Indexed OCR Text

Pages 1-20

٧٠٠
بِزْقَاءُ المفَاية
المعَلَّمَة الشََّخِ عَلِي بِن سُلطَانِ عَّ الْقَارِي المتوفَ سنة ١٤هـ
شرح شكاة المصاريج
للإمَام العلامة محمدبن عبد الله الخطيب التبريزي المتوفى سنة ١٤١هـ
محقق
الشَّيَخْ بَالْ عَيْنَافي
٠٠
تغني:
وضعنا متى المشكاة في أعلى الصفحات، ووضعنا أسفل منها فصّ مرقاة
المفاتيح؛ وأحقنافي آخر المجلّ الحادي عشر كتابٌ الإكمال في أسماء الرجال"
وهو تراجم رحَال المشكاة للعلامة التبريزي
الجزء السَّابع
يَحَتَوِي عَلَى الكُتَبِالتّالية
القِصَاص - الدِّيَات - الحَدَوْد - الأمَارَةِ والقَضَّةَ - الجَهَاد
منشورات
محمد عَلى بيضون
لِنِشْرَكْتبِ السُّنّةِ وَاجْمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
+۵۵:
٠۵٨٠
١

دار الكتب
جميع الحقوق محفوظة
Copyright @
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Libon
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطَّبعَة الأوْلى
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bidg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iére Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban
****
ALFr
. .....

بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب القصاص
الفصل الأول
بوة
٣٤٤٦ - (١) عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((لا يَحِلُ دَمُ أمرِىءٍ
مُسلمٍ يشهدُ أنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وأني رسولُ اللَّهِ
بسم الله الرحمن الرحيم
(كتاب القصاص)
بكسر أوّله مصدر من المقاصة، وهي المماثلة، أو فعال من قص الأثر أي تبعه، والولي
يتبع القاتل في فعله المغرب القص: القطع، وقصاص الشعر مقطعه، ومنتهى منبته من مقدم
الرأس إلى حواليه، ومنه القصاص، وهو مقاصة ولي المقتول القاتل، والمجروح الجارح،
وهي مساواته إياه في قتل، أو جرح، ثم عم في كل مساواة.
(الفصل الأول)
٣٤٤٦ - (عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله يقولفيه: (لا يحل دم امرىء) أي
إراقته، وهذا المعنى متضح عرفاً فلا إجمال فيه، ولا في كل تحريم مضاف إلى الأعيان كما
ظن، والمراد بامرىء(١) الإنسان فإن الحكم شامل للرجال، والنسوان إلا في جانب المرتدة
فسيأتي البيان. (مسلم) هو صفة مقيدة لامرىء. (يشهد) أي يعلم، ويتيقن، ويعتقد (أن لا إله
إلا الله)، أي بوجوده، [ووجوب] وجوده، وتوحيده، وتمجيده. (وأني رسول الله)، أي إلى
كافة خلقه، قال القاضي: يشهد مع ما هو متعلق به صفة ثانية جاءت للتوضيح، والبيان ليعلم
أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، وأن الإتيان بهما كاف للعصمة. وقال الطيبي [رحمه
الحديث رقم ٣٤٤٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٠١/١٢ الحديث رقم ٦٨٧٨. ومسلم في ١٣٠٢/٣
الحديث رقم (٢٥ - ١٦٧٦).
(١) في المخطوطة ((بالمرء)).
٣
٥٢٠٠٦٩٠٥
ـهوريفى

٤
کتاب القصاص
إِلاَّ بِإِخْدَى ثَلاثِ: النّفْسُ بالنفْسِ، والثَِّبُ الزَّاني، والمارِقُ لدينِهِ التَّارِكُ للجماعةِ))
٢٤+٠
/١١٣٠
(١) مسلم في صحيحه ١/ ٩٧ الحديث رقم (١٦٠ - ٩٧).
(٢)
في المخطوطة ((رواية)).
أي الأربعين النووية والمراد بابن حجر الهيثمي واسمه «الفتح المبين)» ولابن حجر العسقلاني تخريج
(٣)
للأحاديث الأربعين أخرجه بأسانيد عالية. وشراح الأربعين كثر منهم: زين الدين عبد الرحمن بن
حمد المعروف بابن رجب الحنبلي (٧٩٥) وتاج الدين عمر بن علي الفاكهي (٧٣١) وجمال الدين
يوسف بن الحسن التبريزي (٨٠٤) وأبو العباس أحمد بن طرح الأشبيلي (٦٩٩) وأبو حفص عمر
البليسي وبرهان الدين إبراهيم بن أحمد الخجندي الحنفي (٨٥١) والشهاب أحمد بن محمد بن أبي
بكر الشيرازي الكازروني واسمه ((الهادي للمسترشدين)) وشرحه منلا علي القاري الحنفي (١٠٤٤).
(٥) في المخطوطة ((ليكون)).
(٤) في المخطوطة ((ليلائم)).
(٦) في المخطوطة ((بالفعل)).
١٣٠
موسطر ود
الله] الظاهر أن يشهد حال جيء بها مقيدة للموصوف مع صفته إشعاراً بأن الشهادتين هما العمدة
في حقن الدم، ويؤيده قوله ويليرفي حديث أسامة: ((كيف تصنع بلا إله إلا الله))(١) (إلا بإحدى
ثلاث)، أي خصال ثلاث: قتل نفس بغير حق، وزنا المحصن، والارتداد، ففصل ذلك بتعداد
المتصفين به، المستوجبين القتل لأجله فقال: (النفس) بالجر، وجوز الرفع، والنصب فيها،
وما عطف عليها، كذلك. قال الكازروني: بالرفع خبر مبتدأ، وبالجر بدل، وبالنصب بتقدير
أعني لكن الرواية على الأوّل. اهـ. ولعله روايته(٢) وإلا فالمشهور الجر في مثل هذا التركيب
كقوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]، وهو المفهوم من شرح الأربعين لابن
حجر(٣)، أي قاتل النفس (بالنفس) ليلائمه(٤) ما بعده من قوله (والثيب الزاني والمارق لدينه
التارك للجماعة)، أو تقديره قتل النفس، وزناً الثيب، ومروق المارق فيكون(٥) بياناً للخصال
الثلاث: وبالنفس متعلق بفعل مقدر أي قتل ملتبس بالنفس(٦)، كذا قيل: والأظهر أن الباء
للمقابلة، أي قتل النفس المقتص بالنفس. والمراد به القتل بغير حق [إخراجاً] للقتل المستحق.
قال الطيبي [رحمه الله]: أي يحل قتل النفس قصاصاً بالنفس التي قتلها عدواناً، وهو مختص
بولي الدم لا يحل قتله لأحد سواه حتى لو قتله غيره لزمه القصاص. وقال بعض العرفاء: كما
كتب القصاص في القتلى كتب على نفسه الرحمة في قتلاه الذين بذلوا الروح الإنساني عند
· شهود الجلال الصمداني، كما قال من أحبني، قتلته، ومن قتلته، فأنا ديته الحر بالحر، والعبد
بالعبد، والأنثى بالأنثى أي من كان متوجهاً إليه بالكلية، كان فيضه متصلاً [به] بالكلية، [ومن]
کان في رق غيره من المكوّنات، لم يتصل به غاية الاتصال، ومن كان ناقصاً في دعوى محبته،
لم يكن مستحقاً لكمال محبته، ومن كان الله ديته فله حياة الدارين، والبقاء برب الثقلين.
والمراد بالثيب: المحصن، وهو المكلف الحر الذي أصاب في نكاح صحيح، ثم زنى فإن
للإمام رجمه، وليس لآحاد النّاس ذلك لكن لو قتله مسلم، ففي وجوب القصاص عليه
خلاف. والأظهر عندنا أنه لا يجب لأن إباحة دمه لمحافظة أنساب المسلمين، وكان له حقاً

كتاب القصاص
فيه. أما لو قتله ذمي، اقتص منه لأنه [لا] تسلط له على المسلم ذكره الطيبي [رحمه الله] وفي
التعليل الأوّل نظر لأن إباحة دم القاتل أيضاً لمحافظة دماء المسلمين مع أنه ليس لكل أحد قتله
اتفاقاً، ثم الدليل على الرجم أن عمر قال في خطبته: إن الله بعث محمداً نبياً، وأنزل عليه كتاباً
وكان فيما أنزل ((الشيخ، والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالاً من الله إن الله كان عزيزاً
حكيماً)(١)، وقد رجم رسول الله وَلخير، ورجمنا الحديث وكان ذلك بمشهد من الصحابة فلم
ينكر عليه. والحكمة فيه أن في الزنا مفاسد من اختلاط الأنساب، وتضييع الأولاد، ويثب كل
رجل على كل امرأة بمقتضى طبعه فتهيج الفتن، والحروب بعد التشبه بالبهائم إلى غير ذلك.
وأما البكر، والمكلف غير المحصن فإن كان حراً فيجلد مائة، وإن كان رقيقاً فيجلد خمسين.
ويراد بالمارق لدينه الخارج عنه من المروق، وهو الخروج. ومنه المرق وهو الماء الذي يخرج
من اللحم عند الطبخ. قال الطيبي [رحمه الله] وهو مهدر في حق المسلمين لا قصاص على من
قتله، وفيما إذا قتله ذمي خلاف، اهـ. والتارك للجماعة صفة مؤكدة للمارق، أي الذي ترك
جماعة المسلمين، وخرج من جملتهم، وانفرد عن أمرهم بالردة التي هي قطع الإسلام قولاً،
أو فعلاً، أو اعتقاداً فيجب قتله إن لم يتب. وتسميته مسلماً مجاز باعتبار ما كان عليه لا
بالبدعة، أو نفي الإجماع كالروافض، والخوارج فإنه لا يقتل. وفي الحديث دليل لمن قال لا
يقتل أحد دخل في الإسلام بشيء [سوى] ما [عدد] كترك الصلاة على ما هو المذهب عندنا
قال بعض شراح الأربعين، وخالفه الجمهور لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من ترك الصلاة
متعمد فقد كفر))(٢) أي استحق عقوبة الكفر كذا فسره الشافعي. قلت: الحديث السابق نص في
الحصر المفيد لنفي قتله، فلا يثبت إثباته بمثل هذا الاستدلال مع وجود غيره من الاحتمال،
فإنه فسر بأنه قارب الكفر، أو شابه عمل الكفرة، أو يخشى عليه الكفر، أو المراد بالكفر
الكفران، أو محمول على ما إذا استحل تركه، أو نفي فرضيته، أو على الزجر الشديد(٣)
والتهديد والوعيد كما في قوله تعالى بعد إيجاب الحج ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾
[آل عمران: ٩٧] حيث وضع قوله من كفر موضع من لم يحج. قال النووي: المراد بقوله
النفس بالنفس القصاص بشرطه، وقد يستدل به أصحاب أبي حنيفة [رحمه الله] في قولهم يقتل
المسلم بالذمي، والحر بالعبد، والجمهور على خلافه فهم: مالك، والشافعي، والليث
وأحمد. قلت: يؤيد مذهبنا أيضاً قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة -
٤٥] والمفهوم المستفاد من قوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ [البقرة - ١٧٨] غير معتبر
عندنا لا سيما عند وجود المنطوق مع الاتفاق على أن لا مفهوم في بقية الآية من قوله:
(١) وهذا من قبيل المنسوخ تلاوة. دون الحكم.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط عن أنس. والأحاديث بهذا المعنى كثيرة منها ما أخرجه مسلم
وغيره (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) [مسلم كتاب الإيمان باب بيان إطلاق اسم الكفر].
(٣) في المخطوطة ((للتشديد)).
٨٢٥٠
اشت
sprb
i
٤
٠٦٧.٠٠٩٩٦٨١٧.٧٧٠ ٣
/
19- 1-2 -3777-

٦
کتاب القصاص
متفق عليه .
﴿والأنثى بالأنثى﴾ [البقرة - ١٧٨]. قال: وأما قوله: ((التارك لدينه المفارق للجماعة)) فهو
عام في كل من ارتد عن الإسلام بأية ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام،
ويستثنى من هذا العموم المرأة فإنها لا تقتل عند أصحاب أبي حنيفة [رحمه الله] قالوا:
ويتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو نفي إجماع كالروافض، والخوارج وغيرهما.
وخص من هذا العام الصائل، ونحوه، فيباح قتله في الدفع، وقد يجاب عن هذا بأنه
داخل في المفارق للجماعة. أو المراد لا يحل تعمد قتله قصداً إلا في هؤلاء الثلاث، اهـ.
وقال بعض أصحاب المعنى: لا يخفى أن ما ذكر حال الأشقياء من أهل القهر الإلهي،
والطرد الكلي لا يفتح لهم باب المشهد الصمدي وهو القلب، فيأتيه الإلهام من الرب ولا
باب السمع، والأبصار فيدخلهما (١) الفهم، والاعتبار، فارتدوا عن طريق الحق، وصراط
التوحيد، واحتجبوا بظلمات الكثرة عن نور التغريد، واستحقوا القتل والنار، وحبسوا في
الظلمات دار البوار، فرحم الله امراً اشتغل بالفضائل، وانتهى عن هذه الذنوب، وسائر
الرذائل وما أنفع قول القائل:
٠٫٠٠
ويا فاعل الشرمه لا تعد
أيا فاعل الخير عد ثم عد
ومن لم يسد بالتقي لم يسد
فما ساد عبد بدون التقي
(متفق عليه)، وفي جامع الأصول رواه الخمسة يعني الستة إلا ابن ماجه. واعلم أن لفظ
الحديث على ما وجدته في الصحيحين، وجامع الأصول ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا
إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه
المفارق للجماعة)). فجملة يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله أسقطها الإمام النووي في
أربعينه، وقال ابن حجر في شرحه: كذا هذه الزيادة في رواية، والله أعلم بما فيهما. وصاحب
المشكاة مع التزامه في أوّل الكتاب تتبع الصحيحين، وجامع الأصول خالف ههنا، واختار
تأخير الثيب عن النفس مع أن الترتيب للترقي مستفاد من نقلنا، إذ الزنا دون القتل وهو دون
الارتداد، لا يُقال الواو لا تفيد الترتيب لأنا نقول الترتيب الذكرى معتبر صحيح في كلام
الحكيم الفصيح. ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ((أبدأ بما بدأ الله به أن الصفا
والمروة))(٢)، ثم قوله: ((الزاني)) بإثبات الياء في نسخ المشكاة، وهو الموافق لما في رواية
البخاري، وكذا في بعض نسخ مسلم لكن قال النووي في شرح مسلم: هكذا في النسخ الزان
من غير ياء بعد النون وهي لغة صحيحة قرىء بها في السبع في قوله تعالى: ﴿الكبير
المتعال﴾(٣) والأشهر في اللغة إثبات الياء.
٦٠٠٠٠٠٠٠
(١) في المخطوطة ((فيدخلها)).
(٢). أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج باب حجة النبي ◌َّر. (١٤٧ - (١٢١٨).
دونه
(٣) سورة الرعد، الآية: ٩.
٦٢٠٠

٧
کتاب القصاص
٣٤٤٧ - (٢) وعن ابن عمَرَ، قال: قال رسولُ الله ◌َلِّ: ((لنْ يزالَ المؤمنُ في فُسحةٍ
مِنْ دينِهِ ما لمْ يُصِبْ دماً حراماً) رواه البخاري.
٣٤٤٨ - (٢) وعن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((أوَّلُ ما يُقضى بينَ
النَّاسِ يومَ القيامةِ في الدّماءِ»
٣٤٤٧ - (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَير: لن يزال المؤمن في فسحة) بضم
الفاء، وسكون السين، وفتح الحاء المهملتين أي سعة (من دينه)، ورجاء رحمة من عند ربه (ما
لم يصب دماً حراماً) قال ابن الملك: أي إذا لم يصدر منه قتل النفس بغير حق يسهل عليه أمور
دينه، ويوفق للعمل الصالح. وقال الطيبي: أي يرجى له رحمة الله، ولطفه ولو باشر الكبائر
سوى القتل فإذا قتل ضاقت عليه، ودخل في زمرة الآيسين من رحمة الله تعالى، كما ورد في
حديث أبي هريرة: ((من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه آيس
من رحمة الله))(١) قيل: المراد بشطر الكلمة قول أق وهو من باب التغليظ ويجوز أن ينزل معنى
الحديث على معنى قوله وَلير في الفصل الثاني: ((لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً أي المؤمن لا
يزال موفقاً للخيرات مسارعاً لها ما لم يصب دماً حراماً فإذا أصاب ذلك أعيا وانقطع عنه ذلك
لشؤم ما ارتكب من الاثم)»(٢) (رواه البخاري)، وروى الطبراني عن قتادة بن عياش بلفظ ((لن
يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يشرب الخمر فإذا شربها خرق الله عنه ستره وكان الشيطان
وليه وسمعه وبصره ورجله يسوقه إلى [كل] شر ويصرفه عن كل خير) كذا في الجامع
الصغير(٣). وهذا يدل على أن المراد هو الانتهاء عن الكبائر مطلقاً، وأن المراد بالمذكور هنا
وأمثاله، وخص بالذكر في كل موضع ما يليق بحاله والله [تعالى] أعلم.
٣٤٤٨ - (وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله -*- أوّل ما يقضى) أي يحكم (بين
الناس) أي المؤمنين (يوم القيامة) ظرف يقضى (في الدماء) خبر لقوله: أول ما يقضى قال
النووي هذا لتعظيم أمر الدماء، وتأثير خطرها. وليس هذا الحديث مخالفاً لقوله: ((أوّل ما
يحاسب به العبد صلاته))(٤) لأن ذلك في حق الله، وهذا فيما بين العباد. قلت: الأظهر أن يقال
لأن ذلك في المنهيات وهذا في المأمورات، أو الأول في المحاسبة، والثاني في الحكم لما
الحديث رقم ٣٤٤٧: أخرجه البخاري ١٨٧/١٢ الحديث رقم ٦٨٦٢.
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الديات باب التغليظ في قتل مسلم ظلماً الحديث رقم ٢٦٢٠.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الفتن باب في تعظيم قتل المؤمن الحديث رقم ٤٢٧٠ وسيأتي في الحديث
رقم ٣٤٦٧. وهو بغير هذا اللفظ.
(٣) الجامع الصغير ٤٥٣/٢ الحديث رقم ٧٣٨٩.
الحديث رقم ٣٤٤٨: أخرجه البخاري في صحيحه ١٨٧/١٢ الحديث رقم ٦٨٦٤. ومسلم في ١٣٠٤/٣
الحدیث رقم (٢٨ - ١٦٧٨).
(٤) أخرجه النسائي في السنن كتاب تحريم الدم باب تعظيم الدم الحديث رقم ٣٩٩١.
٢٦/٢
٠٠٩٤٩ \٢٠٠٠٠١
مے
رجم :
٢٠١٥/١٠١٧٢

٨
١٧۴
:٩٠
كتاب القصاص
متفق عليه.
٣٤٤٩ - (٤) وعن المقداد بنِ الأسوَدِ، أنَّه قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ لقيتُ رجلاً
من الكفَّارِ، فاقتتَلْنا، فضربَ إِحْدى يدَيَّ بالسيفِ فقطعَها، ثمَّ لاذَ مِني بشجرةٍ، فقالَ:
أسلمتُ للَّهِ - وفي رواية: فلمَّا أهْوَيتُ لأقتُلَه قال: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ - أأقتلُه بعدَ أنْ قالَها؟ قال:
((لا تقتُلُه)». فقال: يا رسولَ الله! إِنَّه قطَعَ إِحدى يدَيَّ. فقال رسولُ اللهِوَّهَ: ((لا تقتُلُه، فإنْ
قَتَلتَه فإِنَّه بمنزلتِكَ قبلَ أنْ تقتُلَه، وإِنَّكَ بمنزِلِتِهِ قبلَ أنْ يقولَ كلمتَه التي قالَ)).
أخرج النسائي عن ابن مسعود مرفوعاً: ((أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين
الناس في الدماء)»(١) وفي الحديث إشارة، إلى أن الأول الحقيقي هو الصلاة فإن المحاسبة قبل
الحكم. وفيه اقتباس من قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾
[المؤمنون - ١ - ٢] الآية وقوله عزَّ وجلّ: ﴿إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون﴾
[المعارج - ٢٢، ٢٣] الآية (متفق عليه)، ورواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه.
٣٤٤٩ - (وعن المقداد بن الأسود أنه قال يا رسول الله أرأيت) أي أعلمت فأخبرني (إن
لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا) أي أراد كل منا قتل الآخر بالفعل (فضرب) أي الكافر (إحدى
يدي بالسيف) أي مثلاً في المحل، والآلة (فقطعها) أي يدي، (ثم لاذ مني) من اللياذ بمعنى
العياذ أي التجأ مني (بشجرة) أي مثلاً مع أن الالتجاء نفسه قيد واقعي، فرضي غالبي غير
احترازي. (فقال أسلمت لله) أي أنقدت لأمر الله، أو دخلت في الإسلام خالصاً له تعالى (وفي
رواية فلما أهويت) أي قصدت (لأقتله قال لا إله إلا الله أأقتله)، وفي نسخة بحذف الاستفهام.
(بعد أن قالها) أي هذه الكلمة، وفي نسخة (قاله) أي هذا اللفظ (قال لا تقتله) قال القاضي:
يستلزم الحكم بإسلامه، ويستفاد منه صحة إسلام المكره، وأن الكافر إذا قال أسلمت، أو أنا
مسلم حكم بإسلامه. (فقال يا رسول الله أنه قطع إحدى يدي) أي ومع هذا لا أتعرض له (فقال
رسول الله وَلفي لا تقتله) يستفاد من نهيه عن القتل، والتعرض له ثانياً بعدما كرر أنه قطع إحدى
يديه؛ إن الحربي إذا جنى على مسلم، ثم أسلم لم يؤاخذ بالقصاص إذ لو وجب لرخص له في
قطع إحدى يديه قصاصاً. (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) لأنه صار مسلماً معصوم الدم
قبل أن فعلت فعلتك التي أباحت دمك قصاصاً. والمعنى كما كنت قبل قتله محقون الدم
بالإسلام، كذلك هو بعد الإسلام. (وأنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) لأنك صرت
مباح الدم(٢)، كما هو مباح الدم قبل الإسلام، ولكن السبب مختلف. فإن إباحة دم القاتل بحق
القصاص، وإباحة دم الكافر بحق الإسلام، وقد تمسك به الخوارج على تكفير المسلم بارتكاب
الكبائر، وحسبوا أن المعنى به المماثلة في الكفر، وهو خطأ لأنه تعالى عدَّ القاتل من عداد
الحديث رقم ٣٤٤٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٨٧/١٢ الحديث رقم ٦٨٦٥. ومسلم في صحيحه
٩٥/١ الحديث رقم (١٥٥ - ٩٥).
(١) في المخطوطة ((دم)).
٥٠

٩
کتاب القصاص
متفق عليه .
٣٤٥٠ - (٥) وعن أسامة بن زيدٍ، قال: بعثنا رسولُ اللهِ وَّهِ إِلى أُناسٍ مِنْ جُهَينةَ، فأتيتُ
على رجلٍ منهم، فذهبتُ أطعنُه، فقال: لا إِلَه إِلاَّ اللَّهُ، فطعَنتُه فقتلتُه، فَجئتُ إِلى النبيَّ ◌َِّ
فأخبرتُه، فقال: ((أقَتلتَه وقد شهدَ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ؟)) قلتُ يا رسولَ الله! إِنَّما فعلَ ذلكَ تعوُّذاً.
قال: ((فَهَلاً شقَقتَ عنْ قلبِهِ؟!)).
المؤمنين، بل المراد ما ذكرناه. اهـ كلام القاضي. قال الطيبي: ولو حمل على التغليظ،
والتشديد كما في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر﴾
[آل عمران - ٩٧] وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا
بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون﴾ [البقرة - ٢٥٤] لجاز. فإنه جعل تارك
الحج، والزكاة في الآيتين في زمرة الكافرين تغليظاً وتشديداً إيذاناً بأن ذلك من أوصاف الكفر،
فينبغي للمسلم أن يحترز منه، وبدار المقام يقتضيه لأنه أزجر، وأردع مما ذهبوا إليه من إهدار
الدم، ولأن جعله بمنزلته تصريح بأن ليس مثله على الحقيقة، بل نازل منزلته في الأمر الفظيع
الشنيع، وكذلك هو بمنزلتك في الإيمان بواسطة تكلمه بكلمة الشهادة، وتوهينا لفعله، وتعظيماً
لقوله. والأحاديث السابقة، واللاحقة تشهد بصحة ذلك، والله تعالى أعلم. ويقرب منه ما ذكره
القاضي عياض رحمه الله قيل: معناه أنك مثله في مخالفة الأمر، وارتكاب الإثم، وإن اختلف
الإيمان فيسمى إثمه كفر، أو إثمك معصية (متفق عليه).
٣٤٥٠ - (وعن أسامة بن زيد) حبى رسول الله وَ لير (قال بعثنا رسول الله (وَل*) أي أرسلني
مع جماعة من الصحابة (إلى أناس من جهينة) بالتصغير قبيلة (فأتيت) أي مررت، أو أقبلت
(على رجل منهم فذهبت أطعنه) بفتح العين أي شرعت أضربه بالرمح، ويجوز ضم العين، ففي
القاموس: طَعَنَهُ بالرمح كمنعه، ونصره طعنا ضربه، وزجره. (فقال لا إله إلا الله فقتلته) ظن
رضي الله عنه أن إسلامه لا عن صميم قلبه، أو اجتهد في هذا أن الإيمان في مثل هذه الحالة
لا ينفع، فبينه رسول الله وَالقول أنه أخطأ في اجتهاده. وهذا معنى قوله (فجئت إلى النبي ◌َل
فأخبرته فقال أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله) الجملة حالية. (قلت يا رسول الله إنما فعل ذلك)
أي إظهار الإيمان (تعوذاً) مفعول له، وقيل حال أي مستعيذاً من القتل بكلمة التوحيد، وما كان
مخلصاً في إسلامه (فقال) أي رسول الله وَلّ (فهلا شققت عن قلبه) أي إذا عرفت ذلك، فلم لا
شققت عن قلبه لتعلم، وتطلع على ما في باطنه أتعوذا قال ذلك أم إخلاصاً. وشق القلب
مستعار هنا للفحص، والبحث عن قلبه أنه مؤمن، أو كافر. وحاصله أن أسامة ادعى أمراً يجوز
معه القتل، والنبي ◌ّ نفاه لانتفاء سببه، لأن الاطلاع عليه إنما يكون للباحث عن القلوب، ولا
سبيل إليه إلا لعلام الغيوب. قال النووي: معناه أنك إنما كُلِّفت بالعمل بالظاهر، وما ينطق به
اللسان؛ وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما يظهر
جورجيا مارى
الحديث رقم ٣٤٥٠: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩١/١٢ الحديث رقم ٦٨٧٢. ومسلم في ٩٦/١
الحديث رقم (١٥٨ ! - ٩٦).

١٠
27757
كتاب القصاص
متفق عليه .
٣٤٥١ - (٦) وفي روايةٍ جُندُبِ بنِ عبدِ الله البَجليِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ قال: ((كيفَ
تصنعُ بِلا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ إِذا جاءَتْ يوم القيامةِ؟)) قالَه مراراً. رواه مسلم.
٣٤٥٢ - (٧) وعن عبدِ اللهِ بن عمْرٍو [رضي الله عنه]، قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((مَنْ
باللسان، فقال فهلا شققت عن قلبه لتنظر هل قالها بالقلب، واعتقدها، وكانت فيه، أم لم تكن
فيه، بل جرت على اللسان فحسب. يعني فأنت لست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان، ولا
تطلب غيره. وفيه دليل للقاعدة المعروفة(١) في الفقه، والأصول أن الأحكام يحكم فيها
بالظواهر، والله تعالى يتولى السرائر.
٣٤٥١ - (وفي رواية جندب) بضم الجيم، والدال، وتفتح. قال ابن حجر: وتكسر.
وهو غير معروف روايةً، ودرايةً (ابن عبد الله البجلي) بفتح موحدة، وجيم (أن رسول الله وَفيه
قال كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت) أي كلمة لا إله إلا الله، أو من يخاصم لها من
الملائكة، أو من يلفظ بها (يوم القيامة قاله) أي قال النبي ويلتر: هذا القول (مراراً) أي مرة [بعد]
أخرى في ذلك المجلس، أو المجالس تخويفاً، وتهديداً، وتغليظاً، وتشديداً. قال الخطابي:
يشبه أن يكون المعنى فيه أن الأصل في دماء الكفار الإباحة. وكان عند أسامة أنه إنما تكلم
بكلمة التوحيد مستعيذاً من القتل، لا مصدقاً به، فقتله على أنه مباح الدم، وأنه مأمور بقتله،
والخطأ عن المجتهد موضوع، أو تأول في قتله أن لا توبة له في هذه الحالة لقوله تعالى: ﴿فلم
يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر - ٨٥] قال القاضي: وأيضاً هذا الرجل، وإن لم يكن
محكوماً بإسلامه بما قال حتى يضم الإقرار بالنبوّة لكنه لما أتى بما هو العمدة، والمقصود
بالذات، كان من حقه أن يمسك عنه حتى يتعرف حاله. قال الطيبي: ليس في سياق هذا
الحديث، وما تلفظ به * إشعار بإهدار دم القاتل قصاصاً، ولا بالدية، بل فيه الدفع عنه بشبهة
ما تمسك به من قوله: ((إنما فعل ذلك تعوُّداً) والزجر والتوبيخ على فعله والنفي عليه بقوله:
((كيف يصنع بلا إله إلا الله والقتل)) اهـ. وحكي أن علياً كرم الله وجهه غلب على كافر، وقعد
على صدره ليقطع عنقه، فتغل الكافر إلى جانبه فقام علي عن جنبه وقال: أعد المبارزة. فسأله
عن باعث ترك قتله مع قدرته عليه. فقال لما فعلت الفعل الشنيع تحركت نفسي. فخفت أن
أقتلك غضباً لها، لا خالصاً لوجه الله تعالى. فأسلم الکافر بحسن نيته، وخلوص طویته [رضي
الله عنه]. (رواه مسلم).
ster
٣٤٥٢ - (عن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: قال رسول الله وَلهو: من
(١) في المخطوطة ((المفروضة)).
الحديث رقم ٣٤٥١: أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٩٧ الحديث رقم (١٦٠ - ٩٧).
الحديث رقم ٣٤٥٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٦٩/٦ الحديث رقم ٣١٦٦. وابن ماجه في السنن ٢/
٨٩٦ الحديث رقم ٢٦٨٦.
٠٠:

١١
كتاب القصاص
قتلَ مُعاهداً لم يَرِخِ رائحة الجنَّةَ؛ وإِنَّ رِيحَها توجدُ منْ مسيرَةِ أربعينَ خريفاً)). رواه البخاري.
٣٤٥٣ - (٨) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِّ: ((مَنْ ترَدَّى منْ جَبَلٍ فقتَلَ
نفسه؛ فهوَ في نارٍ جهنّمَ يترَدَّى فيها خالداً مُخلَّداً فيها أبداً
١/٠٠٠٠١
قتل معاهدً) بكسر الهاء من عاهد الإمام على ترك الحرب ذمياً، أو غيره. وروي بفتحها، وهو
من عاهده الإمام. قال القاضي: يريد بالمعاهد من كان له مع المسلمين عهد شرعي سواء كان
بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم. وقوله: (لم يرح رائحة الجنة) فيه روايات
ثلاث: بفتح الراء من راح يراح [وبكسره من راح يريح]، وبضم الياء من أراح يريح. وقال
العسقلاني: بفتح الراء، والياء هو أجود، وعليه الأكثر، ثم المعنى واجد، وهو أنه لم يشم
رائحة الجنة، ولم يجد ريحها، ولم يرد به أنه لا يجدها أصلاً، بل أوّل ما يجدها سائر
المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر توفيقاً بينه وبين ما تعاضدت به الدلائل النقلية والعقلية على
أن صاحب الكبيرة إذا كان موحداً محكوماً بإسلامه لا يخلد في النار، ولا يحرم من الجنة.
وقيل: المراد التغليظ. (وإن ريحها توجد) جملة حالية أي والحال أن ريح الجنة توجد (من
مسيرة أربعين خريفاً) أي عاماً كما في رواية. قال السيوطي [رحمه الله]: وفي رواية سبعينَ
عاماً، وفي أخرى مائة عام، وفي الفردوس ألف عام، وجمع بأن ذلك بحسب اختلاف
الأشخاص، والأعمال، وتفاوت الدرجات فيدركها من شاء الله من مسيرة ألف عام، ومن شاء
من مسيرة أربعين [عاماً]، وما بين ذلك. قاله ابن عربى وغيره. قلت: ويحتمل أن يكون المراد
من الكل طول المسافة لا تحديدها. (رواه البخاري)، وكذا أحمد، والنسائي، وابن ماجه.
وفي رواية: ((من قتل معاهداً في غير كُنْهه [بضم الكاف وسكون النون أي في غير وقته الذي
يجوز فيه قتله] حرم الله عليه الجنة))(١) أي منعه من دخولها مدة يوم القيامة. رواه أحمد، وأبو
داود، والنسائي والحاكم عن أبي بكرة بالتاء. وروى الطبراني عن واثلة مرفوعاً: ((من قذف ذمياً
حد له يوم القيامة بسياط من نار))، قال علماؤنا: خصومة الذمي أشد من خصومة المسلم.
ا یهیەد
0784
٣٤٥٣ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َفي (من تردى) أي رمى نفسه (من جبل)
قال القاضي: التردي في الأصل التعرض للهلاك من الردى، وشاع في التهوّر لإفضائه إلى
الهلكة. والمراد ههنا أن يتهوّر الإنسان فيرمي نفسه من جبل (فقتل نفسه) أي فصار بالرمي
سبب قتل نفسه (فهو في نار جهنم يتردى فيها) أي بعذاب فيها جزاء وفاقاً (خالداً) حال قدرة
(مخلداً فيها أبداً) تأكيد بعد تأكيد، أو محمول على المستحل، أو على بيان أن فاعله مستحق
(١) أخرجه أبو داود في السنن كتاب الجهاد باب في الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته الحديث رقم ٢٧٦٠. والنسائي
في القسامة باب تعظيم قتل المعاهد. وأحمد في المسند ٣٦/٥ والحاكم في المستدرك ٢/ ١٤٢.
الحديث رقم ٣٤٥٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٤٧/١٠. الحديث رقم ٥٧٧٨. ومسلم في صحيحه
١٠٣/١ الحديث رقم (١٧٥ - ١٠٩). والترمذي في السنن ٣٣٨/٤ الحديث رقم ٢٠٤٤.
والنسائي في ٦٦/٤ الحديث رقم ١٩٦٥. والدارمي ٢/ ٢٥٢ الحديث رقم ٢٣٦٢ وأحمد في
المسند ٢٥٤/٢.
نجم.
<x٢٠٥
٠٩٠

١٢
كتاب القصاص
ومَنْ تحسَّى سُمّاً فقتَلَ نفسَه؛ فسمُّه في يدِهِ يتحسَّاهُ في نارِ جهنّمَ خالداً مُخلَّداً فيها [أبداً].
ومَنْ قتلَ نفسَه بحديدَةٍ؛ فحديدتَّهُ في يدِهِ يتوَجَّأُ بها في بطنِهِ في نارٍ جهثَّمَ خالداً مخلَّداً فيها
أبداً)). متفق عليه.
لهذا العذاب، أو المراد بالخلود طول المدة. وتأكيده بالمخلد والتأبيد يكون للتشديد،
والتهدي. (ومن تحسى) التحسي، والحسو واحد غير أن فيه تكلفاً أي من شرب (سماً) بفتح
السين ويجوز ضمها، أو كسرها. قال الأكمل: السم مثلث السين القاتل (فقتل نفسه) أي
بشرب ذلك السم (فسمه) مبتدأ (في يده يتحساء) أي يتكلف في شربه (في نار جهنم)، كقوله
تعالى: ﴿يسقى من ماء صديد يتجرّعه ولا يكاد يسيغه يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت
ومن ورائه عذاب غليظ﴾ [إبراهيم - ١٧] (خالداً مخلداً فيها أبداً) أي [في] نار جهنم (ومن قتل
نفسه بحديدة) أي بآلة من حديد (فحديدته) أي تلك بعينها، أو مثلها (في يده يتوجاء) بهمزة في
آخره تفعل من الوجء، وهو الطعن بالسكين، ونحوه. كذا في جامع الأصول، وفي المصابيح
يجأ على وزن يضع. قال شارحه: مِنْ وجأته بالسكين أي ضربته به. والأوّل أنسب للقرائن من
قوله يتردى ويتحسى. والضمير في قوله (بها) للحديدة أي يطعن بها في بطنه (في نار جهنم)
أي حال كونه في نار جهنم (خالداً مخلداً فيها أبدا). قال الطيبي [رحمه الله]: والظاهر أن
المراد من هؤلاء الذين فعلوا ذلك مستحلين له: وإن أريد منه العموم فالمراد من الخلود،
والتأبيد المكث الطويل المشترك بين دوام الانقطاع، له، واستمرار مديد ينقطع بعد حين بعيد
لاستعمالهما(١) في المعنيين. فيقال وقف وقفاً مخلداً مؤبداً، وأدخل فلان حبس الأبد.
والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيجب جعلهما للقدر المشترك بينهما للتوفيق بينه، وبين ما
ذكرنا من الدلائل، فإن قلت: فما تصنع بالحديث الذي يتلوه مروياً عن جندب عن النبي وَلّى :
(بادرني عبدي بنفسه)) الحديث. قلت: هو حكاية حال لا عموم فيها، إذ يحتمل أن الرجل كان
كافراً، أو ارتد من شدة الجراحة، أو قتل نفسه مستبيحاً أن قوله: ((فحرمت عليه الجنة))، ليس
فيه ما يدل ظناً على الدوام، والأقناط الكلي فضلاً عن القطع. قال التوربشتي: لما كان الإنسان
بصدد أن يحمله الضجر، والحنق، والغضب على إتلاف نفسه، ويسوّل له الشيطان أن الخطب
فيه يسير، وهو أهون من قتل نفس أخرى قتلها عليه. وإذا لم يكن لنفسه مطالب من قبل
الخلق، فالله يغفر له. اعلم النبي وي طير المكلفين أنهم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة، ومعذبون
به عذاباً شديداً، وإن ذلك في التحريم كقتل سائر النفوس المحرمة، اهـ. واعلم أنه ورد عن
ابن عمر مرفوعاً: ((صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا
الله))(٢). أخرجه الدارقطني من طرق، وضعفها، كذا في شرح عقيدة الطحاوي، وقال:
ويستثنى من هذا العموم البغاة، وقطاع الطريق، وكذا قاتل نفسه خلافاً لأبي يوسف، لا الشهيد
خلافاً لمالك، والشافعي (متفق عليه).
+ جم ؟
بروم.
(١) في المخطوطة استمالها.
(٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٥٦/٢.

١٣
کتاب القصاص
٣٤٥٤ - (٩) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((الذي يَخْنِقُ نفسَه يخنِقُها في النَّارِ،
والذي يطعنُها يطعُها في النَّارِ)). رواه البخاري.
٣٤٥٥ _ (١٠) وعن جُندبٍ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كانَ فيمِنْ كانَ
قبلِكُم رجلٌ بهِ جُزْحٌ، فجزعَ فأخذَ سكيناً، فحزَّ بها يدَه فما رَقأَ الدَّمُ حتى ماتَ. قال اللَّهُ
تعالى: ((بادَرَنِي عبْدي بنفسِه فحرَّمتُ عليهِ الجنَّةَ)). متفق عليه.
٣٤٥٦ _ (١١) وعن جابرٍ: أنَّ الطُّفيلَ بنَ عمْرٍو الدَّوْسيِّ لمَّا هاجرَ النبيُّ وَلَ إِلى
المدِينةِ هاجرَ إِلیهِ،
٣٤٥٤ - (عنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله ويلتر: الذي يخنق) بضم النون من
حد نصر على ما في القاموس، وفي نسخة بكسرها أي يقتل (نفسه) بالخنق، وفي معناه الشنق،
قال شارح المصابيح: أي يعصر حلقه من باب ضرب مصدره الخنق بفتح الخاء، والنون
(يخنقها) أي بنفسه، أو يخنقها الله (في النار، والذي يطعنها) بضم العين على ما في التنقيح،
وفي القاموس طعنه بالرمح كمنعه، ونصره ضربه وقال العسقلاني هو بضم العين المهملة، كذا
ضبط في الأصول (يطعنها في النار رواه البخاري).
٣٤٥٥ - (عن جندب بن عبد الله) أي البجلي (قال: قال رسول الله وَليقول: كان فيمن كان
قبلکم رجل به) الباء للإلصاق (جرح) بضم أوله، وقد يفتح (فجزع) بكسر الزاي أي خرج عن
حيز الصبر (فأخذ سكيناً فحز) بالحاء المهملة، وتشديد الزاي أي قطع بغير إبانة قاله
العسقلاني. وقيل: يروى بالجيم، وكلاهما بمعنى، وفي القاموس الحز القطع، والجز بالجيم
قطع الشعر، والحشيش أي قطع (بها) أي بتلك السكين، وهو يذكر، ويؤنث على ما صرح به
بعض شراح المصابيح. (يده) أي المجروحة (فما رقأ الدم) بفتحات أي ما سكن، ولم ينقطع
حتى مات (قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه) أي أراد مبادرتي بروحه (فحرمت عليه الجنة.)
قال ابن الملك: محمول على المستحل، أو على أنه حرمها أول مرة حتى يذيقه وبال أمره إن
لم يرحمه بفضله (متفق عليه).
٣٤٥٦ - (وعن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي) بفتح أوله، قال المؤلف: أسلم،
وصدق النبي ◌َّر بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى هاجر إلى النبي بَّر وهو
بخيبر بمن تبعه من قومه، فلم يزل مقيماً عنده إلى أن قبض النبي بَّر، وقتل يوم اليمامة
شهيداً. روى عنه جابر وأبو هريرة. (لما هاجر النبي ◌َّقر إلى المدينة، هاجر) أي الطفيل (إليه)
الحديث رقم ٣٤٥٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣٧/٣. الحديث رقم ١٣٦٥. وأحمد في المسند ٢/ ٤٣٥.
الحديث رقم ٣٤٥٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٩٦/٦. الحديث رقم ٣٤٦٣. ومسلم في ١ / ١٠٧
الحديث رقم (١١٣/١٨).
الحديث رقم ٣٤٥٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٠٨/١ الحديث رقم (١٨٤ - ١١٦).
٤ جون
(ادھم
:١٠/
٠٠٠

١٤
٢٥:
".٠٠٠٥٧٧
كتاب القصاص
وهاجرَ معه رجلٌ منْ قومِه، فمرضَ فجزِعَ، فَأَخذَ مشاقِصَ له، فقطعَ بها بَراجمَه فشخَبَتْ
يداه، حتى ماتَ، فرآهُ الطفَيلُ بنُ عمْرٍو في مناِه وهيئتُه حسنةٌ ورآهُ مغطيّاً يدَيْهِ فقال له: ما
صنَعَ بِكَ رِبُّكَ؟ فقال: غَفَر لي بهِجرَتي إِلى نبيّهِوَله: فقال: ما لي أراكَ مُغَطّياً يديْكَ؟ قال:
قيلَ لي: لنْ نُصلِحَ منكَ ما أفسدْتَ، فقصَّها الطفيلُ على رسولِ اللهِّهِ فقال رسولُ الله
وَلَّه: ((اللهُمَّ ولِيَدَيْهِ فاغفِرْ)). رواه مسلم.
٣٤٥٧ - (١٢) وعن أبي شُرَيحِ الكعبيِّ،
أي إلى النبي وَ لقر (وهاجر معه) أي مع الطفيل (رجل من قومه، فمرض) أي الرجل (فجزع
فأخذ مشاقص له) بفتح الميم، وكسر القاف جمع مشقص كمنبر، وهو السكين، وقيل: نصل
السهم إذا كان طويلاً غير عريض، كذا في القاموس، واقتصر في النهاية على الثاني (فقطع بها)
أي ببعض المشاقص (براجمه) بفتح الموحدة، وكسر الجيم جمع برجمة بضم الباء، والجيم،
وهي مفاصل الأصابع التي بين الرواجب، وهي المفاصل التي تلي الأنامل وبين الأشاجع،
وهي التي تلي الكف كذا في بعض شروح المصابيح. وفي النهاية البراجم: هي العقد التي في
ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ الواحدة برجمة بالضم (فشخبت) بفتح المعجمتين أي سالت
(يداه) أي دمهما (حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، وهيئته) أي سمة الرجل، وحاله
(حسنة) جملة حالية (ورآه) بصيغة الماضي عطفاً على الأول، وفي نسخة بهمزة بعد الألف
ممدودة أي عقبه ظرف لقوله فرآه، ثم قوله (مغطياً يديه) بكسر الطاء حال من المفعول، (فقال)
أي الطفيل (له: ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه وَّار فقال: ما لي) بفتح ياء
الإضافة، وسكونها (أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي) أي بواسطة، أو غيرها (لن نصلح منك
ما أفسدت) أي بيديك، ولعل التقدير إلا أن شفع رسول الله وكلي (فقصها) أي فحكى الرؤيا
(الطفيل على رسول الله وَيهر. فقال رسول الله يقول: اللهم وليديه) عطف على مقدر أي تجاوز
عنه، وليديه (فاغفر.) قال الطيبي [رحمه الله]: عطف من حيث المعنى على قوله: وقيل لي لن
نصلح منك ما أفسدت، لأن التقدير قيل لي غفرنا لك سائر أعضائك إلا يديك، فقال رسول
الله وَلّى: ((اللهم وليديه فاغفر)) واللام متعلق بقوله، فاغفر. قال التوربشتي: هذا الحديث وإن
كان فيه ذكر رؤيا أريها الصحابي للاعتبار بما يؤول تعبيره، فإن قول النبي ◌َّر: ((اللهم وليديه
فاغفر)» من جملة ما ذكرنا من الأحاديث الدالة على أن الخلود غير واقع في حق من أتى
بالشهادتين، وإن قتل نفسه، لأن نبي الله وَليل دعا للجاني على نفسه بالمغفرة، ولا يجوز في
حقه أن يستغفر لمن وجب عليه الخلود بعد أن نهى عنه. (رواه مسلم).
٣٤٥٧ - (عن أبي شريح) بالتصغير (الكعبي) قال المؤلف: هو أبو شريح خويلد بن
الحديث رقم ٣٤٥٧: أخرجه أبو داود في السنن ٦٤٣/٤ الحديث رقم ٤٥٠٤. والترمذي في ٤/ ١٤
الحديث رقم ١٤٠٦. والشافعي في مسنده ص٣٤٣. من كتاب الديات والقصاص. وأحمد في
المسند ٤/ ٢٣.
منجود
١٠٠٥%
مععودة

١٥
کتاب القصاص
عنْ رسولِ اللهِ وَّيَ، قال: ((ثمَّ أنتُم يا خُزاعةُ! قدْ قتلتُم هذا القَتيلَ منْ هُذَيلِ، وأنا واللهِ
عاقلُه، مَنْ قتلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه بينَ خِيَرَتينِ: إِنْ أحبُّوا قَتَلوا، وإِنْ أحبُّوا أخذوا العقلَ)).
رواه الترمذيُّ، والشافعي.
وفي ((شرح السنَّة) بإِسنادِه، وصرَّحَ: بأنَّه ليسَ في ((الصحيحين)) عن أبي شريح، وقال:
٣٤٥٨ - (١٣) وأخرَجاه منْ رواية أبي هريرةً، يعني بمعناه.
١٤
عمرو الكعبي العدوي الخزاعي أسلم قبل الفتح، ومات بالمدينة سنة ثمان وستين، روى عنه
جماعة، وهو مشهور بكنيته (عن رسول الله ويّلتر قال: ثم أنتم يا خزاعة) بضم أوله، وهذا من
تتمة خطبته عليه الصلاة والسلام يوم الفتح مقدمته مذكورة في الفصل الأول من باب حرم مكة
من كتاب الحج. وكانت خزاعة قتلوا في تلك الأيام رجلاً من قبيلة بني هذيل بقتيل(١) لهم في
الجاهلية، فأدى رسول الله وَيقول عنهم ديته لإطفاء الفتنة بين القبيلتين (قتلتم هذا القتيل من هذيل)
بالتصغير (وأنا والله عاقله) أي مؤد ديته من العقل، وهو الدية سميت به لأن ابلها تعقل بفناء
ولي الدم، أو لأنها تعقل أي تمنع دم القاتل عن السفك (من قتل بعده) أي منكم، ومن غيركم
(قتيلاً فأهله) أي وارث القتيل (بين خيرتين) بكسر ففتح، ويسكن أي اختيارين، والمعنى مخير
بين أمرين (إن أحبوا اقتلوا) أي قاتله، (وإن أحبوا أخذوا العقل) أي الدية من عاقلة القاتل. قال
الطيبي [رحمه الله: ] فيه دليل على أن ولي الدم يخير بينهما، فلو عفا عن القصاص على الدية
أخذ بها القاتل، وهو المروي عن ابن عباس، وقول سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن
سيرين، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقيل: لا تثبت الدية إلا برضا
القاتل، وهو قول الحسن، والنخعي، وإليه ذهب مالك، وأصحاب أبي حنيفة. وقال بعض
علمائنا من شراح المصابيح: الخيرة الاسم من الاختيار، وتأويل الحديث عند من يرى أن
الواجب للولي القصاص، لا غير أن الولي بين خيرتين: القصاص، أو الدية إن بذلت له. قال
المظهر: فيه دليل على أن الدية مستحقة لأهله كلهم، ويدخل في ذلك الرجال، والنساء
والزوجان، لأنهم جميعاً أهله، وفيه دليل على أن بعضهم إذا كان غائباً، أو طفلاً لم يكن
للباقين القصاص، حتى يبلغ الطفل، ويقدم الغائب، وهو قول الشافعي. (رواه الترمذي،
والشافعي، وفي شرح السنة بإسناده) أي بإسناد البغوي (وصرح) أي محيي السنة (بأنه) أي
الحديث (ليس في الصحيحين عن أبي شريح، وقال:) أي البغوي.
٣٤٥٨ - (وأخرجاه) أي الشيخان (من رواية أبي هريرة يعني) أي يريد البغوي أنهما
أخرجاه عنه (بمعناه) أي بمعنى هذا الحديث، لا بلفظه فتم الاعتراض عليه، حيث ذكر
(١) في المخطوطة ((لقتيل)).
الحديث رقم ٣٤٥٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٠٥/١. الحديث رقم ١١٢. ومسلم في ٩٨٩/٢
الحدیث رقم (٤٤٨ - ١٣٥٥).
1 224
٩

١٦
٠٫٦٩
كتاب القصاص
٣٤٥٩ - (١٤) وعن أنس: أنَّ يهودِياً رَضَّ رأسَ جاريةٍ بينَ حجرَينٍ فقيلَ لها: مَنْ
فعلَ بكِ هذا؟ أَفُلانٌ؟ أَفلانٌ؟ حتى سُمِّيَ اليهودِيُّ فأومأت برأسِها فجيءَ باليهوديَّ،
فاعترفَ، فأمرَ بهِ رسولُ اللهِ وَلَّهِ فِرُضَّ رأسه بالحجارة متفق عليه.
٣٤٦٠ - (١٥) وعنه، قال: كسرَتِ الرُّبَيْعُ -
حديث غير الشيخين في الصحاح المعبر عنه بالفصل الأول.
٣٤٥٩ _ (وعن أنس أن يهودياً) أي واحداً من اليهود (رض)، وفي النهاية الرض الدق
الجريش أي دق (رأس جارية) أي بنت والجارية من النساء ما لم تبلغ (بين حجرين فقيل لها
من فعل بك هذا؟) أي الرض (أَفلان)؟ أي فعل بك (أفلان؟) كناية عن أسماء بعضهم (حتى
سمى) بصيغة المجهول أي ذكر (اليهودي، فأومأت) وفي نسخة فأومت بحذف الهمزة الثانية،
ولعل وجه حذفها التخفيف، ففي القاموس: ومأ إليه كوضع أشار كأوماً وومأ، وفي مختصر
النهاية: الإيماء الإشارة بالأعضاء كالرأس، واليد، والعين، والحاجب، والفعل أومأت، ولا
يقال أومت، وومأت لغة والمعنى أشارت (برأسها) أي نعم (فجيء باليهودي، فاعترف، فأمر به
رسول الله * فرض) بصيغة المجهول أي دق (رأسه بالحجارة.) الظاهر بين حجرين تكميلاً
للمماثلة. في شرح السنة فيه دليل على أن الرجل يقتل بالمرأة، كما تقتل المرأة به، وهو قول
عامة أهل العلم إلا ما حكي عن الحسن البصري، وعطاء، وفيه دليل على أن القتل بالحجر،
والمثقل الذي يحصل به القتل غالباً يوجب القصاص. وهو قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب
مالك، والشافعي، ولم يوجب بعضهم القصاص إذا كان القتل بالمثقل، وهو قول أصحاب أبي
حنيفة. وفيه دليل على جواز اعتبار جهة القتل فيقتص من القاتل بمثل فعله. قال النووي [رحمه
الله: ] إذا كانت الجناية شبه عمد بأن قتل بما لا يقصد به القتل غالباً، فتعمد القتل به كالعصا،
والسوط، واللطمة، والقضيب، والبندقة، ونحوها فقال مالك، والليث: يجب فيه القود. وقال
الشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي والثوري، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم من الصحابة،
والتابعين: لا قصاص فيه. وفيه جواز سؤال الجريح من جرحك وفائدته أن يعرف المتهم،
فيطالب فإن أقر، ثبت عليه القتل وإن أنكر، فعليه اليمين، ولا يلزم شيء بمجرد قول المقتول:
وهو مذهب الجمهور، ومذهب مالك ثبوت القتل بمجرد قول المجروح. وتعلق بهذا الحديث
في إحدى الروايتين عن مسلم (متفق عليه).
/٠٣٠
٠ص۴.
٣٤٦٠ - (وعنه) أي عن أنس (قال كسرت الربيع) بضم الراء وفتح موحدة، وتشديد
الحديث رقم ٣٤٥٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٣/١٢. الحديث رقم ٦٨٨٤. ومسلم في ١٢٩٩/٣
الحديث رقم (١٥ - ١٦٧٢). وأبو داود في السنن ٤/ ٦٦٣ الحديث رقم ٤٥٢٧ والترمذي في ٤/
٩ الحديث رقم ١٣٩٤. والنسائي في ٢٢/٨ الحديث رقم ٢٧٤٢. وابن ماجه في ٨٨٩/٢ الحديث
رقم ٢٦٦٥. والدارمي في ٢٤٩/٢ الحديث رقم ٢٣٥٥. وأحمد في المسند ١٩٣/٣.
الحديث رقم ٣٤٦٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٤٦/١٢. الحديث رقم ٦٩٠٣. ومسلم في ١٣٠٢/٣ =
الدء
Yo٧
" /

١٧
كتاب القصاص
وهيَ عمَّةُ أنسٍ بن مالك - ثنيَّةَ جاريةٍ من الأنصارِ، فَأَتَوا النبيَّ ◌َِِّ، فأمرَ بالقِصاصِ، فقال
أنسُ بنُ النَّضرِ عمّ أنسٍ بن مالك: لا واللَّهِ لا تُكسرُ ثنِيَّتُها يا رسولَ الله! فقال رسولُ الله
وَلَهُ: ((يا أنسُ! كتابُ اللَّهِ القِصاصُ)) فرضيَ القوم وقبلوا الأَرْشَ. فقال رسولُ الله ◌َله: ((إِنَّ
من عبادِ اللَّهَ من لوْ أقسَمَ على اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)). متفق عليه.
تحتية مكسورة أي بنت النضر الأنصارية، وهي أم حارثة بنت سراقة. قال المؤلف: وقد جاء
في صحيح البخاري أنها أم الربيع بنت النضر، والذي ذكر في أسماء الصحابيات أنها الربيع
وهو الصحيح. (وهي عمة أنس بن مالك) [أي] ابن النضر راوي الحديث (ثنية جارية) بفتح
مثلثة، وكسر نون، وتشديد تحتية واحدة الثنايا مفعول كسرت. والمراد بالجارية بنت (من
الأنصار فأتوا) أي قوم الجارية (النبي ◌َ ﴿ فأمر بالقصاص. فقال أنس بن النضر، عم أنس بن
مالك: لا والله لا تكسر) بصيغة المجهول (ثنيتها) أي ثنية الربيع (يا رسول الله). قال القاضي
الحديث يدل على ثبوت القصاص في الأسنان، وقول أنس: لا والله الخ لم يرد به الرد على
الرسول، والإنكار بحكمه. وإنما قاله توقعاً، ورجاء من فضله تعالى أن يرضي خصمها، ويلقي
في قلبه أن يعفو عنها ابتغاء مرضاته، ولذلك قال النبي ◌َّ ر حين رضي القوم: ((بالارش ما
قال)). (فقال رسول الله وَله: يا أنس) أي ابن النضر (كتاب الله) أي حكمه، أو حكم كتابه على
حذف المضاف (القصاص) أي المماثلة في العدوان، فيكون إشارة إلى قوله تعالى: ﴿من
اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة - ١٩٤] وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا
بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل - ١٢٦) وقوله: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة - ٤٥] وإلى قوله: ((
﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة - ٤٥] إلى قوله: ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة .
٤٥] إن قلنا بأنا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم يرد نسخ في شرعنا. قال الطيبي [رحمه الله: ] لا!
في قوله لا والله ليس رد الحكم بل نفيه لوقوعه، وقوله: والله لا تكسر أخبار عن عدم الوقوع،
وذلك بما كان له عند الله من القربى، والزلفى والثقة بفضل الله، ولطفه في حقه أنه لا يحنث
بل يلهمهم العفو ويدل عليه ما في رواية لا والله لا يقتص منها أبداً (فرضي القوم وقبلوا الأرش)
أي الدية (فقال رسول الله وَيته: إن من عباد الله من لو أقسم على الله، لأبرّه) أي جعله بارّاً في
يمينه، لا حانثاً فدل على أنه ولله جعله من زمرة عباد الله المخلصين، وأولياء الله المصطفين.
قال النووي: فيه جواز الحلف فيما يظن (١) الإنسان وقوعه، وجواز الثناء على من يخاف الفتنة(
بذلك، واستحباب العفو عن القصاص، والشفاعة في العفو، وأن الخيرة في القصاص، والدية
٠٠٠٠
إلى مستحقه لا إلى المستحق عليه، وإثبات القصاص بالرجل، والمرأة، ووجوب القصاص في
السن، وهو مجمع عليه، إذا قلعها كلها. وفي كسر، بعضها، وكسر العظام خلاف، فالأكثرون
على عدم القصاص، اهـ. وعندنا فيه تفصيل محله كتب الفقه. (متفق عليه).
١/٢.
الحديث رقم (٢٤ - ١٦٧٥). وأبو داود في السنن ٤/ ٧١٧ الحديث رقم ٤٥٩٥. والنسائي في ٨/.
=
٢٧ الحديث رقم ٤٧٥٧. وأحمد في المسند ١٢٨/٣.
(١) في المخطوطة ((فيها ليظن)).
.AT

١٨
كتاب القصاص
٣٤٦١ - (١٦) وعن أبي جُحيفةَ، قال: سألتُ عليّاً [رضي الله عنه]: هلْ عندَكم
شيءٌ ليسَ في القرآنِ؟ فقال: والذي فلَقَ الحبَّةَ، وبرَأَ النَّسمةَ، ما عندَنا إِلاَّ ما في القرآنِ،
إِلاَّ فهماً يُعطى رجلٌ في كتابِهِ وما في الصَّحيفةِ.
١٠٤ /١١/٦٢٣ / ٣٠/ ٦٥٠٢/١١٣٠/٦
٣٤٦١ - (وعن أبي جحيفة)، بضم جيم، وفتح مهملة، وسكون تحتية بعدها فاء (١). قال
المؤلف: اسمه وهب بن عبد الله العامري نزل الكوفة، وكان من صغار الصحابة ذكر أن النبي
وَّ ﴿ توفي، ولم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه، وروى عنه. مات بالكوفة سنة أربع وسبعين.
روى عنه ابنه عوز، وجماعة من التابعين (قال سألت علياً رضي الله عنه هل عندكم) الجمع
للتعظيم، أو أراد جميع أهل البيت، وهو رئيسهم ففيه تغليب (شيء)، وفي رواية ((شيء من
الوحي)) (مما ليس في القرآن). وإنما سأله لزعم الشيعة أن علياً خص ببعض أسرار الوحي
(فقال: والذي فلق الحبة) أي شقها فاخرج منها النبات، والغصن (وبرأ النسمة) بفتحتين أي
خلقها. والنسمة النفس، وكل دابة فيها روح فهي نسمة يشير بذلك إلى أن المحلوف به سبحانه
هو الذي فطر الرزق، وخلق المرزوق، وكذلك كان يحلف إذا اجتهد في يمينه (ما عندنا)
جواب القسم أي ليس عندنا أهل البيت. وفي رواية فقال: ((لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة))
(إلا ما في القرآن) أي في المصحف (إلا فهما يعطى رجل في كتابه)، وفي رواية إلا فهما يعطيه
الله رجلاً في القرآن استثناء منقطع، أو استثناء مما بقي من استثناء الأول. وخلاصته أنه ليس
عندنا غير القرآن إلا فهما الخ. قال المظهر: يعني ما يفهم من فحوى كلامه، ويستدرك من
باطن معانيه التي هي غير الظاهر من نصه، والمتلقي من لفظه، ويدخل في ذلك جميع وجوه
القياس، والاستنباط التي يتوصل إليها من طريق الفهم، والتفهم. ولذلك قال ابن عباس:
جميع العلم في القرآن لكن تقاصر عنه أفهام الرجال (وما في الصحيفة) عطف على فهما، وفي
رواية وما في هذه الصحيفة. قال القاضي [رحمه الله]: إنما سأله ذلك لأن الشيعة كانوا يزعمون
أنه وَ﴿ خص أهل بيته لا سيما علياً رضي الله عنه بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره، أو
لأنه كان يرى منه علماً، وتحقيقاً لا يجده في زمانه عند غيره، فحلف أنه ليس شيء من ذلك
سوى القرآن، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يخص بالتبليغ، والإرشاد قوماً دون قوم. وإنما وقع
التفاوت من قبل الفهم، والاستعداد والاستنباط. فمن رزق فهماً وإدراكاً، ووفق للتأمل في
آياته، والتدبر في معانيه، فتح عليه أبواب العلوم، واستثنى ما في الصحيفة احتياطاً لاحتمال أن
يكون فيها ما لا يكون عند غيره، فيكون منفرداً بالعلم. والظاهر أن ما في الصحيفة عطف على
ما في القرآن، وإلا فهما استثناء منقطع وقع استداركاً عن مقتضى الحصر المفهوم من قوله: ما
عندنا إلا ما في القرآن. فإنه إذا لم يكن عنده إلا ما في القرآن، والقرآن كما هو عنده، فهو عند
الحديث رقم ٣٤٦١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٤٦/١٢. الحديث رقم ٦٩٠٣. والترمذي في السنن
١٧/٤ الحديث رقم ١٤١٢. والنسائي في ٢٣/٨ الحديث رقم ٤٧٤٤. والدارمي في ٢٤٩/٢
الحدیث رقم ٢٣٥٦.
(١) في المخطوطة ((ياء)).
١٨٩٠٠

Fet
: //
١٩
كتاب القصاص
قلتُ وما في الصَّحيفَةِ؟ قال: العقْلُ، وفِكاكُ الأسير، وأنْ لا يُقتَلَ مُسلمٌ بكافٍ .
غيره فيكون ما عنده من العلوم يكون عند غيره لكن التفاوت واقع غير منكر، ولا مدافع فبين
أنه جاء من قبل الفهم، والقدرة على الاستنباط، واستخراج المعاني، وإدراك اللطائف،
والرموز (قلت: وما في الصحيفة)، وفي رواية [في] هذه الصحيفة (قال العقل) أي الدية،
وأحكامها. يعني فيها ذكر ما يجب لدية النفس، والأعضاء من الإبل، وذكر أسنان تؤدي فيها،
وعددها على ما سيأتي في حديث عمرو بن شعيب (وفكاك الأسير) قال العسقلاني: بفتح
الفاء، ويجوز كسرها أي فيها حكم من تخليصه، والترغيب فيه، وأنه من أنواع البر الذي ينبغي
أن يهتم [به] (وأن لا يقتل مسلم بكافر) أي غير ذمي [عند] من يرى قتل المسلم بالذمي،
كأصحاب أبي حنيفة، قال القاضي: قوله: ((ولا يقتل المسلم بكافر)) عام يدل على أن المؤمن
لا يقتل بكافر قصاصاً سواء الحربي، والذمي، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن
ثابت، وبه قال عطاء، وعكرمة، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الثوري، وابن
شبرمة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقيل: يقتل بالذمي، والحديث
مخصوص بغيره، وهو قول النخعي، والشعبي، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة، لما روى عبد
الرحمن بن البيلماني أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة فرفع ذلك إلى النبي اَ لر
فقال: ((أنا أحق من أوفى بذمته ثم أمر به فقتل)) (١) وأجيب عنه بأنه منقطع لا احتجاج به، ثم
إنه أخطأ إذا قيل: إن القاتل عمرو بن أمية الضمري، وقد عاش بعد رسول الله وَّر سنتين،
ومتروك بالإجماع. لأنه روى أن الكافر كان رسولاً فيكون مستأمناً، والمستأمن لا يقتل به
المسلم، وفاقاً وإن صح فهو منسوخ، لأنه روى عنه أنه كان قبل الفتح، وقد قال [رسول الله]
وَ لقه يوم الفتح في خطبة خطبها على درج البيت: ((ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في
عهده))(٢) قال بعض علمائنا من الشراح: ومن جملة ما في الصحيفة لعن الله من غير منار
الأرض لعن الله من تولى غير مواليه، ولعله لم يذكر جملة ما فيها، إذ التفصيل لم يكن (٤
مقصوداً، أو ذكر ولم يحفظه الراوي. قلت: وفي رواية عن أبي الطفيل ذكرها الجزري قال:
سئل علي رضي الله عنه هل خصكم رسول الله والقر بشيء؟ فقال: ما خصنا رسول الله وَ لقوله
بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي هذا. قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها.
لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والديه، ولعن
الله من آوى محدثاً قال الأشرف: فيه إرشاد إلى أن للعالم الفهم أن يستخرج من القرآن بفهمه،
ويستنبط بفكره، وتدبره ما لم يكن منقولاً عن المفسرين لكن بشرط موافقته للأصول الشرعية،
ففيه فتح الباب على ذوي الألباب. قال الطيبي [رحمه الله]: قول القاضي: والظاهر أن ما في
(١) أخرجه البيهقي.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب انديات باب إيقاد المسلم بالكافر الحديث رقم ٤٥٣٠ والنسائي في كتاب
القسامة باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس الحديث رقم ٤٧٣٨.
(٣) في المخطوطة تكرار هذا الحديث مرتين الأولى بعد قوله ((وما في الصحيفة)).

٢٠
كتاب القصاص
رواه البخاريُّ.
الصحيفة عطف على ما في القرآن لعله تعريض بتوجيه الشيخ التوربشتي حيث قال: حلف حلفة
أن ليس عنده من ذلك شيء سوى القرآن، ثم استثنى استثناء أراد به استدراك معنى اشتبه عليهم
معرفته، فقال إلا فهما يعطى رجل في كتابه: والمعنى أن التفاوت في العلوم لم يوجد من قبل
البلاغ. وإنما وقع من قبل الفهم، ثم قرن بذلك ما في الصحيفة احتياطاً في يمينه، وحذراً من
أن يكون ما في الصحيفة عند غيره فحسب. إنه عطف على قوله: إلا فهما، ولو ذهب إلى
إجراء المتصل مجرى المنقطع على عكس قول الشاعر :
إلا اليعافير وإلا العيس
وبلدة ليس بها أنيس
فيؤوّل قوله: ألا فهما يعطى بقوله: ما يستنبط من كلام الله تعالى بفهم رزقه الله لم
يستبعد، فيكون المعنى ليس عندنا شيء قط إلا ما في القرآن، وما في الفهم من الاستنباط منه،
وما في الصحيفة. وقد علم وحقق أن الاستنباط من القرآن منه، وأن [ما] في الصحيفة لا يخلو
من أن يكون منصوصاً في القرآن، أو مستنبطاً منه فيلزم أن لا شيء خارج عنه كما قال تعالى:
﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام - ٥٩] وهذا فنّ غريب، وأسلوب عجيب.
فحينئذ يحسن رد من زعم أن النبي و لر خص أهل بيته من علم الوحي بما لم يخص به غيرهم،
ومن زعم أنه ﴿ جعله خليفة بعده. قال أبو الحسن الصنعاني في الدر الملتقط: ومن
الموضوع قولهم قال النبي ◌ّهر في المرض الذي توفي فيه: ((يا علي ادع بصحيفة ودواة فأملى
رسول الله وَ﴿ وكتب عليّ وشهد جبريل ثم طويت الصحيفة)). قال الراوي: فمن حدثكم أنه
يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها، وكتبها، وشهدها فلا تصدقوه. وقولهم وصي، وموضع
سري، وخليفتي في أهلي، وخير من أخلف بعدي علي بن أبي طالب (رواه البخاري) قال
الجزري في أسني المناقب: وكذا أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، واتفق البخاري
ومسلم، وأبو داود والترمذي على إخراجه من طريق يزيد بن شريك التيمي وهو والد إبراهيم
التيمي. ولفظه ما عندنا شيء يقرأ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة المدينة حرام. ورواه الإمام
أحمد في مسنده من طريق قيس بن عباد، ومن طريق عامر الشعبي كلاهما عن علي رضي الله
عنه. وذكر الجزري بإسناده عن أبي الطفيل قال: قلنا لعلي رضي الله عنه: أخبرنا بشيء أسره
إليك رسول الله وَلهر، فقال ما أسر إليّ شيئاً كتمه الله الناس، ولكني سمعته يقول: ((لعن الله من
ذبح لغير الله، ولعن الله من أوى محدثاً، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير تخوم.
الأرض)) يعني المنار أي العلامة، قال: هذا الحديث متفق على صحته من طريقه عن علي
رضي الله عنه، فأخرجه مسلم من هذه الطريق، ولفظه كنت عند عليّ فجاءه رجل فقال: ما
كان النبي ◌َّو يسر إليك؟ فغضب فقال: ما كان يسر إليّ شيئاً يكتمه عن الناس غير أنه حدثني
بكلمات قال: ((لعن الله من لعن والديه))(١) الحديث، وكذا أخرجه النسائي قلت وروى أحمد
(١) أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله الحديث رقم ١٩٧٨.
-فود