Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين ولقد
القيامةِ ولا فخر، وبيَدي لواءُ الحمدِ
فخر) أي ولا أقوله تفاخراً، بل اعتداداً بفضله وتحدثاً بنعمته وتبليغاً لما أمرت به. وقيل: لا
أفتخر بذلك، بل فخري بمن أعطاني هذه المرتبة. أقول: ويمكن أن يكون المعنى ولا فخر لي
بهذه السيادة، بل أفتخر بالعبودية له والعبادة، فإنه يوجب الحسنى والزيادة. قال الطيبي: قوله:
ولا فخر، حال مؤكدة، أي أقول هذا ولا فخر. قال التوربشتي: الفخر ادعاء العظمة والمباهاة
بالأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه. قال النووي: فيه وجهان أحدهما قاله امتثالاً لأمر(
الله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى - ١١]. وثانيهما أنه من البيان الذي يجب
عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه في توقيره وَّر، كما أمرهم الله تعالى
به. قال الراغب: فإن قلت: كيف استحسن مدح الإنسان نفسه وقد علم في الشاهد استقباحه،
حتى قيل للحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقاً. قال: مدح الرجل نفسه. قلنا: قد يحسن
ذلك عند تنبيه المخاطب على ما خفي عليه من حاله، كقول المعلم للمتعلم: اسمع مني فإنك
لا تجد مثلي. وعلى ذلك قول يوسف عليه السلام: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ
عليم ﴾ [يوسف - ٥٥]. وسئل بعض المحققين عن شيء لم يقبح إطلاقه في الله تعالى، مع
ورود الشرع فأنشد :
١
ويقبح من سواك الشيء عندي * وتفعله فيحسن منك ذاكا
قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: قال عمر رضي الله عنه: المدح هو الذبح. وذلك لأن
المذبوح هو الذي يفتر عن [عن] العمل، فكذلك الممدوح. لأن المدح يوجب الفتور ويورث
الکبر والعجب. وهو لذلك مهلك کالذبح. فإن سلم المدح عن هذه الآفات لم یکن به بأس،
بل ربما كان مندوباً إليه. ولذلك أثنى رسول الله وَ ليل على الصحابة، وكانوا أجل رتبة من أن
يورثهم ذلك كبراً أو عجباً، بل يزيدهم جداً يبعثهم أن يزيدوا فيما يستوجبون الحمد من مكارم
الأخلاق. قلت: ونظيره العالم أو الشيخ إذا أثنى عليه تلميذه أو مريده القابل العاقل بمحضر
جماعة، فإنه لا شك أن يكون سبباً لزيادة رغبتهما في المجاهدة وتحصيل أعلى مراتب العلم
والعبادة. نعم يقع نادراً ممن يكون فيه البلادة حيث يحصل له الفتور المؤدي إلى مقام القصور
فيتوقف عن طلب الزيادة، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور والنقصان بعد الزيادة. وقد قيل: من
لم يكن في زيادة فهو في نقصان. ومن استوى يوماه فهو مغبون زمان. ففي الحديث: منهومان
لا يشبعان. وقال تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ [طه - ١١٤]. وفي النهاية: قاله ◌َ لل اخباراً
عما أكرمه الله تعالى من الفضل والسؤدد وتحدثاً بنعمة الله تعالى عنده وإعلاماً منه ليكون
إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: (ولا فخر) أي أن هذه الفضيلة التي نلتها
كرامة من الله تعالى، لم أنلها من قبل نفسي ولا نلتها بقوّتي، فليس لي أن أفتخر بها. (وبيدي)
أي بتصرفي وعندي يوم القيامة في المقام المحمود. (لواء الحمد) اللواء بالكسر والمد العلم،.
وفي العرصات مقامات لأهل الخير والشر ينصب في كل مقام، لكل متبوع لواء يعرف به قدوة
حق كان أو أسوة [باطل] ، وأعلى تلك المقامات مقام الحمد. ففي النهاية. اللواء الراية، ولا
يمسكها إلا صاحب الجيش. يريد به انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته على رؤوس الخلائق.
١

٠-٠
٤٤١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين ولقد
ولا فخر. وما مِن نبيِّ يومئذٍ آدمُ فمن سواهُ إِلا تحت لوائي، وأنا أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ
ولا فخر)). رواه الترمذي.
٥٧٦٢ _ (٢٤) وعن ابن عبّاس، قال: جلس ناسٌ من أصحاب رسولِ اللهِ، فخرج،
حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، قال بعضهم: إِنَّ الله اتخذ إِبراهيم خليلاً، وقال آخر:
موسی کلمه الله تكلیماً، وقال آخر: فعیسی
٤)[فوضع اللواء موضع الشهرة. قال الطيبي: فعلى هذا لواء الحمد عبارة عن الشهرة وانفراده
) بالحمد على رؤوس الخلائق] ، ويحتمل أن يكون لحمده لواء يوم القيامة حقيقة يسمى لواء
٤) الحمد، وعليه كلام الشيخ التوربشتي حيث قال: لا مقام من مقامات عباد الله الصالحين أرفع
٤) وأعلى من مقام الحمد، ودونه ينتهي سائر المقامات. ولما كان نبينا سيد المرسلين أحمد
٤) الخلائق في الدنيا والآخرة، أعطي لواء الحمد ليأوي إلى لوائه الأوّلون والآخرون. وإليه
٤) الإشارة بقوله : آدم ومن دونه تحت لوائي. ولهذا المعنى افتتح كتابه بالحمد واشتق اسمه
٤ من الحمد، فقيل محمد وأحمد. وأقيم يوم القيامة المقام المحمود. ويفتح عليه في ذلك المقام
٤) من المحامد ما لم يفتح على أحد قبله ولا يفتح على أحد بعده، وأمدّ أمته ببركته من الفضل
الذي آتاه، فنعت أمته في الكتب المنزلة قبله بهذا النعت فقال: أمته الحمادون يحمدون الله في
٤ السراء والضراء لله الحمد أوّلاً وآخراً ولا فخر. فإن مرتبة القرب المرتب عليه اللقاء الناشىء
عن مقام الرضا والفناء بالبقاء أعلى من ذلك، لخلوص التوجه إلى المولى ونسيان ما سواه من
الورى. (وما من نبي يومئذ آدم) بالرفع، وقيل بالخفض على أنه بيان أو بدل من محل من نبي،
أو من لفظ نبي. وعطف عليه قوله: (فمن سواه إلا تحت لوائي) قال الطيبي: نبي نكرة وقعت
في سياق النفي وأدخل عليه من الاستغراقية، فيفيد استغراق الجنس. وقوله: آدم فمن، إما بيان
أو بدل من محله، ومن فيه موصولة، وسواه صلته. وصح لأنه ظرف وأؤثر الفاء التفصيلية
في(١): فمن سواه، على الواو للترتيب، على منوال قولهم: الأمثل فالأمثل. (وأنا أوّل من
تنشق عنه الأرض ولا فخر. رواه الترمذي) وزاد في الجامع: وأنا أول شافع وأول مشفع ولا
فخر. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه(٢).
٥٧٦٢ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله وَ لـ
فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم) حال من الضمير في دنا، وقد مقدرة. وقوله: (يتذاكرون)
حال من الضمير المنصوب في سمعهم، كذا ذكره الطيبي. والظاهر أن قوله سمعهم جواب
إذا، وقوله: قال بعضهم، إما استئناف بيان للتذاكر أو حال بتقدير قد، أو بدونه. (إن الله اتخذ
إبراهيم خليلاً. وقال آخر: موسى كلمة الله تكليماً. وقال آخر: فعيسى) أي إذا كان الكلام في
(١) في المخطوطة ((فهي).
(٢) الجامع الصغير ١٦١/١ حديث رقم ٢٦٩٣.
الحديث رقم ٥٧٦٢: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٨/٥ حديث رقم ٣٦١٦ والدارمي في السنن ٣٩/١
حديث رقم ٤٧.

٤٤٣
جسمور
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والقر
كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم رسول الله مَ له وقال: ((قد سمعتُ
كلامكم وعجبكم، إِن إِبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجيُّ الله وهو كذلك، وعيسى
روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر.
منطقة
التفاضل فعيسى. (كلمة الله وروحه) أي شرف بإضافتهما إليه. قال الطيبي: الفاء في قوله
فعيسى جواب شرط محذوف، أي إذا ذكرتم الخليل فاذكروا عيسى كقوله تعالى: ﴿فلم
تقتلوهم﴾ [الأنفال: ١٧]. أي إذا افتخرتم بقتلهم فإنكم لم تقتلوهم. (وقال آخر: آدم اصطفاه
الله) أي بتعليم الأسماء وبإسجاد ملائكة السماء. (فخرج عليهم رسول الله وَ له) كرره لينيط به
غير ما أناط به أولاً، أو يكون خرج أوّلاً من مكان وثانياً منه إلى آخر. (وقال: قد سمعت
كلامكم وعجبكم) بفتحتين أي وفهمت تعجبكم، فهو من باب قلدت سيفاً ورمحاً. (إن إبراهيم
خليل الله) بفتح الهمزة على أنه بدل مما قبله أو مفعول له، وفي نسخة بالكسر استئنافاً. (وهو
كذلك) أي كون إبراهيم خليل الله حق وصدق. (وموسى نجي الله) فعيل من النجوى بمعنى
الفاعل أو المفعول، أي كليم الله. (وهو كذلك. وعيسى روح الله وكلمته وهو كذلك. وآدم
اصطفاه الله وهو كذلك: ألا) للتنبيه جيء به للتأكيد بين [المعطوف] والمعطوف عليه، حيث(:
قال: (وأنا حبيب الله) أي محبه ومحبوبه (ولا فخر) قال الطيبي: قرر أوّلاً ما ذكروا من(
فضائلهم بقوله: وهو كذلك. ثم نبه على أنه أفضلهم وأكملهم وجامع لما كان متفرقاً فيهم،
[فالحبيب خليل ومكلم ومشرف. اهـ]. واعلم أن الفرق بين الخليل والحبيب، أن الخليل من
الخلة أي الحاجة، فإبراهيم عليه السلام كان افتقاره إلى الله تعالى فمن هذا الوجه اتخذه
خليلاً. والحبيب فعيل بمعنى الفاعل والمفعول، فهو وّلّ محب ومحبوب والخليل محب
لحاجته إلى من يحبه، والحبيب محب لا لغرض. وحاصله أن الخيل في منزلة المريد السالك
الطالب، والحبيب في منزلة المراد المجذوب المطلوب. ﴿الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه
من ينيب﴾ [الشورى - ١٣]. ولذا قيل: الخليل يكون فعله برضا الله تعالى، والحبيب يكون
فعل الله برضاه. قال تعالى: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾ [البقرة - ١٤٤]. ﴿ولسوف يعطيك
ربك فترضى﴾ [الضحى - ٥]. وقيل: الخليل مغفرته في حد الطمع، كما قال إبراهيم:
﴿والذي أطمع أن يغفر لي﴾ [الشعراء - ٨٢]. والحبيب مغفرته في مرتبة اليقين، كما قاله
تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح - ٢]. والخليل قال: ﴿ولا تخزني
يوم يبعثون﴾(١). والحبيب قال تعالى في حقه: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا
معه﴾(٢). والخليل قال: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ [الشعراء - ٨٤]. وقال
للحبيب: ﴿وَرفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح - ٤]. والخليل قال: ﴿واجعلني من روثة جنة النعيم)
[الشعراء - ٨٥]. والحبيب قال: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر - ١]. والأظهر في الاستدلال
على أن مرتبة محبوبيته في درجة الكمال قول ذي الجلال والجمال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله
(١) سورة الشعراء . آية رقم ٨٧.
(٢) سورة التحريم . آية رقم ٨.

٤٤٤
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين مختلفه
وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أوَّل شافع وأوَّل مشفّع
يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوَّل من يحرك خلق الجنَّةِ فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء
المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرمُ الأولين والآخرين على الله ولا فخر» رواه الترمذي، والدارمي.
٥٧٦٣ - (٢٥) وعن عمرو بن قيس، أنَّ رسول الله وَّر قال: ((نحن الآخرون، ونحن
فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران - ٣١]. (وأنا حامل لواء الحمد) بالإضافة (يوم القيامة تحته آدم
فمن دونه ولا فخر. وأنا أول شافع وأول مشفع) أي مقبول الشفاعة (يوم القيامة ولا فخر. وأنا
أول من يحرك حلق الجنة) بفتح الحاء ويكسر جمع حلقة، وهي هنا حلقة باب الجنة. ففي
القاموس: حلقة الباب والقوم، وقد يفتح لامها ويكسر، إذ(١) ليس في الكلام حلقة محركة إلا
جمع حالق أو لغة ضعيفة. والجمع حلق محركة وكبدر. (فيفتح الله لي) أي بابها (فيدخلنيها
ومعي فقراء المؤمنين) أي من(٢) المهاجرين والأنصار وغيرهم على مراتبهم في السبق، كما
سبق: إنه يدخل فقراء أمتي قبل أغنيائهم بخمسمائة عام. وهذا دليل واضح على أن الفقير الصابر
أفضل من الغني الشاكر. قال الطيبي: هذا دليل على فضلهم وكرامتهم على الله تعالى، لأنهم
استحقوا محبة الله تعالى بمتابعة حبيبه واتصافهم [بصفته ] وليس الفقر عند الصوفية الفاقة
والحاجة بل الفقر عندهم الحاجة إليه تعالى لا إلى غيره والاستغناء به لا عنه بغيره. قال الثوري:
نعت الفقير: السكون عند العدم، والبذل عند الوجود. وقيل لسهل بن عبد الله: أليس النبي ◌َّ-
استعاذ من الفقر، فقال: إنما استعاذ من فقر النفس، الذي مدح النبي ◌َّ الغنى في ضده فقال:
الغنى غنى النفس. فكذلك الفقر المذموم فقر النفس، وهو الذي استعاذ منه ومطهر. أقول: المذموم
من الفقر والغنى هو الذي يشغل السالك عن المولى، غايته أن حالة الفقر أسلم من العوائق. ولذا
اختاره سبحانه لأكثر أنبيائه وأوليائه من بين الخلائق، حتى قال حجة الإِسلام: إن الكافر الفقير
عذابه أخف من الكافر الغني، فإذا كان الفقر ينفع الكافر في النار فكيف لا ينفع المؤمن في دار
القرار. ولذا قال ◌َله: ((أجوعكم في الدنيا أشبعكم في الآخرة ولا فخر)). (وأنا أكرم الأوّلين
والآخرين على الله ولا فخر) وهذا فذلكة الكل. (رواه الترمذي والدارمي).
٥٧٦٣ - (وعن عمرو بن قيس) قال المؤلف: وقيل: هو عبد الله بن عمرو القرشي
العامري الأعمى، وهو ابن أم مكتوم، واسم أم مكتوم عاتكة (٣) وهي خالة خديجة بنت
خويلد. أسلم قديماً بمكة وكان من المهاجرين الأولين [مع] مصعب بن عمير (٤)؛ استخلفه
رسول الله ولو على المدينة مرات، آخرها حجة الوداع. مات بالمدينة، وقيل استشهد
بالقادسية. (أن رسول الله وَ﴿ قال: نحن الآخرون) يعني في المجيء إلى الدنيا ([ونحن]
(١) في المخطوطة (أو)).
(٢) في المخطوطة ((في)).
الحديث رقم ٥٧٦٣: أخرجه الدارمي في السنن ١/ ٤٢ حديث رقم ٥٤. وأحمد في المسند ٢٤٣/٢.
(٣) في المخطوطة ((وهو ابن)) وهذا خطأ واضح.
(٤) في المخطوطة ((عمر)).

٤٤٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والفر
السّابقون يوم القيامة، وإني قائل قولاً غير فخرِ: إِبراهيمُ خليل الله، وموسى صفيُّ الله، وأنا
حبيب الله، ومعي لواء الحمد يوم القيامة، وإِنَّ الله وعدني في أَمتي، وأجارهم من ثلاث:
لا يعمهم بسنةٍ، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالةٍ)) رواه الدارمي.
٥٧٦٤ - (٢٦) وعن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: «أنا قائدُ المرسلينَ ولا فخر، وأنا
خاتمُ النَّبيِينَ ولا فخر، وأنا أوَّلُ شافعٍ ومشفّع ولا فخر)). رواه الدارميُّ.
٥٧٦٥ _ (٢٧) وعن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((أنا أوَّلُ النَّاسِ خروجاً إِذا
بُعثوا، وأنا قائدُهم إذا وفَدوا، وأنا خطيبُهم إِذا أنصَتوا، وأنا مُستشفعهم
السابقون) أي في دخول الجنة وغير ذلك من الفضائل. (يوم القيامة) أي في دار العقبى (وإني
قائل قولاً غير فخر) أي غير مفتخر فيه، بل المقصود منه بيان الواقع. (إبراهيم خليل الله
وموسى صفي الله) أي مختاره لكلامه (وأنا حبيب الله) أي جامع بين نسبتي المحبة والمحبوبية
في الدنيا. (ومعي لواء الحمد) أي الدال على كوني أحمد ومحمداً. (يوم القيامة) أي في المقام
المحمود (وإن الله وعدني) أي خيراً كثيراً (في أمتي) أي في حقهم وشأنهم. (وأجارهم) أي
أنقذهم وأعاذهم (من ثلاث) أي خصال (لا يعمهم) أي الله (بسنة) أي بقحط ووباء مستأصل
لهم. (ولا يستأصلهم) أي ولا يأخذ أصلهم ولا يهلكهم بالكلية (عدوّ) أي لله، [أو] لهم من
الكفار. (ولا يجمعهم على ضلالة) ولعله سبحانه لم يجمعهم على هداية لقوله تعالى: ﴿ولو
شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ﴾ [هود - ١١٨].
وكان هذا مأخذ من قال: اختلاف الأمة رحمة. (رواه الدارمي).
٥٧٦٤ - (وعن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله (وَ ل﴿ قال: أنا قائد المرسلين) أي
مقدمهم في الآخرة (ولا فخر. وأنا خاتم النبيين) أي في الدنيا (ولا فخر) وعدل عن المرسلين
إلى النبيين لأنهم أعم، فتكون نسبة الخاتمية أتم. (وأنا أوّل شافع ومشفع) أي وأول مشفع،
كما في رواية. (ولا فخر. رواه الدارمي).
٥٧٦٥ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَله: أنا أوّل الناس خروجاً إذا بعثوا) أي من
قبورهم (وأنا قائدهم) أي متبوعهم (إذا وفدوا) أي إذا قدموا (على الله) والوفد، جماعة يأتون
الملك لحاجة (وأنا خطيبهم) أي المتكلم عنهم (إذا أنصتوا) أي إذا سكتوا عن الاعتذار متحيرين
فأعتذر عنهم عند ربهم د فيكون لي قدرة على الكلام في ذلك المقام دون سائر الأنام. فأطلق
اللسان بالثناء على الله تعالى بما هو أهله، ولم يؤذن لأحد حينئذ في التكلم غيري. فهو
مخصوص من قوله سبحانه: ﴿هذا یوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ [المرسلات - ٣٥
- ٣٦]. أو محمول على أوّل الأمر، أو مختص بالكفار. (وأنا مستشفعهم) بفتح الفاء على بناء
الحديث رقم ٥٧٦٤: أخرجه الدارمي ١ / ٤٠ حديث رقم ٤٩.
الحديث رقم ٥٧٦٥: أخرجه الترمذي فى السنن ٥٤٦/٥ حديث ٣٦١٠. والدارمي ٣٩/١ حديث رقم ٤٨.
١٠

٤٤٦
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والحمد
إِذا حُبسوا، وأنا مُبشّرُهم إِذا أَيسوا الكرامةَ، والمفاتيحُ يومئذٍ بيدي، ولواءُ الحمدِ يومئذٍ
بيَدي، وأنا أكرمُ وُلِد آدَمَ على ربِّي، يطوفُ عليَّ ألفُ خادم كأنَّهنَّ بَيْضٌ مكنونٌ، أو لؤلؤٌ
منشورٌ)). رواه الترمذي، والدارمي، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ.
٥٧٦٦ _ (٢٨) وعن أبي هريرةَ، عن النبيّ بَّر، قال: ((فأكْس
المفعول، من قولهم: استشفعت زيداً إلى فلان، أي سألته أن يشفع إليه. فزيد مستشفع
بالفتح وفلان مستشفع إليه. وفي بعض النسخ بكسر الفاء على بناء الفاعل، أي أسأل الله أن
أكون شفيعاً لهم. (إذا حبسوا) أي في الموقف ولم يحاسبوا. (وأنا مبشّرهم) أي المؤمنين
بالرحمة والمغفرة والمغفرة. (إذا أيسوا) أي إذا غلب عليهم اليأس من روح الله لغلبة
الخوف. ففي الكلام نوع من الاستخدام. (الكرامة) بالرفع على ما في النسخ المصححة،
فهو مبتدأ. (والمفاتيح) عطف عليه، وقوله: (يومئذ) ظرف، والخبر (بيدي). وهو بصيغة
الإفراد، أي أمر الكرامة بأنواع الشفاعة ومفاتيح كل خير يوم القيامة بتصرفي. وفي نسخة
بتشديد الياء على التثنية للمبالغة، أو للتوزيع والتنويع. وذلك لأنه يصل أنواع اللطف من الله
تبارك وتعالى لأهل العرصات من الأنبياء وغيرهم، بواسطة شفاعته العامة في المقام المحمود
تحت اللواء الممدود عند الحوض المورود. وفي نسخة بنصب الكرامة على أنه مفعول
أيسوا، وبيدي خبر المفاتيح فقط. أي إذا قنطوا من حصول الكرامة ووقعوا في وصول
[الندامة]. (ولواء الحمد يومئذ بيدي) بسكون الياء. (وأنا أكرم ولد آدم على ربي) وسبق أنه
أكرم الأولين والآخرين على الله. (يطوف علي) أي يدور حولي (ألف خادم كأنهم بيض
مكنون) أي مصون عن الغبار. قيل: شبههم ببيض النعام في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى
صفرة، فإنه أحسن ألوان الأبدان. قلت: هذا عند بعض أولاد العرب بخلاف طباع أهل
الشام وحلب وطائفة الأعجام وجماعة الأروام. فإن الأحسن عندهم هو البياض المشوب
بحمرة، على ما ورد في شمائله وَّر وفي مدح الحور العين: ﴿كأنهن الياقوت والمرجان ﴾
[الرحمن - ٥٨]. حيث فسر المرجان باللؤلؤ. ويدل عليه قوله: (أو لؤلؤ منثور) على أن أو
للتخيير في التشبيه. وإنما قيده بالمنثور لأنه أظهر في النظر من المنظوم، مع أن النثر يناسب
تفرق الخدم. ويحتمل أن تكون أو للتنويع. وقال شارح: قوله: بيض مكنون، أي لؤلؤ
مستور في صدفه لم تمسه الأيدي، أو لؤلؤ منثوراً، أو لشك الراوي. (رواه الترمذي
والدارمي وقال الترمذي: هذا حديث غريب) ولفظ الترمذي على ما في الجامع: أنا أوّل
الناس خروجاً إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا. لواء الحمد يومئذ
بيدي. وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر(١).
٥٧٦٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَلي قال: فأكسى) صدر الحديث على
(١) الجامع الصغير ١/ ١٦١ حديث رقم ٢٦٨٩.
الحديث رقم ٥٧٦٦: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٦/٥ حديث رقم ٣٦١١.

٤٤٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَلفر
حُلَّةٌ منْ حُللِ الجَّةِ، ثمَّ أقومُ عنْ يمينِ العرشِ ليسَ أحدٌ منَ الخلائقِ يقومُ ذلكَ المقامَ غيري)».
رواه الترمذيُّ. وفي رواية ((جامع الأصول)) عنه: ((أنا أوَّلُ منْ تنشقّ عنه الأرض فأكسى)).
٥٧٦٧ - (٢٩) وعنه، عن النبي ◌َ لّ قال: ((سلوا الله لي الوسيلةَ)) قالوا: يا رسول
الله! وما الوسيلةُ؟ قال: ((أعلى درجةٍ في الجنَّة لا ينالها إِلا رجلٌ واحدٌ وأرجو أن أكون أنا
هو)). رواه الترمذي.
٥٧٦٨ _ (٣٠) وعن أبيِّ بن كعب، عن النبي ◌َِّ قال: ((إِذا كانَ يوم القيامةِ كنتُ إِمامَ
ما في الجامع وغيره: ((وأنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى))(١). والمعنى: فأبعث فأكسى.
(حلة من حلل الجنة. ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري.
رواه الترمذي. وفي رواية جامع الأصول:) أي عن أبي هريرة (أنا أول من تنشق عنه الأرض
فأكسى) أي إلى آخر الحديث. فاختصاره من صاحب المصابيح مخل بالرواية والدراية.
٥٧٦٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي ◌َلي قال: سلوا الله لي
الوسيلة) هي المذكورة في دعاء الأذان: آت محمداً الوسيلة. فيحتمل الإطلاق والتقييد بوقت
المسألة. وفي النهاية: هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به. قلت: ومنه قوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة - ٣٥]. قال الطيبي: وإنما
طلب عليه السلام من أمته الدعاء له بطلب الوسيلة افتقاراً إلى الله تعالى وهضماً لنفسه، أو
لينتفع أمته ويثاب عليه، أو يكون إرشاداً لهم في أن يطلب كل منهم من صاحبه الدعاء له.
(قالوا: يا رسول الله وما الوسيلة) أي المطلوبة المسؤولة. قال الطيبي: عطف على مقدر، أي
نفعل ذلك وما الوسيلة. اهـ. والأظهر أن يقال: أمرتنا بسؤال الوسيلة وما الوسيلة. مع أنه قد
يقال لهذه الواو أنها للربط بين الكلام. (قال: أعلى درجة في الجنة لا ينالها) أي لا يدرك تلك
الدرجة العالية (إلا رجل واحد) أبهمه تواضعاً (أرجو) وفي نسخة: وأرجو. (أن أكون أنا هو)
وضع الضمير المرفوع، أعني هو موضع المنصوب، أعني إياه. (رواه الترمذي) ولفظ الجامع:
سلوا الله لي الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل وأرجو أن أكون أنا هو (٢). ورواه
ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن ابن عباس: سلوا الله لي الوسيلة فإنها لا يسألها عبد في
الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة(٣).
i
i
٩٧١+
٥٧٦٨ - (وعن أبي بن كعب عن النبي وَلي قال: إذا كان يوم القيامة كنت إمام
(١) الجامع الصغير ١/ ١٦٠ حديث رقم ٢٦٩٠.
الحديث رقم ٥٧٦٧: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٦/٥ حديث رقم ٣٦١٢. وأحمد في المسند ٢٦٥/٢.
(٢) الجامع الصغير ٢٨٩/٢ حديث رقم ٥٧٠٣.
(٣) الجامع الصغير ٢٨٩/٢ حديث رقم ٤٧٠٤.
الحديث رقم ٥٧٦٨: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٧/٥ حديث رقم ٣٦١٢. وأحمد فى المسند ١٣٧/٥.
٥٩٥٤
٣٠.

٤٤٨
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَالعقد
النبيّين، وخطيبَهم، وصاحبَ شفاعتهم غيرَ فخر)). رواه الترمذي.
٥٧٦٩ _ (٣١) وعن عبدِ الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَلّ: ((إِنَّ لكلِّ نبيّ
ولاةً من النبيّين، وإِن وَلِيِي أَبي وخليل ربِّي. ثم قرأ: ﴿إِن أولى الناسِ بِإِبراهيم لَلَّذين اتّبعوه
وهذا النبي والذين آمنوا والله وليّ المؤمنين ﴾ .
النبيين) بكسر الهمزة في نسخ المشكاة. وقال التوربشتي: إنه بكسرها والذي يفتحها وينصبها
على الظرف لم يصب ذكره الطيبي. وقال شارح: فتحها ليس بصواب. وقال ابن الملك:
الفتح غلط. أقول: إن كان بحسب الرواية فلا مجال، وإن كان من حيث الدراية فله وجه لا
محالة. وهو أنه يريد به مقدمهم كما تقدم من قوله: وأنا قائدهم إذا وفدوا. بل لا يظهر
لإمامتهم حينئذ، إلا هذا المعنى. (وخطيبهم) أي إذا أنصتوا كما سبق (وصاحب شفاعتهم) أي
في المقام المحمود (غير فخر) أي غير مفتخر، أو من غير فخر. (رواه الترمذي) وكذا أحمد
وابن ماجه والحاكم في مستدركه.
٥٧٦٩ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ويلقول: إن لكل نبي
ولاة) بضم الواو جمع ولي (من النبيين) قال التوربشتي: أي أحباء وقرناء هم أولى به من
غيرهم. (وإن وليي أبي) يعني به إبراهيم عليه السلام، وقد بينه بقوله: (وخليل ربي) خبر بعد
خبر لأن. (ثم قرأ:) أي استشهاداً (﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾) أي في زمانه وما
بعده. إذ كل من جاء من بعده من الأنبياء هو من أولاده وأتباعه في أصل التوحيد وتجريد
التوكل وتفويض التفريد. (﴿وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾)(١) أي خصوصاً
وعموماً. قال التوربشتي: وفي كتاب المصابيح: وإن وليي ربي. وهو غلط. ولعل الذي حرف
هذا دخل عليه الداخل من قوله سبحانه: ﴿إن وليي الله الذي نزل الكتاب﴾ [الأعراف -
١٩٦]. والرواية على ما ذكرنا هو الصواب. قال المظهر: لو كان كما ذكره التوربشتي لكان
قياس التركيب أن يكون وليي أبي خليل ربي من غير واو العطف الموجب للمغايرة، وبإضافة
الخليل إلى ربي ليكون عطف بيان لأبي. أقول: لو كان على خلاف قول الشيخ لكان حق
العبارة إضافة الخليل إلى ضمير ربي. قال الطيبي: والرواية المعتبرة كما ذكره الشيخ في جامع
الترمذي وجامع الأصول وكذا في مسند الإمام أحمد بن حنبل. وأيضاً لو ذهب إلى أن خليل
ربي عطف بيان بلا واو، لزم خمول كون إبراهيم عليه الصلاة والسلام أبا النبي ووليه، فأتى به
بياناً. وإذا جعل معطوفاً عليه لزم شهرته به، والعطف يكون لإثبات وصف آخر له عليه السلام
على سبيل المدح. فعلى ما عليه الرواية يلزم مدحه مرتين بخلاف ذلك. أقول: والأظهر أن
يقال: إن العطف لتغاير الوصفين كما في قوله تعالى: ﴿تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ﴾
[الحجر - ١]. فإن قلت: لزم من قوله: لكل نبي ولاة. أن يكون لكل واحد منهم أولياء
الحديث رقم ٥٧٦٩: أخرجه الترمذي في السنن ٢٠٨/٥ حديث رقم ٢٩٩٥. وأحمد في المسند ٤٠١/١.
(١) سورة آل عمران. الآية رقم ٦٨.

٤٤٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والده
رواه الترمذي.
٥٧٧٠ - (٣٢) وعن جابرٍ، أن النبي وَّر قال: ((إِن الله بعثني لِتمام مكارم الأخلاق،
وكمال محاسن الأفعال)). رواه في ((شرح السنة)).
١ :: ٠ /
متعددة. قلت: لا لأن النكرة إذا وقعت في مكان الجمع أفادت الاستغراق، أي أن لكل نبي
واحد واحد، واحداً واحداً. كقوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ [لقمان -
٢٧]. قلت: وفي تنظيره نظر ظاهر، إذ لا محذور في كون كل شجرة لها أقلام، بل هو الظاهر
المطلوب في مقام المبالغة(١)، بأن يكون أغصان كل شجرة أقلاماً. (رواه الترمذي) وكذا
أحمد، وهو كذا في الجامع الصغير بدون قوله: ثم قرأ الخ.
٥٧٧٠ - (وعن جابر رضي الله عنه أن النبي وَّر قال: إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق)
جمع مكرمة، خصلة يستحق الشخص بها أن يكون كريماً. والمراد من الأخلاق الأحوال. ولذا
قوبل بقوله: (وكمال محاسن الأفعال) للأمور الظاهرة من العبادات والأقوال. والمحاسن جمع
حسن على خلاف القياس. وحاصله أن شريعته أفضل الأفعال وطريقته أكمل الأحوال. قال ابن
الملك: أي أرسلني إلى العالم ليتمم بوجودي مكارم أخلاق عباده وليكمل محاسن أفعالهم.
قال: الطيبي: الإضافة فيهما من باب إضافة الصفة إلى الموصوف قال الراغب: كل شيء
يشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم قال تعالى: ﴿فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ [لقمان -
١٠]. ﴿ومقام كريم﴾ [الشعراء - ٥٨، الدخان - ٢٦]. ﴿إنه لقرآن كريم﴾ [الواقعة - ٧٧].
وإذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وأنعامه المتظاهرة، وإذا وصف به الإنسان فهو اسم
للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه. ولا يقال: هو كريم، حتى يظهر ذلك منه. اهـ.
وكلامه ينظر إلى أن العطف للتأكيد، وما قدمناه أولى لكونه من التأسيس والتقييد للتأبيد. قال
الطيبي: ومعنى هذا الحديث وحديث أبي هريرة: مثلي ومثل الأنبياء، إلى قوله: أنا سددت
موضع اللبنة. يلتقيان في معنى إتمام الناقص. اهـ. والذي تقدم في المعنى أتم والله أعلم.
(رواه) أي البغوي (في شرح السنة بإسناده) ورواه ابن سعد والبخاري في الأدب المفرد.
والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق(٢). وروى الحكيم والبيهقي
عن عائشة رضي الله عنها: مكارم الأخلاق عشرة. تكون في الرجل ولا تكون في ابنه، وتكون
في الابن ولا تكون في الأب، وتكون في العبد ولا تكون في سيده. يقسمها الله لمن أراد به
السعادة: صدق الحديث وصدق البأس وإعطاء السائل والمكافاة بالصنائع وحفظ الأمانة وصلة
الرحم والتذمم للجار والتذمم للصاحب واقراء الضيف ورأسهن الحياء(٣). والتذمم أن يرعى
(١) في المخطوطة ((البلاغة)).
الحديث رقم ٥٧٧٠: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٠٢/١٣ حديث رقم ٣٦٢٢.
(٢) الحاكم في المستدرك ٢/ ٦١٣.
(٣) البيهقي في شعب الإيمان. والترمذي الحكيم. كذا في الجامع الصغير ٥٠١/٢ حديث ٨١٩٦.
:٥٠. د
١٠٠١/٠٩٦٠

٤٥٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَفيه
٥٧٧١ - (٣٣) وعن كعب يحكي عن التوراة قال: نجد مكتوباً محمدٌ رسولُ الله
عبدي المختار، لا فظًّ ولا غليظُ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسَّيئةِ السَّيئةَ،
ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمَّادون، يحمدون
الله في السَّراءِ والضَّراءِ، يحمدون الله في كلِّ منزلةٍ، ويكبّرونه على كل شرفٍ، رعاةٌ
للشمس،
ذمامة أي حرمته. وقد روى البزار عن ابن عمر مرفوعاً: اللهم اهدني لصالح الأعمال
والأخلاق لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلاّ أنت(١).
٣٠/١٠
٥٧٧١ - (وعن كعب يحكي عن التوراة قال: نجد مكتوباً: محمد رسول الله) الرفع على
حكاية المكتوب (عبدي) أي الخاص (المختار) أي المصطفى على الخلق (لافظ) بالرفع على
أن لا عاطفة، والمعنى أنه ليس قبيح الخلق (ولا غليظ) أي سيىء الخلق (ولا سخاب) أي
صياح (في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة) أي بل يدفع السيئة بالحسنة. وهو معنى قوله:
(ولكن يعفو) أي في الباطن (ويغفر) أي يستر في الظاهر. (مولده بمكة وهجرته) أي دارها يعني
مهاجره (بطيبة) أي المدينة السكينة (وملكه) أي بعد انتهاء مدته وأيام خلافته (بالشام) كما كان
لمعاوية ومن بعده لبني أمية على ذلك النظام. وقال المظهر: أراد بالملك هنا النبوة والدين.
فإن ذلك يكون بالشام أغلب، وإلا فملكه جميع الآفاق لقوله: ((وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي
منها))(٢). وقيل معناه الغزو والجهاد ثمة، لأنه تصير بلاد الكفار، والجهاد ملكاً لأهل الإسلام.
ولهذا لا ينقطع الجهاد في الشام أصلاً وأمر بالمسافرة إليها لإدراك فضيلة الجهاد والمرابطة في
سبيل الله. قلت: هذا إنما كان في زمنه وَله. وأما اليوم فالغزو والجهاد في بلاد الروم، نعم هو
في جهة الشام من الحرمين الشريفين، (وأمته الحمادون) أي المبالغون في الحمد المكثرون له
كما بينه بقوله: (يحمدون الله في السراء والضراء) أي في حالتي السرور والضرر. والمراد
الدوام لأن الإنسان لا يخلو منهما في الليالي والأيام. فكأنه قال: يحمدونه على حال. وهذا
مرتبة بعض أرباب الكمال. وهو المعنى بقوله: (يحمدون الله في كل منزلة) أي مرتبة من
مراتب الأحوال. وقيل: معناه في كل منزل، ولعل تأنيثه باعتبار البقعة والناحية. أي إذا نزلوا
منزلاً شكروا الله تعالى عليه لأنه آواهم إلى المنزل والسكون فيه (٣). ويلائمه قوله: (ويكبرونه
على كل شرف) بفتحتين، أي مكان مرتفع تعجباً لعظمة الله تعالى وقدرته لما يشرفون منها على
عجائب خلقه، كما أنهم يسبحون في كل هبوط. (رعاة) بضم الراء جمع راع، أي أمته مراعون
(الشمس) أي لطلوعها واستوائها وغروبها محافظة لأوقات الصلاة وأداء أوراد العبادات. وقد
روى الحاكم عن عبد الله بن أبي أوفى مرفوعاً: ((إن خيار عباد الله، الذين يراعون الشمس
١٠
(١) كشف الأستار ٥٨/٤ حديث رقم ٣١٩٢.
الحديث رقم ٥٧٧١: أخرجه الدارمي ١٧/١ حديث رقم ٨.
(٢) مر في الحدیث رقم ٥٧٥٠.
(٣) في المخطوطة ((فيهم)).

٤٥١
م:٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين الفر
يصلُّون الصلاة إِذا جاء وقتها، يتأزَّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مُناديهم
يُنادي في جوِّ السَّماء، صفُّهم في القتال وصفُّهم في الصلاة سواءٌ، لهم بالليل دويُّ كدويٌّ
النحلِ)). هذا لفظ ((المصابيح)). وروى الدارمي مع تغيير يسير.
٥٧٧٢ - (٣٤) وعن عبدِ اللَّهِ بنِ سلام، قال: مكتوبٌ في التوراة: صفةٌ محمَّدٍ
وعيسى ابن مريم يُذْفَنُ معه. قال أبو مَودود:
والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله))(١). وقوله: (يصلون الصلاة إذا جاء وقتها) استئناف تعليل
لما سبق، أي يراقبون ذلك وينظرون سيرها ليعرفوا مواقيت الصلاة كيلا يفوت عنهم الصلاة في
وقتها. ثم استأنف لبيان بقية أحوالهم بقوله: (يتأزرون)(٢) بتشديد الزاي، أي يشدون إزارهم
(على أنصافهم) أي من السرة إلى الركبة. ويؤيده ما في [بعض] نسخ المصابيح: على
أوساطهم. أو يشدون معقد السراويل. والمراد مبالغتهم في ستر عورتهم. ويجوز أن يكون
على بمعنى إلى، أي أن أزرهم إلى أنصاف سوقهم. قال الطيبي: فيه إدماج بمعنى التجلد
والتشمر للقيام إلى الصلاة، لأن من شد إزاره إلى ساقه تشمر لمزاولة ما اهتم بشأنه، أو يكون
كناية عن التواضع كما أن جر الإِزار كناية عن الكبر والخيلاء. (ويتوضؤون) أي ويصبون ماء
الوضوء (على أطرافهم) أي على أماكن الوضوء ويسبغونها. (مناديهم) أي مؤذنهم ينادي (في
جوّ السماء) أي في مكان مرتفع من منارة ونحوها. (صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء)
أي في كونهم كأنهم بنيان مرصوص. قال الطيبي: شبه صفوفهم في الجماعات بسبب
مجاهدتهم النفس الأمارة والشيطان بصف القتال، والمجاهدة مع أعداء الدين. وأخرجه مخرج
التشابه في التشبيه، إيذاناً بأن كل واحد منهما يصح أن يكون مشبهاً ومشبهاً به. بل أخر ذكر
صف الصلاة ليكون مشبهاً به لكونه أبلغ. (لهم بالليل دوي) بفتح الدال وتشديد الياء، أي
صوت خفي بالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن. (كدوي النحل هذا لفظ المصابيح وروى الدارمي
مع تغيير يسير). قلت: كان الأولى ايراد لفظ الدارمي فإنه من أجل المخرجين ونقله أكمل عند
المحدثين.
٥٧٧٢ - (وعن عبد الله بن سلام قال: مكتوب في التوراة:) خبر قوله (صفة محمد) أي
نعته وجملة قوله (وعيسى ابن مريم يدفن معه) عطف على المبتدأ، أي ومكتوب فيها أيضاً أن
عيسى يدفن معه. قال الطيبي: هذا هو المكتوب في التوراة، أي مكتوب في التوراة صفة
محمد كيت وكيت وعيسى ابن مريم يدفن معه، أو المكتوب صفة محمد كذا وعيسى ابن مريم
يدفن معه. (قال أبو مودود) وهو أحد رواة الحديث مدني ذكره الطيبي. وقال المؤلف: هو
عبد العزيز بن سليمان المدني، رأى أبا سعيد الخدري وسمع السائب بن بريد وعثمان بن
ضحاك وعنه ابن مهدي والعقبي وكامل. وثقوه، توفي في إمارة المهدي. له ذکر في باب
(١) الحاكم في المستدرك ١/ ٥١.
(٢) في المخطوطة ((يتأزرؤن)).
الحديث رقم ٥٧٧٢: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٩/٥ حديث رقم ٣٦١٧.

٤٥٢
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين واله
وقد بقي في البيت موضع قبره. رواه الترمذيُّ.
الفصل الثالث
٥٧٧٣ - (٣٥) عن ابن عبَّاس، قال: إِنَّ الله تعالى فَضَّل محمَّداً وَلَ على الأنبياء
وعلى أهل السَّماء. فقالوا: يا أبا عبّاس! بم فَضَّله الله على أهل السَّماء؟ قال: إِنَّ الله تعالى
قال لأهل السَّماءِ ﴿ومن يقل منهم إِني إِله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي
الظالمين﴾ وقال الله تعالى لمحمَّد ◌َلّ: ﴿إِنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من
ذنبك وما تأخّر﴾
فضائل سيد المرسلين. (وقد بقي في البيت) أي في حجرة عائشة (موضع قبر) فقيل بينه وَلقد
وبين الصديقين وهو الأقرب إلى الأدب. وقيل بعد عمر وهو الأظهر، فقد قال الشيخ
الجزري: وكذا أخبرنا غير واحد ممن دخل الحجرة ورأى القبور الثلاثة على هذه الصفة، النبي
وير مقدم وأبو بكر متأخر عنه رأسه تجاه ظهر النبي وَلّ، ورأس عمر كذلك من أبي بكر تجاه
رجلي النبي ◌َّشهر. وبقي موضع قبر واحد إلى جنب عمر. وقد جاء أن عيسى عليه السلام بعد
لبثه في الأرض، يحج ويعود فيموت بين مكة والمدينة. فيحمل إلى المدينة فيدفن في الحجرة
الشريفة إلى جنب عمر فيبقى هذان الصحابيان الكريمان مصحوبين. بين هذين النبيين العظيمين
عليهما الصلاة والسلام ورضي الله عنهما إلى يوم القيام. (رواه الترمذي).
(الفصل الثالث)
٥٧٧٣ - (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله تعالى فضل محمداً وله على الأنبياء
وعلى أهل السماء فقالوا: يا أبا عباس) هو كنية ابن عباس (بم فضله) أي الله (على أهل
السماء) كأنهم قدموا الأهم فالأهم، أو هو على منوال ﴿يوم تبيض وجوه ﴾ [آل عمران -
١٠٦] الآية. (قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك
نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾(١). وقال الله تعالى لمحمد ◌َلو: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً
ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾(٢)). [قال الطيبي]: يفهم التفضيل من صولة
الخطاب وغلظته في مخاطبة أهل السماء وفرض ما لا يتأتى منهم وجعله كالواقع، وترتب
الوعيد الشديد عليه إظهاراً لكبريائه وجلاله، وأنهم بعداء من أن ينسبوا إلى ما يشاركونه.
كقوله: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ [الصافات - ١٥٨]. تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، ومن
ملاطفته في الخطاب معه وَله، وأن ما صدر ويصدر منه مغفور. وجعل فتح مكة علة للمغفرة
الحديث رقم ٥٧٧٣: أخرجه الدارمي ٣٨/١ حديث رقم ٤٦.
(١) سورة الأنبياء. آية رقم ٢٩.
(٢) سورة الفتح. الآيتان رقم ١ و٢.

٤٥٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَيه
قالوا: وما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه
ليبيّن لهم فيضل الله من يشاء﴾ الآية، وقال الله تعالى لمحمّد ◌َّ: ﴿وما أرسلناك إلا كافة
للناس ﴾ فأرسله إلى الجن والإنس.
والنصرة وإتمام النعمة والهداية إلى الصراط المستقيم، وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين.
اهـ. وخلاصة كلامه: إنه تعالى غلظ في وعيد خطابهم ولاطف في خطاب وعده، لكن فيه
نظر. فإنه سبحانه قد بالغ في مدحهم في مواضع كثيرة على ما يخفى، ومنه ما قبل هذه الآية:
﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم
ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ﴾ [الأنبياء -
٢٦ - ٢٧ - ٢٨]. وغلظ في الوعيد لنبيه وَّر على طريق الفرض والتقدير بالخطاب كقوله:
﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر - ٦٥]. مع أن المراد بقوله:
ومن يقل منهم. يحتمل أن يكون من الملائكة أو من الخلائق. قال القاضي: يريد به نفي
البنوّة وادعاء ذلك عن الملائكة وتهديد المشركين بتهديد مدعي الربوبية. اهـ. فالأولى أن يقال
في وجه التفضيل: إن هذه الآية تدل على أنه مبعوث إلى الملائكة أيضاً، كما قال به بعض
العلماء. (قالوا: وما فضله) أي زيادة فضله (على الأنبياء قال: قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من
رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء﴾ الآية)(١). أي ويهدي من يشاء (وقال الله
تعالى لمحمد ◌َّل: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس))(٢) قال الطيبي: وأما بيان فضله على
الأنبياء فإن الآية دلت على أن كل نبي مرسل إلى قوم مخصوص، وهو ◌َّ مرسل إلى كافة
الناس. ولا ارتياب أن الرسل إنما بعثوا لإرشاد الخلق إلى الطريق المستقيم وإخراج الناس من
الظلمات إلى النور، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام. فكل من كان منهم في هذا
الأمر أكثر تأثيراً كان أفضل وأفضل. وكان له وَّر فيه القدح المعلى وحاز قصب السبق، إذ لم
يكن مختصاً بقوم دون قوم وزمان دون زمان بل دينه انتشر في مشارق الأرض ومغاربها
وتغلغل في كل مكان واستمر امتداده على وجه كل زمان، زاده الله شرفاً على شرف وعزاً على
عز ذر شارق ولمح بارق. فله الفضل بحذافيره سابقاً ولاحقاً. (فأرسله إلى الجن والإنس) أي
كما يستفاد من بقية الآيات القرآنية نحو قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون
القرآن﴾ [الأحقاف - ٢٩]. ونحو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ [الرحمن -
٣٣]. على ما في سورة الرحمن فذكر الناس من باب الاكتفاء تعظيماً أو تغليباً أو لأنه يعمهم.
ففي القاموس الناس يكون من الإنس ومن الجن جمع إنس، أصله أناس جمع عزيز. أدخل
عليه أل. وقيل: الفاء للتعقيب. وظاهر العبارة يقتضي أن تكون للنتيجة، وتوجيهه أن تعريف
الناس لاستغراق الجنس وكافة، إما حال أو صفة مصدر محذوف، أي تكف أن يخرج فرد من
أفراد هذا الجنس من الإرسال، والجن تبع للناس. فعلم التزاماً أن رسالته عمت الثقلين
جميعاً.
(١) سورة إبراهيم - آية رقم ١٤.
(٢) سورة سبأ. آية رقم ٢٨.

٤٥٤
رجبيع
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَل فود
٥٧٧٤ - (٣٦) وعن أبي ذر الغفاري، قال: قلت: يا رسول الله! كيف علمتَ أنَّك
نبي حتى استيقنت؟ فقال: ((يا أبا ذر! أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاءِ مكة، فوقعَ أحدهما
إِلى الأرض، وكان الآخر بين السّماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال:
نعم. قال فَزِنْهُ برجل، فوُزنت به فوزنته، ثم قال: زنه بعشرةٍ، فوزنتُ بهم فرجحتهم، ثم
قال: زنه بمائة، فوزنت بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف، فوزنت بهم فرجحتهم، كأني
أنظر إليهم ينتثرون عليَّ من خِفَّةِ الميزان. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لو وزنته بأمته
لرجحها». رواهما الدارمي.
Came ١٢ - ٤٠٠١٠
٥٧٧٥ - (٣٧) وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله وَّر: ((كتبَ عليَّ النحر
٥٧٧٤ _ (وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه) منسوب إلى غفار بكسر أوله، قبيلة
مشهورة (قال: قلت: يا رسول الله كيف علمت أنك نبي حتى استيقنت) قال الطيبي: حتى غاية
للعلم، أي كيف تدرجت في العلم حتى بلغ علمك غايته التي هي اليقين. (فقال: يا أبا ذر
أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع) أي فنزل (أحدهما إلى الأرض وكان الآخر بين
السماء والأرض) أي واقفاً (فقال أحدهما لصاحبه:) الظاهر أنه النازل (أهو هو) وضع أحدهما
موضع هذا (قال: نعم قال: فزنه برجل فوزنت به) بصيغة المجهول (فوزنته) على بناء الفاعل،
أي غلبته في الوزن ورجحته. (ثم قال: زنه بعشرة فوزنت بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة.
فوزنت بهم فرجحتهم ثم قال: زنه بألف فوزنت بهم فرجحتهم. كأني أنظر إليهم) أي إلى
الألف الموزون (ينتشرون) أي يتساقطون (عليّ من خفة الميزان) أي من خفة تلك الكفة (قال:
فقال أحدهما لصاحبه: لو وزنته بأمته) أي بجميع الخلق من قومه (لرجحها) قال الطيبي: وفيه
أن الأمة كما يفتقرون في معرفة كون النبي صادقاً إلى إظهاره خوارق العادات بعد التحري،
كذلك النبي يفتقر في معرفته كونه نبياً إلى أمثال هذه الخوارق. قلت: وهذا أيضاً يصلح أن
يكون جواباً عن الإشكال المذكور المشهور في سؤال إبراهيم (عليه الصلاة والسلام]: ﴿رب
أرني كيف تحيي الموتى﴾ [البقرة - ٢٦٠]. (رواهما) أي الحديثين (الدارمي).
٨٠٠٠.
٥٧٧٥ _ (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلاغير: كتب) أي أوجب
(عليّ النحر) أي الأضحية؛ وقال الطيبي: أي وجب، وعنى(١) به قوله تعالى: ﴿فصل لربك
وانحر﴾ [الكوثر - ٢]. (ولم يكتب عليكم) قيل: النحر كان واجباً على رسول الله وص له وإن لم
يكن غنياً لخبر: ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم: الضحى والأضحى والوتر. ذكره ابن
الملك في شرح المشارق في حديث: ((نزلت عليّ آنفاً سورة، فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
الحديث رقم ٥٧٧٤: أخرجه الدارمي في السنن ١/ ٢٠ حديث رقم ١٤.
الحديث رقم ٥٧٧٥: أخرجه الدارقطني في سننه ٢٨٢/٤ حديث رقم ٤٢ من باب الصيد.
(١) في المخطوطة ((يعني).

٤٥٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي وَلقر وصفاته
ولم يكتب عليكم، وأمرتُ بصلاة الضحى ولم تؤمَروا بها)). رواه الدارقطني.
(٢) باب أسماء النبي
وصفاته
ـهلالله
وَسْـ
﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر - ١ - ٢ -٣] (١).
(وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها) قال الطيبي: لم يوجد في الأحاديث وجوب الضحى
عليه و سوى هذا الحديث. (رواه الدارقطني) قال ابن حجر في شرح الشمائل: رواية
الدار قطني: أمرت الخ. ضعيفة، وأما ما قيل إنها من خصائصه، ففيه أن الذي من خصوصياته
كما صرحوا به وجوب أصل صلاتها لا تكرارها كل يوم. قلت: وقد رواه أحمد والطبراني في
الكبير عن ابن عباس أيضاً. بلفظ: كتب عليّ الأضحى ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة
الضحى ولم تؤمروا بها(٢). فأقل مرتبة هذا الحديث أن يكون حسناً. ولولا ثبوته لما عدت من
خصائصه. ثم المتبادر من وجوبها عليه أن يكون في كل يوم، كما في بقية الواجبات الشرعية.
نعم الأولى أن يقال: إنه لا يلزم من الأمر الوجوب لاحتمال أن يكون للاستحباب. ويدل عليه
ما رواه الدارقطني عن أنس مرفوعاً: ((أمرت بالوتر والأضحى، ولم يعزم علي))(٣). ورواه
أحمد عن ابن عباس: أمرت بالوتر وركعتي الضحى ولم يكتب(٤). والجمع بين الأدلة أن
أصلها واجب واستمرارها مستحب والله [تعالى] أعلم.
(باب أسماء النبي والقر وصفاته)
الظاهر أنه عطف تفسير، فإنه * ليس له اسم جامد. نعم له أسماء نقلت من الوصفية
إلى العلمية كأحمد ومحمد وغيرهما. وله صفات باقية على أصلها مختصة به، أو اشترك فيها
غيره. والأظهر أن المراد بالأسماء هو المعنى الأعم منهما، وبالصفات الشمائل التي يأتي
بيانها. ثم من القواعد المقررة أن كثرة الأسماء تدل على عظمة المسمى. ففي شرح مسلم
للنووي، ذكر أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي عن بعضهم، أن
الله تعالى ألف اسم وللنبي والقر ألف اسم أيضاً. ثم ذكر منها على التفصيل بضعاً وستين وقال
ابن الجوزي في الوفاء: ذكر أبو الحسين بن الفارس اللغوي، أن لنبينا وَ # اثنين وعشرين اسماً.
وذكرها الطيبي مفصلاً. وقد أفرد السيوطي رسالة سماها البهجة السوية في الأسماء النبوية، وقد
اشتملت على بضعة وخمسمائة من الصفات المصطفوية، ولخصتها بإخراج تسعة وتسعين اسماً
من صفاته العليا على طبق عدد أسماء الله الحسنى. والآن اقتصر على ما يرد في الأحاديث
الآتية مما للمقصود هي الشافية والكافية والوافية.
٢٢٫٠٩
(١) أخرجه النسائي ١٣٣/٢ حديث رقم ٩٠٤.
(٢) أحمد في المسند ٣١٧/١.
(٣) الدار قطني ٢١/٢ حديث رقم ٢ من كتاب الوتر.
(٤) أحمد في المسند ٢٣٤/١.
٠٠٠
T m ".٠٠

٤٥٦
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّلفر وصفاته
الفصل الأول
٥٧٧٦ _ (١) عن جبير بن مُطعِم، قال: سمعتُ النبي ◌ِِّ يقول: ((إِنَّ لي أسماءً: أنا
محمَّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر،
(الفصل الأوّل)
٥٧٧٦ - (عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي وَّهويقول: إن لي أسماء) أي كثيرة
عظيمة شهيرة (أنا محمد) فقيل هو اسم مفعول من التحميد، وهو المبالغة في الحمد. يقال:
حمدت فلاناً أحمده إذا أثنيت عليه بجلائل خصاله. وأحمدته إذا وجدته محموداً، أو يقال:
هذا الرجل محمود، فإذا بلغ النهاية في ذلك وتكاملت فيه المحاسن والمناقب فهو محمد. قال
الأعشى يمدح بعض الملوك:
٥٣٥
we're
* إلى الماجد الفرع الجواد المحمد #
أراد الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة، وهذا البناء أبداً يدل على بلوغ النهاية، كما
تقول في الحمد محمد، وفي الذم مذمم. وقيل: هذا البناء للتكثير نحو، فتحت الباب فهو
مفتح إذا فعلت به ذلك مرة بعد أخرى. ومحمد اسم منقول على سبيل التفاؤل أنه سيكثر
حمده. أقول: وقد كان في الظاهر ما أضمر في الباطن: وسيحمده الأوّلون والآخرون
[ ... ](١) في المقام المحمود تحت اللواء الممدود. (وأنا أحمد) أفعل تفضيل من الحمد قطع
متعلقة للمبالغة، أي أحمد من كل حامد أو محمود بناء على أنه للفاعل أو المفعول. والأوّل
أظهر لئلا يتكرر، ولأنه تعالى يلهمه المحامد يوم القيامة لم يلهمها أحداً من الأولين والآخرين،
فهو جامع بين الحامدية والمحمودية، كما جمع له بين المحبة والمحبوبية والمريدية والمرادية.
وقد أشرت إلى بعض النكات الصوفية مما هو من المشارب الصفية في رسالتي المسماة:
بالصلوات العلوية على الصلوات المحمدية. هذا وقال ابن الجوزي في الوفاء: قال ابن قتيبة :
ومن أعلام نبوّة نبينا ◌َّر أنه لم يسم قبله أحد باسمه، صيانة من الله تعالى لهذا الاسم، كما
فعل بيحيى إذ لم يجعل له من قبل سمياً. وذلك أنه تعالى سماه في الكتب المتقدمة وبشر به
الأنبياء. فلو جعل الاسم مشتركاً فيه شاعت الدواعي ووقعت الشبهة، إلا أنه لما قرب زمنه
وبشر أهل الكتاب بقربه، سموا أولادهم بذلك. (وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر) لأنه
الحديث رقم ٥٧٧٦: أخرجه البخاري ٦/ ٥٥٤. حديث رقم ٣٥٣٢. ومسلم ١٨٢٨/٤ حديث رقم (١٢٤ .
٢٣٥٤). والترمذي في السنن ١٢٤/٥ حديث رقم ٢٨٤٠. وأخرجه مالك ١٠٠٤/٢ حديث رقم ١
من كتاب أسماء النبي ◌َل# أخرجه الدارمي ٤٠٩/٢ حديث رقم ٢٧٧٥. وأحمد في المسند ٤/ ٤٠٧.
(١) في المخطوطة كلمة زائدة وهي ((على سبيل)).

٤٥٧
٠٠٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي وَّر وصفاته
وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدميَّ، وأنا العاقب)) والعاقب: الذي ليس بعده نبيّ.
متفق عليه .
١
عبده:
٥٧٧٧ - (٢) وعن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله وَّهُ يُسمّي لنا نفسه
أسماءً فقال: ((أنا محمَّد، وأحمد، والمقفيِّ،
وَّل بعث والدنيا مظلمة بغيابة الكفر، فأتى ◌َالله بالنور الساطع حتى محا الكفر. قال النووي:
ويحتمل أن يراد به الظهور بالحجة والغلبة كما قال تعالى: ﴿ليظهره على الدين كله ﴾ [التوبة -
٣٣]. وجاء في حديث آخر مفسراً بالذي محيت به سيئات من تبعه، كما قال تعالى: ﴿قل
للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال ـ ٣٨]. (وأنا الحاشر) أي ذو الحشر
(الذي يحشر) أي يجمع (الناس على قدمي) بفتح الميم وتشديد الياء، وفي نسخة بالكسر
والتخفيف أي على أثري. قال النووي: ضبطوه بتخفيف الياء على الافراد وتشديدها على
التثنية. قال الطيبي: والظاهر على قدميه اعتباراً للموصول، إلا أنه اعتبر المعنى المدلول للفظة
أنا. وفي شرح السنة: أي يحشر أوّل الناس لقوله: ((أنا أوّل من تنشق عنه الأرض)) (١). وقال
النووي: أي على أثري وزمان نبوّتي وليس بعدي نبي. قال الطيبي: هو من الإسناد المجازي
لأنه سبب في حشر الناس لأن الناس لم يحشروا ما لم يحشر. (وأنا العاقب والعاقب الذي
ليس بعده نبي) الظاهر أن هذا تفسير للصحابي أو من بعده. وفي شرح مسلم قال ابن
الأعرابي: العاقب الذي يخلف في الخير من كان قبله. ومنه يقال: عقب الرجل لولده. (متفق
عليه) ورواه مالك والترمذي والنسائي.
٥٧٧٧ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَلقر يسمي لنا
نفسه أسماء فقال: أنا محمد وأنا أحمد والمقفي) بكسر الفاء المشددة في جميع الأصول
المصححة، أي المتبع من قفا أثره إذا تبعه. يعني أنه آخر الأنبياء الآتي على أثرهم لا نبي
بعده. وقيل: المتبع لآثارهم امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام - ٩٠]. وفي معناه
العاقب، وفي بعض نسخ الشمائل بفتح الفاء المشددة لأنه قفي به. قال الطيبي: قيل: هو على
صيغة الفاعل، وهو المولى الذاهب. يقال: قفى عليه أي ذهب به، فكأن المعنى هو آخر
الأنبياء، فإذا قفي فلا نبي بعده. فمعنى المقفي والعاقب واحد، لأنه تبع الأنبياء، أو هو المقفي
لأنه المتبع للنبيين وكل شيء تبع شيئاً. فقد قفاه. يقال: هو يقفو أثر فلان أي يتبعه. قال
تعالى: ﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا﴾ [الحديد - ٢٧]. هذا أحد الوجهين. والوجه الآخر أن
يكون المقفي بفتح القاف، ويكون مأخوذاً من القفي والقفي الكريم والضيف والقفاوة البر
واللطف. فكأنه سمي المقفي لكرمه وجوده وفضله. والوجه الأوّل أحسن وأوضح. أقول:
والظاهر أن هذا الوجه الثاني لا وجه له، بل هو تصحيف لمخالفته أصول المشكاة والشمائل
(١) مر في الحديث ٥٧٦١.
الحديث رقم ٥٧٧٧: أخرجه مسلم ١٨٢٨/٤ حديث رقم (١٢٦. ٢٣٥٥). وأحمد في المسند ٣٩٥/٤.

٤٥٨
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّالر وصفاته
والحاشر، ونبيُّ التوبة، ونبي الرحمة)). رواه مسلم.
٥٧٧٨ _ (٣) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَله: ((ألا تعجبون كيف يصرف الله
عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمماً، ويلعنون مذمماً، وأنا محمَّد)). رواه البخاري.
٥٧٧٩ - (٤) وعن جابر بن سمرة، قال: كانَ رسولُ الله ◌ِّوَ قدِ شمط مقدَّمُ رأسه
ولحيته،
والشفاء. (والحاشر ونبي التوبة) لأنه تواب كثير الرجوع إلى الله تعالى لقوله وتلقى: (إني أستغفر
الله في اليوم سبعين مرة أو مائة مرة))(١). أو لأنه قبل من أمته التوبة بمجرد الاستغفار بخلاف
الأمم السالفة، قال تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم
الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ [النساء - ٦٤]. ولما كان هذا المعنى مختصاً به سمي (نبي
التوبة. ونبي الرحمة) قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء - ١٠٧].
وقال ◌َلهر: ((إنما أنا رحمة مهداة))(٢). والرحمة العطف والرأفة والإشفاق، لأنه للر بالمؤمنين
رؤوف رحيم. ولذا كانت أمته أمة مرحومة لأن النبي ◌َله ما يرحم إلا من رحمة الله. (رواه
مسلم) وكذا أحمد على ما ذكره السيوطي عنهما لكن بلفظ المرحمة، ثم قال: وزاد الطبراني
في الكبير: ونبي الملحمة (٣).
٥٧٧٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وتلقى: ألا تعجبون كيف
يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم) أي ذمهم، والاستفهام للتقرير. ثم بين وجه الصرف
مستأنفاً بقوله: (يشتمون) بكسر التاء، أي يسبون. (مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد) أي لا
مذمم. والمعنى أن ما ذكروه أوصاف المذمم وأنا بحمد الله محمد. وقيل كانوا يسمونه بمذمم
مكان محمد. قال التوربشتي: يريد بذلك تعريضهم إياه بمذمم مكان محمد. وكانت العوراء
بنت حرب زوجة أبي لهب تقول:
مذمماً قلينا * ودينه أبينا * وأمره عصينا
1044
(رواه البخاري).
٥٧٧٩ - (وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله مَ ير قد شمط) بكسر الميم، أي
شاب. (مقدم رأسه ولحيته) ففي المغرب: شمط بالكسر إذا ابيض شعر رأسه يخالط سواده،
(١) رواية المائة مرة أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٧٥/٤ حديث رقم ٢٧٠٢.
(٣) الجامع الصغير ١٦١/١ حديث رقم ٢٧٠١.
(٢) الحاكم في المستدرك ٣٥/١.
الحديث رقم ٥٧٧٨: أخرجه البخاري ٥٥٤/٦. حديث رقم ٣٥٣٣. والنسائي في السنن ١٥٩/٦ حديث
رقم ٣٤٣٨. وأحمد في المسند ٢٤٤/٢.
الحديث رقم ٥٧٧٩: أخرجه مسلم ١٨٢٣/٤ حديث رقم (٢٣٤٤.١٠٩). وأخرجه الترمذي في السنن
٥٥٨/٥ حديث رقم ٣٦٣٦. وأحمد في المسند ٩٠/٥.

٤٥٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َلجر وصفاته
وكان إِذا اذَّهن لم يتبيَّن، وإِذا شَعِثَ رأسُه تبين، وكان كثير شعر اللحية، فقال رجلٌ: وجهه
مثل السّيف؟ قال: لا بل كان مثلَ الشمس والقمر، وكان مستديراً، ورأيت الخاتم عند كتفه
مثل بيضة الحمامة يشبه جسده. رواه مسلم.
والوصف أشمط. وبالفارسية دوموي. فالمعنى ظهر الشيب في شعر رأسه ولحيته. (وكان) أي
هو أو شيبه (إذا اذهن) بتشديد الدال، أي استعمل الدهن. (لم يتبين) أي لم يظهر الشيب (وإذا
شعث.) بكسر العين أي تفرق. (رأسه) أي شعره (تبين) أي ظهر بعض الشيب. قال الطيبي:
دل هذا على أنه عند الادهان يجمع شعر رأسه ويضم بعضه إلى بعض، وكانت الشعرات البيض
من قلتها لا تتبين، فإذا شعث رأسه تبين. أقول: والأظهر أن شعث الرأس كناية عن عدم
الادهان. ويدل عليه ما رواه الترمذي عن جابر بن سمرة أيضاً: ((سئل عن شيب رسول اللهمول
فقال: كان إذا اذهن رأسه لم ير منه شيب، فإن لم يدهن رؤي منه))(١). وقد روى الترمذي عن
ابن عمر قال: ((إنما كان شيب رسول الله ﴿ ﴿ نحواً من عشرين شعرة بيضاء))(٢). وعن أنس
قال: ما عددت في رأس رسول الله وَ ل﴿ ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء(٣). (وكان كثير
شعر اللحية) أي كثيفها لا خفيفها، أو المراد أنه لم يكن كوسجاً. (فقال رجل: وجهه مثل
السيف) يعني في البريق واللمعان لكن لما كان يوهم الطول أيضاً. (قال:) أي جابر (لا بل
كان) أي وجهه (مثل الشمس والقمر) أي في قوّة الضياء وكثرة النور، ويمكن أن يكون
الاستفهام مقدراً. فالتقدير أوجهه مثل السيف. فقال: لا الخ. ثم قال تتميماً للمبنى وتعميماً
للمعنى. (وكان) أي وجهه (مستديراً) أي مائلاً إلى التدوير، إذ ورد في شمائله أنه لم يكن
مكلثم الوجه. قال الطيبي: رده الراوي رداً بليغاً حيث شبهه بالسيف الصقيل. ولما لم يكن
الوجه شاملاً للطرفين قاصراً عن تمام المراد من الاستدارة والاشراق الكامل والملاحة قال: لا
بل كان مثل الشمس في نهاية الإشراق، والقمر في الحسن والملاحة. ولما لم يفهم منه
الاستدارة عرفاً قال: وكان مستديراً بياناً للمراد فيهما. (ورأيت الخاتم) بفتح التاء ويكسر، أي
خاتم النبوّة. (عند كتفه مثل بيضة الحمامة.) أي مدوّراً (يشبه) أي لونه (جسده) أي لون سائر
أعضائه. والمعنى لم يخالف لونه لون بشرته، وفيه نفي البرص. (رواه مسلم:) وفي الجامع
مكان خاتم النبوّة، في ظهره بضعة ناشزة. أي قطعة [لحم] مرتفعة عن الجسم رواه الترمذي
في الشمائل عن أبي سعيد. وفي رواية للترمذي عن جابر بن سمرة: كان خاتمة غدة حمراء
مثل بيضة الحمامة. وقد جمعت غالب طرق ألفاظ الحديث وبينت مبانيه وأوضحت معانيه في
شرح الشمائل.
ء
(١) أخرجه النسائي ٨/ ١٥٠ حديث رقم ٥١١٤ ولم أجده عند الترمذي والله أعلم.
(٢) ابن ماجه ١١٩٩/٢ حديث رقم ٣٦٣٠.
(٣) أخرجه ابن ماجه ١١٩٨/٢ حديث رقم ٣٦٢٩ ولفظه ((سبعة عشر) أو ((عشرين)).
65
٠جم.

٤٦٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّلت وصفاته
٥٧٨٠ _ (٥) وعن عبدِ الله بن سرجسٍ، قال: رأيتُ النبيَّ نَّهِ وأكلتُ معَه خبزاً
ولحماً - أو قال: ثريداً - ثمَّ دُرْتُ خَلفَه، فنظرتُ إِلى خاتَمِ النبوَّةِ بينَ كتفَيه عندَ ناغضِ كتِفِه
اليُسرى، جُمعاً عليه خيلانٌ كأمثالِ الثّالیلِ. رواه مسلم.
٥٧٨٠ - (وعن عبد الله بن سرجس) بالسينين المهملتين وبينهما جيم بوزن نرجس، كذا
في أسماء الرجال للمؤلف. ونرجس على ما في القاموس بكسر النون وفتحها معروف ذكره في
رج س. فالنون زائدة، فيفيد كونه غير منصرف على ما في بعض النسخ. والمعتمد ما في
بعضها من فتح السين وسكون الراء وكسر الجيم مصروفاً، وهو المطابق لما في المغني. وفي
نسخة بفتح الجيم وما رأيت له وجهاً. (قال: رأيت النبي ◌َّر وأكلت معه خبزاً ولحماً، أو قال:
ثريداً.) شك في اللفظ واتحاد في المعنى، أو اختلاف في المراد. وقد جاء في رواية أبي داود
والحاكم عن ابن عباس: إنه ◌َّير كان أحب الطعام إليه الثريد من الخبز، والثريد من الحيس(١).
(ثم درت خلفه: فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عندنا غض كتفه اليسرى) بكسر المعجمة
الأولى، أعلى الكتف. وقيل: عظم رقيق على طرفها كذا في النهاية. وتبعه ابن الملك، وقال
شارح: الناغض الغضروف، وهو ما لان من العظم. وقيل: أصل العنق. وقيل: ما ارتفع من
الكتف وهو أعلاه. ولا اختلاف بين هذا وبين ما هو المشهور من أنه بين كتفيه لأنه يحتمل أنه
وجده كذلك. والقول المشهور لا يدل على كونه بينهما على السواء، بل يحتمل أن يكون
بينهما على التفاوت من إحدى الجانبين، أو كان على السواء وخيل إليه أنه إلى اليسرى أقرب.
وكذلك القول فيمن روي عنه أنه عند كتفه اليمنى. (جمعاً) بضم الجيم وسكون الميم. ففي
النهاية الجمع هو أن تجمع الأصابع وتضمها. يقال: ضربه بجمع كفه بضم الجيم. اهـ. وأما
ضم الميم فغلط من الراوي كذا ذكره بعضهم. وفي المصابيح جميعاً أي مجموعاً. قال الإِمام
التوربشتي: إني لا أحققه في رواية، والأشبه أنه غلط من الكاتب. وفي كتاب مسلم مثل
الجمع بضم الجيم، وهو الكف حين تقبضها. ويؤيده ما ورد في صفة خاتم النبوّة كالكف.
وفي كتاب مسلم من طريق أخرى جمعاً أي كجمع، فنصبه بنزع الخافض. قال ابن الملك:
ويروى بفتح الجيم، فنصبه على أنه حال، أي نظرت إليه مجموعاً أي مجتمعاً. قال النووي:
وظاهر قوله: جمعاً، يحتمل أن يكون المراد تشبيهه به في الهيئة وأن يكون في المقدار،
والمراد به هنا الهيئة ليوافق قوله: مثل بيضة الحمام. (عليه خيلان) بكسر أوّله جمع خال وهي
نقطة تضرب إلى السواد. وفي النهاية: وهو الشامة في الجسد. (كأمثال الثآليل) بفتح المثلثة
وبمد الهمزة وكسر اللام الأولى جمع تؤلول بضم الثاء وسكون الهمزة، خراج صلب يخرج
على الجسد، له نتوء واستدارة. وفي النهاية: وهو هذه الحبة التي تظهر في الجسد مثل
الحمصة فما دونها. وبالفارسية زخ بفتح الزاي وسكون الخاء المعجمة. (رواه مسلم).
الحديث رقم ٥٧٨٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٢٣/٤ حديث رقم (٢٣٤٦.١١٢). وأخرجه الترمذي
في السنن ٥٦٢/٥ حديث رقم ٣٦٤٣. وأحمد في المسند ٨٢/٥.
(١) أخرجه أبو داود ٤/ ١٤٧ حديث رقم ٣٧٨٣ وقال ضعيف. والحاكم في المستدرك ١١٦/٤.
.. ...
ben