Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
فقال له رجلٌ: وإِنْ كانَ شيئاً يسيراً يا رسولَ الله؟ قال: ((وإِنْ كانَ قضيباً منْ أَراكٍ)). رواه
مسلم.
٣٧٦١ - (٤) وعن أُمّ سلمةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ قال: ((إِنَّما أنا بشرٌ: وإنَّكم
تختصِمونَ إِليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يكونَ الحَنَ بحُجَّتِهِ منْ بعضٍ، فَأَقْضِيَ له لى حوِ ما
أسمعُ منه،
الفائزين. وأما تقييده وَّلتر، فلا يدل على عدم تحريم حق الذمي لتفظيع شأن مرتكب هذه
العظيمة كما مر، لأن أخوّة الإسلام تقتضي القيام بحقه ومراعاة جانبه في سائر ماله، وعليه
وهذه الفائدة كامنة في التقييد، فلا يذهب إلى العمل بالمفهوم (فقال: له) أي لرسول الله وَلخير
(وإن كان) أي الحق (شيئاً يسيراً يا رسول الله قال: ((وإن كان قضيباً من أراك))) بفتح أوّله أي
خشب سواك (رواه مسلم).
٣٧٦١ - (وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله وَ لي قال: ((إنما أنا بشر وإنكم
تختصمون إليّ))) أي ترفعون المخاصمة إليّ، قال التوربشتي: وإنما ابتدأ في الحديث بقوله إنما
أنا بشر تنبيهاً على أن السهو والنسيان غير مستبعد من الإنسان، وإن الوضع البشري يقتضي أن
لا يدرك من الأمور إلا ظواهرها، فإنه خلق خلقاً لا يسلم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء،
ومن الجائز أن يسمع الشيء فيسبق إلى وهمه أنه صدق ويكون الأمر بخلاف ذلك، يعني أني
إن تركت على ما جبلت عليه من القضايا البشرية ولم أؤيد بالوحي السماوي طرأ علي منها ما
يطرأ على سائر البشر، فإن قيل: أو لم يكن النبي والتر مصوناً في أقواله وأفعاله معصوماً على
سائر أحواله قلنا: إن العصمة تتحقق فيما يعد عليه ذنباً، ويقصده قصداً وأما ما نحن فيه، فليس
بداخل في جملته فإن الله تعالى لم يكلفه، فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره وهو الاجتهاد في
الإصابة، ويدل عليه ما روي عنه في الحديث الذي ترويه أم سلمة من غير هذا الوجه، وهو في
حسان هذا الباب أنا أقضي بينكم برأي، فيما لم ينزل علي (ولعل بعضكم أن يكون) قال
الطيبي: زيد لفظة إن في خبر لعل تشبيهاً له بعسى وقوله (ألحن) أفعل تفضيل من لحن كفرح
إذا فطن بما لا يفطن به غيره أي أفصح وأفطن (بحجته من بعض) فيزين كلامه بحيث أظنه
صادقاً في دعواه، (فاقضي له على نحو ما أسمع منه) قال الراغب: اللحن صرف الكلام عن
سننه الجاري عليه إما بإزالة العرب أو التصحيف وهو مذموم وذلك أكثر استعمالاً وإما بإزالته
عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى وهو محمود من حيث البلاغة، وإياه قصد
الشارع بقوله وخير الأحاديث ما كان لحناً وكذا قوله تعالى ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ ومنه
الحديث رقم ٣٧٦١: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٩/١٢ الحديث رقم ٦٩٦٧، ومسلم في ١٣٣٧/٣
الحديث رقم (٤ - ١٧١٣)، وأبو داود في السنن ١٢/٤ الحديث رقم ٣٥٨٢، والترمذي في ٣/
٦٢٤ الحديث رقم ١٣٣٩، والنسائي في ٢٣٣/٨ الحديث رقم ٥٤٠١، وابن ماجه في ٢/ ٧٧
الحديث رقم ٢٣١٧، وأحمد في المسند ٦/ ٢٩٠.
٣٠٢
:جيـ
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
فمنْ قضيتُ له بشيءٍ منْ حقِّ أخيهِ؛ فلا يأخذَنَّهُ، فإِنَّما أقطعُ له قطعةً منَ النَّارِ)). متفق
عليه .
قيل للفطن لما يقتضي فحوى الكلام لحن ومنه الحديث الحن بحجته أي ألسن وأفصح وأبين
كلاماً، وأقدر على الحجة (فمن قضيت له بشيء من حق أخيه) أي من المال وغيره (فلا
يأخذنه) أي إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه (فإنما أقطع له) أي أعين له بناء على ظاهر الأمر
(قطعة من النار) وفيه دليل على جواز الخطأ في الأحكام الجزئية وإن لم يجز في القواعد
الشريعة؛ قال النووي: فيه تنبيه على الحالة البشرية، وأن البشر لا يعلم من الغيب وبواطن
الأمور شيئاً إلا أن يطلعه الله تعالى على شيء من ذلك فإنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما
يجوز على غيره، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر، والله يتولى السرائر، فيحكم بالبينة أو
اليمين مع إمكان خلاف الظاهر، وهذا نحو قوله وَله: ((أمرت أن أقاتل الناس))، إلى قوله:
((وحسابهم على الله))(١)، ولو شاء الله تعالى لأطلعه وَّر على باطن أمر الخصمين، فحكم بيقين
نفسه من غير حاجة إلى شهادة أو يمين، ولكن لما أمر الله تعالى أمته باتباعه والاقتداء بأقواله
وأفعاله [وأحكامه] أجرى عليه حكمهم من عدم الاطلاع على باطن الأمور ليكون للأمة إسوة به
في ذلك، وتطييباً لنفوسهم من الانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن، فإن قيل: هذا
الحديث ظاهرة أنه يقع منه وّ ر حكم في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنه
وَ ل﴿ لا يقر على خطأ في الأحكام، فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث(٢) وقاعدة الأصول،
لأن مرادهم فيما حكم فيه باجتهاده؛ فهل يجوز أن يقع فيه خطأ، فيه خلاف والأكثرون على
جوازه؛ وأما الذي في الحديث فليس من الاجتهاد في شيء لأنه حكم بالبينة أو اليمين، فلو
وقع منه ما يخالف الباطن لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به
التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلاً، فإن كانا شاهدي زوراً ونحو ذلك، فالتقصير
منهما، وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عتب عليه بسببه، بخلاف ما إذا أخطأ في
الاجتهاد وفيه دلالة على أن حكم الحاكم لا يحل حراماً. فإذا شهد شاهد زور لإنسان بمال،
فحكم به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهد عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع
علمه بكذبهما، وإن شهدا على أنه طلق امرأته لم يحل لمن علم كذبهما أن يتزوجها. قال
الطيبي: وإليه الإشارة بقوله فمن قضيت الخ يعني إن قضيت له بظاهر يخالف الباطن فهو
حرام، فلا يأخذن ما قضيت له لأنه أخذ ما يؤول به إلى قطعة من النار، فوضع المسبب، وهو
قطعة من النار موضع السبب، وهو ما حكم به له (متفق عليه). وفي الجامع الصغير بلفظ فمن
قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها؛ رواه مالك وأحمد والستة
عن أم سلمة(٣)؛ وفي رواية لمسلم عن رافع بن خديج، ولفظه إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٧٥/١ الحديث رقم ٢٥، ومسلم في ٥٣/١ الحديث رقم (٣٦ - ٢٢).
(٢) في المخطوطة ((الحديثين)).
(٣) الجامع الصغير ١٥٤/١ الحديث رقم ٢٥٦٦.
١/٠٨٥٠
over
/ ٣/١٣٣
١٠
٣٠٣
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
٣٧٦٢ - (٥) وعن عائشةَ [رضي اللَّهُ عنها]، قالتْ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ أبغضَ
الرِّجال إِلى اللَّهِ الأَلَدُ الخَصِمُ)). متفق عليه.
٣٧٦٣ - (٦) وعن ابنِ عبَّاسِ: أنَّ رسولَ الله ◌ِّرِ قضى بَيَمينِ وشاهدٍ
من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر (١) وفي رواية لأحمد وابن
ماجه عن طلحة، ولفظه إنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطىء ويصيب، ولكن ما قلت لكم:
قال الله: فلن أكذب على الله(٢).
٣٧٦٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ويتاجر: إن أبغض الرجال)؛
وفي رواية أبغض الرجال (إلى الله الألد [الخصم]) قال التوربشتي: أي الشديد الخصومة من
اللديد، وهو صفحة العنق، وذلك لما لا يمكن صرفه عما يريده الخصم بكسر الصاد أي
المولع بالخصومة بحيث تصير الخصومة عادته، فالأول ينبىء عن الشدة، والثاني عن الكثرة.
قال الطيبي: هذا إذا قيد الألد بالخصومة فراراً عن التكرار، وإذا ترك على أصله يكون المعنى
أنه شديد في نفسه، بليغ في خصومته، فلا يلزم التكرار! وعليه قوله تعالى: ﴿وهو ألد
الخصام﴾ [البقرة - ٢٠٤] الكشاف أي شديد الجدال، وإضافة الألد بمعنى في، أو جعل
الخصام ألد مبالغة، (متفق عليه) ورواه الترمذي وابن ماجه (٣)؛ وفي رواية تمام عن معاذ أبغض
الخلق إلى الله من آمن ثم كفر، وفي رواية العقيلي والديلمي عن عائشة أبغض العباد إلى الله من
كان ثوباه خيراً من عمله، أن تكون ثيابه ثياب الأنبياء وعمله عمل الجبارين.
٣٧٦٣ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله وَلير قضى بيمين) أي للمدعى
عليه (وشاهد) أي وببينة للمدعي، ولعل القضية فيما يكتفي بشاهد واحد، فالواو بمعنى أو
للتنويع، وقال المظهر: يعني كان للمدعي شاهد واحد فأمره رسول الله وَ لقر أن يحلف على ما
يدعيه بدلاً من الشاهد الآخر، فلما حلف قضى له وَ لير بما ادعاه، وبهذا قال الشافعي ومالك
وأحمد وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين، بل لا بد من شاهدين، وخلافهم
في الأموال، فأما إذا كان الدعوى في غير الأموال، فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق. قال
التوربشتي: وجه هذا الحديث عند من لا يرى القضاء باليمين والشاهد الواحد على المدعى
(١) الجامع الصغير ١٥٤/١ الحديث رقم ٢٥٧٠.
(٢) الجامع الصغير ١٥٤/١ الحديث رقم ٢٥٧١.
الحديث رقم ٣٧٦٢: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠٦/٥ الحديث رقم ٢٤٥٧، ومسلم في ٤/ ٢٠٥٤
الحديث رقم ٢٦٦٨/٥، والترمذي في ١٩٨/٥ الحديث رقم ٢٩٧٦، والنسائي في ٨/ ٢٤٧
الحديث رقم ٥٤٢٣، وأحمد في المسند ٥٥/٦.
(٣) ليس عند ابن ماجه وإنما أخرجه أيضاً النسائي.
الحديث رقم ٣٧٦٣: أخرجه مسلم في الصحيح ١٣٣٧/٣ الحديث رقم ١٧١٢/٣، وأبو داود في السنن ٤/
٣٣ الحديث رقم ٣٦٠٨، وابن ماجه في ٧٩٣/٢ الحديث رقم ٢٣٧٠ وأحمد فى المسند ٣١٥/١.
۴ر۵"
+ +۔۔۔
:جوة
• يحدد
٤
PARa
٫٠٣٤٠
٣٠٤
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
رواه مسلم.
٣٧٦٤ - (٧) وعن عَلقمةَ بنِ وائلٍ رضي الله عنه الحضرمي
عليه إنه يحتمل أن يكون قضى بيمين المدعى عليه بعد أن أقام المدعي شاهداً واحداً، أو عجز أن
يتم البينة، وذلك لأن الصحابة لم تبين في حديثه صفة القضاء؛ وقد روى ابن عباس بطرق مرضية
أن النبي وَ ل﴾ قضى باليمين مع الشاهد، وهذه الرواية تقوّي ذلك الاحتمال، فلا يترك بعد وجود
ذلك الاحتمال ما ورد به التنزيل قال الله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة - ٢٨٢] فلما ورد التوفيق بذلك لم يروا أن يحكموا بأقل من ذلك
إلا بدليل مقطوع به، واستدلوا أيضاً بحديث علقمة بن وائل الذي يتلو حديث ابن عباس رضي الله
عنهما هذا، وذلك قوله ◌َ له: ((ألك بينة، قال: لا. قال: فلك يمينه، فلما أعاد إليه القول قال:
ليس لك إلا ذلك، قال الطيبي: قوله إلا بدليل. مقطوع به، يقال له هل يجاء بأقطع من هذا
الحديث صحة ونصاً، أما الصحة، فقد رواه مسلم في صحيحه، قال ابن عبد البر: لا مطعن
لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته، قلت: الشيخ عارف بصحته غير طاعن
في إسناده، وإنما كلامه أن هذا دليل ظني لا يعارض الدليل القطعي، لا سيما مع وجود الاحتمال
لا يصلح للاستدلال؛ وقال الشيخ محيي الدين: وجاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية
علي وابن عباس [وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وعمارة بن خرم، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن
عمرو والمغيرة] رضوان الله (تعالى] عليهم أجمعين، وهو حجة جمهور علماء الإسلام من
الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار اهـ؛ ولا يخفى أن هذا كله لا يصلح أن يكون
جواباً عن كلام الشيخ التوربشتي لاختلاف النقول عن الصحابة والتابعين من غير المذكورين،
وهو يفيد [نفي] القطع قطعاً، فلا يصلح أن يعارض الكتاب والله أعلم بالصواب؛ قال: وأما ظاهر
النص فإن قضي يستعمل بالباء واللام، وعلى والباء للسببية، فإن قلت قضى للمدعي على المدعى
عليه بسبب البينة واليمين استقام وصح، ولو قلت قضى للمدعي على المدعى عليه بسبب يمينه
وشاهد المدعى أبعدت المرمى، قلت: الشيخ عارف بهذا المعنى، وقائل بهذا المبنى لكنه ينفي
النص في المدعي، فلا يبتعد عن المرمى، ثم قال: وأما قوله، ألك بينة؟ التنكير فيه للشيوع أي
ألك بينة مّا فقوله لا يريد به أنه ليس لي بينة أصلاً، فكيف يستدل به على المطلوب، إذ لو [كان
له] شاهد واحد لم يقل للمدعي فلك يمينه، بل فعليك اليمين، قلت: هذا غفلة له من أن البيئة لا
تطلق شرعاً على شاهد واحد إذا لو كانت تطلق عليه لقال: ألك شاهد، ولأن أل في البينة واليمين
للاستغراق في قوله {َّليه: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) أي جميع البينات في جانب
المدعي وجميع الأيمان في جانب المنكر، وهذا هو التحقيق والله ولي التوفيق. (رواه مسلم).
٣٧٦٤ - (وعن علقمة بن وائل رضي الله عنه) أي ابن حجر (الحضرمي) وقد سبق ذكره
الحديث رقم ٣٧٦٤: أخرجه مسلم في صحيحه ١٢٣/١ الحديث رقم (٢٢٣ - ١٣٩)، والترمذي في ٣/
٦٢٥ الحديث رقم ١٣٤٠.
٣٠٥
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
عن أبيهِ، قال: جاءَ رجلٌ منْ حضرموتَ، ورجلٌ منْ كِندَةً إِلى النبيِّ وَلِّ، فقال الحضرميُّ:
يا رسول اللّهِ! إِنَّ هذا غلبَني على أرضٍ لي. فقال الكِتْدِيُّ: هيَ أرضي وفي يدي، ليسَ له
فيها حقٌّ. فقال النبيُّ وَلَ للحضرميُّ: ((أَلَكَ بِيِّنةٌ؟)) قال: لا قال: «فلكَ يمينُه)) قال: يا
رسولَ الله! إِنَّ الرَّجلَ فاجِرٌ، لا يُبالي على ما حلَفَ عليهِ، وليسَ يتورَّعُ منْ شيءٍ. قال:
(ليسَ لكَ منه إِلاَّ ذلكَ)). فانطلقَ ليحلِفَ. فقال رسولُ اللهِ وَلَه لما أذبرَ: ((لئنْ حلفَ على
مالِهِ لِيأكلَهُ ظُلماً؛ ليَلْقَينَّ اللَّهَ وهوَ عَنه مُعْرِضٌ)). رواه مسلم.
٣٧٦٥ - (٨) وعن أبي ذرّ [رضي اللَّهُ عنه]، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ وَّل يقول: ((مَنِ
ادعی ما ليسَ
(قال: جاء رجل من حضرموت) بسكون الضاد، والواو بين فتحات، ومر تحقيقه وهو موضع
من أقصى اليمن (ورجل من كندة) بكسر فسكون أبو قبيلة من اليمن (إلى النبي وَّقر فقال
الحضرمي: يا رسول الله وَلو إن هذا غلبني على أرض لي) أي بالغصب والتعدي (قال الكندي:
هي أرضي)؛ أي ملك لي (وفي يدي) أي وتحت تصرفي (ليس له فيها حق) أي من الحقوق
(فقال للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه! قال:) أي الحضرمي (يا رسول الله إن
الرجل) أي الكندي (فاجر) أي كاذب (لا يبالي على ما حلف عليه) صفة كاشفة الفاجر (وليس
يتورع من شيء) أي مع هذا (قال: ليس لك منه إلا ذلك)؟ وفي نسخة إلا ذاك أي ما ذكر من
اليمين (فانطلق) أي فذهب الكندي (ليحلف) أي على قصد أن يحلف (فقال رسول الله وَالت، لما
أدبر) أي حين ولي على هذا القصد (لئن حلف على ماله) أي مال الحضرمي (ليأكله ظلماً ليلقين
الله وهو عنه معرض)؛ قال الطيبي: هو مجاز عن الاستهانة به والسخط عليه والإبعاد عن رحمته
نحو قوله تعالى: ﴿لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾ [آل عمران - ٧٧] ((وغلبني على)
أي غضباً مني قهراً قال النووي، وفي رواية على أرض لأبي، وفيه أنواع من الفوائد منها، إن
صاحب اليد أولى من أجنبي يدعي عليه، ومنها أن المدعى عليه تلزمه اليمين إذا لم يقر، ومنها أن
البينة تقدم على اليد، ويقضي لصاحبها بغير يمين، ومنها أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين
العدل، وتسقط عنه المطالبة بها، ومنها أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه أنه ظالم أو فاجر أو
نحوه في حال المخاصمة يحتمل ذلك منه، ومنها أن الوارث إذا ادعى شيئاً لمورثه وعلم الحاكم
أن مورثه مات ولا وارث له سواه جازا الحكم له به، ولم يكفله آل الدعوى ببينة على ذلك،
وموضع الدلالة أنه قال: غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقد أقر بأنها كانت لأبيه فلولا أن
النبي وَلقر علم بأنه ورثها وحده لطالبه ببينة على كونه وارثاً، وببينة أخرى على كونه محقاً في
دعواه علی خصمه (رواه مسلم) وسیأتي له تتمة في حديث أبي داود.
٣٧٦٥ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه عنه أنه سمع رسول الله وَّ ر يقول ((من ادعى ما ليس
الحديث رقم ٣٧٦٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٧٩/١ الحديث رقم (١١٢ - ٦١)، وابن ماجه في ٢/
٧٧٧ الحديث رقم ٢٣١٩.
٣٠٦
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
له؛ فليسَ منَّا، ولْيتبَوَّأ مقعَدَه منَ النَّارِ)). رواه مسلم.
٣٧٦٦ _ (٩) وعن زيدٍ بن خالدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّ: ((أَلاَ أُخبرُكم بخيرٍ
الشّهداءِ؟ الذي يأتي بشهادتِه قبلَ أنْ يُسألَها)». رواه مسلم.
٣٧٦٧ _ (١٠) وعن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله: ((خيرُ النَّاسِ قرْني
له))) أي متعمداً (فليس منا) أي معشر أهل الجنة (فليتبوأ مقعده من النار) قيل أمر معناه الخبر
(رواه مسلم) ورواه ابن ماجه.
٣٧٦٦ - (وعن زيد بن خالد رضي الله عنه) أي الجهني لم يذكره المؤلف (قال: قال
رسول الله ◌َر؛ ألا أخبركم بخير الشهداء) جمع شاهد (الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)
بصيغة المجهول أي قبل أن تطلب منه الشهادة. قال النووي: فيه تأويلان أصحهما
وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي، أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق،
ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له لأنها أمانة له عنده،
والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة في غير حقوق الآدميين، كالطلاق والعتق،
والوقف، والوصايا العامة، والحدود ونحو ذلك؛ فمن علم شيئاً من هذا النوع، وجب
عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به قال تعالى: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ [الطلاق - ٢] وحكي
تأويل ثالث أنه محمول على المبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها كما يقال الجواد يعطي قبل
السؤال أي يعطي سريعاً عقيب السؤال من غير توقف وليس في هذا الحديث مناقضة
للحديث الآخر من قوله وَ ل *: يشهدون ولا يستشهدون، قال أصحابنا: إنه محمول على من
معه شهادة لا يسأل، وهو عالم بها، فيشهد قبل أن يطلب منه، وقيل إنه شاهد زور فيشهد
بما لا أصل له، ولم يستشهد، وقيل هو الذي انتصب شاهد أو ليس هو من أهل الشهادة
... /
٤) (رواه مسلم)، وكذا مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وروى الطبراني عنه بلفظ خير
أ الشهادة ما شهد بها صاحبها قبل أن يسألها، ورواه ابن ماجه عنه بلفظ ((خير الشهود من
أدى شهادته قبل أن يسألها))(١).
٣٧٦٧ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلقر: ((خير الناس قرني)))
م زين التخسيس
الحديث رقم ٣٧٦٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٤٤/٣ الحديث رقم (١٩ - ١٧١٩) وأخرجه أبو داود
في السنن ٢١/٤ الحديث ٣٥٩٦، والترمذي في ٤٧٢/٤ الحديث رقم ٢٢٩٥، وابن مالك في
٧٢٠/٢ الحديث رقم ٣ من كتاب الأقضية، وأحمد في المسند ١٩٣/٥.
(١) أخرجه ابن ماجه ٢/ ٧٩٢ الحديث رقم ٢٣٦٤.
الحديث رقم ٣٧٦٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٣ الحديث رقم ٣٦٥١، ومسلم في ٤/ ١٩٦٤
الحديث رقم (٢١٢ - ٢٥٣٣) والترمذي في السنن ٤/ ٦ الحديث رقم ٢٣٠٣، وابن ماجه في ٢/
٧٩١ الحديث رقم ٢٣٦٢، وأحمد في المسند ٤٤٢/١.
Just
٣٠٧
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
ب ٠٫٠
ثمَّ الذينَ يَلونهمْ، ثمَّ الذينَ يَلونَهم، ثمَّ يجيءُ قومٌ تَسبِقُ شهادة أحدِهمْ يمينَه، ويمينُه(٤)
شهادته)). متفق عليه.
٣٧٦٨ _ (١١) وعن أبي هريرةَ [رضي اللَّهُ عنه]، أنَّ النبيَّ وَّ عرَضَ على قوم
اليَمينَ، فأسرعوا، فأمرَ أنْ يُسْهَمَ بينَهُمْ في اليَمِينِ أَيُّهُمْ يخلِفُ.
أي أصحابي، وقيل كل من كان حياً في زمانه بَ ل﴿، وفي النهاية القرن أهل كل زمان، وهو
مقدار التوسط في إعمار كل زمان مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك
الزمان في أعمارهم وأحوالهم اهـ؛ وقيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون، وقيل: ستون، وقيل:
سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، روي أنه صلى الله [تعالى] عليه وسلم مسح رأس غلام
وقال: عش قرناً فعاش مائة سنة، ذكره ابن الملك (ثم الذين يلونهم) أي يقربونهم في الخير
كالتابعين (ثم الذين يلونهم) كاتباع التابعين (ثم يجيء قوم) وفي رواية أقوام (تسبق شهادة
أحدهم يمينه ويمينه) بالرفع أي، وتسبق يمينه (شهادته) قيل ذلك عبارة عن كثرة شهادة الزور،
واليمين الفاجرة، وقال القاضي: هم الذين يحرصون على الشهادة مشغوفين بترويجها يحلفون
على ما يشهدون به، فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة، وتارة يعكسون. وقال المظهر: هذا!
يحتمل أن يكون مثلاً في سرعة الشهادة واليمين، وحرص الرجل عليهما، والإسراع فيهما،
حتى لا يدري أنه بأيهما يبتدىء، وكأنه تسبق شهادته يمينه، ويمينه شهادته من قلة مبالاته
بالدين؛ قال النووي: واحتج به المالكية في رد شهادة من حلف معها، والجمهور على أنها لا
ترد (متفق عليه). ورواه أحمد والترمذي، ورواه الطبراني عنه بلفظ خير الناس قرني، ثم
الثاني، ثم الثالث، ثم يجيء قوم لا خير فيهم، وروى الطبراني والحاكم في مستدركه، عن (
جعدة بن هبيرة، ولفظه ((خير الناس قرني الذي أنا فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم،(
والآخرون أراذل)»(١). وفي رواية لمسلم خير الناس قرني الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم
الثالث (٢).
٣٧٦٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌ِّر عرض على قوم اليمين فأسرعوا) أيّ
فبادروا إلى اليمين (فأمر أن يسهم) أي يقرع (بينهم في اليمين أيهمُ) بالرفع (يحلف) قال
can
الا، لا
المظهر: صورة المسألة أن رجلين إذا تداعيا متاعاً في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة، أو لكل
واحد منهما بينة، وقال الثالث. لا أعلم بذلك، يعني أنه لكما أو لغيركما، فحكمها أن يقرع
بين المتداعيين، فأيهما خرجت له القرعة يحلف معها ويقضي له بذلك المتاع، وبهذا قال علي
رضي الله عنه، وعند الشافعي يترك في يد الثالث، وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٩١.
(٢) أخرجه مسلم عن عائشة في ١٩٦٥/٤ الحديث رقم (٢١٦ - ٢٥٣٦).
الحديث رقم ٣٧٦٨: أخرجه البخاري في صحيحه. ٣٣٧/٥ الحديث رقم ٢٦٧٤.
جهدم
فهوم
٣٠٨
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
رواه البخاري .
الفصل الثاني
٣٧٦٩ - (١٢) عن عمرو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ وَِّ قال البَيْنَةُ
على المدَّعي، واليمينُ على المدَّعى عليهِ)) رواه الترمذي.
٣٧٧٠ - (١٣) وعن أمّ سلمةَ [رضي اللهُ عنها]، عن النبيِّ وَّ: في رجُلينِ اختصَما
إِليهِ في مَواريثَ لم تكنْ لهُما بيِّنةٌ إِلاَّ دغواهُما. فقال: ((مَنْ قضيتُ له بشيءٍ منْ حقِّ أخيهِ؛
فإِنَّما أقطَعُ له قِطعةً منَ النَّارِ) فقال الرَّجُلانِ: كلُّ واحدٍ منهما: يا رسولَ اللَّهِ! حقّي هذا
لصاحبي فقال: ((لا ولکنِ اذهَبا، فاقتسِما، وتوخّیا
نصفين، وقال ابن الملك، وبقول علي قال أحمد والشافعي، في أحد أقواله، وفي قوله
والآخر، وبه قال: أبو حنيفة أيضاً أنه يجعل بين المتداعيين نصفين مع يمين كل منهما، وفي
قول آخر يترك في يد الثالث قلت: وحديث أم سلمة الآتي يؤيد مذهب أبي حنيفة ومن تبعه
والله أعلم. (رواه البخاري).
(الفصل الثاني)
٣٧٦٩ - (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم) أي ابن عمرو (أن النبي
وَساخر قال: ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه)). رواه الترمذي) ورواه البيهقي وابن
عساكر عنه بلفظ البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة.
٣٧٧٠ - (وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي 18 في رجلين اختصما في
مواريث) جمع موروث أي تداعيا في أمتعة (فقال: أحدهما هذه لي ورثتها من مورثي،
وقال الآخر: كذلك لم يكن لهما بينة) صفة أخرى لرجلين (إلا دعواهما) إلا هنا، بمعنى
غير أو الاستثناء منقطع، قال الطيبي: هو من باب التعليق بالمحال مبالغة، كقوله تعالى:
﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان - ٥٦] أي لم تكن لهما بينة إلا
الدعوى، وقد علم أن الدعوى ليست ببينة، فيلزم أن لا يكون لهما بينة قط. (فقال: من
قضيت له بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فقال الرجلان: كل واحد
منهما) بدل من الرجلان أي قال: كل واحد من الرجلين: (يا رسول الله حقي هذا
لصاحبي، فقال: لا) أي لا يتصوّر هذا إذ لا يمكن أن يكون شيء واحد لشخصين
استقلالاً، (ولكن اذهبا فاقتسما) أي نصفين على سبيل الاشتراك (وتوخيا) بتشديد الخاء
الحديث رقم ٣٧٦٩: أخرجه الترمذي في السنن ٦٢٦/٣ الحديث رقم ١٣٤١.
الحديث رقم ٣٧٧٠: أخرجه أبو داود في السنن ١٤/٤ الحديث رقم ٣٥٨٤، وأحمد في المسند ٦/ ٢٣٠.
٣٠٩
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
الحقِّ، ثمَّ اسْتهِمَا، ثم لْيُحلِّلْ كلُّ واحدٍ منكُما صاحبَه)). وفي رواية، قال: ((إِنَّما أقضي
بينكما برأيي فيما لم يُنزَلْ عليَّ فيهِ)) رواه أبو داود.
٣٧٧١ - (١٤) وعن جابرٍ بن عبدِ الله: أنَّ رجُلينٍ تداعَيا دابَّةٌ، فأقامَ كلَّ واحدٍ
منهُما البيِّنةَ أنَّها دابَّتُه نتَجَها، فقضى بها رسولُ اللهِ وَلَّ للذي في يدِهِ. رواه في ((شرح
السنة)).
المعجمة أي اطلبا (الحق) أي العدل في القسمة، واجعلا المتنازع فيه نصفين (ثم استهما)
أي اقترعا لتبين الحصتين إن وقع التنازع بينكما (ليظهر) أي القسمين وقع (في نصيب كل
منكما) وليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة (ثم ليحلل) بتشديد اللام أي
ليجعل حلالاً (كل واحد منكما صاحبه) أي فيما يستحقه؛ والظاهر أن هذا من طريق الورع
والتقوى لا من باب الحكومة والفتوى، وقيل توخيا في معرفة [مقدار] الحق، وهذا يدل
على أن الصلح لا يصح إلا في شيء معلوم، والتوخي إنما يفيد ظناً فضم إليه القرعة،
وهي نوع من البينة ليكون أقوى، وأمر بالتحليل ليكون افتراقهما عن تعين براءة وطيب
نفس اهـ. وفيه إن البراءة المجهولة تصح عندنا، فهو محمول على سلوك سبيل الاحتياط
والله أعلم. (وفي رواية قال: إنما أقضي بينكما برأيي، فيما لم ينزل علي فيه) بصيغة
المجهول من الإنزال ويجوز وجهان آخران (رواه أبو داود) وقد تقدم ما يؤيده من
الروايات، وفيه دلالة على وقوع اجتهاده وَطّر.
٣٧٧١ - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رجلين تداعيا دابة) أي اختصما
فيها (فأقام كل واحد منهما البيئة أنها دابته نتجها) بالتخفيف ومصدره النتج أي أرسل عليها
الفحل، وولدها وولى نتاجها، (فقضى بها) أي فحكم بالدابة (رسول الله وَلير: للذي في
يده) قيل: دل على أن بينة ذي اليد مقدمة على بينة غيرها مطلقاً، والظاهر أنه في صورة
النتاج في شرح السنة قالوا: إذا تداعى رجلان دابة أو شيئاً وهو في يد أحدهما، فهو
لصاحب اليد، ويحلف عليه ألا أن يقيم الآخر بينة، فيحكم له به، فلو أقام كل واحد
منهما بينة ترجح بينة صاحب اليد؛ وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن بينة ذي اليد غير
مسموعة، وهو للخارجي إلا في دعوى النتاج إذا ادعى كل واحد أن هذه الدابة ملكه
نتجها، وأقام بينة على دعواه يقضي بها لصاحب اليد، وإن كان الشيء في أيديهما، فتداعيا
حلفا وكان بينهما مقسوماً بحكم اليد، وكذلك لو أقام كل واحد بينة (رواه) أي صاحب
المصابيح (في شرح السنة) أي بإسناده، ورواه الشافعي والبيهقي.
الحديث رقم ٣٧٧١: أخرجه البغوي في شرح السنة ١٠١/١٠ الحديث رقم ٢٥٠٤، والدارقطني في السنن
٢٠٩/٤ الحديث رقم ٢١.
٢٠٠٠
٣١٠
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
٣٧٧٢ - (١٥) وعن أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ رجُلينٍ آدَّعيا بعيراً على عهدٍ رسولٍ
اللَّهِ وَهَ، فبعثَ كلُّ واحدٍ منهُما شاهدَينٍ، فقسَمه النبيُّ ◌َّر بينهما نصفينٍ. رواه أبو داود
وفي رواية له وللنسائيٌّ، وابنِ ماجه: أنَّ رجُلينِ اذَّعَيا بعيراً ليستْ لواحدٍ منهُما بيِّنَةٌ، فجعلَهُ
النبيُّ وَّ بينهما.
٣٧٧٣ - (١٦) وعن أبي هريرةً، أنَّ رجُلينِ اختَصما في دابَّةٍ، وليسَ لهما بيِّنةٌ فقال
النبيُّ وَّهِ: ((استهِما على اليَمِينِ)) رواه أبو داود، وابنُ ماجه.
٣٧٧٤ - (١٧) وعن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ بَّر قال لرجلٍ حلّقه: «احْلِفْ باللَّهِ الذي لا
إِلهَ إِلَّ هوَ، ما لَه عندَكَ شيءٌ)) يعني للمدَّعي. رواه أبو داود.
٣٧٧٢ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلين ادعيا بعيراً على عهد رسول
الله ◌َ﴿ فبعث) أي أقام (كل واحد منهما شاهدين) أي على طبق مدعاه ووفق دعواه (فقسمه
النبي (َ﴾ بينهما نصفين)، قال الخطابي: يشبه أن يكون البعير في أيديهما، قلت: أو في يد
ثالث غير منازع لهما، (رواه أبو داود في رواية له وللنسائي وابن ماجه) أي من حديث أبي
موسى أيضاً (إن رجلين ادعيا بعيراً ليست لواحد منهما بينة) يجوز أن تكون القصة متحدة،
ويجوز أن تكون متعددة، إلا أن الشهادتين لما تعارضتا تساقطتا، فصارا كمن لا بينة لهما،
فالمعنى ليست لأحدهما بينة مرجحة على الأخرى، (فجعله النبي ◌َّ- بينهما) قال ابن الملك:
هذا يدل على أنه لو تداعى اثنان شيئاً ولا بينة لواحد منهما أو لكل منهما بينة وكان المدعى به
في أيديهما، أو لم يكن في يد أحدهما ينصف المدعى به بينهما؛ وقال الطيبي: هذا مطلق
يحمل على المقيد الذي يليه في قوله: استهما على اليمين.
٣٧٧٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلين اختصما في دابة وليس لهما بينة فقال
النبي ◌َّ أستهما على اليمين) أي اقترعا وهذا مثل ما تقدم من حديث أبي هريرة في آخر
الفصل الأوّل، ويمكن أن يكون معناه استهما نصفين على يمين كل واحد منكما (رواه أبو داود
وابن ماجه) وكذا النسائي.
٣٧٧٤ - (وعن ابن عباس [رضي الله عنهما] أن النبي ◌َير قال لرجل حلفه) بتشديد اللام
أي أراد النبي تحليفه (احلف) بصيغة الأمر (بالله الذي لا إله إلا هو ما له) أي ليس له (عندك
شيء يعني) أي يريد النبي ◌ُّ بقوله له في ما له (للمدعي رواه أبو داود).
تاره
الحديث رقم ٣٧٧٢: أخرجه أبو داود في السنن ٣٧/٤ الحديث رقم ٣٦١٥، والنسائي في ٢٤٨/٨
الحديث رقم ٥٤٢٤، وابن ماجه في ٢/ ٧٨٠ الحديث رقم ٢٣٣٠.
الحديث رقم ٣٧٧٣: أخرجه أبو داود في السنن ٤٠/٤ الحديث رقم ٣٦١٨، وابن ماجه في ٧٨٦/٢
الحديث رقم ٢٣٤٦، وأحمد في المسند ٢٨٩/٢.
الحديث رقم ٣٧٧٤: أخرجه أبو داود في السنن ٤١/٤ الحديث رقم ٣٦٢٠.
٣١١
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
٣٧٧٥ - (١٨) وعن الأشعثِ بنِ قيسٍ، قال: كانَ بيني وبينَ رجلٍ من اليهودِ أرضٌ،
فَجَحَدني، فقدَّمتُهُ إِلى النبيِّ وََّ، فقال: ((ألْكَ بِيِّنَةٌ؟)) قلتُ: لا. قال لليهوديّ: ((احلِفْ))
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! إِذَنْ يحلِفَ ويذهبَ بمالي، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ يشترونَ بعهدٍ
اللَّهِ وأَيمانِهِم ثمناً قليلاً﴾ الآية. رواه أبو داود، وابن ماجه.
٥.٥٠
٣٧٧٦ - (١٩) وعنه، أنَّ رجلاً من كِنْدَةً، ورجلاً من حضرَموتَ، اختَصَما إِلى
رسولِ اللَّهِ وَ﴿ في أرضٍ من اليمن. فقالَ الحضرميُّ: يا رسولَ اللَّهِ! إِنَّ أرضي اغتَصَبنيها
أبو هذا
١٠ مجم/
٣٧٧٥ - (وعن الأشعث بن قيس رضي الله عنه) أي ابن معدي كرب كنيته أبو محمد
الكندي قدم على النبي ◌َّر في وفد كندة وكان رئيسهم، وذلك في سنة عشر، وكان رئيساً في
الجاهلية مطاعاً في قومه، وكان وجيهاً في الإسلام وارتد عن الإسلام ثم رجع إلى الإسلام،
في خلافة أبي بكر ونزل الكوفة، ومات بها سنة أربعين وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله
عنهما. رواه عنه نفر، كذا ذكره المؤلف، فهو صحابي عند الشافعي تابعي عندنا لبطلان صحبته
بالردة (قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض) أي متنازع فيها (فجحدني) أي أنكر عليّ
(فقدمته) بالتشديد أي جئت به ورافعت أمره (إلى النبي ◌َّله فقال: ألك بينة؟ قلت: لا. قال
لليهودي: احلف)، في شرح السنة، فيه دليل على أن الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف
المسلم. (قلت: يا رسول الله إذن) بالنون (يحلف) بالنصب (ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى)
أي في مثل هذه القضية لما سبق من حديث ابن مسعود (﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم
ثمناً قليلاً﴾ الآية (١)) أي إلى آخرها، قال الطيبي: فإن قلت كيف يطابق نزول هذه الآية قوله:
إذن يحلف ويذهب بمالي قلت: فيه وجهان، أحدهما، كأنه قيل للأشعث: ليس لك عليه إلا
الحلف، فإن كذب فعليه وباله، وثانيهما لعل الآية تذكار لليهودي بمثلها في التوراة من الوعيد
(رواه أبو داود وابن ماجه) قال السيد جمال الدين: أصل الحديث إلى قوله: ويذهب بمالي عند
الجماعة، وقال الطيبي: قد جاء آخر هذا الحديث في أكثر نسخ المصابيح صح أو صحيح
وليس في سنن أبي داود وابن ماجه وشرح السنة ذلك(٢).
٣٧٧٦ - (وعنه) أي عن الأشعث (أن رجلاً من كندة ورجلاً من حضرموت اختصما إلى
رسول الله وَّر في أرض من اليمن فقال الحضرمي: يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا)؛
الحديث رقم ٣٧٧٥: أخرجه أبو داود في السنن ٤١/٤ الحديث رقم ٣٦٢١، والترمذي في ٢٠٨/٥
الحديث رقم ٢٩٩٦، وابن ماجه في ٧٧٨/٢ الحديث رقم ٢٣٢٢، وأحمد في المسند ٢١١/٥.
(١) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
(٢) وأخرجه الشيخان في قصة البخاري في ٧٣/٥ الحديث رقم ٢٤١٦ ومسلم في ١٢٢/١ الحديث رقم
(٢٢٠ - ١٣٨).
الحديث رقم ٣٧٧٦: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٤٢ الحديث رقم ٣٦٢٢، وأحمد فى المسند ٢١٢/٥.
أجور
கலர்
ئر۔۔ ۔
ريس
م٦٥٧
٣٠/١٠١٦
٣١٢
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
وهي في يَدِهِ. قال: ((هلْ لكَ بيِّنةٌ؟)) قال: لا، ولكن أُحلِّفُه، واللَّهِ ما يَعْلَمُ أنها أرضي
اغتَصَبنيها أبوه؟ فتهيّأ الكِنْدِيُّ لليمينِ. فقال رسولُ اللَّهِ وَله: ((لا يقطَعُ أحدٌ مالاً بيمين، إِلا
لقيَ اللَّهَ وهوَ أْذَمُ)) فقال الكْدِيُّ: هي أرضُهُ. رواه أبو داود.
٣٧٧٧ - (٢٠) وعن عبدِ اللَّهِ بنِ أُنَّيْسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ أكبرِ
الكبائرِ الشركَ باللَّهِ، وعقوقَ الوالدينِ، واليمينَ الغموسَ، وما حلفَ حالفٌ باللَّهِ يمينَ
صبرٍ، فأدخلَ فيها مِثْلَ جناح بعوضةٍ، إِلاَّ جُعِلَتْ نُكتةً في قلبِهِ إِلى يوم القيامة)).
وفي نسخة اغتصبها أبوه (وهي في يده) أي الآن (قال)، وفي نسخة فقال: (هل لك بينة قال:
لا، ولكن احلفه) بتشديد اللام (والله ما يعلم) قال الطيبي: هو اللفظ المحلوف به أي أحلفه
بهذا، والوجه أن تكون الجملة القسيمة منصوبة المحل على المصدر أي أحلفه هذا الحلف
(أنها أرضي) بفتح إنها في النسخ المصححة، ووقع في نسخة السيد بكسر إنها، والظاهر أنه
سهوة لم من الناسخ (اغتصبنيها)؛ وفي نسخة اغتصبها (أبوه فتهيأ الكندي لليمين) أي أراد أن
يحلف (فقال رسول الله وَلي: لا يقطع أحد مالاً) أي عن أحد (بيمين) أي بسبب يمين فاجرة
(إلا لقي الله وهو أجذم) أي مقطوع اليد أو البركة أو الحركة أو الحجة؛ وقال الطيبي: أي أجذم
الحجة لا لسان يتكلم، ولا حجة في يده يعني ليكون له عذر في أخذ مال مسلم ظلماً وفي
حلفه كاذباً، (فقال الكندي: هي أرضه، رواه أبو داود).
٣٧٧٧ - (وعن عبد الله بن أنيس) بالتصغير وهو الجهني الأنصاري شهد أحداً، وما
بعدها، روى عنه أبو أمامة وجابر وغيرهما، ومات سنة أربع وخمسين بالمدينة (قال: قال
رسول الله : ((إن من أكبر الكبائر الشرك))) بالنصب، فنفي الصانع أولى أو المراد به
مطلق الكفر إلا أنه عبر عنه به، لأنه الغالب في الكفرة، ومن زائدة على مذهب من يجوّزه
في الإثبات كالأخفش، أو دخول من باعتبار مجموع المعطوف والمعطوف عليه، وإلا
فالشرك هو أكبر الكبائر، لا من جملته (وعقوق الوالدين) عطف على الشرك، والمراد به
مخالفة أحدهما على نهج لا يحتمل مثله من مثل الولد عادة، (واليمين الغموس) أي
الحلف على ماض كذباً متعمداً، سميت به لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار،
وفعول للمبالغة؛ وفي النهاية هي اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقطع بها الحالف مال غيره
(وما حلف حالف بالله يمين صبر فادخل) أي الحالف (فيها) أي في تلك اليمين (مثل
جناح بعوضة) بفتح الجميم أي ريشها، والمراد أقل قليل والمعنى شيئاً يسيراً من الكذب
والخيانة، ومما يخالف ظاهره باطنه لأن اليمين على نية المستحلف (إلا جعلت) أي تلك
اليمين (نكتة) أي سوداء أي أثراً قليلاً (في قلبه) كالنقطة تشبه الوسخ في نحو المرآة
والسيف (إلى يوم القيامة). قال الطيبي: معنى الانتهاء إن أثر تلك النكتة التي هي من
الحديث رقم ٣٧٧٧: أخرجه الترمذي في السنن ٥/ ٢٢٠ الحديث رقم ٣٠٢٠، وأحمد في المسند ٤٩٥/٣.
٣١٣
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
٣٧٧٨ _ (٢١) وعن جابرٍ، قالَ: قال رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لاَ يخلِفُ حدّ عندَ منبري
هذا على يمينٍ آئمةٍ، ولو عَلَى سواكٍ أخضرَ إِلاَّ تبوَّأَ مقعدَهُ مَنَ النَّارِ، أو وجبَتْ لهُ النَّارُ)).
رواه مالك، وأبو داود، وابن ماجه.
الرين يبقى أثرها إلى يوم القيامة ثم بعد ذلك يترتب عليها وبالها، والعقاب عليها، فكيف
إذا كان كذباً محضاً وإنما ذكر وَالر ثلاثة أشياء، وخص الأخيرة منها بالوعيد ليؤذن بأنها
منها، وداخلة في أكبر الكبائر حذراً من احتقار الناس لها زعماً منهم أنها ليست من الكبائر
مثلها، ونحوه في الإلحاق قوله وَ طهر في حديث خريم بن فاتك: عدلت شهادة الزور
بالإشراك بالله (رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب)؛ ورواه أحمد وابن حبان
والحاكم(١).
٣٧٧٨ - (وعن جابر رضي الله عنه قال ◌َّ *: لا يحلف أحد عند منبري هذا) لعله
احتراز من منبر مكة (على يمين آثمة) أي كاذبة سميت بها كتسميتها فاجرة اتساعاً، حيث
وصفت بوصف صاحبها أي ذات إثم، قال ابن الملك: قيد الحلف بكونه عند المنبر تغليظاً
لشأن اليمين، وتعظيمه، وشرفه، وإلا فاليمين الآثمة موجبة للسخط حيث وقعت لكن في
الموضع الشريف أكثر إثماً. وقال التوربشتي: وجه ذكر المنبر فيه عند من يرى ذلك تغليظاً
في اليمين ظاهر، وأما عند من لا يرى التغليظ يتأتى في شيء من الأزمنة والأمكنة، فالوجه
فيه أن يقال: إنما جرى ذكر المنبر لأنهم كانوا يتحاكمون ويتحالفون يومئذ في المسجد،
فاتخذوا الجانب الأيمن منه وهناك المنبر محلاً للأقضية، فذكر في الحديث على ما كان
وأرى هذا تأويلاً حسناً لا نرى العدول عنه لئلا يفتقر أن يعدل بالحلف بالله شيئاً، واليمين
الآثمة موجبة لسخط الله ونكاله على أية صفة كانت. قال الطيبي: ولناصر القول الأوّل أن
يقول: وصف المنبر باسم الإشارة بعد إضافته إلى نفسه ليس إلا للتعظيم، وإن للمكان
مدخلاً في تغليظ اليمين، وقوله (ولو على سواك أخضر) تتميم بمعنى التحقير في السواك لأنه
لا يستعمل إلا يابساً (إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له النار)؛ شك من الراوي، أو
للتنويع بأن يكون الأوّل وعيداً للفاجر، والثاني للكافر؛ قال الطيبي: يعني أن مثل هذا
المحلوف عليه الذي لا يعتد به لليمين، بل يعد لغواً بحسب العرف، ولا يؤاخذ به إذا ترتب
عليه هذا الوعيد الشديد لأجل هذا المكان الرفيع، فكيف بما هو فوقه، وفيه أن الإيمان إنما
تصير مغلظة بحسب المكان والزمان، لا بحسب المحلوف عليه وإن كان عظيماً (رواه مالك
وأبو داود وابن ماجه).
الحديث رقم ٣٧٧٨: أخرجه أبو داود في السنن ٥٦٧/٣ الحديث رقم ٣٢٤٦، وابن ماجه في ٧٧٩/٢
الحديث رقم ٢٣٢٥، ومالك في الموطأ ٧٢٧/٢ الحديث رقم ١٠.
٣١٤
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
٣٧٧٩ - (٢٢) وعن خُريم بن فاتكٍ، قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ وَلهول صلاة الصبح، فَلَّما
أنصرَفَ، قامَ قائماً، فقال: ((عُدلتْ شهادةُ الزور بالإشراكِ باللَّهِ)) ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ قرأ:
﴿فاجتَنِبوا الرِّجْسَ من الأوثانِ واجتنبُوا قولَ الزورِ حنفاءَ للَّهِ غيرَ مشركينَ بهِ﴾. رواه أبو
داود، وابن ماجه .
٣٧٧٩ - (وعن خريم رضي الله عنه) بضم خاء معجمة، وفتح راء وسكون ياء (ابن فاتك)
بفاء بعدها ألف فتاء مثناة فوقية مكسورة، كذا قاله ابن الأثير في جامع، وقال المؤلف: هو
خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك عداده في الشاميين، وقيل في الكوفيين، روى
عنه جماعة. (قال ويليجر: صلاة الصبح فلما انصرف) أي عن الصلاة أو عن مجلسه (قام قائماً)
أي وقف حال كونه قائماً، أو قام قياماً؛ قال الطيبي: هو اسم الفاعل أقيم مقام المصدر، وقد
تقرر في علم المعاني أن في العدول عن الظاهر لا بد من نكتة، فإذا وضع المصدر موضع اسم
الفاعل نظر إلى أن المعنى تجسم وانقلب ذاتاً، وعكسه في عكسه، وكان قيامه وَلّ صار قائماً
على الإسناد المجازي كقولهم: ((نهاره صائم وليله قائم)). وذلك يدل على عظم شأن ما قام له
وتجلد وتشمر بسببه (فقال: عدلت شهادة الزور) بضم أوّله أي الكذب (بالإشراك بالله) أي
جعلت الشهادة الكاذبة مماثلة للإشراك بالله في الإثم لأن الشرك كذب على الله بما لا يجوز،
[وشهادة الزور كذب على العبد بما لا يجوز]، وكلاهما غير واقع في الواقع. قال الطيبي:
والزور من الزور والأزورار وهو الانحراف، وإنما ساوى قول الزور الشرك، لأن الشرك من
باب الزور فإن المشرك زاعم أن الوثن يحق العبادة (ثلاث مرات) أي قالها ثلاث مرات للتأکید
والمبالغة في الوعيد (ثم قرأ) أي استشهاداً واعتضاداً (﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾) من بيانية
أي النجس الذي هو الأصنام (﴿واجتنبوا قول الزور﴾) أي قول الكذب الشامل لشهادة الزور.
قال الطيبي: وفي التنزيل عطف قول الزور على عبادة الأوثان، وكرر الفعل استقلالاً فيما هو
مجتنب عنه في كونهما من وادي [الرجس] الذي يجب أن يجتنب عنه، وكأنه قال: فاجتنبوا
عبادة الأوثان [التي هي رؤوس الرجس]، واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا شيئاً منه لتماديه
في القبح والسماجة، وما ظنك بشيء من قبيل عبادة الأوثان، وسمى الأوثان رجساً على طريق
التشبيه يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن تنفروا من شبيه
الرجس مثل تلك النفرة، وقرر هذا المعنى تقريراً بعد تقرير بقوله: ﴿(حنفاء لله)﴾ فإنه حال
مؤكدة من الفاعل وأتبعه بقوله ﴿(غير مشركين به)﴾(١) دلالة على أن لا فرق بين الإشراك به،
وقول الزور، وأنهما سيان في الرجس الذي يجب أن يجتنب عنه، وفيه أن مراعاة حق العباد
معادلة لحق الله تعالى اهـ. وقوله: حنفاء جمع حنيف أي مائلين عن الباطل إلى الحق؛ وقيل
معناه مسلمين، فقوله: غير مشركين بيان أو تأكيد (رواه أبو داود وابن ماجه) أي عن خريم.
--- -------
الحديث رقم ٣٧٧٩: أخرجه أبو داود في السنن ٢٣/٤ الحديث رقم ٣٥٩٩، وابن ماجه ٧٩٤/٢ الحديث
رقم ٢٣٧٢.
(١) سورة الحج، الآية: ٣٠.
٣١٥
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
٣٧٨٠ - (٢٣) ورواه أحمد، والترمذي عن أيمن بن خُرَيم، إلا أنَّ ابن ماجه لم يذكر
القراءة .
٣٧٨١ - (٢٤) وعن عائشةَ [رضي الله عنها]، قالت: قالَ رسولُ اللَّهِ وَالَ: ((لا تجوزُ
شهادةُ خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا مجلودٍ حداً، ولا ذي غِمْرٍ على أخيهِ
٣٧٨٠ - (ورواه أحمد والترمذي عن أيمن) أي ضد أيسر (بن خريم إلا أن ابن ماجه لم
يذكر القراءة) أي قراءة الآية بخلاف الأئمة الثلاثة.
٣٧٨١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَلقول: لا تجوز) بالتأنيث
ويجوز تذكيره أي لا يصح (شهادة خائن ولا خائنة) أي المشهور بالخيانة في أمانات الناس دون
ما ائتمن الله عليه عباده من أحكام الدين؛ كذا قاله بعض علمائنا من الشراح، قال القاضي:
ويحتمل أن يكون المراد به الأعم منه، وهو الذي يخون فيما ائتمن عليه سواء ما ائتمنه الله عليه
من أحكام الدين أو الناس من الأموال قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول
وتخونوا أماناتكم﴾ [الأنفال ـ ٢٧] اهـ، فالمراد بالخائن هو الفاسق وهو من فعل كبيرة أو أصر
على الصغائر (ولا مجلود حداً) أي حد القذف؛ قال ابن الملك: هو من جلد في حد القذف،
وبه أخذ أبو حنيفة [رحمه الله] أن المجلود فيه لا تقبل شهادته أبداً وإن تاب؛ وقال القاضي:
أفرد المجلود حداً وعطفه عليه لعظم جنايته، وهو يتناول الزاني غير المحصن والقاذف
والشارب. قال المظهر: قال أبو حنيفة: إذا جلد قاذف لا تقبل شهادته [أبداً] وإن تاب، وأما
قبل الجلد فتقبل شهادته قلت: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم
يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ [النور - ٤] قال صاحب
المدارك: نكر شهادة في موضع النفي، فتعم كل شهادة، فرد الشهادة من الحد عندنا، ويتعلق
باستيفاء الحد أو بعضه على ما عرف، وعند الشافعي يتعلق رد شهادته بنفس القذف فعندنا جزاء
الشرط الذي هو الرمي الجلد، ورد الشهادة على التأبيد وهو مدة حياتهم؛ وقوله تعالى:
﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ [الشورى - ٤] كلام مستأنف غير داخل في حيز جزاء الشرط وكأنه
حكاية حال الرامين عند الله تعالى بعد انقضاء الجملة الشرطية، وقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا
من بعد ذلك﴾ [النور - ٥] أي القذف، وأصلحوا أي أحوالهم استثناء من الفاسقين، ويدل عليه
فإن الله غفور رحيم أي يغفر ذنوبهم ويرحمهم، قال المظهر، وقال غيره، أي غير أبي حنيفة:
القذف من جملة الفسوق لا يتعلق بإقامة الحد [بل] إن تاب قبلت شهادته سواء جلد أو لم
يجلد، وإن لم يتب لم تقبل شهادته سواء جلد أو لم يجلد (ولا ذي غمر) بكسر فسكون، أي
حقد وعداوة (على أخيه) أي المسلم يعني لا تقبل شهادة عدوّ على عدوّ سواء كان أخاه من
الحديث رقم ٣٧٨٠: أخرجه الترمذي في السنن ٤٧٥/٤ الحديث رقم ٢٣٠٠، وأحمد في المسند ٣٢١/٤.
الحديث رقم ٣٧٨١: أخرجه الترمذي في السنن ٤٧٣/٤ الحديث رقم ٢٢٩٨.
/٠
٣١٦
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
ولا ظنين في ولاءٍ ولا قرابةٍ، ولا القانع، معَ أهلِ البيتِ». رواه الترمذي، وقال: هذا
حديثٌ غريبٌ. ويزيدُ بن زيادٍ الدمشقي الراوي منكر الحديث.
٣٧٨٢ - (٢٥) وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، عن النبيِّ وَّر قال: ((لا
تجوزُ شهادةُ خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا زانٍ، ولا زانيةٍ، ولا ذي غِمرٍ على أخيهِ)). وردَّ شهادةَ
القانعِ لأهلِ البيتِ.
النسب أو أجنبياً، وعلى هذا إنما قال [على أخيه]: تلييناً (١) لقلبه وتقبيحاً لصنيعه (ولا ظنين) أي
ولا على متهم (في ولاء) بفتح الواو، وهو الذي ينتمي إلى غير مواليه (ولا قرابة) أي ولا على
ظنين في قرابة، وهو الذي ينتسب إلى غير أبيه، أو إلى غير ذويه، وإنما رد شهادته لأنه ينفي
الوثوق به عن نفسه، كذا قاله بعض علمائنا من الشراح؛ وقال المظهر: يعني من قال: أنا عتيق
فلان وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله، ويكذبونه، لا تقبل شهادته لأنه فاسق لأن قطع
الولاء عن المعتق وإثباته لمن ليس بمعتقه كبيرة وراكبها فاسق، وكذلك الظنين في القرابة، وهو
الداعي القائل أنا ابن فلان، أو أنا أخو فان من النسب والناس يكذبونه فيه (ولا القانع) كالخادم
والتابع (مع أهل البيت) قال المظهر: القانع السائل المقتنع الصابر بأدنى قوت، والمراد به ههنا
أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع لا تقبل شهادته له لأنه يجر نفعاً بشهادته إلى نفسه لأن
ما حصل من المال للمشهود له يعود نفعه إلى الشاهد، لأنه يأكل من نفقته، ولذلك لا تقبل
شهادة من حر نفعاً بشهادته إلى نفسه، كالوالد يشهد لولده أو الولد لوالده، أو الغريم يشهد بمال
للمفلس على أحد، وتقبل شهادة أحد الزوجين لآخر خلافاً لأبي حنيفة وأحمد، وتقبل شهادة
الأخ لأخيه خلافاً للملك (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب، ويزيد بن زياد الدمشقي)
بكسر ففتح وقد يكسر أي الشامي (الراوي) أي راوي هذا الحديث (منكر الحديث) بفتح الكاف
أي منكر حديثه. ففي شرح النخبة من فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه
منكر، وفي الجامع الصغير لا تجوز شهادة ذي الظنة ولا ذي الحنة، رواه الحاكم والبيهقي عن
أبي هريرة، والظنة(٢) بكسر أوّله أي التهمة، والحنة بكسر الحاء أي العداوة.
٣٧٨٢ - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم عن النبي ◌َّ قال: لا
تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية) تخصيص بعد تعميم أن أريد بالخيانة المعنى
الأعم على ما تقدم وهو الظاهر (ولا ذي غمر على أخيه) الظاهر أنه مقيد بالعداوة الدنيوية دون
الأمور الدينية (ورد) أي النبي وَلير (شهادة القانع لأهل البيت)، قال الطيبي: معنى مع في
الحديث السابق بمعنى هذه اللام، فيكون حالاً من القانع والعامل الشهادة أي لا تجوز شهادة
القانع مقارنة لأهل البيت، ويجوز أن تكون صلة للقانع، واللام موصولة، وصلة الشهادة
(١) في المخطوطة ((تلقيناً)).
(٢) الجامع الصغير ٥٧٨/٢ الحديث رقم ٩٧٥٣.
الحديث رقم ٣٧٨٢: أخرجه أبو داود في السنن ٢٤/٤ الحديث رقم ٣٦٠٠، وابن ماجه في ٢/ ٧٩٢
الحديث رقم ٢٣٦٦، وأحمد في المسند ١٨١/٢.
٣١٧
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
رواه أبو داود.
٣٧٨٣ - (٢٦) وعن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ نَّه قال: ((لا تجوزُ شهادةُ بدويّ
على صاحبٍ قريةٍ)). رواه أبو داود، وابن ماجه.
٣٧٨٤ - (٢٧) وعن عوفِ بنِ مالكِ: أنَّ النبيَّ وَِّ قَضَى بينَ رجلينٍ، فقالَ المقضيِّ
عليهِ لما أدبرَ: حسبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوكيلُ. فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تعالى يلومُ على العَجْزِ
ولكن عليكَ بالكَيْسِ، فإِذا غلَبكَ أمرٌ فقلْ: حسبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوكيلُ)).
محذوفة أي لا يجوز شهادة الذي يقنع مع أهل البيت لهم (رواه أبو داود).
٣٧٨٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ياتي: لا تجوز شهادة بدوي) أي
لجهالته وضلالته غالباً، وقيل لما بينهما من العداوة بسبب كونه من غير أهل القرية (على
صاحب قرية) أي وتقبل له؛ قال الخطابي: إنما لا تقبل شهادة البدوي لجهالتهم بأحكام
الشريعة وبكيفية تحمل أداء الشهادة وغلبة النسيان عليهم، فإن علم كيفية تحمل الشهادة وأدائها
بغير زيادة ونقصان وكان عدلاً من أهل قبول الشهادة جازت شهادته خلافاً لمالك؛ قال الطيبي :
قيل إن كانت العلة جهالتهم بأحكام الشريعة لزم أن لا يكون لتخصيص قوله على صاحب قرية
فائدة، فالوجه أن يكون ما قاله الشيخ التوريشتي: وهو قوله لحصول التهمة ببعد ما بين
الرجلين، ويؤيده تعديه الشهادة بعلى، وفيه أنه لو شهد له تقبل، وقيل لا يجوز لأنه يعسر طلبه
عند الحاجة إلى إقامة الشهادة (رواه أبو داود ابن ماجه)، وكذا الحاكم(١).
٣٧٨٤ - (وعن عوف بن مالك أن النبي ◌َّ﴿ قضى بين رجلين) أي حكم لأحدهما على
الآخر (فقال المقضي عليه لما أدبر) حين تولى ورجع من مجلسه الشريف (حسبي الله) أي هو
كافي في أموري (ونعم الوكيل) أي الموكول إليه في تفويض الأمور، وقد أشار به إلى أن
المدعي أخذ المال منه باطلاً (فقال النبي وَلايز: إن الله تعالى يلوم على العجز) أي على التقصير
والتهاون في الأمور (ولكن عليك بالكيس) بفتح فسكون أي بالاحتياط والحزم في الأسباب،
وحاصله أنه تعالى لا يرضى بالتقصير، ولكن يحمد على التيقظ والحزم، فلا تكن عاجزاً
وتقول: حسبي الله، بل كن كيساً متيقظاً حازماً (فإذا غلبك أمر فقل) أي حينئذ (: حسبي الله
ونعم الوكيل) ولعل المقضي عليه دين فأدّاه بغير بينة فعاتبه النبي وَّر على التقصير في الإشهاد.
قال الطيبي استدراك من العجز، والمراد بالكيس هنا التيقظ في الأمر وإتيانه بحيث يرجى
حصوله، فيجب أن يحمل العجز على ما يخالف الكيس وما هو سبب له من التقصير والغفلة
الحديث رقم ٣٧٨٣: أخرجه أبو داود في السنن ٢٦/٤ الحديث رقم ٣٦٠٢، وابن ماجه في ٧٩٣/٢
الحديث رقم ٢٣٦٧.
(١) الحاكم في المستدرك ٤/ ٩٩.
الحديث رقم ٣٧٨٤: أخرجه أبو داود في السنن ٤٤/٤ الحديث رقم ٣٦٢٧، وأحمد في المسند ٦/ ٢٥.
٣١٨
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
رواه أبو داود.
٣٧٨٥ - (٢٨) وعن بَهْزِ بنِ حكيم، عن أبيهِ، عن جدِّهِ أنَّ النبيِّ وََّ حَبَسَ رَجُلاً في
تُهْمةٍ. رواه أبو داود، وزادَ الترمذي والنسائي: ثمَّ خَلّی عنه.
الفصل الثالث
٣٧٨٦ _ (٢٩) عن عبد اللَّهِ بن الزبيرِ [رضي الله عنهما] قال: ((قضى رسولُ اللَّهِ
وَبِّهِ: أنَّ الخصمينِ يُفْعَدَانِ بينَ يدي الحاكم)). رواه أحمد، وأبو داود.
يعني كان ينبغي لك أن تتيقظ في معاملتك ولا تقصر فيها، قيل: من إقامة البينة ونحوها بحيث
إذا حضرت القضاء كنت قادراً على الدفع، وحين عجزت عن ذلك قلت: حسبي الله، وإنما
يقال: حسبي الله إذا بولغ في الاحتياط، وإذا لم يتيسر له طريق إلى حصوله. كان معذوراً فيه،
فليقل حينئذ: حسبي الله ونعم الوكيل (رواه أبو داود).
٣٧٨٥ - (وعن بهز رضي الله عنه) بفتح موحدة فسكون هاء ثم زاي. قال المؤلف في
فصل التابعين: هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري البصري قد اختلف العلماء فيه،
روى عن أبيه عن جده وعنه جماعة، ولم يخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عنه شيئاً؛
وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً (عن حكيم) أي ابن معاوية القشيري، قال البخاري: في
صحبته نظر، روى عنه ابن أخيه معاوية بن الحكم وقتادة عن جده لم يذكره المؤلف (أن النبي
وَل﴿ حبس رجلاً في تهمة) أي في أداء شهادة بأن كذب فيها أو بأن ادعى عليه رجل ذنباً أو
ديناً، فحبسه ◌َّلر ليعلم صدق الدعوى بالبينة ثم لما لم يقم البينة خلى عنه (رواه أبو داود، وزاد
الترمذي والنسائي ثم خلى عنه) أي تركه عن (١) الحبس بأن أخرجه منه، والمعنى خلى سبيله
عنه، وهذا يدل على أن الحبس من أحكام الشرع.
(الفصل الثالث)
٣٧٨٦ - (عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: قضى رسول الله وَ ل18) أي حكم، وقال
ابن الملك تبعاً للطيبي أي أوجب (إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم) قال الطيبي: وليس
على القاضي أمر أشق ولا أخوف من التسوية بين الخصمين (رواه أحمد وأبو داود).
الحديث رقم ٣٧٨٥: أخرجه أبو داود في السنن ٤٦/٤ الحديث رقم ٣٦٣٠، والترمذي في ٢٠/٤
الحديث رقم ١٤١٧، والنسائي في ٨/ ٦٧ الحديث رقم ٤٨٧٦.
(١) في المخطوطة ((من)).
الحديث رقم ٣٧٨٦: أخرجه أبو داود في السنن ١٦/٤ الحديث رقم ٣٥٨٨.
949:
٢٠٠٠٠
ريجيم
:٠٢٥
كتاب الجهاد
كتاب الجهاد
الجهاد بكسر أوّله وهو لغة المشقة، وشرعاً بذل المجهود في قتال الكفار مباشرة أو
معاونة بالمال أو بالرأي أو بتكثير السواد أو غير ذلك. وفي المغرب جهده حمله فوق
طاقته، والجهاد مصدر جاهدت العدوّ إذا قابلته في تحمل الجهد أو بذل كل منكما(١)
جهده، أي طاقته في دفع صاحبه، ثم غلب في دار الإسلام على قتال الكفار. قال ابن
الهمام: وهو دعوتهم إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا، وفضل الجهاد عظيم، وكيف،
وحاصله بذل أعز المحبوبات، وإدخال أعظم المشقات عليه وهو نفس الإنسان ابتغاء
مرضاة الله، وتقرباً بذلك إليه تعالى، وأشق منه قصر النفس على الطاعات في النشاط،
[ودفع] الكسل على الدوام، ومجانبة أهويتها، ولذا قال ◌َله وقد رجع من غزاة: ((رجعنا
من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) ويدل على هذا أنه وَّر أخره في الفضلية عن الصلاة
على وقتها. في حديث ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة
على ميقاتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين؛ قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل
الله، ولو استزدته لزادني. رواه البخاري، وقد جاء أنه جعله أفضل بعد الإيمان في حديث
أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله ﴿ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله
ورسوله؛ قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله؛ قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور؛
متفق عليه. وهذه وإن كانت صورة معارضة لكن الجمع بينهما يحمل كل منهما على ما
يليق بحال السائل، فإذا كان السائل يليق به الجهاد لما علمه من تهيئته له، واستعداده زيادة
على غيره، كان جهاد بالنسبة إليه أفضل مما ليس مثله في الجلادة والغنى، وفيه نظر لأن
المذكور في الحديث السابق الصلاة على وقتها، وتلك هي الفرائض؛ وفي هذا لا يتردد أن
المواظبة على أداء قرائض الصلاة وأخذ النفس بها في أوقاتها على ما هو المراد من قوله:
((الصلاة على ميقاتها أفضل من الجهاد)) لأن هذه فرض عين وتتكرر، والجهاد ليس كذلك،
ولأن افتراض الجهاد ليس إلا للإيمان وإقامة الصلاة، فكان مقصوداً وحسناً لغيره بخلاف
(١) في المخطوطة ((منهما)).
٣١٩
٣٢٠
كتاب الجهاد
الصلاة فإنها حسنة لعينها وهي المقصودة منه على ما صرح به وَّهر في حديث معاذ، وفيه
طول إلى أن قال: ((والذي نفس محمد بيده ما شجت وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي
به درجات الآخرة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله)) صححه الترمذي. ثم الجهاد
فرض على الكفاية، أما الفرضية فلقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾
[التوبة - ٥] وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال -
٣٩] وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة - ٢١٦] ﴿وقاتلوا
المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة - ٣٦] وقوله تعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾
[التوبة - ٤١] الآية. وقوله وَله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) وبهذه
ينتفي ما نقل عن الثوري وغيره أنه ليس بفرض، وأن الأمر به للندب، وكذا ﴿كتب عليكم
إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خير الوصية﴾ [البقرة - ١٨٠] ونقل عن ابن عمر، ويجب
حمله إن صح على أنه ليس بفرض عين، وأما قوله وَ التر: ((الجهاد ماض إلى يوم القيامة))
فدليل على وجوبه، وأنه لا ينسخ، وهذا لأن خبر الواحد لا يفيد الافتراض، وقول
صاحب الإيضاح إذا تأيد خبر الواحد بالكتاب والإجماع يفيد الفرضية ممنوع، بل المفيد
حينئذ الكتاب والإجماع، وجاء الخبر على وفقهما. والحديث رواه أبو داود من حديث
أنس قال: قال رسول الله وَّلإر من حديث: ((والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن تقاتل آخر
أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل)). ولا شك أن إجماع الأمة أن الجهاد
ماض إلى يوم القيامة لم ينسخ، فلا يتصوّر نسخه بعد النبي ◌َّر، وأنه لا قائل أن بقتال
آخر الأمة الدجال ينتهي وجوب الجهاد، وأما كونه على الكفاية، فلأن المقصود ليس مجرد
ابتلاء المكلفين [بل إغراء المكلفين] ودفع شر الكفار عن المؤمنين بدليل قوله تعالى:
﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال - ٣٩] فإذا حصل ذلك
بالبعض سقط الحصول ما هو المقصود منه كصلاة الجنازة المقصود منها قضاء حق الميت
والإحسان إليه وذهب ابن المسيب إلى أنه فرض عين تمسكاً بعين الأدلة إذ بمثلها تثبت
فروض الأعيان، قلنا: نعم، لولا قوله تعالى: ﴿يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي
الضرر والمجاهدون﴾ [النساء - ٩٥] الآية. إلى قوله تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى وفضل
الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً﴾ [النساء - ٩٥] ولأنه لو كان عيناً لاشتغل الناس
كلهم به فيتعطل المعاش على ما لا يخفى بالزراعة، والجلب بالتجارات، ويستلزم قطع
مادة الجهاد من الكراع يعني الخيل والسلاح والأقوات، فيؤدي إيجابه على الكل إلى تركه
للعجز، فلزم أن يجب على الكفاية، ولا يخفى أن لزوم ما ذكر [إنما يثبت] إذا لزم في
كونه فرض عين أن يخرج الكل عن الأمصار دفعة واحدة، وليس ذلك لازماً بل يكون
كالحج على الكل، بل يلزم كل واحد أن يخرج، ففي مرة طائفة، وفي مرة طائفة أخرى،
وهكذا وهذا لا يستلزم تعطيل المعاش، فالمعوّل عليه في ذلك نص، لا يستوي القاعدون،
ثم هذا إذا لم يكن النفير عاماً، فإن كان كأن هجموا على بلدة من بلاد المسلمين فيصير