Indexed OCR Text

Pages 101-120

١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه ول# من مكة ووفاته
(٩) باب هجرة أصحابه
من مكة ووفاته
كناالله
عَلى
.65
الفصل الأول
٥٩٥٦ - (١) عن البراء، قال: أوَّل من قدم علينا من أصحاب رسولِ الله وَ له
مصعب ابن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرآننا القرآن، ثم جاء عمَّار وبلال وسعدٌ، ثم
جاء عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في عشرين من أصحاب النبي وَلّ، ثمَّ جاء
النبيُّ ◌َّر، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيءٍ، فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيانَ
يقولون: هذا رسولُ اللَّهِ وَ ل﴿لقد جاء، فما جاء حتى قرأتُ: ﴿سبح اسم ربّك الأعلى }
في سُور مثلها من المفصّل.
(باب)
₹85
بالتنوين مرفوعاً وفي نسخة بالسكون. فقيل: المعنى هذا باب في بيان هجرة أصحابه من
مكة وبيان وفاته وَّهر. وفي نسخة باب ما يتعلق بموته وَلهو من المقدمات.
(الفصل الأول)
٥٩٥٦ - (عن البراء) أي ابن عازب (قال: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله وقلقه
مصعب) اسم مفعول (ابن عمير) بالتصغير (وابن أم مكتوم فجعلا يقرآننا) أي يعلماننا القرآن (ثم
جاء عمار) أي ابن ياسر (وبلال) أي ابن رباح (وسعد) أي ابن أبي وقاص (ثم جاء عمر بن
الخطاب في عشرين) أي رجلاً (من أصحاب النبي وَّ ثم جاء النبي ◌َّ) أي مع الصديق الأكبر
(فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء) أي في الدنيا (فرحهم به) أي مثل فرحهم بمجيئه وَّل إلى
المدينة (حتى رأيت الولائد) جمع وليدة وهي الجارية الصغيرة والذكر وليد فعيل بمعنى
مفعول، وقد يطلق على الأمة وإن كانت كبيرة. وقال شارح: الوليدة الصبية والأمة، ويناسبه
قوله: (والصبيان) جمع الصبي (يقولون:) أي من كمال الفرح والسرور (هذا رسول الله وصلفيه قد
جاء) أي وحصل به الرجاء والنجاء (قال البراء: فما جاء) أي النبي ◌َّر (حتى قرأت ﴿سبح اسم
ربك الأعلى﴾) أي تعلمتها ففيه ذكر المسبب وهو القراءة، وإرادة السبب وهو التعلم. (في
سور) أي في جملة سور أو مع سور (مثلها) أي مثل سورة سبح في المقدار (من المفصل) أي
الحديث رقم ٥٩٥٦: أخرجه البخاري ٦٩٩/٨. حديث رقم ٤٩٤١. وأحمد في المسند ٢٨٤/٤.
o ani

١٠٢
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه وَل* من مكة ووفاته
رواه البخاريّ.
٥٩٥٧ - (٢) وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله والر جلس على المنبر فقال:
((إِنَّ عبداً خيَّرهُ اللَّهُ بينَ أن يُؤتيَهُ مِنْ زهرةِ الدُّنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده)).
فبكى أبو بكر قال: فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا، فعجبنا له، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ
يخبر رسول الله وَلّر عن عبدٍ خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو
يقول: فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا !! فكان رسول اللَّهِ وَلَه هو المخيَّرَ،
من أوساطه. وهذا يدل على أن سبح اسم ربك نزلت بمكة. ويشكل عليه أن قوله تعالى:
﴿لقد أفلج من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى - ١٤ _ ١٥]. نزلت في زكاة الفطر،
ووجوب صدقة الفطر وصلاة العيد في السنة الثانية. ويحتمل أن تكون السورة مكية إلا هاتين
الآيتين، والأصح أنها كلها مكية. ثم بين النبي وي لتر أن المراد بقوله: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر
اسم ربه فصلى﴾. زكاة الفطر وصلاة العيد، فليس في الآية إلا الترغيب في الزكاة والصلاة من
غير بيان المراد فبينته السنة بعد ذلك كذا ذكره بعض المحققين والله أعلم. (رواه البخاري).
٥٩٥٧ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله وَلاغير جلس على المنبر)
أي في مرضه الذي مات فيه كما في رواية، وفي أخرى كان هذا قبل أن يموت بخمس ليال.
(فقال: إن عبداً) أي عظيماً كما يدل عليه قوله: (خيره الله) أي جعله مخيراً (بين أن يؤتيه) [أي
يعطيه] (من زهرة الدنيا) بفتح الزاي أي بهجتها وحسنها وزينتها (ما شاء) مفعول مؤخر عن
مبينه، والمعنى مقدار ما أراد من طول العمر والبقاء في الدنيا والتمتع بها. (وبين ما عنده) أي
الله سبحانه مما أعد له من أنواع النعيم المقيم ولذة اللقاء من الوجه الكريم. (فاختار ما عنده)
أي لأنه خير وأبقى (فبكى أبو بكر) أي لكمال فهمه وإدراكه حيث عرف مفارقته وَّر من الدنيا
بقرينة المرض، أو لأن اختيار ما عند الله وترك زهرة الدنيا بحسب الظاهر من مقدمات مراتب
الأولياء. ومن المعلوم أنه لا يناسب مقام سيد الأنبياء فانتقل إلى أن معناه بطريق الإشارة اختيار
الموت واللقاء وترك الحياة والبقاء. (قال:) استئنافاً (فديناك بآبائنا وأمهاتنا) أي معهم لو كان
ينفع الفداء (قال:) الراوي (فعجبنا له) أي لأبي بكر حيث يفديه، ولا هناك باعث يقتضيه وما
ذاك إلا لعدم فهمهم ما فهمه من الإشارة لتقيدهم بظاهر العبارة. (فقال الناس:) أي بعضهم
لبعض (انظروا) أي نظر تعجب (إلى هذا الشيخ) أي مع كبره المقتضى لوقاره وزيادة عقله
وفهمه (يخبر رسول الله وَلقي عن عبد) أي منكر غير معين (خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا
وبين ما عنده وهو) أي الشيخ (يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا) أي ومثل هذا ما يقال إلا لعظيم
يريد الانتقال من الدنيا إلى العقبى. (قال أبو سعيد: فكان رسول الله وَ لخر هو المخير) بالنصب
وهو ضمير الفصل، وفي نسخة بالرفع وله وجه. والمعنى: فظهر لنا في آخر الأمر أنه وَل * كان
الحديث رقم ٥٩٥٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٢٢٧. حديث رقم ٣٩٠٤. ومسلم في صحيحه ٤/
١٨٥٤ حديث رقم ٢/ ٢٣٨٢. وأخرجه الترمذي في السنن ٥٦٨/٥ حديث رقم ٣٦٦٠.

١٠٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه والفر من مكة ووفاته
وكان أبو بكر أعلَمنا متفق عليه.
٥٩٥٨ _ (٣) وعن عقبة بن عامر، قال: صلَّى رسول الله وَّل على قتلى أُحُدٍ بعدَ
ثمان سنين، كالمودّع الأحياء والأموات، ثم طَلَعَ المنبرَ فقال: ((إِني بين أيديكم فَرَطْ، وأنا
عليكم شهيد، وإِن موعدكُم الحوضُ، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني قد أعطيتُ
مفاتيح
العبد المخير. (وكان أبو بكر أعلمنا) أي أكثر علماً منا حيث علم أوّلاً أن المخير هو رسول الله
◌َ، فأعلم اسم تفضيل. ولا يبعد أن يكون فعلاً ماضياً أي وقد كان أعلمنا بالقضية لكنا ما
فهمناها بالكلية. (متفق عليه).
٥٩٥٨ - (وعن عقبة بن عامر) جهني روى عنه نفر من الصحابة وخلق كثير من التابعين،
ذكره المؤلف في الصحابة. (قال: صلى رسول الله ( 8﴿ على قتلى أحد) جمع قتيل، والمراد
بهم الشهداء. (بعد ثمان سنين) أي من دفنهم، فقيل صلى عليهم صلاة الجنازة وهو الظاهر
المتبادر، فهو من خصوصياته أو خصوصيتهم. وقال الشافعي: المراد بالصلاة الدعاء.
(كالمودع الأحياء والأموات) قال المظهر: أي استغفر لهم واستغفاره لهم كالوداع للأحياء
والأموات، أما الأحياء فبخروجه(١) من بينهم، وأما الأموات فبانقطاع دعائه واستغفاره لهم.
قال السيوطي: وذلك قرب موته وَّر. (ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط) بفتح الفاء
والراء، وهو الذي يتقدم الواردة فيهيىء لهم الرشاء(٢) والدلاء ويسقي لهم. وهو فعل بمعنى
فاعل كتبع بمعنى تابع، يريد أنه شفيع لهم لأنه يتقدمهم والشفيع يتقدم على المشفوع، وقد
روى الترمذي في الشمائل عن ابن عباس يحدث: أنه سمع رسول الله وَل و يقول: من كان له
فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة. فقالت له عائشة: فمن كان له فرط من أمتك. قال:
ومن كان له فرط يا موفقة. قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك. قال: فأنا فرط لأمتي لن
يصابوا بمثلي(٣). (وأنا عليكم شهيد) أي مطلع على أحوالكم إذ تعرض عليّ أعمالكم أو أنا
شاهد لكم ومئن عليكم. (وإن موعدكم) أي مكان وعدكم للشفاعة الخاصة بكم في يوم
الجمع. (الحوض) أي وروده فإنه حينئذ يتميز الخبيث من الطيب والمنافق من المؤمن فتكون
الشفاعة لأمة الإجابة. (وإني لأنظر) أي الآن (إليه) أي إلى الحوض (وأنا في مقامي هذا) أي
فوق المنبر وهو على ظاهره وكأنه كشف له عنه في تلك الحالة. (وإني قد أعطيت مفاتيح
الحديث رقم ٥٩٥٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٤٨/٧. حديث رقم ٤٠٤٢. وأخرجه مسلم في
صحيحه ١٧٩٥/٤ حديث رقم (٢٢٩٦.٣٠). وأخرجه النسائي في السنن ٤/ ٦١ حديث رقم
١٩٥٤. وأحمد في المسند ١٤٨/٤.
(١) في المخطوطة ((فيخرجوه)).
(٢) في المخطوطة ((الأرشاء)) والصواب (الرشاء)) وهو الحبل.
(٣) الترمذي في السنن ٣٧٦/٣ حديث رقم ١٠٦٢.

١٠٤
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه ويلغير من مكة ووفاته
خزائن الأرض، وإِني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن
تنافسوا فيها)) وزاد بعضهم: ((فَتَقْتَتِلُوا، فتهلِكوا كما هلك من كان قبلكم)). متفق عليه.
٥٩٥٩ _ (٤) وعن عائشة، قالت: إِن من نعم الله عَليَّ أنَّ رسولَ اللهِ وَلّهِ تُوفّي في
بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأنَّ اللَّهَ جَمّع بين ربقي وربقه عند موته،
خزائن الأرض) أي ستفتح لأمتي خزائن الأرض بفتح بلادها وإيمان عبادها. (وإني لست أخشى
عليكم) أي على مجموعكم (أن تشركوا بعدي) لأن ذلك قد وقع من بعض (ولكني أخشى
عليكم الدنيا أن تنافسوا) بحذف إحدى التاءين أي ترغبوا (فيها) رغبة الشيء النفيس وتميلوا
إليها كل الميل، فإن المنافسة لا تناسب النعم الفانية بل تختص بالأمور الباقية. ولذا قال
تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين - ٢٦]. أي المؤمنون الكاملون (وزاد
بعضهم) أي بعض الرواة على ما سبق قوله: (فتقتتلوا) أي يقتل بعضكم بعضاً للملك والمال
(فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم) أي في المال بأسوأ الحال. قال النووي: فيه معجزات
لرسول الله ◌َ، فإن معناه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض وقد وقع ذلك وأنهم لا
يرتدون وقد عصمهم الله تعالى من ذلك وأنهم يتنافسون في الدنيا وقد وقع ذلك. (متفق عليه).
٥٩٥٩ - (وعن عائشة قالت: إن من نعم الله علي) أي خاصة (أن رسول الله ولي توفي في
بيتي) أي لا فى غيبتي (وفي يومي) أي نوبتي لأكون متشرفة (١) بخدمتي. وفي جامع الأصول:
كان ابتداء مرض النبي ◌َّر من صداع عرض له وهو في بيت عائشة ثم اشتد به وهو في بيت
ميمونة ثم استأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة فأذن له [وكان] مدة مرضه اثني عشر يوماً
ومات يوم الاثنين ضحى من ربيع الأوّل. فقيل لليلتين خلتا منه وقيل لاثني عشرة خلت منه
وهو الأكثر. (وبين سحري ونحري) بفتح فسكون فيهما وهو يدل على كمال قربي وقربتي.
والمعنى: أنه وَ ﴿ توفي وهو مستند إلى صدرها وما يحاذي سحرها منه إذ السحر الرئة على ما
في النهاية. وقيل: السحر ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن. وقال ابن الملك: النحر موضع
القلادة من أعلى الصدر. وقال ابن حجر: السحر هو الصدر وهو في الأصل الرئة والمراد
بالنحر موضعه. اهـ. وجاء في رواية بين حاقني وذاقني، أي كان رأسه بين منكبها وصدرها.
ولا يعارضه ما للحاكم وابن سعد من طرق أن رأسه الكريم كان في حجر عليّ كرم الله وجهه
لأن كل طريق منها لا يخلو عن شيء كذا قاله الحافظ ابن حجر، وعلى تقدير صحتها يجمع
بأنه كان في حجره قبل الوفاة. (وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته) قالوا: الصواب فتح
أن [عطفاً على أن رسول الله كذا ذكره الجزري. وسبب ذلك أنه حينئذ يدخل تحت نعم الله
بخلافه إذا كسر فإنه يكون] عطفاً على إن من نعم الله فيكون مجرد إخبار. وأقول: لو صحت
-٣ بلسولام طفى
الحديث رقم ٥٩٥٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٤٤/٨. حديث رقم ٤٤٤٩. ومسلم في صحيحه ٤/
١٨٩٣ حديث رقم (٢٤٤٣.٨٤). وأحمد في المسند ٤٨/٦.
(١) في المخطوطة ((تشرفا)).

١٠٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه وَ ل# من مكة ووفاته
دخل عليَّ عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواكٌ وأنا مُسْنِدةٌ رسولَ الله وَلّهِ، فِرأَيته ينظر
إليه. وعرفتُ أنه يحبّ السّواك، فقتل: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتدَّ
عليه، وقلت: أَليّنْهُ لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فَلَيِّئْتَهُ، فأمرَّهُ وبين يديه ركوةٌ فيها ماءٌ،
فجعل يُدْخِل يديه في الماءِ فيمسح بهما وجهه، ويقول: ((لا إله إلا الله، إِنَّ للموتِ
سَگراتٍ)) ثم نصب يده،
الرواية بالكسر لكان الوجه أن يقال الواو للحال. ثم الريق بالكسر ماء الفم ولما كان الجمع
بينهما يحتاج (١) إلى بيان سبب قالت بطريق الاستئناف (دخل علي) أي عندي (عبد الرحمن بن
أبي بكر) والمراد به أخوها (وبيده) أي بيد عبد الرحمن (سواك) أي غير مستعمل لما سيأتي
(وأنا مسندة رسول الله (38) بالإِضافة وفي نسخة بتنوين مسندة ونصب الرسول وهو بضم الميم
وكسر النون. يقال: سند إليه استند وأسندته أنا كذا في القاموس. (فرأيته) أي النبي ◌َّار (ينظر
إليه) أي إلى السواك أو إلى صاحبه (وعرفت) أي والحال أني قد عرفت في الماضي من طبعه
(أنه يحب السواك) أي مطلقاً أو عند تغير الفم خصوصاً (فقلت: آخذه لك) أي منه (فأشار
برأسه أن نعم) أي نعم فأن مفسرة (فتناولته) أي أخذته منه وناولته إليه فاستعمله (فاشتد) أي
السواك (عليه) أي [لأنه] شديد (وقلت:) وفي نسخة فقلت. (ألينه لك) بتشديد الياء المكسورة
(فأشار برأسه أن نعم فلينته) أي لينت السواك بريقي وأعطيته النبي وَلقر (فأمره على أسنانه)
بتشديد الراء ماض من الإِمرار. والمعنى فاجتمع الريقان في حلقي وكذا في حلقه عند موته.
وفيه إيماء إلى رضاه(٢) عنها حتى عند انقطاع حياته. (وبين يديه ركوة) أي ظرف (فيها ماء
فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه) وايرادها بلفظ التثنية اشعار بنهاية حرارته وايماء
إلى اظهار عجزه وعبوديته. قيل: وسببه أنه كان يغمى عليه من شدة الوجع ثم يفيق. ويؤخذ
منه أنه ينبغي فعل ذلك لكل مريض فإن لم يفعله فعل به لأن فيه نوع تخفيف الكوب كالتجريع،
بل يجب التجريع إذا اشتدت حاجة المريض إليه. (ويقول: لا إله إلا الله) أي الواحد القهار
الذي قهر العباد بالموت وهو الحي الذي لا يموت. (إن للموت سكرات) بفتحات جمع سكرة
أي شدائد ومشقات عظيمات من حرارات ومرارات طبيعيات حتى للأنبياء وأرباب الكمالات،
فاستعدوا لتلك الحالات واطلبوا من الله تهوينه للأموات. وفي شمائل الترمذي عنها قالت:
رأيت رسول الله و # وهو بالموت، أي مشغول أو متلبس وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده
في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على منكرات الموت أو قال: على
سكرات الموت(٣). والمراد بمنكرات الموت شدائده ومكروهاته وما يحصل للعقل من التغطية
المشابهة للسكر فهو بمعنى سكرات الموت، والشك إنما هو في اللفظ ثم في تلك السكرات
زيادة رفع الدرجات. (ثم نصب يده) أي رفعها بطريق الدعاء أو على وجه الإيماء إلى جهة
(١) في المخطوطة ((احتاج)).
(٢) في المخطوطة ((رضائه)).
(٣) الترمذي في السنن ٣٠٨/٢ حديث رقم ٩٧٨.
ذهوج
، هه،۵

١٠٦
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه وَلخير من مكة ووفاته
فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى)). حتى قبض ومالت يده. رواه البخاري.
٥٩٦٠ _ (٥) وعنها، قالت: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ له يقول: ((ما
السماء (فجعل يقول:) أي مكرراً (في الرفيق الأعلى) متعلق بمحذوف أي اجعلني في الرفيق
الأعلى وهم هنا الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين. اسم جاء على فعيل يقع على الواحد
والجماعة كالصديق والخليط. والمراد هنا الجمع كقوله تعالى: ﴿وحسن أولئك رفيقاً ﴾
[النساء - ٦٩]. والرفيق المرافق في الطريق. وقيل التقدير اجعلني في مكان رفيق الأعلى،
وأراد بالمكان المقام المحمود المخصوص به. فالمعنى: اجعلني ساكناً فيه قائماً به. وقال
الجوهري: الرفيق الأعلى الجنة ذكره ابن حجر، وهو لا يخلو عن غرابة. وقيل الرفيق الأعلى
من أسمائه تعالى، من الرفق والرأفة فعيل بمعنى فاعل لأنه سبحانه رفيق بعباده. واختار لفظة
في للدلالة على زيادة القرب المشعر بالاستغراق في حضرة الرب والفناء في مقام بقاء الحب.
مع ما فيه من الإشارة إلى التوحيد المفيد لتأكيد التأبيد. وقد غفل الأزهري عن هذا المعنى
الأظهر والمعنى الأنور وغلط قائل ذلك على ما نقله ابن حجر فتأمل وتدبر. ثم رأيت
التوريشتي قال: قد ذهب بعضهم في الرفيق الأعلى أنه اسم من أسماء الله تعالى. قال
الأزهري: غلط قائل هذا. وقوله: أن الله رفيق، لم يوجب اطلاق هذا الاسم عليه كما لم
يوجب أن الله حيي ستير إطلاق ذلك عليه، وإنما أراد به إيضاح معنى لم يكن يقع في الأفهام
إلا من هذا الطريق. قال الفاضل الطيبي: لم لا يجوز أن يستدل بهذا الحديث على إطلاق هذا
الاسم عليه وما المانع وليس هذا نحو قوله: إن الله حيي. لأن ذلك إخبار. وقول صاحب
النهاية أنه اختار ما عند الله تعالى تصريح بأن المراد منه القرب والزلفى عند الله تعالى، فلو أريد
به الملائكة والنبيون لقيل من عند الله. ويؤيده حديث أبي سعيد: أن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه
[من] زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده. وحديث جعفر في آخر الفصل الثالث
من هذا الباب: يا محمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك. الحديث ولأن حصول هذه البغية مستلزم
لحصول تلك المنزلة كما قال تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك﴾. وفي
إدخال في على الرفيق إيذان بغاية القرب وشدة تمكنه فيه وحلول رضوانه عليه. وإليه الإشارة
بقوله: ﴿راضية مرضية﴾ [الفجر - ٢٧ - ٢٨]. قلت: ويؤيده رواية عائشة الآتية: اللهم الرفيق
الأعلى. ثم المعنى كان هذا حاله ومقاله. (حتى قبض ومالت يده) أي عن يمينه أو شماله أو
عن الطريقين إيماء إلى الإغماض عن الكونين والميل إلى المكون الذي لقاؤه قرة العينين(١)
ولذا كان(٢) سيد الثقلين (رواه البخاري).
٥٩٦٠ - (وعنها) أي عن عائشة رضي الله عنها (قالت: سمعت رسول الله وال* يقول: ما
(١) في المخطوطة ((العين)).
(٢) في المخطوطة ((قال)).
الحديث رقم ٥٩٦٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٢٥٥. حديث رقم ٤٥٨٦. ومسلم في صحيحه ٢/
١٨٩٣ حديث رقم (٨٦. ٢٤٤٤). ومالك في الموطأ ٢٣٨/١ حديث رقم ٤٦ من كتاب الجنائز.
وأحمد في المسند ١٧٦/٦.

١٠٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه { 18 من مكة ووفاته
: من نبي يمرَضُ إِلا خُيّر بينَ الدُّنيا والآخرة)). وكان في شكواه الذي قُبِض أَخذته بُحَّةٌ
شديدةٌ، فسمعتُه يقول: مَعَ الذينَ أنعمتَ عليهِمْ من النبيينَ والصِّديقينَ والشهداء
والصَّالحينَ. فعلمت أنه خُيّرَ. متفق عليه.
٥٩٦١ _ (٦) وعن أنس، قال: لما ثَقُلَ النبيُّ نَ جعل يَتَغْشَّاهُ الكربُ. فقالت
فاطمة. واكرب أباه! فقال لها: ((ليس على أبيك كَرْبٌ بعد اليوم)). فلما مات قالَتْ: يا
أبتاه!
من نبي يمرض) بفتح الراء أي مرض الموت (إلا خير بين الدنيا والآخرة) أي بين بقائه(١) مدة
أخرى في الدنيا وبين توجهه إلى عالم العقبى، ولا شك أن كلاً يختار ما عند الله لأنه خير
وأبقى. (وكان في شكواه) أي في مرضه (الذي قبض أخذته بحة شديدة) بضم موحدة وتشديد
مهملة أي غلظ الصوت وخشونته على ما في النهاية. وقال ابن حجر: هي شيء يغوص في
الحلق فيتغير له الصوت فيغلظ. وقيل المراد هنا سعلة. ففي القاموس: السعال والسعلة
بضمهما وهي حركة تدفع بها الطبيعة أذى عن الرئة والأعضاء التي تتصل بها. (فسمعته يقول:)
أي الرفيق الأعلى (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) أي
وحسن أولئك رفيقاً. يعني مع الرفيق الأعلى، فالجمع بما ذكرناه هو الأولى حشرنا الله معهم
في العقبى. (فعلمت أنه خير) أي بين البقاء في الدنيا وما عند الله في الأخرى من لقاء المولى
(متفق عليه).
٥٩٦١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي (18) بفتح المثلثة وضم قاف أي
اشتد مرضه (جعل) أي طفق (يتغشاء الكرب) وفي المصابيح يتغشى بلا ضمير بلا لفظ الكرب.
وقال شارح له: أي يتغطى ويتستر بالثبات. وقيل: أي يغشى عليه من شدة المرض. وفي
بعض النسخ: جعل يتغشاه الكرب. وهو بالفتح وسكون الراء الغم الذي يأخذ بالنفس. أقول:
وهو المناسب لقوله: (فقالت فاطمة:) أي بنته رضي الله عنها (واكرب أباه) بسكون الهاء
للسكت والألف قبله للندبة، وسيلة لمد الصوت في الكلمة المفيدة للمبالغة. (فقال لها: ليس
على أبيك كرب بعد اليوم) يعني أن الكرب كان بسبب ضدة الألم وصعوبة الوجع وبعد هذا
اليوم لا يكون ذلك لأن الكرب كان بسبب العلائق الجسمانية، وبعد اليوم ينقطع تلك العلائق
الصورية ولا كرب في التعلقات الروحانية المعنوية. وزاد الترمذي: إنه قد حضر من أبيك ما
ليس بتارك منه أحد الوفاة إلى يوم القيامة، أي هو الموت إلى قيام الساعة. (فلما مات قالت:
يا أبتاه) قال الطيبي: أصله يا أبي، أبدلت التاء من الياء لأنهما من حروف الزوائد والألف للندبة
لمد الصوت والهاء للسكت، ولا بد للندبة من إحدى العلامتين ياء أو واواً لأن الندبة لإظهار
(١) في المخطوطة ((لقائه)).
الحديث رقم ٥٩٦١: أخرجه البخاري ١٤٩/٨. حديث رقم ٤٤٦٢ وابن ماجه في السنن ٥٢٢/١ حديث
رقم ١٦٣٠ والدارمي في السنن ٥٤/١ حديث رقم ٨٧. وأحمد في المسند ١٤١/٣.

١٠٨
٠٠
2*F
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه ويكلف من مكة ووفاته
أجاب ربَّاً دَعاه، يا أبتاه! مَن جنَّة الفردَوْس مأواه، يا أبتاه، إِلى جبريل نَنعاه. فلما دُفنَ
قالت فاطمة: يا أَنس! أطابت أنفسُكم أن تحثوا على رسولِ الله وَّرِ التراب؟ رواه البخاري.
الفصل الثاني
٥٩٦٢ - (٧) عن أنس، قال: لما قَدِمَ رسولُ اللهِ وَّرُ المدينةَ لعِبتِ الحبشةُ بحرابهم
التوجع، ومد الصوت وإلحاق الألف في آخره للفصل بينها وبين النداء، وزيادة الهاء في الوقف
إرادة بيان الألف لأنها خفية وتحذف في الوصل. (أجاب رباً دعاء) أي إلى العقبى فاختارها
على الدنيا وهو بضم هاء الضمير ويسكن في الوقف مراعاة للسجع، ولا يبعد أن يكون الهاء
للسكت على أن المفعول محذوف للعلم به لكن لا يستقيم هذا في قولها. (يا أبتاه من جنة
الفردوس مأواه) فإنه يتعين أن يكون للضمير بخلاف قولها. (يا أبتاه إلى جبريل ننعاه) فإنه
يحتمل الاحتمالين. ثم قولها: من جنة الفردوس، بفتح الميم ورفع الجنة في الأصول
المصححة. وفي نسخة بكسرها وخفض الجنة. قال الجزري بفتح ميم من على أنها موصولة،
ويحتمل كسرها على أنها حرف جر أي موضع قراره من جنة الفردوس. وقال الطيبي: قوله:
من جنة الفردوس في البخاري وشرح السنة، وقع من موصولة. وفي بعض نسخ المصابيح
وقعت جارة والأوّل أنسب لأنه من وادي قولهم وامن حفر بئر زمزماه. اهـ. وقوله: ننعاه، أي
نظهر خبر موته إليه من النعي كذا قاله شارح. وفي الأزهار أي نبكي إليه. وقيل نعزيه. وقيل
نخبره. أقول: وأوسطها أعلاها. (فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس (١) أطابت أنفسكم) أي أهانت
على أنفسكم أيها الصحابة (أن تحثوا) بفتح التاء وضم المثلثة أي تكبوا (على رسول الله (وليد)
أي فوقه (التراب) ومما ينسب إليها في تعزيتها.
ماذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت عليّ مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن لياليا
(رواه البخاري).
(الفصل الثاني)
٥٩٦٢ - (عن أنس رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله وَلٍ﴿ المدينة لعبت الحبشة)
بكسر العين أي رقصت (بحرابهم) بكسر الحاء المهملة جمع حربة وهي رمح قصير. وقيل
(١) في المخطوطة ((أناس)).
الحديث رقم ٥٩٦٢: أخرجه أبو داود في السنن ٢٢١/٥ حديث رقم ٤٩٢٣. والترمذي في السنن ٥٤٩/٥
حديث رقم ٣٦١٨. وأخرجه ابن ماجه في السنن ١/ ٥٢٢ حديث رقم ١٦٣١ والدارمي ١/ ٥٤
حديث رقم ٨٨. وأحمد في المسند ١٦١/٣.

١٠٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه الفر من مكة ووفاته
فرحاً لقدومه. رواه أبو داود.
وفي رواية الدارمي، قال: ما رأيتُ يوماً قطُ كانَ أحسنَ ولا أضْوَأَ من يوم دخلَ علينا
فيه رسولُ اللَّهِ وَ له، وما رأيتُ يوماً كانَ أقْبحَ ولا أظلمَ منْ يومِ ماتَ فيه رسولُ الله ◌ٍَّ.
وفي رواية الترمذي، قال: لما كانَ اليومُ الذي دَخَلَ فيه رسولُ اللهِوَّهِ المدينةَ أَضاء
منها كلُّ شيءٍ، فلما كانَ اليومُ الذي ماتَ فيهِ أظلمَ منها كلُّ شيءٍ، وما نفضنا أيدينا عن
التراب وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا.
٥٩٦٣ _ (٨) وعن عائشة، قالت: لمَّا قُبِضَ رسولُ اللَّهِ وَ﴿ اختلَفُوا في دفنه.
بخناجرهم (فرحاً لقدومه. رواه أبو داود).
(وفي رواية الدارمي) أي عن أنس (قال: ما رأيت يوماً قط كان أحسن) أي أزهر في
الخاطر (ولا أضوأ) أي في نور الظاهر (من يوم دخل علينا فيه رسول الله وَّي) أي فإنه كان يوم
الوصال للمشتاقين إلى ذلك الجمال (وما رأيت يوماً أقبح) أي أسوأ أو أحزن في القلب (ولا
أظلم) أي في عين القالب (من يوم مات فيه رسول الله وَّر) لأنه كان يوم الفراق على العشاق.
(وفي رواية الترمذي قال:) أي أنس (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله - * المدينة أضاء
منها) أي أشرق من المدينة (كل شيء) بالرفع فإن أضاء(١) لازم وقد يتعدى ومن بيان تقدمت.
قال الطيبي: الضمير راجع إلى المدينة وهذا يدل على أن الإضاءة كانت محسوسة (فلما كان
اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء) فإن نوره شمس العالم الصوري والمعنوي وتخصيص
المدينة لكونها أقرب ولنسبة رؤية الراوي أنسب. (وما نفضنا أيدينا عن التراب) من النفض وهو
تحريك الشيء ليزول ما عليه من التراب والغبار ونحوهما. (وأنا لفي دفنه) أي مشغولون بعد
جملة حالية (حتى أنكرنا قلوبنا) أي تغيرت حالنا بوفاة رسول الله وَلّ وظهور أنواع الظلمة علينا
ولم نجد قلوبنا على ما كانت عليه من أنوار [الصفا والرقة والألفة فيما بيننا لانقطاع مادة الوحي
وفقدان بركة صحبته وأثر إكسير حضور حضرته. قال التوربشتي: يريد أنهم لم يجدوا قلوبهم
على ما كانت عليه منآ الصفا والألفة لانقطاع مادة الوحي وفقدان ما كان يمدهم من رسول الله
وَالر من التأييد والتعليم، ولم يرد أنهم لم يجدوها على ما كانت من التصديق.
٥جم
.050
٥٩٦٣ - (وعن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ◌َي اختلفوا في دفنه) أي في موضع
يدفن فيه، فقيل يدفن في مسجده وقيل بالبقيع بين أصحابه وقيل بمكة وقيل عند أبيه إبراهيم
عليه السلام أو في نفس الدفن. والمعنى هل يدفن كما روى الترمذي في الشمائل عن سالم بن
عبيد وكانت له صحبة قالوا لأبي بكر: يا صاحب رسول الله 98 أيدفن رسول الله و الله قال:
(١) في المخطوطة ((إذ)).
الحديث رقم ٥٩٦٣: أخرجه الترمذي في السنن ٣٣٨/٣ حديث رقم ١٠١٨. ومالك في الموطأ ٢٣١/١
حديث رقم ٢٧ من كتاب الجنائز.
تموم

١١٠
....
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه بَّظهر من مكة ووفاته
فقال أبو بكر: سمعتُ من رسولِ اللَّهِ وَلَهِ شيئاً. قال: ((ما قَبَضَ اللَّهُ نبيّاً إِلاّ في الموضعِ
الذي يحبُ أن يُدْفَنَ فيه)». ادفنوه في موضع فراشِهِ. رواه الترمذي.
الفصل الثالث
٥٩٦٤ _ (٩) عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانَ رسولُ اللَّهِ * يقول وهو
صحيح: ((إِنه لن يُقْبَضَ نبيَّ حتى يُرى مَقْعَدَه مِنَ الجنَّةِ ثم يُخَيَّرُ)). قالت عائشة: فلما نَزَّلَ
به، ورأسُه على فَخذِي غُشِيَ عليه، ثم أَفاقَ،
نعم. قالوا: أين. قال: في المكان الذي قبض الله فيه روحه فإن الله لم يقبض روحه إلا في
مكان طيب. فعلموا أنه قد صدق. اهـ. وهو لا ينافي ما روى عنه في هذا الحديث (فقال أبو
بكر: سمعت من رسول الله وَير شيئاً) أي ما نسبته كما في شمائل الترمذي. قال: يحتمل أن
يكون صفة لشيئاً أو استئنافاً (قال:) أي قال رسول الله وَليزر (ما قبض الله نبياً إلا في الموضع
الذي يحب) أي النبي أو يريد الله (أن يدفن) أي ذلك النبي (فيه) أي في ذلك المكان (ادفنوه في
موضع فراشه) أي الذي مات فيه ولعله لم يحول إلى موضع من المواضع الشريفة ليكون شرف
المكان بالمكين ويتشرف به أهل التمكين (رواه الترمذي) أي وقال غريب، وفي إسناده عبد
الرحمن بن أبي بكر المليكي يضعف من قبل حفظه. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه
رواه ابن عباس عن أبي بكر عن النبي ◌َّر، وقد روى مالك هذا الحديث وقد بلغه أن رسول
الله ◌َّ لما توفي قال ناس: يدفن عند المنبر (١). وقال آخرون يدفن بالبقيع. فجاء أبو بكر
الصديق رضي الله عنه وقال: سمعت رسول الله وَ ل9 يقول: ما دفن نبي قط إلا في المكان الذي
توفي فيه فحفر فيه. ذكره ميرك عن تصحيح المصابيح.
(الفصل الثالث)
٥٩٦٤ - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَلقر يقول وهو صحيح:) أي
والحال أنه في حال صحته (إنه) أي الشأن (لن يقبض نبي) أي لن يموت (حتى يرى) مجهول
من الإراءة وفي نسخة معلوم من الرؤية، أي يبصر أو يعرف. (مقعده) أي الخاص به (من
الجنة) أي من منازلها العالية (ثم يخير) بالنصب ويرفع أي يجعل مخيراً بين قعوده في الدنيا
وبين وصوله إلى مقعده في العقبى (قالت عائشة: فلما نزل) أي الموت يعني علاماته (به) أي
بالنبي وَّر (ورأسه على فخذي) حال وجواب لما قولها (غشي عليه) أي أغمي (ثم أفاق
(١) في المخطوطة ((القبر)).
الحديث رقم ٥٩٦٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٥٧/١١. حديث رقم ٦٥٠٩. ومسلم في صحيحه ٤/
١٨٩٤ حديث رقم (٢٤٤٤.٨٧).

١١١
...... "
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه صفر من مكة ووفاته
فأشخص بَصَرهُ إِلى السقفِ ثم قال: ((اللهمَّ الرفيقَ الأعلى)). قلت: إِذن لا يختارُنا. قالت:
وَعَرَفْتُ أنه الحديثُ الذي كانَ يُحدَّثنا به وهو صحيح في قوله: ((إِنه لن يُقبضَ نبيَّ قطُ حتى
يُرى مقعده من الجنَّةِ ثم يُخَيَّرُ)) قالت عائشة: فكان آخر كلمةٍ تكلّم بها النبيُّ وَّ قولهُ:
((اللهمَّ الرفيقَ الأعلى)). متفق عليه.
٥٩٦٥ _ (١٠) وعنها، قالت: كانَ رسولُ اللَّهِ وَه يقولُ في مرضه الذي مات فيه:
(يا عائشة! ما أَزالُ أجدُ ألمَ الطعام الذي أكلتُ بخيبرَ، وهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ أَبهري من
ذلك السمّ)».
فأشخص) أي رفع بصره (إلى السقف) أي فإنه جهة السموات العلى (ثم قال: اللهم الرفيق
[الأعلى]) أي أختار أو أسألك الرفيق الأعلى (قلت: إذاً) بالتنوين وفي نسخة إذن (لا يختارنا)
بالرفع وينصب (قالت: وعرفت أنه) أي هذا (هو الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح)
قال الطيبي: أي أن هذا القول إشارة إلى الحديث الذي قال في حال صحته. (في قوله: إنه لن
يقبض) وفي نسخة لم يقبض (نبي قط) وهو يؤيد النسخة لكنه أراد به أبداً (حتى يرى مقعده من.
الجنة ثم يخير قالت عائشة: فكان آخر كلمة تكلم بها النبي والقر قوله:) بالنصب وفي نسخة
بالرفع (اللهم الرفيق الأعلى) قال السهيلي: وأوّل كلمة تكلم بها النبي ◌َّر وهو مسترضع عند.
حليمة الله أكبر ذكره ابن حجر. وروي أنه ﴿ أوّل من قال بلى يوم قال ﴿ألست بربكم﴾
[الأعراف - ١٧٢]. (متفق عليه).
٥٩٦٥ - (وعنها) أي عن عائشة (قالت: كان رسول الله وَ ﴿ يقول في مرضه الذي مات
فيه: يا عائشة ما أزال) أي ما أبرح (أجد ألم الطعام) أي المسموم (الذي أكلت بخيبر وهذا أوان
وجدت) بفتح النون وفي نسخة بضمها. قال الطيبي: يجوز في أوان الضم والفتح [فالضم] لأنه
خبر المبتدأ. والفتح على البناء لإضافته إلى المبني. قلت: وهذا هو المختار على ما سبق في
يوم ولدته(١) وليلة أسري به، والمعنى وهذا زمان صادفت. (فيه انقطاع أبهري) بفتح الهمزة
والهاء بينهما موحدة وهو عرق يتعلق به القلب، فإذا انقطع مات صاحبه. (من ذلك السم) أي
من أثره بتأثيره سبحانه. والسم مثلثة السين والضم أشهر والفتح أكثر. هذا وفي النهاية الأبهر (٢)
عرق في الظهر وهما أبهران. وقيل هما الأكحلان اللذان في الذراعين. وقيل هو عرق مستبطن
القلب فإذا انقطع لم يبق معه حياة، وقيل الأبهر عرق منشؤه من الرأس ويمتد إلى القدم وله
شرايين تتصل(٣) بأكثر الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمى النامة ومنه قوله: أسكت
الحديث رقم ٥٩٦٥: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣١/٨. حديث رقم ٤٤٢٨. وأبو داود في السنن ٤/
٦٥١ حديث رقم ٤٥١٣ والدارمي في السنن ٤٦/١ حديث رقم ٦٧. وأحمد في المسند ١٨/٦.
(١) ((ولدته)) هكذا في الأصل، ولعل الصواب أن يقال ((ولادته)).
(٢) في المخطوطة ((الأبهري).
(٣) في المخطوطة ((يتصل).

'p
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه وسفير من مكة ووفاته
رواه البخاري.
٠٠٢
٥٩٦٦ _ (١١) وعن ابن عباس، قال: لما حُضِر رسولُ الله ێے، وفي البيت رجال،
فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال النبي وَّ: ((هلمُّوا أَكتبْ لكم كتاباً لن تضلُّوا
بعده)) .
الله نامته. أي أماته، ويمتد إلى الحلق فيسمى الوريد ويمتد إلى الصدر فيسمى الأبهر ويمتد إلى
الساق فيسمى الصافن. والهمزة في الأبهر زائدة. (رواه البخاري) وروى ابن السني وأبو نعيم
في الطب عن أبي هريرة: ما زالت أكلة خيبر تعادني كل عام حتى كان هذا أوان قطع أبهري.
قال الهروي: الأكلة بضم الهمزة، وقال: لم يأكل منها إلا لقمة واحدة. اهـ. وتعادني بضم
التاء وتشديد الدال أي تعاودني، وقطع بصيغة الماضي مضافاً إليه.
٥٩٦٦ - (وعن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله (*) بصيغة المفعول أي حضره
الموت، وفيه تجوّز فإنه عاش بعد ذلك اليوم وهو يوم الخميس إلى يوم الاثنين. وقيل التقدير
لما حضره هم الموت. (وفي البيت رجال) أي كثيرة (وفيهم عمر بن الخطاب) جملتان حاليتان
معترضتان بين لما وجوابه وهو قوله. (قال النبي وَلتر: هلموا) أي تعالوا واحضروا (أكتب لكم
كتاباً) بالجزم جواباً وقوله: (لن تضلوا بعده) صفة لكتاباً. قال النووي في شرح مسلم: اعلم أن
النبي ◌َّ* معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته ومرضه
ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس هو معصوماً من
الأمراض والأسقام العارضة للأجسام مما لا نقص فيه بمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته،
وقد سحر ◌َّ حتى صار يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يكن يفعله ولم يصدر منه في هذا
الحال كلام في الأحكام مخالف لما سبق، فإذا علمت ما ذكرناه فقد اختلفوا في الكتاب الذي
أراد كتابته. فقيل أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع نزاع. قلت: هذا بعيد
جداً إذ التنصيص على خلافة أبي بكر أو عمر أو العباس أو على لا يحتاج إلى كتابة بل كان
مجرد القول كافياً وللمقصود وافياً مع أنه قد أشار إلى خلافة أبي بكر بنيابة الإمامة مع التصريح
بقوله: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. نعم لو قيل إنه أراد أن يكتب الخلافة المستمرة خلف
وفاته لمن يستحقها واحداً بعد واحد إلى خروج المهدي [وظهور] عيسى عليه السلام لكان له
وجه وجيه وتنبيه نبيه، ولكن أراد الله الأمر مستوراً وكان ذلك في الكتاب مسطوراً. وقيل أراد
كتاباً يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه.
قلت: لم يكن في زمانه نزاع ليرتفع ولا خلاف ليندفع، وأما باعتبار ما بعده من الزمان مما
سيقع [من] الاختلاف في [كل] مكان فقد أخبر بوقوعه بقوله: ((اختلاف أمتي رحمة))(١).
الحديث رقم ٥٩٦٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٣٢. حديث رقم ٤٤٣٢. ومسلم في صحيحه ٣/
١٢٥٧ حديث رقم (١٦٣٧.٢٠) وأحمد في المسند ٢٢٢/١.
(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢٤/١ حديث رقم ٢٨٨. وذكر أن البيهقي أخرجه في الرسالة =
١١٢
1970
sin7
9/٢١٠

١١٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه و له من مكة ووفاته
فقال عمر: قد غَلَب عليه الوجعُ، وعندكم القرآن، حسبُكم كتابُ الله، فاختلف أهلُ البيت
واختصموا، فمنهم من يقول: قَرِّبوا يكتبْ لكم رسول الله وَّر. ومنهم من يقول ما قال
عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف، قال رسول الله وَّر: ((قوموا عني)).
وبقوله: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)). وبقوله: ((عليكم بالسواد الأعظم))(١).
وبقوله: ((وإن أفتاك المفتون))(٢). وقد قال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾
[هود - ١١٨ - ١١٩]. ولذلك خلقهم. على أن الأحكام الشرعية المتفرقة في عشرين سنة كيف
تصبح ملخصة منصوصة في ساعة بحيث لا يتصوّر فيه اختلاف الأمة (٣). نعم لو أريد به أنه
قصد أن يكتب كتاباً يبين فيه بعض الأحكام التي قد توجد في الأزمنة الآتية مما ليس بمذكور
في الكتاب ولا بمحفوظ في السنة لا يبعد من طريق الرأفة وسبيل الرحمة على كافة الأمة من
الأئمة والعامة، أو أراد أن يكتب كتاباً يبين فيه طريق الفرقة الناجية ويفصل فيه أحوال الفرق
الضالة من المعتزلة والخوارج والرافضة وسائر المبتدعة. (فقال [عمر رضي الله عنه: ] قد غلب
عليه الوجع) أراد بما ذكره التخفيف على رسول الله وَلقر عند شدة الوجع وقوله: ([وعندكم
القرآن] حسبكم كتاب الله) أي كافيكم في أمر الدين لقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله
جميعاً﴾ [آل عمران - ١٠٣]. وهو خطاب لمن نازعه في ذلك ورد عليه لا على النبي ◌َّر، مع
أنه رضي الله عنه له موافقات وفق بها في مواضع من المخالفات فيمكن حمل هذه القضية على
الموافقة فترتفع المخالفة. ويدل عليه سكوته وهو على تلك المقالة وصرف عنانه عن أمر الكتابة
هذا وقد عرف [عمر] أن ذلك الأمر لم يكن جزماً منه بل رعاية لمصالحهم. وكان أصحابه إذا
أمر بشيء غير جازم يراجعونه فيه وكان يتركه برأيهم (فاختلف أهل البيت) أي من كان في البيت
عنده من أصحابه وأقاربه (واختصموا فمنهم من يقول: قربوا) أي الدواة والقلم (يكتب لكم
رسول الله (*) بالجزم على جواب الأمر أي يمل عليكم ما أراد كتابته (ومنهم من يقول ما قال
عمر) أي من المنع لشدة الوجع (فلما أكثروا اللغط) بفتحتين أي الصوت الذي لا يفهم مبناه
ولا يتبين معناه (والاختلاف) أي الموجب للنزاع والخلاف (قال رسول الله وَلاير: قوموا عني) أي
فإني تركت قصد الكتابة اعتماداً على ما ثبت عندكم من الكتاب والسنة. قال النووي: وكان
النبي وَّلغير هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة أو أوحي إليه بذلك ثم ظهر أن المصلحة تركه،
أو أوحي إليه بذلك ونسخ. وأما قول عمر رضي الله عنه: حسبكم كتاب الله. فقد اتفقوا على
أنه من دلائل فقهه وفضائله ودقائق نظره وفهمه لأنه خشي أن يكتب النبي ◌ّ أموراً ربما عجزوا
عنها واستحقوا العقوبة عليها لكونها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها. وأشار بقوله: حسبكم
كتاب الله، إلى قوله: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام - ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿اليوم
= الأشعرية من غير سند. وأن بعض العلماء قد أوردوه. وأبطله الغماري في كتابه المغير على
الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير ص ١٦.
(١) ابن ماجه في السنن ١٣٠٣/٢ حديث رقم ٣٩٥٠.
(٢) من حديث أخرجه أحمد في المسند ١٩٤/٤.
(٣) في المخطوطة ((طاعة)).

٨.٠
١١٤
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه وَللز من مكة ووفاته
قال عبيد الله: فكان ابنُ عباس يقول: إِن الرزيئة كل الرزيئة مَا حالَ بينَ رسول الله وَلَّه وبين
أن يكتبَ لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم.
وفي رواية سليمان بن أبي مُسلم الأحول قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم
الخميس؟ ثم بكى حتى بَلَّ دمعُهُ الحصى.
أكملت لكم دينكم ﴾ [المائدة - ٣]. (قال عبيد الله) أي ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي
ولد أخي عبد الله بن مسعود وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل الحديث سمع ابن عباس وخلقاً
كثيراً من الصحابة. (فكان ابن عباس يقول: إن الرزيئة) بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ساكنة
ثم همزة. وقد يسهل فتشدد الياء على ما في شرح البخاري أي المصيبة (كل الرزيئة) أي تمامها
وكمالها (ما حال) أي والحال الذي وقع حائلاً وصار مانعاً (بين رسول الله وَله وبين أن يكتب
لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم) متعلق بحال وكان ابن عباس مال إلى خلاف ما قال عمر
ومن تبعه من الصحابة فتدبر. قال البيهقي في كتاب دلائل النبوّة: إنما قصد عمر رضي الله عنه
بذلك التخفيف على رسول الله وَّ ر حين غلب الوجع عليه، ولو كان مراده ولو أن يكتب ما لا
يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم لقوله تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة - ٦٧].
كما لم يترك التبليغ لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه وكما أمر في تلك الحالة بإخراج اليهود
من جزيرة العرب وغير ذلك يعني مما سيأتي بيانه، قال: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل
العلم قبله أنه ﴿ أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، ثم ترك ذلك اعتماداً على
علمه من تقدير الله تعالى ذلك، كما هم بالكتابة في أول مرضه حين قال وارأساه ثم ترك الكتابة
وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. وذلك بسبب استخلافه أبا بكر في الصلاة. وقال أيضاً
وإن كان المراد به ب ن أحكام الدين ورفع الخلاف فيها فقد علم عمر حصول ذلك من قوله
تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة - ٣]. وعلم أنه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلا
وفي الكتاب والسنة بيانها نصاً أو دلالة، وفي تكلف النبي ◌َّر في مرضه مع شدة وجعه كتابة
ذلك مشقة. فرأى الاقتصار على ما سبق بيانه تخفيفاً عليه ولا ينسد باب الاجتهاد على أهل
العلم والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول، فرأى عمر [رضي الله عنه أن] الصواب ترك الكتابة
تخفيفاً على رسول الله * وفضيلة للمجتهدين، وفي تركه وليد الافكار على عمر دليل على
استصواب رأيه وكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه. (وفي رواية سليمان بن أبي مسلم
الأحول) قال المؤلف: هو خال ابن(١) أبي نجيح تابعي من أثبات الحجازيين وأئمتهم سمع
طاوساً وأبا سلمة وروى عنه ابن عيينة وابن جريج وشعبة (قال ابن عباس: يوم الخميس) مرفوع
على أنه خبر مبتدأ محذوف أو عكسه وقوله: (وما يوم الخميس). يستعمل عند إرادة تفخيم
الأمر والشدة والتعجب منه كقوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة - ١ - ٢]. ﴿والقارعة ما
القارعة﴾ [القارعة - ١ - ٢]. (ثم بكى) أي ابن عباس (حتى بل دمعه الحصى) أي حتى سالت
(١) في المخطوطة ((ابني)).

١١٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه . * من مكة ووفاته
,قلت يا ابن عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتدَّ برسول اللَّهِ وَّهِ وجعُه فقال: ((ائتوني
بِكتفٍ أكتبُ لكم كتاباً لا تضلُوا بعده أبداً». فتنازعوا ولا ينبغي عِنْدَ نبي تنازعٌ. فقالوا: ما
شأنُه؟! أهجَر؟
دموعه بلا إحصاء ووصلت إلى ما في الأرض من الحصى. ثم بكاؤه يحتمل أن يكون لتذكر
وفاته وفقدان حياته ﴿ بتجدد الحزن عليه، أو لفوات ما فات في معتقد من الخير الذي كان
يحصل لو كان كتب ذلك الكتاب وهذا هو الأظهر في المقام والأنسب فيما أراده من المرام.
(قلت: يا ابن عباس وما يوم الخميس) قال ميرك: قائله سعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس.
وظاهره إيراد المصنف يقتضي أن قائله سليمان وليس كذلك وهذا ظاهر من سياق البخاري
(قال: اشتد برسول الله ﴿﴿ وجعه) أي في ذلك اليوم (فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً)
بالجزم في جميع النسخ الحاضرة المصححة المقروءة، فعلى هذا يشكل جزم قوله: (لا تضلوا
بعده أبداً) ولعل وجهه أن يكون جواباً لشرط مقدر، أي إن كتب لكم وعملتم به لا تضلوا أي
لا تصيروا ضالين. وفي نسخة أن لا تضلوا وهو واضح جداً أي لئلا تضلوا، أو مخافة أن لا
تضلوا. (فتنازعوا) أي أمرهم بينهم واختلفوا في رأيهم (ولا ينبغي عند نبي تنازع) قيل هو من
جملة الحديث المرفوع، ويؤيده ما تقدم في العلم بلفظ: ولا ينبغي عندي التنازع. ويحتمل أن
يكون مدرجاً من قول ابن عباس وهو الظاهر المتبادر. (فقالوا:) أي بعضهم (ما شأنه) أي حاله
﴾ (أعجر) بفتحات أي اختلف كلامه من جهة المرض، على سبيل الاستفهام. وفي النهاية:
أي هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به من المرض. ولا يجعل إخباراً فيكون من الفحش
والهذيان والقائل عمر ولا يظن به ذلك. قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه
توهم الغلط على رسول الله ﴿ أو ظن به غير ذلك مما لا يليق بحاله، لكنه ما رأى ما غلب
عليه 183 من الوجع وقرب الوفاة مع ما غشيه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله
المريض مما [لا] عزيمة(١) له فيه فيجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين وقد كان
أصحابه يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتم، كما راجعوه يوم الحديبية في
الخلاف وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد
منهم. ومعلوم أنه وَ ﴿ وإن كان الله (تعالى) رفع درجته فوق الخلق كلهم لم ينزهه من سمات
الحدوث والعوارض البشرية، وقد سها في الصلاة فينبغي أن يتوقف في مثل هذا حتى يتبين
حقيقته، فلهذا المعنى وشبهه راجعه عمر رضي الله وَّر. وفي شرح مسلم قال القاضي عياض:
أهجر رسول الله ﴿ هكذا في صحيح مسلم، وغيره أهجر على الاستفهام وهو أصح من رواية
من روى هجر بغير همز لأنه لا يصح منه وَلاير، لأن معنى هجر هذي. وإنما جاء هذا من قائله
استفهاماً للإنكار على من (٢) قال: لا تكتبوا، أي لا تتركوا أمر رسول الله وق لقه وتجعلوه كأمر من
هجر في كلامه لأنه وَ يهو لا يهجر. وإن صحت الرواية الأخرى كانت خطأ من قاتلها لأنه قالها
بغير ثبت لما أصابه من الحيرة والدهشة لعظم ما شاهده من النبي وسيقر في هذه الحالة الدالة على
(١) في المخطوطة ((عزيمته).
(٢) في المخطوطة ((ما)).

١٧٩٤
١١٦
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه وَّفير من مكة ووفاته
استفهموه، فذهبوا يَرُدُّونَ عليه. فقال: ((دعوني، ذروني، فالذي أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إِليه)).
وفاته وخوف الفتن والضلال بعد حياته. أقول: لو صحت الرواية لزم حملها على تقدير
الاستفهام كما يدل عليه قوله: (استفهموه) بكسر الهاء، وفي بعض النسخ بفتحها. هذا وفي
فتح الباري قوله: أهجر. بهمزة عند جميع رواه البخاري في كتاب المغازي. وفي رواية في
الجهاد بلفظ: قالوا هجر. بغير همزة. وعند الكشميهني: فقالوا: هجر هجر. قال القاضي:
معنى أهجر أفحش. يقال: هجر الرجل إذا هذى، وأهجر إذا فحش وتعسف، فإنه يستلزم
سكون الهاء. والروايات كلها إنما هي بفتحها. وقد تكلم القاضي وغيره في هذا الموضع
فلخّصه القرطبي تلخيصاً حسناً ثم لخصته من كلامه. وحاصله أن قوله: هجر، الراجح فيه
إثبات الهمزة الاستفهامية وبفتحات على أنه فعل ماض، والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض
مما لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته، ووقوع ذلك منه والر مستحيل لأنه معصوم في صحته
ومرضه لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم - ٣ و٤]. ولقوله
وَله: ((إني لا أقول في الغضب والرضا إلا حقاً)(١). وإذا عرفت ذلك فإنما قال من قال منكراً
على من يتوقف في امتثال أمره بإحضار أسباب الكتابة، فكأنه قال: أتتوقف في ذلك أتظن أنه
بتغيره يقول الهذيان في مرضه امتثل أمره وأحضر ما طلبه، فإنه لا يقول إلا الحق. وهذا أحسن
الأجوبة. قال: ويحتمل أنه قال ذلك عن شك عرض له ولكن يبعد أن لا ينكره الباقون عليه
مع كونهم من كبار الصحابة ولو أنكروه لنقل، ويحتمل أن يكون الذي صدر منه قال ذلك من
دهشته وحيرته كما أصاب كثيراً منهم عند موته. وقال غيره: يحتمل أن قائل ذلك أراد اشتداد
وجعه [فأطلق اللازم وأراد الملزوم لأن الهذيان الذي يقع من المريض ينشأ عن شدة مرضه
واشتداد وجعه]. وقيل: قال لإرادة سكوت الذين لغطوا ورفعوا أصواتهم عنده فكأنه [قال إن]
ذلك يؤذيه ويفضي في العادة إلى ذلك. ويحتمل أن يكون قول: أهجر. فعلاً ماضياً من الهجر
بفتح أوّله وسكون ثانيه والمفعول محذوف، أي الحياة. وذكر بلفظ الماضي مبالغة لما رأى من
علامات الموت عليه. قلت: ويظهر ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبي ويكون قائل
ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام. اهـ. وأقول هذا بعيد من [المرام] ومقام الكرام فإن
مثله لا يكون مع الأصحاب الفخام وعلى التنزل فلا يسكتون عنه من غير زجر ولو بالكلام والله
أعلم بحقيقة المرام. (فذهبوا) أي فشرع بعض أصحابه (يردون عليه) أي هذا الرأي صريحاً
بخلاف قول عمر فإنه كان تلويحاً (فقال: دعوني) أي اتركوني (ذروني) بمعناه تأکید له.
والمعنى: دعوني من النزاع واللغط الذي شرعتم (٢) فيه (فالذي أنا فيه) أي من مراقبة الله تعالى
والتأهب للقائه والتفكر في ذلك ونحوه. (خير مما تدعونني إليه) أي أفضل مما أنتم عليه من
الاختلاف واللغط. قال الخطابي: وقد روي عن النبي ◌َّر أنه قال: اختلاف أمتي رحمة.
والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام أحدها في إثبات الصانع ووحدانيته وإنكار ذلك كفر. وثانيها
(١) أخرج الترمذي في السنن ٣١٤/٤ حديث رقم ١٩٩٠. قوله: ((إني لا أقول إلا حق).
(٢) في المخطوطة ((نزعتم).

١١٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه و # من مكة ووفاته
فأمرهم بثلاث: فقال: ((أَخرجُوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوَفْد بنحو ما كنت
أُجيزهم)). وسكتَ عن الثالثة، أو قالها فنسيتُها، قال سفيان: هذا من قول سليمان. متفق عليه.
٥٩٦٧ - (١٢) وعن أنس، قال: قال أبو بكر لعمر [رضي الله عنهما] بعد وفاة رسول
اللهِ وَلَّ: انطلقْ بنا إِلى أمّ أيمن نزورُها كما كان رسول الله وَلَه يزورُها،
في صفاته وإنكارها بدعة، وثالثها في أحكام الفروع المحتملة وجودها فهذا جعله الله تعالى
رحمة وكرامة للعلماء. وقال المازري: إن قيل: كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب
مع قوله: انتوني أكتب. فالجواب أن الأوامر يقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند
من قال أصلها الندب، ومن الوجوب إلى الندب عند من قال أصلها الوجوب. فلعله ظهر
منه ◌َّيهو من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم بل جعله إلى اختيارهم فاختلف
اختيارهم بحسب اجتهادهم. وهو دليل على رجوعهم إلى الاجتهاد في الشرعيات، وأدى
اجتهاد عمر رضي الله عنه إلى الامتناع. ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه وَ له من غير قصد
جازم. وكان هذا قرينة في إرادة عدم الوجوب والله أعلم. (فأمرهم بثلاث) أي خصال (فقال:)
تفسير لما قبله (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) مر بيانه في باب إخراج اليهود من جزيرة
العرب (وأجيزوا الوفد) أي أكرموا الوافدين عليكم والواصلين إليكم من حواليكم وأعطوهم!
الجائزة والعطية فيما لديكم. (بنحو ما كنت أجيزهم) أي كمية وكيفية. والتمييز فيما بينهم
بحسب ما يليق بهم. قال النووي: أمر ◌َّر بإكرام الوفود وضيافتهم تطبيباً لنفوسهم وترغيباً
لغيرهم من المؤلفة. وقالوا: سواء كان الوفد مسلمين أو كفاراً لأن الكافر إنما يفد غالباً فيما
يتعلق بمصالحنا ومصالحه. (وسكت) أي ابن عباس (عن الثالثة) أي نسياناً منه أو اقتصاراً (أو
قالها) أي ذكرها (فنسيتها) وفي نسخة بضم النون وتشديد السين (قال سفيان:) الظاهر أنه ابن
عيينة (هذا) أي قوله: سكت. (من قول سليمان) أي الأحول. قال النووي: الساكت هو ابن
عباس والناسي سعيد بن جبير. قال مهلب: والثالثة تجهيز جيش أسامة. وقال القاضي عياض:
ويحتمل أنه قوله {وَلاهو: لا تتخذوا قبري وثناً يعبد. (متفق عليه).
٠٩٧
٥٩٦٧ - (وعن أنس قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما) بصيغة التثنية لجلالتهما أو
لكونه من مقول أنس. وفي نسخة عنهم بصيغة الجمع ليعم أنساً. (بعد وفاة رسول الله وَالآتى:
انطلق بنا إلى أم أيمن) هي أم أسامة بن زيد بن حارثة كانت مولاة النبي وَل ﴿ فزوّجها زيداً.
واسمها بركة وهي حاضنة النبي وَّو ورثها النبي ◌َّ عن أبيه عبد الله، وكانت تسقي الماء
وتداوي الجرحى وكانت من الحبشة وتوفيت بعد عمر بعشرين يوماً. وأما زيد فملكته خديجة
الكبرى فاستوهبه 18 فوهبته له فأعتقه ◌ّ و كذا ذكره بعض المحققين. ولم يذكر المؤلف أم
أيمن في أسمائه (نزورها كما كان رسول الله ( * يزورها) استئناف بيان كأنه قيل: لم ننطلقٍ
اٹےہ
الحديث رقم ٥٩٦٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٠٧/٤ حديث رقم (١٠٣. ٢٤٥٤). وأخرجه ابن
ماجه في السنن ٥٢٣/١ حديث رقم ١٦٣٥.

١١٨
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه وَلقر من مكة ووفاته
فلمَّا انتهيا إِليها بكتْ. فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمينَ أنَّ ما عندَ اللَّهِ خيرٌ لرسول الله وَّرَ؟
فقالت: إِني لا أبكي أنّي لا أعلم أنَّ ما عندَ الله تعالى خيرٌ لرسول الله وَلِّ، ولكن أبكي أنَّ
الوحيّ قد انقطع من السَّماءِ، فهيَّجتْهُما على البكاءِ، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم.
٥٩٦٨ _ (١٣) وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج علينا رسولُ اللهِوَ لَّ فى مرضه
الذي مات فيه، ونحن في المسجد، عاصباً رأسَهُ بخرقةٍ، حتى أهوى نحو المنبر، فاستوى
عليه واتَّبعناه، قال: ((والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا)) ثم قال: ((إِنَّ
عبداً عُرضتْ عليه الدنيا وزينتُها، فاختار الآخرة)) قال: فلم يفطن
إليها، فأجيب نزورها لأنها مستحقة لذلك فهو أفخم بلاغة من أن لو قيل: نزورها حسب ما
اقتضاه تعظيم المزور. (فلما انتهينا) أي أنا والشيخان وهو كذا بصيغة المتكلم في نسخ صحيح
مسلم، وفي بعض نسخ المشكاة فلما انتهيا بصيغة التثنية، أي وصل أبو بكر وعمر. (إليها
بكت. فقالا لها: ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله وَلقر. فقالت: إني لا أبكي
أني لا أعلم) بفتح الهمز على أنه مفعول له لقوله: لا أبكي. والمعنى: لا أبكي لأني لا أعلم
(أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله وَ #) أي لأن هذا أمر ظاهر وظهوره باهر. (ولكن أبكي
أن) أي لأن (الوحي) أي بالأحكام الإلهية السماوية (قد انقطع من السماء. فهيجتهما) بتشديد
الياء أي فحملتهما (على البكاء فجعلا يبكيان معها) والبكاء بهذا المعنى لا ينقطع إلى آخر الدنيا
(رواه مسلم).
٥٩٦٨ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله والفي في
مرضه الذي مات فيه ونحن في المسجد) حال من المفعول وهو قوله: علينا. (عاصباً رأسه)
حال من ضمير فاعل خرج، أي رابطاً رأسه. (بخرقة) أي عصابة (حتى) غاية لخرج أي إلى أن
(أهوى) أي قصد (نحو المنبر) أي إلى جهته (فاستوى عليه وأتبعناه) بهمزة قطع وإسكان تاء،
وفي نسخة بهمز وصل وتشديد تاء، أي لحقناه وتبعناه بأن قعدنا تحت المنبر قريباً لديه
ومتوجهاً إليه وَّر. (قال:) أي بعد الحمد والثناء (والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض) أي
الكوثر (من مقامي هذا) لما ورد من قوله: ((ومنبري على حوضي))(١). وقد سبق بيانه وتحقق
شأنه. (ثم قال: إن عبداً) أي عظيماً وعند الله وجيهاً كريماً (عرضت عليه الدنيا وزينتها) أي
الفانية (فاختار الآخرة) أي ونعمتها الباقية. وقد قال بعض العارفين: لو خير العاقل بين قدحين
أحدهما خزف باق والآخر ذهب فانٍ اختار الخزف الباقي على الذهب الفاني، فكيف والأمر
بالعكس فإن الآخرة ذهب باق والدنيا خزف فان، كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿والآخر خير
وأبقى﴾ [الأعلى - ١٧]. (فلم يفطن) بفتح الطاء ويضم من بابي فرح ونصر على ما في
الحديث رقم ٥٩٦٨: أخرجه الترمذي في السنن ٥٦٧/٥ حديث رقم ٣٦٥٩. والدارمي في السنن ٤٩/١
حديث رقم ٧٧. وأحمد في المسند ٣/ ٩١.
(١) متفق عليه البخاري ٩٩/٤ حديث رقم ١٨٨٨ ومسلم ١٠١١/٢ حديث رقم ١٣٩١.

١١٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه لغير من مكة ووفاته
لها أحدٌ غيرَ أبي بكر، فذرفت عيناه، فبكى، ثمَّ قال: بل نفديك بآبائنا وأمَّهاتِنا وأنفسنا
وأموالِنا يا رسولَ الله! قال: ثمَّ هبط فما قام عليه حتى الساعة. رواه الدارمي.
٥٩٦٩ - (١٤) وعن ابن عبّاس، قال: لما نزلت ﴿إِذا جاء نصر الله والفتح﴾ دعا
رسولُ اللهِ وَ﴿ فاطمة قال: ((نُعِيَتْ إِليَّ نفسي)) فبكت قال: ((لا تبكي فإِنك أوَّلَ أهلي لاحقٌ
بي)) فضحكت، فرآها بعضُ أزواج النبيّ وَّرَ فقلن: يا فاطمةُ رأيناكِ بكيتِ ثم ضحِكتِ.
قالت:
المصباح. وفي القاموس: فطن به وإليه، وله كفرح ونصر وكرم. فتبين أن ما في بعض النسخ
من كسر الطاء سهو قلم نشأ من قلة فطانة الكاتب، والمعنى لم يتفطن. (لها) أي لهذه النكتة أو
للوفاة ولم يفهمها. (أحد غير أبي بكر) بالرفع على البدلية وينصب، أي إلا أبا بكر فإنه عرفها.
(فذرفت عيناه) أي سالت دموع أبي بكر (فبكى ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا
وأموالنا) أي عبيدنا وإمائنا وغيرهما لو كان جاز الفداء بشيء منها أو بجميعها. (قال:) أي أبو
سعيد (ثم هبط) أي نزل (عن المنبر فما قام عليه حتى الساعة) أي إلى الآن. قال الطيبي: حتى
هي الجارة، والمراد بالساعة القيامة. يعني: فما قام عليه بعد ذلك في حياته (رواه الدارمي).
٥٩٦٩ - (وعن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾) أي إلى آخر
السورة المشيرة إلى حصول الكمال المستعقب للزوال فكأنه قال: إذا صحت نصرتك فاشتغل
بخدمتك من تنزيه ربك وشكر نعمتك، فقد تم المقصود من بعثتك. (دعا رسول الله وَلافي
فاطمة) أي طلبها (قال:) استئناف بيان أو حال (نعيت إلى نفسي) بصيغة المجهول المؤنث، أي
أخبرت بأني أموت. قال الطيبي: ضمن نعي معنى الإنهاء وعدي بإلى أي أنهى إلي نعي
نفسي، كما تقول: أحمد إليك فلاناً. يقال: نعى الميت ينعاه، إذا أذاع موته وأخبر به. ولعل
السر في ذلك أنه تعالى رتب قوله: ﴿فسبح بحمد ربك﴾ [النصر - ٣]. على مجموع قوله:
﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس [يدخلون في دين الله أفواجاً]﴾ [النصر - ٢ - ٣]. فهو
أمر لرسول الله ﴿ بخاصة نفسه من الثناء على الله بصفات الجلال حامداً له على ما أولى من
النعم بصفات الإكرام، وهي بذل المجهود فيما كلف به من تبليغ الرسالة ومجاهدة أعداء
الدين، وبالإقبال على العبادة والتقوى والتأهب للمسير إلى المقامات العليا واللحوق بالرفيق
الأعلى. (فبكت) أي فاطمة رضي الله عنها حزناً على قرب فراقه. (قال: لا تبكي فإنك أول
أهلي لاحق بي فضحكت) أي فرحاً بسرعة وصاله (فرآها بعض أزواج النبي وَ*) يراد بها عائشة
رضي الله عنها، وجمعها في قوله: (فقلن) تعظيماً لشأنها ذكره الطيبي: ولا يبعد مشاركة غيرها
معها فيما رأتها وهو الظاهر من قوله: بعض أزواج النبي ◌َّتر، مع قوله: فقلن. (يا فاطمة
رأيناك بكيت ثم ضحكت) ولعلهن كن في مكان متأخر عنها، أو تسار النبي وَ لقر معها كما هو
مصرح في رواية أخرى حيث امتنعت عن الجواب حينئذ، ثم أخبرت بعد موته وص له. (فقالت:)
الحديث رقم ٥٩٦٩: أخرجه الدارمي في السنن ٥١/١ حديث رقم ٧٩.

١٢٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة أصحابه وطهر من مكة ووفاته
إِنه أخبرني أنه قد نُعيَتْ إِليه نفسه فبكيتُ، فقال لي: لا تبكي فإِنك أوَّلُ أهلي لاحقٌّ بي
فضحكتُ. وقال رسول الله وَّهِ: ((إِذا جاء نصرُ الله والفتح، وجاءَ أهل اليمن، هم أرقُّ
أفئدةً، والإِيمان يمانٍ، والحكمة يمانية)). رواه الدارمي.
٥٩٧٠ - (١٥) وعن عائشة، أنها قالت: وارأساه! قال رسول الله وَلقوله: ((ذاك
والنسخة الصحيحة: قالت. (إنه أخبرني أنه قد نعيت إليه نفسه فبكيت. فقال: لا تبكي فإنك
أول أهلي لاحق بي. فضحكت.) قال الأكمل: والصحيح أنها عاشت بعده ستة أشهر، وقيل
ثمانية أشهر، وقيل ثلاثة أشهر، وقيل شهرين، وقيل سبعين يوماً. (وقال رسول الله وله: ﴿إذا
جاء نصر الله والفتح﴾. وجاء أهل اليمن) عطف على جاء نصر الله، وتفسير لقوله تعالى:
﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً﴾. وإيذان بأن المراد بالناس هم أهل اليمن ([هم]
أرق أفئدة) أي أرحم قلوباً وألين صدوراً (والإيمان يمان) أي يمني والألف عوض عن ياء
النسبة. قيل: إنما قال ذلك لأن الإيمان بدأ من مكة وهي تهامة وتهامة من أرض اليمن، ولذا
يقال الكعبة اليمانية. وقيل: إنه قال هذا القول وهو بتبوك، ومكة والمدينة يومئذ بينه وبين
اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة، وقال أبو عبيد: المراد بهم الأنصار لأنهم
يمانيون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره. وقال الشيخ أبو عمر: بل المراد به
أهل اليمن كما هو الظاهر، نسب الإيمان إليهم إشعاراً بكماله فيهم لأن من اتصف بشيء وقوي
قيامه به نسب ذلك الشيء إليه، لا أن في ذلك نفياً له(١) عن غيره. فلا منافاة بينه وبين
قوله ◌َلير: ((الإيمان في أهل الحجاز)). ثم المراد بهم الموحدون في ذلك الزمان لا كل أهل
اليمن في جميع الأحيان. (والحكمة) وهي عبارة عن إتقان العلم والعمل. وقيل الإصابة في
القول والفعل، وهما متقاربان. قال تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد
أوتي خيراً كثيراً﴾ [البقرة - ٢٦٩]. وقال الطيبي: الحكمة كل كلمة صالحة تمنع صاحبها عن
الوقوع في المهالك. (يمانية) بتخفيف الياء، وكذلك الألف فيه عوض. وحكى المبرد وغيره.
أن التشديد لغة. (رواه الدارمي) وفي الجامع الصغير: الإيمان يمان. رواه الشيخان عن ابن
مسعود(٢). وروى ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية عن أنس: الحكمة تزيد الشريف
شرفاً وترفع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك(٣). وفي رواية لابن عدي وابن لال عن
أبي هريرة: الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت (٤).
١٠
٥٩٧٠ - (وعن عائشة أنها قالت:) أي لشدة صداع بها (وارأساه) ندبت رأسها وأشارت
إلى الموت (فقال رسول الله ياتي: ذاك) بكسر الكاف إشارة إلى ما يستلزمه المريض من الموت
(٢) الجامع الصغير ١٨٥/١ حديث رقم ٣٠٩٧.
(١) في المخطوطة ((نفسي)).
(٣) ابن عدي وأبو نعيم في الحلية.
(٤) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢٣٣/١ حديث رقم ٣٨٢٨.
الحديث رقم ٥٩٧٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٠١٢٣/١٠ حديث رقم ٥٦٦٦.
True
مج؟
: ٢٠١٢٧٦٣٠
959n