ هـ عن ثلاث وسبعين سنة.
وهو الإمام الثبت أحد حفاظ الحديث وعلله ، وفى الدرجة العليا من النسك والصلاح وعلم الفقه والورع والإتقان ،
أحد من رحل وطوف البلاد وجمع وصنف وسمع بخراسان والعراق والجزيرة والشام والحجاز ومصر ، وقدم بغداد
مرارا ، ثم نزل البصرة وسكنها ، وأخذ عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة ومسدد
ابن مسرهد ومحمد بن بشار وغير هؤلاء أئمة الحديث ممن لا يحصى كثرة. وحدث عنه ابنه أبو بكر عبد الله بن أبى
داود، وكان من أكابر الحفاظ ببغداد عالما متفقا عليه إمام بن إمام، وحدث عنه أيضا أبو عيسى الترمذى صاحب الجامع،
وأبو عبد الرحمن النسائى صاحب السنن المشهورة ، وأحمد بن محمد الخلال، وروى عنه شيخه أحمد بن حنبل فرد حديث
أى حديث الغيرة ، كان أبو داود يفتخر بذلك، وروى عنه خلق سوى هؤلاء. قال أبو بكر الخلال: أبو داود هو
الإمام المقدم فى زمانه ، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه أحد فى زمانه. وقال ابن حبان :
أبو داود أحد أئمة الدنيا فتها وعلما وحفظا ونسكا وورعا وإتقانا. وقال الحافظ موسى بن هارون: خلق أبو داود
فى الدنيا للحديث وفى الآخرة للجنة، وما رأيت أفضل منه، قال أبو داود: كتبت عن رسول اللّه مَ ◌ّم خمسمائة ألف
حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب ، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمان مائة حديث ، ذكرت الصحيح وما
يشبهه وما يقاربه، وقال: ما ذكرت فيه حديثا أجمع الناس على تركه. وعرض كتابه هذا على شيخه أحمد بن حنبل
فاستجاده واستحسنه. وارجع للبسط إلى تاريخ بغداد (ج ٩: ص ٥٥ - ٥٩)، والتهذيب (ج٤: ص١٦٩ - ١٧٣)،
والتذكرة (ج ٢: ١٦٨ - ١٧٠)، وبستان المحدثين، وإتحاف النبلاء (٢٥٦ - ٢٥٧)، وغير ذلك من كتب التواريخ
والتراجم (وأبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب) بن على بن سنان بن بحر بن دينار الحافظ الإمام القاضى صاحب السنن
المشهورة (النسائى) نسبة إلى نسا بفتح النون والسين المهملة وبعدها همزة يعنى بالقصر، وهى مدينة بخراسان. وقال
صاحب مجمع البحار فى المغنى: النسائى بنون مفتوحة وخفة سين مهملة ومد وهمزة نسبة إلى نساء، مدينة بخراسان.
وكذا ضبطه طاش كبرى زاده. قال شيخنا فى مقدمة شرحه الجامع الترمذى (ص ٦٥): النسائى بالمد والنسائى
بالقصر كلاهما صحيح ، فإن الظاهر أن مدينة نساء التى هى بخراسان يقال لها نساء ونسأ بالوجهين انتهى. ولد سنة
٢١٤هـ أو سنة ٢١٥هـ أو سنة ٢٢١هـ على اختلاف الأقوال، والراجح هو القول الثانى. وتوفى برملة من أرض
فلسطين ، وقيل بمكة يوم الإثنين لثلاث عشرة خات من صفر، وقيل من شعبان سنة ٣٠٣. قال الذهبي فى مختصره:
١٦

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
عاش ثمانى وثمانين سنة. قال الحافظ: وكأنه بناه على ما تقدم من مولده فهو تقريب - انتهى. وهو - رحمه الله -
أحد الأئمة الحفاظ العلماء الفقهاء، لقى المشائخ الكبار ، وأخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد وهناد بن السرى ومحمد بن
بشار وعلى بن حجر ومحمود بن غيلان وأبى داود سليمان بن الأشعث وغير هؤلاء من المشائخ الحفاظ. وأخذ عنه
الحديث خلق كثير ، ومنهم الطبرانى والطحاوى وأبو بكر بن السنى الحافظ. وله كتب كثيرة فى الحديث والعلل
وغير ذلك. قال أبو الحسين بن المظفسر: سمعت مشائخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن النسائى بالتقدم والإمامة،
ويصفون من اجتهاده فى العبادة بالليل والنهار ومواظته على الحج والجهاد وإقامته السنن المأثورة واحترازه عن
مجالس السلطان، وإن ذلك لم يزل دأبه إلى أن استشهد. وقال الحاكم: سمعت عمرو بن على الحافظ غير مرة يقول:
أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. وقال مرة: سمعت عمرو بن على يقول: النسائى أفقه
مشائخ مصر فى عصره، وأعرفهم بالصحيح والسقيم، وأعلمهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، تخرج إلى الرملة ،
فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه فى الجامع ، فقال: أخرجونى إلى مكة ، فأخرجوه وهو عليل ، وتوفى
مقتولا شهيدا. وقال: أما كلام أبى عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر ، ومن نظر فى كتابه السنن
تخير. قال السيد جمال الدين المحدث: صنف النسائى فى أول الأمر كتابا يقال له السنن الكبير النسائى، وهو كتاب
جليل لم يكتب مثله فى جمع طرق الحديث وبان مخرجه، وبعده اختصره وسماه بالمجنى بالنون، وسبب اختصاره أن
أحدا من أمراء زمانه سأله أن جميع أحاديث كتابك صحيح؟ فقال فى جوابه: لا، فأمره الأسير بتجريد الصحاح
وكتابة صحيح مجرد، فانتخب منه المجتنى، وكل حديث تكلم فى إسناده أسقطه منه. فإذا أطلق المحدثون بقولهم " رواه
النسائى)) فمرادهم هذا المختصر المسمى بالمجتنى ، لا الكتاب الكبير، كذا فى المرقاة. وقال ابن الأثير
(ج ١، ص ١١٦): وسأله بعض الأمراء عن كتابه السنن أكله صحيح؟ فقال لا، قال: فاكتب لنا الصحيح
منه مجردا، فصنع المجتبى ، فهو المجتبى من السنن. ترك كل حديث أورده فى السنن (الكبيرة) مما تكلم فى
إسناده بالتعليل، رواه ابن عساكر. وسماه المجتنى بالنون أو الباء والمعنى قريب، والأشهر هو الأخير، وإذا أطلق
أهل الحديث على أن النسائى روى حديثا فإنما يريدون المجتبى لا السنن الكبرى، وهى إحدى الكتب الستة. قال
الحافظ أبو على: للنسائى شرط فى الرجال أشد من شرط مسلم، وكذلك الحاكم والخطيب كانا يقولان: إنه صحيح،
وإن له شرطا فى الرجال أشد من شرط مسلم ، لكن قولهم غير مسلم. قال البقاعى فى شرح الألفية عن ابن كثير:
إن فى النسائى رجالا مجهولين إما عينا أو حالا، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة. وقال الشوكانى:
وله مصنفات كثيرة فى الحديث والعلل، منها السنن، وهى أقل السنن الأربع بعد الصحيح حديثاً ضعيفا. قال الذهبي
والتاج السبكى: إن النسائى أحفظ من مسلم صاحب الصحيح. هذا ملتقط من مقدمة تحفة الأحوذي (٦٤ - ٦٥)،
والتذكرة (ج ٢: ٢٦٦ - ٢٦٩)، والتهذيب (ج ١: ٣٧ - ٣٩)، واتحاف النبلاء (١٨٩ - ١٩٠)، وبستان المحدثين.
هذا وقد ادعى الشيخ التقى النقى العلامة عبد الصمد شرف الدين فى مقدمته القيمة السنن الكبرى (١٧ - ١٩) أن حكاية ابن
١٧

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
وأبى عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه القزويني،
الأثير المذكورة كذب وزور. ولنا فى كلامه نظر لا يخفى على الباحث المتأمل. (وأبى عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه)
بفتح الميم وتخفيف الجيم وبينهما ألف وفى الآخر هاء ساكنة لا تاء مربوطة (القزويني) بفتح القاف وسكون
الزاى وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، نسبة إلى قزوين وهى من أشهر مدن عراق العجم. كانت
ولادته سنة ٢٠٩هـ، وتوفى يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ٢٧٣ه، وله أربع وستون سنة.
وهو الحافظ الكبير المشهور المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه الربعى بالولاء (نسبة إلى ربيعة) القزويني ، مصنف
كتاب السنن فى الحديث، كان إماما فى الحديث عارفا بعلومه وجميع ما يتعلق به. ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة
وبغداد ومكة والشام ومصر والرى لكتب الحديث ، وله تفسير القرآن الكريم، وتاريخ مليح، وكتابه فى الحديث
أحد الصحاح السنة. قال الخليلى: ثقة كبير متفق عليه محتج به، له معرفة بالحديث وحفظ، وله مصنفات فى السنن
والتفسير والتأريخ. قال: وكان عارفا بهذا الشأن. سمع أصحاب مالك والليث. وعنه أبو الحسن القطان وخلق
سواه. قال السندى فى مقدمة تعليقه على سنن ابن ماجه: قد اشتمل هذا الكتاب من بين الكتب الست على شئون كثيرة
انفرد بها عن غيره. والمشهور أن ما انفرد به يكون ضعيفا، وليس بكلى، لكن الغالب كذلك. ولقد ألف الحافظ
الحجة العلامة أحمد بن أبى بكر البوصيرى فى زوائده تأليفا ، نبه على غالبها. وقال السيوطى فى حاشية الكتاب: قال
الحافظ نقلا عن الرافعى: إنه قال: سمعت والدى يقول: عرض كتاب السنن لابن ماجه على أبى زرعة الرازى
فاستحسنه ، وقال: لم يخطئى إلا فى ثلثة أحاديث. وقال فى حاشية النسائى نقلا عن غيره: إن ابن ماجه قد انفرد
بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب ووضع الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم مثل
حبيب بن أبى حبيب كاتب مالك والعلاء بن زيد وداود بن المحبر وعبد الوهاب بن الضحاك وإسماعيل بن زياد السكونى
وغيرهم. وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبى زرعة الرازى أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه
ضعف ، فهى حكاية لا تصح لانقطاع سندها وإن كانت محفوظة، فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية
أو أراد من الكتاب بعضه، ووجد فيه هذا القدر. وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو
ساقطة أو منكرة ، وذلك محكى فى كتاب العلل لأبى حاتم - انتهى. قال السندى: وبالجملة فهو دون الكتب الخمسة فى
المرتبة ، فلذلك أخرجه كثير من عده فى جملة الصحاح الستة ، لكن غالب المتأخرين على أنه سادس الستة - انتهى.
وقال الذهبى: سنن أبى عبد الله كتاب حسن، لو لا ما كدر من أحاديث واهية ليست بالكثيرة. قال أبو الحسن
القطان صاحب ابن ماجه: فى السنن ألف وخمس مائة باب، وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث. وقال ابن الأثير:
كتابه كتاب مفيد قوى النفع فى الفقه لكن فيه أحاديث ضعيفة جدا بل منكرة، حتى نقل عن المرى أن الغالب فيما تفرد به-
يعنى بذلك ما انفرد به من الحديث عن الأئمة الخمسة - الضعف ، ولذا لم يضفه غير واحد إلى الخمسة بل جعلوا السادس
المؤطا. وفيه عدة أحاديث ثلاثيات من طريق جبارة بن المغلس ، وفيه حديث فى فضل قزوين منكر بل موضوع،
١٨

مرعاة المفاتيح ج١
:مفتحة الكتاب
وأبى محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى،
ولذا طعنوا فيه، وفى مصنفه وواضعه رجل اسمه ميسرة. قال الحافظ فى التهذيب (ج ٩: ص ٥٣١): كتابه فى
السنن جامع جيد كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدا حتى بلغنى أن السرى كان يقول: مهما أنفرد
بخبر فيه فهو ضعيف غالبا. وليس الأمر فى ذلك على إطلاقه باستقرائى، وفى الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة. ونقل
القارى عن الحافظ أنه قال: وأول من أضاف ابن ماجه إلى الخمسة الفضل بن طاهر حيث أدرجه
معها فى أطرافه، وكذا فى شروط الأئمة الستة، ثم الحافظ عبد الغنى فى كتاب الإكمال فى أسماء
الرجال الذى هذبه الحافظ المزى، وقدموه على الموطأ لكثرة زوائده على الخمسة بخلاف الموطأ،
انتهى. تنبيه اختلف فى ماجه فقيل: إنه لقب والد محمد بن يزيد. وقيل: إنه اسم أمه. قال
القارى فى المرقاة ما لفظه: بإثبات ألف يعنى فى ابن ماجه خطأ، فإنه بدل من ابن يزيد، ففى القاموس:
ماجه لقب والد محمد بن يزيد صاحب الستن لاجده. وفى شرح الأربعين: أن ما جه اسم أمه - انتهى . وقال
صاحب الحطة: والصحيح أن مساجه أمه، وعلى كلا القولين يكتب الألف على لفظ ابن فى الرسم ليعلم أنه وصف لمحمد
لا لما يليه، فهو مثل عبد الله بن مالك ابن بحينة وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية. وفى إنجاح الحاجة: ((ماجه، على ما ذكر المجد
فى القاموس، والنووى فى تهذيب الأسماء، لقب والده لا جده - انتهى. والصحيح هو الأول - انتهى ما فى الخطة.
قال فى تاج العروس شرح القاموس (ج ٢: ص ١٠٢) ما لفظه: ((ماجه) بسكون الهاء كما جزم به الشمس بن خلكان:
لقب والد محمد بن يزيد القزويني صاحب السنن لا جده - أى لا لقب جده - كما زعمه بعض. قال شيخنا: وما ذهب إليه المصنف
فقد جزم به أبو الحسن القطان، ووافقه على ذلك هبة الله بن زاذان وغيره، قالوا: وعليه فيكتب ابن ماجه بالألف لا غير.
وهناك قول آخر ذکره جماعة وصحوه وهو أن ماجه اسم لأمہ۔ انتهى. (وأبى محمد عبد الله بن عبد الرحمن) بن
فضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمى السمر قندى (الدارمى) بكسر الراء المهملة نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من
تميم. ولد سنة ١٨١هـ، وتوفى يوم التروية ودفن يوم عرفة. وقيل مات يوم الخميس يوم عرفة ودفن يوم الجمعة العاشر
من ذى الحجة سنة ٨٢٥٥، وله من العمر أربع وسبعون سنة. وهو الإمام الحافظ شيخ الاسلام عالم سمر قند صاحب
المسند المشهور ، وهو على الأبواب لا على الصحابة على خلاف اصطلاح المحدثين. سمع النضر بن شميل ويزيد بن
هارون وجعفر بن عون وطبقتهم بالحرمين وخراسان والشام والعراق ومصر. وحدث عنه مسلم وأبو داود والترمذى
وعبد الله بن الإمام أحمد والنسائى خارج سننه وآخرون. وقال الخطيب: كان أحد الحفاظ والرحالين ، موصوفا
بالثقة والصدق والورع والزهد ، استقضى على سمر قند فأبى فألح عليه السلطان فقضى بقضية واحدة ثم استعنى
فأعنى - إلى أن قال: وكان على غاية العقل وفى نهاية الفضل يضرب به المثل فى الديانة والحلم والاجتهاد والعبادة
والتقلل. صنف المسند والتفسير وكتاب الجامع. قال أحمد بن حنبل وذكر الدارمى: عرضت عليه الدنيا فلم يقبل.
وقال أبو حاتم بن حبان : كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع فى الدين من حفظ وجمع وتفقه وحدث وأظهر
١٩

مرعاة المفاتيح ج ١
مفتحة الكتاب
وأبى الحسن على بن عمر الدارقطنى، وأبى بكر أحمد بن الحسين البيهقى ،
السنة فى بلده ودعا إليها وذب عن حريمها وقمع من خالفها. وقال الحاكم أبو عبد الله: كان من حفاظ الحديث
المبرزين. وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: إمام أهل زمانه. وارجع لكشف حال مسنده وبيان مرتبته إلى تدريب
الراوى (٥٧)، ومقدمة المشكوة فى مصطلح الحديث للشيخ الدهلوى، وثبت الشيخ محمد عابد السندى، وتوضيح
الأفكار للأمير اليمانى (وأبى الحسن على بن عمر) بن أحمد بن مهدى البغدادى الحافظ الشهير صاحب السنن
(الدار قطنى) بالدال المهملة بعدها ألف ثم راء مهملة مفتوحة وقاف مضمومة وطاء مهملة ساكنة وفى آخرها نون
منسوب إلى دار القطن محلة كبيرة كانت ببغداد قديما. ولد سنة ٣٠٥هـ أو سنة ٣٠٦ه، ومات يوم الأربعاء
لثمان خلون من ذى القعدة سنة ٣٨٥هـ، وله ثمانون سنة. قال الذهبي فى التذكرة (ج ٣: ص ١٩٩ - ٢٠٢):
سمع البغوى وابن أبى داود وابن صاعد وابن دريد وخلايق ببغداد والبصرة والكوفة وواسط، وارتحل فى
كولته إلى مصر وشام، وصنف التصانيف. حدث عنه الحاكم وأبو حامد الأسفرائنى وتمام الرازى والحافظ
عبد الغنى الأزدى وأبو بكر البرقانى وأبو ذر الهروى وأبو نعيم الأصبهانى - صاحب حلية الأولياء - وأبو محمد
الخلال والقاضى أبو الطيب الطبرى وأبو محمد الجوهرى وأمم سواهم. قال الحاكم: صار الدار قطنى أوحد عصره
فى الحفظ والفهم والورع وإماما فى القراء والنحويين. وأقمت فى سنة سبع وستين ببغداد أربعة أشهر، وكثر
اجتماعنا فصادفته فوق ما وصف لى، وسألته عن العلل والشيوخ، وله مصنفات يطول ذكرها فأشهد أنه لم يخلف
على أديم الأرض مثله. وقال الخطيب: كان فريد عصره وإمام وقته، وانتهى إليه على الأثر والمعرفة بالعلل
وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد والأخذ من علوم كالقراءات ، فإن له فيها مصنفا سبق فيه إلى عقد
الأبواب قبل فهرس الحروف، وتأسى القراء به بعده ، ومن ذلك المعرفة بمذاهب الفقهاء، بلغنى أنه درس الفقه
على أبى سعيد الأصطخرى ، ومنها المعرفة بالآداب والشعر فقيل كان يحفظ دواوين جماعة ، منها ديوان السيد
الخميرى، ولهذا نسب إلى التشيع. قال ابن الذهبي: ما أبعده من التشيع. قال القاضى أبو الطيب الطبرى:
الدار قطنى أمير المؤمنين فى الحديث. قال الذهبي: إذا شئت أن تبين براعة هذا الامام فطالع العلل له فإنك
تندهش ويطول تعجبك - انتهى ما فى التذكرة مختصرا ملخصا. وازجع للتفصيل إلى إتحاف النبلاء (٣١٦ - ٣١٧)،
وتاريخ ابن خلكان (ج ١: ص ٣٣١)، وبستان المحدثين (٤٨ - ٤٩) (وأبى بكر أحمد بن الحسين) بن
على بن عبد الله بن موسى الخسروجردى (البيهقى) نسبة ليهق بموحدة مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وهاء مفتوحة
فقاف، وهى قرى مجتمعة بنواحى نيسابور على عشرين فرسنا منها. ولد بخسروجرد - قرية من قراها - فى شعبان سنة ٣٨٤ه،
وتوفى فى العاشر من جمادى الأولى سنة ٥٤٥٨ بنيسابور، وله من العمر أربع وسبعون سنة ، ونقل إلى بيهق ودفن
يخسروجرد. وقال أبو الحسن عبد الغافر فى ذيل تاريخ نيسابور: أبو بكر البيهقى الفقيه الحافظ الأصولى الدين
الورع واحد زمانه فى الحفظ وفرد أقرانه فى الإتقان والضبط من كبار أصحاب الحاكم (أبى عبد الله بن البيع فى
٢٠
١