Indexed OCR Text

Pages 1-20

مِنْ قَاءُ الْمُفَـ
لَعَلَّمَة الشَّيَخِ عَلي بن سُالطَان ◌َّ الْقَارِي المتوفِ سَنة؟ !. ١هـ
مرح شكاة المصاريج
للإمَام العلامة محمدبن عَبد الله الخطيب التبريزي المتوفى سنة ١٤١هـ
تحقيق
الشَّيَخ ◌َالٌ عَيْنَافي
وضعنا متى المشكاة في أعلى الصفحات، ووضعنا أسفل منها فصّ مرقاة
المفاتيح؟ وأنحقنافي آخر المجلّ الحادي عشر كتابٌ الإكمال في أسماء الرجال"
وهو ترا جم رَال المشكاة للعلامة التبريزي
الجزء الحادي عشر
المحْتَوَى
كِتَابُ الفَضَائِلِوالتَّائِلِ كَتَّابُ المنَاقِبَ
تَرَاجِمُ رِجَال المشكاة
منشورات
محمد عَلى بيضون
لِنِشْرِكْتِ السُنّةِ وَالجَمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
nury
.٨

جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyroutn - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98.
P.O.Box : 1 1 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iere Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 1 1 - 9424 Beyrouth - Liban

بسم الله الرحمن الرحيم
(٧) باب في المعجزات
الفصل الأول
٥٨٦٨ - (١) عن أنس بن مالكٍ، أنَّ أبا بكر الصديق رضيَ الله عنه قال: نظرتُ إِلى
أقدام المشركينَ على رؤوسنا ونحنُ في الغارِ، فقلتُ: يا رسول الله! لو أنَّ أحدَهم نظرَ إِلى
قدمِه أبصرَنا، فقال: ((يا أبا بكرٍ! ما ظنُّكَ
(باب في المعجزات)
المعجزة مأخوذ من العجز الذي هو ضد القدرة. وفي التحقيق المعجز فاعل العجز في
غيره وهو الله سبحانه. وسميت دلالات صدق الأنبياء وأعلام الرسل معجزة لعجز المرسل
إليهم عن معارضتهم بمثلها. والهاء فيها إما للمبالغة كعلامة ونسابة، وإما أن يكون صفة
لمحذوف كآية وعلامة ذكره الطيبي.
(الفصل الأوّل)
٥٨٦٨ - (عن أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه) بصيغة الإفراد في أصح
النسخ بناء على نهاية خصوصيته وغاية مزيته لا سيما في هذا المقام، فإنه بالنسبة إلى أنس
كالسيد والغلام نظراً إلى أنه الأستاذ، وإليه الإسناد مع احتمال أن الترضية من كلام أنس. وفي
نسخة رضي الله عنهما جمعا بينهما لأداء حقوقهما وأصل استحقاقهما. (قال: نظرت إلى أقدام
المشركين على رؤوسنا) أي كأنها فوق رؤوسنا (ونحن) أي أنا ورسول الله وَّر (في الغار) اللام
للعهد الذهني، نحو قوله تعالى: ﴿إذ هما في الغار﴾ [التوبة - ٤٠]. أي غار ثور للاختفاء من
الكفار على قصد الهجرة إلى الدار. قال الطيبي: الغار نقب في أعلى ثور وهو جبل بمنى مكة
على مسيرة ساعة أي ساعة نجومية، أو المراد بها مدة قليلة. قيل: طلع المشركون فوق الغار
في طلب سيد الأبرار فأشفق أبو بكر على رسول الله وَ ﴿ وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله.
وقال أيضاً: من كمال الاضطراب خوفاً على ذلك الجناب ما رواه أنس عنه. (فقلت: يا رسول
الله لو أن أحدهم نظر إلى قدمه) أي موضعها (أبصرنا) أي لتقابلنا (فقال: يا أبا بكر ما ظنك
الحديث رقم ٥٨٦٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٨/٧. حديث رقم ٣٦٥٣. ومسلم في صحيحه ٤/
١٨٥٤ حديث رقم (٢٣٨١/١). والترمذي في السنن ٢٦٠/٥ حديث رقم ٣٠٩٦ وأحمد في
المسند ٤/١.
٣

١٠/١٤٣٠
١٠٠٥٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
٤
بائنينِ اللَّهُ ثالثُهما؟)). متفق عليه.
٥٨٦٩ _ (٢) وعن البراء بن عازبٍ، ع أبيهِ، أنه قال لأبي بكرٍ: يا أبا بكرٍ! حدِّثني كيف
صنعتُما حين سرّيتَ معَ رسولِ الله وََّ؟ قال: أسرَينا ليلتَنا ومنَ الغدِ، حتى قامَ قائمٌ الظهيرةِ
باثنين الله ثالثهما) فنزل قوله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني
اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة - ٤٠]. ونسبة إلا خراج
إليهم لكونهم سبباً لخروجه بأمر الله إياه لحكمة أراد[ها] الله. روي أن رسول الله وَ لچر قال:
اللهم أعم أبصارهم. فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله بأبصارهم عنه. اهـ.
ولا يخفى أن القصة بانضمام هذه الرواية وما في معناه من قضية الحمامة والعنكبوت حيث
أظهرها الله في عيونهم على باب الغار تصير معجزة. هذا وقال الطيبي: معنى قوله: الله
ثالثهما. جاعلهما ثلاثة بضم نفسه تعالى إليهما في المعية المعنوية التي أشار إليها بقوله
سبحانه: ﴿إن الله معنا﴾. ثم قال: فإن قلت: أي فرق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى
وهارون: ﴿لا تخافا إنني معكما﴾ [طه - ٤٦]. قلت: بينهما بون بعيد لأن معنى قوله: معكما.
ناصركما وحافظكما من مضرة فرعون. ومعنى قول الله: ثالثهما. إن الله تعالى جاعلهما ثلاثة
فيكون سبحانه أحد الثلاثة وإن كل واحد منهم مشترك فيما له وعليه من النصرة والخذلان. فإن
قلت: ما الفرق بين قول الله ثالثهما وبين قوله: ثالثهما الله. قلت: يفيد الأول أنهما مختصان
بأن الله ثالثهما وليس بثالث غيرهما، وفي عكسه يفيد أن الله تعالى ثالثهما لا غيره وكم بين
العبارتين. وقال أكمل الدين في شرح المشارق: استشكل بأن في قوله: ثالثهما. إطلاق الثالث
على الله وهو كلام حق ليس فيه زيغ. وفي قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث
ثلاثة﴾ [المائدة - ٧٣]. إطلاق الثالث عليه كفر وكفر القائلون به فما سبب ذلك. أجيب بأن في
الحديث إضافة الثالث إلى عدد أنقص منه بواحد وذلك بمعنى التصيير وهو مصير كل شيء.
وفي الآية إضافته إلى عدد مثله وذلك بمعنى واحد منهم، تعالى وتقدس. قلت: وكذا زال
الإشكال به من قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو
سادسهم﴾. حيث لم يقل [ثالثهم] وخامسهم. ثم رفع وهم المعية الكائنة بالحجة السيحانية
والبينة البرهانية حيث عمم الحكم بقوله: ﴿ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما
كانوا﴾ [المجادلة - ٧] الآية. (متفق عليه).
١٣٠/١٠
١٢٢٠/١
٥٨٦٩ - (وعن البراء بن عازب) صحابيان جليلان (عن أبيه أنه قال لأبي بكر: يا أبا بكر
حدثني كيف صنعتما حين سريت) من سرى لغة في أسرى بمعنى السير في الليل، أي حين
سافرت من مكة إلى المدينة للهجرة بعد الخروج من الغار. (قال: أسرينا ليلتنا) أي جميعها
(ومن الغد) أي وبعضه وهو نصفه كما يفيده قوله: (حتى قام قائم الظهيرة) أي بلغت الشمس
الحديث رقم ٥٨٦٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٢٢/٦. حديث رقم ٣٦١٥. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٣٠٩ حديث رقم (٢٠٠٩/٧٥). وأحمد في المسند ٢/١.

كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
وخَلا الطريقُ لا يمرُّ فيه أحدٌ، فرُفِعتْ لنا صخرةٌ طويلةٌ، لها ظلُّ لم يأتِ عليها الشمسُ،
فنزلنا عندَها، وسَوَّيتُ للنبيِّ ◌ََّ مكاناً بيديَّ ينامُ عليه، وبسطتُ عليه فروةً، وقلتُ: نمْ يا
رسولَ الله! وأنا أنفضُ ما حولكَ، فنامَ وخرجتُ أنفضُ ما حولَه، فإِذا أنا براعٍ مقبلٍ. قلتُ:
أفي غنمكَ لبنّ؟ قال: نعم، قلتُ: أفتحلبُ؟ قال: نعم. فأخذَ شاةً فحلبَ في قَعْبٍ كُتْبَةً
من لبنٍ، ومعي إِداوَةٌ حملتُها للنبيِّ وَّهِ يَرتوي فيها، يشربُ
وسط السماء. ففي النهاية: أي قامت الشمس وقت الزوال من قولهم: قامت به دابته أي
وقفت. والمعنى: إن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيحسب
الناظر أنها قد وقفت وهي سائرة لكن سيراً لا يظهر له أثر سريع كما يظهر قبل الزوال وبعده،
فيقال لذلك الوقوف المشاهد قام قائم الظهيرة. (وخلا الطريق) أي صار خالياً عن مرور الفريق
(لا يمر فيه أحد) تأكيد لما قبله أو بيان (فرفعت لنا صخرة طويلة) أي أظهرت. قال الطيبي:
ومنه رفع الحديث وهو إذاعته وإظهاره، وفيه بحث لأن الحديث المرفوع خاص بما أسند
إليه ◌َّي وسمي الحديث به لأنه يحصل له كمال الرفعة بسببه. (لها) أي لتلك الصخرة (ظل) أي
عظيم من صفته (أنه لم تأت) بالتأنيث ويذكر، أي لم تحكم عليه. (الشمس) أي بشعاعها حينئذ
(فنزلنا عندها) أي عند الصخرة (وسؤّيت للنبي ولي مكاناً بيدي) بصيغة التثنية إشعاراً بزيادة
الاهتمام في الخدمة. (ينام عليه) استئناف تعليل أو صفة لمكاناً. (وبسطت عليه فروة) أي
وفرشت على المكان جلداً بشعره. (وقلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض ما حولك) بضم الفاء
أي أتجسس الأخبار وأتفحص عن العدو وأرى هل هناك مؤذ من عدوّ وغيره. من النفض الذي
هو سبب النظافة من نحو الغبار. وفي النهاية: أي أحرسك وأطوف هل أرى طلباً، يقال:
نفضت المكان إذا نظرت جميع ما فيه، والنفضة بفتح الفاء وسكونها والنفيضة قوم يبعثون
متجسسين هل يرون عدوّاً أو خوفاً. (فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل) بالجر
صفة راع، ومعناه: جاء من قبلنا ومن جهة قدامنا. (قلت: أفي غنمك لبن. قال: نعم. قلت:
أفتحلب) بضم اللام ويجوز كسرها على ما في القاموس. والمعنى: أفتحلبها لي. (قال: نعم.
فأخذ شاة فحلب في قعب) بفتح القاف وسكون العين أي في قدح من خشب مقعر (كثبة) بضم
الكاف وسكون المثلثة فموحدة أي قدر حلبته. (من لبن) وقيل: ملء القدح من اللبن. فقوله:
من لبن على قصد التجريد أو لمزيد التأكيد. (ومعي إداوة) بكسر الهمز، أي ظرف ماء مطهرة
أو سقاية. (حملتها للنبي (9) أي خاصة أو خالصة في النية وقصد الطوية (يرتوي فيها) قال
التوربشتي: رويت من الماء بالكسر وارتويت وترويت كلها بمعنى. قال الطيبي: فعلى هذا
ينبغي أن يقال يرتوي منها لا فيها. قلت: في القاموس أن في تأتي بمعنى(١) من، أو التقدير
يرتوي من الماء فيها. وقال النووي: معنى يرتوي فيها جعل القدح آلة للري والسقي ومنه
الرواية الإبل التي يستقى عليها الماء. اهـ. فعلى هذا يكون في بمعنى الباء. ثم قوله: (يشرب
(١) في المخطوطة ((بسبب)).
أسود

٦
/ ٠٥٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
ويتوضَّأ، فأتيتُ النبيَّ وَِّ فكرهتُ أن أُوقظَه، فوافقتُه حتى استيقظَ، فصَبَبْتُ من الماءِ على
اللبنِ حتى برَدَ أسفلُه، فقلتُ: اشربْ يا رسولَ الله! فشربَ حتى رضيتُ، ثمّ قال: ((أَلم يأَنِ
لِلرَّحيلِ؟)) قلتُ: بَلى قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشمسُ، واتَّبَعَنا سُراقةُ بنُ مالكِ، فقلتُ:
أُتينا يا رسولَ الله! فقال: ﴿لا تحزنْ إِنَّ اللَّهَ معَنا﴾ فَدَعا عليه النبيُّ وَِّ، فارتطمتْ بهِ فرسُه
إِلى بطنِها في جَلدٍ منَ الأرضِ. فقال: إِني أراكُما دعوتُما عَليَّ، فادْعُوَا لي، فاللَّهُ لكُما أنْ
أرُدَّ عنكُما الطلبَ،
ـسيـ
...
ويتوضأ) مستأنفان للبيان والجملة، أعني قوله: ومعي الخ حالية معترضة بين قوله: فحلب
وقوله: (فأتيت النبي ◌َّ#) أي باللبن (فكرهت أن أوقظه) أي أنبهه من النوم لاستغراقه فيه
(فوافقته) بتقديم الفاء على القاف في النسخ المصححة أي تأنيت به (حتى استيقظ) وأبعد من
قال أي فوافقته في النوم، إلا أن يقال المعنى فوافقته في اختياره النوم لأن الإيقاظ نوع مخالفة
له. قال صاحب الخلاصة: وفي بعض نسخ البخاري، حين استيقظ، أي وافق إتياني وقت
استيقاظه. ويؤيده ما في بعض الروايات: فوافقته وقد استيقظ. وقال شارح: روي بتقديم
القاف على الفاء من الوقوف، والمعنى: صبرت عليه وتوقفت في المجيء إليه حتى استيقظ.
(فصببت من الماء) أي بعضه (على اللبن) أي تبريداً (حتى برد أسفله) كناية عن كثرته (فقلت:
اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت) أي طاب خاطري (ثم قال: ألم يأن للرحيل) من أنى
يأني إذا دخل وقت الشيء، والمعنى ألم يدخل وقت الرحيل كذا قاله شارح. والأظهر في
المعنى: ألم يأت وقت التحويل للرحيل، وهو السير الجميل إلى موضع النخيل فيطابق قوله
تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [الحديد - ١٦]. (قلت: بلى. قال:)
أي أبو بكر (فارتحلنا بعدما مالت الشمس) أي من وسط السماء وحصل برد الهواء. (واتبعنا)
بتشديد التاء الفوقية، وفي نسخة بهمزة قطع وسكون فوقية أي وقد لحقنا. (سراقة بن مالك)
بضم السين. قال المؤلف في فصل الصحابة: هو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكناني
كان ينزل قديداً ويعد في أهل المدينة روى عنه جماعة وكان شاعراً مجيداً. (فقلت: أتينا)
بصيغة المجهول أي أتانا العدوّ (يا رسول الله. فقال: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾. فدعا عليه
النبي وَ قارتطمت به فرسه) أي ساخت قوائمها كما تسوخ في الرمل (إلى بطنها في جلد)
بفتحتين أي صلب من الأرض (فقال: إني أراكما) بفتح الهمز من الرأي (دعوتما علي) أي
بالمضرة (فادعوا لي) أي بالمنفعة والنجاة من المشقة (فالله لكما) بالرفع وفي نسخة بالنصب.
قال شارح: هو مرفوع بالابتداء، أي فالله كفيل علي لكما أن لا أهم بعد ذلك لغدركما، أو
فالله مستجيب والفاء للسببية. وقوله: (أن أرد عنكما الطلب) متعلق بادعوا، أي لأن أرد أو
منصوب بإضمار فعل، أي أسأل الله لكما أن أرد عنكما الطلب أي طلب الكفار الذين
طلبوكما. كما وقال الأشرف: الجار محذوف وتقديره بأن أرد. وقوله: فالله لكما. حشو بينهما
ويمكن أن يقال: فالله مبتدأ أو لكما خبره. وقوله: أن أرد خبر ثان للمبتدأ. أو قال غيره: معناه
فادعوا لي كي لا يرتطم فرسي على أن أترك طلبكما ولا أتبعكما بعد. ثم دعا لهما بقوله: فالله
لكما، أي الله تعالى حافظكما وناصركما حتى تلبغا بالسلامة إلى مقصدكما. ويجوز أن يكون

٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
فَدَعا له النبيُّ وَّرَ فتَجا، فجعلَ لا يلقى أحداً إلا قال: كُفيتُم، ما ههنا، فلا يلقى أحداً إِلا
ردّه. متفق عليه.
٥٨٧٠ _ (٣) وعن أنسٍ، قال: سمع عبدُ الله بنُ سلام بِمقدَم رسولِ اللهِ وَّهِ وهو في
أرضٍ يخترفُ، فأتى النبيِّ وَّرَ فقال: إِني سائلُكَ عن ثلاثٍ لا يعلَمُهنَّ إِلا نبيٍّ: فما أوَّلُ
أشراطِ الساعةِ، وما أولُ طعام أهل الجنةِ؟ وما ينزعُ الولدُ إلى أبيهِ أو إلى أُمه؟
معناه: ادعوا لي حتى أنصرف عنكما فإن الله تعالى قد تكفل بحفظكما عني وحبسني عن البلوغ
إليكما. قال الطيبي: الفاء في فالله تقتضي يترتب ما بعدها عليه، فالتقدير: أدعوا لي بأن
أتخلص مما أنا فيه فإنكما إن فعلتما فالله أشهد لأجلكما أن أرد عنكما الطلب. ويؤيد هذا
التقدير ما في شرح السنة: والله على القسم أي أقسم بالله لكما على أن أرد الطلب عنكما.
(فدعا له النبي وَلقر فنجا) أي فتخلص من العناء كما رجا (فجعل) أي فشرع في الوفاء بما وعد
(لا يلقى أحداً) أي من ورائهما (إلا قال: كفيتم) بصيغة المفعول وفي نسخة: لقد كفيتم أي
استغنيتم عن الطلب في هذا الجانب لأني كفيتكم ذلك. (ما ههنا) أي ليس ههنا أحد فما نافية
على ما ذكره بعض الشراح. وقال الطيبي: ما ههنا بمعنى الذي، أي كفيتم الذي ههنا. اهـ.
والأوّل أظهر وهو أولى لما يستفاد منه التأكيد كما لا يخفى. كقوله: (فلا يلقى أحداً إلا رده)
أي بهذا المعنى (متفق عليه.) قال النووي: فيه فوائد منها هذه المعجزة الظاهره لرسول الله القول
والفضيلة الباهرة لأبي بكر رضي الله عنه من وجوه. وفيه خدمة التابع للمتبوع واستصحاب
الركوة ونحوها في السفر للطهارة والشرب. وفيه فضل التوكل على الله تعالى وحسن عاقبته.
٥٨٧٠ - (وعن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام وهو من أجلاء الصحابة
الكرام ومن أولاد يوسف عليه السلام وكان أولاً من أحبار اليهود وأعلمهم بالتوراة. فعلم
(بمقدم رسول الله وَر) بفتح الميم والدال أي بقدومه من مكة إلى المدينة (وهو) أي والحال أن
ابن سلام (في أرض) أي في بستان (يخترف) أي يجتني من الفواكه. (فأتى النبي (وَلِّ) أي
فجاءه (فقال: إني سائلك عن ثلاث) أي ثلاثة أشياء (لا يعلمهن إلا نبي) أي أو من يأخذ منه أو
من كتابه لئلا يشكل بأنه كان ممن يعلمها إما مجملاً أو مفصلاً، ولهذا صار جوابها معجزة له
وعلم يقين بنبوته عنده، وهو الظاهر من إيراد الحديث فى هذا الباب. ويمكن أن يكون قد
تحقق عنده معجزات أخر منضمة إلى هذا الجواب والله أعلم بالصواب. (فما أوّل أشراط
الساعة) أي علاماتها (وما أوّل طعام أهل الجنة وما ينزع) بكسر الزاي. يقال: نزع الولد إلى أبيه
إذا أشبهه ذكره في الغريبين. فالمعنى وما يشبهه. (الولد) بالنصب (إلى أبيه أو إلى أمه) أو
للتنويع ولعل المراد قومها أو أصل الشبه أو الحكم غالبي عادي. وفي نسخة برفع الولد وإليه
يشير ما قال الطيبي: أي ما سبب نزوع الولد وميله إلى أحد الأبوين. فحذف المضاف وأن
الحديث رقم ٥٨٧٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٦٢/٦. حديث رقم ٣٣٢٩. وأخرجه أحمد في
المسند ١٠٨/٣.
:47
:٤٠

٨
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
قال: ((أخبرني بهنَّ جبريلُ آنفاً؛ أمَّا أولُ أشراطِ الساعةِ فنارٌ تحشرُ النَّاسَ من المشرقِ إِلى
المغربِ. وأمَّا أولُ طعام يأكلُه أهلُ الجنةِ فزِيادةُ كَبِدِ حوتٍ، وإِذا سبَقَ ماءُ الرجل ماءَ المرأَةِ
نزَعَ الولدُ، وإِذا سبقَ ماءُ المرأةِ نزعتْ)). قال: أشهدُ أن لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وأنَّكَ رسولُ اللَّهِ! يا
رسولَ اللَّهِ! إِنَّ اليهودَ قومُ بُهْتْ، وإِنهم إِنْ يعلموا بإِسلامي من قبل أنْ تسألَهم يبهتونني.
فجاءتِ اليهودُ فقال: ((أيُّ رجلٍ عبدُ الله فيكم؟)) قالوا: خيرُنا وابنُ خيرِنا، وسيّدُنا وابنُ
سيدنا فقال: ((أرأيتم إِنْ أسلم عبدُ الله بنُ سلام؟)) قالوا: أعاذَه اللَّهُ من ذلكَ. فخرجَ عبدُ الله
٢٠٠٩٥٠٠
٠,٠٠
المصدرية من المضارع كما في قوله: أحضر الوغى. اهـ. والأظهر ما قال شارح: معناه أي
شيء يجذب الولد إلى أبيه في الشبه. (قال: أخبرني بهن جبريل) قاله دفعاً لتوهم أنه سمع
من بعض علماء أهل الكتاب. (آنفاً) بالمد ويقصر، أي هذه الساعة. (أما أوّل أشراط الساعة
فنار تحشر الناس) أي تجمعهم (من المشرق إلى المغرب. وأما أوّل طعام يأكله أهل الجنة)
أي المسمى بنزلاً المعبر عنه بما حضر وهو مقدمة بقية النعمة. (فزيادة كبد حوت) أي طرفها
وهي أطيب ما يكون من الكبد. وقد يقال: إنه الحوت الذي على ظهره الأرض وإذا جعل
الأرض طعمة لأهل الجنة فالحوت كالأدام لهم كذا ذكره شارح. وهو مشعر بأن هذه الطعمة
يوم القيامة لأهل الجنة. (وإذا سبق ماء الرجل) أي علا وغلب (ماء المرأة نزع الولد)
بالنصب أي جذب الرجل أو ماؤه الولد إلى شبهه، ويرفع (وإذا سبق ماء المرأة نزعت) أي
جذبت المرأة (الولد) وفي نسخة برفع الولد، وإليه ينظر ما قال المظهر: يعني إذا غلب ماء
الرجل أشبهه الولد وإذا غلب ماء المرأة أشبهها الولد. [قال الطيبي]: فعلى هذا التأنيث في
نزعت بتأويل السمة(١). وقال شارح: قوله: نزعت أي جذبت المرأة بالولد إلى مشابهتها
بسبب غلبة مائها، أو جذبت ماءها فأكسب التأنيث من المضاف إليه. اهـ. وأما نسبة الذكورة
والأنوثة (٢) فباعتبار مسابقة ماء الرجل وعكسه على ما ورد في حديث آخر. (قال:) أي ابن
سلام (أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله) ثم استأنف (وقال: يا رسول الله إن اليهود قوم
بهت) بضم موحدة وسكون هاء في النهاية هو جمع بهوت من بناء المبالغة في البهتان،
كصبور وصبر ثم سكن تخفيفاً. (وإنهم إن يعلموا بإسلامي من قبل أن تسألهم) أي عني
(بيهتوني) بتشديد النون ويخفف أي يبهتونني كما في بعض النسخ المصححة أي ينسبوني إلى
البهتان ويجعلوني مبهوتاً حيران ولم يكن إسلامي عليهم حجة واضحة البرهان. (فجاءت
اليهود) أي بإحضارهم أو اتفاقاً في مأتاهم وابن سلام في اختفاء عنهم. (فقال:) أي النبي
عليه الصلاة والسلام (أي رجل عبد الله فيكم) أي فيما بينكم أو في زعمكم ومعتقدكم
(قالوا: خيرنا وابن خيرنا) أي في الحسب من العلم والصلاح (وسيدنا وابن سيدنا) أي في
النسب أو في سائر مكارم الأخلاق (قال: أرأيتم) أي أخبروني (إن أسلم عبد الله بن سلام)
أي فهل تسلمون (قالوا: أعاذه الله من ذلك) أي معاذ الله أن يتصوّر هذا منه (فخرج عبد الله
(١) في المخطوطة ((السنة)).
(٢) في المخطوطة ((المذكورة والمؤنثة)).

٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
فقال: أشهدُ أن لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ الله. فقالوا: شرنا وابنُ شرِّنا، فانتقصوهُ.
قال: هذا الذي كنتُ أخافُ يا رسولَ الله! رواه البخاريُّ.
٥٨٧١ _ (٤) وعنه، قال: إِنَّ رسولَ اللهِ وَ شاورَ حينَ بلغَنا إقبالُ أبي سفيانَ، وقامَ
سعدُ بن عبادةَ، فقال: يا رسولَ الله! والذي نفسي بيده لو أمرتَنا أن نخيضَها البحرّ
لأَخَضْناها، ولو أمرتَنا أن نضربَ أكبادَها إِلى بَرْكِ الغمادِ
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالوا: شرنا) أي هو شرنا (وابن شرنا
فانتقصوه) من النقص وهو العيب (قال: هذا) أي هذا الانتقاص (هو الذي كنت أخاف) أي
أحذره وحملتك على سؤالهم تصديقاً لحالهم وشهادة على مقالهم (يا رسول الله. رواه
البخاري).
ج٣٥
٥٨٧١ _ (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (قال: إن رسول الله وَّ﴿ شاور) أي أهل
المدينة للامتحان (حين بلغنا إقبال أبي سفيان) أي بالعير من الشام إلى مكة (وقام سعد بن
عبادة) أي وقد قام من بين الصحابة وهو رئيس الأنصار وقال ما قال مما سيأتي. وإنما خص
بالقيام لأن سبب الاستشارة اختبار الأنصار لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال
وطلب العدوّ، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن قصده. فلما عرض له الخروج لعير أبي سفيان
أراد أن يعلم أنهم يوافقونه على ذلك أم لا فأجابوا أحسن [جواب] بالموافقة التامة في هذه
المرة وفي غيرها. وفيه حث على استشارة الأصحاب وأهل الرأي والخبرة. قال الطيبي: وذلك
أن قريشاً أقبلت من الشام فيها تجارات عظيمة ومعه أربعون راكباً منهم أبو سفيان فأعجب
المسلمين تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ مكة خبر خروجهم فنادى أبو
جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النجاء النجاء. فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة. فقيل له: إن
العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة. فقال: لا والله. فمضى بهم إلى
بدر ونزل جبريل فأخبر أن الله وعدكم إحدى الطائفتين. فقال رسول الله وَلقر: إن العير قد
مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقام سعد بن عبادة. (فقال: يا رسول الله
والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها) بضم النون وكسر الخاء، أي ندخل الدواب بقرينة
المقام ودلالة المرام. (البحر لأخضناها) قال القاضي: الإخاضة الإدخال في الماء والكناية
الخيل والإبل وإن لم يجر ذكرها بقرينة الحال. (ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها) قال القاضي:
ضرب الأكباد عبارة عن تكليف الدابة للسير بأبلغ مما يمكن. فالمعنى: لو أمرتنا بالسير البليغ
والسفر السريع. (إلى برك الغماد) أي مثلاً من المواضع البعيدة، وهو بفتح الموحدة وضم
الغين المعجمة ويكسران. قال شارح: ومنهم من يجعل كسر الغين وكسر الباء أصح الروايتين.
الحديث رقم ٥٨٧١: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٠٣/٣ حديث رقم (١٧٧٩.٨٣). وأبو داود في السنن
١٣٠/٣ حديث رقم ٢٦٨١. والنسائي في السنن ١٠٨/٤ حديث رقم ٢٠٧٤. وأحمد في المسند
٢١٩/٣.
١/٠

١٠
٦٠
٤١٥٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
الفعلنا. قال: فندبَ رسولُ اللهِ وَ﴿ الناسَ، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، فقال رسولُ اللهِ وَّل:
((هذا مصرعُ فلان)) ويضعُ يدَه على الأرضِ لهُهُنا وهُهُنا. قال: فما ماطَ أحدُهم عن موضعِ
يدِ رسولِ الله ◌َلچر. رواه مسلم.
٥٨٧٢ - (٥) وعن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النبيَّ بِِّ قال وهوَ في قُبَّةِ يومَ بدرٍ: «اللهُمَّ أَنْشُدُك
عهدَكَ ووعدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تشأُ لا تُعبَدْ بعدَ اليومِ»
قال النووي: هو بفتح الباء وإسكان الراء هو المشهور في كتب الحديث وروايات المحدثين.
وقال القاضي عياض عن بعض أهل اللغة: صوابه كسر الباء وكذا قيد شيوخ حديث أبي ذر في
البخاري، واتفقوا على أن الراء ساكنة إلا ما حكاه القاضي عن الأصيلي بإسكانها وفتحها وهذا
غريب ضعيف. والغماد بكسر الغين المعجمة وضمها لغتان مشهورتان، وأهل الحديث على
ضمها واللغة على كسرَها. قلت: رواية المحدثين أرجح وللاعتماد أصح. قال: وهو موضع
بأقصى هجر واختار غيره أنه موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل. وقيل: بلد من
اليمن. ثم قوله: (لفعلنا) جواب لو، ولعل وجه العدول عن ضربنا أكبادها إليه للإيجاز أو
للإيماء، إلى أن كل أمر صعب كالسير في بحر والسفر في بر لو أمرتنا بفعله لفعلنا. (قال:) أي
أنس (فندب) أي فدعا (رسول الله ◌َ ﴿ الناس) أي المهاجرين والأنصار فإنهم كانوا هم الناس
(فانطلقوا حتى نزلوا بدراً) وهو مشهد معروف ويأتي بيانه (فقال رسول الله وَلي:) أي لأصحابه
(هذا مصرع فلان) أي مقتل فلان من الكفار وهذا مهلك فلان وهذا مطرح فلان حتى عد سبعين
منهم. (ويضع يده على الأرض ههنا وههنا) إشارة إلى خصوص تلك القطع من الأرض لزيادة
توضيح المعجزة (قال:) أي أنس (فما ماط) أي ما زال وبعد وتجاوز (أحدهم) أي من الكفار
(عن موضع رسول الله مَّر. رواه مسلم).
١٢
٥٨٧٢ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله ◌َّفي قال وهو) أي والحال أنه
(في قبة يوم بدر) الحديث من جملة مراسيل الصحابة لأن ابن عباس ما حضر بدراً. والجملة
حالية معترضة بين القول ومقوله. وهو قوله: (اللهم أنشدك) بضم الشين أي أطلبك وأسألك
(عهدك) أي أمانك (ووعدك) أي انجازه (اللهم إن تشأ) أي عدم العبادة أو عدم الإِسلام أو
هلاك المؤمنين (لا تعبد) بالجزم على جواب الشرط (بعد اليوم) لأنه لا يبقى على وجه الأرض
مسلم. وفيه إشعار بأن الله سبحانه لا يجب عليه شيء، مع أنه لا خلف في وعده بل ولا في
وعيده من حيث إنه لا يجوز الخلف في خبره. فالخوف إنما هو لاحتمال استثناء مقدر أو قيد
مقرر أو وقت محرر وهذا مجمل المرام في هذا المقام. وأما تفصيل الكلام فقد قال
التوربشتي: يقال: نشدت فلاناً أنشده نشداً إذا قلت له: نشدتك الله أي سألتك بالله وقد
يستعمل في موضع السؤال. والعهد ههنا بمعنى الأمان. يريد: أسألك أمانك وإنجاز وعدك
الذي وعدتنيه بالنصر. فإن قيل: كان النبي ◌َّلتر أعلم الناس بالله وقد علم أن الله سبحانه لم يكن
٠٦:٠
الحديث رقم ٥٨٧٢: أخرجه البخاري في ٩٩/٦. حديث رقم ٢٩١٥. وأحمد في المسند ٣٢٩/١.
: ٤١٥

٠٧٧٢٠
١١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
فأخذَ أبو بكرٍ بيدِه فقال: حسبُكَ يا رسولَ الله!أَلحَحتَ على ربُّكَ، فخرجَ وهو يثبُ في
الدُرعِ وهو يقولُ: ﴿سيُهِزَّمُ الجمعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾)). رواه البخاري.
٥٨٧٣ _ (٦) وعنه، أنَّ النبيَّ وَّهِ قال يومَ بذرٍ: ((هذا جبريلُ آخذٌ برأسٍ فرسِه، عليه
أداةُ الحرب)).
ليعده وعداً فيخلفه فما وجه هذا السؤال. قلنا: الأصل الذي لا يفارق [هذا] الحكم هو أن
الدعاء مندوب إليه علم الداعي حصول(١) المطلوب أو لم يعلم. ثم إن العلم بالله يقتضي
الخشية منه ولا ترفع الخشية من الأنبياء عليهم السلام بما أوتوا ووعدوا من حسن العاقبة،
فيجوز أن يكون خوفه من مانع ينشأ ذلك من قبله أو من قبل أمته فيحبس عنهم النصر
الموعود. ويحتمل أنه وعد بالنصر ولم يعين له الوقت وكان على وجل من تأخر الوقت،
فتضرع إلى الله تعالى لينجز له الوعد في يومه ذلك. وأما ما أظهر من الضراعة فقيل: الأحسن
أن يقال: إن مبالغة رسول الله 18 في السؤال مع عظم ثقته بربه وكمال علمه كان به تشجيع
للصحابة وتقوية لقلوبهم لأنهم كانوا يعرفون أن دعاءه لا محالة مستجاب، لا سيما إذا بالغ
فيه. قلت: وفيه إشعار بأن من لم يقدر على المحاربة أو لم يؤمر بالمقاتلة فينبغي له حينئذ أن
يدعو بالنصرة ليحصل له ثواب المشاركة، فإنه * لما رأى أصحابه أنهم توجهوا إلى الخلق
رجع بنفسه إلى الذات المطلق وراجع ربه في طلب الحق. قال الطيبي: المراد بالوعد ما في
قوله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ [الأنفال - ٧]. ولعله وَ الثّ استحضر
معنى قوله تعالى: ﴿إن الله لغني عن العالمين﴾ [العنكبوت - ٦]. وقوله سبحانه: ﴿والله هو
الغني الحميد إن يشأ يذهبكم﴾ [فاطر - ١٥ - ١٦]. (فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك) أي
يكفيك ما دعوت (يا رسول الله ألححت على ربك.) أي بالغت فى السؤال، والجملة استئناف
بيان للحال. (فخرج) أي النبي وَلّر (من قبته وهو يثب) بكسر المثلثة المخففة قبل الموحدة من
الوثوب، أي يسرع فرحاً ونشارااً. (في الدرع) أي حال كونه في درعه للمحافظة، وعلى نية
المقاتلة. (وهو يقول:) أي يقرأ ما نزل عليه (﴿سيهزم الجمع﴾) أي جمع الكفار (﴿ویولون﴾)
أي ويدبرون (﴿الدبر﴾(٢).) بضمتين أي الظهر. وقال شارح: بضم الباء وسكونها. ثم الجملة
الثانية تأكيد للأولى ويمكن أن تكون الهزيمة كناية عن المغلوبية. والمعنى: سيغلب الجمع، بل
الحمل عليه أولى مراعاة للتأسيس كما لا يخفى. (رواه البخاري.) وكذا النسائي.
٥٨٧٣ - (وعنه) أي عن ابن عباس: (أن النبي ◌َّر قال يوم بدر:) قال النووي: بدر ماء
معروف على نحو أربع مراحل من المدينة بينها وبين مكة. قال ابن قتيبة: هو بئر كانت لرجل
يسمى بدراً. وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثانية من
الهجرة (هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه) أي على جبريل (أداة الحرب) أي آلته، ولعله وَله
(١) في المخطوطة ((خطاب)).
(٢) سورة القمر . آية رقم ٤٥.
الحديث رقم ٥٨٧٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٢/٧. حديث رقم ٣٩٩٥.

١٢
:١٥٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
رواه البخاري.
٥٨٧٤ - (٧) وعنه، قال: بينما رجلٌ منَ المسلمينَ، يومئذٍ يشتدُّ في إِثْرِ رجلٍ منَ
المشركينَ أمامَه، إِذٍ سمعَ ضربةً بالسَّوطِ فوقَه، وصوتُ الفارسِ يقولُ: أقدِمْ حَيزومُ. إِذْ نظرَ
إلى المشركِ أمامَه خرَّ مستلقياً، فنظرَ إِليه فإِذا هو قد خُطِمَ أنفُه وشُقَّ وجهُه كضربة السَّوطِ،
فاخْضَرَّ ذلك أجمعُ،
أظهر لأنس(١) حتى أبصره كما يشير إليه قوله. هذا لأنه في الأصل موضوع للمحسوس، وبهذا
يتبين وجه إيراد الحديث في باب المعجزات. (رواه البخاري).
٥٨٧٤ - (وعنه) أي عن ابن عباس(٢) رضي الله عنه (قال: بينما رجل) أي أنصاري (من
المسلمين يومئذ يشتد) أي يسرع ويعدو (في إثر رجل) بكسر الهمز وسكون المثلثة، وفي نسخة
بفتحهما أي في عقب رجل (من المشركين أمامه) أي واقع قدامه (إذا سمع) أي المسلم.
فالحديث من مراسيل الصحابة كما يدل عليه آخره. (ضربة) أي صوت ضربة (بالسوط فوقه)
أي فوق المشرك (وصوت الفارس يقول: أقدم) بفتح الهمزة وكسر الدال بمعنى اعزم (حيزوم)
أي يا حيزوم وهو اسم فرسه. وفي نسخة بضمهما بمعنى تقدم. قال النووي: هو بهمزة قطع
مفتوحة وبكسر الدال من الإقدام. قالوا: وهي كلمة زجر للفرس. أقول: فكأنه يؤمر بالإقدام
فإنه ليس له فهم الكلام. وأما بالنسبة إلى فرس الملك فيمكن حمله على الحقيقة أو على خرق
العادة. ويؤيده النداء باسمه والله أعلم. ثم قال: وقيل: بضم الدال وبهمزة وصل مضمومة من
التقدم(٣). والأوّل أشهرهما. وحيزوم اسم فرس الملك، وهو منادى بحذف حرف النداء وقال
شارح: سمي بأقوى ما يكون من الأعضاء منه وأشد ما يستظهر به الفارس في ركوبه منه، وهو
وسط الصدر وما يضم عليه الحزام. قلت: ويمكن أن يكون، فيعول للمبالغة من مادة الحزم
وهو شدة الاحتياط في الأمر. (إذا نظر) أي المسلم (إلى المشرك أمامه خر مستلقياً) أي سقط
على قفاه (فإذا هو) أي المشرك (قد خطم) بضم الخاء المعجمة من الخطم وهو الأثر على
الأنف. فقوله: (أنفه) للتأكيد أو إيماء إلى التجريد. وقال شارح المصابيح: أي كسر فظهر
أثره. اهـ. وهو يشعر بأن رواية المصابيح بالحاء المهملة كما لا يخفى، والحاصل أنه جرح
أنفه. (وشق وجهه) أي قطع طولاً (كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع) بتشديد الراء، أي صار
موضع الضرب كله أخضر أو أسود، فإن الخضرة قد تستعمل بمعنى السواد كعكسة للمبالغة.
(١) الأصح أن يقال ((لابن عباس)) لأنه هو راوي الحديث. إلا أن عبد الله كان صغيراً جداً يوم بدر. فكان
يناهز الخمسة أو أكثر بقليل. وقد روى الترمذي عنه أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين. والله تعالى
أعلم بالصواب.
الحديث رقم ٥٨٧٤: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٨٤/٣ حديث رقم (١٧٦٣.٥٨).
(٢) في المخطوطة ((أي عن أنس)). والصحيح عن ابن عباس كما في مسلم.
(٣) في المخطوطة (القدم)).

١٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
فجاء الأنصاريُّ، فحدَّث رسولَ الله وَ لَ فقال: ((صدَقتَ، ذلك منْ مدَدِ السَّماءِ الثالثةِ)) فقتلوا
يومئذٍ سبعينَ وأسروا سبعينَ. رواه مسلم.
٥٨٧٥ _ (٨) وعن سعد بن أبي وقاص، قال: رأيتُ عن يمينٍ رسول الله وَّه وعن
شماله يومَ أُحُدٍ رجلين، عليهما ثيابٌ بيضٌ، يقاتلان كأشد القتال، ما رأيتُهما قبلُ ولا بعدُ.
يعني جبريل وميكائيل. متفق عليه،
٥٨٧٦ _ (٩) وعن البراءِ، قال: بعثَ النبي ◌َّ رهطاً إِلى أبي رافع، فدخل عليه عبدُ
الله بن عتیك بیته ليلاً وهو نائم
ومن قبيل الثاني قوله تعالى: ﴿مدهامتان﴾ [الرحمن - ٦٤]. (فجاء الأنصاري فحدث رسول
الله ◌َّ فقال: صدقت) فيه أن هذا الكشف كرامة للصحابي وكرامة الأتباع بمنزلة معجزة
المتبوع، لا سيما ووقوعه في حضرته حصوله لأجل بركته، أو يقال أخبر الصحابي وهو ثقة
بنقل صحيح عما يدل على نزول الملك للمعاونة وقد صدقه الصادق المصدوق في هذه
المقالة، فيصح عد من المعجزة. ثم في قوله: (ذلك من مدد السماء الثالثة) تنبيه على أن المدد
كان من السموات كلها وهذا من الثالثة خاصة، فالإشارة إلى الملك في ذلك وهو مبتدأ خبره ما
بعده. وأغرب الطيبى حيث أعرب وقال: ذلك مفعول صدقت، وقال إشارة إلى المذكور من
قوله: سمع ضربة الخ. (فقتلوا) أي المسلمون (يومئذ سبعين وأسروا سبعين) وفي نسخة على
بناء المفعول فيهما، فضميرهما راجع إلى المشركين (رواه مسلم).
٥٨٧٥ - (وعن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت عن يمين رسول الله وَطيور وعن شماله يوم
أحد رجلين.) الظاهر أنهما على سبيل التوزيع بأن يكون كل منهما على جانب منه وإلا لكانوا
أربعة. (عليهما ثياب بيض بقاتلان كأشد القتال) الكاف زائدة للتأكيد ذكره الطيبي: ولا يظهر
وجه كونه للتأكيد. والأظهر أن معناه قتالاً مثل أشد قتال رجال الإِنس. (ما رأيتهما قبل ولا
بعد) أي فتعين أنهما من الملائكة. وقوله: (يعني جبريل وميكائيل) من قول الراوي أدرجه بياناً
ولعله عرف ذلك من دليل (رواه البخاري).
٥٨٧٦ - (وعن البراء قال: بعث رسول الله وَّيقر رهطاً) قال شارح: الرهط ما دون العشرة
من الرجال ليست فيهم امرأة. وفي القاموس: الرهط ويحرك من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما
دون العشرة وما فيهم امرأة. ولا واحد له من لفظه. (إلى أبي رافع) قال القاضي: كنيته أبي
الحقيق اليهودي أعدى عدوّ رسول الله وَ الر نبذ عهده وتعرض له بالهجاء وتحصن عنه بحصن
كان له فبعثهم إليه ليقتلوه. (فدخل عليه عبد الله بن عتيك) بفتح فكسر (بيته ليلاً وهو نائم
الحديث رقم ٥٨٧٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٣٥٣. حديث رقم ٤٠٤٥. ومسلم في صحيحه ٤/
١٨٠٢ حديث رقم (٤٦. ٢٣٠٦).
الحديث رقم ٥٨٧٦: أخرجه البخاري في صحيحه ١٥٥/٦. حديث رقم ٣٠٢٢.

١٤
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
فقتَلَه. فقال عبد الله بن عتيك: فوضعتُ السيف في بطنه، حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني
قتلته. فجعلت أفتحُ الأبواب، حتى انتهيتُ إِلى درجة، فوضعتُ رجلي فوقعتُ، في ليلة
مُقْمِرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، فانطلقتُ إِلى أصحابي، فانتهيتُ إِلى النبي ◌َّ
فحدَّثْتُه، فقال: ((ابسطُ رجلَك)). فبسطتُ رجلي فمسَحها، فكأنما لم أشتكها قطُ. رواه
البخاري.
٥٨٧٧ - (١٠) وعن جابرٍ، قال: إِنَّا يومَ الخندق نحفِر، فعرضَت كُذيةٌ شديدة،
فجاؤوا النبيَّ وَِّ فقالوا: هذه كُذيةٌ عَرَضت في الخندق. فقال: ((أنا نازل)). ثم قامَ وبطنُه
معصوبٌ بحجرٍ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوقُ ذَوَاقاً، فأخذ النبيُّ نَّهِ المِعْوَلَ،
:١٢٧
فقتله. فقال عبد الله بن عتيك:) أي في صفة قتله (فوضعت السيف في بطنه حتى أخذ في
ظهره) قال الطيبي: عداه بفي ليدل على شدة التمكن وأخذه منه كل مأخذ(١)، وإليه أشار
بقوله: حتى أخذ في ظهره (فعرفت أني قتلته. فجعلت أفتح الأبواب) ولعله بعد فتحها أوّلاً
ردها حفظاً لما وراءه، أو طلع عليه من طريق آخر. (حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي)
أي على ظن أني وصلت الأرض (فوقعت) أي سقطت من الدرجة (في ليلة مقمرة) بضم الميم
الأولى وكسر الثانية أي مضيئة. قال الطيبي: يعني كان سبب وقوعه على الأرض أن ضوء القمر
وقع في الدرج ودخل فيه فحسب أن الدرج مساوٍ للأرض. فوقع منه على الأرض (فانكسرت
ساقي فعصبتها) بتخفيف الصاد ويشدد للمبالغة والتكثير، أي شددتها. (بعمامة) بكسر العين
(فانطلقت إلى أصحابي) أي من الرهط الواقفين أسفل القلعة (فانتهيت إلى النبي وَيرٍ) أي مع
أصحابي (فحدثته) أي بما جرى لي وعلي (فقال: ابسط رجلك) أي مدها (فبسطت رجلي
فمسحها فكأنما لم أشتكها قط) أي كأنها لم تتوجع أبداً (رواه البخاري).
٥٨٧٧ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: إنا) أي نحن معاشر الأصحاب (كنا يوم الخندق
نحفر) أي الأرض حول المدينة بيننا وبين الأعداء (فعرضت) أي ظهرت في عرض الأرض
معارضاً لمقصدنا (كدية) بضم الكاف وسكون الدال أي قطعة (شديدة) أي صلبة لا يعمل فيها
الفأس (فجاؤوا النبي وغير فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: أنا نازل) أي في
الخندق (وبطنه معصوب) أي مربوط (بحجر) أي من شدة الجوع (ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق
ذواقاً) بفتح أوّله، أي مأكولاً ومشروباً، وهو فعال بمعنى مفعول من الذوق يقع على المصدر
والاسم والجملة معترضة لبيان سبب ربط الحجر. (فأخذ النبي وَّلتر المعول) بكسر الميم وفتح
الواو، بالفارسي كلند قاله شارح وفي القاموس: المعول كمنبر الحديدة ينقر بها الجبال.
(١) في المخطوطة ((وأخذ من كل ما أخذ)).
الحديث رقم ٥٨٧٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٩٥/٧. حديث رقم ٤١٠١ و٤١٠٢. وأخرجه مسلم
في صحيحه ١٦١٠/٣ حديث رقم (٢١٣٩.١٤١). وأخرجه الدارمي في السنن ٣٣/١ حديث
رقم ٤٢.

١٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
فضرب فعاد كئيباً أهْيَلَ، فانكفأتُ إِلى امرأتي فقلت: هل عندك شيءٌ؟ فإني رأيتُ بالنبيِّ
وَلَّ خَمْصاً شديداً، فأخرجتْ جراباً فيه صاعْ من شعير، ولنا بَهْمَةٌ داجنٌ فذبحتُها، وطحنتُ
الشعير، حتى جعلنا اللحم في البُرمةِ، ثم جئتُ النبيَّ وَّ﴿ فساررتُه، فقلت: يا رسولَ اللَّهِ؟
ذبحنا بهيمةً لنا، وطحنتُ صاعاً من شعيرٍ، فتعال أنتَ ونفرّ معك، فصاحَ النبيُّ ◌َلّى: ((يا
أهلَ الخندق! إن جابراً
(فضرب فعاد) أي انقلب الحجر وصار (کثیباً) أي رملاً (أهيل) أي سائلاً. ومنه قوله تعالى:
﴿وكانت الجبال كئيباً مهيلاً﴾ [المزمل - ١٤]. قال القاضي: والمعنى أن الكدية التي عجزوا عن
رضها صارت بضربة واحدة ضربها رسول الله * كتل من الرمل مصبوب سيال. (فانكفأت إلى
امرأتي) أي انقلبت وانصرفت إلى بيتها (فقلت: هل عندك شيء) أي من المأكول (فإني رأيت
بالنبي ﴿ خمصاً) بفتحتين ويسكن الثاني واقتصر عليه القاضي وسكت عنه(١) الطيبي أي جوعاً.
وسمي به لأن البطن يضمر به. وفي المشارق لعياض: رأيت به خمصاً بفتح الميم أي ضموراً في
بطنه من الجوع، ويعبر بالخمص عن الجوع أيضاً. وقال السيوطي: قوله: خمصاً بفتح المعجمة
والميم وقد يسكن ومهملة. اهـ. والمراد به أثر الجوع وعلامته من ضمور البطن أو صفار الوجه
ونحو ذلك من طول مكثهم وشدة كدهم على غير ذواق من غاية ذوقهم ونهاية شوقهم. (شديداً
فأخرجت) أي المرأة (جراباً) بكسر الجيم (فيه صاع) أي قدر صاع (من شعير ولنا بهمة) بفتح
موحدة وسكون هاء. قال النووي: هي الصغيرة من أولاد الضأن ويطلق على الذكر والأنثى
كالشاة وفي نسخة بهيمة وهي أصل المصابيح: قال شارح له: هي تصغير بهمة بفتح الباء وسكون
الهاء ولد الضأن. وقيل: ولد الشاة أول ما تضعه أمه. وقيل: السخلة وهي ولد المعز. (داجن)
أي سمينة قاله صاحب المواهب. وفي شرح مسلم: ما ألف البيت. ويؤيده ما في القاموس دجن
بالمكان دجوناً أقام والحمام والشاة وغيرهما ألفت وهي داجن. (فذبحتها وطحنت) أي المرأة
(الشعير) وفي نسخة بصيغة المتكلم. والأوّل أوفق لقيام كل من الرجل والمرأة بخدمة تليق به مع
تحقق المسارعة، كما يدل عليه رواية البخاري: ففرغت إلى فراغي. اللهم إلا أن يؤوّل ويقال
معناه: أمرتها أو غيرها بالطحن. (حتى جعلنا) أي بالاتفاق (اللحم في البرمة) أي القدر من
الحجر. وقيل: هي القدر مطلقاً وأصلها المتخذ من الحجر. (ثم جئت النبي وَلاير فساررته) قال
النووي: فيه جواز المسارة بالحاجة في حضرة الجماعة. وإنما المنهي أن يناجي اثنان دون
الثالث. اهـ. وفيه بحث لا يخفى والأظهر أن يقال: إنما محل النهي توهم ضرر للجماعة.
(فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا) بالتصغير هنا للتحقير في جنب عظمة الضيف الكبير.
(وطحنت) بالوجهين (صاعاً من شعير) والمقصود أن هذا قدر يسير وأصحابك كثير. (فتعال أنت
ونفر معك) وهو ما دون العشرة من الرجال. ويطلق على الناس كلهم على ما في القاموس وكأنه
* نظر إلى المعنى الثاني لما فيه من الأمر الرباني. (فصاح النبي ◌َّر: يا أهل الخندق إن جابراً
(١) في المخطوطة ((عليه)).

.-.
١٥١٧/٦
.575:
1524
١٦
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
صَنَعَ سُوراً فحيَّ هَلاّ بكم)). فقال رسول الله وَّهِ: ((لا تُنزِلُنَّ بُرمتكم ولا تخبزُنَّ عجينكم
حتى أَجيء)). وجاء، فأخرجتُ له عَجيناً، فبصقَ فيه وبارك، ثمَّ عَمَد إِلى بُرمْتنا فبصقَ
وبارك، ثمّ قال: ((ادعي خابزةً فلتخبزْ معك، واقدَحي من بُرمتكم، ولا تُنزلوها)). وهم
ألفٌ، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإِن برُمتنا لتغِطّ كما هي،
صنع سوراً) بضم فسكون واو، أي طعاماً. وفي القاموس: السور الضيافة فارسية شرفها
النبي ◌َّر. (فحي) بتشديد الياء المفتوحة (هلا) بفتح الهاء واللام منوّنة، وفي نسخة بغير تنوين
والباء في (بكم) للتعدية، أي اسرعوا بأنفسكم إليه. قال النووي: السور بضم السين غير مهموز
هو الطعام الذي يدعى إليه. وقيل: الطعام مطلقاً. وهي لفظة فارسية. وقد تظاهرت أحاديث
صحيحة بأن رسول الله * تكلم بالألفاظ الفارسية وهو يدل على جوازه. وأما حي هلا فهو
بتنوين هلا. وقيل: بلا تنوين على وزن علا. ويقال: حي هل. ومعناه عليكم بكذا وأدعوكم
بكذا. وفي القاموس: بسط لهذا المبنى والمعنى ولكن اقتصرنا على ما ذكرنا بناء على أن
الجوع معنا والتعطش لما هنا. (فقال رسول الله وَلافيه: لا تنزلن) بضم التاء واللام (برمتكم ولا
تخیزن) بفتح التاء وكسر الباء وضم الزاي (عجينتكم حتى أجيء) أي إلى بيتكم (وجاء
فأخرجت له) أي أنا وفي نسخة بصيغة الواحدة. (عجيناً) أي قطعة من العجين (فبصق فيه) قال
النووي: هو بالصاد في أكثر الأصول وفي بعضها بالسين وهي لغة قليلة. اهـ. والمعنى رمى
بالبزاق فيه (وبارك) أي ودعا بالبركة فيه (ثم عمد) بفتح الميم أي قصد (إلى برمتنا فبصق) أي
فيها كما في نسخة (وبارك ثم قال: ادعي) بهمز وصل مضموم وكسر عين أمر مخاطبة من دعا
يدعو أي اطلبي. (خابزة) قال النووي: جاء في بعض الأصول ادعي على خطاب المؤنث وهو
الصحيح الظاهر. ولهذا قال: (فلتخبز معك) يعني لروايته كسر الكاف. وفي بعضها: ادعوا
بالواو، أي اطلبوا. وفي بعضها: ادع. (واقدحي) بفتح الدال أي اغرفي من برمتكم. قال
التوربشتي: يقال: قدحت المراق أي غرفته، ومنه المقدح وهو المغرفة سلك بالخطاب مسلك
التلوين فخاطب به ربة البيت. قال الطيبي: لعله في نسخته: فلتخبز معي. بالإِضافة إلى ياء
المتكلم كما هو في بعض نسخ المصابيح، فحمله على ما ذهب إليه. وقد علم من كلام
١٣٤/١
النووي أن معي لم ترد في رواية وإذا ذهب إلي ادعي فلتخبز معك لم يكن من تلوين الخطاب
في شيء. اهـ. وهو غريب منه، إذ مراد الشيخ أنه وَّر خاطبهم بصيغة الجمع أوّلاً بقوله: لا
تنزلن ولا تخبزن. ثم قال: ادعي فلتخبز معك. ثم قال: واقدحي من برمتكم بالجمع بين
الإفراد والجمع. ثم قال: (ولا تنزلوها) بصيغة الجمع المذكر على طريق الأوّل على سبيل
التغليب فأي تلوين أكثر من هذا، مع أن في الالتفات إليها بالأمر الخاص إشارة إلى أنها ربة
البيت غير خارجة عن سنن الاستقامة في المقام، وبهذا التقرير والتحرير تبين لك أنه لا فرق
بين قوله: فلتخبز معك، أو معي في تلوين الكلام والله أعلم بحقيقة المرام (قال: جابر وهم)
أي عدد أصحابه وَّر (ألف) أي ألف رجل أكال في جوع ثلاثة أيام وليال (فأقسم بالله لأكلوا)
أي من ذلك الطعام (حتى تركوه) أي متفضلاً (وانحرفوا) أي وانصرفوا (وإن برمتنا لتغط) بكسر
الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة. أي لتفور وتغلي ويسمع غلياناً. (كما هي) أي ممتلئة
ر ہيہ

روز
: 34PT
١٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
وإِن عجينَنا ليخبز كما هو. متفق عليه.
٥٨٧٨ - (١١) وعن أبي قتادةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَهِ قال لعمّار حين يحفر الخندق
فجعل يمسح رأسه ويقول: ((بُؤْسَ ابنِ سميَّة! تقتلك الفئةُ الباغية)).
على هيئة الأولى. فخبر هي محذوف، والمعنى تغلي غلياناً(١) مثل غليان هي عليه قبل ذلك.
قال الطيبي: ما كافة وهي مصححة لدخول الكاف على الجملة وهي مبتدأ والخبر محذوف أي
كما هي قبل ذلك. (وإن عجيننا ليخبز كما هو) أي كما هو في الصحفة كأنه ما نقص منه
شيء. قال النووي: قد تظاهرت الأحاديث بمثل هذا من تكثير طعام القليل ونبع الماء وتكثيره
وتسبيح الطعام وحنين الجذع وغير ذلك مما هو معروف حتى صار مجموعها بمنزلة التواتر
وحصل العلم القطعي به. وقد جمع العلماء أعلاماً من دلائل النبوّة في كتبهم كالقفال الشاشي
وصاحبه أبي عبد الله الحليمي وأبي بكر البيهقي وغيرهم مما هو مشهور وأحسنها كتاب البيهقي
ولله الحمد على ما أنعم به على نبينا وَّ وعلينا بإكرامه (متفق عليه).
٥٨٧٨ - (وعن أبي قتادة:) صحابي مشهور (أن رسول الله وَّر قال لعمار) أي ابن ياسر
(حين يحفر الخندق) حكاية [حال] ماضية (فجعل يمسح رأسه) أي رأس عمار عن الغبار
ترحماً عليه من الأغيار (ويقول: بؤس) بضم موحدة وسكون همز ويبدل وبفتح السين مضافاً
إلي. (ابن سمية) وهي بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية أم عمار، وهي قد أسلمت بمكة
وغذبت لترجع عن دينها فلم ترجع وطعنها أبو جهل فماتت ذكره ابن الملك. وقال غيره:
كانت أمه ابنة أبي حذيفة المخزومي زوجها ياسراً وكان حليفه فولدت له عماراً فأعتقه أبو
حذيفه. أي يا شدة عمار حضري فهذا أوانك، واتسع في حذف حرف النداء من أسماء
الأجناس وإنما يحذف من أسماء الأعلام. وروي بؤس بالرفع على ما في بعض النسخ، أي
عليك بؤس أو يصيبك بؤس. وعلى هذا ابن سمية منادى مضاف أي يا ابن سمية. وقال
شارح: المعنى يا شدة ما يلقاه ابن سمية من الفئة الباغية، نادى بؤسه وأراد نداءه ولذا خاطبه
بقوله: (تقتلك الفئة الباغية) أي الجماعة الخارجة على إمام الوقت وخليفة الزمان. قال الطيبي:
ترحم عليه بسبب الشدة التي يقع فيها عمار من قبل الفئة الباغية يريد به معاوية وقومه فإنه قتل
يوم صفين. وقال ابن الملك: اعلم أن عماراً قتله معاوية وفئته فكانوا طاغين باغين بهذا
الحديث لأن عماراً كان في عسكر علي وهو المستحق للإمامة فامتنعوا عن بيعته. وحكي أن
معاوية كان يؤوّل معنى الحديث ويقول: نحن فئة باغية طالبة لدم عثمان. وهذا كما ترى
تحريف، إذ معنى طلب الدم غير مناسب هنا لأنه ◌َير ذكر الحديث في إظهار فضيلة عمار وذم
قاتله لأنه جاء في طريق ويح. قلت: ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم
هوم
١
١
١
(١) في المخطوطة ((غليانها)).
الحديث رقم ٥٨٧٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٣٥/٤ حديث رقم (٢٩١٥.٧٠). وأخرجه الترمذي
في السنن ٦٢٨/٥ حديث رقم ٣٨٠٠.

١٨
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
رواه مسلم.
٥٨٧٩ - (١٢) وعن سليمانَ بن صُرَد، قال: قال النبي وَل﴿ حين أُجلي الأحزابُ عنه:
عليه ويرثى له بخلاف ويل، فإنها كلمة عقوبة تقال للذي يستحقها ولا يترحم عليه. هذا وفي
الجامع الصغير برواية الإِمام أحمد والبخاري عن أبي سعيد مرفوعاً: ((ويح عمار تقتله الفئة
الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار))(١). وهذا كالنص الصريح في المعنى الصحيح
المتبادر من البغي المطلق في الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي﴾ [النحل - ٩٠]. وقوله سبحانه: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ [الحجرات - ٩].
فإطلاق اللفظ الشرعي على إرادة المعنى اللغوي عدول عن العدل وميل إلى الظلم الذي هو
وضع الشيء في غير موضعه. والحاصل أن البغي بحسب المعنى الشرعي والإطلاق العرفي
خص من عموم معنى الطلب اللغوي إلى طلب الشر الخاص بالخروج المنهي، فلا يصح أن
يراد به طلب دم خليفة الزمان وهو عثمان رضي الله عنه. وقد حكي عن معاوية تأويل أقبح من
هذا حيث قال: إنما قتله علي وفئته حيث حمله على القتال وصار سبباً لقتله في المآل؛ فقبل له
في الجواب، فإذن قاتل حمزة هو النبي ◌َّلتر حيث كان باعثاً له على ذلك والله سبحانه وتعالى
حيث أمر المؤمنين بقتال المشركين. والحاصل أن هذا الحديث فيه معجزات ثلاث إحداها أنه
سيقتل، وثانيها أنه مظلوم، وثالثها أن قاتله باغ من البغاة والكل صدق وحق. ثم رأيت الشيخ
أكمل الدين قال: الظاهر أن هذا أي التأويل السابق عن معاوية وما حكي عنه أيضاً من أنه قتله
من أخرجه للقتل وحرضه عليه كل منهما افتراء عليه، أما الأوّل فتحريف للحديث. وأما الثاني
فلأنه ما أخرجه أحد بل هو خرج بنفسه وماله مجاهداً في سبيل الله قاصداً لإقامة الفرض. وإنما
كان كل منهما افتراء على معاوية لأنه رضي الله عنه أعقل من أن يقع في شيء ظاهر الفساد على
الخاص والعام. قلت: فإذاً كان الواجب عليه أن يرجع عن بغيه بإطاعته الخليفة ويترك المخالفة
وطلب الخلافة المنيفة فتبين بهذا أنه كان في الباطن باغياً وفي الظاهر متستراً بدم عثمان مراعياً
مرائياً. فجاء هذا الحديث عليه ناعياً وعن عمله ناهياً. لكن كان ذلك في الكتاب مسطوراً.
فصار عنده كل من القرآن والحديث مهجوراً فرحم الله من أنصف ولم يتعصب ولم يتعسف
وتولى الاقتصاد في الاعتقاد لئلا يقع في جانبي سبيل الرشاد من الرفض والنصب بأن يحب
جميع الآل والصحب (رواه مسلم).
٥٨٧٩ - (وعن سليمان بن صرد) بضم ففتح مصروفاً (قال: قال النبي ◌َلقر حين أجلي)
بصيغة الفاعل وفي نسخة بالمفعول أي تفرق وانكشف (الأحزاب عنه) وهم طوائف من الكفار
(١) الجامع الصغير ٥٧٢/٢ حديث رقم ٩٦٤٠ والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥٤١/١ حديث
رقم ٤٤٧.
الحديث رقم ٥٨٧٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٤٠٥. حديث رقم ٤١٠٩. وأحمد في المسند ٤/
٢٦٢.

١٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
(الآن نغزوهم ولا يغزونًا، نحن نسير إِليهم)). رواه البخاري.
٥٨٨٠ _ (١٣) وعن عائشةَ، قالتْ: لما رَجع رسول اللهِ وَّوْ من الخندق ووضعَ
السّلاحَ واغتسل أَتاه جبريل وهو ينفضُ رأسه من الغبار، فقال: ((قد وضعتَ السّلاح؟ واللَّهِ
ما وضعتهُ، أُخرجْ إِليهم)). فقال النبي ◌ِّر: ((فأين)). فأشار إلى بني قريظةَ، فخرج
النبي ◌َّظهر. متفق عليه.
٥٨٨١ _ (١٤) وفي رواية للبخاري قال أنس: كأني أنظرُ إِلى الغبارِ ساطعاً في
تحزبوا واجتمعوا لحرب سيد الأبرار في يوم الخندق ومنهم قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من
بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد
وقائدهم عيينة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير
ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله
تعالى النصر بأن أرسل عليهم ريح الصبا وجنوداً لم يروها وهم الملائكة وقذف في قلوبهم
الرعب، فقال طلحة بن خويلد الأسدي: النجاء النجاء فانهزموا من غير قتال وهذا معنى
الإجلاء. (فقال النبي وَلاغير:) أي حينئذ (الآن) أي فيما بعد هذا الزمان، وعبر عنه بالآن للمبالغة
في البيان (نغزوهم) أي ابتداء (ولا يغزونا) بتشديد النون ويخفف، أي ولا يغزوننا كما في
نسخة. والمعنى لا يحاربوننا ففيه مشاكلة للمقابلة. (نحن نسير إليهم) أي وهم لا يسيرون
إلينا، وكان الأمر كما أخبر فغزاهم بعد صلح الحديبية وفتح مكة وحصلت له الغلبة ولله الحمد
والمنة. قال الطيبي: قوله: الآن نغزوهم. إخبار بأنه قل شوكة المشركين من اليوم فلا
يقصدوننا البتة بعد، بل نحن نغزوهم ونقتلهم ويكون عليهم دائرة السوء. وكان كما قال فكان
معجزة. (رواه البخاري).
٥٨٨٠ - (وعن عائشة قالت: لما رجع رسول الله كلخير من الخندق ووضع السلاح) أي عن
نفسه (واغتسل) أي أراد أن يغتسل (أتاه جبريل وهو) أي النبي ويظهر أو جبريل، وهو في اللفظ
أقرب وفي معنى الحث أنسب. (ينفض رأسه من الغبار فقال:) أي جبريل (قد وضعت السلاح
والله ما وضعته أخرج إليهم) أي إلى الكفار وأبهمهم (فقال النبي ويتر: فأين) أي أين أقصد وإلى
من أخرج (فأشار إلى بني قريظة) وهم طائفة من اليهود حول المدينة وقد نقضوا العهد وساعدوا
الأحزاب. (فخرج النبي ◌َل﴿ إليهم) أي ونصره الله عليهم. وكيفية نصرته وبيان قصته في كتب
السير وبعض التفاسير مبسوطة وما وقع له في كل قضية من المعجزات مضبوطة (متفق عليه).
٥٨٨١ - (وفي رواية للبخاري، قال أنس: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً) أي مرتفعاً (في
الحديث رقم ٥٨٨٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٤٠٧. حديث رقم ٤١١٧. ومسلم في صحيحه ٣/
١٣٨٩ حديث رقم (١٧٦٩.٦٥).
الحديث رقم ٥٨٨١: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠٧/٧. حديث رقم ٤١١٨. وأحمد في المسند ٢١٣/٣.

٢٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
زُقاقٍ بني غنم موكبَ جبريل عليه السَّلامِ حينَ سارَ رسولُ اللَّهِ وَّ إِلى بني قريظة.
٥٨٨٢ - (١٥) وعن جابرٍ، قال: عَطِشَ النَّاسُ يومَ الحديبية ورسولُ اللَّهِ وَ لَه بين يديه
رَكوة فتوَضَّأ منها، ثم أَقبلَ الناسُ نحوه، قالوا: ليس عندنا ماءٌ نَتوضَّأَ به ونشرب إلا ما في
ركوتك، فَوضَعَ النبيِّ وَ ﴿ يَدَه في الركوة، فجعل الماءُ يفورُ من بينَ أصابعه كأمثالِ العيون،
قال: فشربنا وتوضَّأنا. قيل لجابر: كم كنتم؟ قالَ: لو كنَّا مائةَ أَلفٍ لكفانا، كنّا خمسَ
عشرةً مائة .
زقاق بني غنم) بفتح غين معجمة وسكون نون قبيلة من الأنصار، والزقاق بضم الزاي السكة.
(موكب جبريل عليه السلام) بالنصب على نزع الخافض على ما في صحيح البخاري وشرح
السنة وأكثر نسخ المصابيح. وفي بعضها بإثبات من والموكب بفتح الميم وكسر الكاف جماعة
ركاب يسيرون برفق على ما في النهاية. (حين سار رسول الله وي ليه إلى بني قريظة) الظاهر أن
ذلك الزقاق كان مهجوراً من سير الناس فيه فرؤية الغبار الساطع منه تدل على أنه من أثر جند
الملائكة. والغالب أن رئيسهم جبريل عليه السلام وهو معهم أو هو مع النبي ◌َّر، وإضافتهم
إلیه لأنهم کالأتباع له.
٥٨٨٢ - (وعن جابر قال: عطش الناس) بكسر الطاء (يوم الحديبية) بالتخفيف أفصح
(ورسول الله ◌َ * بين يديه ركوة) أي ظرف ماء من مطهرة أو سقاية (فتوضأ منها ثم أقبل الناس
نحوه) أي إلى جانب جنابه طالبين فتح الخير من بابه (قالوا:) استئناف بيان (ليس عندنا ماء)
بالمد (نتوضأ به ونشرب) أي منه (إلا ما في ركوتك) أي من الماء، فما مقصورة موصولة
والاستثناء يحتمل الاتصال والانقطاع. ثم في القضية جملة مطوية وهي أن من المعلوم بحسب
العادة أن ماء الركوة لم يكف الجماعة. (فوضع النبي وَ ي يده في الركوة) أي في جوفها أو في
فمها (فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون) أي التي تخرج من بين صخور الجبال أو
عروق الأرض (قال: فشربنا وتوضأنا) أي جميعنا فطوبى لهم من طهارة الظاهر والباطن من
ذلك الماء الذي هو أفضل من جنس الماء المعين والله الموفق والمعين. (قيل لجابر: كم
كنتم) أي يومئذ حتى كفاكم. ولما كان هذا السؤال غير مناسب في مقام المعجزة (قال:) أي
أوّلاً في الجواب (لو كنا مائة ألف) أي مثلاً (لكفانا. ثم قال:) تتميماً لفصل الخطاب (كنا
خمس عشرة مائة) قال الطيبي: عدل عن الظاهر لاحتماله التجوّز في الكثرة والقلة، وهذا يدل
على أنه اجتهد فيه وغلب ظنه على هذا المقدار. وقول البراء في الحديث الذي يتلو هذا
الحديث: كنا أربع عشرة مائة. كان عن تحقيق لما سبق في الفصل الثاني من باب قسمة
الغنائم، أن أهل الحديبية كانوا ألفاً وأربعمائة تحقيقاً. وقول من قال: هم ألف وخمسمائة،
وهم. وقال الحافظ السيوطي: الجمع أنهم كانوا أربعمائة وزيادة لا تبلغ المائة، فالأوّل ألغى
الحديث رقم ٥٨٨٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٤٤١. حديث رقم ٤١٥٢. ومسلم في صحيحه ٣/
١٤٨٤ حديث رقم (٧٣. ١٨٥٦). وأحمد فى المسند ٣٢٩/٣.
/ ٣٠