Indexed OCR Text
Pages 341-360
١٣٢/١ ١٢٢٠ ٧ ٢٢٤ ٣٤١ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف حتی يُعذِروا من أنفسِھم» رواه أبو داود. ٥١٤٧ . (١١) وعن عديٍّ بنِ عديّ الكنديِّ، قال: حدَّثنا مولىّ لنا أنَّه سمعَ جدِّي [رضي الله عنه]، يقول: سمعتُ رسولَ الله وَلَ يقول: ((إِنَّ اللَّهَ تعالى لا يعذِّبُ العامَّةَ بعملِ الخاصَّةِ حتى يروا المنكرّ بينَ ظَهرانَيهم وهُم قادرونَ على أنْ ينكِروه فلا ينكِروا؛ فإذا فعلوا ذلكَ عذَّبَ اللَّهُ العامَّةَ والخاصَّةَ)). رواه في ((شرح السنَّة)). دينهم وكمالهم. أو معناه: لن يعذبوا في الدنيا (حتى يعذروا) بضم الياء وكسر الذال ويفتح. وفي نسخة بالفتح والكسر (من أنفسهم) قال القاضي رحمه الله: قيل: إنه من أعذر فلان إذا كثر ذنبه، فكأنه سلب عذره بكثرة اقتراف الذنوب، أو من أعذر غيره إذا جعله معذوراً، فكأنهم أعذروا من يعاقبهم بكثرة ذنوبهم. أو من أعذر، أي صار ذا عذر. والمعنى: حتى يذنبون فيعذرون أنفسهم بتأويلات زائغة وأعذار فاسدة من قبلها. ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً. قال الطيبي رحمه الله: الوجه الثالث أنسب بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأن الناهي ينكر عليه ذنبه وهو يتبرأ من الذنب ويعذر لنفسه ولإقدامه عليه. وقال ابن الملك رحمه الله : هو من أعذر الرجل إذا صار ذا ذنب كثير، أي حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فيستوجبوا العقوبة ويقيموا لمن عاقبهم العذر في ذلك. ومن للتبيين، أي تكثر ذنوب أنفسهم لا ذنوب غيرهم. ويروى ببناء المجهول من أعذره إذا سلب عذره، أي حتى يجعلهم الله بحيث لا يقدرون على العذر بأن يبعث إليهم الرسل حتى يبينوا لهم الرشاد من الضلال والحلال من الحرام والحق من الباطل. ويروى بفتح الياء، أي حتى يعذروا أنفسهم بتأويلات زائغة وأعذار باطلة. (رواه أبو داود) وكذا الإِمام أحمد في مسنده بإسناد حسن. ٥١٤٧ - (وعن عدي بن عدي الكندي) بكسر الكاف، تابعي. روى عن أبيه وعن جابر ابن حيوة، وعنه عيسى بن عاصم وغيره. ذكره المؤلف ولم يذكر أباه. (قال: حدثنا مولی) أي معتوق (لنا أنه سمع جدي) وهو عميرة الكندي الحضرمي، بفتح العين وكسر الميم. سكن الكوفة ثم انتقل إلى الجزيرة وسكنها ومات بها. روى عنه قيس بن أبي حاتم وغيره (يقول: سمعت رسول الله وَل* يقول: إن الله تعالى لا يعذب العامة) أي الأكثر من الناس (بعمل الخاصة) أي بعصيان الأقل منهم (حتى يروا) أي الأكثرون (المنكر بين ظهرانيهم) أي فيما بينهم ظاهراً فاشياً (وهم قادرون على أن ينكروه) جملة حالية معترضة احترازاً عن حال عجز الأكثر أيضاً كما في زماننا. (فلا ينكروا) عطف على قوله: يروا المنكر (فإذا فعلوا ذلك) أي ما ذكر من سكوتهم عن المنكر مع قدرة الأكثر (عذب الله العامة والخاصة) كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال. ٢٥]. (رواه في شرح السنة). الحديث رقم ٥١٤٧: أخرجه البغوي في شرح السنة ٣٤٦/١٤. حديث رقم ٤١٥٥. ومسالك في الموطأ ٢/ ٩٩١ حديث رقم ٢٣. من باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة. وأحمد فى المسند ١٩٤/٤. ٠٠١٥٥ ٣٤٢ کتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ٫٠٠ ١٧٠ ٥١٤٨. (١٢) وعن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّر: «لما وقعتْ بنو إِسرائيلَ في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضربَ اللَّهُ قلوبَ بعضهم ببعض، فلعنهم على لسانِ داود وعيسى ابن مريمَ ذلكَ بما عصَوْا وكانوا يعتَدونَ)). قال: فجلسَ رسولُ اللهِ وَ له وكانَ متكئاً فقال: ((لا والذي نفْسي بيده حتى تأطِرُوهم أْراً)). ٥١٤٨ _ (وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَلجر: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي) أي من الزنا وصيد يوم السبت وغيرهما (نهتهم علماؤهم) أي أوّلاً (فلم ينتهوا) أي فلم يقبلوا النهي ولم يتركوا المنهي (فجالسوهم) أي العلماء (في مجالسهم) أي مجالس بني إسرائيل العصاة ومساكنهم (وآكلوهم) بمد الهمزة، من المؤاكلة مفاعلة للمشاركة في الأكل. وكذا قوله: (وشاربوهم فضرب الله) أي خلط (قلوب بعضهم ببعض) يقال: ضرب اللبن بعضه ببعض أي خلطه، ذكره الراغب. وقال ابن الملك رحمه الله: الباء للسببية، أي سود الله قلب من لم يعص بشؤم من عصى فصارت قلوب جميعهم قاسية بعيدة عن قبول الحق والخير، أو الرحمة بسبب المعاصي ومخالطة بعضهم بعضاً. اهـ. وقوله: قلب من لم يعص، ليس على إطلاقه لأن مؤاكلتهم ومشاربتهم من غير إكراه وإلجاء بعد عدم انتهائهم عن معاصيهم معصية ظاهرة لأن مقتضى البغض في الله أن يبعدوا عنهم ويهاجروهم ويقاطعوهم ولا يواصلوهم. ولذا قال: (فلعنهم) أي العاصين والساكتين المصاحبين، ففيه تغليب كما في قوله تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾. (على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك) أي لعنهم (بما عصوا) أي بسبب عصيانهم مباشرة ومعاشرة (وكانوا يعتدون) أي يتجاوزون عن الحد بأن جر المعاصي إلى الكفر بالاستحلال ونحوه، وبالرضا للمعاصي واستحسانهم من أهلها. (قال) أي ابن مسعود (فجلس رسول الله (38) أي من كمال إعراضه وقوّة اعتراضه. (وكان متكئاً) أي على أحد شقيه أو مستنداً إلى ظهره قبل ذلك، فجلس مستوياً للاهتمام بإتمام الكلام. (فقال: لا) [ أي لا تعذرون أو لا تنجون من العذاب أنتم أيها الأمة خلف أهل تلك الأمة ] (والذي نفسي بيده حتى تأطروهم) بهمزة ساكنة ويبدل بكسر الطاء (أطراً) بفتح الهمزة مفعول مطلق للتأكيد، أي حتى تمنعوا أمثالهم من أهل المعصية، وإن لم ينتهوا عن أفعالهم فتمتنعوا أنتم عن مواصلتهم ومكالمتهم ومؤاكلتهم ومجالستهم. وقال شارح: الأطر الامالة والتحريف من جانب إلى جانب، أي حتى تمنعوا الظلمة والفسقة عن الظلم والفسق وتميلوهم عن الباطل إلى الحق وفي الفائق حتى متعلقة بلا، كأن قائلاً قال له عند ذكره مظالم بني إسرائيل: هل يعذر في تخلية الظالمين وشأنهم فقال: لا حتى تأطروهم وتأخذوا على أيديهم. والمعنى: لا تعذرون حتى تجبروا الظالم على الإذعان للحق وإعطاء النصفة للمظلوم، واليمين معترضة بين لا الحديث رقم ٥١٤٨: أخرجه أبو داود في ٥١٩/٤ حديث رقم ٤٣٣٧. والترمذي في السنن ٢٣٥/٥ حديث رقم ٣٠٤٧. وابن ماجه في السنن ١٣٢٧/٢ حديث رقم ٤٠٠٦. وأحمد في المسند ٣٩١/١. ٣٤٣ ١٦٢٧٢ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف رواه الترمذي، وأبو داود وفي روايته قال: ((كلاًّ والله لتأمرُنَّ بالمعروفِ ولتنهوُنَّ عن المنكرِ، ولتأخذُنَّ علي يدىِ الظالم، ولتأطرُنَّه على الحقُ أطْراً، ولتُقصرنَّه على الحقّ قصراً، أو ليضربَنَّ اللَّهُ بقُلوبِ بعضكم على بعضٍ ثمَّ ليلعننَّم كما لعنهم)). ٥١٤٩. (١٣) وعن أنس، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «رأيتُ ليلةَ أُسريَ بي رجالاً تُقرضُ شفاههُم بمقاريضَ من نارٍ، قلتُ: مَنْ هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: هؤلاءِ خُطباءُ أُمتكَ يأمرونَ النَّاسَ بالبِرِّ وينسَونَ أنفسَهم» . وحتى. وليست هذه بتلك التي يجيء بها المقسم تأكيد القسمة. (رواه الترمذي وأبو داود. وفي روايته) الضمير لأبي داود. وفي نسخة وفي رواية، أي لأبي داود على ما هو الظاهر، ويحتمل للترمذي أولهما أو لغيرهما. (قال:) أي النبي وَلّر (كلا) أي حقاً أو ارتدعوا عن حسبان ما لا ينبغي من جواز السكوت عن المنكر. (والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر) أي بطريق فرض الكفاية ومراتب الاحتساب على الغاية والنهاية (ولتأخذن على يدي الظالم) بالتثنية مبالغة. وفي نسخة بالافراد إما على إرادة الجنس أو على قصد الاكتفاء بالواحدة. (ولتأطرنه) أي لتمنعن الظالم باللسان عند العجز عن أخذ اليد باليد. (على الحق) أي على إجباره على الحق وإنكاره على الباطل (أطرا) أي منعا ظاهراً ليس فيه لومة لائم (ولتقصرنه) بضم الصاد، أي ولتحبسنه (على الحق) أي على قبوله (قصراً) أي بالهجرة عنه إذا عجزتم عما سبق حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، فإنه حبس معنوي أقوى من سجن صوري(١). (أو ليضربن الله) أي ليخلطن (بقلوب بعضكم بعضاً) الباء زائدة لتأكيد التعدية لما سبق أنه متعد بنفسه (ثم ليلعننكم) أي الله (كما لعنهم) أي بني إسرائيل على كفرهم ومعاصيهم. والمعنى أن أحد الأمرين واقع قطعاً. ٥١٤٩ - (وعن أنس أن رسول الله و لقد قال: رأيت ليلة أسري بي) بالإضافة إلى الفعل المجهول، وفي نسخة بالتنوين نصباً على الظرفية، أي أبصرت ليلة أسري بي فيها (رجالاً تقرض) بصيغة المفعول أي تقطع (شفاههم) بكسر الفاء جمع شفة بالفتح ويكسر ولامها هاء كما يدل عليه جمعها (٢). (بمقاريض) جمع مقراض بكسر الميم آلة القطع المعروفة (من نار) أي مخلوقة منها (قلت: من هؤلاء) أي هؤلاء الرجال بهذا الحال (يا جبريل. قال: هؤلاء خطباء من أمتك) من بيانية. وفي نسخة: خطباء أمتك، أي علماؤهم ووعاظهم ومشايخهم. (يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم) محط الإنكار الجملة الثانية. وإنما ذكر الجملة الأولى تقبيحاً لسوء أفعالهم وأقوالهم وتوبيخاً على علومهم المقرونة بترك أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾ [البقرة. ٤٤ ]. أي (١) في المخطوطة ((صفدي)). الحديث رقم ٥١٤٩: أخرجه البغوي في شرح السنة ٣٥٣/١٤ حديث رقم ٤١٥٩. والبيهقي في شعب الإِيمان ٢٨٣/٢ حديث رقم ١٧٧٣. وأحمد في المسند ١٢٠/٣. (٢) في المخطوطة ((جميعاً)). ٣٤٤ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف رواه في ((شرح السنة))، والبيهقي في ((شعب الإِيمان)) وفي روايته قال: ((خُطباء من أُمتكَ الذينَ يقولونَ ما لا يفعلونَ، ويقرؤونَ کتابَ اللَّهِ ولا يعملونَ». ٥١٥٠. (١٤) وعن عمَّارٍ بن ياسرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((أُنزلتِ المائدةُ منَ السَّماءِ خُبزاً ولحماً، وأُمِروا أن لا يخونوا ولا يدّخروا لغدٍ، فخانوا واذَّخروا ورفعوا لغَدٍ، فمُسِخوا قَرِدةً سوء صنيعكم. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف . ٣]. وكما قال رَّر: ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات(١). وكما ورد في الحديث المشهور: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه)»(٢) (رواه) أي البغوي (في شرح السنة والبيهقي) عطف على الفاعل المقدر (في شعب الإيمان. وفي روايته) أي رواية البيهقي (قال: خطباء من أمتك) بمن البيانية (الذين يقولون ما لا يفعلون) بدل من قوله خطباء، ويجوز أن یکون صفة له لأنه لا توقیت فیه علی عکس قوله: * ولقد أمر على اللئيم يسبني * ويجوز أن يكون منصوباً على الذم وهو الأوجه، يتفطن لذلك من رزق الذهن السليم والطبع المستقيم ذكره الطيبي رحمه الله. وفيه أن أهل العربية أطبقوا في مثل هذا التركيب على أن البدل أوجه الوجوه المحتملة، كما حقق في الاستعاذة والبسملة، ذكره الطيبي رحمه الله . وفي قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة. ٢، غافر. ٦٥]. وقوله سبحانه: ﴿فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون﴾ [البقرة. ٣،٢]. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون ﴾ [البقرة.٢٦، ٢٧]. وفي قوله ◌َلو: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله(٣). (ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون) وفيه اقتباس من الآيتين الشريفتين اللتين ذكرناهما أوّلاً . ..... بادرة" ٥١٥٠ - (وعن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله وَله: أنزلت المائدة من السماء) قال الراغب: المائدة الطبق الذي عليه الطعام، ويقال لكل منهما مائدة، أي على الحقيقة المشتركة، أو على أحدهما مجازاً باعتبار المجاورة، أو بذكر المحل وإرادة الحال. وقوله: (خبزاً ولحماً) تمييز بخورافر دخلا. (وأمروا أن لا يخونوا) أي بقصد أكل الأحسن أو الأكثر من غيرهم (ولا يدّخروا) بتشديد الدال المهملة المبدلة من الذال المعجمة من باب الافتعال من الذخيرة، وهو التخبية. (لغد) أي ليوم عقب يوم نزول المائدة أو لوقت مستقبل بعده (فخانوا وادخروا ورفعوا لغدٍ) تفسير لما قبله (فمسخوا) أي فغير الله صورهم الإنسانية بعد تغيير سيرتهم الإنسية. (قردة (١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه. (٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٨٤/٢ حديث رقم ١٧٧٨. (٣) راجع الحديث رقم (٤). الحديث رقم ٥١٥٠: أخرجه الترمذي في السنن ٢٤٢/٥ حديث رقم ٣٠٦١. ٣٤٥ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف وخنازيرَ)). رواه الترمذي. ٣٫٠ الفصل الثالث ٥١٥١. (١٥) عن عُمَرَ بن الخطابِ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((إِنَّهُ تصيبُ أُمَّتي في آخرِ الزمانِ من سلطانهم شدائدُ، لا ينجو منه إِلاَّ رجلٌ عرفَ دِينَ الله، فجاهدَ عليه بلسانه ويدِه وقلبِهِ، فذلكَ الذي سبقتْ له السَّوابقُ؛ وخنازير) منصوبان على أنهما مفعول ثان على ما يستفاد من القاموس حيث قال: مسخه كمنعه حول صورته إلى أخرى أقبح، ومسخه الله قرداً فهو مسخ ومسيخ. وقال الطيبي رحمه الله : حالان مقدرتان كقوله تعالى: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتاً﴾ [الشعراء - ١٤٩]. اهـ. والظاهر أن شبابهم مسخوا قردة وشيوخهم خنازير. (رواه الترمذي). (الفصل الثالث) ٥١٥١ - (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليل: إنه) أي الشأن (تصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم) يحتمل الجنس والشخص كيزيد والحجاج وأمثالهما. (شدائد) أي محن دنيوية أو دينية أو مركبة منهما (لا ينجو) استئناف بيان أو حال أي لا يخلص (منه) أي من السلطان وشدائده الناشئة من ظلمه فهما في حكم واحد، فيجوز أن يعبر عنه بضمير مفرد. (إلا رجل عرف دين الله) قال الطيبي رحمه الله: الضمير في منه يجوز أن يعود إلى السطان أو يحمل على أنه واقع موقع اسم الإشارة، أو يعود إلى شدائد باعتبار المذكور أو المنكر وهو الشدائد. وقوله: لا ينجو، على الأول استئناف، وعلى الثاني صفة قوله: شدائد. اهـ. والحاصل أنه لا يتخلص فى زمان ذلك السلطان المشابه بالشيطان إلا من جمع بين العلم والعمل والكمال والتكميل فعرف دين الله أوّلاً بتفصيله من الأصول والفروع، وعمل لنفسه على ما يقتضيه الأمر المشروع (فجاهد عليه) أي على تحصيل إعلاء دين الله (بلسانه) أي بطريق النصيحة والبيان (ويده) أي إن كان له قدرة وقوّة (وقلبه) أي بإنكاره عند العجز عملاً بقوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل.١٢٥]. وقياماً بقوله عزَّ وجلّ: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ﴾ [ آل عمران. ١٠٤]. وهذا معنى قوله: (فذلك الذي سبقت له السوابق) أي السعادات السابقة حيث جمع بين الأحوال الثلاث اللاحقة، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿والسابقون السابقون﴾ [الواقعة. ١٠ ]. أي الجامعون بين مراتب الكمال والتكميل ودرجات العلم والعمل والتعليم. أولئك المقربون. ففي الحديث رقم ٥١٥١: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٩٥ حديث رقم ٧٥٨٧. ٣٤٦ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ورجلٌ عرفَ دينَ اللَّهِ، فصدَّقَ به، ورجلٌ عرفَ دينَ اللَّهِ فسكتَ عليه، فإِنْ رأى مَن يعملُ الخيرَ أَحبَّه عليه، وإِنْ رأى من يعملُ بباطلٍ أبغضَه عليه، فذلكَ ينجو على إِبطانِهِ كله)). ٥١٥٢ - (١٦) وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َّرَ: ((أوحى اللَّهُ عزَّ وجلَّ إِلى جبريلَ عليه السلام: أن أقلب مدينةَ كذا وكذا بأهلها قال: يا ربِّ! إِنَّ فيهم عبدكَ فلاناً لم يعصِكَ طرفةَ عينٍ)). قال: ((فقال: اقلِبْها عليه وعليهم، فإِنَّ وجهَه لم يتمعَّرْ ٨/١٣٠/١ كلام عيسى عليه الصلاة والسلام: من عمل وعلم وعلم يدعى في الملكوت عظيماً. (ورجل عرف دين الله فصدق به) أي فتكلم بلسانه ما يجب تصديقه من الأمر بالحق والنهي عن الباطل، واكتفى به عن الإنكار باليد لعجزه أو ضعف قلبه وقوّة خصمه (ورجل عرف دين الله فسكت عليه) أي تاركاً للأمر والنهي لغيره مكتفياً بإنكار قلبه لضعف إيمانه أو ضعف أهل زمانه، ويدل على تحقق إنكار قلبه قوله: (فإن رأى من يعمل الخير) أي بعمل حق (أحبه) أي بقلبه (عليه) أي على ذلك العمل أو لأجله (وإن رأى من يعمل بباطل) أي من يعمل الشر (أبغضه عليه) أي وترك مصاحبته ومجالسته ولو كان من كان (فذلك ينجو على إبطانه) أي إبطان ما ذكر في قلبه من محبة الخير وبغض الباطل. (كله) تأكيد مفيد لأن يكون جامعاً للأمرين لا مقتصراً على أحدهما فتأمل هذا. وقد قال الطيبي رحمه الله: السوابق جمع سابقة وهي الخصلة المفضلة، إما السعادة وإما البشرى بالثواب من عند الله، وأما التوفيق للطاعة كقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ [ الأنبياء . ١٠١]. وقوله: عرف دين الله فجاهد عليه إلى آخر الحديث. هو من باب التقسيم الحاصر لأن الناهي عن المنكر إما سابق أو مقتصد أو دونهما. فالفاآت في قوله: فجاهد فصدق فسكت مسببات عن العرفان، فمعنى الأول: من عرف دين الله تعالى حق معرفته وتصلب في دينه فبذل جهده في المجاهدة بلسانه ويده وقلبه. ومعنى الثالث: من عرف دين الله أدنى معرفة وسكت فلم يجهد فيه إلا على قدر إيمانه وذلك بالكراهة بالقلب، وهو المراد من قوله في الحديث الآخر: وذلك أضعف الإيمان. فيبقى قوله: فصدق به في درجة المقتصد فينبغي أن يفسر بما هو دون الأولى. وفوق الثالثة: وهو أن يجاهد بلسانه وقلبه، والتصديق يستعمل حقيقة في اللسان مجازاً في العمل، فتصديقه هنا معبر به عن دفع المنكر بلسانه وقلبه. ٥١٥٢ - (وعن جابر قال: قال رسول الله والر: أوحى الله عزَّ وجل إلى جبريل عليه الصلاة والسلام أن اقلب) بهمزة وصل ولام مكسورة (مدينة كذا وكذا بأهلها) أي مصحوبة معهم. قال الطيبي رحمه الله: إن مفسرة لما في أوحى من معنى القول. اهـ. ويجوز أن تكون مصدرية والباء مقدرة. (فقال: يا رب إن فيهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين) فيه دلالة على حفظ الأولياء (قال:) أي النبي وله، أو قال جبريل عليه الصلاة والسلام. (فقال:) أي الله تعالى (أقلبها عليه وعليهم) في تقديمه عليهم إيذان بوعيد شديد (فإن وجهه لم يتمعر) أي لم الحديث رقم ٥١٥٢: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٩٧ حدیث رقم ٧٥٩٥. ٣٤٧ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف فيَّ ساعةً قطُ)). ٥١٥٣ - (١٧) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يسألُ العبدَ يومَ القيامةِ، فيقول: ما لَكَ إِذا رأيتَ المنكرَ فلم تنكره))؟ قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((فيُلقِّى حجَّتَه، فيقول: يا ربِّ! خِفتُ النَّاسَ ورجَوتُكَ)). روى البيهقي الأحاديثَ الثلاثةَ في ((شعب الإِيمان)). ٥١٥٤ _ (١٨) وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((والذي نفْسُ محمَّدٍ بيدِه إِنَّ المعروفَ والمنكرَ خليقتانِ، تُنصبانِ للنَّاسِ يومَ القيامةِ، فأمَّا المعروفُ فِيبشّرُ أصحابَه ویوعدهم الخيرَ، وأمَّا المنکرُ فیقول: إِلیکم إِلیکم؛ يتغير (فيّ) بكسر الفاء وتشديد الياء، أي في حقي ولأجلي. والحاصل أنه لم يظهر أثر غضب إنكار القلب على مرتكب المنكر. (ساعة) أي واحدة (قط) أي أبداً. وفيه توسعة للإشعار بأنه لو غضب عليه مرة لله لسومح في بقية أوقات عمره. ٥١٥٣ - (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَلير: إن الله عزَّ وجلَّ يسأل العبد يوم القيامة فيقول: ما لك إذا رأيت المنكر فلم تنكره) أي بلسانك أو يدك (قال رسول الله زيتالچ : فيلقى) بتشديد القاف المفتوحة (حجته) بالنصب، أي بينته عليها ويلقى بها إذا كان الله يريد إنجاءه. (فيقول: يا رب خفت الناس ورجوتك) فيه اعتراف بالذنب وإظهار للعجز واعتماد على كرم الرب. قال البيهقي: يحتمل أن يكون هذا فيمن يخاف سطوتهم وهو لا يستطيع دفعها عن نفسه ذكره الطيبي رحمه الله. وفيه أن مثل هذا معذور في الشرع فلا يعاتب عليه فيحاج إلى تلقي الحجة، بل إنما هو فيمن قصر في الجملة فيلهمه الله العذرة. (روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان). ٥١٥٤ - (وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله وَلقر: والذي نفس محمد بيده إن المعروف والمنكر خليقتان) أي مخلوقتان ذكره الطيبي رحمه الله: والظاهر أن المعنى سيخلقان خلقاً آخر كسائر المعاني من الأعمال والموت ونحو ذلك فيجسدان ويجسمان لقوله: (تنصبان) بصيغة التأنيث على بناء المجهول، وفي نسخة بالتذكير وهو الأظهر، لأن التاء في الخليقة ليست للتأنيث بل للمبالغة. والمعنى: أنهما نوعان من المخلوقات يظهران. (للناس يوم القيامة فأما المعروف فيبشر أصحابه) أي أهل المعروف بالفعل أو الأمر (ويوعدهم الخير) أي ويوعدهم ابتغاء الجميل والجزاء الجزيل وبالمواصلة بينه وبينهم. (وأما المنكر فيقول:) أي لأصحاب المنكر بلسان القال، أو ببيان الحال (إليكم إليكم) أي ابعدوا عني وتنحوا من قربي. الحديث رقم ٥١٥٣: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٣٣٢/٢. حديث رقم ٤٠١٧. والبيهقي في شعب الإیمان ٦/ ٩١ حدیث رقم ٧٥٧٥. الحديث رقم ٥١٥٤: أخرجه أحمد في المسند ٣٩١/٤. والبيهقي في شعب الإيمان ٥١٧/٧ حديث رقم ١١١٨. .. ٣٠ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ٣٤٨ وما يستطيعونَ له إِلاَّ لزوماً)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإِيمان)). (وما يستطيعون له إلا لزوماً) أي لصوقاً وقرباً من نتيجة المنكر وما يترتب عليه من عتابه. والحاصل أن العمل الصالح يظهر في أحسن صورة وأطيب ريح في القبر وكذا يوم القيامة، والعمل الطالح بخلاف ذلك ويؤيده ما ورد في حديث قدسي: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))(١). وتحقيق المرام في هذا المقام أن أفعال العباد وإن كانت غير موجبة للثواب والعقاب بذواتها إلا أنه تعالى أجرى عادته يربطهما ربط المسببات بالأسباب. وأنشد بعض أرباب الألباب : وأعلم حقاً أنه حكم عدل أخاف وأرجو عفوه وعقابه وإن يك تعذيباً فإني له أهل فإن يك عفواً فهو منه تفضل والتدقيق والله ولي التوفيق أن السبب الفاعلي للخير والشر ليس إلا الله وحده بمقتضى فضله وعدله، وبموجب جماله وجلاله. وأما السبب القابلي فهو وإن كان أيضاً منه في الحقيقة إلا أن قابلية الخير من الاستعداد الأصلي الذي من الفيض الأقدس الذي لا دخل للاختيار فيه، وقابلية الشر من الاستعداد الحادث بسبب ظهور النفس بالصفات والأفعال الحاجبة للقلب المكدرة لجوهر الروح، حتى احتاج إلى الصقل بالرزايا والبلايا ونحوهما ولذا قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسب أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى - ٣٠]. وههنا يتموج أمواج بحر القضاء والقدر لتقسم العباد فيما يفعلون، وسفينة النجاة قوله تعالى: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون ﴾ [الأنبياء - ٢٣]. (رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان). (١) مسلم في صحيحه ١٩٩٤/٤٠ حديث رقم ٢٥٧٧. كتاب الرقاق مے الفصل الأول ٥١٥٥ _ (١) عن ابنِ عبَّاس، قال: قال رسول الله وَّل: «نعمتانِ مَغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاس: الصّحةُ والفَراغُ». (كتاب الرقاق) الرقاق بالكسر جمع رقيق وهو الذي له رقة أي لطافة، قاله شارح. والظاهر ما قاله السيوطي من أن المراد بها الكلمات التي ترق بها القلوب إذا سمعت وترغب عن الدنيا بسببها وتزهد فيها. سميت هذه الأحاديث بذلك لأنها تحدث رقة ورحمة . (الفصل الأول) ٥١٥٥ - (عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَظه: نعمتان) مبتدأ (مغبون فيهما كثير من الناس) صفة له أو خبره (الصحة والفراغ) أي صحة البدن والقوة الكسبية وفراغ الخاطر بحصول الأمن ووصول كفاية الأمنية. والمعنى لا يعرف قدر هاتين النعمتين كثير من الناس حيث لا يكسبون فيهما من الأعمال كفاية ما يحتاجون إليه في معادهم فيندمون على تضييع أعمارهم عند زوالها ولا ينفعهم الندم. قال تعالى: ﴿ذلك يوم التغابن﴾ [التغابن _ ٩]. وقال وَليقول: ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها. وفي حاشية السيوطي رحمه الله، قال العلماء: معناه أن الإنسان لا يتفرغ للطاعة إلا إذا كان مكفياً صحيح البدن، فقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً وقد يكون صحيحاً ولا يكون مستغنياً فلا يكون متفرغاً للعلم والعمل لشغله بالكسب، فمن حصل له الأمران وكسل عن الطاعة فهو المغبون أي الخاسر في التجارة. مأخوذ من الغبن في البيع. اهـ. ويمكن أن يكون الغبن كناية عن فساد حاله وضياع ماله. كما قال بعضهم: إن الشباب والفراغ والجدة * مفسدة للمرء، أي مفسدة. وقال العارف بالله ابن الفارض: الحديث رقم ٥١٥٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٢٩/١١. حديث رقم ٦٤١٢. والترمذي في السنن ٤/ ٤٧٧ حديث رقم ٢٣٠٤. وابن ماجه في السنن ١٣٩٦/٢ حديث رقم ٤١٧٠ والدارمي في السنن ٣٨٥/٢ حديث رقم ٢٧٠٧. وأحمد في المسند ٣٤٤/١. ٣٤٩ ٣٥٠ كتاب الرقاق رواه البخاري. ٥١٥٦ - (٢) وعن المستورِد بن شدَّادٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((واللهِ ما الدُّنيا في الآخرة إِلاَّ مثلُ ما يجعلُ أحدُكم إصبعَه في اليمِّ؛ فلْينظُرْ بِمَ يرجع)). رواه مسلم. ٥١٥٧ _ (٣) وعن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ◌ِلَّهِ مرَّ بجَذْىٍ أسكّ على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له فيها نصيب ولا سهم (رواه البخاري) وفي الجامع الصغير رواه البخاري في تاريخه والترمذي وابن ماجه عنه(١). ٥١٥٦ - (وعن المستورد بن شداد قال: سمعت رسول الله وَلفر يقول: والله) قسم للمبالغة في تحقق الحكم (ما الدنيا) ما نافية، أي ما مثل الدنيا من نعيمها وزمانها (في الآخرة) أي في جنبها ومقابلة نعيمها وأيامها (إلاّ مثل) بكسر الميم ورفع اللام. وفي نسخة بنصبها. وما في قوله: (ما يجعل أحدكم) مصدرية، أي مثل جعل أحدكم (أصبعه) وفي الجامع بزيادة هذه. والظاهر أن المراد بها أصغر الأصابع. (في اليم) أي مغموساً في البحر المفسر بالماء الكثير (فلينظر) أي فليتأمل أحدكم (بم يرجع) أي بأي شيء يرجع أصبع أحدكم من ذلك الماء. واعلم أن قوله: يرجع، ضبط بالتذكير في أكثر الأصول. وفي بعض النسخ بالتأنيث وهو الأظهر، لأن ضميره يرجع إلى الأصبع وهو مؤنث، وقد يذكر على ما في القاموس. والمعنى: فليتفكر بأي مقدار من البلة الملتصقة من اليم يرجع أصبعه إلى صاحبه، اللهم إلا أن يقال المعنى بم يرجع الحال وينتقل المآل. وحاصله أن منح الدنيا ومحنها في كسب الجاه والمال من الأمور الفانية السريعة الزوال، فلا ينبغي لأحد أن يفرح ويغتر بسعتها ولا يجزع ويشكو من ضيقها بل يقول في الحالتين: لا عيش إلا عيش الآخرة، فإنه قاله و # مرة في يوم الأحزاب وأخرى في حجة الوداع وجمعية الأصحاب. ثم يعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة وأن الدنيا ساعة فيصرفها في الطاعة. قال الطيبي رحمه الله: وضع موضع قوله: فلا يرجع بشيء، كأنه وَله يستحضر تلك الحالة في مشاهدة السامع ثم يأمره بالتأمل والتفكر، هل يرجع بشيء أم لا . وهذا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فأين المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي. (رواه مسلم) و كذا أحمد وابن ماجه. ٥١٥٧ - (وعن جابر أن رسول الله ( لير مر بجدي) أي ولد معز (أسك) بتشديد الكاف، (١) الجامع الصغير ٥٥٥/٢ حديث رقم ٩٢٨٠. وفيه عن البخاري وليس البخاري في تاريخه. الحديث رقم ٥١٥٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٩٣/٤ حديث رقم (٢٨٥٨.٥٥). والترمذي في السنن ٤٨٦/٤ حديث رقم ٢٣٢٣. وابن ماجه ١٣٧٦/٢ حديث رقم ٤١٠٨. وأحمد في المسند ٢٢٩/٤. الحديث رقم ٥١٥٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٧٢/٤ حديث رقم (٢. ٢٩٥٧). والترمذي في السنن ٤/ ٤٨٥ حديث رقم ٢٣٢١. وابن ماجه في السنن ١٣٧٧/٢ حديث رقم ٤١١١. مis ٣٥١ کتاب الرقاق · ,۵ مَيْتٍ. قال: ((أَيْكم يُحبُّ أنَّ هذا له بدرهم؟)) فقالوا: ما نحبُ أنَّه لنا بشيءٍ. قال: ((فوَاللَّهِ لَلدُّنيا أهوَنُ على اللَّهِ من هذا عليكم)). رواه مسلم. ٥١٥٨ _ (٤) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله وَلَهُ: «الدنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرٍ)). أي صغير الأذن أو عديمها أو مقطوعها. (ميت قال: أيكم يحب أنَّ هذا له بدرهم) أي مثلاً (فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء) أي بشيء مّا مما يطلق عليه اسم الشيء من تراب وغيره. والمراد أنا لا نحبه بلا شيء أيضاً. (قال: فوالله للدنيا) أي لجميع أنواع لذاتها (أهون) أي أسهل وأحقر وأذل (على الله) أي عنده تعالى (من هذا) أي من هوان هذا الجدي (عليكم) ويؤيده ما سيأتي: إن الدنيا لو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء. والمقصود منه التزهيد في الدنيا والترغيب في العقبى، فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة على ما رواه البيهقي عن الحسن مرسلاً. كما أن ترك الدنيا رأس كل عبادة. والسبب في ذلك أن محب الدنيا ولو اشتغل بأمور الدين تكون أعماله مدخولة بأغراض فاسدة، وتارك الدنيا ولو اشتغل بأمر دنيوي يكون له مطمح أخروي ولذا قال بعض العارفين من أرباب اليقين: من أحب الدنيا لم يقدر على هدايته جميع المرشدين، ومن ترك الدنيا لم يقدر على ضلالته جميع المفسدين . (رواه مسلم). ٥١٥٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّفي: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) أي كالسجن للمؤمن في جنب ما أعد له في الآخرة من الثواب والنعيم المقيم، وكالجنة للكافر في جنب ما أعد له في الآخرة من العقوبة والعذاب الأليم. وقيل: إن المؤمن عرض نفسه عن الملاذ وأخذها بالشدائد فكأنه في السجن، والكافر فرّجها بالشهوات فهي له كالجنة، كذا ذكر في الفائق. ويؤيد القول الأخير ما قاله فضيل بن عياض: من ترك لذات الدنيا وشهواتها فهو في سجن، فأما الذي لا يترك لذاتها وتمتعاتها فأي سجن عليه. وأقول: الظاهر أن مراتب السجن ومنازله(١) مختلفة باختلاف أحوال أهله مع أنه لا يخلو أحد من ضيق التكاليف الشرعية من ارتكاب الواجبات الفعلية واجتناب الأمور المنهية، وكذا من مشقات الأحوال الكونية من البرد والحر في الصيف والشتاء والبلاء والغلاء وموت الأحباء وغلبة الأعداء وأمثال ذلك من ابتداء خلق النطفة وأطوارها في مشيمة البطن إلى الظهور في المهد والبطون في اللحد وما بينهما من أنواع الكد والكبد. ولذا قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ [ البلد - ٤]. أي لا يزال في تعب عظيم مبدؤه(٢) ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاه الموت وما بعده إلى أن يكون الحديث رقم ٥١٥٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٧٢/٤ حديث رقم (٢٩٥٦٠١). والترمذي في السنن ٤٨٦/٤ حديث رقم ٢٣٢٤. وابن ماجه في السنن ١٣٧٨/٢. حديث رقم ٤١١٣ وأحمد في المسند ٣٢٣/٢. (١) في المخطوطة ((مغازلها)). (٢) في المخطوطة ((مدة)). مجود ٣٥٢ كتاب الرقاق رواه مسلم. ٥١٥٩ - (٥) وعن أنس، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((إِنَّ اللَّهَ لا يظلُم مؤمناً حسنةً، ما بعد هذا السجن إما إلباس الخلع السلطانية والقرار في المناصب العلية، وإما تسليط الزبانية بموجب الغضب الإلهي عليه، ونقله من السجن السهل الفاني إلى الحبس الصعب الباقي نعوذ بالله من ذلك. ولما مات داود الطائي سمع هاتفاً يهتف: أطلق داود من السجن. قال أبو حفص السهروردي: إن السجن والخروج منه يتعاقبان على قلب العبد المؤمن على(١) الساعات ومرور الأوقات، لأن النفس كلما ظهرت بصفاتها أظلم الوقت على القلب حتى ضاق وانكمد. وهل السجن إلا تضييق وحجز من الخروج والولوج، فكلما هم القلب بالتبرز عن مشائم الأهواء الدنيوية والتخلص عن قيود الشهوات العاجلة تسبباً إلى الآجلة وتنزهاً في فضاء الملكوت ومشاهدة للجمال الأزلي، حجزه الشيطان المردود من هذا الباب المطرود بالاحتجاب، فيدلي بحسب النفس الأمارة إليه، فكدر صفو العيش عليه وحال بينه وبين محبوب طبعه، وهذا من أعظم السجون وأضيقها. فإن من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه. ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن جماعة [ من الصحابة] حيث تخلفوا عن رسول الله وَلقوله في بعض الغزوات، قال تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ﴾ [ التوبة - ١١٨] الآية. (رواه مسلم) وكذا أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، والطبراني والحاكم(٢) عن سلمان، والبزار عن ابن عمرو رواه أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية، والحاكم عن ابن عمرو بن العاص ولفظه: الدنيا سجن المؤمن وسنته، فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة(٣). والسنة بفتح أوله القحط والجدب. وأخرج ابن المبارك عن ابن عمر قال: إن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن فأخرج منه فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها. وأخرجه ابن أبي شيبة عنه نحوه. وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر أن النبي بَّ قال لأبي ذر: يا أبا ذر إن الدنيا سجن المؤمن والقبر أمنه والجنة مصيره. يا أبا ذر الدنيا جنة الكافر والقبر عذابه والنار مصيره(٤). وروى ابن لال عن عائشة: الدنيا لا تصفو لمؤمن، كيف وهي سجنه وبلاؤه(٥) . ٥١٥٩ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَله: إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة) قال شارح: (١) في المخطوطة ((من)). ... . (٢) الحاكم في المستدرك ٦٠٤/٣. الحاكم في المستدرك ٣١٥/٤ وأحمد في المسند ١٩٧/٢. (٣) (٤) حلية الأولياء ٦/ ٣٥٣. (٥) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٢٦٠ حديث رقم ٤٢٨٥. الحديث رقم ٥١٥٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٦٢/٤. حديث رقم (٢٨٠٨.٥٦). وأحمد في المسند ١٢٣/٣. ٣٥٣ كتاب الرقاق يُعْطَى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطْعَمُ بحسناتٍ ما عمل بها الله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنةٌ يُجزى بها)). رواه مسلم. أي لا يضيع أجر حسنة المؤمن. ولا يخفى أنه حاصل المعنى. وأما بحسب التركيب والمعنى، فالظلم يتعدى إلى مفعولين. قال تعالى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئاً﴾ [ يونس - ٤٤]. وفي القاموس: ظلمه حقه، أي منعه إياه. فالحديث تفسير لما في القرآن وتبيين لما فيه من نوعي جنس الإِنسان، وبيان أن الله يجازي عبادة المؤمن والكافر على النقير والقطمير والقليل والكثير من الخير والشر، إما في الدنيا وإما في العقبى كما قال: ﴿فمن يعمل مثال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ [الزلزلة - ٧]. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ [النساء - ٤٠]. ولذا قال عمر رضي الله عنه: لو كانت لي حسنة واحدة لكفتني. بناء على المضاعفة المذكورة والمثوبة العظيمة المسطورة. (يعطى) استئناف بيان بصيغة المجهول، أي يعطى المؤمن كل خير (بها) أي بسبب تلك الحسنة (في الدنيا) من رفع البلاء وتوسعة الرزق وغير ذلك من النعماء. وفي نسخة بصيغة الفاعل، أي يعطي الله إياه بتلك الحسنة أجراً في الدنيا. (ويجزى بها في الآخرة) على بناء المفعول أو الفاعل طبق ما قبله. (وأما الكافر فيطعم) بصيغة المجهول لا غير، أي يعطى. وفي العدول إشارة إلى أن مطمح نظر الكافر في العطاء إنما هو بطنه، والمعنى أنه يجزى. (بحسنات ما عمل بها الله) أي من إطعام فقير وإحسان ليتيم وإغاثة ملهوف ونحوها من طاعات لا يشترط في صحتها الإِسلام. (في الدنيا) ظرف ليطعم (حتى إذا أفضى) أي وصل (إلى الآخرة لم تكن) بالتأنيث وتذكر، أي لم يبق ولم يوجد له(١). (حسنة يجزى بها) فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وفي شرح السنة قوله: لا يظلم، لا ينقص وهو معدى إلى مفعولين، أحدهما مؤمناً والآخر حسنة. ومعناه: أن المؤمن إذا اكتسب حسنة يكافئه الله تعالى [ بأن يوسع عليه رزقه ويرغد عيشه في الدنيا، وبأن يجزى ويثاب في الآخرة. والكافر إذا اكتسب حسنة في الدنيا بأن يفك أسيراً أو ينقذ غريقاً يكافئه الله تعالى ] في الدنيا ولا يجزى بها في الآخرة. اهـ. وحاصلة أن الله يقابل عبده المؤمن بالفضل والكافر بالعدل، ولا يسأل عما يفعل. ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ [الشورى - ٢٠ ]. (رواه مسلم) وفي الجامع رواه أحمد ومسلم عن أنس بلفظ: إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى عليها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيراً (٢). اهـ. ومقتضى المقابلة ما ورد في حديث آخر: إن المؤمن يجزى بسيئاته في الدنيا من أنواع المحنة والمشقة والبلايا والرزايا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له سيئة يعاقب عليها. ويؤيده ما روى أحمد وابن حبان أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿من يعمل سوءاً يجز به﴾ [ النساء - ١٢٣]. قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: فمن ينجو (١) في المخطوطة ((ولم تبق ولم توجد)). (٢) الجامع الصغير ١١٣/١ حديث رقم ١٨٢٣. ٣٥٤ :٠٠ كتاب الرقاق ٥١٦٠ - (٦) وعن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((حُجبتِ النار بالشهوات، وحجبتِ الجنَّةُ بالمكاره)). متفق عليه. إِلاَّ أنَّ عند مسلم: ((حُفَّت)) بدل: ((حجبت)). ٥١٦١ - (٧) وعنه، قال: قال رسول الله وَلقول: ((تعسَ / ٢٦٥٢ من هذا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: غفر الله لك يا أبا بكر ألست تحزن ألست تنصب ألست تمرض ألست تصبك اللاواء. قال: بلى يا رسول الله. قال: هو مما تجزون به (١). وقد صح على ما رواه الترمذي وابن جرير: المصائب والأمراض في الدنيا جزاء (٢). وروى الحاكم في مستدركه عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا. ٥١٦٠ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: حجبت النار) أي أحيطت (بالشهوات) كالخمر والزنا (وحجبت الجنة بالمكاره) كالصلاة والزكاة (متفق عليه. إلا عند مسلم: حفت، بدل حجبت). يعني لفظ حجبت للبخاري ولفظ حفت لمسلم، فالحديث متفق عليه عن أبي هريرة معنى. وقد وافق مسلماً أحمد والترمذي عن أنس، لكن حديثهم فيه تقديم وتأخير مخالف للبخاري في ترتيبه على ما ذكره في الجامع بلفظ: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات. والله [ تعالى ] أعلم. قال النووي رحمه الله: معناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره ولا يوصل إلى النار إلا بارتكاب الشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما. فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره وهتك حجب النار بارتكاب الشهوات. وأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة على الطاعات والصبر عن الشهوات ونحو ذلك، وأما الشهوات التي النار محفوفة بها فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والغيبة ونحو ذلك، وأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذا. اهـ. ويناسب هذا الحديث ما ذكره السيوطي في الجامع الكبير أنه ﴿ قال: إن الله بنى مكة على المكروهات والدرجات. أي لا تحصل درجاتها إلا بالتحمل على مكروهاتها والله [ تعالى ] أعلم. ٥١٦١ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله يتلقى: تعس) بكسر العين ويفتح، (١) أحمد في المسند ١١/١. (٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٥٥١/٢ حديث رقم ٩٢١٧ وقال رواه سعيد بن منصور وأبو نعيم في الحلية. الحديث رقم ٥١٦٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٢٠/١١. حديث رقم ٦٤٨٧. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢١٧٤ حديث رقم ٢٨٢٢/١. والترمذي في السنن ٥٩٨/٤ حديث رقم ٢٥٥٩. والنسائي في السنن ٣/٧ حديث رقم ٣٧٦٣. والدارمي في السنن ٤٣٧/٢ حديث رقم ٢٨٤٣. وأحمد في المسند ٣٨٠/٢. الحديث رقم ٥١٦١: أخرجه البخاري في صحيحه ٨١/٦. حديث رقم ٢٨٨٧. وابن ماجه في السنن ٢٪ ١٣٨٦ حدیث رقم ٤١٣٥. ١٠٠ ٣٥٥ كتاب الرقاق عبدُ الدينارِ وعبدُ الدرهم وعبدُ الخميصةِ، إِن أُعطي رضي، وإِن لم يُعْطَّ سخط، تَعِسَ وانتكس، أي خاب وخسر. (عبد الدينار) أي الذي اختاره على رضا معبوده الجبار بأن يأخذه من غير حله وأن لا يصرفه في محله. وكذا قوله: (وعبد الدرهم) وهذان مثالان وخصا بالذكر لأنهما النقدان الحاصل بهما جميع مقاصد النفس والشيطان. (وعبد الخميصة) وهي ثوب خز أو صوف معلم. وخصت بالذكر لأن الغالب في لبسها الخيلاء والرعونة والرياء والسمعة ومن كمال ميل النفس إليها وعدم الطاقة على مفارقتها، فكأنه عبد لها. وقيل: هي كساء أسود مربع له علمان. أراد به محب كثرة الثياب النفيسة والحريص على التجمل فوق الطاقة. وحاصله ذم التقيد بالزينة الظاهرة مما يتعلق بالثياب الجميلة لا سيما إذا كانت محرمة أو مكروهة. وعدم التعلق بتخلية الباطن عن الأوصاف الدنية وتحليتها بالنعوت الرضية. فإن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن رق ثوبه رق دينه. ثم تطويل الأكمام وجر الأذيال حرام على وجه التكبر والخيلاء، ومكروه إذا كان بخلافه. وأما إذا كان اللبس على الوجه المباح في الشريعة فيختلف باختلاف النية في اختيار التكلف والتقشف(١)، فقد قال تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف - ٣٢] الآية. واختلف السادة الصوفية في أيهما أفضل، ومختار الشاذلية والنقشبندية والبكرية التلبس بلباس الأغنياء كما عليه بعض السلف من الأولياء، كما رُوِي أن فرقد السنجي دخل على (٢) الحسن وعليه كساء وعلى الحسن حلة فجعل يلمسها فقال له الحسن: ما لك تنظر إلى ثيابي. [ ثيابي ] ثياب أهل الجنة وثيابك ثياب أهل النار، بلغني أن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية. ثم قال الحسن: جعلوا الزهد في ثيابهم والكبر في صدورهم، والذي يحلف به لأحدهم بكسائه أعظم كبراً من صاحب المطرف بمطرفه. ثم الجملة أنها خبر أو دعاء على من استعبده حب الدنيا واسترقه الهوى وأعرض عن عبودية المولى. ولذا قال بعض العارفين: : أن ترى مقلتاي طلعة حر أتمنى على الزمان محالاً ولم يقل صاحبها إيذاناً بأن [ المذموم ] من يكون أسيراً لجمع المال بحيث لا يؤدي حق الملك المتعال. (إن أعطي) أي هذا التعيس (رضي وإن لم يعط سخط) بكسر الخاء أي غضب. والجملة بيان لشدة حرصه وانقلاب حاله كما أخبر الله تعالى عن حال المنافقين بقوله: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة - ٥٨] الآية. وكما قال عزَّ وجلّ: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ﴾ [الحج - ١١] (تعس) كرر للتأكيد وليعطف عليه التشديد (١) في المخطوطة ((التعسف)). (٢) في المخطوطة ((عليه)). ٣٥٦ ميسو. كتاب الرقاق وإِذا شيكَ فلا انتُقِشَ. طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُه، مغبرةً قدماه، إِن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإِن كان في السَّاقة [قوله]: (وانتكس) أي [ صار] ذليلاً (وإذا شيك) بكسر أوله، أي دخل(١) شوك في عضوه (فلا انتقش) بصيغة المجهول. وفي نسخة على بناء المعلوم أي فلا يقدر على إخراجه أو لا يجد من يخرجه. والمعنى أنه إذا وقع في البلاء لا يرحم عليه ولا يقدر على دفعه بنفسه أيضاً. هذا وفي النهاية تعس إذا عثر وانكب على وجهه، وقد تفتح العين وهو دعاء عليه بالهلاك. وانتكس أي انقلب على رأسه وهو دعاء عليه بالخيبة لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر، وإذا شيك أي [ إذا ] شاكته شوكة فلا يقدر على انتقاشها وهو إخراجها بالمنقاش. والخميصة ثوب خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديماً. قال الطيبي رحمه الله: قيل: خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا خلاص له عن أسره. ولم يقل: مالك الدينار ولا جامع الدينار، لأن المذموم من الدنيا الزيادة على قدر الحاجة لا قدر الحاجة. وقوله: إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، يؤذن إلى شدة حرصه في جمع الدنيا وطمعه فيما في أيدي الناس. وفي قوله: تعس وانتكس صيغة الترديد مع الترقي. أعاد تعس الذي هو الانكباب على الوجه ليضم معه الانتكاس الذي هو الانقلاب على الرأس ليترقى في الدعاء عليه من الأهون إلى الأغلظ. ثم ترقى منه إلى قوله: وإذا شيك فلا انتقش، على معنى أنه إذا وقع في البلاء فلا يترحم عليه، فإن من وقع في البلاء إذا ترحم له الناس ربما هان الخطب عليه وتسلى بعض التسلي، وهؤلاء بخلافه بل يزيد غيظهم بفرح الأعداء وشماتتهم. وإنما خص انتقاش الشوك بالذكر لأن الانتقاش أسهل ما يتصور من المعاونة لمن (٢) أصابه مكروه، فإذا نفى ذلك الأهون فيكون ما فوق ذلك منفياً بالطريق الأولى. (طوبى) أي حالة طيبة، أو شجرة في الجنة. (لعبد) أي خالص لله تعالى. (آخذ) بصيغة الفاعل، أي ماسك. (بعنان فرسه) بكسر العين، أي بلجامه. (في سبيل الله) أي طريق الجهاد (أشعث) بالنصب على أنه صفة عبد أو حال منه. وقوله: (رأسه) مرفوع على الفاعلية لأشعث وهو مغبر الرأس. وفي نسخة برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة عبد. وقوله: (مغبرة) بالنصب. وفي نسخة بالرفع وفي أخرى بالجر على أنها صفة عبد. وقوله: (قدماه) فاعلها، وقال الطيبي رحمه الله: أشعث ومغبرة حالان من الضمير في آخذ لاعتماده على الموصوف، ويجوز أن يكونا حالين من العبد لأنه موصوف. (إن كان) أي ذلك العبد (في الحراسة) بكسر الحاء أي حماية الجيش ومحافظتهم عن أن يتهجم عليهم عدوّهم (كان) أي كاملاً (في الحراسة) غير مقصر فيها بالنوم والغفلة ونحوهما. والحراسة وإن كانت في اللغة أعم لكنها في العرف مختصة بمقدمة العسكر، ولذا قال: (وإن كان في الساقة) أي في مؤخرة الجيش منها الحراسة (١) في المخطوطة ((أدخل)). (٢) في المخطوطة ((بأن)). ٠١٧٤ ٣٥٧ كتاب الرقاق كان في السَّاقة، إِن استأذنَ لم يُؤذنْ [ له ]، وإِن شُفْعُ لم يُشَفّع)). رواه البخاري. ٥١٦٢ - (٨) وعن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله وَ ◌ّر قال: ((إِنَّ مما أخافُ عليكم من بعدي ما يفتحُ عليكم من زهْرةِ الدنيا وزينتها)). فقال رجلٌ: يا رسول الله! أوّ يأتي الخيرُ بالشّرِّ؟ أيضاً. (كان) أي كاملاً (في الساقة) في تلك الحالة أيضاً بأن لا يخاف من الانقطاع ولا يهتم إلى السبق، بل يلازم ما هو لأجله. وقد تقرر في علم المعاني أن الشرط والجزاء إذا اتحدا يراد بالجزاء الكمال. فالمعنى إن كان في الحراسة أو الساقة يبذل جهده فيها ولا يغفل عنها على وجه الكمال. قال التوربشتي رحمه الله: أراد بالحراسة حراسته من العدو أن يهجم عليهم وذلك أن يكون في مقدمة الجيش، والساقة مؤخرة الجيش. فالمعنى ائتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة، الأوّل عند دخولهم دار الحرب والآخر عند خروجهم. (إن استأذن) أي طلب الإذن في دخول محفل. وفي نسخة إذا استأذن. (لم يؤذن [ له ]) أي لعدم ماله وجاهه (وإن شفع) أي لأحد (لم يشفع) بتشديد الفاء المفتوحة، أي لم تقبل شفاعته. وتوضيحه ما قيل إن فيه إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأربابها بحيث يفنى بكليته في نفسه لا يبتغي مالاً ولا جاهاً عند الناس، بل يكون عند الله وجيهاً، ولم يقبل الناس شفاعته وعند الله يكون شفيعاً مشفعاً. (رواه البخاري) وروى الترمذي صدر الحديث بلفظ: لعن عبد الدينار لعن عبد الدرهم. مختصراً (١). ٥١٦٢ - (وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وس قر قال: إن مما أخاف عليكم) أي من جملة ما أخشى عليكم أيها الصحابة أو أيها الأمة (من بعدي) أي بعد وفاتي وفقد حياتي (ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا) بفتح الزاي وسكون الهاء، ويفتح. ففي القاموس: الزهرة ويحرك النبات أو نوره أو الأصفر منه، والمراد حسنها وبهجتها، فقوله: (وزينتها) عطف تفسير. وإنما عبر بالزهرة إشارة إلى حدوثها خضرة وحلوة وسرعة فنائها. والمعنى أني أخاف عليكم أن كثرة أموالكم عند فتح بلادكم تمنعكم من الأعمال الصالحة وتشغلكم عن العلوم النافعة وتحدث فيكم الأخلاق الدنية من التكبر والعجب والغرور ومحبة المال والجاه، وما يتعلق بهما من لوازم الأمور الدنيوية والإعراض عن الاستعداد للموت وما بعده من الأحوال الأخروية. (فقال رجل: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر) بفتح الواو، والاستفهام للاسترشاد. والمعنى: أيفتح علينا ويأتي الخير من الغنائم والمال والحلال وتوسيع الرزق مصحوباً بالشر المترتب(٢) عليه ترك الخير من الطاعة والعبادة مما يخاف علينا. وقيل: الباء صلة يأتي وهي للتعدية، أي هل يستجلب الخير الشر. وتوضيحه أن حصول الغنيمة لنا خير، وهل يكون ذلك الخير سبباً للشر. (١) الترمذي في السنن الحديث رقم ٢٣٧٥. الحديث رقم ٥١٦٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٢٧/٣. حديث رقم ١٤٦٥. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٢٨ حديث رقم (١٠٥٢/١٢٣). والترمذي في السنن ٥٥٣/٤ حديث رقم ٢٤٦٣. (٢) في المخطوطة ((مرتب)). ٣٥٨ كتاب الرقاق فسكت، حتى ظنّنا أنه يُنْزَلُ عليه قال: فمسح عنه الرُّحَضاء وقال: ((أين السائلُ؟)). وكأنه حمده فقال: ((إِنه لا يأتي الخيرُ بالشّر وإِنَّ مما ينبتُ الربيعُ ما يقتُلُ حَبَطاً أو يُلمُّ، إِلا آكلَة الخَضِرِ أكلتْ حتى امتدت خاصرتاها، استقبلت عينَ الشمس فئلَطَت وبالت ثم عادت فأكلت. (فسكت) أي متأملاً أو مستغرقاً أو منتظراً للوحي [ سكوتاً ممتداً (حتى ظننا أنه ينزل) بصيغة المجهول، أي نزل الوحي. (عليه) أي بواسطة جبريل. وإلا ﴿فهو ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ إما وحياً جلياً أو خفياً، (قال:) أي الراوي (فمسح عنه) [ أي ] عن وجهه الشريف (الرحضاء) بضم الراء وفتح الحاء المهملة وبالضاد المعجمة وبالمد، عرق الحمى على ما في المقدمة. والمراد هنا (١) عرق يظهر عليه و ﴿ عند نزول الوحي عليه، فالتركيب من باب التشبيه البليغ. والمعنى: أنه مسح عنه عرقاً كعرق أثر الحمى ترحض الجسد، أي تغسله من كثرته. (وقال: أين السائل وكأنه) أي النبي وَليزر. (حمده) أي حمد السائل واستحسنه في سؤاله لكونه سؤال استرشاد لنفع(٢) العباد والعُبَّاد. (فقال: إنه) أي الشأن (لا يأتي الخير بالشر) أي حقيقة لتنافيهما، لكن قد يكون الخير سبباً للشر، فضرب لذلك مثلاً بقوله المناسب لتعبير الخير بالزهرة حيث قال: (وإن مما ينبت الربيع) أي بقدرته تعالى وإرادته وخلق أسبابه وآلته . (ما يقتل) أي نباتاً أو شيئاً يهلك الدواب (حبطاً) بفتحتين أي انتفاخ بطن من الامتلاء وهو تمييز. والمراد أنه قد يقتل حقيقة. (أو يلم) بضم ياء وتشديد ميم، أي يكاد أن يقتل ويقرب أن يهلك، فأو للتنويع. والمعنى أن الربيع ينبت خيار العشب فتستكثر منه الماشية لاستطابتها إياه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال، فتنفتق أمعاؤها من ذلك فتموت أو تقرب الموت. ومن المعلوم أن الربيع ينبت أضراب العشب فهي كلها خير في نفسها، وإنما يأتي الشر من قبل إفراط الأكل، فكذلك المفرط في جمع المال من غير حله أو من الحلال المشغل عن حاله، يكثر في التنعيم بماله من غير تأمل في مآله فيقسو قلبه من كثرة الأكل فيورث الأخلاق الدنية فيتكبر ويتجبر ويحقر الناس ويمنع ذا الحق الحق منها، فحيث آل مآل المال لهلاكه في الدنيا ولعذابه في العقبى يصير سبباً للوبال وشدة النكال وسوء الحال. (إلا آكلة الخضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين وهو الطري الغض من النبات. وفي نسخة بضم ففتح على أنه جمع خضرة، وروي بزيادة الهاء. والمعنى يقتل أو يلم كل آكلة إلا آكلة الخضر على الوجه المذكور والبيان المسطور بقوله: (أكلت) أي الماشية الآكلة المفرطة في أكلها. (حتى امتدت) أي امتلأت وشبعت (خاصرتاها) أي جنباها. وعبر عن الشبع بامتدادهما لأنهما يمتدان عند امتلاء البطن. (استقبلت عين الشمس) أي ذاتها وقرصها. والمعنى: إنها بركت مستقبلة إليها تستمري بذلك ما أكلت. وقال شارح: أي تركت الأكل ولم تأكل ما فوق طاقة كرشها حتى تقتلها كثرة الأكل، وتوجهت إلى مسقط ضوئها واستراحت فيه. (فثلطت) أي ألقت روثها رقيقاً سهلاً (وبالت) أي فزال عنها الحبط (ثم عادت فأكلت) أي ثم إذا حصل لها 4 ***: (١) فى المخطوطة ((منها)). (٢) فى المخطوطة ((يمنع)). كتاب الرقاق ٣٥٩ خفة واحتاجت إلى الأكل عادت فأكلت. كذلك من أخرج ما في المال من الحقوق وعالج نفسه بالاحتماء عن مساوي الأغنياء وعرف الداء والدواء بتتبع كلام الحكماء من الأنبياء والأولياء، فيكون المال حينئذ خيراً له لأنه معونة له في تحصيل الخير ودفع الشر. لكن لما كان الخطر فيه كثيراً بحيث يضر السالكين بحسب الأغلب، اختار الله لأكثر الأنبياء والأولياء طريق الفقر والفاقة. وذهب الصوفية أجمعهم والعلماء أكثرهم إلى أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر والله سبحانه [وتعالى ] أعلم، هذا مجمل الكلام في مرام المقام. وأما تفصيله لغة وحلاً من جهة المبنى والمعنى ففي النهاية: الحبط بالتحريك الهلاك. يقال: حبطت الدابة تحبط حبطاً بالتحريك إذا أصابت مرعى طيباً فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت. وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر منه الماشية ويلم، أي يقرب ويدنو من الهلاك. والخضر بكسر الضاد نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها وإنما ترعاها المواشي إذا لم تجد غيرها فلا تكثر من أكلها ولا تستمرئها. قال القاضي: أكله نصب على أنه مفعول يقتل والاستثناء مفرغ. والأصل أن مما ينبت الربيع ما يقتل أكله إلا أكل الخضر على هذا الوجه، وإنما صح الاستثناء المفرغ من المثبت لقصد التعميم فيه ونظيره: قرأت إلا يوم كذا. قال الطيبي [ رحمه الله تعالى ]، وعليه ظاهر كلام المظهر: والأظهر أن الاستثناء منقطع لوقوعه في الكلام المثبت، وهو غير جائز عند الكشاف في أكثر النسخ إلا بالتأويل فيه، لأن ما يقتل حبطاً بعض (١) ما ينبت الربيع لدلالة من التبعيضية عليه والتقسيم في قوله: إلا آكلة الخضر، لأن الخضر غير ما يقتل حبطاً، يشهد له ما في شرح السنة. قال الأزهري: فيه مثلان، ضرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، وضرب الآخر للمقتصد في أخذها والانتفاع بها. وأما قوله: وإن مما(٢) ينبت الربيع ما يقتل حبطاً. فهو مثل للمفرط الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر (٣) منها الماشية حتى تنتفخ بطونها لما قد جاوزت حد الاحتمال فتنفتق أمعاؤها فتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنع ذا الحق حقه يهلك في الآخرة بدخول النار. وأما مثل المقتصد فقوله وتلقى: إلا آكلة الخضر. وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول التي ينبتها الربيع فتستكثر (٤) منها الماشية ولكنها من كلا الصيف التي ترعاها المواشي بعد هشيم البقول شيئاً فشيئاً من غير استكثار. فضرب مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص على أخذها فهو ينجو من وبالها. قال الأشرف في قوله: حتى امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس. أن المقتصد المحمود العاقبة وإن جاوز حد الاقتصاد في بعض الأحيان وقرب من السرف المذموم لغلبة الشهوة المركوزة في الإنسان، وهو المعني بقوله: أكلت حتى امتدت خاصرتاها. لكنه يرجع عن قريب عن ذلك الحد المذموم ولا يلبث عليه، بل يلتجىء إلى الدلائل النيرة والبراهين الواضحة الدافعة ٦ ٩٫٩٫ , (١) في المخطوطة زيادة ((الربيع)). (٣) فى المخطوطة ((فتكثر). (٢) في المخطوطة (بما)). (٤) في المخطوطة ((فتكثر)). ٥٢٠٠١ ٣٦٠ كتاب الرقاق وإِن هذا المالَ خَضِرةٌ حُلوةٌ، فمن أخذه بحقّه، ووضعه في حقّه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقّه كان كالذي يأكلُ ولا يشبَعُ، ويكون شهيداً عليه يومَ القيامة)) للحرص المهلك القامعة له، وهو المدلول عليه بقوله: استقبلت عين الشمس وثلطت وبالت. فحذف ما حذف في المرة الثانية لدلالة ما قبلها عليه. وفيه إرشاد إلى أن المحمود العاقبة وإن تكرر منه الخروج عن حد الاقتصاد والقرب من حد الإسراف مرة بعد أولى وثانية بعد أخرى لغلبة الشهوة عليه وقوتها فيه، لكنه يمكن أن يبعد بمشيئة الله تعالى عن الحد المذموم الذي هو الإسراف ويقرب من الاقتصاد الذي هو الحد المحمود. قال الطيبي [رحمه الله]: فعلى هذا الاستثناء متصل، لكن يجب التأويل في المستثنى منه. والمعنى أن من جملة ما ينبت الربيع شيئاً يقتل آكله إلا الخضر منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرى دفع(١) ما يؤديه إلى الهلاك. (وإن هذا المال) أي المحسوس في البال (خضرة) بفتح فكسر (حلوة) بضم الحاء أي حسنة المنظر لزيادة المذاق. والتأنيث باعتبار أن هذا المال عبارة عن الدنيا وزينتها، إذ التقدير أن زهرة هذا المال خضرة حلوة. قال التوربشتي رحمه الله: كذلك نرويه من كتاب البخاري على التأنيث. وقد روي أيضاً: خضر حلو، والوجه فيه أن يقال: إنما أنث على معنى تأنيث المشبه به أي أن هذا المال شيء كالخضرة. وقيل: معناه كالبقلة الخضرة أو يكون على معنى فائدة المال، أي إن الحياة أو المعيشة خضرة. قال الطيبي [ رحمه الله ]: ويمكن أن يعبر عن المال بالدنيا لأنه أعظم زينتي الحياة الدنيا لقوله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف - ٤٦]. فيوافق حديث أبي سعيد الخدري: الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم. على ما مر في الباب السابق. اهـ. والمعنى أن هذا المال(٢) جنسه أو نوع مشبه بالمرعى المشتهاة للأنعام(٣). (فمن أخذه بحقه) أي بقدر احتياجه من طريق حله أي في محله الواجب أو ندبه (فنعم المعونة) أي ما يعان به على [ الـ] طاعة ويدفع به ضرورات المؤنة. إذ المراد بالمعونة الوصف مبالغة، أي فنعم المعين على الدين. (هو) أي المال. ونظيره ما ورد: نعم المال الصالح للرجل الصالح. (ومن أخذه بغير حقه) أي من غير احتياج إليه وجمعه من حرام ولم يصرفه في مرضاة ربه (كان كالذي يأكل ولا يشبع) فيقع في الداء العضال والورطة المهلكة لغلبة الحرص، كالذي به جوع البقر وكالمريض الذي به الاستسقاء حيث ما يروى: وكل ما يشرب يزيد عطشاً وانتفاخاً. (ويكون) أي المال (شهيداً عليه يوم القيامة) أي حجة عليه يوم يشهد على حرصه وإسرافه وإنه أنفقه فيما لا يرضاه الله ( تعالى ) ولم يؤد حقه من مال الله لعباد الله. قال الغزالي [ رحمه الله]: مثال المال مثال الحية التي فيها ترياق ناقع وسم نافع، فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الاحتراز عن شرها وطريق استخراج ترياقها كانت نعمة، وإن أصابها السوادي الغبي (١) في المخطوطة ((رفع)). (٢) في المخطوطة زيادة بعد كلمة المال: ((جنسه أو نوع خاص منه من مال بيت المال ونحوه ناعم مستحسن لوناً وطعماً. مشتهى الأنفس أكثر الأنام)). (٣) في المخطوطة ((المشتهية الأنعام)). م بها ... - -<-* ***** ١٠