Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
عن ((مسند الإمام أحمد))
العلماء -.
ولكنْ؛ لَّا كان من المقرَّر في الشرع الشريف: أن الأصلَ في المسلم إحسان
الظن به، إلا إذا عُرف بعناده وإصراره على باطله؛ فإنّي أقول:
نحن لا نعرف هذا الرجل الباهت إلا من خلال كلمتهِ هذه في ((المسند))؛
وعليه؛ فإنّا نفترضُ أنه لم يتعمّد مثل هذه الفرية والبهت! وإنما شُبِّه له،
وتوهَّمه!
ولعلَّ منشأ ذلك من مجموع أمرين:
الأول: أنه ربما كان قرأ - يوماً ما- كلام الحافظ الذهبي حول ((كتاب
التفسير)) المنسوب للإمام أحمد - رحمه الله تعالى-، وقد ذكره في جملة ما له من
الكتب، ثم قال مبيِّناً شكَّه وارتيابه في صحّة نسبته إليه :
قال في ((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٢/١٣) - في ترجمة ولده عبد الله(١) -:
((لكنْ ما رأينا أحداً أخبرنا عن وجود هذا (التفسير))، ولا بعضِه، ولا
كُرَّاسة منه، ولو كان له وجودٌ - أو لشيء منه - لنسخوه، ولاعتنى بذلك طلبةُ
العلم، ولحصّلوا ذلك ، ولنقل إلينا، ولاشتهر، ولتنافس أعيانُ البغداديين في
تحصيله، ولنقل منه ابنُ جرير - فَمَن بعدَه- في تفاسيرهم، ولا - والله - يقتضي
أن يكون عند الإمام أحمد في التفسير مئة ألف وعشرون ألف حديث؛ فإن هذا
يكون في قدر («مسنده))؛ بل أكثر بالضِّعف، ثم الإمام أحمد لو جَمَعَ شيئاً في
ذلك؛ لكان يكون منتخباً مهذَّباً عن المشاهير، فيصغر لذلك حجمُهُ، ولكان
(١) وانظر كلامه -رحمه الله- في ترجمة الإمام أحمد - نفسه- في ((السير)) (٣٢٨/١١).

٤٢
- الذَّبُّ الأحمد
يكون نحواً من عشرة آلاف حديث - بالجَهد-؛ بل أقلّ، ثم الإمام أحمد كان لا
يرى التصنيف، وهذا كتاب ((المسند)) له، لم يصِّنفه هو، ولا رتبه، ولا اعتنى
بتهذيبه؛ بل كان يرويه لولده نُسَخاً، وأجزاءً، ويأمره أن: ضَعْ هذا في مسند
فلان، وهذا في مسند فلان، وهذا ((التفسير)) لا وجود له)).
قلت: فالظاهر - والله أعلمُ - أن المُوْمَى إليه قرأ هذا النصَّ من هذا
الإمام، ثم تبخّر من ذهنه مجملُه؛ لِقِلّةٍ عنايته بأقوال أهل الحديث، ودراسة
كتبهم، ولم يبق في ذاكرته منه إلا جملة: ((بل أكثر بالضّعف))! ثم اختلطت عليه
بكلام الذهبي المذكور حول («المسند»! ومع مرور الزمن، وبُعدِ عهده عن كلام
الإمام استقرَّ في وهمه أن الضعف المذكور إنما هو في ((المسند))، وأنه دخيلٌ
عليه، وساعده على ذلك ما يأتي؛ وهو :
الأمر الآخر: أنه كان قرأ في بعض الكتب الحديثية أن لأبي بكر القَطِيعي
زياداتٍ في ((المسند))، وهذا - وإن كان مشهوراً عند بعض المتأخّرين - فهو خَطَأٌ
-أيضاً- كما سيأتي تحقيقه قريباً - إن شاء الله - تعالى-، فتركّب في مخيّلتِه من
هذا الوَهَم المسبوق إليه، ومن ذاك الوَهَم الذي تفرّد هو به - غيرَ مسبوق
ہں
إليه !- هذه الفريةُ المكشوفةُ دون أن يُتعب نفسه بمراجعةِ بعض الكتب؛ ليتحقّق
مما قال! ولو أنه فعل؛ لتبيَّن له هذا الذي نقول، ولَعَرف اسم القَطِيعي - على
الأقلّ -!!
وهذا التوجيهُ والتعليلُ - وإن كان ظاهر التكلَّف-؛ فهو مستساغُ
-عادةً- في هذا المجال، وهو أَوْلَى من الجزم بأن الرجل افترى ذلك عمداً، وهو
مسلمٌ يعلم قول الله - عزّ وجلّ -: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وروى مالك في ((الموطإ)) (١٥٢/٣) عن صفوان بن سُلَيم، قال:

٤٣
عن ((مسند الإمام أحمد))
-
قيل لرسول الله وَ﴾: أيكون المؤمن جباناً؟ قال: ((نعم))، فقيل لَهُ: أيكون المؤمن
بخيلاً؟ فقال: ((نعم))، فقيل له: أيكون المؤمن كذّاباً؟ فقال: ((لا))، وإسناده
صحيح مرسلاً، قال ابن عبد البر: ((لا أحفظه مسنداً من وجه ثابتٍ، وهو
حديث حسن مرسل))(١).
- هل لأبي بكر القَطِيعي زياداتٌ في ((المسند)» ؟
لقد اشتهر عند بعض العلماء المتأخرّين أن للقَطِيعي زيادات في ((مسند
الإمام أحمد)) غير زيادات عبد الله بن أحمد - فيه-، وذكر بعضُهم أنها يسيرة (٢)
قليلة(٣)، ونحوه في ((الفتح الرَّبَّاني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني)) للشيخ
أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي (٢١/١)، وحَصَرَ عدَدَها في مكان آخر
(٢٥٤/٦)، فذكر أنه وجدها أحدَ عشر حديثاً !
ولمّا كنت -ولله الحمدُ- مغرماً بالتحقيق، وجاءت مناسبةُ ذكر هذه
الزيادات في هذا الردّ النافع - إن شاء الله-تعالى-؛ أحببت أن أتيقن من
وجودها -أولاً-، ثم مِن عددها إن -وُجدت- ثانياً-؛ لأن النتيجة - سواءٌ
كانت إيجابية أو سلبية- ففيها ردٌّ قاطعٌ على ما زعمه ذاك الهاشمي أن القَطِيعي
زاد في («المسند» حتى صار ضِعْفَيْه! لأنه مهما كان عددها - إن وُجدت-؛ فلن
تبلغ عُشر معشار ما ادّعى، ولا قريباً من ذلك!
(١) ((شرح الزرقاني على الموطا)) (٤١٠/٤)؛ وهو في ((التمهيد)) (٢٥٣/١٦) - بنحوه-،
وانظر ((التعليق على المشكاة)) (٤٨٦٢ / التحقيق الثاني).
(٢) الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) (ص ٦٨ - دمشق).
(٣) مقدمة ((المسند)) لأحمد شاكر (ص ٤٣).

٤٤
- الذَّبُّ الأحمد
فأولُ ما صنعتُهُ من أجل ذلك: أنّني أخذتُ كتاب ((الفتح الرباني لترتيب
مسند الإمام أحمد الشيباني)) للشيخ البنا - رحمه الله-، وهو في أربعة وعشرين
جزءاً، فمررتُ على أحاديثه جزءاً جزءاً، وقد بدأتُ به؛ لأنه أيسرُ للمراجعة،
فقد رمز لزيادات القَطِيعي بـ (قط)؛ فكلُّ حديث عندهُ من زياداته وضع أمامَهُ
هذا الرمز، بخلاف زيادات عبد الله بن أحمد؛ فقد رمز لها بـ (ز).
وبعد أن فرغتُ منه، وتتبّعت الأحاديث التي رمز لها بـ (قط)، وتأمّلت
في أسانيدها - فيه-، وفي أصله ((المسند))؛ تبيَّن لي أنها - كلّها- ليست من
زيادات القَطِيعي في شيء! وإنما هي من زيادات عبد الله بن أحمد، وبعضُها
لأبيه أحمدَ - نفسه -!! وهي كلّها من حديث أنس بن مالك -رضي الله
عنه-، وهي في المجلد الثالث (ص ٢٧٨-٢٧٩) من ((المسند)) نفسه، فأرى أن
أسوقَها بأسانيدها؛ لنتكلّمَ بعد ذلك على ما يناسب المقام منها :
١- حدثنا أبو عبد الله السُّلَمي: ثنا أبو داود، عن شُعبةَ، عن قتادةَ، عن
أنس، قال: صلّيت خلفَ رسول الله وَّةَ، وخلفَ أبي بكر، و ... فلم يكونوا
يستفتحون القراءة بـ: بسم الله الرحمن الرحيم(١).
٢- حدثنا أبو عبد الله السُّلَمي، قال: حدّثني أبو داود، عن شُعبةَ، عن
قتادةَ، قال: سمعتُ أنساً يقول: انشقَّ القمرُ على عهد رسول اللّه ◌َليم (٢) ...
٣- حدّثنا أبو عبد الله السُّلَمي، قال: حدّثنِي حَرَمِيُّ بن عُمارة: ثنا شُعبة،
قال: أخبرني قتادة، وحمّاد بن أبي سُليمان، وسليمان التّيْمي، سمعوا أنس بن
(١) ((أطراف المسند)) (٤٥٩/١).
(٢) ((الأطراف)) (١/ ٤٧٤).

٤٥
عن «مسند الإمام أحمد)»
مالك، أن رسولَ اللهِ وَّه قال: ((من كَذَبَ عليَّ متعمداً؛ فليتبوّأ مقعده من
النار))(١).
٤- حدثنا عبد الله: ثنا أبو عبد الله السُّلَمي: ثنا أبو داود، عن شُعبة،
عن قتادةَ، عن أنس، قال: كان رسولُ الله ◌ِّلَهِ مِن أخفِّ الناس صلاَةً في
(٢)
تمام (٢).
٥- حدّثنا أبو عبد الله السُّلَمي: ثنا أبو داود: ثنا شُعبةُ، عن قتادة، سمع
أنساً، أن رسول الله وَّ كان يُعجبه الدُّبَّاء، قال أنس: فجعلت أَضَعُهُ بين
(٣)
یدیه(٣).
٦- حدّثنا أبو عبد الله السُّلَمي العَنْبَريّ: ثنا أبو داود، عن شُعبة، عن
قتادة، قال: سألتُ أنساً عن نَبِيذ الْجَرّ؟ فقال: لم أسمعْ من النبي ◌َّ فيه شيئاً.
وكان أنسٌ يكرهه(٤).
٧- حدّثنا عُبَيد الله بن عُمر القَوَاريري: ثنا حَرَمِيُّ بن عُمارةَ: ثنا شُعبة،
عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((يُلقى في النار، وتقولُ: ﴿هَلْ
مِنْ مَزيدٍ﴾ حتى يضعَ قدمَهُ - أو رجلَهُ- عليها، وتقول: قَطْ، قَطْ))(٥).
(١) ((الأطراف)) (١/ ٤٩٦).
(٢) ((الأطراف)) (٤٨٩/١).
(٣) ((الأطراف)) (١/ ٤٩١).
(٤) ((الأطراف)) (٤٨٥/٤٨٤/١).
(٥) ((الأطراف)) (٥٠٠/١).

٤٦
-الذَّبُّ الأحمد
٨- حدّثنا محمد بن أحمد الجُنَيدي: ثنا رجلٌ: ثنا شعبة، عن قتادة - وكان
بهذا الحديث مُعْجَباً-، عن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((سَوُّوا صفوفَكم؛
فإنّ تسوية الصفِّ من تمام الصلاة))(١).
٩- حدّثنا عُبيد الله بن عُمر القَوَاريري ... - بإسناده المتقدّم
رقم (٧) -... ، عن أنس، قال: قال رسول الله وَّ: ((مَنْ كذب عليَّ متعمداً؛
فلْيتبوأ مقعده من النار)(٢).
١٠- حدّثنا عبيد الله بن معاذ: حدثنا أبي: ثنا شعبة، عن قتادة وحُميد،
عن أنس، قال: مُطِرنا بَرَداً، وأبو طلحة صائمٌ، فجعل يأكلُ منه! قيل له: أتأكل
وأنت صائمٌ؟! فقال: إن هذا بَرَكة(٣)!
١١- حدّثنا عَبْدُ الله بن سَعْد بن إبراهيم الزُّهْري أبو القاسم، قال:
حدّثْني عمّي يعقوبُ بن إبراهيم، عن شَرِيك، عن شُعبة بن الحجّاج، عن
قتادة، عن أنس، قال: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُضَحّي بكبشين أقرَنَيْنِ(٤).
١٢- حدّثنا عَبْدُ الله بن سَعْد ... - بإسنادهِ الذي قبله -... ، عن أنس، عن
النبيِ وَّ، قال: ((اعتدلوا في سجودكم ... ))(٥).
(١) ((الأطراف)) (١ / ٤٨٤).
(٢) ((الأطراف)) (١/ ٤٩٦).
(٣) هذا الحديثُ استدركه الدكتور زهير بن ناصر في تعليقه على ((الأطراف))
(٥٠٣/١).
(٤) ((أطراف المسند)) (١ / ٤٦٢).
(٥) («الأطراف (١ / ٤٧٠-٤٧١).

٤٧
عن ((مسند الإمام أحمد)).
١٣ - حدّثنا يعقوبُ بن إبراهيم الدَّوْرَقي، قال: حدّثني سعيد بن عامر،
عن شعبة، عن قتادةَ، عن أنس، أن عُمومةً له شهدوا عند النبي وَّ على رؤية
الهلال، فَأَمر الناسَ أن يُفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدِهم من الغدِ (١).
هذه هي الأحاديثُ التي ساق الشيخُ البنّا أكثرها على أنها من زيادات
القَطِیعي، وهو واهمٌ في ذلك كُلِّه، وإليك البيان:
يرى القارىء الكريم أن الأحاديث الستة الأولى منها مدارها على الشيخ
أبي عبد الله السُّلَمي العَنْبَري، والسابع والتاسع على عُبيد الله بن عمر
القواريري، والثامن على محمد بن أحمد الجنيدي، والعاشر على عُبيد الله بن
معاذ، والحادي عشر والثاني عشر على عَبْد الله بن سَعْد الزُّهْري، والثالث
عشر على يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي.
قلت: وهؤلاء الشيوخُ - كلّهم - من شيوخ عبد الله بن أحمدَ، كما في
تراجمهم من ((التهذيب))؛ إلا الجنيدي فهو مترجم في ((تعجيل المنفعة))
-وغيره-، وتواریخُ وَفَيَاتِهم يؤكّد ذلك.
فالأول: وهو أبو عبد الله العَنْبَري - واسمه: سَوَّار بن عبد الله بن سَوّار
التميمي-، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥).
والثاني: عُبيد الله بن عمر القَوَاريري، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين
(٢٣٧).
والثالث: محمد بن أحمد الجنيدي -وهو أبو جعفر الدقّاق البغدادي-،
مات سنة سبع وستين ومئتين (٢٦٧).
(١) ((الأطراف)) (٤٨٦/١).

٤٨
ــ الذَّبُّ الأحمد
والرابع: عُبيد الله بن معاذ - وهو أبو عمرو العَنْبَري البصري-، مات
سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧).
والخامس: عبد الله بن سَعْد الزهري، مات سنة ثمان وثلاثين ومئتين
(٢٣٨).
والسادس: يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي، مات سنة اثنتين وخمسين
ومئتين (٢٥٢).
وإذا أنت تذكّرت أن ولادة القَطِيعي كانت سنة (٢٧٤)؛ فيكون هؤلاء
الشيوخ قد ماتوا قبل ولادته بسنين كثيرة، وآخِرُهُم وفاةَ الجنيدي، فبينها وبين
ولادة القَطِیعي سبعُ سنين !
لِنَعُدِ الآن إلى الأحاديث المتقدّمة؛ لنشيرَ إلى مواطنها من ((الفتح الرباني))،
ولنتكلّم على بعضها بما يناسب المقام :
الأول: أورده في (١٨٧/٣) بإسناده، وقال في ((شرحه)):
((هذا الحديث من زوائد الحافظ أبي بكر القَطِيعي -رحمه اللَّه-))!
الثاني: أورده في (٤٣/٢٢)، ورمز له بـ (قط)، ثم صرّح في ((الشرح))
بأنه من زيادات القَطِيعي -كما قال في الذي قبله -!
الثالث: أورده في (٢٦٧/١٩)، ورمز له، وصرّح بما تقدّم قبلَه!
ومن الغريب أنه استغنى به عن ذكر الحديث من طريق أحمدَ نفسه، مع
أنه قد رواه في عدة مواطن من ((مسنده)) (١٦٦،١٦٦،١١٣/٣،-١٦٧-
،٢٠٣،١٧٦، ٢٨٠،٢٢٣،٢٠٩) !!

٤٩
عن «مسند الإمام أحمد)»
وقد يقول قائلٌ: لعلّه آثَرَ بالذكر روايةَ الولدِ دون رواية الوالد؛ لأنها من
رواية شعبة، عن ثلاثة من ثقات التابعين -معاً -.
فأقول: قد رواه أحمد - أيضاً- في بعض المواطن المشار إليها
(٢٠٩/٣-٢١٠)، عن شُعبة - أيضاً-، عن حمّاد، عن عبد العزيز بن رُفَيع،
وَعَتّاب - مولى هُرْمُز-، ورافع - أيضاً-، سمعوا أَنَساً يُحَدِّث ... به، وذكر أحمد
أن الصواب: عبد العزيز بن صُهَيب.
قلت: فهؤلاء أربعةٌ من الثقات، رواه عنهم أحمد، فكان إيثارُ روايته
بالذكر أولى من رواية الابن؛ لأنها أعلى إسناداً، وأكثرُ رواةً -كما هو ظاهرٌ -.
الرابع: لم يُخطىء فيه؛ لسببٍ يأتي بيانهُ قريباً - إن شاء الله-تعالى -.
الخامس: أوردهُ في (٢٢ /٧٨) رامزاً لهُ، ومصرّحاً بأنهُ مِن زيادات
القَطِيعي!
السادس: وَهِم فيه وَهَماً آخر ليس مِن باب ما سبق، ولكنه أفحشُ من
ذلك، كما يأتي بيانه قريباً - إن شاء الله - تعالى -!
السابع: أورده في آخر الكتاب (١٦٨/٢٤) رامزاً له بأنه من زيادات
القَطِيعي! ولم تتكلّم عليه - بشيءٍ - اللجنةُ التي قامت بإتمام طّبْع الكتاب،
بالمجلد الثالث والعشرين والرابع والعشرين !!
الثامن: لم يُورده أصلاً! وكأنه استغنى عنه بسَوقه إياه (٣١٤/٥-٣١٥)
من طريق أحمد، ولقد أحسن بذلك؛ فإن في سنده تسمية الرجل بمحمد بن
جعفر، وهو المعروفُ بغُنْدَر.

٥٠
الذَّبُّ الأحمد
التاسع: أورده في (١٩ / ٢٦٧) رامزاً له، ومُصَرّحاً بأنه من زيادات
القَطِیعي!
العاشر: أورده في (٦ / ٢٥٣) رامزاً له، ومُصَرّحاً بذلك!
وقد وجدتُ لِعُبيد الله بن معاذ - هذا- حديثاً آخر في ((المسند))، وقع فيه
للبنّا خطأٌ آخرُ مقابلٌ لهذا، وهو أفحشُ! فقال عبد الله بن أحمد في (المسند))
(١٣٣/٥): ثنا عُبيد الله بن معاذ بن العنبري ... فساق إسناده إلى أُبَيِّ بن
كعب؛ في فضل المسجد الأبعد.
قلتُ: ومع أن هذا الحديث لم يقع في أوله: ((حدثنا عبد الله: ثنا أبي))؛
ليكون من أحاديثِ أحمد - كما نصَّ عليه البنّا في المقدمة، وجعلها قاعدةً جرى
عليها في الكتاب-كما سيأتي نقلُ ذلك عنه-؛ فإنه مع ذلك خالفَ القاعدةَ،
فأورد الحديث في (٣/١٩-٤) على أنه من أحاديث الإمام أحمد -نفسهِ-؛ لأنه
لم يُشر إلى أنه من زيادات عبد الله بحرف (ز)، أو من زيادات القَطِيعي بحرف
(قط)؛ كما فعل في هذا الحديث العاشر، فتناقَضَ!
الحادي عشر: استغنى عن ذكره - أيضاً- بإيثاره (١٦ / ٦٢) روايةَ أحمدَ،
عن هُشَيم، عن شُعبة ... به.
الثاني عشر: أورده في (٢٧٨/٣) رامزاً له بأنه من زيادات القَطِيعي !
الثالث عشر: أورده في (٢٦٦/٧)، ورمز له بذلك!
بقي الكلامُ على الحديث الرابع، والحديث السادس، وإنما أخرت الكلام
عليهما؛ لأن الشيخ البنّا -رحمه اللَّه- لم يجعلْهما من زوائد القَطِيعي:

٥١
عن «مسند الإمام أحمد»
-
أما الرابع منهما؛ فقد وُفُقَ فيه للصواب؛ فإنه ذكره (٢٤٦/٥) من زوائد
عبد الله بن أحمد، فرمز له بحرف (ز)، والسببُ في ذلك واضحٌ، وهو أنه جاء
في أول إسناده قوله: ((حدثنا عبد الله: ثنا أبو عبد الله السُّلَمي ... )) بخلاف
الأحاديث الأخرى؛ سواءٌ ما كان منها عن السُّلَمي، أو عن غيره؛ فإنّه لم يذكر
في أولها (عبد الله)، فتوهّم من أجل ذلك أنها من زيادات القَطِيعي! وأن
الشيوخ الذين في أوائل أسانيدها هم من شيوخه !! دون أن يتنبّهَ لكون
(أبي عبد الله السُّلَمي) في هذا السند هو (أبا عبد الله السُّلَمي)
-نفسه- في أسانيدِ الأحاديث الستة الأخرى! ودون أن يعرف أن السُّلَمي
- هذا- مات قبل ولادة القَطِيعي بسنوات! وكذلك يقال في وَفَيَات الشيوخ
الآخرين في سائر الأحاديث التي بعد الستة المشار إليها، وقد مضى ذكرُ
وفياتهم بين يدي أحاديثهم المتقدّمة.
كل هذا - وغيرُهُ- لم يتنبّه لهُ الشيخ - رحمه الله-، فَوَقَعَتْ لهُ هذه
الأوهامُ المتسلسلةُ - وغيرها-، ومنها قاعدة وضعها لنفسه في مقدّمة كتابه، لا
أدري أهي أَثَرٌ من آثار هذه الأوهام النّاتجة عن عدم معرفته لتاريخ الوفيات
وَطَبقات الرواة؟! أم الأمرُ على العكس من ذلك - وهو أنّ الأوهام أَثَرٌ من
آثار تلك القاعدة-، وأنها هي التي صَرَفَتْهُ عن التحقيق من وفيات أُولئك
الشيوخ؟! وسواءٌ كان هذا أو ذاك؛ فلا بُدَّ من ذكر قاعدته؛ لمناقشتها، وبيان
موضع الخطإ فيها :
قال في (المقدّمة) (١ /٢٢-٢٣): «فكلُّ حديث يُقال في أول سنده:
((حدّثنا عبدُ اللَّه: حدّثني أبي))؛ فهو من (المسند)، وكلُّ حديث يُقال في أول
سنده: ((حدّثنا عبد الله: حدّثنا فلان بغير لفظ (أبي)؛ فهو من زوائد عبد اللّه،

٥٢
-الذَّبُّ الأحمد
وكلُّ حديث يُقال في أوله: ((حدّثنا فلان)) غيرُ عبد الله، وأبيه؛ فهو من زوائد
القَطِيعي، فهذه قاعدة عظيمةٌ ينبغي أن تعرفَها)).
قلت: نعم؛ ولكنها غيرُ مُسَلَّمة على إطلاقها، لا سيَّما في النوع الثالث
منها؛ لأننا نعلمُ بالممارسة أنه قد يسقُطُ من السند أولُه، فيأتي الالتباسُ، ولا
حاجةَ للإكثار من ضرب الأمثلة، فبين يديك عددٌ طيّبٌ منها، سقط ذكرُ
عبد الله من أولها، فجاءت الأوهامُ التي بيَّنَّاها! بخلاف الحديث الرابع؛ فقد ذكر
٩
في أوله عبد اللّه، فلم يقع فيه الوَهَم، وهذا السقطُ قد يكون من الطابع، أو
الناسخ، أو أحد رواة ((المسند))، أو غير ذلك مما قد أذكرُهُ - بعد-، فيتداخل
بسبب ذلك أحدُ الأنواع الثلاثة في غيرها، ويختلُّ نظامُ القاعدة التي وضعها،
والأصلُ في ذلك الغَفْلَةُ، أو الجهلُ بطبقات الرواة وتاريخ وفياتهم!
وقد عثرتُ في ((الفتح الربّاني))، و((شرحهِ)) على كثير من النماذج الدالّة
على أن مؤلّفه - رحمه الله- لم يكن من رجال هذا الشأن، وما سبق من الأمثلةِ
كافٍ للتدليل على ذلك.
على أن لقائل أن يقول: ما ذكره في النوع الثالث غيرُ مسلّم به ما دام أنه
لم يذكر القَطِيعي في أول إسناد الحديث، فما هو الدليلُ على أن هذا النوع من
زياداته؟! فليس له فيه إلا مُجَرّد الدعوى - مع مخالفتها لما قدّمناه من التحقيق
العلمي -.
وعلى ذلك؛ نستطيعُ أن نقول: إن قوله في أول إسناد الحديث الأول
المتقدّم: ((حدثنا أبو عبد الله السُّلَمي)) ليس من الضروري أن يُحمل على أن
القائل: ((حدّثنا ... )) هو القَطِيعي؛ ليكون الحديثُ من زياداته؛ بل يُحتمل أن
يكون القائلُ لذلك إنما هو عبد الله بن الإمام أحمد؛ لأمرين:

٥٣
-
عن «مسند الإمام أحمد)»
الأول: أنه جاء في ((المسند)) حديثٌ آخَرُ قُبيل هذا مباشرةً، قال فيه
القَطِيعي: ((حدّثنا عبد اللَّه: حدثني أبي ... ))، ثم جاء عَقِبَهُ مباشرةً قولُه: ((حدثنا
أبو عبد الله السُّلَمي ... ))، فهذا - وإن كان يُحتمل أن يكون القائل لهذا هو
القَطِيعِيَّ- فإنّه يُحتمل - أيضاً- أن يكون هو عبد الله بن أحمد؛ لما سبق ذكره
من عدم التصريح بذكر القَطِيعي في أوله، ويؤيّده ما يأتي، وهو:
الأمر الآخر: وهو تصريحُ القَطِيعِي - رحمه الله - في أول الحديث الرابع
بذكر عبد الله في أوله، فكان ذلك دليلاً قاطعاً على أن السُّلَمي هو من شيوخ
عبد الله بن أحمد، وليس القَطِيعيَّ، وتأيّد ذلك بتاريخ طبقتهم - كما أسلفنا-،
ثم جاء عَقِبَهُ الحديثان الخامسُ والسادسُ، وفي أولهما ذكر السُّلَمي نفسه، ثم
جاء عَقِبَهُما بقيةُ الأحاديث عن شيوخ آخرين لعبد الله، فقوله في أوّلها:
((حدّثنا فلان ... )) ينبغي أن يُحمل على أن القائلَ هو عبدُ الله - نفسُه-؛ لما
ذكرتُه في هذه الفقرة من التصريح والتأريخ.
فلم يتنبّه الشيخ البنّا - رحمه الله - لهذه الحقائق كلّها، فَوَقَعَتْ له هذهِ
الأوهامُ الكثيرةُ، ولقد كان بإمكانه أن يتجنّبها لو أنه كان يجري في تأليفه على
طريقة التحقيق، التي هي الغايةُ من التجميع عند المحدثين، الذين ينصحون
الدارسَ لعلمهم المبارك هذا بقولهم: ((قَمِّشْ ثم فَتَشْ)).
بل إني أَقولُ: لو أنه كان يهمُّه التحقيقُ؛ لوجد على هامش ((المسند))
تعليقاً لبعض المحدّثين بين يدي الحديث الأول، يكفي مُنّهاً له أن لا يقعَ في
تلك الأوهام! وأن يعزو الأحاديثَ - على الصوابِ - لزوائد عبد اللَّه !! ونصُ
التعليق (٢٧٨/٢):
((قوله: ((حدّثنا أبو عبد الله السُّلَمي ... - إلى قوله :-... حدّثنا عفان)) من

٥٤
- الذَّبُّ الأحمد
زوائد عبد الله ابن الإمام أحمد، إلا حديثي رَوْحٍ)).
لو أن الشيخ - رحمه الله- تنبّه لهذا؛ لكان حافزاً له على دراسة ترجمة أبي
عبد الله السُّلَمي، وسائر شيوخ عبد الله في بقية الأحاديث، وإذن لَجَزَمَ بأن
هذه الأحاديثَ هي من زيادات عبد اللَّه، لا القَطِيعي، ولكن ما شاء الله كان،
وما لم يشأ لم يكن.
نعم؛ لقد كان الأَوْلَى بأبي بكر القَطِيعي - رحمه الله - أن يُصَرّح في أوائل
هذه الأحاديث بقوله: ((حدّثنا عبد الله ... ))، كما فعل في الحديث الرابع؛ تيسيراً
للفهم، ودفعاً للوهم.
ولعلَّ إهمالَه لهذا كان من تلك الأُمور الطفيفةِ، التي استرعى النظر إليها
الحافظُ الذهبيُّ، ثم العسقلانيُّ في ترجمة القَطِيعي -رحمه الله-، فذكرا -واللفظُ
للعسقلاني -:
((وقع في ((المسند)) أشياء غير مُحْكَمَةِ الإسناد)).
ثم تردّد الحافظُ بين أن يكون ذلك من القَطِيعي، أو ابن مالك -الراوي
عنه-؛ والله أعلم.
ولعلّ ذلك كان منه -أو من الرواي عنه- عن سهو، مما لا ينجو منه
أَحَدٌ، فقد رأيته سلكَ الجادّة والصوابَ في غير هذه الأحاديث من زوائد عبد
اللَّه؛ إلا ما شاء اللّه، فانظر مثلاً الصفحة (٦٠) من المجلد الأول؛ فقد ساق
فيها ثلاثةَ أحاديثَ أُخرى عن شيخ واحد لعبد الله، ومع ذلك صرّح في أول
كل منها بقوله: ((حدّثنا عبد اللَّه: حدّثنا محمد بن أبي بكر الْمُقَدّمي ... )).
بقي الكلام على الحديث السادس من الأحاديث المتقدّمة؛ فاعلم أنه قد

٥٥
عن ((مسند الإمام أحمد))
وقع له فيه وَهَمٌ آخرُ، أفحشُ مما سبق، ذلك أنه لما أورده (١٧ / ١٢١)؛ لم يرمز
له بشيء؛ إشارة منه إلى أنه من أحاديث أحمدَ، ليس من زوائد ابنه عبد الله، أو
القَطِيعي! ثم أكد ذلك بقوله في ((الشرح)): ((سندهُ: حدّثنا أبو داود: أنا شُعبة،
عن قتادة ... إلخ))، فلم يذكر في أول الإسناد قول عبد الله: ((حدّثنا أبو عبد الله
السُّلَمي العنبري)»!
والظاهر أنه سقط هذا من قلمهِ لمَّا نقله من ((المسند)) إلى مسوَّدتهِ، أو من
هذه إلى مبيَّضتهِ، فَبَدَا له الحديثُ حين نظر إليه - بعد نقله- أنه من أحاديث
الإمام أحمد، وليس من زوائد ابنه!
وقد رأيتُ له وَهَماً آخر، هو أفحشُ من كل ما سبق! فقد قال في
(١٤٩/٢٤): (((قط)، وعن أبي ذَرّ -رضي الله عنه-، أن رسول الله وَخلاله كان
جالساً وشاتان تقترنان، فنطحت إحداهما الأخرى ... -الحديث-، فرمز له
بأنه من زيادات القَطِيعي، وكرّر ذلك في ((الشرح))، فقال: ((سنده: (قط):
حدّثنا عُبيد الله بن محمد: أنا حَمّاد بن سلمة ... عن أبي ذَرّ ... )).
وأكَّدت ذلك اللجنةُ التي قامت على إتمام الكتاب، فقالوا: ((وهذا
الحديثُ من زوائد القَطِيعي عن غير عبد الله، وأبيه، ولذلك أشار إليه المؤلّف
- رحمه الله- بلفظ: (قط)».
وسببُ هذا الوَهَم من نوع آخر غير ما تقدّم، وهو أن الحديثَ جاء في
الأصل - ((المسند)) - (١٧٢/٥) - وقبله- ما نصُّه: ((قال أبو عبد الرحمن - هو
عبد الله بن أحمد -: وجدتُ هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده: حدَّثنا
عُبيد الله بن محمد ... )) إلخ.
...

٥٦
ــ الذَّبُّ الأحمد
قلت: فهذا تصريحٌ بأنه ليس من زوائد القَطِيعي؛ بل ولا من زوائد عبد
اللَّه، وإنما هو من أحاديث أحمد التي رواه ابنُهُ عبد الله عنه - وجادةً-،
-رحمهم الله - تعالى -.
وسببُ الوَهَم يعود في نظري إلى احتمالين :
الأول: أنه توهّم أن اسم الإشارة في كلام عبد الله (هذا)؛ إنما يرجعُ إلى
الحديث الذي قبل هذا في ((المسند))، وهو من حديث أبي ذَرٌ - أيضاً-، لكنه في
صلاة التراويح، وبناءً على ذلك لَّا نقل الحديثَ من ((المسند)) إلى مسوَّدته؛ لم
ينقل قولَ عبد الله - هذا-، فظهر له الحديثُ على أنه من زوائد القَطِيعي! لأنه
لم يُذكر فيه أحمد ولا ابنه !! فرمز له بـ (قط)؛ بناءً على القاعدة التي وضعها في
المقدّمة، وسبق نقلُها، ونقدُها !!!
والآخر: أن رمز (قط) كان في مسوَّدته (خط)، فلمّا نقله إلى مبيَّضته؛
تحرّف عليه إلى (قط)؛ فإن رمز (خط) عنده إنما هو إشارة إلى أن الحديث
المرموز لديه لم يقرأه عبد الله، ولم يسمعه - يعني: مِن أبيه-، وإنما وجده في
كتاب أبيه بخط يده - كما نصَّ عليه في المقدّمة (١ /٢٢) -.
وَيُرَجِّحُ الاحتمالَ الأولَ أنني رأيتُه قد رمز لحديث أبي ذَرٍّ في صلاة
التراويح بـ (خط) في (٩/٥)، وجعل قولَ أبي عبد الرحمن المتقدّم:
((وجدت ... )) إلخ تابعاً له، وقال في شرحه إياه:
((رمزت له في أوله (بخاء وطاء) كما أشرتُ إلى ذلك في مقدّمة الكتاب،
وسمعه - أيضاً- عبد الله من أبيه)) !
وهذا خلطٌ غريبٌ عجيبٌ! يناقض ما أشار إليه - فيما نقلتُه عنه آنفاً- أن

٥٧
عن «مسند الإمام أحمد»
(خط) إشارة منه إلى أن الحديثَ المرموزَ له بذلك مما لم يقرأُهُ عبد اللَّه، ولم
يسمعه من أبيه !!
فلو أنه تنبّه لكون اسم الإشارة (هذا)؛ إنما هو إلى حديث الشاتين الذي
يَلِي الإشارةَ؛ لَمَا وقع في هذا الخَبْطِ، والخَلْطِ، والتناقُض - إن شاء الله
-تعالى-، ولكان وَهَمُهُ محصوراً في أنه تحرّف عليه رمز (خط) إلى (قط) !
وجملةُ القول في هذا الحديث: أن البنّا - رحمه الله - وَهِمَ في فَهْم قول أبي
عبد الرحمن المتقدم: ((وجدت ... )) وهمين :
الأول: أنه جعله في آخِرِ حديث أبي ذَرّ في التراويح، وإنما هو في أول
بے
حديثه الآخر في الشاتين!
والآخر: أنه رمز له بـ (قط)، وحقُّه أن يرمز له بـ (خط)، كما فعل في
حديثٍ آخرَ عن هذا الشيخ لأحمد، وبنفس المقدمةِ أو التوطئةِ لابنه عبد اللّه!
فقال البنّا (١١٨/٧): (((خط)، وعنها - يعني: عائشة-، أن رسولَ الله وَل
قال ... ))، فذكر حديثاً في عذاب القبر، وقال في ((الشرح)): ((سنده: حدّثنا
عبد الله، قال: وجدتُ هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده: حدّثنا عُبيد الله
ابن محمد التميمي -وهو العَيْشِي-، قال: أنا حمّاد ... عن عائشة)).
قلت: والعَيْشِيُّ - هذا، ويقال: العائشي-؛ نسبته إلى عائشة بنت طلحة؛
لأنه من ذُرِّيتها، وهو من شيوخ أحمد الثقات، وهو نفسُه عبيد الله بن محمد
الذي في حديث أبي ذَرّ الذي رمز له بأنه من زيادات القَطِيعي! وقد مات
العائشي سنة (٢٢٨)؛ أي: قبل ولادة القَطِيعي بسنين كثيرة !
ثم بدا لي احتمالٌ آخرُ في هذا الرمز الآخَر، وهو أن التحريف الذي وقع

٥٨
الذَّبُّ الأحمد
فيه إنما هو من اللجنة التي أُلّفت بعد وفاة الشيخ -رحمه الله- لإتمام الكتاب،
فمن المحتمل أن المؤلّف رمز لهذا الحديث على الصواب (خط)، لكنه تحرّف
على أحد أعضاء اللجنة إلى (قط)! فكان ذلك من الخطأ الذي لا يكاد ينجو
من مثله أحدٌ؛ والمعصومُ من عصمه الله - تعالى -.
والخلاصةُ التي وصلت إليها من دراستي الدقيقة -هذه- لكتاب ((الفتح
%
الربّاني)): أنه لا توجد في ((مسند الإمام أحمد)) زياداتٌ لأبي بكر القَطِيعي رواها
عن شيوخ له غير شيخه عبد الله بن أحمد، وبذلك يظهرُ لنا - واضحاً- كذبُ
ذاك الهاشمي الذي زعم أن في ((المسند)) زياداتٍ كثيرةً جدًّا
- موضوعةً - صار بها ((المسند)) ضِعْفَيْه !! (١)
- خُطة ثانية للتأكُّد من ذلك :
وفي سبيل التأكُّد مما وصلتُ إليه بدراستي على الخُطّة السابقة؛ فقد رأيت
أنه لا بُدّ من أن أُتْبعَها بخطط أخرى، وهي الرجوعُ إلى دراسة كتب أخرى،
ولو أن ذلك يُكَلِّفني جهداً بالغاً، ويأخذ مِنِّي وقتاً طويلاً، ولا بأس من ذلك ما
دمتُ أعتقدُ أنني أخدمُ سنة النبي ◌َّ في الردِّ على من طعن في صحة ((مسند
(١) ثم تأيّد ذلك بعزو تلك الأحاديث لغير القَطِيعي من الحافظ -أيضاً-كما سبق- في
كتابه القيم «أطراف المسند»، وذلك منه تأكيدٌ لقوله في المقدمة: ((أما بعد: فهذا كتاب ((أطراف
الأحاديث التي اشتمل عليها ((المسند)) الشهير الكبير للإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل
مع زيادات ابنه عبد اللَّه)).
فلم يتعرّض إطلاقاً لزيادات أبي بكر القَطِيعي المزعومة ، فبطل قولُ الهاشمي المزعوم.
ونحو ذلك ما قاله الحافظ ابن كثير في مقدمة كتابه ((جامع المسانيد)».

٥٩
عن («مسند الإمام أحمد»
الإمام أحمد)) -رحمه الله تعالى-، وفي بعض رواتهِ.
فبدأتُ بدراسة ((المسند)) نفسه، وآثرتُ فيها الطبعةَ التي حقّقها الشيخ
أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- لأمرين ظاهرين :
الأول: سهولة المطالعة فيه؛ نظراً لأن مُحَقّقَهُ - رحمه الله - طبعه على
الطريقة الحديثة التي تَفْصِلُ بين الأحاديث، وتجعلُ بدايةَ كل حديث في أول
السطر، وبجانبه رقمُهُ الخاص به من الأرقام المتسلسلة.
والآخر -وهو الأهمّ بالنسبة لهذه الدراسة -: وهو أن مُحَقّقَهُ - رحمه
اللهُ، وجزاه خيراً- سلك في طباعته طريقة خاصة، يُسَهِّلُ بها على المطالع
والمراجع أن يُمَيِّزَ أحاديث أحمد فيه من الزيادات عليه، كما أوضح ذلك في
مقدمته بقوله (١/ ١٣):
((ومن المعلوم للمحدّثين وَالمُطلّعين أن في ((المسند)) أحاديث زادها عبد
الله بن أحمد بن حنبل بروايته عن شيوخه، وأحاديث من زيادات القَطِيعي عن
شيوخه - أيضاً-، وهي قليلة، ففي هذه الأحاديث أُبيِّن ذلك صراحةً، فأقول:
((قال عبد الله بن أحمد))، أو: ((قال أبو بكر القطيعي)) ... حتى لا يشتبه شيءٌ
على القارىء، ولا يستطيع متلاعبٌ أن يتلاعب)).
قلتُ: وزيادةً منه - رحمه الله- في دفع الشبهة، رأيته يجعل قوله: ((قال عبد
اللَّه ... )) بين معكوفتين هكذا: [قال عبد الله بن أحمد]، ويجعلُ لفظ (قال)
بحرفٍ أكبرَ مما بعده، فتبرز الجملةُ شاخصةً أمامَ الباحث بسهولة ويسر، فجزاه
الله خيراً.
ولذلك؛ فإنّي أخذتُ في قراءة المجلد الأول من هذه الطبعة حتى أتيت

٦٠
ــ الذَّبُّ الأحمد
على جميع مجلداتها، والبالغ عددها خمسةَ عشرَ، وتنتهي آخرها بقطعةٍ من مسند
أبي هريرة - رضي الله عنه-، ومسنده هذا ينتهي به آخر المجلد الثاني من أصل
ستة مجلدات من الطبعة الأولى القديمة، التي اعتمد عليها الشيخ
عبد الرحمن البنا في كتابه ((الفتح الرباني))، وذلك يُساوي أكثر من ثلث
الكتاب، فلم أجد فيها شيئاً من زيادات القَطِيعي مطلقاً، اللهم إلا ما جاء في
آخر حديث علي -رضي الله عنه- في استفتاح الصلاة بـ: ((وجّهت
وجهي ... )): [قال أبو جعفر (!) القَطِيعي]: حدّثنا عبد الله [يعني: ابن أحمد بن
حنبل]، قال: بَلَغَنا عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شُميل، أنه قال في
هذا الحديث: ((والشرُّ ليس إليك))، قال: ((لا يُتَقَرَّبُ بالشر إليك))
(ج٢ ص ١٣٥، رقم الحديث ٨٠٣).
ولا يخفى أن هذا ليس من زياداتِ أبي بكر القَطِيعي، وإنما من زيادات
عبد الله بن أحمد، ثم إن قوله: ((أبو جعفر)) سبق قلم من الشيخ أحمد شاكر
-رحمه الله - تعالى -! صوابه: أبو بكر.
- خُطة ثالثة :
فلمَّا لم أجد شيئاً من زيادات القَطِيعي في المجلّدات السابقة الذكر
- وذلك على وجه اليقين-إن شاء الله - تعالى-؛ سِرْتُ في التحقيق على خُطّة
ثالثة، فَتَحَ لي طريقَها أنني كنت قرأتُ فيما قرأت لهذا البحث ((المصعد الأحمد
في ختم مسند الإمام أحمد)) للحافظ شمس الدين ابن الجزري، فرأيتُه يذكر فيه
(ص ٢٩) أن زيادات القَطِيعي في مسند الأنصار - يعني: من ((مسند الإمام
أحمد))-، ومسند الأنصار - هذا- يقع في المجلد الخامس من ((المسند))
- الأُمّ- من الطبعة القديمة من (ص ١١٣) إلى (٤٥٦)، وهي آخر المجلد،