Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كتاب الإمارة والقضاء ٣٦٨٤ - (٢٤) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: «تَجِدونَ مِن خيرِ النَّاسِ أشدَّهُم كَرَاهيةً لهذا الأمرِ حتى يقَعَ فیه». متفق عليه. ٣٦٨٥ _ (٢٥) وعن عبدِ الله بن عمر [رضي الله عنهما] قال: قال رسولُ الله: ((ألا كلُّكُمْ راع، وكلُّكُمْ مسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإِمامُ الذي على النَّاسِ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيّتِهِ، والرجُلُ راع على أهل بيتِهِ وهو مسؤولٌ عن رعيّتِهِ، والمرأةُ راعيّةٌ على بيتٍ زوجِها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم، وعبدُ الرجلِ واعٍ على مالِ سيِّدِهِ ٣٦٨٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلقر: تجدون من خير الناس). قال الطيبي: ثاني مفعولي تجدون والأوّل قوله: (أشدهم) ولما قدم المفعول الثاني أضمر في الأوّل الراجع إليه كقولك على التمرة مثلها زيداً، ويجوز أن يكون المفعول الأوّل خير الناس على مذهب من يجوز زيادة من في الإثبات اهـ. والأظهر أن من تبعيضية. أي تجدون بعض خيار الناس أشدهم (كراهية لهذا الأمر) أي أمر الإمارة (حتى يقع فيه)، أي فيكون بعده ندامة كما سبق به الرواية. وقال الطيبي: يحتمل وجهين أحدهما أن يكون غاية تجدون، أي تجدون من خير الناس أشد كراهة حتى يقع فيه، فحينئذ لا يكون خيرهم، وثانيهما أنها غاية [أشد أي] يكرهه حتى يقع فيه، فحينئذ يعينه الله فلا يكرهه، والأوّل أوجه لقوله: يقع فيه اهـ. وعلى كل حال فلا يرضى أحد عن الإمارة في المآل(١) (متفق عليه). ٣٦٨٥ - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَليون: ألا) للتنبيه ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))). في النهاية: الرعية كل من شمله حفظ الراعي ونظره (فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته) يقال: رعى الأمير القوم رعاية فهو راع أي قام بإصلاح ما يتولاه، وهم رعية فعيلة بمعنى مفعول ودخلت التاء لغلبة الاسمية، (والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده) أي ولد زوجها (وهي مسؤولة عنهم) عن حق زوجها وأولاده. وقال الطيبي: الضمير راجع إلى بيت زوجها وولده، وغلب العقلاء فيه على غيرهم، (وعبد الرجل راع على مال سيده)؛ في شرح. السنة معنى الراعي هنا الحافظ المؤتمن على ما يليه أمرهم النبي ◌َّ بالنصيحة فيما يلونهم، وحذرهم الخيانة فيه بأخباره أنهم مسؤولون عنه، فالرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد، فقد استوى هؤلاء في الاسم ولكن معانيهم مختلفة، أما رعاية الإمام ولاية أمور الرعية فالحياطة من الحديث رقم ٣٦٨٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٠٤/٦ الحديث رقم ٣٥٨٨. ومسلم في ١٩٥٨/٤ الحديث رقم (١٩٩ - ٢٥٢٦) وأحمد في المسند ٤١٨/٢. (١) في المخطوطة السؤال. الحديث رقم ٣٦٨٥: أخرجه البخاري في صحيحه ١١١/١٣ الحديث رقم ٧١٣٨. ومسلم في ١٤٥٩/٣ الحديث رقم (٢٠ - ١٨٢٠) رواه أبو داود في السنن ٣٤٢/٣ الحديث رقم ٢٩٢٨. والترمذي في ١٨٠/٤ الحديث رقم ١٧٠٥. وأحمد في المسند ٥/٢. ،٠٢٠ كتاب الإمارة والقضاء وهو مسؤولٌ عنه، ألا فكلُّكُمْ راع، وكلُّلكُمْ مسؤولٌ عن رعيتِه)). متفق عليه. ٣٦٨٦ _ (٢٦) وعن مَعْقِل بن يسارٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَله يقولُ: ((ما مِنْ والٍ بلي رعيَّةً من المسلمينَ، فيموتُ وهوَ غاشّ لهم؛ إِلاَّ حرَّمَ اللَّهُ عليهِ الجنَّة)) .... . ورائهم، وإقامة الحدود والأحكام فيهم ورعاية الرجل أهله، فالقيام عليهم بالحق في النفقة /١٢٢٠ وحسن العشرة، ورعاية المرأة في بيت زوجها فحسن التدبير في أمر بيته والتعهد بخدمة أضيافه، ورعاية الخادم فحفظ ما في يده من مال سيده والقيام بشغله، (ألا) للتنبيه ثانياً للتأكيد (فكلكم) قال الطيبي: الفاء جواب شرط محذوف يعني تقديره فإذا كان الأمر كذلك على ما فصلناه فكلكم (راع وكلكم مسؤول عن رعيته) كما أجملناه، فالجملة فذلكة للكلام وخلاصة للمرام كقوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة - ١٩٦] بعد ذكر الثلاث والسبعة. قال الطيبي: والفذلكة هي التي يأتي بها المحاسب بعد التفصيل ويقول: فذلك كذا ضبطاً للحساب وتوقياً عن الزيادة والنقصان فيما فصله في الكتاب اهـ. والظاهر أن فاء الفذلكة تكون تعريضية والله [تعالى] أعلم بالصواب؛ (متفق عليه). وفي الجامع الصغير: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، [والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته] والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عنه(١). ٣٦٨٦ - (وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت) بالرفع عطفاً على يلي. وفي نسخة بالنصب على جواب النفي. قال الطيبي: الفاء فيه وفي [قوله] فلم يحطها يعني الآتي كاللام في قوله: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً (وهو غاش) بتشديد الشين المعجمة أي خائن لهم أو ظالم بهم لا يعطي حقوقهم ويأخذ منهم ما لا يجب عليهم؛ (إلا حرم الله عليه الجنة) أي دخولها مع الناجين، أو محمول على المستحل أو زجر وكيد ووعيد شديد أو تخويف بسوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك. وفي قوله: فيموت وهو غاش دليل على أن التوبة قبل حالة الموت باقية، وفيه إشارة إلى عرض التوبة على من لم يكن ناصحاً في الرعية. قال الطيبي: قوله وهو غاش حال قيد للفعل ومقصود للذكر لأن المعتبر من الفعل الحال هو الحال يعني أن الله تعالى إنما ولاه واسترعاه على عباده ليديم النصيحة لهم لا ليغشهم فيموت عليه فلما قلب القضية استحق أن يحرم الجنة. وقال القاضي عياض: المعنى من قلده الله تعالى شيئاً من أمر المسلمين واسترعاه ١٠/١٣/١٠/ (١) الجامع الصغير ٣٩٦/٢ الحديث رقم ٦٣٧٠. الحديث رقم ٣٦٨٦: أخرجه البخاري في صحيحه ١٢٧/١٣ الحديث رقم ٧١٥١، ومسلم في ١٤٦٠/٣ الحديث رقم (٢٢ - ١٤٢)، والدارمي في السنن ٤١٧/٢ الحديث رقم ٢٧٩٦. وأحمد في المسند ٢٥/٥ ٢٤٢ ٫٠٠٠ ١٣ ٢٤٣ كتاب الإمارة والقضاء متفق عليه. ٣٦٨٧ - (٢٧) وعنه، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَلَه يقول: ((ما مِنْ عبدٍ يسترعيهِ اللَّهُ رعيَّةً، فلم يَحُطُّهَا بنصيحةٍ، إِلا لمْ يجِدْ رائحةَ الجنَّةِ)). متفق عليه. ٣٦٨٨ - (٢٨) وعن عائذ بن عمرو، قال: سمعتُ رسول اللَّهِ وَ لَهُ يقولُ: ((إِنَّ شرٌّ الرعاءِ الحُطَمَة)». عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم ودنياهم، فإذا خان فيما ائتمن عليه ولم ينصح فيما قلده إما بتضييع حقهم وما يلزمه من أمور دينهم أو غير ذلك فقد غشهم؛ (متفق عليه). ولفظ الجامع الصغير: ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة(١). ٣٦٨٧ - (وعنه) أي عن معقل (قال: سمعت رسول الله وَلهو يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية) أي يطلبه أن يكون راعي جماعة وأميراً عليهم (فلم يحطها) بضم الحاء أي فلم يراعها (بنصيحة) وهي إرادة الخير للمنصوح له. في النهاية، يقال: حاطه يحوطه حوطاً وحياطة إذا. حفظه وصانه وذب عنه وتوفر على مصالحه، (إلا لم يجد رائحة الجنة) أي مع الواجدين في القيامة، فإن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام، أو ما الفائزين السابقين أو لم يجد مطلقاً إن مات على الكفر أو استحل الظلم أو استحق أن لا يجد إلا أن يعفو الله عنه ويرضى خصماءه؟ (متفق عليه). ٣٦٨٨ - (وعن عائذ) اسم فاعل من العوذ بالذال المعجمة (ابن عمرو) بالواو، قال المؤلف: مدني من أصحاب الشجرة سكن البصرة وحديثه في البصريين روى عنه جماعة (قال:٦ سمعت رسول الله صل﴿ يقول: إن شر الرعاء) بالكسر و[المد جمع] راع كتجار وتاجر. كذا في النهاية (الحطمة) بضم ففتح مبالغة الحاطم من الحطم وهو الكسر وهو من يظلم الرعية ولاإ يرحمهم في البلية؛ وقيل: الأكول الحريص الذي يأكل ما يرى ويقضمه ومنه الحطمة للناس: الموقدة، فإن من هذا دأبه يكون دنيئاً في النفس ظالماً بالطبع شديد الطمع فيما في أيدي الناس، هذا خلاصة كلام القاضي. وفي الفائق: الحطمة هو الذي يعنف الإبل في السوق. والإيراد والإصدار فيحطمها ضربه مثلاً لوالي السوء. قال الطيبي: لما استعار للوالي والسلطان (١) الجامع الصغير ٤٩٣/٢ الحديث رقم ٨٠٦٤. الحديث رقم ٣٦٨٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١٢٦/١٣ الحديث رقم ٧١٥٠، ومسلم في ١٤٦٠/٣ الحديث رقم (٢١ - ١٤٢). الحديث رقم ٣٦٨٨: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٦١/٣ الحديث رقم (٢٣ - ١٨٣٠) وأحمد في المسند ٦٤/٥. ھئئ ٢٤٤ كتاب الإمارة والقضاء رواه مسلم. ٣٦٨٩ - (٢٩) وعن عائشةَ [رضي الله عنها] قالتْ: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أمرِ أمَّتي شيئاً فشَقَّ عليهم؛ فأشقُقْ عليه. ومنْ وَلِيَ منْ أمرِ أمَّتي شيئاً فَرَفَقَ بهم؛ فارفُقْ به)). رواه مسلم. ٣٦٩٠ - (٣٠) وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاصِ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَله: ((إنَّ المقسطينَ لفظ الراعي اتبعه بما يلائم المستعار منه من صفة الحطم، فالحطمة ترشيح لاستعارة الراعي لهم؛ (رواه مسلم) وفي صحيحه أبسط من هذا حيث قال: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا جرير ابن حازم، حدثنا الحسن عن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله وَ لقر دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رسول الله وّله يقول: إن شر الرعاء الحطمة؛ فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمد وَالر فقال أهل كانت لهم نخالة إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم(١). ٣٦٨٩ - (وعن عائشة رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله وَّار: اللهم من وُلِيّ) بفتح الواو وكسر اللام المخففة، وفي نسخة صحيحة بضم أوله وتشديد المكسورة بعده أي من جعل والياً (من أمر أمتي شيئاً) أي من الأمور أو نوعاً من الولاية. وقال الطيبي: من بيان شيئاً كانت صفة قدمت وصارت حالاً (فشق عليهم فاشقق) بضم القاف (عليه) أي جزاء وفاقاً، (ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) بفتح الفاء في الماضي وضمها في المضارع. قال النووي: هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس وأعظم الحث على الرفق بهم، وقد تظاهرت الأحاديث في هذا المعنى. قال الطيبي: وهو من أبلغ ما أظهره و # من الرأفة والشفقة والمرحمة على الأمة فنقول بلسان الحال: اللهم هذا، أو أن ترحم على أمة حبيبك الكريم وتنجيهم من الكرب العظيم؛ (رواه مسلم). ٣٦٩٠ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَلفي: إن المقسطين) أي العادلين ضد القاسطين أي الجائرين قال تعالى: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ [المائدة - ٢٢] وقال تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ [الجن ـ ١٥] قال التوربشتي: القسط بالكسر العدل، والأصل فيه النصيب، تقول: منه قسط الرجل إذا جار وهو أن يأخذ قسط غيره (١) راجع التخريج. الحديث رقم ٣٦٨٩: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٥٨/٣ الحديث رقم (١٩ - ١٨٢٨). وأحمد في المسند ٦/ ٩٣. الحديث رقم ٣٦٩٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٥٨/٣ الحديث رقم (١٨ - ١٨٢٨) والنسائي في السنن ٨/ ٢٢١ الحديث رقم ٥٣٧٩. وأحمد في المسند ١٦٠/٢. ٢٤٥ كتاب الإمارة والقضاء عندَ اللَّهِ على منابِرَ من نورٍ عنْ يمينِ الرحمنٍ، وكلتا يديه يمينٌ، الذينَ يعدِلُونَ في حُكمِهم وأهليهم وما وُوا». والمصدر القسوط وأقسط إذا عدل وهو أن يعطي نصيب غيره، ويحتمل أن الألف أدخل فيه لسلب المعنى كما أدخل في كثير من الأفعال فيكون الأقساط إزالة القسوط (عند الله) أي مقربون إليه ومكرمون لديه. وفي رواية الجامع زيادة يوم القيامة (على منابر) أي مرتفعون على أماكن عالية غالية (من نور) أي منوّرة كأنها خلقت من نور أو هي نور، مبالغة. قال النووي: المنابر جمع منبر سمي به لارتفاعه. قال القاضي عياض: يحتمل أن يكونوا على منابر حقيقة على ظاهر الحديث، وأن يكون كناية عن المنازل الرفيعة، قال الشيخ: ويمكن أن يجمع بينهما لأن من كان على منابر، فهو على أعلى مرتبة ويؤيده قوله: (عن يمين الرحمن). قال التوريشتي: المراد منه كرامتهم على الله وقرب محلهم وعلو منزلتهم، وذلك أن من شأن من عظم قدره في الناس أن يبوّأ عن يمين الملك ثم إنه نزه ربه سبحانه عما سبق إلى فهم من لم يقدر الله حق قدره من مقابلة اليمين باليسار وكشف عن حقيقة المراد بقوله: (وكلتا يديه يمين). قال الخطابي: ليس فيما يضاف إلى الله تعالى من صفة اليدين شمال لأن الشمال على النقص والضعف؛ وقوله: وكلتا يديه يمين هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت، ولا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار الصحيحة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة؛ وقال النووي: العرب تنسب الفعل الذي يحصل بالجهد والقوّة إلى اليمين وكذا الإحسان والإفضال إليها، وضدهما إلى اليسار وقالوا: اليمين مأخوذ من اليمن: وقال القاضي: وكلتا يديه دفع لتوهم من يتوهم أن له يميناً من جنس إيماننا التي يقابلها يسار، وإن من سبق إلى التقرب إليه حتى فاز بالوصول إلى مرتبة من مراتب الزلفى من الله عاق غيره عن أن يفوز بمثله، كالسابق إلى محل من مجلس السلطان بل جهاته وجوانبه التي يتقرب إليها العباد سواء، (الذين يعدلون) صفة المقسطين أو بدل أو منصوب بأعني أو مرفوع بتقديرهم أو استئناف كأنه قيل: من هؤلاء السادة المقربون؟ فقيل: هم الذين يعدلون (في حكمهم)، أي فيما يقلدون من خلافة أو قضاء أو إمارة، (وأهليهم) أي ما يجب لأهليهم من الحقوق عليهم، (وما ولوا) بفتح الواو وضم اللام المخففة والأصل وليوا على وزن علموا نقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سلب حركتها وحذفت لالتقاء الساكنين أي وما كانت لهم عليهم ولاية من النظر على يتيم أو وقف أو حسبة ونحو ذلك وروي بضم الواو وتشديد اللام أي ما جعلوا والين عليه، وهو يستوعب من يتولى أمراً من الأمور فيدخل فيه نفسه أيضاً. قال الأشرف: فالرجل يعدل مع نفسه بأن لا يضيع وقته في غير ما أمر الله تعالى به، بل يمتثل أوامر الله وينزجر عن نواهيه على الدوام كما هو دأب الأولياء الكرام المقربين أو غالباً كما هو ديدن(١) المؤمنين الصالحين. قال الطيبي: قسم الله تعالى عباده المصطفين من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام ظالم ومقتصد وسابق، والمقتصد من عدل ولم يتجاوز إلى حد الظلم عن نفسه ولم يترق إلى مرتبة (١) في المخطوطة ((دأب)) وكلاهما يفيدان ذات المعنى. ٢٤٦ كتاب الإمارة والقضاء رواه مسلم. ٣٦٩١ - (٣١) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما بعثَ اللَّهُ منْ نبيِّ، ولا استخلفَ منْ خَليفةٍ، إِلاَّ كانت له بطانتانٍ: بطانةٌ تأمُرُه بالمعروفِ وتحضُّه عليهِ، وبطانةٌ تأمُرُه بالشرِّ وتحضُّه عليهِ، والمعصومُ مَنْ عصمَه اللَّهُ)). السابق الذي جمع بين العدل والإحسان (رواه مسلم)، وكذا أحمد والنسائي. ٣٦٩١ - (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: ما بعث الله من نبي) أي نبياً (ولا استخلف من خليفة) أي إماماً بعده أو ما في معناه من كل أحد (إلا كانت له) أي لكل منهما (بطانتان) بكسر الموحدة أي وزيران ومشيران مشبهان بالبطانة لملازمته بحيث لا ينفكان عن صحبته، (بطانة تأمره بالمعروف) أي بالخير (وتحضه) بتشديد الضاد المعجمة أي تحثه عليه وترغبه إليه وتحسنه لديه، (وبطانة تأمره بالشر) أي بالمنكر (وتحضه عليه) أي تحرضه عليه. والحاصل أنه لا يخلو نبي أو من يخلف مكانه من شخصين مختلفين أو جماعتين متضادتين في الرأي كما هو مشاهد في جلساء الملوك والأمراء، (والمعصوم) أي من النبي والخليفة (من عصمه الله) أي من صاحب الشر وقبول كلامه والتوفيق، لمتابعة الخير وقضاء مرامه، والمعصوم من البطانتين من حفظه الله من الشر ووفقه للخير. هذا، وفي النهاية: بطانة الرجل صاحب سره وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله. الكشاف في قوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً﴾ [آل عمران - ١١٨] بطانة الرجل ذو وليجته وخصيصه وصفيه الذي يفضي إليه بحوائجه ثقة به شبه ببطانة الثوب، كما يقال فلان شعاري. قال الطيبي: فإن قلت البطانة في الحديث على هذا المعنى قد تتصور في بعض الخلفاء، ولكنها منافية بحال الأنبياء وكيف لا، وقد نهى الله تعالى عامة المؤمنين عن ذلك في الآية السابقة، قلت: الوجه ما روى الأشرف عن بعضهم أن المراد بأحدهما الملك، وبالثاني الشيطان، ويؤيده قوله: والمعصوم من عصمه الله فإنه بمنزلة قوله وي الفر: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير)) (١). أقول: ويؤيد الأوّل ما في الترمذي من حديث أبي الهيثم وضيافته له وي مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حائط له من ذبح الغنم وإحضار الرطب والماء العذب إلى أن قال صلى الله [تعالى] عليه وسلم هل لك خادم؟ قال: لا. قال: فإذا أتانا سبي فأتنا، فأتي النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم برأسين معهما ثالث فأتاه أبو الهيثم فقال صلى الله [تعالى] عليه وسلم: اختر منهما؛ فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال وَلّى: إن المستشار مؤتمن خذ هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفاً، فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها الحديث رقم ٣٦٩١: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣٣/١٣ الحديث رقم ٧١٩٨. والنسائي في ١٥٨/٧ الحدیث رقم ٤٢٠٢. وأحمد في المسند ٣٩/٣. (١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٦٧/٤ الحديث رقم (٦٩ - ٢٨١٤). ٢٤٧ كتاب الإمارة والقضاء /٠٢٠ رواه البخاريُّ. ٣٦٩٢ - (٣٢) وعن أنس، قال: كانَ قيس بنُ سعدٍ منَ النبيِّ ◌َّله بمنزلةٍ صاحبٍ الشَّرَطِ منَ الأميرِ. رواه البخاري. ٣٦٩٣ - (٣٣) وعن أبي بكْرَةَ، قال: لمَّا بلَغَ رسولَ اللهِ وََّ أنَّ أهلَ فارسَ قد ملَّكوا عليهِم بنتَ كسرى. قال: ((لنْ يُفلِحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهُم امرأةً». رواه البخاري. بقول رسول الله ◌َله، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم: إلا أن تعتقه؛ قال: فهو عتيق. فقال صلى الله [تعالى] عليه وسلم: إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالاً ومن يوق بطانة السوء فقد وقى (١). (رواه البخاري). ٣٦٩٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان قيس بن سعد) أي ابن عبادة الأنصاري سيد الخزرج وابن سيدها أحد دهاة العرب وأهل الرأي ورياسة البيوت، وكان من ذوي النجدة والبسالة والكرم والسخاء وكان مع ذلك جسيماً طويلاً، وكان منتصباً بين يدي رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم لتنفيذ ما يريده ويأمر به النبي ◌َّلتر (بمنزلة صاحب الشرط) بضم ففتح (من الأمير). قال التوربشتي: هو جمع شرطي، وهو الذي يتقدم بين يدي الأمير، وهو الحاكم على الشرط للأمور السياسية سموا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها؛ (رواه البخاري). ٣٦٩٣ - (وعن أبي بكرة رضي الله عنه) بالتاء (قال: لما بلغ رسول الله وَ الر أن أهل فارس) بكسر الراء وفتح السين (قد ملكوا) بتشديد اللام أي جعلوا الملك (عليهم بنت كسرى) بكسر الكاف ويفتح ملك الفرس معرب خسرو أي واسع الملك. ذكره في القاموس؛ وفي النهاية: لقب ملك الفرس يعني كما أن قيصر لقب ملك الروم وفرعون لقب ملك مصر وتبع لملك اليمن (قال: لن يفلح قوم ولوا) بالتشديد أي فوضوا (أمرهم) أي أمر ملكهم (امرأة). في شرح السنة: لا تصلح المرأة أن تكون إماماً ولا قاضياً لأنهما محتاجان إلى الخروج للقيام بأمور المسلمين، والمرأة عورة لا تصلح لذلك، ولأن المرأة ناقصة والقضاء من كمال الولايات، فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال (رواه البخاري)، وكذا أحمد والترمذي والنسائي. عق موري":٤٠ (١) أخرجه الترمذي في السنن ٥٠٤/٤ الحديث رقم ٢٣٦٩. الحديث رقم ٣٦٩٢: أخرجه البخاري في صحيحه ١٨٩/١٣ الحديث رقم ٧١٥٥. والترمذي في السنن ٦٤٧/٥ الحدیث رقم ٣٨٥٠. الحديث رقم ٣٦٩٣: أخرجه البخاري في صحيحه ١٢٦/٨ الحديث رقم ٤٤٢٥. والترمذي في السنن ٤/ ٤٥٧ الحديث رقم ٢٢٦٢ والنسائي في ٢٢٧/٨ الحديث رقم ٥٣٨٨ وأحمد في المسند ٣٨/٥. ٢٤٨ كتاب الإمارة والقضاء الفصل الثاني ٣٦٩٤ - (٣٤) عن الحارِثِ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((آمَرُكم بخُمْسٍ: بالجماعةِ، والسَّمع، والطاعةِ، والهجرةِ، والجِهادِ في سبيلِ اللَّهِ. وإِنَّه منْ خَرَجَ مِنَ الجماعةِ قِيدَ شِبرِ؛ (الفصل الثاني) ٣٦٩٤ - (عن الحارث الأشعري رضي الله عنه)، قال المؤلف: هو الحارث بن الحارث الأشعري يعد في الشاميين، روى عنه أبو سلام الحبشي وغيره، (قال: قال رسول الله وَله: آمركم) أي أنا (بخمس) أي خصال (بالجماعة) أي باتباع إجماع جماعة المسلمين والاعتقاد والقول والعمل المتعلق بالدين. قال الطيبي: المراد بالجماعة الصحابة ومن بعدهم من التابعين ) بالتمسك بهديهم وسيرتهم والانخراط في (١) وتابعي التابعين من السلف الصالح أي آمركم زمرتهم، (والسمع) أي إسماع كلمة الحق وقبولها من الأمير والغني والفقير وغيرهما. وقال الطيبي: المراد بالسمع الإصغاء إلى الأوامر والنواهي وتفهمهما، (والطاعة) أي طاعة الأمير في المشروعات. وقال الطيبي: المراد بالطاعة الامتثال بالأوامر والانزجار عن النواهي، (والهجرة) أي الانتقال من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، ومن دار الكفر إلى دار الإسلام ومن دار البدعة إلى دار السنة، ومن المعصية إلى التوبة لقوله صلى الله [تعالى] عليه وسلم: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه))(٢) (والجهاد في سبيل الله) أي مع الكفار لإعلاء كلمة الله وقمع أعدائها ومع النفس بكفها عن شهواتها ومنعها عن لذاتها، فإن معاداة النفس مع الشخص أقوى وأضر من معادة الكفرة معه. وقد روى ((أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك)) (فإنه)؛ وفي نسخة [صحيحة] وأنه؛ قال الطيبي: اسم أن ضمير الشأن والجملة بعده تفسيره وهو كالتعليل للأمر بالتمسك بعرى (٣) الجماعة، والواو مثلها في قوله تعالى: ﴿وقالا الحمد لله﴾ [النحل - ١٥] بعد قوله: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علماً﴾ [النحل - ١٥] في الأخبار عن الجملتين وتفويض الترتيب بينهما إلى ذهن السامع، (من خرج من الجماعة قيد شبر) بكسر القاف وسكون التحتية أي قدره وأصله القود [من القود] وهو المماثلة والقصاص، والمعنى من فارق ما عليه الجماعة بترك السنة واتباع البدعة ونزع اليد عن الطاعة ولو كان بشيء يسير يقدر في الشاهد بقدر شبر ٠٫٩٦٩٢٠ ٠٢٢٧٢ الحديث رقم ٣٦٩٤: أخرجه الترمذي في السنن ١٣٦/٥ الحديث رقم ٢٨٦٣. وأحمد في المسند ١٣٠/٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٥٣/١ الحديث رقم ١٠. (١) في المخطوطة ((أمرهم)). (٣) في المخطوطة ((بهدي)). ٢٤٩ كتاب الإمارة والقضاء فقدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسلام منْ عنُقِهِ، إِلاَّ أنْ يُراجَعَ. ومنْ دَعا بدعوى الجاهليَّةِ؛ فهوَ منْ جُثى جهنّمَ، وإِنْ صامَ وصلَّى وزَعمَ أنَّه مسلمٌ)). رواه أحمد، والترمذي. ٣٦٩٥ - (٣٥) وعن زِيادِ بنِ كُسَيبِ العَدَوِيِّ، قال: كنتُ معَ أبي بكرَةً تحتَ منبرِ ابنِ عامٍ وهو يَخْطُبُ، وعليهِ ثيابٌ رِقاقٌ. فقال أبو بلالٍ: انظُرُوا إِلى (فقد خلع ربقة الإسلام) أي نقض عهده وذمته (من عنقه)، وانحرف عن الجماعة وخرج عن الموافقة (إلا أن يراجع) بصيغة [المفاعلة] للمبالغة، والربقة بكسر فسكون، وهي في الأصل عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام يعني ما شد المسلم به نفسه من عرى الإسلام أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه، وقال بعضهم: المعنى فقد نبذ عهد الله وأخفر ذمته التي لزمت أعناق العباد لزوم الربقة بالكسر وهي واحدة الربق وهو حبل فيه عدة عرى يشد به إليه أي أولاد الضأن، والواحدة من تلك العرى ربقة (ومن دعا بدعوى الجاهلية) قال الطيبي: عطف على الجملة التي وقعت مفسرة لضمير الشأن للإيذان بأن التمسك بالجماعة وعدم الخروج عن زمرتهم من شأن المؤمنين، والخروج من زمرتهم من هجيري الجاهلية كما قال القر: ((من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية))(١)؛ فعلى هذا ينبغي أن يفسر دعوى الجاهلية بسننها على الإطلاق لأنها تدعو إليها، وهو أحد وجهي ما قال القاضي، والوجه الآخر الدعوى تطلق على الدعاء وهو النداء؛ والمعنى من نادى في الإسلام بنداء الجاهلية. وهو أن الرجل منهم إذا غلب عليه خصمه نادى بأعلى صوته قومه يا آل فلان، فيبتدرون إلى نصره ظالماً كان أو مظلوماً جهلاً منهم وعصبية، وحاصل هذا الوجه يرجع أيضاً إلى الوجه السابق، وينصره ما روي في شرح السنة في آخر هذا الحديث، فادعوا المسلمين بما سماهم الله المسلمون والمؤمنون وعباد الله (فهو) أي الداعي المذكور (من جثا جهنم) بضم الجيم مقصوراً أي من جماعاتهم جمع جثوة بالحركات الثلاث وهي الحجارة المجموعة، وروي من جثى بتشديد الياء وضم الجيم جمع جاث من جثا على ركبتيه يجثو أو يجني وكسر الجيم جائز لما بعدها من الكسرة، وقرىء بهما في قوله تعالى: ﴿ونذر الظالمين فيها جثياً﴾ [مريم - ٧٢] وفي الفائق واحدتها جثوة بضم الجيم أي من جماعات جهنم، وهي في الأصل ما جمع من تراب أو غيره، فاستعير للجماعة (وإن صام) أي ولو صام (وصلى وزعم أنه مسلم: رواه أحمد والترمذي). ٣٦٩٥ - (وعن زياد بن كسيب) بالتصغير (العدوي) بفتحتين نسبة إلى بني عدي قال المؤلف: يعد في البصريين تابعي. روي عن أبي بكرة (قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر بن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق) بكسر الراء أي رقيقة رفيعة (فقال: أبو بلال) لم يذكره المؤلف، ولعله أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، ولده بلال كان والياً على البصرة (انظروا إلى ٠-١- (١) راجع الحديث رقم (٣٦٧٤). الحديث رقم ٣٦٩٥: أخرجه الترمذي في صحيحه ٤٣٥/٤. وأحمد في المسند ٤٢/٥. ٢٥٠ كتاب الإمارة والقضاء أميرِنا يَلْبَسُ ثيابَ الفُسَّاقِ. فقال أبو بكرةَ: اسكتْ، سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ يقولُ: ((مَنْ أهانَ سُلطانَ اللَّهِ في الأرضِ أهانَهُ الله)) رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ٣٦٩٦ - (٣٦) وعن النّوَّاسِ بنِ سمعانَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا طاعةً لمخلوقٍ في معصية الخالق)). أميرنا يلبس ثياب الفساق) يحتمل أن تكون ثياباً محرمة من الحرير والديباج لأن الغالب منهما أن تكون رقاقاً، ولعل الاعتراض الوارد عليه لكونه نصيحة تتضمن فضيحة يتفرع عليه فتنة صريحة؛ ويحتمل أن لا يكون منهما لكن لما كان لبس ثياب الرقاق من دأب المتنعمين نسبة إلى الفسق. وقد قال بعضهم: من رق ثوبه رق دينه؛ (فقال أبو بكرة: اسكت سمعت رسول الله ◌َللر يقول: من أهان سلطان الله في الأرض) أي أذل حاكماً بأن آذاه أو عصاه (أهانه الله). قال الطيبي: والظاهر هذا الاحتمال، لأن أبا بكرة رده بقوله: من أهان الخ يعني تفسيقك إياه بسبب لبسه هذه الثياب التي يصون بها عزته ليس بحق لأن المعنى من أهان من أعزه الله وألبسه خلع السلطنة أهانه الله، وفي الأرض متعلق بسلطان الله تعلقها في قوله تعالى: ﴿إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ [ص ـ ٢٦] والإضافة في سلطان الله إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله؛ ويحكى عن جعفر الصادق مع سفيان الثوري وعلى جَعْفَرَ جُبَّةُ [خزِ] دكناءَ فقال له: يا ابن رسول الله ليس هذا من لباسك فحسر عن ردن جبته فإذا تحتها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن فقال: يا ثوري لبسنا هذا الله وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه وما كان لكم أبديناه، ذكره صاحب جامع الأصول في كتاب مناقب الأولياء، والدكناء بالدال المهملة تأنيث الأدكن وهو ثوب مغبر اللون. ذكره الطيبي وقال: الإمام حجة الإسلام في منهاج العابدين، ذكر أن فرقد السنجي دخل على الحسن وعليه كساء وعلى الحسن حلة فجعل يلمسها فقال الحسن: ما لك تنظر إلى ثيابي، ثيابي ثياب أهل الجنة وثيابك ثياب أهل النار، بلغني أن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية، ثم قال الحسن: جعلوا الزهد في ثيابهم والكبر في صدورهم، والذي يحلف به لأحدكم بكسائه أعظم كبراً من صاحب المطرف بمطرفه (رواه الترمذي)، وقال هذا حديث حسن غريب. ٣٦٩٦ - (وعن النواس رضي الله عنه) بتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين المهملة، وقيل: بفتحها وسكون الميم وبالعين المهملة (قال: قال رسول الله صلفور: لا طاعة لمخلوق) صلة طاعة، وقوله: (في معصية الخالق) خبر لا وفيه معنى النهي يعني لا ينبغي ولا يستقيم ذلك، وتخصيص ذكر الخالق والمخلوق مشعر بعلية هذا الحكم ذكره الطيبي. وفي شرح السنة اختلفوا فيما يأمر به الولاة من العقوبات، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما أمر به الولاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه فيما كانت ولايته إليهم، وقال محمد بن الحسن: لا يسع المأمور أن الحديث رقم ٣٦٩٦: أخرجه البغوي في شرح السنة ٤٤/١٠ الحديث رقم ٢٤٥٥. ١٣٢/١٠٠ ٢٥١ كتاب الإمارة والقضاء رواه في ((شرح السنة)). ٣٦٩٧ - (٣٧) وعن أبي هريرةٌ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما مِنْ أميرٍ عَشرَةٍ، إِلا يُؤتى به يَومَ القيامةِ مغلولاً يفعله حتى يكون الذي أمره عدلاً وحتى يشهد عدل سواه، على أن الإمام ذلك الكشاف. عن أبي حازم أن سلمة بن عبد الملك قال له: ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله تعالى: ﴿وأولي الأمر منك﴾ [النساء - ٥٩] قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء - ٥٩] قال الطيبي [رحمه الله] يريد أن قوله: وأطيعوا الرسول عطف على أطيعوا الله وكرر الفعل ليدل على استقلال طاعة الرسول ولم يؤت بقوله: وأطيعوا في وأولي الأمر منكم دلالة على عدم استقلالهم، وعلله بقوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى رسوله وكأنه قيل: إذا لم يكن أولي الأمر مستقلين وشاهدتم منهم خلاف الحق فردوه إلى الحق، ولا يأخذكم في الله لومة لائم (رواه) أي: صاحب المصابيح (في شرح السنة) أي بإسناده. ورواه ابن حبان في صحيحه ورواه أحمد والحاكم في مستدركه عن عمران(١) والحاكم بن عمر الغفاري(٢)، وذكر الجزري في أسنى المناقب بسنده عن علي رضي الله تعالى عنه قال: دعاني رسول الله وَ طير فقال: يا علي إن فيك من عيسى مثلاً أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحببته النصارى حتى أنزلته بالمنزلة التي ليس بها. قال: فقال علي كرم الله وجهه: أنه يهلك في محب مطر لي يقرظني بما ليس فيّ ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن بهتني الأواني لست بنبي ولا يوحى إليّ ولكني أعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله [تعالى] عليه وسلم ما استطعت له، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم أو كرهتم، وما أمرتكم بمعصية الله أنا أو غيري فلا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف. حديث حسن رواه الحاكم(٣) في صحيحه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه اهـ. وفي الجامع الصغير: ((من أمركم من الولاة بمعصية فلا تطيعوه؛ رواه أحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي سعيد(٤)، وروى البيهقي عن ابن عمر ومن أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف(٥). ٣٦٩٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلايقول: ما من أمير عشرة) بفتحتين، ووقع في نسخة السيد بسكون الشين وهو سهو ومن زائدة لتأكيد النفي في إفادة عموم العادل والظالم (ألا يؤتى به). وفي رواية ألا وهو يؤتى به أي يحضر (يوم القيامة مغلولاً) أي (١) الحاكم في المستدرك ٣٥٧/٣، وأحمد في المسند ٤٣٢/٤. (٢) الحاكم في المستدرك ٣٥٦/٣، وأحمد في المسند ٦٦/٥. (٣) الحاكم في المستدرك ١٢٣/٣. (٤) الجامع الصغير ٥١٩/٢ الحديث رقم ٨٥٣٠. (٥) الجامع الصغير ٥١٩/٢ الحديث رقم ٨٥٣١. وأخرجه البيهقي في الشعب الحديث رقم ٧٦٠٣. الحديث رقم ٣٦٩٧: أخرجه الدارمي في السنن ٣١٣/٢ الحديث رقم ٢٥١٥. ٢٥٢ ٠٫٠٠ 12. كتاب الإمارة والقضاء حتى يَفُكَّ عنه العَذْلُ أو يُوبِقَهُ الجَوْرُ)). رواه الدارمي. ٣٦٩٨ - (٣٨) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ويلٌ للأمراءِ، ويلٌ للعُرفاءِ، ويلٌ للأُمناءِ، لَيتمثِّينَ أقوامٌ يومَ القيامةِ أنَّ نواصيَهُم مُعلَّقَةٌ بالثُريًّا، يتجلجلون بينَ السَّماءِ والأرضِ، وأَنَّهُم لم يَلُوا عمَلاً)). يده إلى عنقه عكس ما كان في الدنيا مبسوطة في إرادة نفسه وإفادة حكمه، (حتى يفك عنه العدل)؛ وفي رواية حتى يفكه العدل أي عدله إن كان عادلاً؛ (أو يوبقه الجور) أي يهلكه ظلمه إن كان ظالماً، فأو للتنويع. قال الطيبي: أو يوبقه عطف على يفك فيكون غاية قوله: يؤتى به يوم القيامة مغلولاً أي لم يزل مغلولاً حتى يحله العدل أن يهلكه الظلم: أي لا يفك عن الغل إلا الهلاك يعني يرى بعد الغل، ما الغل في جنبه السلامة. كما قال تعالى: ﴿وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين﴾ [ص - ٧٨] يعني يرى يوم الدين من العذاب ما اللعنة بالنسبة إليه سهلة يسيرة؛ (رواه الدارمي) وكذا البيهقي. ٣٦٩٨ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال؛ قال رسول الله وَظافر: ويل للأمراء) مبتدأ وخبر كقوله: سلام عليك؛ وهو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب. وقيل: واد في النار، وقد ورد ويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره. رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد (ويل للعرفاء) جمع عريف بمعنى فاعل وهو القيم بأمر قبيلة ومحلة يلي أمرهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم، ومنهم رؤساء القرى وأرباب الولايات (ويل للأمناء) جمع أمين وهو من ائتمنه الإمام على الصدقات والخراج وسائر أمور المسلمين، ويدل عطفه على الأمراء والعرفاء ويشمل بعمومه كل من ائتمنه غيره على مال أو غيره، ومنهم وصي الأيتام وناظر الأوقاف (ليتمنين أقوام يوم القيامة نواصيهم) أي شعور[هم] قدام رؤوسهم (معلقة) أي في الدنيا (بالثريا) مقصوراً. في النهاية الثريا النجم، تصغير الثروي يقال: إن خلال أنجمها الظاهرة كواكب خفية كثيرة (العدد يتجلجلون) بالجيمين أي يتحركون (بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا) بضم اللام المخففة أي لم يصيروا والين (عملاً) من أعمال العمال من الولاة والقضاة؛ قال الطيبي [رحمه الله]: اللام في ليتمنين لام القسم والتمني طلب ما لا يمكن حصوله والمتمني قوله: إن نواصيهم معلقة بالثريا وأنهم لم يلوا تمنوا يوم القيامة أنهم في الدنيا يلواً وكانت نواصيهم معلقة بالثريا يعني تمنوا أنه لم يحصل لهم تلك العزة والرياسة والرفعة على الناس، بل كانوا أذلاء ورؤوسهم معلقة بنواصيهم في أعالي تتحرك وتتجلجل، ينظر إليهم سائر الناس ويشهدون منزلتهم، وهو أنهم بدل تلك الرياسة والعزة والرفعة، وذلك أن التعليق بالناصية مثل للمذلة والهوان، فإن العرب إذا أرادوا إطلاق أسير جزوا ناصيته مذلة وهواناً، وهذا التمني هو المعنى بالندامة في قوله صلى الله [تعالى] عليه وسلم: ((إنكم ستحرصون على الحديث رقم ٣٦٩٨: أخرجه البغوي في شرح السنة ٥٩/١٠ الحديث رقم ٢٤٦٨. وأحمد في المسند ٢/ ٣٥٢. ، ههو۔ ۔۔ ٢٥٣ كتاب الإمارة والقضاء رواه في ((شرح السنة)) ورواه أحمد، وفي روايته: ((أنَّ ذوائِبَهُم كانتْ مُعلَّقَةً بالثُريًّا، يتذبذبونَ بينَ السَّماءِ والأرضِ، ولَمْ يكونوا عُمِّلوا على شيء)). ٣٦٩٩ - (٣٩) وعن غالبِ القَطَّانِ، عن رجُلٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: قالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((إِن العِرافة حقٌّ ولا بُدَّ للناسِ من عُرَفاءَ، ولكنَّ العُرفاءَ في النّار)). الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة))(١) فقوله: ليتمنين أقوام كالتخصيص للعام والتقييد للمطلق، فإنه صلى الله [تعالى] عليه وسلم لما عمم التهديد وبالغ في الوعيد أراد أن يستدرك ويخرج من قام بها حق القيام وتجنب فيه عن الظلم والحيف واستحق به الثواب وصار ذا حظ مما(٢) وعد به ذو سلطان عادل. قال: ليتمنين أقوام أي طائفة من هؤلاء وذلك لينبه بالمفهوم على أن طائفة أخرى حكمهم على عكس ذلك وهم على منابر من نور على يمين الرحمن، وإنما لم يعكس ولم يصرح بمنطوق المدح للمقسطين ليدل بالمفهوم على ذم الجائرين لأن المقام مقام التهديد والزجر عن طلب الرياسة لأنها وإن كانت مهمة لا ينتظم صلاح حال الناس ومعاشهم دونها لكنه خطر، والقيام بحقوقها عشر فلا ينبغي للعاقل أن يقتحم عليها ويميل بطبعه إليها، فإن من زلت قدمه فيها عن متن الصواب قد يندفع إلى فتنة تؤدي به إلى العذاب. (رواه في شرح السنة ورواه أحمد وفي روايته) أي أحمد (إن ذوائبهم) جمع ذائبة أي ظفائرهم(٣)، (كانت معلقة بالثريا يتذبذبون) أي يترددون، (بين السماء والأرض)، أي مدة عملهم أي جميع عمرهم في الدنيا، (ولم يكونوا عملوا) بتشديد الميم على صيغة المجهول أي أعطوا عملاً، (على شيء) أي من أمور الدنيا. ٣٦٩٩ - (وعن غالب القطان رضي الله عنه) بفتح القاف وتشديد الطاء؛ قال المؤلف في فصل التابعين؛ هو غالب بن أبي غيلان وهو ابن خطاف القطان البصري روى عن بكر بن عبد الله، وعنه ضمرة بن ربيعة (عن رجل عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَ لفي: إن العرافة) بكسر أوّله (حق) أي أمر ينبغي أن يكون ثابتاً لما دعت إليه الحاجة. قال التوربشتي: قوله حق وقع هنا موقع المصلحة والأمر الذي تدعو إليه الضرورة في ترتيب البعوث والأجناد وما يلم به شعثهم من الأرزاق والعطيات والإحاطة بعددهم لاستخراج السهمان ونحوه، وهذا معنى قوله: (ولا بد للناس من عرفاء)، وقوله: (ولكن العرفاء في النار) أي فيما يقربهم إليها. ورد هذا القول مورد التحذير عن التبعات التي يتضمنها، والآفات التي لا يؤمن فيها، والفتن التي يتوقع منها، والأمر بالتيقظ دونها وغير ذلك من الهنات التي قلما يسلم منها الواقع فيها اهـ. والمراد من العرفاء في النار هم الذين لم يعدلوا في الحكم، وأتى بصيغة العموم إجراء للغالب مجرى الكل، والمعنى أنهم يلابسون ما يجرهم إلى النار، أو التقدير يكون أكثرهم في النار. قال (١) راجع الحديث رقم (٣٦٨١). (٢) في المخطوطة ((ما)). (٣) في المخطوطة ((ظفائركم)). الحديث رقم ٣٦٩٩: أخرجه أبو داود في السنن ٦٤٦/٣ الحديث رقم ٢٩٣٤. سد ٢٥٤ :٥٧ كتاب الإمارة والقضاء رواه أبو داود. ٣٧٠٠ - (٤٠) وعن كعب بنِ عُجْرَةً، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ وَلِهِ: «أُعِيذُكَ بِاللَّهِ منْ إِمارةِ السُّفهاءِ». قال: وما ذاكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((أُمراءَ سيكونونَ منْ بعدي، من دخلَ عليهِمْ، فصدَّقَهُم بِكَذِبهم وأعانَهُمْ على ظُلْمِهم؛ فليسُوا مِنِّي ولستُ مِنهُم، ولم يَرِدُوا عليَّ الحوضَ، ومنْ لم يَدخُلْ عليهم ولم يُصَدِّقْهُم بِكَذْبِهِم ولم يُعنْهُم على ظُلمِهم؛ فأولئكَ منّي وأنا منهم، وأولئكَ يَردِونَ عليَّ الحوضَ)). الطيبي: قوله ولكن العرفاء في النار مظهر أقيم مقام المضمر ليشعر بأن العرافة على خطر، ومن باشرها على شفا حفرة من النار، فهو كقوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نار﴾ [النساء - ١٠] فينبغي للعاقل أن يكون على تيقظ وحزم وحذر منها لئلا تورّطه في الفتنة وتؤدي به إلى عذاب النار؛ وهذا تلخيص كلام الشيخ (رواه أبو داود). ٣٧٠٠ - (وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه) بضم فسكون، قال المصنف: نزل الكوفة ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة. روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. (قال: قال لي) أي وحدي أو مخاطباً لي (رسول الله وَالقر: ((أعيذك بالله من إمارة السفهاء))) أي من عملهم، أو من الدخول عليهم، أو اللحوق بهم والسفهاء الجهال علماً وعملاً. وقال الطيبي: السفهاء الخفاف الأحلام. وفي النهاية: السفه في الأصل الخفة والطيش، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطرباً لا استقامة له، والسفيه الجاهل (قال): فيه التفات أو تجريد إذا حقه أن يقول: قلت: (وما ذاك يا رسول الله) أي أي شيء ما ذكرته من إمارة السفهاء. وقال الطيبي: إشارة إلى معنى إمارة السفهاء وهو فعلهم المستفاد منه من الظلم والكذب وما يؤدي إليه جهلهم وطيشهم. (قال: أمراء سيكونون من بعدي) أي سفهاء موصوفون بالكذب والظلم، (من دخل عليهم) أي من العلماء وغيرهم، (فصدقهم بكذبهم) بفتح فكسر، ويجوز بكسر فسكون والأول أصح وأفصح لعدم ورود غيره في القرآن؛ وقيل: الكذب إذا أخذ في مقابلة الصدق كان بسكون الذال للازدواج، وإذا أخذ وحده كان بالكسر، (وأعانهم على ظلمهم) أي بالإفتاء ونحوه، (فليسوا مني ولست منهم) أي بيني وبينهم براءة ونقض ذمة، (ولن يردوا)؛ وفي نسخة ولم يردوا من الورود أي لم يمروا (علي) بتشديد الياء. بتضمين معنى العرض أي لن يردوا عليّ معروضين، (الحوض) أي حوض الكوثر في القيامة أو في الجنة، (ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وأولئك يردون عليّ الحوض). قال الطيبي: أدخل الفاء في خبر من لتضمنه معنى الشرط وزاد فيه أولئك وكرره لمزيد تقرير العلة لأن اسم الإشارة في مثل هذا المقام يؤذن بأن ما يرد عقيبه جدير بما قبله لاتصافه بالخصال المذكورة كقوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم ٠٫٣٠ الحديث رقم ٣٧٠٠: أخرجه الترمذي في السنن ٥١٢/٢ الحديث رقم ٦١٤، والنسائي في ٧ / ١٦٠ الحديث رقم ٤٢٠٧. وأحمد في المسند ٢٤٣/٤. ٢٥٥ كتاب الإمارة والقضاء رواه الترمذي، والنسائي. ٣٧٠١ - (٤١) وعن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَّ قال: ((من سكنَ الباديةَ جفا، ومن اتَّبَعَ الصيدَ غفَلَ، ومن أتى السلطانَ افتُيِّنَ)). رواه أحمد، والترمذي، والنسائي. وفي رواية أبي داودَ: ((من لَزِمَ السلطانَ افتُتِنَ، وما ازدادَ عبدٌ من السلطانِ دُنُوّاً إِلا ازدادَ من اللَّهِ بُعداً)). وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة - ٥] بعد قوله: الذين يؤمنون بالغيب؛ إلى ما يتصل به استحماداً على فعلهم من الاجتناب عنهم وعن تصديقهم ومعاونتهم. قال سفيان الثوري: لا نخالط السلطان ولا من يخالطه. وقال صاحب القلم وصاحب الدواة وصاحب القرطاس وصاحب الليطة: بعضهم شركاء بعض. وروي أن خياطاً سأل عبد الله بن المبارك عن خياطته للحكام هل أنا داخل في قوله تعالى: ﴿لا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ [هود - ١١٣] قال: بل يدخل فيه من يبيعك الإبرة. قال ابن مسعود: من رضي بأمر الظالم وإن غاب عنه كان كمن شهده وتلا الآية. (رواه الترمذي والنسائي). ٣٧٠١ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّ ر قال: من سكن البادية جفا) أي جهل قال تعالى: ﴿الأعراب أشد كفراً ونفاقاً﴾ [التوبة - ٩٧] وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله. وقال [القاضي] جفا الرجل إذا غلظ قلبه وقسا ولم يرق لبر وصلة رحم، وهو الغالب على سكان البوادي لبعدهم عن أهل العلم، وقلة اختلاطهم بالناس، فصارت طباعهم كطباع الوحوش. وأصل التركيب للنبو عن الشيء (ومن اتبع الصيد) أي لازم اتباع الصيد والاشتغال به، وركب على تتبع الصيد كالحمام ونحوه لهواً وطرباً (غفل) أي عن الطاعة والعبادة ولزوم الجماعة والجمعة، وبعد عن الرقة والرحمة لشبهه بالسبع والبهيمة، (ومن أتى السلطان) أي بابه من غير ضرورة وحاجة لمجيئه (افتتن) بصيغة المجهول أي وقع في الفتنة، فإنه إن وافقه فيما يأتيه ويذره فقد خاطر على دينه، وإن خالفه فقد خاطر على دنياه! هذا خلاصة كلام الطيبي. وقال المظهر: يعني من التزم البادية ولم يحضر صلاة الجمعة ولا الجماعة ولا مجالس العلماء فقد ظلم على نفسه، ومن اعتاد الاصطياد للهو والطرب يكون! غافلاً لأن اللهو والطرب يحدث من القلب الميت، وأما من اصطاد للقوت فجاز له لأن بعض الصحابة كانوا يصطادون، ومن دخل على السلطان وداهنه وقع في الفتنة، وأما من لم يداهن ونصحه وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فكان دخوله عليه أفضل الجهاد. (رواه أحمد( والترمذي والنسائي، وفي رواية أبي داود: من لزم السلطان) أي لازمه (افتتن وما ازداد عبد من السلطان دنواً) بضمتين وتشديد الواو أي قرباً (إلا ازداد من الله بعداً) وروى الديلمي في مسند الفردوس عن علي كرم الله وجهه مرفوعاً: ((من ازداد علماً ولم يزدد في الدنيا زهداً لم يزدد من الله إلا بعداً)). الحديث رقم ٣٧٠١: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٨/٣ الحديث رقم ٢٨٥٩، والترمذي في ٤/ ٤٥٤ الحديث رقم ٢٢٥٦، والنسائي في ٧/ ١٩٥ الحديث رقم ٤٣٠٩، وأحمد في المسند ٣٥٧/١. ٢٥٦ كتاب الإمارة والقضاء ٣٧٠٢ - (٤٢) وعن المقدام بن معدي كِربَ أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ ضربَ على مَنْكَبَيْهِ، إثمّ قال: ((أفلحتَ يا قُدَيمُ إِنْ مُتَّ وَلم تكُنْ أميراً، ولا كاتباً، ولا عريفاً». رواه أبو داود. ٣٧٠٣ - (٤٣) وعن عُقْبةَ بن عامرٍ، قال: قال رسول الله وَ لَه: ((لا يَدْخُلُ الجنَّةَ (صاحبُ مَكْسٍ)) يعني: الذي يُعَشِّرُ النَّاس. رواه أحمد، وأبو داود، والدارمي. ٣٧٠٢ - (وعن المقدام رضي الله عنه) بكسر الميم (ابن معدي كرب رضي الله عنه) تقدم أذكره (إن رسول الله وَّلفي ضرب) أي يديه (على منكبيه) إظهاراً للشفقة والمحبة وتنبيهاً له عن حالة الغفلة (ثم قال: أفلحت) أي ظفرت بالمقصود الحقيقي (یا قديم) تصغير مقدام ترخيم بحذف الزوائد وهو تصغير ترخيم كقول لقمان: يا بني (إن مت) بضم الميم وكسرها (ولم تكن أميراً ولا كاتباً) أي له (ولا عريفاً) أي واحد العرفاء أو ولا معروفاً يعرفك الناس، ففيه إشارة إلى أن الخمول ا براحة والشهرة آفة! حكي عن الشريف الحسيب النسيب مولانا أبو عز بن بركات والي مكة المكرمة وَالَى عليه بركات الرحمة أنه قال: السعيد من لا يعرفنا ولا نعرفه! (رواه أبو داود). وروى الطبراني والحاكم عن فضالة بن عبيد مرفوعاً: ((أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع إيه))!(١) وروى البخاري في تاريخه، والطبراني في الكبير، عن قرة بن هبيرة مرفوعاً: ((أفلح من رزق لباً أي عقلاً كاملاً يختار الباقية على الفانية ويعرض عن العاجلة ويقبل على الآجلة)). ٣٧٠٣ - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه) مر ذكره (قال: قال رسول الله وَليقول: لا يدخل الجنة صاحب مكس) بفتح أوله. في النهاية: هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار 41 (يعني) أي يريد النبي ◌َّ بصاحب المكس (الذي يعشر الناس) بفتح الياء وسكون العين وضم الشين؛ وفي نسخة من باب التفعيل؛ ففي المصابيح يقال: عشرت المال عشراً: من باب قتل وعشوراً أخذت عشرة، وعشرت القوم عشراً من باب ضرب صرت عاشرهم. وفي القاموس عشر بعشر أخذ واحداً من عشرة زادوا حداً على تسعة، والقوم صار عاشرهم وعشرهم بعشرهم عشراً وعشوراً وعشرهم أخذ عشر أموالهم والعشار قابضه. وقال الجزري: هذا التفسير من محمد بن إسحاق بن منده، وفي شرح [السنة] أراد بصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا مكساً باسم العشر، فأما الساعي الذي يأخذ الصدقة ومن يأخذ من أهل الذمة العشر الذي صولحوا عليه فهو محتسب ما لم يتعد فيأثم بالتعدي والظلم اهـ. وكذا من يأخذ العشر من مال الحربي إذا دخل دارنا تاجراً بأمان بشروطه المعتبرة في كتب الفقه. (رواه أحمد وأبو داود والدارمي)، وكذا الحاكم في مستدركه(٢). الحديث رقم ٣٧٠٢: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٦/٣ الحديث رقم ٢٩٣٣. (١) الحاكم في المستدرك ١٢٢/٤. الحديث رقم ٣٧٠٣: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٩/٣ الحديث رقم ٢٩٣٧. وأخرجه الدارمي في السنن ٤٨٢/١ الحديث رقم ١٦٦٦. وأحمد في المسند ١٤٣/٤. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٠٤. ٢٥٧ كتاب الإمارة والقضاء ٣٧٠٤ - (٤٤) وعن أبي سعيدٍ، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِنَّ أَحبَّ الناسِ إِلى اللَّهِ يوم القيامةِ وأقرَبهمْ منه مجلساً إِمام عادلٌ. وإِنَّ أبغضَ النَّاسِ إِلى اللَّهِ يومَ القيامةِ وأشدَّهم عذاباً)). وفي رواية: ((وأبعدَهم منهُ مَجلِساً إِمامٌ جائرٌ)). رواه الترمذي. وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ . ٣٧٠٥ - (٤٥) وعنه، قال: قالَ رسولُ اللّهِ وَلَّ: «أفضلُ الجهادِ من قالَ كلمةَ حقِّ عندَ سلطانٍ جائرٍ)). ٣٧٠٤ - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَل: إن أحب الناس) أي أكثرهم محبوبية (إلى الله يوم القيامة وأقربهم)، وفي رواية وأدناهم (منه مجلساً) أي مكانة ومرتبة (إمام عادل). قال بعض علمائنا قبل زماننا: من قال لسلطان أيامنا أنه عادل فهو كافر. (وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً) أي لكونه أقواهم حجاباً، (وفي رواية وأبعدهم [منه] مجلساً إمام جائر) أي ظالم. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب)، وكذا أحمد، ورواه ابنه في زوائد الزهد عن الحسن مرسلاً: إن أحب عباد الله إلى الله أنصحهم لعباده. ٣٧٠٥ - (وعنه) أي عن أبي سعيد رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَالقول: أفضل الجهاد من قال:) أي جهاد من قال، أو أفضل أهل الجهاد من قال: (كلمة حق) أي قول حق ولو كان كلمة واحدة وضده ضده (عند سلطان جائر) أي صاحب جور وظلم. قال الطيبي: أي من تكلم كلمة حق، لأن كلمة حق تحمله؛ وقال الخطابي: إنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان متردداً بين الرجاء والخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب، وصاحب السلطان مقهور (١) في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف فصار ذلك [أتلف] أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف. وقال المظهر: وإنما كان أفضل لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير، فإذا نهاه عن الظلم فقد أوصل النفع إلى خلق كثير بخلاف قتل كافر اهـ، ويمكن أن يقال: وإنما كان أفضل لأنه من الجهاد الأكبر، وهو مخالفة النفس لأنها تتبرأ من هذا القول، وتتبعد من الدخول في هذا الهول مع ما فيه من النصيحة الراعي والرعية، ولأن تخليص مؤمن من القتل مثلاً أفضل من قتل كافر لقوله تعالى: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ [المائدة - ٣٢] ولذا قدم كتاب النكاح على باب السير والجهاد لأن إيجاد مؤمن أفضل من إعدام ألف كافر، لأن المقصود بالذات من الجهاد وجود الحديث رقم ٣٧٠٤: أخرجه الترمذي في صحيحه ٦١٧/٣ الحديث رقم ١٣٢٩ وأحمد في المسند ٥٥/٣. الحديث رقم ٣٧٠٥: أخرجه أبو داود في السنن ٥١٤/٤ الحديث رقم ٤٣٤٤، والترمذي في ٤٧٩/٤ الحديث رقم ٢١٧٤، وابن ماجه في ١٣٢٩/٢ الحديث رقم ٤٠١١، وأحمد في المسند ١٩/٣. (١) في المخطوطة ((أفضل)). ************** "v "" أجود ٨٥١٠: ٢٥٨ كتاب الإمارة والقضاء رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. ٣٧٠٦ - (٤٦) ورواه أحمد والنسائي عن طارق بنِ شهابٍ. ٣٧٠٧ - (٤٧) وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((إِذا أرادَ اللَّهُ بالأميرِ خيراً جعلَ له وزيرَ صدقٍ، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وإِنْ ذكَرَ أعانَهُ. وإِذا أرادَ بهِ غيرَ ذلكَ جعلَ لهُ وزيرَ سوءٍ، إِنْ نسِيَ لم يُذكِّرْهُ، وإِنْ ذكرَ لَمْ يُعِنْهُ» . الإيمان وأهله قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات - ٥٦] هذا وقال الشيخ أبو حامد في الأحياء: الأمر بالمعروف مع السلطان التعريف والوعظ، وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية لأن ذلك يحرك الفتنة ويهيج الشر، ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر وأما التخشن في القول كقولك: يا ظالم، يا من لا يخاف الله وما يجري مجراه، فذلك إن كان يتعدى شره إلى غيره لم يجز وإن كان لا يخاف إلا على نفسه فهو جائز بل مندوب إليه! فلقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار والتصريح بالإنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة لعلمهم بأن ذلك جهاد وشهادة. (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه)، أي عنه. ٣٧٠٦ - (ورواه أحمد والنسائي، عن طارق بن شهاب)، وفي الجامع الصغير بلفظ: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) رواه ابن ماجه عن أبي سعيد، وأحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة، وأحمد والنسائي والبيهقي عن طارق بن شهاب(١). ٣٧٠٧ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال) أي لي كما في نسخة (رسول الله إليه: إذا أراد الله بالأمير) أي بمن يكون أميراً (خيراً) في الدنيا والعقبى (جعل له وزير صدق) أي قدر له وزيراً صادقاً مصلحاً. قال في النهاية: الوزير الذي يوازر الأمير فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، يعني أنه مأخوذ من الوزر وهو الحمل والثقل. ومنه قوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ [محمد - ٤] أي انقضى أمرها وخفت أثقالها فلم يبق قتال؛ لكن أكثر ما يطلق في الحديث وغيره على الذنب والإثم. ومنه قوله تعالى: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ [الأنعام - ٣١] فيمكن أن الوزير سمي وزيراً لأنه يتحمل وزر الأمير في أمور كثيرة (إن نسي) أي الأمير حكم الله (ذكره) بالتشديد أي أخبر الأمير به، (وإن ذكر) بالتخفيف أي وإن تذكره الأمير بنفسه (أعانه) أي حرضه الوزير وحرضه عليه، (وإذا أراد [به]) أي الله تعالى بالأمير (غير ذلك) أي شراً (جعل له وزير سوء) بفتح السين وضمه (إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه) بل يصرفه عنه؛ قال الطيبي [رحمه الله] أصل وزير صدق وزير صادق ثم وزير صدق على الوصف الحديث رقم ٣٧٠٦: أخرجه النسائي في السنن ١٦١/٧ الحديث رقم ٤٢٠٩ وأحمد في المسند ٣١٤/٤. (١) الجامع الصغير ٧٩/١ الحديث رقم ١٢٤٦. الحديث رقم ٣٧٠٧: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٥/٣ الحديث رقم ٢٩٣٢، والنسائي في ١٥٩/٧ الحديث رقم ٤٢٠٤. ٢٥٩ كتاب الإمارة والقضاء رواه أبو داود، والنسائي. ٣٧٠٨ - (٤٨) وعن أبي أمامة عن النبيِّ وَّرَ قال: ((إِنَّ الأميرَ إِذا ابتغى الريبةً في الناسِ أفسَدَهُمْ)). رواه أبو داود. ٣٧٠٩ - (٤٩) وعن معاوية [رضي الله عنه] قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ لِّ يقول: ((إِنَّكَ إِذا اتَّبَعْتَ عوراتِ الناسِ أفسدْتَهُمْ)). به ذهاباً إلى أنه نفس الصدق ومجسم عنه يعني مبالغة، ثم أضيف إليه لمزيد الاختصاص به، ولم يرد بالصدق الاختصاص بالقول فقط بل بالأفعال والأقوال. وقال الراغب: يعتبر عن كل فعل فاضل ظاهراً وباطناً بالصدق، ويضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به نحو قوله تعالى: ﴿في مقعد﴾ [القمر - ٥٥] صدق وقدم صدق﴾ وعلى عكس ذلك وزير سوء. (رواه أبو داود والنسائي)، وكذا البيهقي؛ وروى الديلمي في مسند الفردوس عن مهران مرفوعاً إذا أراد الله يقوم خيراً ولى عليهم حلماءهم وقضى بينهم علماؤهم وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بقوم شراً ولى عليهم سفهاءهم وقضى بينهم جهالهم وجعل المال في بخلائهم! ٣٧٠٨ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي وَلي قال: إن الأمير) وفي معناه الوزير (إذا ابتغى الريبة) بكسر أوله أي التهمة (في الناس) بأن طلب عيوبهم وتجسس ذنوبهم واتهمهم في تفحص أحوالهم (أفسدهم) أي أفسد عليهم أمور معاشهم ونظام معادهم لأن الإنسان قلما يخلو عن ذم، فلو أدبهم لكل قول وفعل بهم لشق الحال عليهم، بل ينبغي له ما أمكن أن يستر عليهم؛ ألا ترى ما تقدم في الحدود من تلقين المعترف بالذنب دفعاً لدرء الحد عنه، وقد قال وَلجر: ((من ستر أخاه المسلم ستره الله يوم القيامة))(١). رواه أحمد عن رجل، وفي حديث آخر ((من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا ميتاً)) رواه الطبراني والضياء عن شهاب، (رواه أبو داود). وفي الجامع الصغير، رواه أبو داود والحاكم عن جبير بن نفير وكثير بن مرة والمقدام وأبي أمامة (٢) ٣٧٠٩ - (وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ الله يقول: إنك إذا اتبعت) من الاتباع أي تتبعت (عورات الناس) أي عيوبهم الخفية؛ وفي نسخة ابتغيت أي طلبت ظهور معايبهم وخللهم (أفسدتهم) أي حكمت عليهم بالفساد أو أفسدت أمر المعاش والمعاد والله رؤوف بالعباد. قال الطيبي [رحمه الله]: وإنما عم في هذا الحديث بالخطاب، بقوله: إنك، الحديث رقم ٣٧٠٨: أخرجه أبو داود في السنن ٥/ ٢٠٠ الحديث رقم ٤٨٨٩، وأحمد في المسند ٤/٦. (١) أخرجه عن أبي هريرة في المسند ٢٩٦/٢، وفي ٤/ ٦٢. (٢) الجامع الصغير ١٢١/١ الحدیث رقم ١٩٥٦. الحديث رقم ٣٧٠٩: أخرجه أبو داود في السنن ١٩٩/٥ الحديث رقم ٤٨٨٨، والبيهقي في شعب الإيمان ٧/ ١٠٧ الحديث رقم ٩٦٥٩. ٤٧,٤ھ ٢٦٠ كتاب الإمارة والقضاء رواه البيهقي في («شعب الإيمان)). ٣٧١٠ - (٥٠) وعن أبي ذرِّ، قال: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((كيفَ أنْتُم وأئمةً من بعدي، يستأثرونَ بهذا الفيءٍ؟)). قلتُ: أما والذي بعثكَ بالحقِّ، أضَعُ سيفي على عاتِقي، ثمَّ أضربُ بهِ حتى أَلْقَاكَ وخص في الحديث السابق بقوله: إن الأمير لئلا يتوهم أن النهي مختص بالأمير بل لكل من يتأتى منه اتباع العورات من الأمير وغيره. ولو قلنا: إن المخاطب معاوية على إرادة أنه سيصير أميراً فيكون معجزة لكان وجهاً، وينصر هذا الوجه الحديث الخامس في الفصل الثالث، (رواه البيهقي في شعب الإيمان). ٣٧١٠ - (وعن أبي ذر [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله وَلّ: كيف أنتم؟) قال الطيبي [رحمه الله]: كيف سؤال عن الحال وعامله محذوف أي كيف تصنعون؟ فلما حذف الفعل أبرز الفاعل كقوله تعالى: ﴿لو أنتم تملكون﴾ [الإسراء - ١٠٠] والحال المسؤول عنه أتصبرون أم تقاتلون؟ يدل عليه قوله: أضع سيفي؛ وقوله وَالر: تصبر حتى تلقاني، وقوله: (وأئمة من بعدي) مفعول معه وقوله: (يستأثرون) جملة حالية والعامل هو المحذوف اهـ. وهو مبني على أصله الموافق لما في بعض النسخ من كون أئمة بالنصب، وأما على رفعها كما في النسخة المعتمدة والأصول المصححة، فالجملة الاسمية محلها النصب على الحالية، والمعنى كيف حالكم؟ والحال أن أمراءكم ينفردون (بهذا الفيء) ويختارونه ولا يعطون المستحقين منه. قال ابن الهمام: والفيء مال مأخوذ من الكفار بغير قتال كالخراج والجزية، وأما المأخوذ بقتال فيسمى غنيمة اهـ، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [الحشر - ٦] الآيات. وقوله عزَّ وجلّ: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ [الأنفال - ٤١] الآية. وفي المغرب: الفيء بالهمزة ما نيل من أهل الشرك بعد ما تضع الحرب أوزارها وتصير الدار دار الإسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس؛ والغنيمة ما نيل منهم عنوة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس، وسائر ما بعد الخمس للغانمين خاصة، والنفل ما ينفل الغازي أي يعطاه زائداً على سهمه. قال الطيبي [رحمه الله]: والفيء في الحديث يشملها إظهاراً لظلمهم واستئثارهم بما ليس من حقهم، ومن ثم جاء باسم الإشارة لمزيد تصوير ظلمهم. ويبينه قول المظهر: يعني يأخذون مال بيت المال وما حصل من الغنيمة ويستخلصونه لأنفسهم ولا يعطونه لمستحقيه! (قلت: أما) بالتخفيف بمعنى إلا للتنبيه (والذي بعثك بالحق) أي بالصدق أو ملتبساً بالحق (أضع سيفي على عاتقي ثم أضرب به) أي أحاربهم (حتى ألقاك) أي أموت وأصل (إليك) بالشهادة. قال الطيبي (رحمه الله]: ثم لتراخي رتبة الضرب عن الوضع. وعبر عن كونه شهيداً بقوله: حتى ألقاك! وحتى يحتمل أن تكون بمعنى كي وبمعنى الغاية، الحديث رقم ٣٧١٠: أخرجه أبو داود في السنن ١١٩/٥ الحديث رقم ٤٧٥٩، وأحمد في المسند ١٨٠/٥. بحه