Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
إِنْ قيدَ أَنقادَ، وإِنْ أَنيخَ على صخرةٍ استَناخَ)). رواه الترمذي مرسلاً.
٥٠٨٧ _ (٢٠) وعن ابنِ عمَرَ، عن النبيِ نَّ قال: ((المسلمُ الذي يُخالطُ النَّاسَ ويصبِرُ
على أذاهُم أفضلُ منَ الذي لا يُخالطهُم ولا يصبرُ على أذاهُم)).
دراية، وفي النهاية الأنف بمعنى المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده
للوجع الذي به، وقيل: الأنف الذلول، يقال: أنف البعير فهو أنف إذا اشتكى أنفه من
الخشاش، وكان الأصل أن يقال: مأنوف لأنه مفعول به كما يقال مصدور ومبطون للذي
يشتكي صدره وبطنه، وإنما جاء هذا شاذاً، ويروى كالجمل الآنف بالمد وهو بمعناه الجوهري
الخشاش بالكسر خشب يدخل في أنف البعير ثم الكاف مرفوعة المحل على أنها خبر ثالث،
والمعنى أن كل واحد منهم كالجمل الأنف، ويجوز أن ينتصب محلها على أنها صفة لمصدر
محذوف تقديره لينون ليناً مثل الجمل الأنف. ذكره الطيبي، والثاني أظهر والأوّل أدق،
وبالاعتماد أحق، ولا يحتاج إلى تقدير كل واحد بل المعنى ((أن المؤمنون كلهم من كمال
انقيادهم واجتماعهم في سبيل رضاء مولاهم مثل الجمل الواحد المأنوف»، فالجمل صحيح مع
إفادة المبالغة كما ورد ((المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه
اشتكى كله))(١) على ما رواه أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير، أو المراد بالجمل الجنس
فيستفاد منه معنى الجمعية فلا إشكال ((إن قيد))) مجهول قاده وجره وقوله: ((انقاد))) ومطاوع
له أي طاوعه وانسحب معه ((وإن أنيخ))) مجهول أناخ البعير إذا بركه، ومنه حديث مني مناخ
من سبق ((على صخرة))) أي فرضاً أو مثلاً ((استناخ))). في شرح السنة معنى الحديث أن
المؤمن شديد الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه، وفي قوله: إن أنيخ [على صخرة] استناخ
إيذان بكثرة تحمل المشاق لأن الإناخة على الصخرة شاقة. (رواه الترمذي مرسلاً). وفي
الجامع رواه ابن المبارك عن مكحول مرسلاً والبيهقي عن ابن عمر أي متصلاً مرفوعاً (٢).
٥٠٨٧ - (وعن ابن عمر أن النبي ◌َّ قال: ((المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم
أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم)))، فيه فضيلة الخلطة على العزلة، وذلك مما
يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأهلهما مع الشروط المعتبرة في آداب الصحبة. ففي الأحياء
اختلفوا في المخالطة والعزلة وتفضيل أحدهما على الآخر، فقال أكثر التابعين: باستحباب
المخالطة واستكثار المعارف والأحوال للتألف والتحبب إلى المؤمنين والاستعانة بهم في الدين
تعاوناً على البر والتقوى؛ روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((عليكم بالإخوان فإنهم عدة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٠٠ الحديث رقم (٦٧ - ٢٥٨٦)، وأحمد في المسند ٢٧١/٤.
(٢) لم أقف عليه عند الترمذي كما لم يعزه في الجامع الصغير ٥٤٩/٢ الحديث رقم ٩١٦٣ وأخرجه
البيهقي في الشعب ٢٧٢/٦ الحديث رقم ٨١٢٨.
الحديث رقم ٥٠٨٧: أخرجه الترمذي في السنن ٥٧٢/٤ الحديث رقم ٢٥٠٧، وابن ماجه في ١٣٣٨/٢
الحديث رقم ٤٠٣٢، وأحمد في المسند ٤٣/٢.

٢٨٢
9020
١٣٠/٠
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٠٫١٥٠٠
/ ١١٣٠
رواه الترمذيُّ، وابن ماجه.
٥٠٨٨ _ (٢١) وعن سهل بن معاذٍ، عن أبيهِ، أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((مَن كظمَ غيظاً
وهوَ يقدِرُ على أن يُنفّذَه دعاهُ اللَّهُ على رؤوس الخلائقِ يومَ القيامةِ
لكم في الدنيا والآخرة، ألا تسمع إلى قول أهل النار، فما لنا من شافعين ولا صديق حميم))،
وهذا الحديث أوّل شيء على استحباب المخالطة ومال أكثر العباد والزهاد إلى اختيار العزلة
وتفضيلها على المخالطة، وعليه الفضيل وأحمد بن حنبل وغيرهم. قال عمر رضي الله عنه.
((خذوا بحظكم من العزلة))، وقال فضيل: ((كفى بالله محباً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظاً اتخذ
الله صاحباً ودع الناس جانباً)). وأوصى داود الطائي. أبا الربيع فقال: ((صم من الدنيا واجعل
فطرك الآخرة وفر من الناس فرارك من الأسد)). وقال وهب بن الورد: ((بلغنا أن الحكمة عشرة
أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس)). ودخل على حاتم الأصم بعض الأمراء
فقال: ((ألك حاجة)) قال: نعم. قال: ما هي؟ قال: أن لا تراني)). وقال ابن عباس: ((أفضل
المجالس مجلس في قعر بيتك [أن] لا ترى ولا ترى)). وقيل: ((آداب العزلة أربعة أن ينوي بها
كف شره أوّلاً، ثم السلامة من الشر ثانياً، ثم الخلاص من الإخلال بالحقوق، ثالثاً ثم التجرد
بكنه الهمة للعبادة رابعاً)) اهـ. والمختار هو التوسط بين العزلة عن أكثر الناس وعوامهم،
والخلطة بالصالحين منهم وخواصهم، والاجتماع مع عامتهم في نحو جمعتهم وجماعتهم بعد
حصول العلم المحتاج إلى العمل ووصول الزهد الموجب لقطع الطمع عن الخلق؛ ولذا قال
بعض العارفين: ((العزلة بغير عين العلم زلة)): وبغير زاي الزهد علة، وهذا طريق الكمل من
الصوفية كالنقشبندية والشاذلية والبكرية فهم كائنون بائنون قريبون غريبون فرشيون عرشيون. كما
قيل: ((كن وسطاً وامش جانباً)). (رواه الترمذي وابن ماجه). وفي الجامع بلفظ ((المؤمن الذي
يخالطه الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على
أذاهم))(١) رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر.
٥٠٨٨ - (وعن سهل بن معاذ) أي ابن أنس كما في المعالم (عن أبيه)، المتبادران المراد
بمعاذ هو ابن جبل لأنه المشهور بين الصحابة إلا أنه في هذا المقام معاذ بن أنس بقرينة قوله :
سهل بن معاذ، فإنه ولد معاذ بن أنس، فقد قال المؤلف في أسماء رجاله: هو معاذ بن أنس
الجهني معدود في أهل مصر وحديثه عندهم، روى عنه ابنه سهل (أن النبي وَلّم قال: (من كظم
غيظاً))) أي اجترع غضباً كامناً فيه ((وهو يقدر على أن ينفذه))) بتشديد الفاء أي يمضيه، وفي
رواية على إنفاذه، فيجوز تخفيف الفاء، والجملة حالية وجواب الشرط ((دعاه الله على رؤوس
الخلائق يوم القيامة))) أي شهره بين الناس وأثنى عليه وتباهى به ويقال في حقه: هذا الذي
(١) الجامع الصغير في ٥٤٩/٢ الحديث رقم ٩١٥٤.
ـابوسواء بيبراهـ
الحديث رقم ٥٠٨٨: أخرجه أبو داود في السنن ١٣٧/٥ الحديث رقم ٤٧٧٧، والترمذي في السنن ٣٢٦/٤
الحديث رقم ٢٠٢١، وابن ماجه ٢/ ١٤٠٠ الحديث رقم ٤١٨٦ وأحمد في المسند ٣/ ٤٤٠.
14:
:/

٢٨٣
کتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
حتى يُخيِّرَه في أيِّ الحُورِ شاء)). رواه الترمذيُّ، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديثٌ
غريب.
٥٠٨٩ - (٢٢) وفي رواية لأبي داود، عن سُوَيدٍ بن وهبٍ، عن رجلٍ من أبناءِ
أصحاب النبيِّ وََّ، عن أبيه، قال: ((ملأ اللَّهُ قلبَه أمْناً وإِيماناً».
وذُكرَ حديثُ سوَيدٍ : ((مَن تركَ لُبسَ ثوبٍ جمالٍ)) في ((كتاب اللباس)).
صدرت منه هذه الخصلة العظيمة ((حتى يخيره))) أي يجعله مخيراً ((في أي الحور شاء)))
أي في أخذ أيهن شاء، وهو كناية عن إدخاله الجنة المنيعة وإيصاله الدرجة الرفيعة. وفي
النهاية كظم الغيظ تجرعه، واحتمال سببه والصبر عليه. قال الطيبي: وإنما حمد الكظم
لأنه قهر للنفس الإمارة بالسوء ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين
عن الناس﴾ [آل عمران - ١٣٤]، ومن نهي النفس عن هواه فإن الجنة ما واه والحور العين
جزاه، قلت: وهذا الثناء الجميل والجزاء الجزيل إذا ترتب على مجرد كظم الغيظ، فكيف
إذا انضم العفو إليه أو زاد بالإحسان عليه. قال النووي: ((الإحسان أن تحسن إلى المسيء،
فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة))، وفي البيضاوي عن النبي بَّر: ((إن هؤلاء في أمتي
قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيراً من الأمم التي مضت)) اهـ. وهو قد ذكره التغلبي
عن مقاتل بن حبان قال: بلغنا أن رسول الله وَلقر قال: ((إن هؤلاء الخ)) ولعله مأخوذ من
قوله تعالى: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأوّلين وقليل
من الآخرين﴾ [الواقعة - ١٠ - ١٤] (رواه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي: هذا حديث
غريب)، وكذا رواه أحمد في مسنده.
٥٠٨٩ - (وفي رواية لأبي داود عن سويد بن وهب) ذكره المؤلف في التابعين وقال: هو
شيخ لابن عجلان ((عن رجل من أبناء أصحاب النبي ◌َّر عن أبيه) أي الصحابي، ويحتمل أن
يكون الابن أيضاً صحابياً وأن يكون تابعياً (قال:) أي بدل الجزاء السابق مع محافظة الإبقاء
على شرطه إلا قول: أن ينفذه، فإن أصول هذا الحديث اتفقت على تبديله على إنفاذه ((ملأ الله
قلبه أمناً وإيماناً))). وفي الجامع رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن أبي هريرة (وذكر حديث
سويد) أي ابن وهب بإسناده المذكور ((ومن ترك لبس ثوب جمال))) أي وهو يقدر عليه كساه
الله حلة الكرامة ((في كتاب اللباس)))، وهو محتمل أن يكون عن تكرير أسقطه وأن يكون حوّله
من هنا إلى ذلك الباب لمناسبته إلى ذلك الكتاب والله أعلم بالصواب.
الحديث رقم ٥٠٨٩: أخرجه الترمذي في السنن ٥٦١/٤ الحديث رقم ٢٤٨١.
،٨ ۵۵

٢٨٤
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
الفصل الثالث
٥٠٩٠ _ (٢٣) عن زيدٍ بن طلحةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إِنَّ لكلِّ دِينٍ خُلُقاً
وخُلقُ الإِسلامِ الحَياءُ)). رواه مالك مرسلاً.
٥٠٩١ _ (٢٤) و٥٠٩٢ - (٢٥) ورواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن
أنسٍ، وابنِ عبَّاسٍ.
(الفصل الثالث)
٥٠٩٠ - (عن زيد بن طلحة) تابعي روى عنه سلمة بن صفوان الزرقي أخرج حديثه مالك
في الحياء ذكره المؤلف (قال: قال رسول الله وَله: ((إن لكل دين خلقاً)) أي مختصاً به أو غالباً
فيه، ((وخلق الإسلام الحياء))) أي فيما شرع فيه الحياء بخلاف ما لم يشرع فيه كتعلم العلم
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحكم بالحق والقيام به وأداء الشهادات على وجهها.
كذا ذكره السيوطي، وفيه أن ارتكاب المذكورات لا يخلو عن الحياء، عن الحق وعدم الالتفات
إلى الخلق على ما سبق تحقيقه وحقق طريقه، فالحكم على عمومه من استعمال الحياء من الله
في جميع الأحكام بأن يستحيي من فعل الآثام، ومن ترك شعبة من شعب الإسلام بل ولا عبرة
بالحياء من الأنام لا فعلاً ولا تركاً عند علماء الأعلام ((وفي النهاية الخلق الدين والطبع والسجية
قلت: المراد هنا السجية أي بمعنى الخصلة أي لكل دين سجية شرعت فيه، وحض أهل ذلك
الدين عليها قال الطيبي: والمعنى أن الغالب على أهل كل دين سجية سوى الحياء، والغالب
على أهل ديننا الحياء لأنه متمم لمكارم الأخلاق، وإنما بعث وَل﴿ لإتمامها وقال يوماً
لأصحابه: ((استحيوا من الله تعالى حق الحياء))(١). الحديث قلت: الظاهر أن المعنى أن الغالب
على أهل كل دين سجية سوى الحياء فإنه مختصة بالغلبة لنا مع اشتراكنا لجميع الملل في سائر
السجيات لقوله عليه الصلاة والسلام: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، بل الأظهر أن الأخلاق
كلها كانت ناقصة فيمن قبلنا، وإنما كملت في ديننا ببركة نبينا وَل #، ولذا قال تعالى: ﴿كنتم
خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران - ١١٠] الآية. (رواه مالك) أي عن زيد بن طلحة
(مرسلاً) لأنه تابعي.
٥٠٩١ - ٥٠٩٢ - (ورواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس وابن عباس) أي
الحديث رقم ٥٠٩٠: أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٠٥ الحديث رقم ٩، من كتاب حسن الخلق.
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٥٠ الحديث رقم ٢٤٥٨.
الحديث رقم ٥٠٩١ و٥٠٩٢: أخرجه ابن ماجه في ١٣٩٩/٢ الحديث رقم ٤١٨١، وعن ابن عباس
الحديث رقم ٤١٨٢٢ والبيهقي في الشعب ١٣٦/٦ الحديث رقم ٧٧١٦.

٢٨٥
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٥٠٩٣ _ (٢٦) وعن ابنِ عمَرَ، أنَّ النبيِّ وَّر قال: ((إِنَّ الحَياءَ والإِيمانَ قرناء جميعاً،
فإِذا رُفعَ أحدُهما رُفعَ الآخرُ)).
٥٠٩٤ _ (٢٧) وفي رواية ابنِ عبَّاسٍ: ((فإِذا سُلبَ أحدُهما تبعَه الآخر)) رواه البيهقي
في «شعب الإيمان)).
٥٠٩٥ _ (٢٨) وعن مُعاذٍ، قال: كانَ آخرُ ما وصَّاني به رسولُ اللهِ وَلّهِ: وضعتُ
رِجلي في الغَزْزِ أن قال: ((يا معاذ! أحسُنْ خُلُقُكَ للنَّاسِ)).
مرفوعاً لا موقوفاً كما يتوهم من الإطلاق، ثم ظاهره أن كلاً منهما يروي عن كليهما، ويحتمل
أن يكون على طريق اللف والنشر والله أعلم، ثم رأيت في الجامع الصغير أسند الحديث إلى
ابن ماجه بروايته عنهما فدل على أن البيهقي كذلك.
٥٠٩٣ - (وعن ابن عمر أن النبي وَ لقر قال: ((إن الحياء والإيمان))) أي الكامل («قرناء)))
جمع قرين. قال الطيبي: فيه دليل لمن يقول: أقل الجمع اثنان اهـ. وفي نسخة قرناً بالماضي
المثنى المجهول أي جعلاً مقرونين («جميعاً))) أي مجتمعين وهو تأكيد في المعنى، (فإذا رفع
أحدهما رفع الآخر).
٥٠٩٤ - (وفي رواية ابن عباس فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر، رواه البيهقي في شعب
الإيمان)، ووافقه الحاكم وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر (١) ووافقه الطبراني في الأوسط عن
ابن عباس لكن لفظه: ((الحياء والإيمان في قرن، فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر)). وفي رواية له
أيضاً عن أبي موسى بلفظ ((الحياء والإيمان مقرونان لا يفترقان إلا جميعاً».
٥٠٩٥ _ (وعن معاذ) أي ابن جبل (قال: كان آخر ما وصاني به رسول الله (وَلا9))) أي حالة
توجهي إلى اليمن بأمره ((حين وضعت رجلي في الغرز))) بغين معجمة مفتوحة فسكون راء
فزاي أي في موضع ركاب من رحل البعير كالركاب للسرج، قاله الباجي. وفي النهاية الفرز
ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: هو الكور مطلقاً كالركاب للسرج، ((إن
قال: يا معاذ أحسن خلقك للناس))). قال الطيبي: إن قال: خبر كان وحين وضعت ظرف،
قاله: حين بعثه إلى اليمن للقضاء أوصاه ليجامل الناس بحسن الخلق. قال السيوطي، تحسين
خلقه أن يظهر لمن يجالسه أو ورد عليه البشر والحلم والإشفاق والصبر على التعليم والتودد
إلى الصغير والكبير، والمراد بالناس من يستحق ذلك فأما أهل الكفر والإصرار على الكبائر
والتمادي على الظلم فلم يؤمر بتحسين الخلق لهم، بل يؤمر بأن يغلظ عليهم قلت: قد يقال:
الحديث رقم ٥٠٩٣: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ١٤٠ الحديث رقم ٧٧٢٧.
الحديث رقم ٥٠٩٤: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ١٤٠ الحديث رقم ٧٧٢٦.
(١) الحاكم في المستدرك ٢٢/١، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٩٧.
الحديث رقم ٥٠٩٥: أخرجه مالك في الموطأ ٩٠٢/٢ الحديث رقم ١ من كتاب حسن الخلق.

٢٨٦
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
رواه مالك.
٥٠٩٦ _ (٢٩) وعن مالكِ، بلَغه أنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال: ((بُعثتُ لأَتَمِّمَ حُسنَ
الأخلاقِ)). رواه في ((الموطأ)) ..
٥٠٩٧ _ (٣٠) ورواه أحمد عن أبي هريرةَ.
إن الرفق من جملة حسن الخلق، فيمكن أن يعم جميع الخلق، قال الله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل
ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل - ١٢٥] الآية. (رواه مالك).
٥٠٩٦ - (وعن مالك بلغه) بتخفيف اللام وضمير المفعول إليه والفاعل قوله: ((إن
رسول الله ( *)، وهو يحتمل أن يكون متصلاً عند مالك، لكنه لم يذكر التابعي ولا
الصحابي، وأن يكون منقطعاً بأن ترك فيه روايات، وهذا هو الظاهر وإلا لذكر الصحابي
فكان مرفوعاً أو ذكر التابعي فكان مرسلاً. وقال الطيبي: هذا يحتمل أن يكون متصلاً،
وراوي مالك لم يذكر الاتصال وأن يكون مرسلاً وإن لم يذكر مالك التابعي ولا الصحابي
وقيل: إنه منقطع، قلت: هذا كله احتمالات عقلية وكونه متقطعاً هو الموافق للقواعد
الحديثية إذ لا يقال في غيره: إنه بلغه بل التحقيق أنه من قبيل المعلق، وفيه بحث طويل
بينته في شرح النخبة في أصول الحديث (قال: بعثت) بصيغة المفعول أي أرسلت إلى الخلق
((لأتمم حسن الأخلاق))) بضم حاء وسكون سين أي الأخلاق الحسنة والأفعال المستحسنة،
وفي نسخة بفتحتين أي لأن أجعل حسنها أحسنها. قال البيضاوي: ((وكانت العرب أحسن
أخلاقاً بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم عليه السلام، وكانوا ضلوا بالكفر عن كثير منها،
فبعث (وَلوَ ليتمم محاسن الأخلاق)). ذكره السيوطي، والتحقيق ما قدمناه فيما سبق، وقال
الطيبي: قوله: ((لأتمم)) الخ يحتمل أن يراد به أنه كملها بعد النقصان وأنه جمعها بعد
التفرقة، وعليه قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام - ٩٠] قال الإمام
فخر الدين: الآية دالة على فضله صلوات الله وسلامه عليه لأنه تعالى أمره بالاقتداء بهداهم،
ولا بد له من امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وأخلاقهم المتفرقة،
وإلى معنى الأوّل أشار ◌َله بقوله: ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه وترك موضع
لبنة منه)) إلى أن قال: ((فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة حتى تم بي البنيان)) اهـ. ولا منع
من الجمع بين القولين لأنه ◌َّ كان في مرتبة جمع الجمع الله يجمع بيننا في المسير وإليه
المصير. (رواه) أي مالك (في الموطأ) وتقدم ما فيه من المناقشة أو يصير التقدير رواه مالك
عن مالك فكان حق المؤلف أن يقول: كذا في الموطأ.
٥٠٩٧ - (رواه أحمد عن أبي هريرة) أي مرفوعاً. وفي الجامع ((إنما بعثت لأتمم صالح
الحديث رقم ٥٠٩٦: أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٠٤ الحديث رقم ٢ من كتاب حسن الخلق.
٠٠١٫٠٠
الحديث رقم ٥٠٩٧: أخرجه أحمد في المسند ٣٨١/٢.

٢٨٧
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٥٠٩٨ _ (٣١) وعن جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيهِ، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَّ نظرَ في
المرآةِ قال: ((الحمدُ للَّهِ الذي حسَّنَ خَلقي وخُلقي، وزانَ [٣٨٠ - ب] مني ما شانَ منْ
غيري)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان مرسلاً).
٥٠٩٩ _ (٣٢) وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ نَّهِ يقولُ: ((اللهم كما حسَّنَت
الأخلاق)). رواه ابن سعد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم والبيهقي في شعبه عن أبي هريرة(١).
٥٠٩٨ - (وعن جعفر) أي الصادق ((ابن محمد))) أي الباقر ((عن أبيه))) تابعي أدرك جابراً
وبلغه السلام من النبي وَّر ((قال: كان رسول الله بَ﴿ إذا نظر))) أي إلى وجهه الشريف ((في
المرآة))) بكسر الميم ((قال: الحمد لله الذي حسن))) بتشديد السين أي أحسن ((خلقي وخلقي)))
بفتح الأوّل وضم الثاني، وقدم الأوّل لظهوره أولا ونظراً إلى الترقي ((وزان))) أي زين ((مني)))
أي من خلقي وخلقي ((ما شان))) أي عابه وقبحه ((من غيري))) سواء في خلقه أو خلقه وفيه
دلالة صريحة على أن صورته وسيرته على أتم الحسن بالنسبة إلى غيره. قال الطيبي: فيه معنى
قوله: ((بعثت لأتمم حسن الأخلاق))، فجعل النقصان شيئاً. كما قال أبو الطيبي: ولم أر في
عيوب الناس عيباً، كنقص القادرين على التمام، وعلى نحو هذا الحمد حمد داود وسليمان
عليهما الصلاة والسلام في قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي
فضلنا على كثير من عباده المؤمنين﴾ [النحل - ١٥] وفيه استحباب النظر في المرآة والحمد
على حسن الخلقة والخلق لأنهما نعمتان موهوبتان من الله تعالى يجب الشكر عليهما اهـ بقي أن
معرفة حسن الظاهر من المرآة ظاهرة باعتبار المظاهر، فما معنى ذكر الخلق والسيرة، فإنه أمر
باطن ويمكن أن يقال: إن الظاهر عنوان الباطن أو أنه من باب الشيء بالشيء يذكر، فإن قلت:
فهل لغيره أن يقتدي به ويقول هذا الحمد، أو هذا مختص به مل* ويكون لغيره أن يدعو بما
سيأتي في الحديث الذي يليه قلت: ويجوز لكل مؤمن أن يقول: ذلك القول لأن الإنسان من
حيث هو خلق على أحسن تقويم، وصاحب الإيمان لا شك أنه على خلق مستقيم ودين قويم
وفوق كل ذي علم عليم. (رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلاً)، وكذا رواه البزار عن أنس
مرفوعاً ولفظه ((الحمد لله الذي سوى خلقي وأحسن صورتي وزان مني ما شان من غيري))(٢).
وفي رواية للطبراني وابن السني عن أنس أيضاً ((الحمد لله الذي سوّى خلقي فعدله، وصوّر
صورة وجهي فأحسنها، وجعلني من المسلمين))
٥٠٩٩ - (وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﴿ يقول:) أي مطلقاً أو عند نظره إلى
المرآة على ما صرح به الجزري في الحصن، وهو اللائق للحديث السابق ((اللهم كما حسنت
(١) الحاكم في المستدرك ٦١٣/٢.
الحديث رقم ٥٠٩٨: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١١١/٤ الحديث رقم ٤٤٥٩.
(٢) كشف الأستار ٣٢/٤ الحدیث رقم ٣١٢٤.
الحديث رقم ٥٠٩٩: أخرجه أحمد في المسند ٦٨/٦.

٢٨٨
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
خَلقي فأحسِنْ خُلقي)). رواه أحمد.
٥١٠٠ - (٣٣) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَلاَ أَنَبْئكم بخيارِكم؟)»
قالوا: بلَى قال: ((خِيارُكم أطولُكم أعماراً، وأحسنكم أخلاقاً» رواه أحمد.
٥١٠١ - (٣٤) وعنه، قال: قال رسولُ الله وَلِّ: ((أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم
خُلقاً)). رواه أبو داود، والدارمي.
خلقي فأحسن خلقي)))، يحتمل أن يريد به طلب الكمال وإتمام النعمة عليه بإكمال دينه قال
تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة - ٣] وفيه إشارة إلى قول
عائشة رضي الله عنها: ((كان خلقه القرآن)»، وأن يكون قد طلب المزيد والثبات على ما كان
قلت: طلب الثبات على ما كان بالنسبة إليه وَله كتحصيل الحاصل الذي لا يرضى به الكامل،
فالتحقيق أنه لطلب المزيد كما يفيده قوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ [طه - ١١٤] وقد
صرح بعض العارفين بأن الترقيات الباطنية لا تتناهى حتى في الجنة لأنها حاصلة من التجليات
الإلهية وهي لا تحصى. ولعل في قوله سبحانه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ [يونس - ٢٦]
وزيادة إيماء إلى هذه الإفادة. (رواه أحمد) وكذا رواه الدارمي عن عائشة وابن حبان عن ابن
مسعود ولفظهما ((اللهم أنت حسنت خلقي فحسن خلقي)). ورواه البزار عن عائشة وأبي هريرة
أيضاً بلفظ ((اللهم كما حسنت خلقي فأحسن خلقي وحرم وجهي على النار))(١).
SAM.
٥١٠٠ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَتليفون: ((ألا أنبئكم بخياركم قالوا: بلى.
قال: خياركم أطولكم أعماراً))) أي في الكمية أو الكيفية ((وأحسنكم أخلاقاً))) أي الهية وإنسانية
أو عبر عن الأعمال بالأخلاق لأنها منبعها ومعدنها ولأن مدارها في الحسن والقبح عليها لقوله
عليه السلام على ما رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن بسر مرفوعاً: ((طوبى
لمن طال عمره وحسن عمله)) (٢). قال الطيبي: فيه إشارة إلى ما قال وَّر في جواب من سَأَلُهُ
أي الناس خير قال: ((من طال عمره وحسن عمله)»، فقوله: وأحسنكم أخلاقاً كقوله: وحسن
عمله، في إرادة الجمع بين طول العمر وحسن الخلق. (رواه أحمد).
٥١٠١ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلاير: ((أكمل المؤمنين إيماناً
أحسنهم خلقاً. رواه أبو داود والدارمي)، وكذا أحمد وابن حبان والحاكم(٣)، وزاد الترمذي
(١) أخرجه ابن حبان في ٢٣٩/٣ الحديث رقم ٩٥٩.
الحديث رقم ٥١٠٠: أخرجه أحمد في المسند ٣٦٨/٢.
(٢) أبو نعيم في الحلية ٦/ ١١١.
الحديث رقم ٥١٠١: أخرجه أبو داود في السنن ٦٠/٥ الحديث رقم ٤٦٨٢، والدارمي في ٤١٥/٢
الحدیث رقم ٢٧٩٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٠.
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه ٢٢٧/٢ الحديث رقم ٤٧٩، والحاكم في المستدرك ٣/١ والترمذي
في السنن الحديث رقم ١١٦٢.

٣٠:
ج زجو ٨.
رب:
١٠
٢٨٩
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٥١٠٢ - (٣٥) وعنه، أنَّ رجلاً شتمَ أبا بكرٍ، والنبيُّ وَّهَ جالسٌ يتعجّب ويتبسَّمُ،
فلمَّا أكثرَ ردَّ عليه بعضَ قولِه، فغضبَ النبيُّ نََّ، وقامَ، فلحقَّه أبو بكرٍ، وقال: يا رسولَ
الله! كانَ يشتمُني وأنت جالسٌ، فلمَّا ردَدْتُ عليه بعضَ قولهِ غضبتَ وقمتَ. قال: ((كانَ
معكَ مَلَكٌ يُرُدُّ عليه، فلمَّا رددتَ عليهِ وقعَ الشَّيطانُ)). ثمّ قال: ((يا أبا بكرٍ! ثلاثٌ كلُّهنَّ
حقٌّ: ما من عبدِ ظُلَم بمظلَمةٍ
وابن حبان في رواية ((وخياركم لنسائهم)).
٥١٠٢ - (وعنه) أي عن أبي هريرة ((إن رجلاً شتم أبا بكر والنبي ◌َّ جالس))) جملة
حالية ((يتعجب))) أي من شتم الرجل وقلة حيائه أو من صبر أبي بكر وكثرة وفائه ((ويتبسم)))
لما يرى من الفرق بين الشخصين، وما يترتب على فعلهما من العقوبة الكاملة والرحمة النازلة،
ولما ظهر له من مظاهر الجلال والجمال على ما هو مشهود أهل الكمال ((فلما أكثر))) أي
الرجل في مقاله ((رد))) أي أجاب ((أبو بكر عليه))) أي على الرجل ((بعض قوله:))) عملاً
بالرخصة المجوّزة للعوام وتركاً للعزيمة المناسبة لمرتبة الخواص قال تعالى: ﴿والذين إذا
أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى -
٣٩] وقال عز وجل: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾
[النحل - ١٢٦] وهو رضي الله عنه وإن كان جمع بين الانتقام عن بعض حقه وبين الصبر عن
بعضه لكن لما كان المطلوب منه الكمال المناسب لمرتبته من الصديقية ما استحسنه الر، وهذا
معنى قوله: ((فغضب النبي وَ﴾)) أي تغير منه تغير القضبان ((وقام))) أي من ذلك المجلس
وخلاهما عملاً بقوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ [القصص - ٥٥] ((فلحقه أبو
بكر))) أي معتذراً ومستفهماً ((وقال: يا رسول الله كان))) أي الرجل ((يشتمني))) بضم التاء
ويكسر، (وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله))) أي من الشتم بعينه أو بما يناسبه
((غضبت قمت))) يعني فما الحكمة في ذلك ((قال: كان معك ملك يرد عليه))) أي بدلك
ويدلك على الصبر ((فلما رددت عليه))) أي بذاتك ودخل فيه حظاً لنفس ((وقع الشيطان))) أي
وطلع الملك ((والشيطان إنما يأمر بالفحشاء والمنكر، فخفت عليك أن تتعدى على خصمك
وترجع ظالماً بعد أن كنت مظلوماً)). وقد روي ((كن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالم)).
وفي رواية ((كن خيراً بني آدم)). قال تعالى حكاية عن هابيل جواباً لقابيل ﴿لتن بسطت إلي يدك
لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾ [المائدة - ٢٨] مع أنه يجوز له قتله دفعاً عن نفسه،
وكان أقوى منه لكن اختار الطريق الأكمل ليكون من الفريق الكمل ((ثم قال: يا أبا بكر ثلاث)))
أي خصال ((كلهن حق))) أي ثابت وصدق ((ما من عبد ظلم))) بصيغة المجهول ((بمظلمة)))
بكسر اللام على المشهور وقيل: بفتحها أيضاً وأنكره بعض، وحكى الفراء الضم أيضاً، وفي
المغرب: المظلمة الظلم واسم المأخوذ، وفي القاموس الظلم وضع الشيء في غير موضعه
الحديث رقم ٥١٠٢: أخرجه أحمد فى المسند ٤٣٦/٢.
جزء لا يتلاد بع٢٠،

٢٩٠
/ ٢٠
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
فبُغضي عنها للَّهِ عزَّ وجلّ إلا أعز الله بها نصرَه، وما فتحَ رجلٌ بابَ عطيّةٍ يريدُ بها صلةٌ إِلا
زادَ اللَّهُ بها كثرة، وما فتحَ رجلٌ بابَ مسألة يريدُ بها كثرةً إِلا زادَ اللَّهُ بها قلَّةً)). رواه أحمد.
٥١٠٣ - (٣٦) وعن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ الله وَّر: ((لا يُرِيدُ اللَّهُ بأهلِ بيتٍ رِفقاً
إِلاَّ نَفَعَهمْ، ولا يَخْرِمَهم إِيَّهِ إِلاَّ ضَرَّهمْ)). رواه البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)).
والمظلمة بكسر اللام ما يظلمه الرجل ((فيغضي))) من الاغضاء بالغين والضاد المعجمتين وهو
أدناء الجفون بمعنى الإغماض، والمراد منه هنا الأعراض، وفي نسخة فيعفى بالعين المهملة
من الإعفاء وهو لغة في العفو والمعنى فيسامح ((عنها))) أي عن تلك المظلمة ويترك جوابها أو
المطالبة بها في الدنيا أو مطلقاً (الله عزَّ وجلّ))) أي لا لفخر ولا سمعة ورياء ((ألا أعز الله بها)))
أي بمقابلة تلك المظلمة والإهانة أو بسبب تلك الخصلة المعانة («نصره))) أي إعانته في الدنيا
والآخرة ((وما فتح رجل باب عطية))) أي صدقة ((يريد بها صلة))) أي صلة الرحم والقرابة أو
وصلة للقربة، وفي رواية باب عطية بصدقة أو صلة ((إلا زاد الله بها كثرة))) أي بركة صورية
ومعنوية ((وما فتح رجل باب مسألة))) أي سؤال من مخلوق ((يريد بها كثرة))) أي لأدفع حاجة
ضرورية تلجئه ((إلا زاد الله بها قلة))) أي حسية أو حقيقية. وفي رواية إلا زاده الله تعالى في
الموضعين. (رواه أحمد)، ورواه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن عبد الرحمن بن عوف
ولفظه («ثلاث أقسم عليهن ما نقص مال قط من صدقة فتصدقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة
ظلمها إلا زاده الله بها عزاً فاعفوا يزدكم الله عزاً، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل
الناس إلا فتح الله عليه باب فقر)). ورواه أحمد والترمذي عن أبي كبشة الأنماري ولفظه:
((ثلاث أقسم عليهن ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صير عليها إلا زاده الله
عزَّ وجلّ عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه،
إنما الدنيا الأربعة، نفر عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه
حقاً فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي
مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً يخبط في
ماله بغيره علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم الله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل،
وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته
فوزرهما سواء))(١).
٥١٠٣ - (وعن عائشة قالت: قال رسول الله وَلاير: ((لا يريد الله بأهل بيت رفقاً إلا نفعهم)))
أي الله به ((ولا يحرمهم))) بفتح أوّله، وقيل: بضمه أي ولا يمنع أهل بيت («إياه))) أي الرفق
((إلا ضرهم))) أي أضرهم الله به. (رواه البيهقي في شعب الإيمان).
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٤٨٧/٤ الحديث رقم ٢٣٢٥، وأحمد في المسند ٢٣١/٤.
الحديث رقم ٥١٠٣: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٣٧/٦ الحديث رقم ٨٤١٨.

٢٩١
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
(٢٠) باب الغضب والكبر
الفصل الأول
٥١٠٤ _ (١) عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلاً قال للنبيِّ وَّرَ: أَوْصِني.
باب الغضب والكبر
قال بعض المحققين: الغضب فوران دم القلب أو عرض يتبعه ذلك لدفع المؤذيات
وللانتقام بعد وقوعها، فإطلاقه على الله كما في حديث رواه الترمذي وغيره ((من لم يسأل الله
يغضب عليه))(١) مجاز أي يفعل به ما يفعل الملك إذا غضب على من تحت يده من الانتقام
وإنزال العقوبة، وأما الكبر فقال الراغب: هو الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجاب
نفسه بأن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظمه الامتناع عن قبول الحق عن الله تعالى والإذعان
للعبادة والاستكبار على وجهين، أحدهما أن يتحرى الإنسان أن يصير كبيراً وذلك متى كان
على ما يحب فهو المحمود، والثاني أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له فهو المذموم كقوله:
﴿أبى واستكبر﴾ [البقرة - ٣٤] والمتكبر أيضاً على وجهين إما محمود وهو أن تكون أفعاله
الحسنة كثيرة زائدة في الحقيقة على محاسن غيره وعلى هذا وصفه الله تعالى بالمتكبر في قوله
تعالى: ﴿العزيز الجبار المتكبر﴾ [الحشر - ٢٣] أو مذموم وذلك إذا كان متكلفاً متشبعاً لذلك،
وهذا وصف عامة الناس نحو قوله تعالى: ﴿فبئس مثوى المتكبرين﴾ [الزمر - ٧٢] وقال
الغزالي: الكبر ينقسم إلى ظاهر وباطن، فإذا ظهر على الجوارح يقال: تكبر وإذا لم يظهر
يقال: في نفسه كبر، فالأصل هو الخلق في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس
فوق المتكبر عليه، فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه ليرى نفسه فوقه في صفات الكمال، ومتكبراً
به، وبه يفصل الكبر عن العجب، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب به بل لو لم يخلق إلا
وحده تصوّر أن يكون معجباً ولا يتصوّر أن يكون متكبراً.
(الفصل الأوّل)
٥١٠٤ - (عن أبي هريرة: ((أن رجلاً)) هو ابن عمر، أو حارثة بن قدامة، أو سفيان بن
عبد الله ((قال للنبي (ّقر: أوصني))) أي أرشدني بخصوصي إلى عموم ما ينفعني ديناً ودنيا،
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٤٢٦/٥ الحديث رقم ٣٣٧٣.
الحديث رقم ٥١٠٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٩/١٠ الحديث رقم ٦١١٦، والترمذي في السنن
٣٢٦/٤ الحديث رقم ٢٠٢٠، ومالك في الموطأ ٩٠٥/٢ الحديث رقم ١١ من باب الغضب
وأحمد في المسند ٢/ ١٧٥.

٢٩٢
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
قال تغضبْ)). فردّ ذلكَ مراراً قال: ((لا تغضبْ)). رواه البخاري.
٥١٠٥ - (٢) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((ليسَ الشديدُ
ويقربني إلى الله زلفى ((قال: لا تغضب فردد))) أي الرجل السؤال، وهو المشار إليه بذلك على
ما في بعض النسخ ((مراراً)) أي ثلاثاً أو مرة بعد أخرى رجاء أن يضم معه إيصاء آخر ((قال:
لا تغضب)))، قال بعض المحققين: الغضب من نزغات الشيطان يخرج به الإنسان عن حد
الاعتدال صورة وسيرة حتى يتكلم بالباطل، ويفعل المذموم شرعاً وعرفاً، وينوي الحقد
والبغض وغير ذلك من القبائح التي كلها من أثر سوء الخلق، بل قد يكفر؛ ولهذا قال: لا
تغضب وأصر عليه مع إلحاح السائل مريداً للزيادة أو التبديل فكأنه قال له: ((حسن خلقك))،
وهو من جوامع الكلم(١)، فالحديث من بدائع الكلم، ثم علاجه معجون مركب من العلم
والعمل بأن يرى الكل من الله، ويذكر نفسه إن غضب الله أعظم وفضله أكثر، وكم خالف أمره
ولم يغضب عليه، ويتعوّذ ويتوضأ ويشغل نفسه بشيء. قال التوربشتي: قد كان ◌َلجر مكاشفاً
بأوضاع الخلق عارفاً بأدوائهم يضع الهنا موضع النقب(٢)، يأمرهم بما هو أولى بهم فلما
استوصاه الرجل وقد رآه مملوءاً بالقوّة الغضبية لم ير له خيراً من أن يتجنب عن دواعي الغضب
ويزحزح نفسه عنه. وقال القاضي: لعله وَلّ لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان
وتعتريه إنما تعرض له من فرط شهوته واستيلاء غضبه، والشهوة مكثورة [بالنسبة] إلى ما
يقتضيه الغضب غير ملتفت إليها، فلما سأله الرجل أن يشير إليه ما يتوسل به إلى التجنب عن
القبائح والتحرز عن مظانها نهاه عن الغضب الداعي إلى ما هو أعظم ضرراً وأكثر وزراً، فإن
ارتفاع السبب يوجب ارتفاع مسبباته لا محالة، قلت: هو كلام حسن وبيان مستحسن، إلا أن
التحقيق أن مدار الغضب على شهوة النفس، فإن الإنسان لا يغضب غضباً مذموماً إلا بتوهم
فوت شهوة له أو بعد تحقق فوتها، ولهذا ترى كل من كان شهوته أكثر كالملوك والأمراء يكون
غضبه أكبر ويجب عنه الحذر، ويؤيده الحديث الذي يليه. (رواه البخاري)، وكذا أحمد
والترمذي عن أبي هريرة وأحمد والحاكم عن حارثة بن قدامة (٣)، ورواه ابن أبي الدنيا في ذم
الغضب عن رجل ولفظه: ((لا تغضب فإن الغضب مفسدة)). وفي رواية لابن أبي الدنيا
والطبراني عن أبي الدرداء: ((لا تغضب ولك الجنة)).
٦١۶،
٥١٠٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَليقول: ((ليس الشديد))) أي القوي
(١) في المخطوطة ((الحكم)).
(٢) في المخطوطة ((المنام موضع التعب)).
(٣) أحمد في المسند ٣٤/٥ والحاكم في المستدرك ٦١٥/٣ وهو عن جارية بن قدامة وليس ((حارثة بن
قدامة» .
الحديث رقم ٥١٠٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٨/١٠ الحديث رقم ٦١١٤، ومسلم في ٢٠١٤/٤
الحديث رقم (١٠٧ - ٢٦٠٩)، وأبو داود في السنن ١٣٨/٥ الحديث رقم ٤٧٧٩، ومالك في
الموطأ ٩٠٦/٢ الحديث رقم ١٢ من كتاب البر والصلة، وأحمد في المسند ٢٣٦/٢.

٢٩٣
١٩٤٥
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
بالصُرَعةِ الشديدُ الذي يملِكُ نفسَه عندَ [٣٨١ - أ ـ] الغضبِ)). متفق عليه.
٥١٠٦ _ (٣) وعن حارثةَ بن وهبٍ، قال: قال رسولُ الله وَّر: ((أَلا أُخبركم بأهلِ
الجنَّةِ؟ كلٌّ ضعيفٍ متضعِّفٍ لو أقسَمَ على اللَّهِ لأبرَّه. أَلا أُخبرُكم بأهل
كامل القوّة ((بالصرعة))) بضم ففتح كهمزة من يكثر الصرع، وهو إسقاط المصارع له لأنه
قوّة بدنية صورية نفسية فانية ((إنما الشديد))) أي الكامل («الذي يملك نفسه عند
الغضب)))، فإنه قوّة دينية معنوية إلهية باقية، فحوّل النبي ◌َّر معنى هذا الاسم من القوّة
الظاهرة إلى الباطنة ومن أمر الدنيا إلى الدين. وفي النهاية الصرعة بضم الصاد وفتح الراء
المبالغ في الصراع الذي لا يغلب فنقله إلى الذي يملك نفسه عند الغضب، فإنه إذا
ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه وشر خصومه، ولذلك قال: «أعدى عدوّك نفسك التي
بين جنبيك))، وهذا من الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي بضرب من التوسع
والمجاز، وهو من فصيح الكلام، لأنه لما لكان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد
ثارت عليه شهوة الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته، كان كالصرعة الذي يصرع
الرجال ولا يصرعونه. (متفق عليه). ورواه الإمام أحمد في مسنده.
٥١٠٦ - (وعن حارثة بن وهب) ذكره المؤلف في الصحابة (قال: قال رسول
الله ◌َالحجر: ((ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف))) بالرفع على تقدير هو؛ وفي نسخة بالجر
على البدلية. قال شارح: معناه أنه لا يسقط الناس، والأظهر أن معناه أنه ليس بمتكبر
جبار ويدل عليه قرينته الآتية، فالحكم كلي لا غالبي على ما سيجيء، وقوله: ((متضعف)))
بفتح العين ويكسر من باب التأكيد كجنود مجندة والقناطير المقنطرة وظل ظليل، وفائدة
التاء الموضوع للطلب أن الضعف الحاصل فيه كأنه مطلوب منه التذلل والتواضع مع إخوانه
وإن كان قوياً مترجلاً مع أعدائه، قال تعالى: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح -
٢٩] ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ [المائدة - ٥٤] ففيه إشارة إلى أن [كل] من
كثر تواضعه مع المؤمنين يكون أعلى مراتب المقربين كما أن من يكون أكثر تكبراً وتجبراً
يكون في أسفل السافلين، وقال النووي: ضبطوه بفتح العين وكسرها، والمشهور الفتح،
ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجرؤون عليه لضعف حاله في الدنيا. يقال: تضعفه
واستضعفه، وإما على الكسر فمعناه متواضع متذلل خامل واضع من نفسه، والمراد أن
أغلب أهل الجنة هؤلاء، كما أن معظم أهل النار القسم الأخير («لو أقسم على الله))) أي
في فعل أو ترك («لأبره))) أي لأمضاه على الصدق وجعله باراً غير حانث في طلبه من
الحق. وقال الطيبي: أي لو حلف يميناً طمعاً في كرم الله بإبراره لأبره ((ألا أخبركم بأهل
الحديث رقم ٥١٠٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٦٣ الحديث رقم ٤٩١٨، ومسلم في ٤/ ٢١٩٠
الحديث رقم (٢٨٥٣/٤٦)، والرواية الثانية في (٢٧ - ٢٨٥٣)، والترمذي في السنن ٤ /٦١٨
الحديث رقم ٢٦٠٥، وابن ماجه في ١٣٧٨/٢ الحديث رقم ٤١١٦، وأحمد في المسند ٣٠٦/٤.

٢٩٤
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
النَّارِ؟ كلُّ عُثُلُّ جَوَّاظِ مستكبرٍ)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((كلُّ جواظ زنيمٍ متكبِّرٍ)).
٥١٠٧ - (٤) وعن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((لا يدخلُ النار أحدٌ في قلبِه
مثقالُ حبَّةٍ منْ خردل منْ إِيمان. ولا يدخلُ الجنة أحدٌ في قلبه مثقال حبة من خردل من کبرٍ)).
النار كل عتل))) بضمتين فتشديد أي جاف شديد الخصومة بالباطل. وقيل: الجافي الفظ
الغليظ ((جوّاظ))) بتشديد الواو أي جموع منوع أو مختال، وقيل: السمين من التنعم،
وقيل: الفاجر بالجيم، وقيل: بالخاء ((مستكبر))) أي متكبر عن الحق أو على أهله. (متفق
عليه). ورواه ابن ماجه عن معاذ ولفظه ((ألا أخبركم عن ملوك الجنة)) رجل ضعيف
مستضعف ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، ورواه الطبراني عن أبي الدرداء
بلفظ: ((ألا أخبركم بأهل النار، كل جعظري جوّاظ مستكبر جماع منوع، ألا أخبركم بأهل
الجنة، كل مسكين لو أقسم على الله لأبره)). (وفي رواية لمسلم ((كل جواظ زنيم متكبر)))،
والزنيم: الدعي في النسب الملصق بالقوم وليس منهم تشبيهاً له بالزنمة، وهي شيء يقطع
من أذن الشاة ويترك معلقاً بها. ذكره الطيبي، وهو المناسب للآية الواردة في حق الوليد
ابن المغيرة وأضرابه، وأما الحديث فينبغي أن يفسر بالمعنى الأعم، وهو اللئيم المعروف
بلؤمه أو شره على ما في القاموس، ويمكن أن يكون الزنيم كناية عن هذا الوصف، فإنه
لازمه غالباً، وقد ورد في حديث رواه أحمد وغيره عن أبي هريرة ((ولد الزنا شر الثلاثة)»،
وفي رواية ((إذا عمل بعمل أبويه))، وأما حديث ((ولد الزنا لا يدخل الجنة فلا أصل له
أصلاً)) والله أعلم.
٥١٠٧ - (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((لا يدخل النار))) أي دخول خلود
((أحد في قلبه مثقال حبة))) أي مقدار وزن حبة ((من خردل)))، قيل: إنه الحبة السوداء وهو
تمثيل للقلة كما جاء مثقال ذرة ((من إيمان))) أي من ثمرته وهي أخلاقه المتعلقة بالباطن أو
الظاهر الصادر من نور الإيمان وظهور الإيقان، فإن حقيقة الإيمان، وهو التصديق، ليس قابلاً
للزيادة والنقصان. فقول الطيبي فيه إشعار بأن الإيمان قابل للزيادة، والنقصان صدر من غير
شعور بحقيقة الإيقان والاتقان، فإن الإيمان لا يتجزأ إلا باعتبار تعدد المؤمن به، ولا شك أن
الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به كلاً إيمان نعم، له شعب كثيرة خارجة عن حقيقته وماهيته
كالصلاة والزكاة وسائر أحكام الإسلام الظاهرة، وكالتواضع والترحم وسائر الأخلاق الباطنة
الباهرة، ومنه الحديث ((الإيمان بضع وسبعون شعبة))، ويدل على ما ذكرناه قوله: ((والحياء
شعبة من الإيمان))، فإن الإجماع على أنه غير داخل في مفهوم الإيمان ويدل عليه مقابلته
بقوله: ((ولا يدخل الجنة))) أي مع السابقين ((أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)))،
الحديث رقم ٥١٠٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٩٣/١ الحديث رقم (١٤٨ - ٩١)، وأبو داود في السنن
٣٥١/٤ الحديث رقم ٤٠٩١، والترمذي في ٣١٧/٤ الحديث رقم ١٩٩٨، وابن ماجه في ٢/
١٣٩٧ الحديث رقم ٤١٧٣، وأحمد في المسند ١/ ٤١٢.

٢٩٥
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
رواه مسلم.
٥١٠٨ _ (٥) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((لا يدخلُ الجنَّةَ مَن كان في قلبِه
مثقال ذرّةٍ من كبْرِ)). فقال رجلٌ: إِنَّ الرجلَ يُحبُّ أنْ يكونَ ثوبُه حسناً ونعلُه حسَناً. قال:
((إِنَّ اللَّهَ تعالى جميلٌ يحبُّ الجمالَ.
فإنه ((لا نزاع أن الكبر المجرد ليس بكفر، كما أن الكبر عن قبول الحق كفر إجماعاً. نعم،
الكفر قابل للزيادة والنقصان على ما لا يخفى، ولذا قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم
من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة - ٢٥٧] أي من أنواع ظلمات الكفر والكفران إلى النور أي نور
التوحيد، والإيمان، فمعنى الحديث، أنه لا يدخل الجنة مع الكبر، بل يصفى منه ومن كل
خصلة مذمومة إما بالتعذيب أو بعفو الله ثم يدخل الجنة)). قال الخطابي: للحديث تأويلان
أحدهما أن يراد بالكبر الكفر والشرك، ألا ترى أنه قد قابله في نقيضه بالإيمان، وثانيهما أن الله
تعالى إذا أراد أن يدخله الجنة نزع من قلبه ما كان في قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر وعلى
في قلبه، وقوله: لا يدخل النار يعني دخول تأبيد وتخليد اهـ. وأراد في المعنى الثاني بالكبر
التكبر على الناس. قال الطيبي: الوجه الأوّل من باب المقابلة المعنوية وهو من أنفسها، فإنه
أشار بالإيمان إلى أن الكبر من صفات الكافرين، فيجب أن يجتنب عنه، وبالكبر تلميح إلى أن
التواضع من سمات المؤمنين، فينبغي أن يرغب فيه، وهو الوجه، لأن القصد الأولى في سياق
الكلام، وإيراده إلى معنى الوصفين للترغيب في أحدهما، والتنفير عن الآخر لا إلى حكم
الموصوفين وإن لزمه تبعاً اهـ وهو غاية التحقيق ونهاية التدقيق. (رواه مسلم).
٥١٠٨ - (أي عن ابن مسعود (قال: قال رسول الله وَ ليقول: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه
مثقال ذرة من كبر فقال رجل:) هو معاذ بن جبل أو عبد الله بن عمرو بن العاص أو ربيعة بن
عامر أقوال ((أن الرجل))) أي جنسه، والمراد به الشخص ((يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله
حسناً))) أي من غير أن يراعي نظر الخلق وما يترتب عليه من الكبر والخيلاء والسمعة والرياء،
وعلامة صدقه أن يحب ذلك أيضاً في الخلاء ثم النعل ما وقيت به القدم، وهي مؤنثة سماعية.
ذكرها ابن الحاجب في رسالته فيما يجب تأنيثه، وفي المشارق ونعله حسنة، فالتذكير هنا
باعتبار معناها، وهو ما وقيت به القدم. كذا ذكره بعضهم، ويمكن أن يقال: التقدير: ونعله
ذات حسن أو عدل عن فعلاء إلى فعل للمشاكلة مع قابلية اللفظ أن يقرأ كذلك، ولعل سبب
السؤال ما ذكره الطيبي أنه لما رأى الرجل العادة في المتكبرين ليس الثياب الفاخرة ونحو ذلك
سأل ما سأل ((قال:))) أي مجيباً له ((إن الله جميل))) أي في ذاته وصفاته وفعاله، وكل جمال
صوري أو جمیل معنوي فھو أثر جماله، فلا جمال ولا جلال ولا کمال إلا له سبحانه («یحب
الجمال))) أي ظهوره في مخلوقاته، ولذلك أظهرهم وجعلهم مظاهره، ويؤيده حديث ((إن الله
الحديث رقم ٥١٠٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٩٣/١ الحديث رقم (١٤٧ - ٩١)، وأبو داود في السنن ٤/
٣٥١ الحديث رقم ٤٠٩١، والترمذي في ٣١٧/٤ الحديث رقم ١٩٩٩ وأحمد في المسند ٣٩٩/١.
٢٠٠-٠ ٠٫٨٨٠ - ٥ ٠١٥١٣٩

٢٩٦
<ir
کتاب الآداب/ باب الغضب والکبر
الكِبْرُ بطرُ وغمط الحقّ الناس)). رواه مسلم.
٥١٠٩ _ (٦) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّةِ: ((ثلاثةٌ لا يكلمُهم اللَّهُ يومَ
القيامةِ ولا يُزكّيهم)). وفي رواية: ((ولا ينظرُ إِليهم ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زاٍ، وملِكْ
كذَّابٌ، وعائلٌ مستكبِرٌ)).
يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) ((الكبر بطر الحق))) بفتح الموحدة والمهملة أي الكبر
المذموم بطلان جمال الحق ((وغمط الناس))) أي استحقار الخلق، وأصل البطر شدة الفرح
والنشاط، والمراد هنا قيل: سوء احتمال الغنى، وقيل: الطغيان عند النعمة، والمعنيان
متقاربان. وفي النهاية بطر الحق هو أن يجعل ما يجعله الله حقاً من توحيده وعبادته باطلاً،
وقيل: هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقاً، وقيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. قال
التوربشتي: وتفسيره على الباطل أشبه لما ورد في غير هذه الرواية إنما ذلك من سفه الحق
وغمص الناس أي رأى الحق سفهاً. (رواه مسلم). وكذا الترمذي عن ابن مسعود والطبراني عن
أبي أمامة، والحاكم عن ابن عمرو(١)، وابن عساكر عن جابر وعن ابن عمر، ورواه البيهقي عن
أبي سعيد بزيادة ((ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس)). ورواه ابن
عدي بزيادة ((سخي يحب السخاء نظيف يحب النظافة)).
٥١٠٩ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَتليفون: ((ثلاثة))) أي أشخاص ((لا يكلمهم
الله))) أي كلام رضا أو مطلقاً ((يوم القيامة))) أي وقت ظهور عدله وفضله وغضبه ورضاه ((ولا
يزكيهم») أي لا يثني عليهم بخلاف سائر المؤمنين أو لا يطهرهم من دنس الذنوب بالعفو
عنهم. (وفي رواية) بدلاً عما قبله أو زيادة عليه وهو الظاهر ((ولا ينظر إليهم))) أي نظر لطف
وعناية ورحمة ورعاية ((ولهم عذاب أليم)))، يحتمل أن يكون من تتمة الرواية وأن يكون عوداً
إلى أصل الحديث وهو المعتمد كقوله: ((شيخ زان))) لأن الزنا إذا كان قبيحاً من الشاب كونه
معذوراً طبعاً، فمن الشيخ المنطفىء شهوته المنتفي غلمته يكون أقبح وفي نظر العقل أسمج
((وملك كذاب))) أي كثير كذب أو ذو كذب بناء على أن الصيغة للمبالغة أو النسبة، والثاني
أبلغ ((وعائل مستكبر))) أي فقير متكبر لأن كبره مع انعدام سببه فيه من الجاه والمال يدل على
كونه بالطبع ذميماً في الشرع. وقيل: المراد بالعائل ذو العيال، فتكبره عن أخذ الصدقة قدر ما
يسد خلته وخلة عياله لم يكن إلا لاستيلاء هذه الرذيلة عليه بحيث يلحقه وعياله الضرر الشديد
من تكبره. قال الطيبي: يعني الزنا قبيح، ومن الشيخ أقبح، والكذب سمج، ومن الملك
أسمج، والتكبر مذموم ومن الفقير أذم اهـ. ويمكن أن يقال: المراد بالشيخ المحصن سواء
٠٫٠٥٠
(١) الحاكم في المستدرك ٤١٦/٣.
الحديث رقم ٥١٠٩: أخرجه مسلم في ١٠٢/١ الحديث رقم (١٧٢ - ١٠٧)، وأبو داود في السنن ٣/
٧٤٩ الحديث رقم ٣٤٧٥ والترمذي في ١٢٨/٤ الحديث رقم ١٥٩٥، والنسائي في ٢٤٥/٧
الحديث رقم ٤٤٥٨، وابن ماجه في ٢/ ٧٤٤ الحديث رقم ٢٢٠٧، وأحمد فى المسند ٤٨٠/٢.
هيد
7740 /

٠١٥٠٠٠
٢٩٧
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
رواه مسلم.
٥١١٠ - (٧) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يقولُ اللَّهُ تعالى: الكِبرياءُ ردائي،
والعظمةُ إِزاري؛ فمن نازعَني واحداً منهما أدخلتُه النَّارَ)).
يكون شاباً أو لا، ولكون الزنا أقبح منه شرعاً وعرفاً وجب فيه الرجم كما في الآية المنسوخة
((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم))، والمراد بالملك
الغني، فإن الفقير قد يكذب لغرض فاسد من منفعة دنيوية ضرورية، والغني لا يحتاج إليه
مطلقاً، فالكذب منه أقبح، والمراد بالفقير الذي يتكبر على الفقراء لأن التكبر على المتكبرين
من الأغنياء صدقة والأظهر أن المراد به الفقير المتكبر عن الكسب والكد لنفسه وعياله مع
القدرة عليه كما هو مشاهد في أهل زماننا، ولا شك أن هذا التكبر المتضمن للرعونة والرياء
والسمعة مع إضرار النفس وارتكاب السؤال وأخذ المال من غير وجه حلال أقبح من تكبر
الأغنياء لا سيما إذا كان يتكلف ويتزيا بزي الأكابر كبعض الفقهاء القائلين: ((بأن الحلال ما حل
بنا وأن الحرام ما حرمنا»، فإن العلل المركبة داء عضال يعجز عنه الحكماء وإن بلغوا مبلغ
. الكمال. (رواه مسلم)، وفي الجامع بلفظ: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم
عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)).
٥١١٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلقول: يقول الله تعالى:
(الكبرياء») أي الذاتي ((ردائي))) أي بمنزلته عندكم («والعظمة))) أي الصفاتي («إزاري))) أي في
مرتبته لديكم، فإن رتبة الصفة دون رتبة الذات ولذا خص التكبير بكونه تحريمة للصلاة في
القيام لله تعالى والتعظيم بالركوع المندوب فيه ((سبحان ربي العظيم))، ومنه التعظيم لأمر الله،
وحقيقته ترك الاشتغال بما سواه، فالتركيب نوع من التشبيه البليغ، والمعنى أنهما مختصان بي
اختصاصاً ظاهراً كنسبة الثوبين إليكم حيث لا يمكن المنازعة في واحد منهما لأحد عليكم. فإذا
عرفتم ذلك وعلمتم ما هنالك ((فمن نازعني واحد منهما))) أي من الوصفين بأن تكبر باعتبار
ذاته، أو تعظم من حيثية صفاته وأراد نوعاً من المشاركة معي في نعوت ذاتي وصفاتي ((أدخلته
النار))) أي نار العذاب وعقاب الحجاب، فإنه جزاء الكافرين وبئس مثوى المتكبرين. (وفي
رواية ((قذفته))) أي رميته من غير مبالاة به ((في النار))). هذا مجمل المرام في هذا المقام، وأما
تفصيله، ففي النهاية الكبرياء والعظمة الملك؛ وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال
الوجود ولا يوصف بها إلا الله تعالى، وهو من الكبر بالكسر، وهو العظمة. ويقال: كبر بالضم
يكبر أي عظم، فهو كبير اهـ. وقيل: إن الكبرياء والكبر والعظمة ألفاظ مترادفة متحدة المعنى.
ولم يتعرض معظمهم للفرق، ولا بد من الفرق، إذ الأصل عدم الترادف ولما يقتضيه المقام من
الفرق في مرتبة الجمع، قال الإمام فخر الدين الرازي: جعل الكبرياء قائماً. مقام الرداء،
و مع مـ
الحديث رقم ٥١١٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٢٣/٤ الحديث رقم (١٣٦ - ٢٦٢٠)، وابن ماجه في
السنن ١٣٩٧/٢ الحديث رقم ٤١٧٤، وأحمد في المسند ٤١٤/٢.
. an'
٢ امت د

٢٩٨
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
٢٥٧:
وفي رواية: ((قذفتُه في النَّارِ)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٥١١١ - (٨) عن سلمةَ بن الأكوع، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((لا يزالُ الرجلُ
يذهبُ بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبهُ ما أصابه)). رواه الترمذي.
والعظمة قائمة مقام الإزار، ومعلوم أن الرداء أرفع درجة من الإزار فوجب أن يكون صفة
الكبرياء أرفع حالاً من صفة العظمة، ثم قال: يشبه أن يكون متكبراً في ذاته سواء استكبره غيره
أم لا، وسواء عرف هذه الصفة أحد أم لا، وأما العظمة فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه
غيره، وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية، والثانية إضافية، والذاتي أعلى من الإضافي
اهـ. وأطنب الطيبي في توجيه قول الفخر وتوضيحه، ثم قال: وقد عرفت ما قيل: إن الكبر هو
الإعراض عن الحق وتحقير الناس، فالتواضع هو الإذعان للحق وتوقير الناس، وهو المعني
بقوله: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. فالمعنى ((من تكبر على الله وعلى الخلق ابتلاه
الله تعالى في الدنيا بالذل والهوان وفي الآخرة بقذفه في أقصى دركات النيران، ومن تواضع لله
مع الخلق رفع الله درجته في الدنيا والآخرة)). (رواه مسلم)، وكذا أحمد وأبو داود وابن ماجه
عن أبي هريرة، وابن ماجه أيضاً عن ابن عباس(١)، ورواه الحاكم عن أبي هريرة مختصراً
بلفظ: ((الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي قصمته))، ورواه سمويه عن أبي سعيد وأبي هريرة
بلفظ: ((الكبرياء ردائي والعز إزاري، من نازعني في شيء منهما عذبته)).
(الفصل الثاني)
٥١١١ - (عن سلمة بن الأكوع) صحابي مشهور (قال: قال رسول الله يليقول: ((لا يزال
الرجل يذهب بنفسه»)، قال المظهر وغيره الباء للتعدية أي يعلي نفسه ويرفعها ويبعدها عن
الناس في المرتبة، ويعتقدها عظيمة القدر، أو المصاحبة أي يرافق نفسه في ذهابها إلى الكبر
ويعززها ويكرمها كما يكرم الخليل الخليل حتى تصير متكبرة؛ وفي أساس البلاغة يقال: ذهب
به مر به مع نفسه قلت: ومن قبيل الأول قوله تعالى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة - ١٧] أي
أذهب نورهم. وخلاصة المعنى أنه لا يزال يذهبها عن درجتها ومرتبتها إلى مرتبة أعلى وهكذا
(حتى يكتب))) أي اسمه أو يثبت رسمه ((في الجبارين))) أي في ديوان الظالمين والمتكبرين أو
معهم في أسفل السافلين ((فيصيبه))) بالنصب، وقيل: بالرفع أي فينال الرجل من بليات الدنيا
وعقوبات العقبى (ما أصابهم))) أي الجبارين كفرعون وهامان وقارون. (رواه الترمذي).
(١) ابن ماجه في السنن ١٣٩٧/٢ - ٤١٧٥.
الحديث رقم ٥١١١: أخرجه الترمذي في السنن ٣١٨/٤ الحديث رقم ٢٠٠٠.
٦٫٥٢٦٣

٦/١٠
2 ----:
. .-.-. "
٢٩٩
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
٥١١٢ - (٩) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول الله وَ ل قال:
((يُحشر المتكبِّرون أمثالَ الذّرِ يومَ القيامةِ، في صورِ الرجال يغشاهم الذلُّ من كل مكان،
٥١١٢ - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صل ى قال: ((يحشر
المتكبرون أمثال الذرة) أي في الصغر والحقارة ((يوم القيامة في صور الرجال))) أي من جهة
وجوههم، أو من حيثية هيئتهم من انتصاب القامة ((يغشاهم))) أي يأتيهم ((الذل من كل مكان)))
أي من كل جانب، والمعنى أنهم يكونون في غاية من المذلة والنقيصة يطؤهم أهل المحشر
بأرجلهم من هوانهم على الله كما سيأتي في رواية الجامع. هذا وفي النهاية: الذر النمل الأحمر
الصغير وأحدها ذرة وقيل: الذرة يراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة قلت:
نعم، قد يراد بها، بل الظاهر أنه المراد في قوله: ﴿ومن يعمل مثقال ذرة﴾ [الزلزلة - ٨] كما
أنه المراد جزماً في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ [النساء - ٤٠] وأما إرادة هذا
المعنى في هذا المقام فغير صحيح لقوله: في صور الرجال، وما فيه من المقال، قال
التوريشتي: يحمل ذلك على المجاز دون الحقيقة أي أذلاء مهانين يطؤهم الناس بأرجلهم،
وإنما منعنا عن القول بظاهره ما أخبرنا به الصادق المصدوق بي لته: ((إن الأجساد تعاد على ما
كانت عليه من الإجزاء، حتى أنهم يحشرون غرلاً يعاد منهم ما انفصل عنهم من القلفة»، وإلى
هذا المعنى أشار بقوله: ((يغشاهم الذل من كل مكان)). قال الأشرف: إنما قال في صور
الرجال بعد قوله: ((أمثال الذر)) قطعاً منه حمل قوله: ((أمثال الذر على الحقيقة ودفعاً لوهم من
يتوهم أن المتكبر لا يحشر في صورة الإنسان، وتحقيقاً لإعادة الأجساد المعدومة على ما كانت
عليه من الأجزاء)). وقال المظهر: يعني صورهم صور الإنسان وجثتهم كجثة الذر في الصغر.
قال الطيبي: لفظ الحديث يساعد هذا المعنى لأن قوله: ((أمثال الذر)) تشبيه لهم بالذر، ولا بد
من بيان وجه الشبه لأنه يحتمل أن يكون وجه الشبه الصغر، في الجنة، وأن يكون الحقارة
والصغار، فقوله: ((في صور الرجال)) بيان للوجه ودفع وهم من يتوهم خلافه، وأما قوله: ((إن
الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء»، فليس فيه أن لا تعاد تلك الأجزاء الأصلية في
مثل الذر لأنه تعالى قادر عليه، وفيه الخلاف المشهور بين الأصوليين، وعلى هذا الحقارة
ملزوم هذا التركيب، فلا ينافي إرادة الجثة مع الحقارة اهـ، وفيه أنه لا كلام في قدرته تعالى
على كل شيء، وإنما الكلام في أنه هل تعلق القدرة به أم لا؛ وإذا صح في الخير ((إن الخلق
كلهم يحشرون غرلاً))، فلا شك أنه لا بد من تحقق إعادة جميع الأجزاء الأصلية من المتصلة
والمنفصلة كالأظفار المقلوعة والشعور المحلوقة، وأمثال ذلك تصديقاً لكلام الشارع وتحقيقاً
لما أخبره به وحصول هذا كله في ذرة من المجالات العقلية، ونفيه يعتبر في القواعد النقلية
منها قوله تعالى: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف - ٤٠] فإن
المراد به أن دخول الكفار الجنة من المحال الذي لا يقع أبداً كوجود الجمل في سم الخياط،
إذا عرفت هذا علمت أن الشيخ التوربشتي عدل عن الحقيقة إلى المجاز للضرورة الملجئة له
الحديث رقم ٥١١٢: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٦٥ الحديث رقم ١٧٩/٢، وأحمد في المسند ١٧٩/٢.

٣٠٠
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
يُساقونَ إِلى سجنٍ في جهنّم يسمَّى: بَوْلَسَ، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عُصارة أهل
النار
:١٣
1/
إليه لكن يأباه ما في سياق الحديث على ما حققه بقية الشراح، فالتحقيق أن الله يعيدهم عند
إخراجهم من قبورهم على أكمل صورهم وجمع أجزائهم المعدومة تحقيقاً لوصف الإعادة على
وجه الكمال، ثم يجعلهم في موقف الجزاء على الصورة المذكورة إهانة وتذليلاً لهم جزاء وفاقاً
أو يتصاغرون من الهيبة الإلهية عند مجيئهم إلى موضع الحساب وظهور أثر العقوبة السلطانية
التي لو وضعت على الجبال لصارت هباء منثوراً، وقد ثبت تبديل صور أهل جهنم على أشكال
مختلفة وصور متباينة كصور الكلاب والخنازير والحمير بحسب ما يليق بصفاتهم وحالاتهم،
وقد تكبر جثتهم حتى يكون ضرس الكافر كجبل أحد على ما ورد في الحديث، وكذا تغيير
صور أهل الجنة من السواد إلى البياض ومن القصر إلى الطول المعتدل ومن الكبر إلى السن
المتوسط، وجعلهم جرداً مرداً مكحلين وأمثال ذلك، وبه يزول الإشكال، والله أعلم بحقيقة
الحال. ويدل على ما قررنا أن تبديلهم إنما هو في آخر أمرهم قوله بطريق الاستئناف البياني أو
على الحال التباني ((يساقون))) بضم القاف أي يسحبون ويجرون ((إلى سجن))) أي مكان حبس
مظلم مضيق منقطع فيه عن غيره ((يسمى))) أي ذلك السجن ((بولس))) بفتح موحدة وسكون
واو وفتح لام وسين مهملة، وفي بعض النسخ بضم أوله، ففي القاموس بولس بضم الباء وفتح
اللام سجن جهنم، وقال المنذري: هو بضم الموحدة وسكون الواو وفتح اللام، ذكره ميرك
وقال شارح: بفتح الموحدة وفتح اللام وکسرها فوعل من الإبلاس بمعنی الیأس سمي به لیأس
داخله من الخلاص. وفي النهاية هكذا جاء في الحديث مسمى، ذكره الطيبي من غير تعرض
لضبطه، فالاعتماد على ما ذكره المنذري؛ وصاحب القاموس أولى من كلام غيرهما لجلالتهما
في علم الحديث والله أعلم. ((تعلوهم))) أي تحيط بهم وتغشاهم كالماء يعلو الغريق («نار
الأنيار))) أي نار النيران. قال شارح: أنيار جمع نار كأنياب جمع ناب، وفيه أن الناب يأتي
والنار واوي، ولذا لم يذكر أنيار في القاموس لكونه شاذاً، والقياس الأنوار؛ إلا أنه قيل:
الأنيار لئلا يشتبه بجمع النور. قال القاضي: وإضافة النار إليها للمبالغة كأن هذه النار لفرط
إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران ما تفعل النار بغيرها أقول: أو لأنها أصل نيران العالم
لقوله تعالى: ﴿الذي يصلى النار الكبرى﴾ [الأعلى - ١٢] ولقوله وميل ى: «ناركم هذه جزء من
سبعين جزءاً من نار جهنم))(١) على ما ذكره البيضاوي. وفي النهاية قوله: ((نار الأنيار) ولم
أجده مشروحاً ولكن هكذا يروى، فإن صحت الرواية فيحتمل أن يكون معناه ((نار النيران)).
فجمع النار على أنيار وأصلها أنوار لأنها من الواو، وكما جاء في ريح وعيد أرياح وأعياد وهما
من الواو. ذكره الطيبي ولم يبين وجههما، وتوجيهه ما قدمناه من مخافة الالتباس، فإن الأعواد
بمعنى الأخشاب، والأرواح جمع الروح ((يسقون))) بصيغة المجهول، وفيه إشارة إلى الإكراه،
وإيماء إلى زيادة الإحراق المؤثر إلى بطونهم أيضاً ((من عصارة أهل النار))) أي صديدهم المنتن
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٦١٢/٤ الحديث رقم ٢٥٩٠.
:١٠٥