Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب الحدود/ باب الشفاعة في الحدود
الفصل الثاني
٣٦١١ - (٢) عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَ لَه يقولُ: ((مَنْ حالتْ
شفاعتُه دونَ حدٍّ من حدودِ الله؛ فقد ضادَّ اللَّهَ. ومن خاصمَ في باطلٍ وهوَ يعلمُه؛ لمْ يزَلْ
في سَخطِ اللَّهِ تعالى حتى ينزعَ. ومَنْ قال في مُؤمنٍ ما ليسَ فيهِ؛ أسكنَه اللَّهُ رَذغةَ الخَبالِ
حتى يخرُجَ ممَّا قال)).
الفصل الثاني(١)
٣٦١١ - (عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله وَلهو يقول: من حالت) من
الحيلولة أي حجبت (شفاعته دون حد) أي عنده، والمعنى من منع بشفاعته حداً (من حدود
الله)، قال الطيبي: أي قدام حد فيحجز عن الحد بعد وجوبه عليه بأن بلغ الإمام (فقد ضادّ
الله)، أي خالف أمره لأن أمره إقامة الحدود. قال الطيبي: وإنما قال: فقد ضاد الله لأن حدود
الله حماه ومن استباع حمى الله تعدى طوره ومن نازع الله تعالى فيما حماه فقد ضاد الله. (ومن
خاصم) أي جادل أحداً (في باطل وهو يعلمه) أي يعلم أنه باطل أو يعلم نفسه أنه على الباطل،
أو يعلم أن خصمه على الحق أو يعلم الباطل أو ضده الذي هو الحق ويصر عليه، (لم يزل في
سخط الله تعالى حتى ينزع) أي يترك، وينتهي عن مخاصمته. يقال: نزع عن الأمر نزوعاً إذا
انتهى عنه (ومن قال في مؤمن ما ليس فيه) أي من المساوىء (أسكنه الله ردغة الخبال) بسكون
الدال المهملة، ويفتح والخبال بفتح الخاء المعجمة. قال ابن الملك: الردغة بسكون الدال
وفتحها. وأهل الحديث يروونه بالسكون لا غير. وفي النهاية جاء تفسيرها في الحديث أنها
عصارة أهل النار، والردغة بسكون الدال وفتحها طين ووحل كثير، والخبال في الأصل الفساد،
ويكون في الأفعال والأبدان والعقول اهـ. قيل: سمى به الصديد في الحديث، لأنه من المواد
الفاسدة وقيل الخبال: موضع في جهنم مثل الحياض يجتمع فيه صديد أهل النار وعصارتهم
(حتى يخرج مما قال) أي من عهدته باستيفاء عقوبته أو باستدراك شفاعته أو بإلحاق مغفرته.
قال القاضي: وخروجه مما قال: أن يتوب عنه ويستحل من المقول فيه وقال: الأشرف ويجوز
أن يكون المعنى أسكنه الله ردغة الخبال ما لم يخرج من إثم ما قال: فإذا خرج من إثمه أي إذا
٠٫٠٠
٦
------ -....
ذكر في التعليق الصبيح أن هذا الكتاب خال عن الفصل الثاني وعنونه له بالفصل الثالث.
الحديث رقم ٣٦١١: أخرجه أبو داود في السنن ٢٣/٤ الحديث رقم ٣٥٩٧. وأخرجه ابن ماجه في
٧٧٨/٢ الحديث رقم ٢٣٢٠. وأحمد في المسند ٧٠/٢. والبيهقي في الشعب ١٢٢/٦
الحدیث رقم ٧٦٧٦.

١٨٢
١٦٨٥٢
. m ...
كتاب الحدود/ باب الشفاعة في الحدود
رواه أحمد، وأبو داود. وفي روايةٍ للبيهقيِّ في ((شعبٍ الإيمان)): ((مَنْ أَعانَ على خُصومةٍ لا
يذْري أَحَقِّ أمْ باطلٌ؛ فهوَ في سَخطِ اللَّهِ حتى ينزعَ)).
٣٦١٢ - (٣) وعن أبي أُميَّةَ المخزوميِّ: أَنَّ النبيَّ ◌َ أُتَيَ بلِصِّ قدِ اعترفَ اعترافاً، ولمْ
يوجد معَه متاعٌ. فقال له رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما إِخالُكَ سرقتَ)). قال: بَلى، فأعادَ عليهِ مرَّتينٍ أو
ثلاثاً، كلُّ ذلكَ يعترفُ، فأمرَ به فقُطعَ، وجيءَ بهِ فقال له رسولُ اللهِ وَلِ: ((استغفر الله
استوفى عقوبة إثمه لم يسكنه الله ردغة الخبال بل ينجيه الله تعالى منه ويتركه. قال
الطيبي: حتى على ما ذهب إليه القاضي غاية فعل المغتاب فيكون في الدنيا، فيجب
التأويل في قوله أسكنه الله ردغة الخبال بسخطه وغضبه الذي هو سبب في إسكانه ردغة
الخبال، ويؤيده القرينة السابقة واللاحقة لأن النزع في القرينة الأولى مفسر بترك الخصومة
الباطلة، وعلى هذا في الثالثة، والحيلولة بالشفاعة أعظمها لأنه مضادة الله تعالى، ولم
يذكر فيها النزع. قلت: لأن الحيلولة ليست مستمرة في العادة بخلاف البقية، ويؤيده
تقييده بحد قال: ثم الاغتياب بوضع المسبب موضع السبب تصوير لتهجين أمر المغتاب
وكأنه فيها الآن والله أعلم اهـ. وفيه أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه وهو فيه، وإن
لم يكن فهو بهتان كما ثبت في الحديث الصحيح. ((فمن قال في مؤمن ما ليس فيه لا
يكون مغتاباً بل يكون آتياً بالبهتان))(١). (رواه أحمد وأبو داود وفي رواية للبيهقي). وفي
نسخة بالإضافة (في شعب الإيمان من أعان) أي تعصباً أو عبئاً (على خصومة لا يدري
أحق) أي هي (أم باطل، فهو في سخط الله حتى ينزع).
٣٦١٢ - (وعن أبي أمية) قيل: لا يعرف له اسم (المخزومي). قال المؤلف: صحابي
عداده في أهل الحجاز روى عنه أبو المنذر مولى أبي ذر (أن النبي ولي أتي بلص) [بضم اللام]
وتكسر وتشديد الصاد المهملة، وفي القاموس مثلث اللام، أي جيء بسارق (قد) وفي نسخة
فقد (اعترف اعترافاً). أي أقر إقراراً صريحاً، (ولم يوجد معه متاع) أي من المسروق منه (فقال
له رسول الله في: ما أخالك) بسكر الهمزة وفتحها والكسر هو الأفصح وأصله الفتح قلبت
الفتحة بالكسرة على خلاف القياس، ولا يفتح همزتها إلا بنو أسد فإنهم يجرونها على القياس
وهو من خال يخال أي ما أظنك (سرقت). قاله: درأ للقطع. (قال: بلى.) أي سرقت (فأعاد
علیه مرتين أو ثلاثاً) شك من الراوي (كل ذلك) بالنصب. وفي نسخة بالرفع ولا وجه له. قال
الطيبي: كل ذلك ظرف يعترف قدم للاهتمام. والمعنى (يعترف) في كل من تلك المرات،
وذكر ذلك باعتبار المذكور، والجملة صفة لقوله ثلاثاً وثلاثاً نصب على المصدر وعامله فأعاد
(فأمر به فقطع وجيء به) أي بالسارق (فقال له رسول الله وَ له: استغفر الله.) أي اطلب باللسان
ريه
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٠١/٤ الحديث رقم (٧٠ - ٢٥٨٩).
الحديث رقم ٣٦١٢: أخرج أبو داود في السنن ٤/ ٥٤٢ الحديث رقم ٤٣٨٠. والنسائي في ٨/ ٦٧ الحديث
رقم ٠٤٨٧٧ وابن ماجه في ٨٦٦/٢ الحديث رقم ٢٥٩٧. وأحمد فى المسند ٢٩٣/٥.
ء ميثاق

١٨٣
كتاب الحدود/ باب الشفاعة في الحدود
وتُبْ إِليهِ)). فقالَ: أستغفِرُ اللَّهَ، وأتوبُ إِليهِ. فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((اللَّهُمَّ تُبْ عليهِ)) ثلاثاً.
مغفرة الله (وتب إليه)، أي ارجع إلى الله بالجنان (فقال): أي السارق (استغفر الله وأتوب إليه.
فقال رسول الله وَلي: ((اللهم تب عليه ثلاثاً))). أي اقبل توبته أو ثبته عليها، وهذا منه وَل يدل
على أن الحد ليس مطهراً بالكلية مع فساد الطوية، وإنما هو مطهر لعين ذلك الذنب، فلا عقاب
عليه ثانياً من جهة الرب، وقال الطيبي: الأمر بالاستغفار بعد القطع وتكرير رسول الله القديم
الاستغفار له تأكيد وتقرير لتوبته اهـ. وما فيه لا يخفى. قال القاضي: وبهذا الحديث يستشهد
علي أن للإمام أن يعرض للسارق بالرجوع، وأنه إن رجع بعد الاعتراف قبل لإسقاط الحد كما
في الزنا، وهو أصح القولين المحكيين عن الشافعي، ولمن زعم أن السرقة لا تثبت بالإقرار
مرة واحدة كأحمد وأبي يوسف وزفر أن يتمسك به أيضاً، لأنه لو ثبت بإقراره الأوّل لوجب
عليه إقامة الحد ويحرم تلقينه بالرجوع لقوله وغير في حديث عبد الله بن عمر: ((تعافوا بالحدود
فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب))(١). وجوابه أنه عليه الصلاة والسلام إنما لقنه لما رأى
أن له مخرجاً عنه بالرجوع، وقد قال وَطاهر: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان
له مخرج فخلوا سبيله))(٢). وإنما يجب حيث لم يكن له مخرج. قال الخطابي: وجه قوله عليه
الصلاة والسلام: ما أخالك سرقت؟ عندي أنه ظن بالمعترف غفلة عن السرقة وأحكامها أو لم
يعرف معناها، فأحب أن يستبين ذلك منه يقيناً، وقد نقل تلقين السارق عن جماعة من الصحابة
اهـ، وفيه أنه لم يقع منه إلا إعادة الإقرار ولم يظهر منه استبانة أمر السرقة وأحكامها، إلا ظناً
ولا يقيناً. وقال الطيبي: ويمكن أن يقال: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ظن ما ظن لما اعترف
الرجل ذلك الاعتراف. والحال أنه لم يوجد معه متاع مّا فإن هذه الإمارة كافية في الظن بالخير
من المسلمين اهـ، وفيه إن ظن الخير بالمسلم لا يتوقف على أمارة مع أن من حسن الظن
بالمسلم أيضاً أنه لا يكذب خصوصاً عن نفسه. فقوله: ولم يوجد معه متاع، إما وقع اتفاقاً أو
احترازاً من أنه لو كان معه متاع من المسروق منه لما لقنه لئلا يفوت مال المظلوم، ولهذا من
أقر بمال عنده أو دين عليه فلا يسن التلقين له كما سبق تحقيقه على(٣) أن الحديث لا دلالة فيه
على إعادة الاعتراف، فإن الاعتراف الأوّل يحتمل أنه لم يكن عنده وَلير، ومع وجود الاحتمال
يسقط الاستدلال. قال ابن الهمام: ويجب القطع بإقراره مرة واحدة وهذا عند أبي حنيفة
ومحمد ومالك والشافعي وأكثر علماء الأمة. وقال أبو يوسف: لا يقطع. وهو قول أحمد وابن
أبي ليلى وزفر وابن شبرمة لهذا الحديث حيث لم يقطعه إلا بعد تكرار إقراره، ولما أسند
الطحاوي إلى علي رضي الله تعالى عنه أن رجلاً أقر عنده بسرقة مرتين فقال: قد شهدت على
نفسك شهادتين. فأمر به فقطع، فعلقها في عنقه. ولأبي حنيفة ما أسند الطحاوي إلى أبي
هريرة في هذا الحديث قالوا: يا رسول الله إن هذا سرق. فقال: ما أخاله سرق؟ فقال السارق:
(١) أخرجه أبو داود ٤/ ٥٤٠ الحديث رقم ٤٣٧٦.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣٨٤/٤. والترمذي في ٢٥/٤ الحديث رقم ١٤٢٤.
(٣) في المخطوطة ((سع)).

١٨٤
١٢٠١٠
كتاب الحدود/ باب الشفاعة في الحدود
رواه أبو داود، والنسائيُّ، وابنُ ماجه، والدارمي هكذا وجدتُ في ((الأصولِ الأربعةِ))
و((جامعِ الأصولِ)) و((شعبِ الإِيمان)) و((معالِم السُّنن)) عن أبي أمية.
٣٦١٣ - (٤) وفي نسخ ((المصابيح)): عن أبي رِمِئَةً، بالراءِ والثاءِ المثلثة، بدل الهمزة
والياءِ .
بلى يا رسول الله. قال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به. قال: فذهب به فقطع ثم
حسم ثم أتي به، فقال تب إلى الله عزَّ وجلّ فقال: تبت إلى الله عزَّ وجلّ، فقال: تاب الله
عليك فقد قطعه بإقراره مرة (١) اهـ. وفيه أنه وقع حينئذ التعارض بين الحديثين ويحتاج إلى
التصحيح والترجيح فالأولى حمل الحديث السابق على أن اعترافه الأوّل كان بحضرة الصحابة
ثم الصحابة بناء على اعترافه عندهم قالوا: يا رسول الله إن هذا سرق لا، إنهم شهدوا، وبهذا
يحصل الجمع بين الحديثين ويرفع التناقض بين الدليلين فمآلهما واحد في أنه لا يحتاج إلى
الإقرار المتعدد والله أعلم. (رواه) أي الحديث عن أبي أمية (أبو داود والنسائي وابن ماجه
والدارمي هكذا)، أي مثل ما ذكرت من أن الحديث عن أبي أمية لا عن أبي رمثة. (وجدت في
الأصول الأربعة) أي المذكورة من سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والدارمي (وجامع
الأصول) أي وفي جامع أصول السنة لابن الأثير، (وشعب الإيمان) أي للبيهقي، (ومعالم
السنن) أي للخطابي، (عن أبي أمية) بالتصغير.
٣٦١٣ - (وفي نسخ المصابيح عن أبي رمثة) بالراء أي المكسورة قبل ميم ساكنة، (والثاء
المثلثة بدل الهمزة والياء)، أي في صورة الخط مع قطع النظر عن الشكل، وفيه لف ونشر
مرتب، ثم اعلم أن هذا الباب خال عن الفصل الثالث ولم يبينه المؤلف لعدم احتياجه بناء على
عدم التزامه، وفيه أنه بقي من الأحاديث المتعلقة بأصل الباب المهم علمه في الكتاب ما ورد
في رد المسروق عند وجوده، وضمان السارق عند فقده بعد قطعه، وأنا أذكر لك المسألة
واختلاف العلماء فيها مع الأدلة. ففي الهداية: وإذا قطع السارق والعين قائمة في يده ردت
على صاحبها لبقائها على ملكه، وإن كانت مستهلكة لم تضمن. قال ابن الهمام: وهذا الإطلاق
يشمل الهلاك والاستهلاك لأنه لما لم يضمن بالاستهلاك وله فيه جناية ثابتة فلإن لا يضمن
بالهلاك ولا جناية أخرى له فيه أولى، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو المشهور وبه
قال سفيان الثوري وعطاء والشعبي ومكحول وابن شبرمة وابن سيرين، وروى الحسن عنه أنه
يضمن في الاستهلاك، وقال الشافعي: يضمن فيهما أي في الهلاك والاستهلاك، وهو قول
أحمد والحسن والنخعي والليث وإسحاق وحماد. وقال مالك: إن كان السارق موسراً ضمن
وإن كان معسراً لا ضمان عليه نظراً للجانبين، ولا خلاف إن كان باقياً أنه يرد على المالك،
وكذا إذا باعه أو وهبه يؤخذ من المشتري والموهوب له، وهذا كله بعد القطع. ولو قال المالك
(١) فتح القدير ١٢٥/٥.
الحديث رقم ٣٦١٣: مصابيح السنة ٥٥٣/٢ الحديث رقم ٢٧٢١.

ممصر
١٨٥
كتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
باب حد الخمر
قبله: أنا أضمنه لم يقطع عندنا فإنه يتضمن رجوعه عن دعوى السرقة إلى دعوى المال.
وجه قولهم عموم قول الله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة - ١٩٤]
وعلى اليد ما أخذت حتى ترد، ولأنه أتلف مالاً مملوكاً عدواناً فيضمنه قياساً على
الغصب. والمانع إنما هو المنافاة بين حقي القطع والضمان ولا منافاة لأنهما حقان بسببين
مختلفين: أحدهما حق الله تعالى وهو النهي عن هذه الجناية الخاصة، والآخر حق الضرر
فيقطع حقاً لله ويضمن حق العبد، وصار كاستهلاك صيد مملوك في الحرم يجب الجزاء
حقاً لله ويضمنه حقاً للعبد، ولنا قوله عليه الصلاة والسلام فيما روى النسائي عن حسان بن
عبد الله عن المفضل بن فضالة عن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه
المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم
أنه قال: ((لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد)». ولفظ الدارقطني: لا غرم على
السارق بعد قطع يمينه. وضعف فإن المسور بن إبراهيم لم يلق عبد الرحمن بن عوف
وهو جده فإنه المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن إبراهيم مجهول،
وفيه انقطاع آخر. فإن إسحاق بن الفرات رواه عن المفضل، فأدخل بين يونس بن يزيد
وسعد بن إبراهيم الزهري، وقال ابن المنذر: سعد بن إبراهيم هذا مجهول. وقيل: إنه
الزهري قاضي المدينة، وهو أحد الثقات الإثبات، وعندنا الإرسال غير قادح بعد ثقة
الراوي وأمانته وذلك الساقط إن كان قد ظهر أنه الزهري فقد عرف وبطل القدح به، وما
قال ابن قدامة: إنه يحمل غرم السارق على أجرة القاطع مدفوع برواية البزار لا يضمن
السارق سرقته بعد إقامة الحد(١)، وفي المبسوط روى هشام عن محمد أنه إنما يسقط
الضمان عن السارق قضاء لتعذر الحكم بالمماثلة وأما ديانة فيفتي بالضمان للحوق الخسران
والنقصان للمالك من جهة السارق. وفي الإيضاح قال أبو حنيفة [رحمه الله تعالى]: لا
يحل للسارق الانتفاع به بوجه من الوجوه لأن الثوب على ملك المسروق منه، وكذا لو
خاط قميصاً لا يحل له الانتفاع لأنه ملكه بوجه محظور، وقد تقرر إيجاب القضاء به كمن
دخل دار الحرب بأمان وأخذ شيئاً من أموالهم لم يلزمه الرد قضاء، ويلزمه ديانة كالباغي
إذا تلف مال العادل ثم تاب لم يحكم عليه بالضمان لتعذر إيجاب الضمان بعارض ظهر
أثره في حق الحكم، وأما ديانة فيعتبر قضية السبب والله [ تعالى] أعلم [بالصواب].
باب حد الخمر
قال الطيبي: الخمر ستر الشيء ويقال لما يستر به خمار والخمر [سمي] به لكونه خامر
مقر العقل وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر
(١) فتح القدير ١٦٩/٥.
١
ے.
ـقص.
குரு

١٨٦
١٠٠
كتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
اهـ. وسيأتي بيانه عند باب بيان الخمر إن شاء الله تعالى. روى الترمذي عن علي بن أبي طالب
صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت
الصلاة فقدموني فقرأت ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾ ونحن نعبد ما تعبدون قال:
فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾(١)
[النساء - ٤٣] قال ابن الهمام: ولو ارتد السكران لا تبين امرأته لأن الكفر من باب الاعتقاد أو
الاستخفاف ولذا حكم بكفر الهازل مع اعتقاده لما يقول: ولا اعتقاد للسكران، ولا استخفاف
لأنهما فرع قيام الإدراك(٢)، والأظهر أن قراءة علي إنما وقعت سهواً لا قصداً والله تعالى أعلم.
[واعلم أن من المسائل المتعلقة بالباب إن شارب الخمر إن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند
أبي حنيفة، وأبي يوسف خلافاً لمحمد، وكذا إذا شهد عليه بعد ما ذهب ريحها أو ذهب من
غيرها، وأما التقادم فيمنع قبول الشهادة بالاتفاق، ولا يحد السكران حتى يزول عنه السكر
تحصيلاً لمقصود الانزجار، وهذا بإجماع الأئمة الأربعة لأن غيبوبة العقل أو غلبة الطرب
والترح تخفف الألم. قال ابن الهمام: روى عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري، عن يحيى بن عبد
الله التيمي الجائز، عن أبي ماجد الحنفي قال: جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن
مسعود فقال عبد الله: تَرْتِرُوهُ وَمَزْ مِزُوهُ واستنكهُوُهُ ففعلوا، فدفعه إلى السجن، ثم دعا به من
الغد، فدعا بسوط ثم أمر به فدقت تمرته بين حجرين حتى صارت درة ثم قال للجلاد: اجلد
وارفع يدك واعط كل عضو حقه. ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني ورواه اسحاق بن
راهويه أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن يحيى بن عبد الله الجائز والترترة والمزمزة التحريك
بعنف، وإنما فعله لأن التحريك يظهر الرائحة من المعدة التي كانت خفيت، وكان ذلك مذهبه
ويدل عليه ما في الصحيحين عن ابن مسعود قرأ سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت فقال
عبد الله: والله لقد قرأتها على رسول الله وَل﴿ فقال: أحسنت. فبينما هو يكلمه. إذ وجد منه
رائحة الخمر فقال أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب فضربه الحد. وأخرج الدارقطني بسند
صحيح عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب أنه ضرب رجلاً وجد منه ريح الخمر، وفي
لفظ ريح شراب. والحاصل أن حده عند وجود الريح عند عدم البينة والإقرار لا يستلزم اشتراط
الرائحة مع أحدهما، ثم هو مذهب لبعض منهم مالك وقول للشافعي ورواية عن أحمد
والأصح عن الشافعي وأكثر أهل العلم نفيه وما ذكرنا عن عمر يعارض ما ذكر عنه أنه عزر من
وجد منه الرائحة، ويترجح لأنه أصح، وإن قال ابن المنذر: ثبت عن عمر أنه جلد من وجد
منه مديح الخمر الحد تاماً. وقد استبعد بعض أهل العلم حديث ابن مسعود من جهة المعنى،
وهو أن الأصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقراً أن يرد ويدرأ ما أستطيع، فكيف يأمر ابن
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٢٢٢/٤ الحديث رقم ٣٠٢٦.
(٢) فتح القدير ٨٨/٥.

١٨٧
کتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
الفصل الأول
٣٦١٤ - (١) عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ◌َ ◌َّ ضربَ في الخمرِ بالجَريدِ والنّعالِ وجلَّدَ أبو بكرٍ
[رضي الله عنه] أربعينَ.
مسعود بالمزمزة عند عدم الرائحة ليظهر الريح فيحده، فإن صح فتأويله أنه كان رجلاً مولعاً
بالشراب مدمناً فاستجاز ذلك فيه. قال صاحب الهداية: ولا حد على من وجد به ريح الخمر
لأن الرائحة محتملة فلا تثبت مع الاحتمال ما يندرى بالشهبات. قال قال الشاعر :
يقولون لي انكه شربت مدامة
فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلا
وانكه بوزن أمنع ونكه من بابه أي أظهر رائحة فمه وقال الآخر:
لها عرف ذي فسق وصفرة زاهد](١)
سفرجلة تحكي لديّ الفراهد
(الفصل الأوّل)
٣٦١٤ - (عن أنس أن النبي وَ ل﴿ ضرب) أي أمر بالضرب (في الخمر) أي في شاربها، أو
التقدير ضرب شارب الخمر لأجل شربها (بالجريد)، وهو جمع جريدة وهي السعفة سميت بها
لكونها مجردة عن الخوص وهو ورق النخل. (والنعال) بكسر أوّله جمع النعل وهو ما يلبس
في الرجل، والمعنى أنه ضربه ضرباً من غير تعيين عدد وهذا مجمل بينته الرواية الآتية عنه أنه
كان العدد أربعين، ويحتمل أنه كان الضرب أوّلاً من غير تعيين كما صرح به ابن الهمام، لكنه
دون الأربعين. وقد يصل إلى الأربعين لما سيأتي في حديث السائب. وفي رواية أنه عليه
الصلاة والسلام ضرب رجلاً بجريدتين أربعين فتصير ثمانين. وأخرج الطبراني في الكبير عن
ابن عمرو مرفوعاً [من شرب] نصيفة من خمر فاجلدوه ثمانين وهذه الأحاديث تدل على عدم
التعيين وكان الرأي للإمام في التبيين مما يقارب الأربعين إلى تمام الثمانين على ما سيأتي برهانه
وتمام بيانه. (وجلد) لعل فيه تجريداً أي ضرب (أبو بكر أربعين) أي جلدة أو ضربة في شرح
السنة اختلفوا في شارب الخمر فذهب قوم والشافعي إلى أن الحد أربعون جلدة، وقوم إلى أنه
ثمانون. وروي أن عمر استشار علياً رضي الله تعالى عنهما فقال: أرى أن يجلد ثمانين فإنه إذا
شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذى [افترى. أو كما قال]: فجلد عمر ثمانين. قال: وما زاد
على الأربعين كان تعزيراً، وللإمام أن يزيد في العقوبة إذا أدى إليه اجتهاده. وروي أن عثمان
(١) فتح القدير ٧٧/٥ - ٧٨.
الحديث رقم ٣٦١٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٣/١٢ الحديث رقم ٦٧٧٣. ومسلم في ١٣٣١/٣
الحديث رقم (٣٦ - ١٧٠٦). وأبو داود في السنن ٦٢١/٤ الحديث رقم ٤٤٧٩ وابن ماجه في
٨٥٨/٢ الحديث رقم ٢٥٧٠. وأحمد في المسند ١٧٦/٣،.

١٨٨
٤٩٥٠
كتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
متفق عليه .
٣٦١٥ - (٢) وفي رواية عنه: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌َّ كانَ يضربُ في الخمرِ بالنِّعالِ والجريدِ
أربعينَ .
٣٦١٦ - (٣) وعن السَّائبِ بنِ يزيدَ، قال: كانَ يُؤتى بالشَّارب على عهدِ رسولِ الله
قال لعلي رضي الله تعالى عنهما في رجل شرب الخمر: أقم عليه الحد قال علي للحسن أقم.
فقال الحسن: ولّ حارّها من تولى فارها. فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد قال:
فأخذ السوط فجلده وعلي كرم الله وجهه يعد فلما بلغ أربعين قال حسبك: جلد النبي وَلول
وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي وفي قول علي عند الأربعين
حسبك، دليل على أنه الأصل في الحدود، وما وراء ذلك فهو تعزير ولو كان حداً لما كان
لأحد فيه الخيار وقوله: ول حارها أي ول العقوبة والضرب من تولى العمل والنفع والفار
البارد. وقال الأصمعي: ول شديدها من تولى هينها. قال الطيبي: الضميران المؤنثان راجعان
إلى الخلافة وهو تعريض بعثمان رضي الله عنه يعني: ول مشاق الخلافة من تولى ملاذها، فإن
الحرارة والبرودة مثلان للمشقة واللذة. قال التوربشتي: وكل سنة أي كل واحدة من القضيتين
مبناها على السنة فسمي كلتيهما سنة لأنهما أخذتا من السنة ويبين هذا المعنى قوله صلى الله
تعالى عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين))(١). قال النووي: قول علي كل سنة
يدل على أن علياً كان معظماً لآثار عمر وإن حكمه وقوله سنة وأمره حق، وكذلك أبو بكر
بخلاف ما يفتري الشيعة عليه اهـ. وفيه أن عمر ما اختار الثمانين إلا بمشورة علي وإشارته،
وكان هذا عند عتوّ أهل الشرب بزيادة الفسق من الهذيان والقذف والضرب ونحوها في حال
سكرهم فرأوا تضعيف الحد سياسة مناسبة لحالهم من سوء فعالهم وقبح مقالهم، واستمر
الحكم على ذلك، ففي الهداية وحد الشرب والسكر أي من غيرها ثمانون سوطاً وهو قول
مالك وأحمد، وفي رواية عن أحمد وهو قول الشافعي: أربعون إلا أن الإمام لو رأى أن يجلده
ثمانين جاز على الأصح، واستدل صاحب الهداية على تعيين الثمانين بإجماع الصحابة والله
تعالى أعلم. (متفق عليه).
/ ٠٤٢٥
٣٦١٥ - (وفي رواية عنه) أي عن أنس (أن النبي ◌َّر كان يضرب في الخمر بالنعال
والجرید أربعین)(٢)
٣٦١٦ - وعن السائب بن يزيد قال: كان يؤتى بالشارب على عهد رسول الله
(١) أخرجه أبو داود في ١٣/٥ الحديث رقم ٤٦٠٧. والترمذي في ٤٣/٥ الحديث رقم ٢٦٧٦.
الحديث رقم ٣٦١٥: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٣١/٣ الحديث رقم (٣٧ - ١٧٠٦).
(٢) في المتن ذكر أن مسلماً رواه.
الحديث رقم ٣٦١٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٦/١٢ الحديث رقم ٦٧٧٩.

١٨٩
كتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
وَلَهُ وإِمرةٍ أبي بكرٍ، وصذراً منْ خلافةِ عمَرَ، فنقومُ عليهِ بأيدِينا، ونِعالنا، وأردِيتِنا، حتى
كانَ آخرُ إِمرةٍ عَمَرَ، فجلَّدَ أربعينَ، حتى إِذا عتَوْا وفسقوا جلَّدَ ثمانينَ. رواه البخاريُّ.
وَل* وإمرة أبي بكر) بكسر همز وسكون ميم أي إمارته وخلافته (وصدراً من خلافة عمر) أي
شيئاً من أوّل عهده (فنقوم عليه) أي على ضرب الشارب (بأيدينا) أي بكفوفنا، (نعالنا
وأرديتنا)، ولعلهم كانوا يلوونها ويضربونه بها، وأراد أنه من غير تعيين. والظاهر أنه أقل من
الأربعين (لقوله حتى كان) أي وجد ووقع (آخر إمرة عمر)، وفي نسخة بالنصب أي كان الزمان
آخر إمارة عمر (فجلد أربعين) أي على التعيين والتبيين (حتى) أي واستمر على ذلك (حتى إذا
عتوا): أي أهل الشرب بأن أفسدوا بمقتضى فساد الزمان، وانهمكوا في الطغيان (وفسقوا) أي
خرجوا عن الحد، وتجاوزوا في العصيان (جلد ثمانين) أي للسياسة، وأجمع عليه الصحابة فلا
يجوز لأحد المخالفة مع أن العتوهلم جراً في الزيادة. (رواه البخاري). قال ابن الهمام،
وأخرج مسلم عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم: جلد في الخمر
بالجريد والنهال، ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال:
ما ترون في جلد الخمر. فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن يجعل ثمانين كأخف الحدود.
قال: فجعله عمر ثمانين. وفي الموطأ استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي
طالب: نرى أن نجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى
المفتري ثمانون. وعن مالك رواه الشافعي ولا مانع من كون كل من علي وعبد الرحمن بن
عوف أشار بذلك، فروي الحديث مقتصراً على هذا مرة وعلى هذا أخرى، وأخرج الحاكم في
المستدرك عن ابن عباس أن الشرب كانوا على عهد رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم
[يضربون] بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي، وكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، إلى
أن قال: فقال عمر: ماذا ترون؟ فقال علي: إذا شرب الخ وروى مسلم عن أنس قال: أتي
النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو أربعين وفعله
أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس. فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر
به عمر، فيمكن أن يكون المراد بجريدتين متعاقبتين بأن انكسرت واحدة وأخذت أخرى، وإلا
فهي ثمانون، فيكون مما رأى عليه الصلاة والسلام في ذلك الرجل. وقول الراوي بعد ذلك:
فلما كان عمر استشار الخ، لا ينافي ذلك فإن حاصله أنه استشار فوقع الاختيار على تقدير
الثمانين التي انتهى عليها فعل رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم، إلا أن قوله وفعله أبو
بكر يبعده، وإلا لزم أن أبا بكر جلد ثمانين، وما تقدم مما يفيدان عمر هو الذي جلد الثمانين
بخلاف أبي بكر والله [تعالى] أعلم. وقد أخرج البخاري ومسلم عن علي قال: ما كنت أقيم
على أحد حداً فيموت فيه، فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته لأن
رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم لم يسنه. والمراد لم يسن فيه عدداً معيناً وإلا فمعلوم
قطعاً أنه أمر بضربه، فهذه الأحاديث تفيد أنه لم يكن مقدراً في زمنه عليه الصلاة والسلام بعدد
معين، ثم قدره أبو بكر وعمر بأربعين، ثم اتفقوا على ثمانين، وإنما جاز لهم أن يجمعوا على
تعيينه. والحكم المعلوم منه عليه الصلاة والسلام عدم تعيينهم لعلمهم بأنه عليه الصلاة والسلام
اتے

١٩٠
کتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
الفصل الثاني
٣٦١٧ - (٤) عن جابرٍ، عن النبي ◌َّ، قال: ((مَنْ شربَ الخمرَ فاجلِدوهُ، فإِنْ عادَ
في الرَّابعةِ فاقتُلوهُ)) قال: ثُمَّ أَتَيَ النبيِّ وَّهِ بعدَ ذلكَ برجلٍ قد شرِبَ في الرابعةِ، فضربَه ولم
يقتله.
٠١٠
انتهى إلى هذه الغاية في ذلك الرجل لزيادة فساد فيه. ثم رأوا أهل الزمان تغيروا إلى نحوه، أو
أكثر على ما تقدم من قول السائب حتى عتوا وفسقوا وعلموا أن الزمان كلما تأخر كان فساد
أهله أكثر، فكان ما أجمعوا عليه هو ما كان حكمه عليه الصلاة والسلام في أمثالهم. وأما ما
روي من جلد علي أربعين بعد عمر فلم يصح، وذلك ما في السنن من حديث معاوية بن
حصين بن المنذر الرقاشي قال: شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران
ورجل آخر، فشهد أنه رآه شربها، وشهد الآخر أنه رآه يتقاياها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها
حتى شربها فقال لعلي: أقم عليه الحد. الحديث(١).
(الفصل الثاني)
٣٦١٧ - (عن جابر، عن النبي (وَّفي قال: من)، وفي نسخة صحيحة ((أن من (شرب
الخمر فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه)). المراد الضرب الشديد، أو الأمر للوعيد، فإنه لم
يذهب أحد قديماً وحديثاً أن شارب الخمر يقتل، وقيل: كان ذلك في ابتداء الإسلام ثم نسخ
(قال): أي جابر! (ثم أتي النبي ◌َّر بعد ذلك) أي جيء بعد هذا الحديث (برجل قد شرب في
الرابعة فضربه ولم يقتله)، فثبت بهذا أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ. وقال الطيبي:
هذا قرينة ناهضة على أن قوله فاقتلوه مجاز عن الضرب المبرح مبالغة لما حا وتمرد، ولا يبعد
أن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ جلد ثمانين من هذا المعنى. قال الخطابي: قد يرد الأمر
بالوعيد، ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير كقوله وفقيقول: ((من قتل عبده
قتلناه))(٢) وهو [لو] قتل عبد نفسه لم يقتل به في قول عامة الفقهاء. وقال أبو عيسى: إنما كان
هذا في أوّل الأمر ثم نسخ. قال النووي: اجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر وعلى
وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلاً أو كثيراً وعلى أنه لا يقتل وإن تكرر ذلك منه.
وحكى القاضي عياض عن طائفة شاذة أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات. لهذا الحديث
وهو باطل مخالف للإجماع والحديث منسوخ، قيل نسخه قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل
(١) فتح القدير ٨٣/٥ - ٨٤.
الحديث رقم ٣٦١٧: أخرجه الترمذي في السنن ٣٩/٤ الحديث رقم ١٤٤٤.
/:نعم
(٢) أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٦٥٤ الحديث رقم ٤٥١٦.
٢٠٠٠.

١٩١
1247
کتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
رواه الترمذي.
٣٦١٨ _ (٥) ورواه أبو داود، عن قبيصةَ بنِ ذُؤَيب.
٣٦١٩ - (٦) وفي أخرى لهما، وللنسائي، وابنٍ ماجه، والدارمي، عن نفرٍ من
أصحاب رسولِ الله ◌َِّ، منهمُ ابنُ عمَرَ، ومعاويةُ، وأبو هريرةَ، والشريدُ، إِلى قوله:
((فاقتلوه)) .
دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث)) الحديث. وحد العبد على نصف حد الحر كما في الزنا
والقذف، واختلفوا فيمن شرب النبيذ، وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة، فقال
مالك والشافعي والجمهور: هو حرام يجلد فيه كجلد شارب الخمر سواء كان يعتقد إباحته أو
تحريمه، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم ولا يحد، وقال أبو ثور: هو حرام، يجلد يشربه
من يعتقد تحريمه دون إباحته اهـ، وسيأتي تحقيق هذه المسألة وما يتعلق بها من الأدلة إن شاء
الله تعالى. (رواه الترمذي) أي عن جابر.
٣٦١٨ - (ورواه أبو داود عن قبيصة) بفتح فكسر. (ابن ذؤيب) تصغير ذئب تقدم ترجمته
وقال المصنف: اختلف في صحبته.
٣٦١٩ - (وفي أخرى لهما) أي في رواية أخرى للترمذي وأبي داود، (وللنسائي وابن
ماجه والدارمي عن نفر) أي جماعة آخرين (من أصحاب رسول الله وَّر منهم ابن عمر ومعاوية
وأبو هريرة والشريد إلى قوله: فاقتلوه) قال ابن الهمام: الأصل في ثبوت حد الشرب قوله عليه
الصلاة والسلام: من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه، إلى أن قال: فإن عاد إلى
الرابعة فاقتلوه. أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي من حديث معاوية، فإنه روى من حديث أبي
هريرة إذا سكر فاجلدوه ثم إن سكر الخ. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول:
حديث أبي صالح عن معاوية أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وصححه الذهبي
ورواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه، والنسائي في سننه الكبرى ثم نسخ القتل
بما أخرجه النسائي في سننه الكبرى عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر
مرفوعاً: من شرب الخمر فاجلدوه الخ. قال ثم أتى النبي ﴿ برجل قد شرب الخمر في
الرابعة، فجلده ولم يقتله، وزاد في لفظ ورأى المسلمون أن الحد قد وقع، وأن القتل قد
ارتفع، ورواه البزار في مسنده عن أبي إسحاق به أنه عليه الصلاة والسلام أتي بالنعمان قد
شرب الخمر ثلاثاً فأمر به فضرب، فلما كان في الرابعة أمر به فجلد، فكان نسخاً. وروى أبو
الحديث رقم ٣٦١٨: أخرجه أبو داود في السنن ١٢٥/٤ الحديث رقم ٤٤٨٥.
الحديث رقم ٣٦١٩: أبو داود في السنن ٦٢٤/٤ الأحاديث رقم ٤٤٨٢، ٤٤٨٣، ٤٤٨٤. والترمذي في
السنن ٣٩/٤ الحديث رقم ١٤٤٤. وابن ماجه في ٨٥٩/٢ الحديث رقم ٢٥٧٣. والدارمي في ٢/
٢٣٠ الحديث رقم ٢٣١٣.

١٩٢
-----
كتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
٣٦٢٠ - (٧) وعن عبدِ الرَّحمنِ بن الأزهرِ، قال: ((كأني أنظرُ إِلى رسولِ اللَّهِ وَّر. إِذْ
أَتَيَ برجلٍ قد شربَ الخمر، فقال للنَّاسِ: ((اضرِبوهُ)) فمنهُم مَنْ ضرَبَه بالنّعالِ، ومنهم منْ
ضربَه بالعَصا، ومنهم منْ ضربَه بالمِيتَخةِ. قال ابنُ وهب: يعني الجريدةَ الرَّطبةَ، ثمَّ أخذَ
رسولُ اللهِ وَّر تراباً منَ الأرضِ، فرمى بهِ
١٠٠٠ ...
داود في سننه قال: ثنا أحمد بن عبدة الضبي، ثنا سفيان قال: ثنا الزهري، أنا قبيصة بن
ذؤيب، إن النبي ◌َّ قال: ((من شرب الخمر فاجلدوه وإن عاد فاجلدوه وإن عاد في الثالثة أو
الرابعة فاقتلوه))، فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي
به فجلده فرفع القتل فكان رخصة. قال سفيان: حدث الزهري بهذا الحديث، وعنده منصور
ابن المعتمر، ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث اهـ، وقبيصة
في صحبته خلاف، وإثبات النسخ بهذا أحسن مما أثبته به صاحب الهداية من قوله وصلة: ((لا
يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث)). الحديث. فإنه موقوف على ثبوت التاريخ. نعم
يمكن أن يوجه بالنسخ الاجتهادي، أي تعارضاً في القتل، فرجح النافي له، فيلزم الحكم
بنسخه، فإن هذا لازم في كل ترجيح عند التعارض(١).
٣٦٢٠ - (وعن عبد الرحمن بن الأزهر) أي القرشي وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف
شهد حنيناً روى عنه ابنه عبد الحميد وغيره مات بالحرة ذكره المؤلف في الصحابة (قال: كأني
انظر إلى رسول الله (1) أي الآن (إذا أتي برجل) أي في ماضي الزمان، وفائدته بيان استحضار
القصة كالعيان (قد شرب الخمر فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه
بالعصا) أي بجنسها، وهي بالألف في الأصول، ولو وجدت مرسومة بالياء، فكان بكسرتين
وتشديد الياء جمع العصا، (ومنهم من ضربه بالميتخة) بكسر ميم وسكون تحتية وفتح الفوقية،
والخاء المعجمة على وزن الملعقة هكذا في الأصول فقط. وهي العصا الخفيفة، وقيل هي
الدرة بكسر دال مهملة وتشديد راء، وروي على غير هذه الرواية. كذا ذكره بعض الشراح من
علمائنا، وفي القاموس المتيخة كسكينة العصا والمطرق الدقيق، وفي النهاية اختلف في ضبطها
فقيل هي بكسر الميم وتشديد التاء وبفتح الميم مع تشديد التاء، وبفتح الميم مع التشديد
وبكسر الميم، وسكون الياء الساكنة بعد التاء. قال الأزهري: وهذه كلها أسماء الجرائد
النخل، وأصل العرجون، وقيل: هو اسم للعصا، وقيل للقضيب الدقيق اللين، وقيل كل ما
ضرب به من جريد أو عصا أو درة وغير ذلك، وأصلها فيما قيل من تنخ الله رقيته بالسهم إذا
ضربه، وقيل من ينجه العذاب وطبخه إذا أتاح عليه، فأبدلت التاء من الطاء، ومنه الحديث أنه
خرج وفي يده متيخة في طرفها خوص معتمداً على ثابت بن قيس (قال ابن وهب)، أي أحد
رواة الحديث (يعني) أي يريد عبد الرحمن بالميتخة (الجريدة الرطبة)، والجملة معترضة
مفسرة. قال عبد الرحمن: (ثم أخذ رسول الله # تراباً من الأرض فرمى به). الباء للتعدية أي
/١٣٠
(١) فتح القدير ٧٧/٥.
الحديث رقم ٣٦٢٠: أخرجه أبو داود في السنن ٦٢٨/٤ الحديث رقم ٤٤٨٩. وأحمد في المسند ٨٨/٤.
٠٫٦٠
٠٫٦٥
صورة

١٩٣
کتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
----
٠٠٠٠٩
في وجهه. رواه أبو داود.
٣٦٢١ - (٨) وعن أبي هريرةَ، قال: إِنَّ رسولَ الله ﴿ ﴿ أُتيَ برجلٍ قد شربَ
[الخمرَ]. فقال: ((اضربوهُ)) فمنَّا الضاربُ بيدِه، والضاربُ بثوبِهِ. والضاربُ بنعلِه. ثمَّ قال:
((بكّتوِه)) فأقبَلوا عليهِ يقولونَ: ما اتَّقيتَ اللَّهَ، ما خشيتَ اللَّهَ، وما استحيّيتَ منْ رسولِ الله
وََّ فقال بعضُ القوم: أخْزاكَ اللَّهُ. قال: ((لا تقولوا هكذا، لا تُعينوا عليهِ الشيطانَ، ولكنْ
قُولوا: اللهُمَّ اغفِرْ لهَ، اللَّهُمَّ ارحمْه)). رواه أبو داود.
٣٦٢٢ - (٩) وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: شربَ رجلٌ، فسكرَ، فلُقيّ
فرماه (في وجهه) أي في جانبه وجهته، ولعله تكرر منه هذا الفعل حتى استحق زيادة عقوبته،
وقال الطيبي: رمى به إرغاماً له واستهجاناً لما ارتكبه، فإنه أزال أشرف الأشياء ومقر تكاليف
الله ومعرفته بأبخس الأشياء وأخبئها اهـ، ولو قال: بأبخس الأشياء وأنجسها لكان تجنيساً.
(رواه أبو داود).
٣٦٢١ - (وعن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﴿ أتي برجل قد شرب) أي الخمر كما في
نسخة، (فقال: اضربوه فمنا الضارب بيده) أي بكفه، (والضارب بثوبه) أي بردائه الملوي،
(والضارب بنعله) أي منا هذه الأصناف (ثم قال: ((بكتوه))) بتشديد الكاف من التبكيت، وهو
التوبيخ والتعيير باللسان، والظاهر إن هذا الأمر للاستحباب بخلاف الأول، فإنه للإيجاب
(فاقبلوا عليه) بفتح الهمزة والموحدة ماض من الإقبال أي توجهوا إليه (يقولون: ما اتقيت الله)
أي مخالفته (ما خشيت الله) أي ما لاحظت عظمته، أو ما خفت عقوبته، (وما استحيت من
رسول الله (*) أي من ترك متابعته أو من مواجهته ومقابلته، (فقال بعض القوم: أخزاك الله) وهو
دعاء بالخزي والفضيحة يوم القيامة وقد قال تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾
[التحريم - ٨] ولما لم يكن كلامه نصيحة، بل آل إلى فضيحة (قال) أي نبي الرحمة وكاشف
الغمة: ((لا تقولوا))). خطاب شامل له ولغيره أو عدل عنه غضباً عليه (لا تقولوا هكذا)، أي
مثل أخزاك الله أي مما يضره، بل قولوا كما سبق مما ينفعه. (لا تعينوا عليه الشيطان) قال
القاضي أي بنحو هذا الدعاء: فإنه إذا أخزاه الرحمن غلب عليه الشيطان. أو لأنه إذا سمع ذلك
آيس من رحمة الله وانهمك في المعاصي، أو حمله الدجاج والغضب على الإصرار، فيصير
الدعاء وصلة ومعونة في إغوائه وتسويله، (ولكن قولوا) أي أوّلاً أو الآن، وهو الظاهر لأن
المطلوب في الأول هو التبكيت، وهو غير ملائم لقوله: (اللهم اغفر له) أي بمحو المعصية
(اللهم ارحمه) أي بتوفيق الطاعة، أو اغفر له في الدنيا وارحمه في العقبى. (رواه أبو داود).
٣٦٢٢ - (وعن ابن عباس قال: شرب رجل فسكر) بكسر العين (فلقي) بصيغة المجهول
الحديث رقم ٣٦٢١: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٦٢٠ الحديث رقم ٤٤٧٧.
الحديث رقم ٣٦٢٢: أخرجه أبو داود في السنن ٦١٩/٤ الحديث رقم ٤٤٧٦.

١٩٤
١٤٠٤
كتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
يميلُ في الفَجِّ، فانطُلقَ به إِلى رسولِ اللهِ وَ ◌ّرَ، فلمَّا حاذَى دارَ العِبَّاسِ، انفَلَتَ فدخلَ على
العبَّاسِ، فالتزمَه، فذُكر ذلكَ للنبيِّ وَّهِ، فضحكَ وقال: ((أفعَلَها؟)) ولم يأمرُ فيهِ بشيءٍ رواه
أبو داود.
الفصل الثالث
٣٦٢٣ - (١٠) عن عُمَير بنِ سعيدِ النَّخعيِّ، قال: سمعتُ عَلَيَّ بن أبي طالبٍ [رضي
الله عنه] يقولُ: ما كنتُ لأقيمَ على أحدٍ حدّاً
أي رئي (يميل) حال من السّكن في لقي أي: مائلاً (في الفج) بفتح الفاء وتشديد الجيم أي:
الطريق الواسع بين الجبلين. (فانطلق به) بصيغة المفعول أي: فأخذ وأريد أن يذهب به (إلى
رسول الله ﴿ فلما حاذى) أي: قابل (دار العباس انفلت) أي: تخلص (وفر فدخل على العباس
فالتزمه) أي: التجأ الشارب إليه وتمسك به، أو اعتنقه متشفعاً لديه. قال التوربشتي: أرى أن
ذلك بمكة لأن دار العباس بها واقعة في أحد شعابها إذ ليست الدار التي تنسب إلى العباس
بالمدينة في فج من الفجاج، ولا مقاربة منه، وقال الطيبي: يمكن أن يستعار للزقاق الواسع
الفج فيكون بالمدينة اهـ، وفيه إن لقيه مائلاً في الفج. ثم انطلاقه ووصوله إلى محاذاة دار
العباس لا يلزم منه كون دار العباس في الفج أو مقاربة له. (فذكر ذلك) بالبناء للمجهول أي:
فحكي ما ذكر (للنبي ول﴿ فضحك وقال: أفعلها). بهمزة الاستفهام التعجبي قال الطيبي (١):
الضمير للمذكور أن من الانفلات والدخول والالتزام، ويجوز أن يكون للمصدر أي: أفعل
الفعلة كما في قوله: واجعله الوارث منا،، فالفعل حينئذ بمنزلة اللازم، (ولم يأمر فيه بشيء).
قال الخطابي: هذا دليل على أن حد الخمر أخف الحدود، وأن الخطر فيه أيسر منه في سائر
الفواحش، ويحتمل أن يكون إنما لم يعرض له بعد دخوله دار العباس من أجل أنه لم يكن ثبت
عليه الحد بإقرار منه أو شهادة عدول، وإنما لقي في الطريق يميل، فظن به السكر فلم يكشف
عنه رسول الله آل# وتركه علی ذلك (رواه أبو داود).
/ ١,١٢٩٠
٠۵٠٠
(الفصل الثالث)
٣٦٢٣ - (عن عمير) بالتصغير (ابن سعيد) بالياء (النخعي) بفتحتين لم يذكره المؤلف في
أسمائه (قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما كنت لأقيم) بكسر اللام
ونصب الميم وتسمى لام الجحود (على أحد حداً). قال الطيبي: دخل اللام في خبر كان تأكيداً
(١) في المخطوطة ((المظهر)).
الحديث رقم ٣٦٢٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٦/١٢ الحديث رقم ٦٧٧٨. ومسلم في ١٣٣٢/٣
الحديث رقم (٧٣٩ - ١٧٠).

٠٠٥.
١٩٥
كتاب الحدود/ باب حدّ الخمر
فيموتَ، فأجدَ في نفْسي منه شيئاً، إِلاَّ صاحبَ الخمرِ، فإِنْه لوْ ماتَ ودَيتُه، وذلكَ أنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ ل﴿ لم يُسنَّه.
كقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع أيمانكم﴾ [البقرة - ١٣٤] وقوله: (فيموت) مسبب من
أقيم، وقوله: (فأجد) مسبب من مجموع السبب والمسبب اهـ. وفي نسخة بالرفع فيهما بتقديره
هو في الأول وأنا في الثاني بعد فائهما، والمعنى فأصادف (في نفسي منه) أي: من ذلك الحد
أو المحدود (شيئاً) أي: مما يريبني ويزعجني (إلا صاحب الخمر فإنه لو مات) أي: بسبب
الزيادة على الأربعين كما هو الظاهر مما سبق (وديته) أي: غرمت ديته. قال الطيبي: الاستثناء
منقطع أي: لكن أجد من حد صاحب الخمر إذا مات شيئاً، ويجوز أن يقدر ما أجد من موت
أحد يقام عليه الحد شيئاً إلا من موت صاحب الخمر فيكون متصلاً (وذلك) أي: مجموع ما
ذكر أو الوجدان أو الاستثناء (ان) أي: بأن أو لأن (رسول الله وَلاي لم يسنه) بفتح فضم فنون
مشددة مفتوحة لا غير، أي: لم يقدر فيه حداً مضبوطاً معيناً، وإلا فمعلوم أنه أمر بضربه. قال
النووي: أجمعوا على أن من وجب عليه حد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات، فلا
دية فيه، ولا كفارة على الإمام ولا على جلاده، ولا في بيت المال. وأما من مات بالتعزير
فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة، قال ابن الهمام: ومن حده الإمام أو عزره فمات، فدمه
هدر. وهو قول مالك وأحمد، وقال الشافعي: يضمن، ثم في قول: تجب الدية في بيت المال
لأن نفع عمله يرجع إلى عامة المسلمين فيكون الغرم الذي يلحقه بسبب عمله لهم عليهم، وفي
قوله: يجب على عاقلة الإمام لأن أصل التعزير غير واجب عليه، ولو وجب فالضرب غير
متعين في التعزير، فيكون فعله مباحاً فيتقيد بشرط السلامة ولم يسلم، فتجب على عاقلته،
وهذا يخص التعزير، ونحن نقول: إن الإمام مأمور بالحد والتعزير عند ظهور الانزجار له في
التعزير لحق الله تعالى، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة كما في الفصاد، ولأنه لا بد من
الفعل، وإلا عوقب. والسلامة خارجة عن وسعه إذ الذي في وسعه أن لا يتعرض بسببها
القريب وهو [ما بين] أن يبالغ في التخفيف فلا يسقط الوجوب عنه به أو بفعل ما يقع زاجراً
وهو ما هو مؤلم زاجر، وقد يتفق أن يموت الإنسان به، فلا يتصوّر الأمر بالضرب المؤلم
الزاجر مع اشتراط السلامة عليه بخلاف المباحات، فإنها رفع الجناح في الفعل وإطلاقه، وهو
مخير فيه بعد ذلك غير ملزم به فصح تقييده بشرط السلامة كالمرور في الطريق والاصطياد،
ولهذا يضمن إذا عزر امرأته فماتت لأنه مباح، ومنفعته ترجع إليه كما ترجع إلى المرأة من وجه
آخر، وهو استقامتها على ما أمر الله به. وذكر الحاكم لا يضرب امرأته على ترك الصلاة
ويضرب ابنه، وكذا المعلم إذا أدب الصبي فمات منه يضمن عندنا والشافعي، أما لو جامع
امرأته فماتت لا يضمن عند أبي حنيفة، وأبي يوسف ذكره في المحيط مع أنه مباح، فيتقيد
بشرط السلامة لأنه يضمن المهر بذلك الجماع، فلو وجبت الدية وجب ضمانان بمضمون
واحد(١) وقال الطيبي: يمكن أن يراد بقوله: لم يسنه الحد الذي يؤدّي إلى التعزير كما سيأتي
(١) فتح القدير ١١٨/٥ - ١١٩.

١٩٦
كتاب الحدود/ باب حذّ الخمر
متفق عليه .
٣٦٢٤ - (١١) وعن ثورِ بنِ زيدِ الدَّيلميِّ، قال: إِنَّ عُمَرَ استشارَ في الخمر يشربها
الرجل فقال له عليٍّ: أرى أنْ تجلدَهُ ثمانينَ، فإِنَّه إِذا شربَ سكِرَ، وإِذا سكرَ هذى، وإِذا
هذَى آفْتَرى.
بعد، وسيق بيانه في حديث أنس ومشاورة عمر علياً وحديث عثمان معه رضوان الله تعالى عليهم
أجمعين، وقوله: حسبك، وتلخيص المعنى أنه إنما خاف من سنة سنها عمر وقررها برأي علي
لا مما سنه رسول الله ﴿ من جلد أربعين، وقد استدل عليه الشيخ محيي الدين بدلائل على
إثباته. وروينا في شرح السنة أن علياً قال لجعفر: لما بلغ أربعين حسبك، جلد النبي ◌َّ أربعين
وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة، وهذا أحب إليّ. وقد أورده الشيخ محيي الدين
أيضاً في شرح صحيح مسلم، فإن قلت: كيف قال إن الثمانين أحب إلي ثم أخاف منه قلت: إن
المحبة والخوف يتفاوت بحسب الأشخاص والأوقات اهـ. وفيه أن الظاهر من قوله: هذا أحبّ
إلي. إن المشار إليه عدد الأربعين بقرينة قوله: حسبك لا عدد الثمانين، وإن كان أقرب بحسب
اللفظ، ويقويه أنه لا خوف في الأقل المتيقن والله [تعالى] أعلم. (متفق عليه).
٣٦٢٤ - (وعن ثور) باسم الحيوان المعروف كذا في التقريب (ابن زيد الديلمي) بفتح
الدال نسبة إلى ديلم جيل معروف من الناس، كذا في المعنى، وفي نسخة صحيحة الديلي بغير
الميم، واختلف في ضبطه، والصحيح أنه بكسر المهملة بعدها تحية ساكنة مدني ثقة، كذا في
التقريب والمغني والأنساب، لكن الأخير عبر عنه بابن أبي زيد، وكذا في المشارق لعياض
قال: وهو منسوب إلى بني الديل، وفي ميزان الاعتدال ثور بن زيد الديلمي شيخ مالك ثقة
اتهمه محمد بن البرقي بالقدر، وكأنه شبه عليه بثور بن يزيد، وثقه ابن معين وقال أحمد:
صالح الحديث، وروى عنه يحيى بن أبي كثير، وقال البيهقي: مجهول اهـ، ولم يذكره
المؤلف، ولعله اشتبه عليه بثور بن يزيد الكلاعي الشامي الحمصي سمع خالد بن معدان. روى
عنه الثوري ويحيى بن سعيد مات سنة خمس وخمسين ومائة له ذكر في الملاحم. وفي نسخة
عفيف الدين ضبط بضم الدال مع كسرها وفتح الهمزة. (قال: إن عمر استشار) أي: الصحابة
(في حد الخمر) أي: في أنه هل يضرب شاربها أزيد من أربعين إلى الثمانين لعتو المفسدين
وعدم ضبط الدين سياسة لهم وزجراً عن فعلهم، حيث ما انتهوا عن الحد الأيسر، (فقال علي:
أرى) بفتح الهمزة من الرأي وفي نسخة بضمها، أي: أظن خيراً (إن تجلده ثمانين جلدة فإنه إذا
شرب سكر وإذا سكر هذى)، أي: تكلم بالهذيان، (وإذا هذى)، أي: وعتا وتعدى كما في
هذا الزمان، (افترى) أي: قذف على الرجال والنسوان فيستحق الثمانين، والحكم للأغلب أو
لوجود السبب كما حقق في الناقض للوضوء حكماً. قال الطيبي: جعل سبب السبب سبباً
وأجرى على الأول ما على الأخير، فحد شارب الخمر حد القاذف تغليظاً وذلك لعنّوه،
الحديث رقم ٣٦٢٤: أخرجه مالك في الموطأ ٤٢/٢ الحديث رقم ٢ من كتاب الأشربة.

١٩٧
كتاب الحدود/ باب ما لا يدعى على المحدود
فجلدَ عمرُ [رضي الله عنه] في الخمرِ ثمانينَ. رواه مالك.
(٤) باب ما لا يدعى على المحدود
الفصل الأول
٣٦٢٥ - (١) عن عُمر بن الخطاب (رضي الله عنه] أنَّ رجلاً اسمُه عبدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ
حماراً، كان يُضْحِكُ النبيِّ وَ [وكان النبيُّ وَّهَ] قَدْ جَدَهُ في الشرابِ، فَأَتِيَ به يوماً، فأمرَ
بِهِ فجُلِد. فقالَ رجلٌ منَ القوم: اللَّهمَّ ألعنهُ، ما أكثرَ ما يُؤْتِى بِه. فقالَ النبيّ ◌َِّ: ((لا
تَلْعَنُوهُ، فواللهِ ما علمتُ أنه يحبَ اللَّهُ ورسوله)).
وتماديه في الفساد كما سبق. وما هذا شأنه يكون مبنياً على الاجتهاد (فجلد عمر في حد الخمر
ثمانین رواه مالك).
باب ما لا يدعى على المحدود
وفي نسخة بتنوين باب وحذف ما، والمقصود بالمحدود المضروب في الحد.
(الفصل الأوّل)
٣٦٢٥ - (عن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (أن رجلاً اسمه عبد الله يلقب حماراً كان
يضحك النبي ( *) أي: يتسبب(١) بالمطايبة لضحكه، (وكان النبي وَلفر قد جلده)، أي: مرة،
(في الشراب) أي: في شربه، وفي نسخة في الشرب (فأتي به يوماً)، أي: أخذ (فأمر به فجلد،
فقال: رجل من القوم اللهم العنه)، أي: أبعده عن رحمتك (ما أكثر ما يؤتى به). ما الأولى
تعجيبة والثانية مصدرية، أي: ما أكثر إتيانه، كقولك ما أحسن زيداً (فقال النبي ◌َلو: ((لا
تلعنوه))) نظيره مر فتذكر، (فوالله ما علمت) بضم التاء (أنه) بفتح الهمزة، فما مبتدأ خبره أنه،
أي: الذي علمت منه أنه، أو هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الذي علمت أنه، وإن مع اسمه
وخبره سد مسد مفعولي علمت، والجملة جواب القسم وفي مطالع الأنوار معناه: فوالله الذي
علمته أنه قال الطيبي: فعلى هذا علم بمعنى عرف، وأنه خبر الموصول أو مصدرية أي علمي
به أنه (يحب الله ورسوله)، وقيل: ما زائدة، أي: والله لقد علمت منه ذلك لكنه قد يصدر منه
الزلة، وقيل: ما نافية، والتاء على الخطاب، أي: أما علمت على طريق التقرير. قال الطيبي:
ويصح حينئذ كسر إنه وفتحها، والكسر على جواب القسم. وفي رواية شرح السنة إلا أنه وهو
الحديث رقم ٣٦٢٥: أخرجه البخاري في صحيحه ١٢/ ٧٥ الحديث رقم ٦٧٨٠.
(١) في المخطوطة ((يبتسم)).

١٩٨
كتاب الحدود/ باب ما لا يدعى على المحدود
رواه البخاري.
١٣٠
٣٦٢٦ - (٢) وعن أبي هريرة قال: أُتيَ النبيُّ وَّهِ برجُلِ قد شَرِبَ، فقال: ((اضربوه))
فمنّا الضاربُ بيدِهِ، والضاربُ بنعلِهِ، والضاربُ بثوبِهِ، فلمَّا انصرفَ قال بعضُ القومِ:
أخزاكَ اللَّهُ. قال: ((لا تقولُوا هكذا، لا تعينُوا عليهِ الشيطان)). رواه البخاري.
الفصل الثاني
٣٦٢٧ - (٣) عن أبي هريرةَ، قال: جاءَّ الأسلميُّ إِلى نبيِّ اللّهِ نَّهِ، فَشَهِدَ على نفسِهِ
أنه أصابَ امرأةً حراماً، أربعَ مرَّاتٍ، كلَّ ذلكَ يُعرضُ عنه، فأقبلَ في الخامسةِ، فقال:
((أنِكْتَها؟)) قال: نعم. قال: ((حتى غابَ ذلكَ مِنْكَ في ذلكَ منْها)) قال: نعم قال: ((كما
يغيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ والرشاءُ في البئر؟)) قال: نعم. قال: ((هل تدري ما الزنا؟)) قال:
نعم؛ أتيتُ منها
ظاهر، وفي الحديث أنه لا يجوز لعن المذنب بخصوصه، وإن محبة الله ومحبة رسوله موجبتان
للزلفى من الله والقربى منه، فلا يجوز لعنه لأنه طرد من رحمته. (رواه البخاري).
٠٫٤,٠٠
٣٦٢٦ - (وعن أبي هريرة قال: أتي النبي ◌َل* برجل قد شرب فقال: اضربوه، فمنا
الضارب بيده [والضارب بنعله] والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله .
قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان، رواه البخاري).
(الفصل الثاني)
٣٦٢٧ - (عن أبي هريرة قال: جاء الأسلمي)، أي: ماعز (إلى نبي الله وَّهر فشهد على
نفسه أنه أصاب امرأة حراماً)، أي: بطريق الزنا (أربع مرات)، أي: أربع شهادات في أربعة
مجالس (كل ذلك) بالنصب ظرف لقوله (يعرض عنه)، أي: في كل مرة من المرات الأربع
يعرض النبي ور عن الأسلمي درأ للحد، (فأقبل في الخامسة فقال: أنكتها)؟ بكسر النون،
أي: أجامعتها؟ (قال: نعم. قال: حتى غاب ذلك منك)، إشارة إلى آلة الرجل وهي الذكر،
(في ذلك منها)، إشارة إلى آلة المرأة وهي الفرج، (قال: نعم. قال: كما يغيب المرود) بكسر
الميم، أي: الميل (في المكحلة) بضمتين (والرشاء) بالرفع عطفاً على المرود وهو بكسر الراء،
والمد أي: الحبل (في البئر) بالهمز ويبدل، ولعل المثال الأول كناية عن البكر والثاني عن
الثيب (فقال: نعم. قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها)، أي: من المرأة المزنية
الحديث رقم ٣٦٢٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٦/١٢ الحديث رقم ٦٧٧٧.
الحديث رقم ٣٦٢٧: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٥٨٠ الحديث رقم ٤٢٦٦.

١٩٩
كتاب الحدود/ باب ما لا يدعى على المحدود
حراماً ما يأتي الرجلُ من أهلِهِ حلالاً. قال: ((فما تريدُ بهذا القولِ؟)) قال: أُريدُ أن تُطَهْرَني،
فأمرَ به فَرُجِمَ، فسَمِعَ نبِيُّ اللَّهِ وَهْ رِجُلَيْنِ من أصحابِهِ يقولُ أحدُهما لصاحبِهِ: انْظُر إِلى هذا
الذي سترَ اللَّهُ عليهِ، فلمْ تدَعْهُ نفسُهُ حتَّى رُجِمَ رَجْمَ الكلبِ، فسكتَ عنْهُما، ثمَّ سارّ ساعةً
حتّى مرَّ بجيفة حمارٍ شائل برجلِهِ، فقال: ((أينَ فلانٌ وفلانٌ؟)) فقالا: نحنْ ذانٍ يا رسولَ
اللَّهِ! فقال: ((أنزلا فكُلا من جيفةِ هذا الحمارِ)) فقالا: يا نبيَّ اللَّهِ! من يأكُلُ من هذا؟ قال:
((فما نِلْتُما من عِرضِ أخيكما آنفاً أشدُّ من أكلٍ منهُ، والذي نفسي بيدهِ، إِنَّهُ الآنَ لفي أنهارٍ. (
الجنَّةِ ینغمسُ فيها)). رواه أبو داود.
٣٦٢٨ - (٤) وعن خُزيمةَ بنِ ثابتٍ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَالَ: ((من أصابَ ذنباً أُقِيمَ
عليه حدٌّ ذلكَ الذَّنبِ فهو كفارتُه)).
(حراماً ما يأتي الرجل من أهله)؟ أي: امرأته أو جاريته (حلالاً. قال: فما تريد بهذا القول؟
قال: أريد أن تطهرني). أي: مما وقع لي من عمل الرجس. قال الطيبي: كل ذلك تعلل
وسوق للمعلوم مساق المجهول لعله يرجع من شهادته تلك إيذاناً بأن حق الله تعالى على
المساهلة وعلى أن للإمام أن يعرض عن المحدود بإنكار موجبه. (فأمر به فرجم، فسمع نبي الله
وَلّ رجلين من أصحابه)، أي: من أصحاب النبي أو أصحاب ماعز (يقول: أحدهما لصاحبه)
أي: للآخر (أنظر) أي: نظر تعجب وإنكار (إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه)، أي:
لم تتركه (حتى رجم) ماض مجهول (رجم الكلب) مفعول مطلق (فسكت عنهما)، أي: حينئذ
لحكمة اقتضته. (ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل)، أي: رافع (برجله)، أي: من شدة
الانتفاخ بالموت، (فقال: أين فلان وفلان؟) كنايتان عن المغتابين، (فقالا: نحن ذان يا رسول
الله)، أي: حاضران، (فقال: انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا نبي الله، من يأكل من
هذا؟ قال: فما نلتما) بكسر أوّله، أي: فما أصبتما؟ قال المظهر: ما الموصولة مع صلتها مبتدأ
أو أشد خبره والعائد محذوف أي: ما نلتماه (من عرض أخيكما) أي: من تناوله (آنفاً) بالمد
ويقصر أي: قبيل هذه الساعة (أشد) أي: أكثر قبحاً (من أكل منه) أي: من الحمار لأن أكله
حلال حال الاضطرار في حال الاختيار معصية قاصرة بخلاف الغيبة لا سيما غيبة النفس
الطاهرة ((والذي نفسي بيده أنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها))) فيه دلالة على حقية عذاب
القبر ونعيمه. (رواه أبو داود)، وكذا النسائي.
٣٦٢٨ - (وعن خزيمة) بالتصغير. (ابن ثابت قال: قال رسول الله وَليقول: ((من أصاب ذنباً
أقيم))) أي: من فعل ذنباً يوجب حداً، أو من صفته أنه أقيم (عليه حد ذلك الذنب فهو) أي:
الحد (كفارته) أي: يكفر ذلك الذنب أو مصيبة وهو المذنب. قال ابن حجر في شرح
الأربعين: إقامة الحد بمجرده كفارة كما صرح به حديث مسلم أي: بالنسبة إلى ذات الذنب:
الحديث رقم ٣٦٢٨: أخرجه أحمد في المسند ٢١٥/٥.
١٠ ٠٠٠ ٠٫٠
١١٣١ / ١٢

٢٠٠
كتاب الحدود/ باب ما لا يدعى على المحدود
رواه في ((شرح السنة)).
٣٦٢٩ - (٥) وعن عليٍّ [رضي الله عنه] عن النبيِّ وَّر قال: ((من أصابَ حدّاً فعجل
عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة ومن أصّاب حدًّا فستره
اللَّهُ عليهِ وعفا عنه فاللَّهُ أكرمُ من أن يعودَ في شيءٍ قد عفا عنه)». رواه الترمذي، وابن
ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
[وهذا الباب خال عن الفصل الثالث].
أما بالنسبة إلى ترك التوبة منه فلا يكفرها الحد لأنها معصية أخرى وعليه يحمل قول جمع: إن
إقامته ليست كفارة بل لا بد من التوبة. (رواه) أي: صاحب المصابيح (في شرح السنة) أي:
بإسناده، وفي الجامع الصغير: من أصاب ذنباً فأقيم عليه الحديث رواه أحمد والضياء(١).
٣٦٢٩ - (وعن علي رضي الله عنه عن النبي وَلاثم قال: من أصاب حداً) أي: ذنباً يوجب
حداً فأقيم المسبب مقام السبب، ويجوز أن يراد بالحد المحرم من قوله: ﴿تلك حدود الله فلا
تعتدوها﴾ [البقرة - ٢٢٩] أي: تلك محارمه. ذكره الطيبي (فعجل) بصيغة المجهول أي: فقدم
(عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني) بتشديد النون أي: يكرر (على عبده العقوبة في
الآخرة، ومن أصاب حد فستره الله عليه) بأن تاب عن الذنب، والجمهور على أن ستر العبد
على نفسه وتوبته فيما بينه وبين الله أولى من الإظهار، (وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في
شيء قد عفا عنه. رواه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب)، ورواه الحاكم
في مستدركه(٢).
باب التعزير
في المغرب، التعزير تأديب دون الحد وأصله من العزر بمعنى الرد والردع. قال ابن
الهمام: وهو مشروع بالكتاب. قال تعالى: ﴿واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾
[النساء - ٣٤] أمر بضرب الزوجات تأديباً وتهذيباً، وفي الكافي قال عليه الصلاة والسلام: ((لا
ترفع عصاك عن أهلك))، وروي أنه عليه الصلاة والسلام عزر رجلاً قال لغيره: يا مخنث. وفي
المحيط روي عنه عليه الصلاة والسلام قال: ((رحم الله امرأ علق سوطه حيث يراه أهله)).
وأقوى هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: ((فاضربوهم على تركها بعشر في الصبيان)»،
فهذا دليل شرعية التعزير، وأجمع عليه الصحابة، وذكر التمرتاشي عن السرخسي أنه ليس فيه
(١) الجامع الصغير ٥١٤/٢ الحديث رقم ٨٤٤٥.
الحديث رقم ٣٦٢٩: أخرجه الترمذي في السنن ١٧/٥ الحديث رقم ٢٦٢٦. وابن ماجه في ٨٦٨/٢
الحديث رقم ٢٦٠٤. وأحمد في المسند ٩٩/١.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٧.