Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَّهـ
٥٨٠٥ _ (٥) وعن جابرٍ، قال: ما سُئلَ رسولُ اللهِ وَلِّ شيئاً قطّ فقال: لا. متفق
عليه .
٥٨٠٦ _ (٦) وعن أنسٍٍ، أنَّ رجلاً سأل النبيََّ ﴿ غنماً بينَ جبَلينٍ، فأعطاهُ إيّاهُ،
فأتى قومَه، فقال: أيْ قوم! أسلِموا، فوَاللَّهِ إنَّ محمَّداً ليُعطي عطاءً ما يخافُ الفقر.
بطيئاً. وفيه جواز سبق الإِنسان وحده في كشف أخبار العدوّ، ما لم يتحقق بالهلاك وجواز
العارية وجواز الغزو على فرس المستعار، واستحباب تقلد السيف في العنق، وتبشير الناس بعد
الخوف إذا ذهب.
٥٨٠٥ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: ما سئل) أي ما طلب (رسول الله وَلي شيئاً قط
فقال: لا) أي لا أعطيه، بل إما أعطى أو اعتذر. ودعا أو وعد له فيما تمنى عملاً بقوله تعالى:
﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ [الإسراء - ٢٨].
فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن أنس أنه وَالتر: كان رحيماً فكان لا يأتيه أحد إلا وعده
وأنجز له إن كان عنده(١). هذا، وكان يقول ◌َلفير: أنفق يا بلال. وقيل: بلالاً ولا تخش من
ذي العرش إقلالاً. كما رواه البزار عن بلال(٢)، وعن أبي هريرة والطبراني عن ابن مسعود.
وما أبلغ قول الفرزدق في زين العابدين :
حمال أثقال أقوام إذا مدحوا * حلو الشمائل يحلو عنده نعم
ما قال لا قط إلاّ في تشهده * لولا التشهد لم ينطق بذاك فم
(متفق عليه) وفي الجامع: كان لا يسأل شيئاً إلا أعطاه أو سكت. رواه الحاكم عن
أنس(٣).
٥٨٠٦ - (وعن أنس) رضي الله عنه (أن رجلاً سأل النبي ◌ِّ غنماً بين جبلين) أي قطعة
غنم تملأ ما بينهما (فأعطاه إياه) أي مطلوبه على وجه تمناه (فأتى قومه) أي متعجباً من كرمه
الدال على كمال توكله وزهده. (فقال: أي قوم) أي يا قوم (أسلموا) أي فإن الإِسلام يهدي إلى
مكارم الأخلاق. (فوالله أن محمداً ليعطي عطاء) أي عظيماً (ما يخاف الفقر) قال الطيبي: يجوز
أن يكون حالاً من ضمير يعطي وأن يكون صفة العطاء، أي عطاء ما يخاف الفقر معه. فإن
الحديث رقم ٥٨٠٥: أخرجه البخاري ١٠/ ٤٥٥. حديث رقم ٦٠٣٤. وأخرجه مسلم ١٨٠٥/٤ حديث
رقم (٢٣١١.٥٦). والدارمي ٤٧/١ حديث رقم ٧٠.
(١) كذا ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٤٢٤ حديث رقم ٦٨٣٧.
(٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ١٦٤/١ حديث رقم ٢٧٤٦. وقد رواه أيضاً الطبراني في الكبير.
(٣) الجامع الصغير ٤٢٦/٢ حديث رقم ٦٨٩٣. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ١٣٠.
الحديث رقم ٥٨٠٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٠٦/٤ حديث رقم (٢٣١٢.٥٨) وأحمد في المسند
١٠٨/٣.
٢٠٠
٧.٥٠
.w 2877*١٧٥

٤٨٢
٠١٠٦٧
١٣٧٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَلـ
رواه مسلم.
٥٨٠٧ - (٧) وعن جُبيرِ بنِ مُطعم، بينما هو يسيرُ معَ رسول اللهِوَلِّ مُقْفلَه من
حُنينٍ، فعلقتِ الأعرابُ يسألونَه حتى اضطّرُّوه إِلى سَمُرة، فخطفتْ رِداءَه فوقفَ النبيُّ نَّه
فقال: ((أعطوني ردائي، لو كانَ لي عددُ هذِهِ العِضاةِ نَعَمْ لقسمتُه بينَكم، ثمَّ لا تجدوني
بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً».
قلت: كيف دل هذا الوصف على وجوب الإِسلام، قلت: مقام ادعاء النبوّة مع اعطاء الجزيل،
يدل على وثوقه على من أرسله إلى دعوة الخلق. فإن من جبل الإنسان خوف الفقر. قال
تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ [البقرة - ٢٦٨]. (رواه مسلم).
٥٨٠٧ - (وعن جبير بن مطعم بينما هو) أي جبير (يسير مع رسول الله وَلقر مقفله) مصدر
میمي أو اسم زمان من قفل کنصر ورجع قفولاً رجع، أي عند رجوعه أو وقت رجوعه. (من
حنين) بالتصغير موضع بين مكة والطائف. (فعلقت) بكسر اللام أي نشبت. (الأعراب) أو طفقت
(يسألونه) أي يطلبونه من العطايا والمطايا (وهو يعطيهم) أو يعدهم ويمنيهم (حتى اضطروه) أي
الجؤوه (إلى سمرة) بفتح فضم، أي شجرة طلح. (فخطفت) بكسر الطاء، أي أخذت السمرة
بسرعة. (رداءه) حيث تعلقت به. وقال شارح: أي سلبت انتهى. ولا يبعد أن يكون الضمير
راجعاً إلى الأعراب كما يدل عليه قوله: (فوقف النبي ◌َّ- فقال: أعطوني ردائي) وأغرب الطيبي
حيث قال: أي علق رداءه بها فاستعير لها الخطف. (لو كان لي عدد هذه العضاة) بكسر العين
المهملة وبالضاد المعجمة وبالهاء في الآخر أم غيلان. وقيل: كل شجر يعظم وله شوك. واحده
عضاهة، وعضة بحذف الهاء الأصلية، كما حذف من الشفة. وعدد نصب على المصدر، أي يعد
عددها أو على نزع الخافض أي بعددها أو كعددها، والمراد به الكثرة. (نعم) بفتحتين. وفي
القاموس: النعم وقد يُكسر عينه، الإبل والشاء أو خاص بالإبل، وجمعه أنعام. قلت: ويرد عليه
قوله سبحانه: ﴿من الأنعام ثمانية أزواج﴾ [الزمر - ٦]. حيث يراد بها أصناف الإبل والبقر
والضأن والمعز من الذكور والإناث. (لقسمته بينكم) أي لزهدي في النعم وتركي للنعم وطلبي
قرب المنعم. (ثم لا تجدوني بخيلاً) ثم هنا بمعنى الفاء، أو للتراخي في الزمان، أي بعد ما
جربتموني في العطاء وعرفتم طبعي في الوعد بالوفاء واعتمادي على رب الأرض والسماء، فلا
تجدوني بخيلاً. (ولا كذوباً ولا جباناً) وقال المظهر: أي إذا جربتموني في الوقائع لا تجدوني
متصفاً بالأوصاف الرذيلة. وفيه دليل على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه
ليعتمد عليه. وقال الطيبي: ثم هنا للتراخي في الرتبة، يعني أنا في ذلك العطاء لست بمضطر إليه
بل أعطيه مع أريحية نفس ووفور نشاط، ولا بكذوب أدفعكم عن نفسي ثم أمنعكم عنه، ولا
الحديث رقم ٥٨٠٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٥/٦. حديث رقم ٢٨٢١. والنسائي في السنن ٦/
٢٦٢ حديث رقم ٣٦٨٨. ومالك في الموطأ ٤٥٧/٢ حديث رقم ٢٢ من كتاب الجهاد. وأحمد
في المسند ٨٢/٤.

٤٨٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَلقر
رواه البخاري.
٥٨٠٨ _ (٨) وعن أنسٍ، قال: كانَ رسولُ الله ◌ََّ إِذا صلَّى الغَداةَ جاءَ خدمُ المدينةِ
بآنيتهِم فيها الماءُ، فما يأتونَ بإناءٍ إِلا غمسَ يدَه فيها، فرُبما جاؤوهُ بالغَداةِ الباردةِ فيغمسُ
يده فيها. رواه مسلم.
٥٨٠٩ - (٩) وعنه، قال: كانت أَمَةٌ منْ إِماءِ أهلِ المدينةِ تأخذُ بيدِ رسولِ الله وَل
فتنطلقُ به حيثُ شاءت. رواه البخاري.
٥٨١٠ _ (١٠) وعنه، أنَّ امرأةً كانت في عقلها شيءٌ،
بجبان أخاف أحداً. فهو كالتتميم للكلام السابق. (رواه البخاري).
٥٨٠٨ - (وعن أنس قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا صلّى الغدوة) أي الفجر (جاء) وفي
الجامع: جاءه. (خدم المدينة) جمع خادم من غلام أو جارية. (بآنيتهم) جمع إناء (فيها الماء)
أي فيطلبون البركة والنماء والعافية والشفاء. (فما يأتون) وفي الجامع: فما يؤتى. (بإناء إلاّ
غمس يده فيها) أي تطييباً لخواطرهم وتحصيلاً لمقاصدهم. (فما جاؤوه بالغدوة) أي في
الغدوة. (الباردة فيغمس يده فيها) قال الطيبي: فيه تكلف (١) المشاق لتطبيب قلوب الناس لا
سيما مع الخدم والضعفاء، وليتبركوا بإدخال يده الكريمة في أوانيهم، وبيان تواضعه وَّل مع
الضعفاء. (رواه مسلم) وكذا أحمد. إلا أنه في الجامع(٢) عنهما بدون قوله: فربما إلى آخره
وروى ابن عساكر عن أنس: أنه لو كان أرحم الناس بالصبيان والعيال(٣). وفي الجامع: كان
مما يقول للخادم: [ألك] حاجة. رواه أحمد عن رجل(٤) .
٥٨٠٩ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (قال: كانت أمة) أي جارية (من إماء أهل
المدينة) أي فرضاً وتقديراً (تأخذ بيد رسول الله وَل*) قيل: المراد من الأخذ باليد لازمه وهو
الرفق. (فتنطلق به حيث شاءت) أي ولو خارج المدينة. وهذا يدل على غاية تواضعه مع الخلق
ونهاية تسليمه مع الحق. (رواه البخاري).
٥٨١٠ - (وعنه:) أي عن أنس (أن امرأة كان في عقلها شيء) أي من الخفة أو الجذبة
الحديث رقم ٥٨٠٨: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨١٢/٤ حديث رقم (٧٤. ٢٣٢٤). وأحمد في المسند
١٣٧/٣.
(٢) الجامع الصغير ٤١٨/٢ حديث رقم ٦٧٣٦.
(١) في المخطوطة ((تكليف)).
(٣) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٤٢٣ حديث رقم ٦٨٢٠.
(٤) الجامع الصغير ٢/ ٤٢٥ حديث رقم ٦٨٦٦ والحديث أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٥٠٠.
الحديث رقم ٥٨٠٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٨٩/١٠. حديث رقم ٦٠٧٢.
الحديث رقم ٥٨١٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨١٢/٤ حديث رقم (٧٦. ٢٣٢٦). وأبو داود في السنن
١٦١/٥ حديث رقم ٤٨١٨. وأحمد في المسند ١١٩/٣.

٤٨٤
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَالغر
فقالت: يا رسولَ الله! إِنَّ لي إِليكَ حاجةٌ، فقال: ((يا أُمَّ فلان! انظري أيّ السكك شئتٍ حتى
أقضيَ لكِ حاجتَكِ)) فخَلا معهَا في بعضِ الطرقِ، حتى فرغتْ منْ حاجتِها. رواه مسلم.
٥٨١١ _ (١١) وعنه، قال: لم يكنْ رسولُ اللهِوَّوَ فاحشاً ولا لغَّاناً ولا سبَّاباً، كانَ
يقولُ عندَ المعْتَبَةِ: ((ما لَه تربَ جَبِينُه؟!)). رواه البخاري.
٥٨١٢ - (١٢) وعن أبي هريرةَ،
/١٠٠٠
(فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة) أي خفية عن الناس (فقال: يا أم فلان انظري) أي
تفكري أو أبصري (أي السكك) بكسر ففتح جمع السكة، وهي الزقاق. (شئت) أي أردت
إحضاري فيه. (حتى أقضي لك حاجتك) أي كي أحصل لك مقصودك ومرادك (فخلا) أي
مضى (معها في بعض الطرق) أي ووقف معها وسمع كلامها ورد جوابها. (حتى فرغت من
حاجتها) وفيه تنبيه على أن الخلوة مع المرأة في زقاق ليس من باب الخلوة معها في بيت، على
احتمال أن بعض الأصحاب كانوا واقفين بعيداً عنهما مراعاة لحسن الأدب. (رواه مسلم).
٥٨١١ - (وعنه) أي عن أنس (قال: لم يكن رسول الله(وَ لخير فاحشاً) أي آتياً بالفحش من
الفعل (ولا لعاناً ولا سباباً) المقصود منهما نفي اللعن والسب وكل ما يكون من قبيل الفحش
القولي، لا نفي المبالغة فيهما. وكأنه نظر إلى أن المعتاد هو المبالغة فيهما فنفاهما على صيغ
المبالغة. والمقصود نفيهما مطلقاً كما يدل عليه آخر كلامه. قال الطيبي: فإن قلت: بناء فعال
للتكثير أو للمبالغة، ونفيه لا يستلزم نفي اللعن والسب مطلقاً. قلت: المفهوم ههنا غير معتبر
لأنه وارد في مدحه ◌َّهر. فإن أريد التكثير فيعتبر الكثرة فيمن يستحقه من الكفار والمنافقين، أي
ليس بلاعن واحد واحد منهم. وإن أريد المبالغة كان المعنى أن اللعن بلغ في العظم بحيث
لولا الاستحقاق لكان اللاعن بمثله لعاناً بليغ اللعن، نحو قوله تعالى: ﴿وأن الله ليس بظلام
للعبيد﴾ [آل عمران - ١٨٢]. قلت: الأظهر في معنى الآية والحديث أن يقال: فعال للنسبة
كتمار ولبان، أي ليس الله بذي ظلم مطلقاً، ولا رسوله بصاحب لعن ولا سب لمن لم يكن
مستحقاً من الكفار أو الفجار لكونه نبي الرحمة، ولذا استأنف الراوي بقوله: (كان يقول عند
المعتبة) بفتح التاء، وقيل بكسرها أيضاً بمعنى الملامة والعتاب، على ما في القاموس واختاره
ابن الملك. وبمعنى الغضب كما في النهاية واختاره شارح. والمعنى غاية ما يقوله عند المعاتبة
أو المخاصمة هذه الكلمة، معرضاً عنه غير مخاطب له. (ما له ترب جبينه) وهي أيضاً ذات
وجهين إذ يحتمل أن يكون دعاء على المقول له بمعنى رغم أنفك وأن يكون دعاء له بمعنى
سجد لله وجهك. (رواه البخاري).
ر .في ورشالا كك"
٥٨١٢ - (وعن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قيل: يا رسول الله(١) ادع على
الحديث رقم ٥٨١١: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٥٢/١٠. حديث رقم ٦٠٣١. وأحمد في المسند ١٥٨/٣.
الحديث رقم ٥٨١٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٠٦/٤ حديث رقم (٠٨٧ ٢٥٩٩).
(١) في المخطوطة ((لرسول الله)).
٢-٠
٢٣٠
٠٠-٠:

٤٨٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَليه
قال: قيلَ: يا رسولَ الله! ادعُ على المشركينَ. قال: ((إِني لم أُبعثْ لعَّاناً؛ وإنما بُعِثْتُ
رحمةً». رواه مسلم.
٥٨١٣ _ (١٣) وعن أبي سعيد الخدريِّ، قال: كانَ النبيُّ وَّر أشدَّ حياءً منَ العذراءِ
في خِدرِها، فإِذا رأى شيئاً يكرهُه عرفناه في وجهه. متفق عليه .
٥٨١٤ _ (١٤) وعن عائشةَ رضي اللَّهُ عنها، قالت: ما رأيتُ النبيَّ وَِّ مستجمِعاً قطُّ
المشركين. قال: إني لم أبعث لعاناً) أي ولو على جماعة مخصوصة من الكافرين لقوله تعالى:
﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ [آل عمران - ١٢٨]. (وإنما بعثت
رحمة) أي للناس عامة وللمؤمنين خاصة متخلقاً بوصفي الرحمن الرحيم، ولقوله تعالى: ﴿وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء - ١٠٧]. قال ابن الملك: أما للمؤمنين فظاهر وأما
للكافرين فلان العذاب رفع عنهم في الدنيا بسببه، كما قال تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت
فيهم ﴾ [الأنفال ـ ٣٣]. أقول بل عذاب الاستئصال مرتفع عنهم ببركة وجوده إلى يوم القيامة.
وقال الطيبي: أي إنما بعثت لأقرب الناس إلى الله وإلى رحمته، وما بعثت لأبعدهم عنها.
فاللعن مناف لحالي فكيف ألعن. (رواه مسلم.) وكذا البخاري في الأدب المفرد(١). وروى
الطبراني عن كريز بن شامة قوله: إني لم أبعث لعاناً. وروى البخاري في تاريخه عن أبي هريرة
بلفظ: إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً(٢).
٥٨١٣ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ◌َير أشد حياء من العذراء) أي البكر
(في خدرها) بكسر أوله أي في سترها. قال الطيبي: هو تتميم، فإن العذراء إذا كانت في
خدرها أشد حياء مما إذا كانت خارجة عنه. (فإذا رأى شيئاً يكرهه) أي من جهة الطبع أو من
طريق الشرع (عرفناه في وجهه) أي من أثر التغير فأزلناه. فإنه ما كان يعاين أحداً بخصوصه في
أمر الكراهة دون الحرمة. قال النووي: معناه أنه ولو لم يتكلم بالشيء الذي يكره لحيائه، بل
يتغير وجهه فنفهم كراهيته. وفيه فضيلة الحياء وأنه محثوث عليه ما لم ينته إلى الضعف
والخور. (متفق عليه).
٥٨١٤ - (وعن عائشة قالت: ما رأيت النبي ◌َّلر مستجمعاً) بكسر الميم الثانية (قط
(١) البخاري في الأدب المفرد ص ١١٩ حديث رقم ٣٢٢.
(٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ١٥٥/١ حديث رقم ٢٥٨٥.
الحديث رقم ٥٨١٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٦٦/٦. حديث رقم ٣٥٦٢. ومسلم في صحيحه ٤/
١٨٠٩ حديث رقم (٢٣٢٠.٦٧). وابن ماجه في السنن ١٣٩٩/٢ حديث رقم ٤١٨٠ وأحمد في
المسند ٧٩/٣.
الحديث رقم ٥٨١٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٦١٦/٢ حديث رقم (٨٩٩.١٥). والبخاري في صحيحه
١٠/ حديث رقم ٦٠٩٢. وأحمد في المسند ٦٦/٦.
4 92018
يعود،
٠ ٣.

٤٨٦
/
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَله
ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، وإِنما كانَ يتبسَّمُ. رواه البخاري.
٥٨١٥ _ (١٥) وعنها، قالتْ: إِنَّ رسولَ اللَّهِ وَ ل﴿ لم يكن يسرد الحديثَ كسردكم،
كان يُحدِّثُ حديثاً لو عدَّه العادُّ لأحصاه. متفق عليه.
٥٨١٦ _ (١٦) وعن الأسود، قال: سألتُ عائشة: ما كانَ النبي ◌ِّ يصنَعُ في بيتِهِ؟
ضاحكاً) قال التوربشتي: يريد ضاحكاً كل الضحك. يقال: استجمع الفرس جرياً. قال الطيبي:
فعلى هذا ضاحكاً وضع موضع ضحكاً على أنه منصوب على التمييز. قال في المغرب: استجمع
السيل اجتمع من كل موضع، واستجمعت للمرء أموره، وهو لازم. وقولهم: استجمع الفرس
جرياً نصب على التمييز. وأما قول الفقهاء: مستجمعاً شرائط الجمعة، فليس بثبت انتهى.
والمعنى: ما رأيته ضاحكاً كل الضحك بجميع الفم. (حتى أرى منه لهواته) بفتحتين جمع لهاة
وهي لحمة مشرفة على أقصى الفم من سقفه. (وإنما كان) أي غالباً (يتبسم وربما يضحك) لكن
لا على سبيل المبالغة (رواه البخاري.) وكذا مسلم وأبو داود.
٥٨١٥ - (وعنها) أي عن عائشة (قالت: إن رسول الله وَلاير لم يكن يسرد) بضم الراء، أي
لم يكن يتابع. (الحديث) أي الكلام (كسردكم) أي المتعارف بينكم من كمال اتصال ألفاظكم،
بل كان كلامه فصلاً بيناً واضحاً لكونه مأموراً بالبلاغ المبين كما بينته بقولها: (كان يحدث
حديثاً لوعده العاد) أي لو أراد عده مريد العد (لأحصاه) أي لعده واستقصاه. وفي وضع أحصاه
موضع عده مبالغة لا تخفى. فإن أصل الاحصاء هو العد بالحصي. ولا شك في حصول
المهلة عند عده من رفعه وحطه. قال الطيبي: يقال: فلان سرد الحديث إذا تابع الحديث
بالحديث استعجالاً، وسرد الصوم تواليه. يعني: لم يكن حديث النبي متتابعاً بحيث يأتي بعضه
إثر بعض فيلتبس على المستمع، بل كان يفصل كلامه، لو أراد المستمع عده أمكنة. فيتكلم
بكلام واضح مفهوم في غاية الوضوح والبيان. (متفق عليه) ورواه الترمذي في الشمائل. ولفظ
الجامع: كان يحدث حديثاً لوعده العاد لأحصاه. رواه الشيخان وأبو داود(١). وفي الجامع
أيضاً: كان يعبد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه. رواه الترمذي والحاكم عن أنس(٢).
9:27
٥٨١٦ - (وعن الأسود) قال المؤلف: هو ابن هلال المحاربي. روي عن عمر ومعاذ
وابن مسعود وعنه جماعة. (قال: سألت عائشة ما كان النبي وَل﴿ يصنع في بيته) ما استفهامية
الحديث رقم ٥٨١٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٥٦٧. حديث رقم ٣٥٦٨. ومسلم في صحيحه
٤/ ١٩٤٠ حديث رقم (٣٤٩٣.١٦٠). وأبو داود ٤/ ٦٥ حديث رقم ٣٦٥٥ والترمذي في السنن
٥٦٠/٥ حديث رقم ٣٦٣٩. وأحمد في المسند ١١٨/٦.
(١) الجامع الصغير ٢/ ٤٣٢ حديث رقم ٧٠٠٨.
(٢) الجامع الصغير ٤٣٧/٢ حديث رقم ٧١١٤ والحديث أخرجه الترمذي في السنن حديث رقم ٣٦٤٠.
الحديث رقم ٥٨١٦: أخرجه البخاري في صحيحه ١٦٢/٢. حديث رقم ٦٧٦. والترمذي في السنن ٤/
٥٦٤ حديث رقم ٢٤٨٩. وأحمد في المسند ٤٩/٦.

1992
٤٨٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَله
قالتْ: كانَ يكونُ في مَهْنَةِ أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إِلى الصلاة.
رواه البخاري.
٥٨١٧ - (١٧) وعن عائشة، قالتْ: ما خُيّر رَسُولُ اللَّهِ وَلّه بين أمرين قطُ إِلا أخذ
أَيْسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان أبعدَ النَّاس منه، وما انتقم رسول الله وَّر لنفسه في شيء
قطُ، إِلا أن يُنتهك حرمةُ الله فينتقم
(قالت: كان) أي من عادته (يكون) أي يستمر مشتغلاً (في مهنة أهله) بفتح الميم وتكسر
وبسكون الهاء. أي مصالح عياله، والمهنة الخدمة والابتذال. ففيه مبالغة لقيامة مقام الرجال،
ولهذا قال الراوي: (تعني خدمة أهله) أي أهل بيته، ممن يكون أهلاً لخدمته. قال صاحب
النهاية: المهنة الخدمة، والرواية بفتح الميم وقد تكسر. قال الزمخشري: وهو عند الإثبات
خطأ. قال الأصمعي: المهنة بفتح الميم، ولا يقال مهنة بالكسر. وكان القياس لو قيل: مثل
جلسة وخدمة، إلا أنه جاء على فعلة واحدة. وفي القاموس: المهنة بالكسر والفتح والتحريك،
وككلمة الحذق بالخدمة. والعمل. مهنة كمنعه ونصره، مهناً ومهنة، وبكسر خدمه. وقال
العسقلاني: المهنة بفتح الميم وكسرها. وأنكر الأصمعي الكسر وفسّرها بخدمة أهله. وثبت أن
التفسير من قول الراوي عن شعبة وأن جماعة رووه بدونه. لكن أخرج ابن سعد في رواية:
بدونه. وفي رواية: في آخره. تعني بالمهنة خدمة أهله. (فإذا حضرت الصلاة خرج إلى
الصلاة) أي وترك جميع عمله، وكأنه لم يعرف أحداً من أهله. (رواه البخاري) وكذا الترمذي.
٥٨١٧ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما خير) أي ما جعل مخيراً (رسول الله، وكلهم
بين أمرين إلا أخذ) أي اختار، كما في رواية الترمذي. (أيسرهما ما لم يكن) أي الأمر الأيسر
(إنما) أي ذا إثم. وفي رواية الترمذي: ما لم يكن مأثماً، أي إثماً أو موضع إثم، بناء على أنه
مصدر ميمي أو اسم مكان؛ وإلى هنا انتهى رواية الترمذي. (فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه)
أي وكان حينئذ يأخذ أرشدهما ولو أعسرهما وأشدهما. قال العسقلاني: أبهم فاعل خير ليكون
أعم من أن يكون من قبل المخلوقين، أو من قبل الله تعالى. لكن التخيير بين ما فيه إثم وبين
ما لا إثم فيه من قبل الله مشكل، لأن التخيير إنما يكون بين جائزين، إلا إذا حملنا على ما
يفضي إلى الإِثم، فذلك ممكن بأن يخير بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من
الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف. وإن كان السعة أسهل
فالإِثم على هذا أمر نسبي لا ما يراد به الخطيئة لثبوت العصمة. (وما انتقم رسول الله (وَي) أي
ما عاقب أحداً (لنفسه) أي لأجل حظها (في شيء) أي يتعلق بنفسه (قط) أي أبداً (إلا أن ينتهك
حرمة الله) بصيغة المجهول أي يرتكب (فينتقم) بالرفع وفي نسخة بالنصب، أي فيعاقب.
الحديث رقم ٥٨١٧: أخرجه البخاري في السنن ٦ / ٥٦٦. حديث رقم ٣٥٦٠. ومسلم في صحيحه ٤/
١٨١٣ حديث رقم (٢٣٢٧.٧٧). وأخرجه أبو داود ١٤٢/٥ حديث ٤٧٨٥. ومالك في الموطأ
٩٠٢/٢ حديث رقم ٢ من باب حسن الخلق. وأحمد في المسند ٣٢/٦.
م*٠٠
aX'
ـ+ جنه را
1

٤٨٨
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَل في
الله بها. متفق عليه .
٥٨١٨ _ (١٨) وعنها، قالت: ما ضرب رسول الله وَ ﴾ لنفسه شيئاً قطُ بيدِه، ولا
امرأة ولا خادماً، إِلا أن يُجاهدَ في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطّ، فينتقم من صاحبه،
إِلّ أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. رواه مسلم.
١٥/١/١٤/١
(حينئذ لله) أي لغرض آخر (بها) أي بسبب تلك الحرمة. ثم انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل.
يقال: فلان انتهك محارم الله أي فعل ما حرم الله فعله عليه. قال الطيبي: استثناء منقطع، أي
ما عاقب أحد لخاصة نفسه بجناية جني عليه، بل بحق الله تعالى إذا فعل أحد شيئاً من
المحرمات امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور - ٢]. قال
العسقلاني: المعنى ما انتقم لحاجة نفسه، فلا يرد أمره وَ له بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله
ابن خطل وغيرهما ممن كان يؤذي رسول الله وَلقر، لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله.
وقيل: ذلك في غير السب الذي يفضي إلى الكفر. وقيل: يختص ذلك بالمال، وأما العرض
فقد اقتص ممن نال منه. (متفق عليه.) ورواه أبو داود.
٥٨١٨ - (وعنها) أي عن عائشة رضي الله عنها (قالت: ما ضرب رسول الله وَ لفيه شيئاً)
أي آدمياً لأنه وَلّر ربما ضرب مركوبه، (قط بيده ولا امرأة ولا خادماً) خصا بالذكر اهتماماً
بشأنهما ولكثرة وقوع ضرب هذين والاحتياج إليه وضربهما وإن جاز بشرطه، فالأولى تركه،
قالوا بخلاف الولد. فإن الأولى تأديبه ويوجه بأن ضربه لمصلحة تعود إليه فلم يندب العفو،
بخلاف ضرب هذين فإنه لحظ النفس غالباً فندب العفو عنهما مخالفة لهواها وكظماً لغيظها.
(إلا أن يجاهد في سبيل الله) فإنه ◌َلي قتل أبي بن خلف بأحد. ثم ليس المراد به الغزو مع
الكفار فقط، بل يدخل فيه الحدود والتعازير وغير ذلك. (وما نيل) بكسر النون مجهول نال.
يقال: نال منه نيلاً إذا أصاب: وفي الحديث: إن رجلاً كان ينال من الصحابة أي يقع فيهم
ويصيب منهم، فالمعنى ما أصيب منه. (شيء قط فينتقم من صاحبه) أي من صاحب ذلك
الشيء. (إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم الله. رواه مسلم) وروى الترمذي الفصل
الأول بلفظ: ما ضرب رسول الله وَ * بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله. ولا ضرب
خادماً ولا امرأة. والفصل الثاني بلفظ: ما رأيت رسول الله وَلتر منتصراً من مظلمة ظلمها قط
ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء؛ فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء كان من
أشدهم في ذلك غضباً.
الحديث رقم ٥٨١٨: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨١٤/٤ حديث رقم (٢٣٢٨.٧٩). وأخرجه أبو داود.
١٤٢/٥ حديث رقم ٤٧٨٦. وابن ماجه في السنن ٦٣٨/١ حديث رقم ١٩٨٤.

٠٠٢
٤٨٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَلفيه
الفصل الثاني
٥٨١٩ _ (١٩) عن أنس، قال: خدمتُ رسولَ اللَّهِ و ◌َلِّ وأنا ابن ثمانٍ سنين، خدمته
عشر سنين، فما لامني على شيءٍ قطُ أُتيَ فيه على يديّ، فإن لامني لائم من أهله قال:
((دعوه فإنه لو قضي شيءٌ كان)). هذا لفظ ((المصابيح)) وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)»
مع تغيير يسير.
٥٨٢٠ - (٢٠) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن رسول الله،وعليه فاحشاً ولا
متفحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسَّيئة السَّيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه
الترمذي.
(الفصل الثاني)
٥٨١٩ - (عن أنس قال: خدمت رسول الله وَ لجه وأنا ابن ثمان سنين) بحذف الياء من
ثماني مضافاً، والجملة حال دال على أول الخدمة، ولذا أطلقه. ثم أعاده مقيداً بقوله: (خدمته
عشر سنين فما لامني على شيء قط أتي فيه) بصيغة المجهول أي أهلك وأتلف من قولهم: أتى
عليهم الدهر أي أهلكهم وأفناهم، وضمير فيه عائد إلى شيء والجار والمجرور أقيم مقام
الفاعل، أي ما لامني على شيء أتلف. (على يدي) بصيغة التثنية. وفي نسخة بالإفراد. قال
الطيبي: أتى صفة شيء وضمن فيه معنى عيب أو طعن وعلى يدي حال. (فإن لا مني لائم من
أهله. قال: دعوه) أي اتركوه (فإنه) أي الشأن (لو قضي شيء لكان) أي لو قدر أمر لوقع. (هذا
لفظ المصابيح) وكذا رواه ابن حبان في صحيحه. (وروى البيهقي في شعب الإيمان مع تغيير)
أي يسير يسامح في مثله .
٥٨٢٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن رسول الله وَلغير فاحشاً) أي ذا
فحش في أقواله وأفعاله (ولا متفحشاً) أي متكلفاً فيه ومتعمداً كذا في النهاية. قال
القاضي: نفت عنه تولي الفحش والتفوه به طبعاً وتكلفاً. (ولا سخاباً) أي صياحاً (في
الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة) أي بل بالحسنة، لقوله: (ولكن يعفو) أي في الباطن
(ويصفح) أي يعرض في الظاهر عن صاحب السيئة لقوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح
إن الله يحب المحسنين﴾ [المائدة - ١٣]. (رواه الترمذي).
الحديث رقم ٥٨١٩: أخرجه أحمد في المسند ٢٣١/٣ والبيهقي في شعب الإيمان ٢٥٨/٦ حديث رقم
٨٠٧٠.
الحديث رقم ٥٨٢٠: أخرجه الترمذي في السنن ٣٢٤/٤ حديث رقم ٢٠١٦. وابن ماجه في السنن ٢/
١٣٩٨ حديث رقم ٤١٧٨. وأحمد في المسند ٦/ ١٧٤.

٤٩٠
٢٠٢
*** :
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَطاهر
٥٨٢١ - (٢١) وعن أنسٍ، يحدِّث عن النبي وَِّ أنه كانَ يعودُ المريضَ، ويتبع
الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، لقد رأيته يومَ خيبر على حمارٍ خِطَامُه
ليفٌ. رواه ابن ماجه والبيهقي في ((شعب الإِيمان)).
٥٨٢٢ - (٢٢) وعن عائشة، قالتْ: كان رسول الله وَل يخصف نعله، ويخيط ثوبه،
ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، وقالت: كانَ بَشراً من البشر، يفلِّي ثوبه،
٥٨٢١ - (وعن أنس) رضي الله عنه (يحدث عن النبي ◌َّر أنه كان يعود المريض ويتبع)
بفتح الموحدة، وفي نسخة بتشديد التاء وكسر الباء أي يعقب ويشيع (الجنازة) بفتح الجيم
وكسرها (ويجيب دعوة المملوك) أي المأذون أو المعتوق أو إلى بيت مالكه. (ويركب الحمار)
وهذا كله يدل على كمال التواضع للحق وحسن الخلق في معاشرة الخلق. (لقد رأيته يوم خيبر
على حمار خطامه) بكسر أوله أي زمامه (ليف) قال ابن الملك: فيه دليل على أن ركوب
الحمار سنة. قلت: فمن استنكف من ركوبه كبعض المتكبرين وجماعة من جهلة الهند فهو
أخس من الحمار. (رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان) وفي الجامع: كان يجلس على
الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير. رواه
الطبراني في الكبير عن ابن عباس(١). وروى الحاكم في مستدركه عن أنس: كان يردف خلفه
ويضع طعامه على الأرض ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار(٢). وفي رواية: عرياً ليس
عليه شيء(٣). وروى ابن عساكر عن أبي أيوب: كان يركب الحمار ويخصف النعل ويرقع
القميص ويلبس الصوف، ويقول: من رغب عن سنتي فليس مني(٤).
٥٨٢٢ - (وعن عائشة قالت: كان رسول الله وَ ل* يخصف) بكسر الصاد أي يخرز ويرقع.
وفي شرح السنة: أي يطبق طاقة على طاقة، وأصل الخصف الضم والجمع. ومنه قوله تعالى:
﴿يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [الأعراف - ٢٢]. أي يطبقان ورقة ورقة على بدنهما.
(ويخيط) بكسر الخاء (ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته) تعميم بعد تخصيص.
وفي الجامع برواية أحمد عن عائشة: كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في
بيوتهم(٥). (وقالت: كان بشراً من البشر يفلي ثوبه) بكسر اللام أي ينظر في الثوب هل فيه
الحديث رقم ٥٨٢١: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٣٩٨/٢ حديث رقم ٤١٧٨. والبيهقي في شعب الإيمان
٢٨٩/٦ حديث رقم ٨١٩٠.
(١) الجامع الصغير ٢/ ٤٣٣ حديث رقم ٦٩٨٩.
(٢)
الحاكم في المستدرك ١١٩/٤.
(٣)
ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٤٣٣/٢ حديث رقم ٧٠٣١.
(٤) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٤٣٣ حديث رقم ٧٠٢٣.
الحديث رقم ٥٨٢٢: أخرجه أحمد في المسند ٦/ ١٦٧.
(٥) الجامع الصغير ٤٣٣/٢ حديث رقم ٧٠١٨. والحديث أخرجه أحمد في المسند ٦/ ١٢١.

٤٩١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله الخ
*ويحلب شاته، ويخدم نفسه. رواه الترمذي.
٥٨٢٣ - (٢٣) وعن خارجة بن زيد بن ثابت، قال: دخل نفر على زيدِ بنِ ثابتٍ،
فقالوا له: حدِّثْنا أحاديثَ رسول الله وَّ، قال: كنتُ جاره، فكانَ إِذا نزل عليه الوحي بَعث
إِليَّ فكتبتُه له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإِذا ذكرنا
الطعام ذكره معنا،
شيء من القمل. وهو لا ينافي ما روي من أن القمل لم يكن يؤذيه. وقال شارح: أي يلتقط
القمل. (ويحلب شاته) بضم اللام (ويخدم نفسه) بضم الدال ويكسر، وهو تعميم وتتميم. قال
الطيبي: قولها كان بشراً تمهيد لما بعده، لأنه لما رأت من اعتقاد الكفار أن النبي وَّ لا يليق
بمنصبه أن يفعل ما يفعل غيره من عامة الناس وجعلوه كالملوك، فإنهم يترفعون عن الأفعال
العادية الدنية تكبراً كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي
في الأسواق﴾ [الفرقان - ٧]. فقالت: إنه وَ ل* كان خلقاً من خلق الله تعالى وواحداً من أولاد
آدم شرفه الله بالنبوّة وكرمه بالرسالة، وكان يعيش مع الخلق بالخلق ومع الحق بالصدق، فيفعل
مثل ما فعلوا ويعينهم في أفعالهم تواضعاً وإرشاداً لهم إلى التواضع ورفع الترفع وتبليغ الرسالة
من الحق إلى الخلق، كما أمر. قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ﴾ [الكهف -
١١٠]. (رواه الترمذي) وكذا ابن حبان وصححه. وفي الجامع: كان يأتي ضعفاء المسلمين
ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم رواه أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه
والحاكم في مستدركه عن سهل بن حنيف(١).
+ جورة
٥٨٢٣ - (وعن خارجة بن زيد بن ثابت) أي الأنصاري المدني. قال المؤلف: تابعي
جليل القدر أدرك زمن عثمان وسمع أباه وغيره من الصحابة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة.
(قال: دخل نفر) أي جماعة من التابعين؛ وقيل: النفر عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. (على
زيد بن ثابت) وهو أبو خارجة صحابي جليل أفرض الصحابة وأجل كتبة الوحي ومن أعظم
القراء، قرأ عليه ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين. (فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول
الله وَّر) وفي نسخة: عن رسول الله. وكأنهم أرادوا ما يدل على حسن الخلق وجميل المعاشرة
مع الخلق. (قال: كنت جاره) فيه إيماء إلى قربه إليه حساً ومعنى وإشارة إلى أن له خبرة به أتم
من غيره. (فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي) أي أرسل إلي أحداً يطلبني. (فجئته فكتبته) أي
الوحي (له) أي لأجل أمره (فكان) أي من عادته في مجاملته ومراعاة مصاحبته (إذا ذكرنا الدنيا)
أي ذماً أو مدحاً لكونها مزرعة الآخرة (ذكرها معنا) [أي على وجه الاعتبار وفيما يكون منها
معيناً على زاد طريق دار القرار. (وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا)] زيادة على الخير ومعاونة على
التقوى. (وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا) ويشير إلى فوائده وحكمه ولطائفه وآداب أكله.
(١) الجامع الصغير ٤٢٨/٢ حديث رقم ٦٩٢٧. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢ / ٤٦٦.
الحديث رقم ٥٨٢٣: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٤٥/١٣ حديث رقم ٣٦٧٩.
/ .BAR
:١٩٦٠٠١

٤٩٢
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله الغر
فكل هذا أُحدثكم عن رسول الله وَلاغير. رواه الترمذي.
٥٨٢٤ _ (٢٤) وعن أَنسٍ، أنَّ رسول الله بِّهِ كانَ إِذا صافح الرجل لم ينزع يده من
يده حتی یکون هو الذي ينزع يده، ولا یصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي
يصرف وجهه عن وجهه، ولم يُرَ مقدماً ركبتيه بین یدي جليس له. رواه الترمذيُّ.
٥٨٢٥ _ (٢٥) وعنه، أنَّ رسول الله وَ لَهَ كانَ لا يدَّخِرِ شيئاً لغدٍ. رواه الترمذي.
والحاصل أنه كان يلاطفهم في الكلام لئلا يحصل لهم التبرم والسآم، ويسوقهم فيما يشرعون
فيه إلى ما شرع إليه من تبليغ المواعظ والأحكام. ولا ينافي هذا ما ورد من أنه وَليزر ((كان يخزن
لسانه إلا فيما يعنيه))، وأن مجلسه مجلس علم لأن ذكر الدنيا والطعام قد يقترن به فوائد علمية
أو حكمية أو أدبية. وبتقدير خلوه عنها ففيه جواز تحدث الكبير مع أصحابه في المباحات،
ومثل هذا البيان واجب عليه وَّير والله أعلم. (فكل هذا) بالرفع وينصب. أي جميع ما ذكر.
(أحدثكم) فقيل الرواية بالرفع وفي خبره الرابطة محذوف، ويجوز النصب بتقدير أحدثكم إياه.
(عن رسول الله ◌َ*) والمقصود من هذه الجملة تأكيد صحة الحديث وإظهار الاهتمام به والله
أعلم. (رواه الترمذي).
١٠
٥٨٢٤ - (وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله و لفر كان إذا صافح الرجل لم ينزع)
بكسر الزاي أي لم يخلص ولم يفك (يده من يده حتى يكون) أي الرجل (هو الذي ينزع يده.
ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه. ولم ير) بصيغة
المجهول أي لم يبصر (النبي {ل# مقدماً) بكسر الدال المشددة (ركبتيه بين يدي جليس) أي
مجالس (له) قيل: أي ما كان يجلس في مجلس تكون ركبتاه متقدمتين على ركبتي صاحبه كما
يفعل الجبابرة في مجالسهم. وقيل: ما كان يرفع ركبتيه عند من يجالسه، بل كان يخفضهما
تعظيماً لجليسه. وقالوا: أراد بالركبتين الرجلين وتقديمهما مدهما وبسطهما، كما يقال: قدم
رجلاً وأخر أخرى. ومعناه: كان وَ ل﴿ لا يمد رجله عند جليسه تعظيماً له. قال الطيبي: فيه وفي
قوله: كان لا ينزع يده قبل نزع صاحبه. تعليم لأمته في إكرام صاحبه وتعظيمه فلا يبدأ
بالمفارقة عنه ولا يهينه بمد الرجلين إليه. (رواه الترمذي).
٥٨٢٥ - (وعنه) أي عن أنس (أن رسول الله و ليو كان لا يدخر) أي لا يبقي (شيئاً لغد)
توكلاً على الله واعتماداً على خزائنه، وهذا بالنسبة إلى نفسه النفيسة خاصة، فأما لأجل أهله
وعياله فربما كان يدخر لهم قوت سنتهم لضعف حالهم وعدم قوة احتمالهم وقلة كمالهم.
(رواه الترمذي).
الحديث رقم ٥٨٢٤: أخرجه الترمذي في السنن ٥٦٤/٤ حديث رقم ٢٤٩٠. وأخرجه ابن ماجه ١٢٢٤/٢
حديث رقم ٣٧١٦.
الحديث رقم ٥٨٢٥: أخرجه الترمذي في السنن ٥٠١/٤ حديث رقم ٢٣٦٢.

٤٩٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَلجه
٥٨٢٦ - (٢٦) وعن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله وَل﴿ طويلَ الصَمْت. رواه
في ((شرح السنَّة)).
٥٨٢٧ - (٢٧) وعن جابرٍ، قال: كانَ في كلام رسول اللهِ وَّر ترتيلٌ وترسيلٌ. رواه
أبو داود.
٥٨٢٨ - (٢٨) وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما كانَ رسولُ اللهِوَه يسرد
سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بينه
٥٨٢٦ - (وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله وَّفي طويل الصمت) أي كثير
السكوت، والمعنى أنه لا يتكلم إلا لحاجة. وقد قال # على ما رواه الشيخان وغيرهما عن
أبي هريرة: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخرة فليقل خيراً أو ليسكت)) (١). وقد قال الصديق
الأكبر: ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله. (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده
ورواه أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة أيضاً ولفظه: كان طويل الصمت قليل الضحك.
فكان حق صاحب المشكاة أن يسند إليه، فإن حديث مسند أحمد مما يعتمد عليه.
٥٨٢٧ - (وعن جابر) أي ابن عبد الله، ولذا لم يقل وعنه، لأنه غيره وهو المراد عند
الإطلاق به. (قال: كان في كلام رسول الله (للتر ترتيل) أي تبيين في قراءته لقوله تعالى:
﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل - ٤]. (وترسيل) أي تمهيل في حديثه أي قياساً عليه أو مراعاة
لقوله تعالى: ﴿وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين﴾ [النور - ٥٤]. وقال ابن الملك: هما
بمعنى، وهو التبيين والإيضاح في الحروف انتهى. ولا يخفى أن التأسيس بالتقييد أولى من
الحمل على التأكيد، وإن كان مآلهما واحداً، وأصل معنييهما متحداً. فإن المراد منهما أنه كان
لا يعجل في إرسال الحروف، بل يلبث فيها ويبينها تبييناً لذاتها من مخارجها وصفاتها وتمييزاً
لحركاتها وسكناتها. وخلاصة الكلام نفي العجلة وإثبات التؤدة. وفي النهاية: الترتيل في
القراءة، التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات، تشبيهاً بالشعر المرتل وهو المشبه بنور
الأقحوان، يقال: رتل القراءة وترتل فيها، والترسيل الترتيل. يقال: ترسل الرجل في كلامه
ومشیه إذا لم يعجل، وهو والترتيل سواء. (رواه أبو داود).
٥٨٢٨ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله ( * يسرد) أي في كلامه
(سردكم هذا) أي كسردكم من العجلة والمتابعة (ولكنه كان يتكلم بكلام بينه) أي بين أجزائه
الحديث رقم ٥٨٢٦: أخرجه أحمد في المسند ٨٦/٥.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٤٤٥/١٠ حديث رقم ٦٠١٨ ومسلم ٦٨/١ حديث رقم (٤٧.٧٥)
واللفظ له. واللفظ المتفق عليه ((ليصمت)).
الحديث رقم ٥٨٢٧: أخرجه أبو داود في السنن ١٧١/٥ حديث رقم ٤٨٣٨.
الحديث رقم ٥٨٢٨: أخرجه الترمذي في السنن ٥/ ٥٦٠ حديث رقم ٣٦٣٩. وأحمد في المسند ٦/ ٢٥٧.

٤٩٤
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله الفرد
فصلٌ، يحفَظه من جَلَسَ إِليه. رواه الترمذي.
٥٨٢٩ - (٢٩) وعن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ جَزْءٍ، قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسُّماً
من رسول الله وَلو. رواه الترمذي.
١٠
٥٨٣٠ _ (٣٠) وعن عبدِ اللهِ بنِ سلام. قال: كان رسول الله وَّهِ إِذا جَلَّس يتحدثُ
يُكثر أن يرفع طَرْفه إِلى السَّماءِ. رواه أبو داود.
الفصل الثالث
٥٨٣١ - (٣١) عن عمرو بن سعيد، عن أنس، قال: ما رأيت أحداً كان أرحَم
بالعيال من رسول الله وَالچور،
(فصل) أي فرق أو فاصل يحفظه من جلس إليه (رواه الترمذي).
٥٨٢٩ - (وعن عبد الله بن الحارث بن جزء) بفتح جيم وسكون زاي فهمز كذا ذكره
المؤلف في أسمائه. وقيل: هو بكسر زاي وبياء. وقيل: جز بشدة زاي، كذا في المغني وهو
أبو الحرث السهمي، شهد بدراً وسكن مصرومات بها. (قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من
رسول الله ﴾. رواه الترمذي).
٥٨٣٠ - (وعن عبد الله بن سلام قال: كان رسول الله وَ﴿ إذا جلس يتحدث يكثر) من
الإكثار أي يتحقق منه كثيراً (أن يرفع طرفه) بسكون الراء أي نظره (إلى السماء) أي كان ينظر
إلى السماء حال التكلم ترقباً لجبريل وانتظاراً لوحي المولى وشوقاً إلى الرفيق الأعلى. (رواه
أبو داود).
(الفصل الثالث)
٥٨٣١ - (عن عمرو بن سعيد عن أنس) كذا في النسخ المعتبرة والأصول المشتهرة.
ويؤيده ما في الكاشف(١). وفي نسخة عن أنس عن عمرو بن سعيد. والظاهر أنه سهو قلم
وزلة قدم وقلب كلام لما في أسماء الرجال للمؤلف، هو عمرو بن سعيد مولى ثقيف بصري،
روى عن أنس وأبي العالية وغيرهما، وعنه ابن عون وجرير بن حازم وعدة. (قال: ما رأيت
أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله وَ﴿) قال النووي: هذا هو المشهور ويروى بالعباد.
١١٣٢ /١٢٨٠
الحديث رقم ٥٨٢٩: أخرجه الترمذي في السنن ٥٦١/٥ حديث رقم ٣٦٤١. وأحمد في المسند ١٩٠/٤.
الحديث رقم ٥٨٣٠: أخرجه أبو داود في السنن ١٧١/٥ حديث رقم ٤٨٣٧.
الحديث رقم ٥٨٣١: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٠٨/٤ حديث رقم ٢٣١٦/٦٣. وأحمد في المسند ٣/
١١٢.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) وهو شرح المشكاة للطيبي رحمه الله.
٠٠٠

٤٩٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَله
كان إِبراهيم ابنه مسترضعاً في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإِنَّه
ليُدَّخن، وكان ظئرُه قيناً، فيأخذه فَيُقَبّلهُ ثم يرجع. قال عمرو: فلمَّا توفي إِبراهيم قال رسول
الله ◌ٍَّ: ((إِن إِبراهيم ابني، وإِنه مات في الثدي، وإِن له لظئرين تُكملان رَضَاعَةُ في الجنَّة))
رواه مسلم.
قلت: ويلائم الأول استئنافه البياني بقوله: (كان إبراهيم ابنه مسترضعاً) بفتح الضاد، وقيل
بكسرها. (في عوالي المدينة) أي القرى التي عند المدينة (فكان) أي النبي وَلقر (ينطلق ونحن
معه فيدخل البيت) أي الذي فيه إبراهيم (وإنه ليدخن) بضم الياء وتشديد الدال وفتح الخاء.
وفي نسخة بسكون الدال. وفي نسخة بفتح الياء وتشديد الدال وكسر الخاء، ثم بين سببه
بقوله: (وكان ظئره قيناً) وهو أبو سمين القين، واسمه البراء بن أوس الأنصاري وهو معروف
بكنيته. قال النووي: الظئر بكسر الظاء مهموزة المرضعة ولد غيرها وزوجها ظئر لذلك
المرضع، والظئر يقع على الذكر والأنثى. والقين بالفتح الحداد. ثم الجملتان حاليتان
معترضتان بين المعطوف عليه وهو قوله: (فيدخل البيت) والمعطوف وهو قوله: (فيأخذه) أي
ابنه (فيقبله ثم يرجع قال عمرو:) أي ناقلاً عن أنس خلافاً لمن توهم أنه الراوي، فإنه من
التابعين، على أنه يمكن أن يكون مقوله الآتي موقوفاً عليه ومنقطعاً عما قبله. (فلما توفي
إبراهيم قال رسول الله وَلي: إن إبراهيم ابني) محط فائدته التقرير لأن أمه جارية، وهي مارية
القبطية، أهداها المقوقس القبطي صاحب مصر والإسكندرية وولدت إبراهيم في ذي الحجة
سنة ثمان (وإنه مات في الثدي) وهو كناية عن الرضاع، أو المراد به اللبن وزوجته التي أرضعت
إبراهيم أم بردة، كذا ذكره المؤلف بذكر المحل وإرادة الحال. وقال الطيبي: أي في سن رضاع
الثدي أو في حال تغذيه بلبن الثدي. (وإن له الظئرين) أي المرضعتين بدل واحدة في الدنيا.
(تكملان) من باب الإفعال، وفي نسخة: من باب التفعيل أي توفيان وتتمان. (رضاعه) بفتح
الراء وتكسر أي مدة رضاعه وهي الحولان. فإنه توفي وله ستة عشر شهراً أو سبعة عشر.
وقيل: وله سبعون يوماً فترضعانه بقية السنتين. (في الجنة) قال صاحب التحرير: وهذا الإتمام
لإرضاع إبراهيم يكون عقيب موته فيدخل الجنة متصلاً بموته، فيتم فيها رضاعه كرامة له
ولأبيه وَلجر. (رواه مسلم) وأما حديث: لو عاش إبراهيم لكان صديقاً نبياً. فأخرجه الماوردي(١)
عن أنس وابن عساكر عن جابر وابن عباس وعن ابن أبي أوفى، ورواه ابن سعد عن مكحول
مرسلاً: لو عاش إبراهيم ما رق له خال. وروى ابن سعد عن الزهري مرسلاً: لو عاش إبراهيم
لوضعت الجزية عن كل قبطي. كذا ذكره الشيخ جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير (٢).
وقال ابن الربيع في كتابه تمييز الطيب من الخبيث. أخرج ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس
قال: لما مات إبراهيم ابن النبي وَّ﴿ وقال: إن له مرضعاً في الجنة ولو عاش لكان صديقاً نبياً،
ولو عاش أعتقت أخواله من القبط وما استرق قبطي. وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان
٠٠٫٠
(١) في المخطوطة ((البارودي)). وفي الجامع الصغير ((الباوردي)) ٢/ ٤٥٧ حديث رقم ٧٤٥٣.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٤٥٧ الأحاديث رقم ٧٤٥٣ و٧٤٥٤ و ٧٤٥٥.
1:٠٠
٦٣٫٧
٠٩٣٣٣

٠٠:
٤٩٦
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وال لحوم
٥٨٣٢ - (٣٢) وعن علي رضي الله عنه، أَنَّ يهوديّاً يُقالُ له: فلانٌ، حَبْرٌ، كانَ له
على رسولِ اللهِ وَ﴿ دنانيرُ، فتقاضى النبيَّ وَِّ، فقال له: ((يا يهوديُّ! ما عندي ما أُعطيكَ)).
قال: فإني لا أُفارِقُكَ يا محمَّدُ حتى تعطيني. فقال رسولُ الله ◌ََّ: ((إِذاً أجلسُ معَكَ))
فجلسَ معَه، فصلَّى رسولُ اللهِ وَ﴿ الظهر والعصرَ والمغرب والعشاءَ الآخرةَ والغَداةَ، وكانَ
أصحابُ رسولِ اللهِ وَ ﴿ يتهدَّدونَه ويتوعَّدونه، ففطنَ رسولُ اللهِ وَِّ ما الذي
٠٠٠٠
الواسطي وهو ضعيف والله أعلم انتهى. وقال النووي في تهذيبه: وأما ما روي عن بعض
المتقدمين حديث: لو عاش إبراهيم لكان نبياً. فباطل وجسارة على الكلام بالمغيبات ومجازفة
وهجوم على عظيم. وقال ابن عبد البر في تمهيده: لا أدري ما هذا فقد ولد نوح غير نبي ولو
لم يلد إلا نبياً لكان كل أحد نبياً لأنه من ولد نوح انتهى. وهو تعلیل علیل إذ ليس في الكلام
ما يدل على أن ولد النبي نبي بطريق الكلية، ولا ضرر في تخصيص التقدير والفرضية مع أنه لا
يستلزم وقوع المقدم في القضية الشرطية، فلا ينافي كونه له* خاتم النبيين فيقرب من قوله وَلقول
على ما رواه أحمد والترمذي والحاكم عن عقبة بن عامر مرفوعاً: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر
ابن الخطاب)»(١). والله سبحانه أعلم بما كان وما يكون وبما لا يكون، وبأنه لو كان كيف
يكون. هذا وقد قال شيخ مشايخنا العلامة الرباني الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة:
وهذا عجيب من النووي مع وروده عن ثلاثة من الصحابة ولا يظن بالصحابي أن يهجم على
مثل هذا بظنه. قلت: مع أنهم لم يقولوه موقوفاً، بل أسندوه مرفوعاً كما بينه(٢) خاتمة الحفاظ
السيوطي بأسانيده في رسالة على جدة، مع أن من القواعد المقررة في الأصول أن موقوف
الصحابي، إذا لم يتصور أن يكون من رأي فهو في حكم المرفوع. فإنكار النووي كابن عبد
البر لذلك، إما لعدم اطلاعهما، أو لعدم ظهور التأويل عندهما والله أعلم.
٥٨٣٢ - (وعن علي رضي الله عنه: أن يهودياً كان يقال له فلان) كناية عن اسمه (حبر)
أي عالم من علماء اليهود (كان له على رسول الله (وَ لاير دنانير) أي معدودة معلومة (فتقاضى
النبي ( *) أي فطالبه إياها (فقال له: يا يهودي ما عندي ما أعطيك) ما الأولى نافية، والثانية
موصوفة، أي شيئاً أعطيك إياه عوضاً عن الدنانير. (قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى
تعطيني) أي كي تعطيني، أو إلا أن تعطيني. (فقال رسول الله وَليفي: إذا) بالتنوين (اجلس معك)
بالرفع، وفي نسخة بالنصب. (فجلس معه. فصلى رسول الله ويلفي الظهر والعصر والمغرب
والعشاء الأخيرة والغدوة) أي الفجر وهو يحتمل كونها في المسجد أو في أحد بيوت أهله،
والأول أظهر [لقوله]: (وكان أصحاب رسول الله وَلير يتهددونه) أي بالضرب [مثلاً] (ويتوعدونه)
أي بالاخراج أو القتل (ففطن) بكسر الطاء أي فعلم (رسول الله ولي ما الذي يصنعون به) أي من
(١) أحمد في المسند ١٥٤/٤. والترمذي في السنن حديث رقم ٣٦٨٦ والحاكم في المستدرك ٣/ ٨٥.
(٢) في المخطوطة ((بيّن).
الحديث رقم ٥٨٣٢: رواه البيهقي في دلائل النبوة ٢٨٠/٦.
:٦/١٨

/ ٢٠
١٠٠٠٠
٤٩٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَلو
يصنعونَ به، فقالوا: يا رسولَ الله! يهوديٍّ يحبسُكَ فقال رسولُ اللهِ وَّل: ((منَعني ربي ان
أظلمَ معاهدًاً وغيرَه)) فلمَّا ترجَّلَ النهارُ قال اليهوديُّ: أشهدُ أنْ لا إِله إِلا اللَّهُ، وأشهدُ أنّكَ
رسولُ الله، وشطَرُ مالي في سبيلِ الله، أَمَا والله ما فعلتُ بكَ الذي فعلتُ بكَ إِلاَّ لأنظرَ إِلى
نعتكَ في التّوراةِ: محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ، مولدهُ بمكة، ومهاجَرُه بطيبَةَ، ومُلكُه بالشام، ليسَ
بفظّ ولا غليظٍ، ولا سخَّابٍ في الأسواقِ، ولا مُتَزَيّ بالفُحشِ، ولا قولِ الخنَا، أشهدُ أنْ لا
إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأَنَّكَ رسولُ الله، وهذا مالي فاحكم فيهِ بما أراكَ اللَّهُ، وكانَ اليهودي كثيرَ
المالِ. رواه البيهقي في («دلائل النُّوَّة)).
التهديد والوعيد الشديد. وما موصوفة بالموصولة، وكأنه أنكر عليم، أو بالغضب نظر إليهم،
أو لما فطن صنيعهم أرادوا الاعتذار. (فقالوا: يا رسول الله يهودي يحبسك) قال الطيبي: همزة
الانكار مقدرة والتنكير فيه للتحقير (فقال رسول الله وَ لاغير: منعني ربي أن أظلم معاهداً) بكسر
الهاء وهو الذمي والمستأمن (وغيره) تعميم بعد تخصيص ووجه تقديم المعاهد لما يقتضيه
المقام، أو لأن مخاصمته أقوى يوم القيامة لأنه لا يمكن ارضاؤه بأخذ حسنة مسلم له أو وضع
سيئة له على مسلم كما في مظالم الدواب. ولعل الأصحاب رضي الله عنهم لم يكونوا قدرين
على قضاء دينه أو ما يرضى بأدائهم مراعاة لأمر دينه وهو أظهر ولذا لم يكن يقرض إلا من
غيرهم لحكمة. ولعلها تبرئة من نوع طمع، أو صنف نفع يؤدي إلى نقصان أجر. وقد قال
تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً﴾ [الأنعام - ٩٠]. وتطابقت سنة الرسل على قولهم: وما
أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. وليكون حجة على اليهود لكونه زَلچر
منعوتاً في كتبهم بأنه يختار الفقر على الغنى وتبكيتاً عليهم في قوله عند نزول قوله تعالى: ﴿من
ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ [البقرة - ٢٤٥]. على ما حكى الله عنهم في قوله سبحانه:
﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ [الأعراف - ١٨١]. ومن جملة
الحكم ما ظهر في خصوص هذه القضية (فلما ترجل النهار) أي ارتفع الخفاء وتعين الظهور
وتبدل الظلمة بالنور وتغير الشدة بالسرور. (قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك
رسول الله، وشطر مالي) أي نصفه (في سبيل الله) أي في مرضاته شكراً لنعمة الإِسلام وطلباً
لمزيد الأنعام. (إما) بالتخفيف للتنبيه (والله ما فعلت بك الذي فعلت بك) أي من غلظ القول
وخشونة الفعل (إلا لأنظر إلى نعتك) أي إلى موافقة وصفك (في التوراة. محمد بن عبد الله
مولده بمكة ومهاجرته) بفتح الجيم أي موضع هجرته (بطيبة) أي المدينة (وملكه) أي معظمه
(بالشام) أي ونواحيه (ليس بفظ) أي سيىء اللسان (ولا غليظ) أي جافي الجنان (ولا سخاب)
أي صياح (في الأسواق) أي على عادة أهل الزمان (ولا متزي) أي متصف (بالفحش) أي في
الفعل لقوله: (ولا قول الخنا) بفتح أوّله متصوراً، أي الفحش والخشونة. (أشهد أن لا إله إلا
الله وأنك رسول الله وهذا مالي) أي كله، فكأنه سماه أو أشار إلى مكانه. (فاحكم فيه) أي في
جمیعه أو شطره (بما أراك الله) أي أعلمك بأنه محله اللائق به (وكان اليهودي كثير المال) أي
ومع هذا حسن له الحال والمنال وفي المآل (رواه البيهقي في دلائل النبوة).

٤٩٨
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله واله
٥٨٣٣ _ (٣٣) وعن عبدِ الله بن أبي أوفى، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَّلِ يُكثرُ الذِّكرَ،
ويُقِلُّ اللَّغوَ، ويُطيلُ الصَّلاةَ، ويُقصّرُ الخطبةَ، ولا يأنفُ أنْ يمشيَ معَ الأرملةِ والمسكينِ
فيقْضي لَه الحاجةَ. رواه النسائي، والدارمي.
٥٨٣٣ - (وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله وَّل﴿ يكثر الذكر) أي ذكر الله
وما يتعلق به لما في مسند الفردوس عن عائشة: ((من أحب شيئاً أكثر من ذكره))(١). (ويقل
اللغو) أي غير الذكر المذكور من ذكر الدنيا وما يتعلق بها، فإنه ولو كان ما يخلو عن مصلحة
وحكمة، لكنه بالإضافة إلى الذكر الحقيقي لغو. ولذا قال الغزالي: ضيعت قطعة من العمر
العزيز في تأليف البسيط والوسيط والوجيز. فأطلق عليه اللغو نظراً إلى الصورة والمبنى مع قطع
النظر عن المعنى. ومنه قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وإلا فقد قال تعالى في حق
كمل المؤمنين: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ [المؤمنون - ٣]. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وإذا
سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ [القصص - ٥٥]. وأما ما قيل من أن المعنى لا يلغو أصلاً، فإن
القلة قد تستعمل في النفي مطلقاً نحو: ﴿قليلاً ما تؤمنون﴾ [الحاقة - ٤١]. فيأباه حسن المقابلة
بقوله: ويكثر. وأما قول بعضهم: ويجوز أن يراد باللغو الدعابة وأن ذلك كان منه قليلاً
فمردود، إذ عد مزاحه وَل# من اللغو هو اللغو. فإنه روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قالوا:
يا رسول الله إنك تداعبنا. قال: إني لا أقول إلا حقاً (٢). فلله در مزاح هو الحق فكيف بجده
الذي هو الصدق المطلق. وقد صرح العلماء بأن المزاح بشرطه من جملة المستحبات فكيف
يعد من اللغويات، اللهم إلا أن يقال: ما قدمناه من الأمر النسبي واللغوي الإضافي. (ويطيل
الصلاة) أي خصوصاً في الجمعة لقوله: (ويقصر الخطبة) من التقصير، وفي نسخة من القصر.
ولعل وجهه أن الصلاة معراج المؤمن ومحل مناجاة المهيمن فيناسبها الإطالة بلا ملالة،
والخطبة محل التوجه إلى الخلق ودعائهم إلى الحق وفيها زيادة مظنة الرياء والسمعة لطلاقة
اللسان في الفصاحة والبلاغة. ولذا ورد: من فقه الرجل طول صلاته وقصر خطبته. (ولا
يأنف) بفتح النون من الأنفة، وزاد في الجامع: (ولا يستنكف) أي لا يستكبر (أن يمشي مع
الأرملة) في النهاية: الأرامل المساكين من رجال ونساء، وهو بالنساء أخص وأكثر. والواحد
أرمل وأرملة. وفي القاموس: امرأة أرملة محتاجة أو مسكينة، والأرمل العزب وهي بهاء. إذ لا
يقال للعزبة الموسرة أرملة انتهى. ولا يخفى أن المعنى الأخير هو المراد هنا لقوله:
والمسكين. اللهم إلا أن يقال عطف تفسيري كما يدل عليه قوله: (فيقضي له الحاجة) حيث
أتى [بصيغة] الإفراد، أو المراد لكل منهما، أو لما ذكر. (رواه النسائي والدارمي) وفي الجامع
بزيادة: والعبد، بعد قوله: والمسكين. وقال: رواه النسائي والحاكم عن ابن أبي أوفى والحاكم
الحديث رقم ٥٨٣٣: أخرجه النسائي في السنن ١٠٨/٣ حديث رقم ١٤١٤. والدارمي في السنن ٤٨/١
حدیث رقم ٧٤.
(١) مسند الفردوس وقد ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٥٠٧/٢ حديث رقم ٨٣١٢.
(٢) الترمذي ٣١٤/٤ حديث رقم ١٩٩٠.

٤٩٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَّفي
/ ٢٢٦٦
٥٨٣٤ - (٣٤) وعن عليّ رضي الله عنه، أنَّ أبا جهلٍ قال للنبيِّ وَطِّ: إِنَّا لا نُكذِّبِكَ
ولكنْ نكذِّبُ بما جئتَ به، فأنزلَ اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿فإنهم لا يُكذّبونكَ ولكنَّ الظالمينَ
بآياتِ اللَّهِ يَجْحَدونَ ﴾ رواه الترمذي.
٥٨٣٥ _ (٣٥) وعن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: (يا عائشةُ! لو شئتُ لسارت
معي جبالُ الذَّهب، جاءَني ملكٌ وإِنَّ حُجزتَهُ لتُساوي الكعبةَ، فقالَ: إِنَّ ربَّكَ يقرأُ عليكَ
السَّلامَ ويقولُ:
عن أبي سعيد(١).
٥٨٣٤ - (وعن علي رضي الله عنه: أن أبا جهل قال للنبي ◌َاقوى: إنّا) أي معشر قريش (لا
نكذبك) بتشديد الذال ويجوز تخفيفها، أي لا ننسبك إلى الكذب فإنك عندنا مشهور بالصدق.
(ولكن نكذب بما جئت به) أي نكذبك بسبب ما جئت به من القرآن أو التوحيد، والمعنى
ننكره. ومنه قوله تعالى: ﴿وكذب به قومك وهو الحق ﴾ [الأنعام - ٦٦]. ففي القاموس:
كذب بالأمر تكذيباً أنكره، وفلاناً جعله كاذباً. قلت: فاستعمل المعنيان في الحديث. (فأنزل
الله تعالى فيهم) أي في أبي جهل وأضرابه (﴿فإنهم لا يكذبونك﴾) أوله: ﴿قد نعلم أنه ليحزنك
الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك﴾ [الأنعام - ٣٣]. والجمهور على التشديد، وقرأ ابن عامر
بالتخفيف. (﴿ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾) يقال: جحد حقه وبحقه، كمنعه أكره مع
علمه كذا في القاموس. قال الطيبي: روي أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم
أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس عندنا غيرنا. فقال له: والله إن محمداً
الصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوّة فماذا يكون
لسائر قريش. فقوله: ولكن نكذب بما جئت به. وضع موضع، ولكن نحسدك وضعاً للمسبب
موضع السبب. (رواه الترمذي).
٥٨٣٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَلي: يا عائشة لو شئت) أي
لو أردت مال الدنيا ومنالها (لسارت معي جبال الذهب. جاءني) استئناف بيان متضمن للتعليل
أي نزل (إليّ ملك) أي عظيم طويل كما بين بقوله: (وإن حجزته) بضم الحاء وسكون الجيم
فزاي، أي معقد إزاره. (التساوي الكعبة) أي تعادل طولها، ولعل وجه ظهوره بهذه العظمة
تعظيماً لهذا الأمر وتهييباً. (فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام) في النهاية: يقال اقرىء فلاناً
السلام واقرأ عليه السلام، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده. وفي
القاموس: قرأ عليه السلام أبلغه كأقرأه، أو لا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوباً. (ويقول:
(١) الجامع الصغير ٤٣٨/٢ حديث رقم ٧١٤٢. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٦١٤.
الحديث رقم ٥٨٣٤: أخرجه الترمذي في السنن ٥/ ٢٤٣ حديث رقم ٣٠٦٤.
الحديث رقم ٥٨٣٥: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٤٧/١٣ حديث رقم ٣٦٨٣.

٥٠٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله اليوم
إِنْ شئتَ نبيّاً عبداً، وإِنْ شئتَ نبيّاً ملِكاً، فنظرتُ إِلى جبريلَ عليه السَّلامُ، فأشارَ إِليَّ أنْ
ضَعْ نَفْسَكَ)).
٥٨٣٦ - (٣٦) وفي رواية ابن عبّاسٍ: فالتفت رسولُ اللَّهِ وَلِ﴾ [إِلى جبريلَ كالمستشيرِ
له، فأشارَ جبريلُ بيدِه أن تواضعْ. فقلتُ: ((نبياً عبداً».
قالتْ: فكانَ رسولُ اللهِ وَ﴿] بعدَ ذلكَ لا يأكلُ متكئاً،
إن شئت نبياً عبداً) أي إن أردت أن تكون نبياً كعبد أي جامعاً بين وصف النبوة والعبودية
فكن أو اختر أو فلك هذا. (وإن شئت نبياً ملكاً) أي فكذلك، وحاصله: أن الله خيرك
فاختر ما شئت. وفيه إيماء إلى أن الملوكية وكمال العبودية لا يجتمعان. قال الطيبي:
قوله: نبياً عبداً. خبر لكون محذوف بدليل الرواية الأخرى: إن الله يخيرك بين أن تكون
عبداً نبياً. وجزاء الشرط محذوف، أي إن شئت أن تكون نبياً عبداً فكن إياه. (فنظرت إلى
جبريل عليه السلام ) أي نظر مشاورة واختيار في موضع اختيار لقوله تعالى: ﴿إن ربك
يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيراً﴾ [الإسراء - ٣٠]. ولأن بعض
الأنبياء جمع لهم بينهما، وربما يظن أنه هو مرتبة الكمال كما ورد: نعم المال الصالح
للرجل الصالح. ولكونه وسيلة إلى فتح البلاد وتوسيع العباد وأمثال ذلك. (فأشار إليّ أن
ضع نفسك) أن مصدرية وضع أمر من وضع أو تفسيرية لما في أشار من معنى القول،
والحاصل أنه أومأ إلي بأن حط نفسك عن طمع مرتبة الملوكية واختر أن تكون في مقام
العبودية، فإنه في المآل أعلى وفي المنازل أغلى وفي ذوق الطالبين أحلى. فإن الملك لله
الواحد القهار. وقد قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات -
٥٦]. أي لتظهر عبوديتهم لي وألوهيتي وربوبيتي لهم. كما روي في الحديث القدسي:
(كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف)). وفي تقديم الشرطية الأولى
إشعار بالمرتبة الأولى، وفيه دليل صريح على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر،
خلافاً لمن خالفه كابن عطاء. ودعا عليه الجنيد بالبلاء المؤدي إلى الغطاء.
٥٨٣٦ - (وفي رواية ابن عباس: فالتفت رسول الله ◌َ* إلى جبريل كالمستشير له فأشار
جبريل بيده) أي إلى الأرض (أن تواضع) أي اختر الفقر والعبودية المورثة للتواضع لله المنتجة
لرفعة القدر عند الله، لا الملك والغنى الباعث على الطغيان والنسيان الموجب للتكبر
والكفران، المقتضي لوضعه عن نظر الله. وهذا باعتبار غالب الأحوال ولذا اختار الله الفقر
لأكثر الأنبياء والأولياء والعلماء والصلحاء جعلنا الله منهم وحشرنا معهم. (فقلت: نبياً عبداً)
أي أكون نبياً عبداً (قالت: فكان رسول الله و # بعد ذلك لا يأكل متكئاً) فسر الأكثرون الاتكاء
بالميل إلى أحد الجانبين لأنه يضر بالآكل، فإنه يمنع مجرى الطعام. ونقل القاضي عياض في
٢٠/١٠٠٠٠
الحديث رقم ٥٨٣٦: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٤٨/١٣ حديث رقم ٣٦٨٤.