Indexed OCR Text

Pages 601-620

OnE
٦٠١
كتاب المناسك/ باب الاحصار وفوات الحج
حتى اعتمَرَ عاماً قابلاً. رواه البخاري.
٢٧٠٨ _ (٢) وعن عبدِ الله بنِ عمَرَ، قال: خرجْنا معَ رسولِ اللهِوَّ، فحالَ كَفَّارُ
قريشٍ دونَ البيتِ، فنحرَ النبيُّ وَّرِ هدایاهُ وحلَّقَ، وقصَّرَ أصحابُه رواه البخاري.
٢٧٠٩ - (٣) وعن المِسوَرِ بنِ مخرمةً،
لو ظن المحصر أن الهدي قد ذبح في يوم المواعدة ففعل من محظورات الإحرام ثم ظهر عدم
الذبح إذ ذاك كان عليه موجب الجناية وكذا لو ذبح في الحل على ظن أنه ذبح في الحرم(١) قال
الطيبي [رحمه الله] يقال أحصره المرض أو السلطان إذا ومنعه فإذا أحصر المحرم بعدوّ فله
التحلل وعليه هدي ويجوز ذبح هدي المحرم حيث أحصر ولا يجوز ذبح باقي الهدايا إلا في
الحرم وقال أصحاب أبي حنيفة لا يراق هدي المحصر أيضاً إلا في الحرم (حتى اعتمر) غاية
للمجموع أي تحلل حتى اعتمر أي قضى (عاماً قابلاً) أي آتياً يعني السنة السابعة من الهجرة
التي اعتمر فيها قضاء لعمرة حل منها وقضاؤها كان واجباً كما ذهب إليه أبو حنيفة خلافاً
للشافعية حيث يسمون عمرة القضاء وأغرب ابن حجر في قوله ويؤيد عدم وجوب القضاء أن
أهل الحديبية كانوا ألفاً وأربعمائة وقيل أكثر ولم يعتمر ومعه هذه العمرة إلا نحو نصفهم ولو
وجب القضاء لقضى (٢) الكل أو الأكثر اهـ. ووجه غرابته لا يخفى إذ لم يقل أحد بوجوب
القضاء فوراً ولا بكونه معه عليه الصلاة ولسلام ولا يكون الأكثر يقوم مقام الكل فيجوز وقوعه
سواء تقدم أو تأخر فتأمل وتدبر (رواه البخاري).
٢٧٠٨ - (وعن عبد الله بن عمر قال خرجنا مع رسول الله وَ ير) أي معتمر بن (فحال كفار
قريش دون البيت) أي منعونا عن طوافه (فنحر النبي ◌َّفي هداياه وحلق) أي ثم حلق كما بينته
الروايات الصحيحة الصريحة (وقصر أصحابه) أي بعضهم وحلق الباقون وفي شرح الآثار
للطحاوي تكلم الناس في المحصر إذا نحر هدية هل يحلق رأسة أم لا فقال قوم ليس عليه أن
يحلق وممن قال بذلك أبو حنيفة ومحمد وقال آخرون بل يحلق فأن لم يحلق حل ولا شيء
عليه وممن قال به أبو يوسف (رحمه الله] وقال آخرون يحلق ويجب ذلك عليه اهـ. ومال
الطحاوي إلى القول وإذا لم يجب عليه الحلق وأراد أن يتحلل فإنه يفعل أدنى ما يحظره الإحرام
كذا في البحر الزاخر (٣) والأظهره وجوب الحلق لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ
الهدي محله ﴾ [البقرة ١٩٦] ولفعله عليه الصلاة والسلام وأصحابة الكرام (رواه البخاري).
٢٧٠٩ - (وعن المسور) بكسر الميم وفتح الواو (ابن مخرمة) بخاء معجمة ساكنة بين فتحتين
(١) فتح القدير ٥٣/٣.
(٢) في المخطوطة ((لقضوا)).
حديث رقم ٢٧٠٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٤/٤. الحديث رقم ١٨١٢.
(٣) البحر الزاخر في تجريد السراج الوهاج. للفقيه أحمد بن محمد بن اقبال. والسراج الوهاج هو شرح
لمختصر القدوري. في فروع الحنفية. شرحه أبو بكر بن علي المعروف بالحدادي العبادي ت (٨٠٠).
حديث رقم ٢٧٠٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ١٠ الحديث رقم ١٨١١. وأحمد في المسند ٣٢٧/٤.
รนค้า
..** :
١٠٠٢
٠ ٠٩٤٫٤

٦٠٢
كتاب المناسك/ باب الاحصار وفوات الحج
قال: إِنَّ رسولَ اللهِ وَ نحرَ قبلَ أنْ يُحلِّقَ، وأمرَ أصحابَه بذلكَ. رواه البخاري.
٢٧١٠ - (٤) وعن ابنٍ عمَرَ، أنَّه قال: أَيسَ حسبُكم سُنةَ رسولِ اللَّهِ وَرَ؟ إِنْ حُبسَ
أحدُكم عنِ الحجِّ طافَ بالبيتٍ وبالصَّفا والمروَةِ، ثمَّ حلَّ منْ كلِّ شيءٍ حتى يحجّ عاماً
قابلاً، فيُهديَ، أو يصومَ إِنْ لم يجدْ هَذْياً. رواه البخاري.
٢٧١١ - (٥) وعن عائشةَ، قالتْ: دخلَ رسولُ الله ◌ِّر على ضُباعةً بنتِ الزبيرِ، فقال
لها «لعلَّكِ أردتِ
(قال إن رسول الله وَ ل﴿ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك) أي بالنحر قبل الحلق (رواه البخاري).
٢٧١٠ - (وعن ابن عمر أنه قال أليس) استفهام إنكار (حسبكم) أي كافيكم (سنة رسول
الله) أي قوله (مَّي أن) شرطية (حبس أحدكم) أي منع مانع (عن الحج) أي ركنه الأعظم وهو
الوقوف بعرفة ولم يمنع الطواف والسعي (وطاف بالبيت وبالصفا والمروة) وسعى بينهما (ثم
حل) أي بالحلق ونحوه (من كل شيء يحج عاماً قابلاً) أي قضاء لما فاته ويقاس عليه قضاء
العمرة الاستواء النسكين في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ [البقرة - ١٩٦] مع اتفاق
الشافعية لنا في أن من شرع فيهما تطوّعاً لزم إتمامهما وقضاؤهما أن أفسدهما وعندنا يلزم النقل
بالشروع مطلقاً كما هو مقرر في محله قال الطيبي [رحمه الله]: إذا أحصر المحرم بمرض أو
عذر غير العدوّ ويقيم على إحرامه فإذا زال المانع وفات الحج تحلل بعمل العمرة وهو قول ابن
عباس [رحمه الله] لا حصر إلا حصر العدوّ وإليه ذهب الشافعي ومالك وأحمد [رحمه الله]
وقال أصحاب أبي حنيفة له أن يتحلل كما في الإحصار بالعدوّ ولقوله عليه الصلاة والسّلام
الآتي من كسر أو عرج الخ (فيهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً) اعلم أن الفائت إذا كان مفرداً
فعليه قضاء الحج من قابل ولا عمرة عليه ولا دم بخلاف المحصر(١) وقال الحسن بن زياد عليه
الدم كقول مالك والشافعي [رحمه الله] وأشار في شرح الكنز إلى استحباب الدم للفائت عندنا
وإن كان الفائت قارناً فإنه يطوف للعمرة ويسعى لها ثم يطوف طوافاً آخر لفوات الحج ويسعى
له ويحلق أو يقصر وقد بطل عنه دم القران وإن كان متمتّعاً بطل تمتعه وسقط عنه دمه وإن ساق
معه يفعل به ما يشاء وعلى الكل لا يجب في عام القضاء إلا الحج (رواه البخاري).
٢٧١١ - (وعن عائشة قالت دخل رسول الله ولو على ضباعة) بضم الضاد المعجمة
وبالموحدة ذو العين المهملة بنت عم النبي وَلقر (بنت الزبير) أي ابن عبد المطلب بن هاشم
وزوجة المقداد وزعم أنها أسلمية غلط فاحش (فقال لها) أي وهي في المدينة (لعلك أردت
حديث رقم ٢٧١٠: أخرجه النسائي في السنن ١٦٩/٥ الحديث رقم ٢٧٦٩.
(١) في المخطوطة ((المحرم)).
حديث رقم ٢٧١١: أخرجه البخاري في صحيحه٩/ ١٣٢. الحديث رقم ٥٠٨٩. ومسلم في ٢/ ٨٦٧ الحديث
رقم (١٢٠٧.١٠٤). والنسائي في السنن ٦٨/٥ الحديث رقم ٢٧٦٨. وأحمد في المسند ٦/ ١٦٤.

٦٠٣
كتاب المناسك/ باب الاحصار وفوات الحج
الحجّ؟)) قالت: واللهِ ما أجِدُني إِلاَّ وِجعةً. فقال لها: ((حُجِّي واشترِطي، وقولي: اللهُمَّ
محِلِّي حيثُ حبستني)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٢٧١٢ - (٦) عن ابنِ عبَّاس [رضي الله عنه]، أنَّ رسولَ الله وَلِّ أمرَ أصحابَه أنْ
يُبْدِلوا الهَديّ الذي نحرُوا عام الحُديبيَّةِ في عُمْرةِ القَضاءِ.
الحج) أي معنا فإنا نحب أن تتوجهي للحج معنا (قالت والله ما أجدني) أي نفسي (إلا وجعة)
بكسر الجيم تعني أجد في نفسي ضعفاً من المرض لا أدري أقدر على تمام الحج أم لا (قال
لها حجي) أي أحرمي بالحج (واشترطي وقولي) عطف تفسيري (اللهم محلي) بفتح الميم وكسر
الحاء أي محل خروجي من الحج وموضع حلالي من الإحرام يعني زمانه أو مكانه (حيث
حبستني) أي منعتني يا الله يعني مكان منعي فيه من الحج للمرض قال بعض علمائنا وهذا تفسير
الاشتراط يعني اشترطي أن أخرج من الإحرام حيث مرضت وعجزت عن إتمام الحج فمن لم
ير الإحصار بالمرض يستدل بهذا الحديث بأن يقول لو كان المرض ينتج التحلل لم يأمرها
بالاشتراط لعدم الإفادة وإليه ذهب ومن يرى الإحصار بالمرض وهو مذهب أبي حنيفة [رحمه
الله] يستدل بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري الآتي وبما صح عن ابن عمر أنه كان ينكر
الاشتراط ويقول أليس حسبكم سنة نبيكم ويقول فائدة الاشتراط تعجيل التحلل لأنها لو لم
تشترط لتأخر تحللها إلى حين بلوغ الهدي محله وهذا على أصل أبي حنيفة فإنه يرى أن
المحصر ليس له أن يحل حتى ينحر هدية بالحرم إلا أن يشترط اهـ. وهذا قول شاذ فإن عندنا
اشتراط ذلك كعدمه(١) ولا يفيد شيئاً هذا هو المسطور في كتب المذهب وقال الطيبي [رحمه
الله]: [دل على أنه] لا يجوز التحلل بإحصار المرض بدون الشرط ومع الشرط قيل أيضاً لا
يجوز التحلل وجعل هذا الحكم مخصوصاً بضباعة كما أذن النبي وَلقر لأصحابه في رفض الحج
وليس يضرهم ذلك اهـ. وهو يؤيد مذهبنا كما لا يخفى (متفق عليه).
(الفصل الثاني)
٢٧١٢ - (عن ابن عباس أن رسول الله ولي أمر أصحابه) أي بعض أصحابه (أن يبدلوا)
بالتشديد والتخفيف أي يعرضوا (الهدي الذي نحروا عام الحديبية) بالتخفيف ويشدد (في عمرة
القضاء) يعني أمرهم بأن ينحروا بدل ما نحروا في السنة المتقدمة لعدم أجزاء الأوّل بعدم وقوعه
في الحرم كذا قال بعض الشراح من علمائنا وقال الطيبي [رحمه الله]: يستدل بهذا الحديث من
يوجب القضاء على المحصر إذا حل حيث أحصر ومن يذهب إلى أن دم الإحصار لا يذبح إلا
في الحرم فإنه أمرهم بالإبدال لأنهم نحروا هداياهم في الحديبية خارج الحرم ا هـ. وفيه دلالة
(١) في المخطوطة ((لعدمه)).
حديث رقم ٢٧١٢: أخرجه أبو داود في السنن ٤٣٤/٢ الحديث رقم ١٨٦٤.

كتاب المناسك/ باب الاحصار وفوات الحج
٦٠٤
٠۔۔۔
رواه [أبو داود. وفيه قصة، وفي سنده محمد بن إسحاق ].
٢٧١٣ - (٧) وعن الحجّاجِ بنِ عمْرٍ الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ اللهِوَلَهُ: ((مَنْ
كُسرَ، أو عرِجَ فقدْ حلَّ، وعليهِ الحجُّ منْ قابلٍ)). رواه الترمذيُّ، وأبو داودَ، والنسائي،
وابنُ ماجه، والدارميّ. وزاد أبو داود في رواية أخرى: ((أو مرضَ)). وقال الترمذي: هذا
حديثٌ حسنٌ. وفي ((المصابيح)): ضعيف.
٢٧١٤ - (٨) وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَعْمُرَ
على أنه وَالر ومن تبعه ذبحوا دم إحصارهم في أرض الحرم وهو مذهب أبي حنيفة [رحمه الله]
(رواه) هنا بياض في الأصل وفي نسخة ألحق به أبو داود وزاد في نسخة وفيه قصة وفي سنده
محمد بن إسحاق .
(الفصل الثالث)
كذا في بعض النسخ وهو غلط إذ الحديث الآتي وقع في المصابيح بلفظ من كسر أو
عرج أو مرض والفصل الثالث إنما يكون من زيادة صاحب المشكاة.
٢٧١٣ - (وعن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال قال رسول الله (وَلافي من كسر) على بناء
المجهول (أو عرج) بكسر وبفتح في القاموس عرج أصابه شيء في رجله وليس بخلقة فإذا كان
خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة وزاد في المصابيح أو مرض يعني من حدث له بعد
الإحرام مانع غير إحصار العدوّ (فقد حل) أي يجوز له أن يترك الإحرام ويرجع إلى وطنه
(وعليه الحج من قابل) أي يقضي ذلك الحج من السنة الآتية قال الطيبي [رحمه الله]: دل على
جواز التحلل بواسطة المرض وقيل ذلك إنما يجوّز مع اشتراط كما في حديث بضاعة (رواه
الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدرامي وزاد أبو داود في رواية أخرى أو مرض وقال
الترمذي هذا حديث حسن) وقال غيره صحيح (وفي المصابيح ضعيف) أقول يحمل على سنده
ولا يلزم من ضعف سنده ضعف سند الترمذي وغيره كما لا يخفى وعلى تقدير التعارض يرجح
تحسين الترمذي على تضعيف البغوي قال ابن الهمام فذكر ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا
صدق رواه الخمسة وفي شرح الآثار عن علقمة قال لدغ صاحب لنا وهو محرم بعمرة فذكرناه
لابن مسعود [رضي الله عنه] فقال يبعث بهدي ويواعد أصحابه موعداً فإذا نحر عنه حل وفي
رواية ثم عليه عمرة بعد ذلك.
٢٧١٤ - (وعن عبد الرحمن بن يعمر) غير منصرف وهو بفتح الياء تحتها نقطتان وفتح
حديث رقم ٢٧١٣: أخرجه أبو داود في السنن ٤٣٣/٢ الحديث رقم ١٨٦٢. والترمذي في ٢٧٧/٣ الحديث
رقم ٩٤٠. والنسائي في ١٩٨/٥ الحديث رقم ٢٨٦١. وابن ماجه في ١٠٢٨/٢ الحديث رقم ٣٠٧٧.
والدارقطني في ٢٧٧/٢ الحديث رقم ١٩١ من باب المواقيت. وأحمد في المسند ٣/ ٤٥٠.
حديث رقم ٢٧١٤: أخرجه أبو داود في السنن ٤٨٥/٢ الحديث رقم ١٩٤٩. والترمذي في ٢٣٧/٣ =

1005
٦٠٥
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
الدَّيلي، قال: سمعتُ النبيَّ وَّل يقولُ: ((الحجُّ عرفةُ، مَنْ أدركَ عرفة ليلةً جمع قبلَ طُلوع
الفجرِ فقد أدرك الحجّ. أيَّامُ مِنىّ ثلاثةَ [ أيَّام ]، فمنْ تعجَّلَ في يومَينِ فلا إِثمَ عليهِ، ومَنْ
تأخّرَ فلا إِثْمَ عليه)). رواه الترمذيُّ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. وقال
الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
[وهذا الباب خال عن الفصل الثالث].
(١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى
الميم ويضم (الديلي) بكسر الدال وسكون التحتانية وقيل بضم الدال وفتح الهمزة مكان الياء
وحينئذ تكتب بصورة الواو (قال سمعت النبي ◌َّر يقول الحج عرفة) أي ملاك الحج ومعظم
أركانه وقوف عرفة لأنه يفوت بفواته (من أدرك عرفة) أي الوقوف بها (ليلة جمع) أي ولو ليلة
المزدلفة وهي ليلة العيد (قبل طلوع الفجر) فيه رد على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب
الشمس يوم عرفة ومن زعم أن وقته يمتد إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس (فقد أدرك
الحج) أي لم يفته وأمن من الفساد إذا لم يجامع قبل الوقوف وأما إذا فاته الوقوف حتى أدركه
الفجر وجب عليه أن يتحلل بأفعال العمرة ويحرم عليه استدامة إحرامه إلى قابل كما نقل
الإجماع في ذلك إلا رواية عن مالك فإن استدام إحرامه إلى قابل لم يجزئه الحج (أيام منى
ثلاثة) أراد بها أيام التشريق (فمن تعجل) أي للنفر (في يومين) أي اليومين الأخيرين من أيام
التشريق (فلا إثم عليه) وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث ولا دم عليه وتعجل
جاء لازماً ومتعدياً وهنا لازم لمقابلة قوله (ومن تأخر) أي لرمي يوم الثالث (فلا إثم عليه) وهو
أفضل لكون العمل فيه أكمل لعمله وَّر وقد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين
إحداهما ترى المتعجل آئماً وأخرى ترى المتأخر آئماً فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما ودل فعله
عليه الصلاة والسّلام على بيان الأفضل منهما (رواه الترمذي وأبو داود النسائي وابن ماجه
والدرامي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح) وهذا الباب خال عن الفصل الثالث.
٤
1
١
(باب حرم مكة)
أي حرمة حرمها (حرسها الله تعالى) أي حماها وحفظها من الآفات الحسية والعاهات
المعنوية .
الحديث رقم ٨٨٩. وابن ماجه في ١٠٠٣/٢ الحديث رقم ٣٠١٥. وأخرجه الدارمي في ٨٢/٢
الحديث رقم ١٨٨٧. والنسائي في ٢٦٤/٥ الحديث رقم ٣٠٤٤ وأحمد في المسند ٣٣٥/٤.

٦٠٦
.990:
کتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
الفصل الأول
٢٧١٥ - (١) عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ لِّ يومَ فتح مكة: ((لا هِجرةً؛
ولكنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإِذا استُنفِرتُمْ فانفِروا)). وقال يومَ فتح مكةَ: ((إِنَّ هذا البلدَ حرَّمه الله يومَ
خلقَ السَّماواتِ والأرضَ، فهوَ حرامٌ بحُرمة اللَّهِ إِلى يومِ القيامةِ، وإِنَّه لم يحِلَّ القتالُ فيهِ
لأحدٍ قبلي، ولم یچِلَّ
(الفصل الأول)
٢٧١٥ - (عن ابن عباس قال قال رسول الله وَّلفي يوم فتح مكة) نصب على الظرفية (لا
هجرة) من مكة إلى المدينة مفروضة (بعد الفتح) كما كانت قبله بل قيل أنها كانت ركناً من
أركان الإيمان (ولكن جهاد ونية) أي بقي فرض الجهاد والنية الخالصة يعني الإخلاص في
العمل الشامل للهجرة والجهاد وغيرهما وقيل أي قصد وعزم على إعلاء الدين بالهجرة عن
المعاصي قال الطيبي (رحمه الله]: كانت الهجرة من مكة إلى المدينة فلما فتح مكة انقطعت
تلك الهجرة المفروضة فلا تنال بالهجرة تلك الدرجة التي حصلت للمهاجر لكن ينال الأجر
بالجهاد وإحسان النية وأما الهجرة التي تكون لصلاح دين المسلم فإنها باقية مدى الدهر وفي
الحديث من أعلام نبوته وهو إخباره أن مكة تدوم دار الإسلام فلا يتصوّر منها هجرة في سائر
الأيام (وإذا استنفرتم) بصيغة المجهول أي إذا طلبتم للنفر وهو الخروج إلى الجهاد ووقع في
أصل ابن حجر فإذا استنفرتم بالفاء مخالفاً للأصول المعتمدة فتكلف بقوله مقدراً وإذا وجب
الجهاد مع النية الصالحة فإذا استنفرتم بالفاء مخالفاً للاصول المعتمدة فتكلف بقوله مقدراً وإذا
وجب الجهاد مع النية الصالحة فإذا استنفرتم (فانفروا) بكسر الفاء أي اخرجوا لقوله تعالى:
﴿انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون
﴾ [التوبة - ٤١] (وقال يوم فتح مكة) أعاده تأكيداً أو إشارة إلى وقوع هذا القول وقتاً آخر من
ذلك اليوم والله تعالى أعلم (إن هذا البلد) أي مكة يعني حرمها أو المراد بالبلد أرض الحرم
جميعها (حرمه الله) أي حرم على الناس هتكه وأوجب تعظيمه (يوم خلق السموات والأرض)
أي تحريمه شريعة سالفة مستمرة وقيل معناه أنه كتب الله في اللوح أن إبراهيم سيحرم مكة
والتحقيق أن إبراهيم أظهر حرمتها وجدد بقعتها ورفع كعبتها بعدما اندرست بسبب الطوفان
الذي هدم بناء آدم وبين حدود الحرم (فهو) أي البلد (حرام) أي محرم ومحترم (بحرمة الله) أي
بتحرمه تعالى (إلى يوم القيامة) إيماء إلى عدم نسخة (وإنه) أي الشأن (لن يحل) أي لم يحل
(القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل) أي القتال لي (إلا ساعة من نهار) دل على أن فتح مكة كان
حديث رقم ٢٧١٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٦/٤. الحديث رقم ١٨٤٣. ومسلم في ٩٨٦/٢
الحديث رقم (٤٤٥. ١٤٥٣). والنسائي في ٢٠٣/٥ الحديث رقم ٢٨٧٤. وابن ماجه في ٢/
١٠٣٨ الحديث رقم ٢٨٧٤. وأحمد في المسند ٢٥٩/١.

٦٠٧
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
لي إِلاَّ ساعةً منْ نهارٍ، فهوَ حرامٌ بحُرمةِ اللَّهِ إلى يوم القيامةِ، لا يُعضَدُ شوْكُه، ولا يُنَفَّرُ
صَيْدُه، ولا يلتَقِطُ لُقطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عرَّفها، ولا يُختَلى خلاها)). فقال العبّاسُ: يا رسولَ الله!
إِلاَّ الأَذَخَّرَ، فإِنَّه لقينِهم ولبُيوتِهِم؟ فقال: ((إِلاَّ الأذخَرَ)). متفق عليه.
٢٧١٦ _ (٢) وفي رواية لأبي هريرةَ: ((لا يُعضدُ شجرُها، ولا يلتقطُ ساقطتَها إِلاَّ مُنشِدٌ)).
عنوة وقهراً كما هو عندنا أي أحل لي ساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر (فهو) أي البلد
(حرام) أي على كل أحد بعد تلك الساعة (بحرمة الله) أي المؤبدة (إلى يوم القيامة) أي النفخة
الأولى (لا يعضد) أي لا يقطع (شوكة) أي ولو يحصل التأذي به وأما قول بعض الشافعية
[رحمهم الله]: أنه يجوز قطع الشوك المؤذي فمخالف لاطلاق النص ولذا [جرى] جمع من
متأخريهم على حرمة قطعه مطلقاً وصححه النووي [رحمه الله] في شرح مسلم واختاره في عدة
كتبه وأما قول الخطابي كل أهل العلم على إباحة قطع الشوك ويشبه أن يكون المحظور منه
الشوك الذي يرعاه الإبل وهو ما دق دون الصلب الذي لا ترعاه فإنه يكون بمنزلة الحطب فلعله
أراد بأهل العلم علماء المالكية [رحمهم الله] (ولا ينفر) بتشديد الفاء المفتوحة (صيده) أي لا
يتعرض له بالاصطياد والايحاش والإيهاج (ولا يلتقط) بصيغة المجهول (لقطته) بضم اللام وفتح
القاف أي لا تؤخذ ساقطته (إلا من عرفها) بالتشديد والاستثناء منقطع وفي نسخة بصيغة المعلوم
وهو ظاهر إذ التقدير لا يلتقطها أحد إلا من عرفها ليردها على صاحبها ولم يأخذها لنفسه
وانتفاعها قيل [أي] ليس في لقطة الحرم إلا التعريف فلا يتملكها أحد ولا يتصدق بها وعليه
الشافعي وقيل حكمها كحكم غيرها والمقصود من ذكرها أن لا يتوهم تخصيص تعريفها بأيام
الموسم وعليه أبو حنيفة ومن تبعه (ولا يختلي) بصيغة المجهول (خلاها) بفتح الخاء مقصوراً
أي لا يقتطع نباتها وحشيشها قال بعض أئمتنا الخلا مقصوراً الرطب من النبات كما أن الحشيش
هو اليابس منها ولا فرق بين الرطب واليابس في حرمة القطع وعليه الأكثرون ا هـ. وهذا خلاف
المشهور من المذهب قال الشمني بعد قوله وكذا أن ذبح الحلال صيد الحرم أي لزمه قيمته
ويهدي بها أو يطعم ولا يجزئة الصوم أو قطع حشيشة أو شجره إلا مملوكاً للقاطع أو منبتاً أو
جافاً أي يابساً (فقال العباس يا رسول الله إلا الأذخر) بالنصب في أكثر النسخ وفي بعضها بالرفع
وهو تلقين والتماس أي قل إلا الأذخر بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينهما ذال معجمة ساكنة
وهو نبت عريض الأوراق (فإنه) أي الأذخر نافع ومحتاج إليه (لقينهم) القين الحداد وكذا
الصياغ فإنهم يحرقونه بدل الحطب والفحم (ولبيوتهم) أي لسقفها وكذا لسقف قبورهم والمعنى
لبيوتهم حال حياتهم ومماتهم (فقال إلا الأذخر متفق عليه).
٢٧١٦ - (وفي رواية أبي هريرة لا يعضد شجرها) بصيغة المفعول (ولا يلتقط) بصيغة
الفاعل أي لا يأخذ (ساقطتها إلا منشد) أي معرف قال الشمني روى أصحاب الكتب الستة من
حديث رقم ٢٧١٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٩٨٨/٢ الحديث رقم (٤٤٧. ١٣٥٥) وأبو داود في السنن
٥١٨/٢ الحديث رقم ٢٠١٧. وأحمد في المسند ٢٣٨/٢.

،٠٣
١٠٣٠.
٦٠٨
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
٢٧١٧ _ (٣) وعن جابر، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِوَه يقولُ: ((لا يَحِلُّ لأحدكم أنْ
يحمِلَ بمكةَ السِّلاحَ)). رواه مسلم.
٢٧١٨ - (٤) وعن أنسٍٍ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ دخلَ مكةَ يومَ الفتحِ وعلى رأسهِ المِغْفرُ،
حديث أبي هريرة قال لما فتح الله على رسوله وسلّ مكة قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله
حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها أحلت لي ساعة من نهار ثم هي حرام
إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد
فقال العباس إلا الأذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا فقال عليه الصلاة والسّلام إلا الأذخر والخلايا بالقصر
الحشيش الرطب واختلاؤه قطعه ولا يرعى الحشيش وجوّزه أبو يوسف [رحمه الله] دفعاً للحرج
عن الزائرين والمقيمين اهـ. كلامه وهو تعليل في معرض النص فلا يتم مرامه وأما قول ابن حجر
ويجوز رعي نبات الحرم وشجره لأن البهائم كانت تساق فيه غير مربوطة الأفواه في زمنه عليه
الصلاة والسّلام وزمن أصحابه الكرام فمدفوع بأن البهائم لا تكليف عليها بخلاف الراعي ويؤيده
ما جاء في استثناء الدواب والله تعالى أعلم بالصواب ويحرم على الأصح عند الشافعية وأكثرهم
على الكراهة نقل تراب الحرم وحجره إلى غيره ولو إلى حرم المدينة كما يمنع نقل تراب حرم
المدينة وحجره إلى غيره ولو إلى حرم مكة ويكره نقل تراب الحل إليه قالوا والفرق أن إهانة
الشريف أقبح من رفعة الوضيع وأما نقل ماء زمزم للتبرك به فمندوب اتفاقاً لأنه عليه الصلاة
والسّلام استهداه وهو بالمدينة من سهيل بن عمر وعام الحديبية فبعث إليه بمزادتين رواه البيهقي
قال وفي رواية أنه عليه الصلاة والسّلام حمله في الأداوي والقرب وكان يصب على المريض
ويستشفيهم به وصح عن عائشة أنها كانت تنقله وتخبر أنه عليه الصلاة والسّلام كان ينقله.
٢٧١٧ - (وعن جابر قال سمعت النبي وهو يقول لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح)
أي بلا ضرورة عند الجمهور مطلقاً عند الحسن وحجة الجمهور دخوله عليه الصلاة والسّلام
عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب ودخوله عليه الصلاة والسّلام عام الفتح تهيئاً
للقتال كذا ذكره عياض [رحمه الله] وتبعه الطيبي [رحمه الله] وابن حجر [رحمه الله] وفيه بحث
ظاهر [إذ المراد بحمل السلاح ظاهراً] بحيث يكون سبباً لرعب مسلم أو أذى أحدكما هو
مشاهد اليوم ويؤيده أنه كان ابن عمر يمنع ذلك في أيام الحجاج وأما عام الفتح فهو مستثنى من
هذا الحكم فإنه كان أبيح له ما لم يبح لغيره من نحو حمل السلاح (رواه مسلم).
٢٧١٨ - (وعن أنس أن النبي ◌َلتر دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر) بكسر الميم
رقم ٢٧١٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٩٨٩/٢ الحديث رقم (١٣٥٦.٤٤٩).
حدیث
رقم ٢٧١٨: أخرجه في صحيحه ٤٦/٤. الحديث رقم ١٨٤٦. ومسلم في ٩٨٩/٢ الحديث رقم
حدیث
(٤٥٠. ١٣٥٧). والترمذي في ١٧٤/٤ الحديث رقم ١٦٩٣. والنسائي في ٢٠٠/٥ الحديث رقم
٢٨٦٧. والدارمي في ١٠١/٢ الحديث رقم ١٩٤٨. ومالك في الموطأ ٤٢٣/١ الحديث رقم ٢٤٧
من كتاب الحج. وأحمد في المسند ١٦٤/٣.
F4s'
مكة

٦٠٩
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
فلمَّا نزعَه جاءَ رجلٌ وقال: إِنَّ ابنَ خطَلِ متعلّقٌ بأستار الكعبةِ. فقال: ((اقتُلْه)). متفق عليه.
٢٧١٩ - (٥) وعن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله وَّ دخلَ يومَ فتح مكةً وعليهِ عمامةٌ سوداءُ
بغيرِ إِخرام. رواه مسلم.
وفتح الفاء شبه قلنسوة من الدرع قال الطيبي [رحمه الله] دل على جواز الدخول بغير إحرام لمن
لا يريد النسك وهذا أصح قولي الشافعي [رحمه الله] قال الشمني [رحمه الله] ولنا ما روى ابن
أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي وَّر قال لا تجاوزوا الميقات بغير إحرام وأيضاً
الإحرام لتعظيم البقعة فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما ودخوله مقر عام الفتح بغير إحرام
حكم مخصوص بذلك الوقت ولهذا قال وي ليه في ذلك اليوم أنها لا تحل لأحد قبلي ولا تحل
لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراماً يعني في الدخول بغير إحرام
للإجماع على حل الدخول بعده عليه الصلاة والسّلام للقتال (فلما نزعه) أي المغفر من رأسه
(جاء رجل) قال الطيبي [رحمه الله]: هو فضل بن عبيد أبو برزة الأسلمي (وقال أن ابن خطل)
بفتحتين (متعلق بأستار الكعبة فقال اقتله) قال الطيبي [رحمه الله]: وكان قد ارتد عن الإسلام
وقتل مسلماً كان يخدمه واتخذ جاريتين تغنيان بهجو النبي وَّ وأصحابه الكرام وأحكام الإسلام
فأمر بقتله يعني قصاصاً ويعلم منه أن الحرم لا يمنع من إقامة الحدود على من جنى خارجه(١)
والتجأ إليه أقول الظاهر أنه إنما قتله لارتداده انفراداً أو مع انضمام قتل النفس ولو سلم أنه قتله
قصاصاً يحمل على أنه أجاز ذلك له في تلك الساعة ومما يدل على أن قتله لم يكن للقصاص
عدم وجود شروطه من المطالبة والدعوى والشهادة وبه بطل قول ابن حجر وتأويل أبي حنيفة له
بأن هذا كان في الساعة التي أحلت له وحينئذ مكة كغيرها بخلافها بعدها مردود بوضع المغفر
لأنه لا يلزم من وضعه نقض أمره ونهيه في حكمه من يومه على أنه عليه الصلاة والسّلام قبل
أن يدخل مكة أذن في قتل جماعة من الرجال والنساء وإن كانوا متعلقين بأستار الكعبة منهم هذا
وهو أشدهم (متفق عليه).
٢٧١٩ - (وعن جابر أن رسول الله ﴿ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة) بكسر العين
(سوداء) قيل أنه بسبب المغفر (بغير إحرام) تقدم عليه الكلام ولعل دخوله عليه الصلاة والسّلام
بغير إحرام عرف من عدم طوافه وسعيه وإلا فالإحرام هو النية عند الشافعي [رحمه الله] والتلبية
معها عندنا وهو لا ينافي اللبس سيما إذا كان للضرورة (رواه مسلم) وظاهره مع ما قبله أنه كان
جامعاً بين لبس المغفر والعمامة ونقل النووي عن عياض وأقره منه وتبعهما الطيبي الجمع بأنه
أوّلاً وعلى رأسه المغفر ثم بعد إزالته عن رأسه وضع العمامة عليه واستدل لذلك بقوله خطب
(١) في المخطوطة ((جارحه)).
حديث رقم ٢٧١٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٩٩٠ الحديث رقم (٤٥١. ١٣٥٨). والنسائي في
السنن ٢٠١/٥ الحديث رقم ٢٨٦٩. والدارمي في ١٠١/٢ الحديث رقم ٢٨٦٩. والدارمي في ٢/
١٠١ الحديث رقم ١٩٣٩.
عندي ٢٠

٦١٠
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
٢٧٢٠ - (٦) وعن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((يغزُو جيشٌ الكعبةَ، فإِذا
كانوا ببَيداءَ منَ الأرضِ يُخسَفُ بأوَّلِهم وآخرِهم)). قلتُ: يا رسولَ الله! وكيفَ يُخسَّفُ
بأوَّلِهم وآخرِهم، وفيهِم أسواقُهم ومَنْ ليسَ منهُم؟ قال: ((يُخسف بأولهم وآخرهم، ثمّ
يُبعثونَ علی نِيَّاتِهم)). متفق عليه.
٠٧٠
٢٧٢١ - (٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ بَّهِ: ((يُخرِّبُ الكعبةَ ذُو
السَّوَيْقَتَينِ منَ الحبشةِ)). متفق عليه.
الناس وعليه عمامة سوداء لأن الخطبة كانت عند باب الكعبة اهـ. وفي جمعه نظر ظاهر لا
يخفى إذ لا مانع أنه حال الدخول كان بهما ثم قلع المغفر وأبقى العمامة هذا وفي الجملة جاز
لبس السواد في العمامة وغيرها وإن الأفضل البياض نظراً إلى أكثر أحواله عليه الصلاة والسّلام
فعلاً وأمر أو أغرب الشافعية في قولهم ليس الخطيب السواد فليتركه ويلبس الأبيض إلا أن أكره
بخصوصه كما كان يفعله العباسيون وما أحسن عبارة الطيبي فيه جواز ليس السواد في الخطبة
وإن كان البياض أفضل.
1
٢٧٢٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله وَليفي يغزو) أي يقصد (جيش)
أي عسكر عظيم في آخر الزمان (الكعبة) أي ليخر بها (فإذا كانوا ببيداء من الأرض) أي ببقعة
فيحاء ومفازة وسعاء منها ولا دلالة فيه على المحل المعروف قرب المدينة كما جزم به ابن
حجر (يخسف) على بناء المفعول (بأوّلهم وآخرهم) أي يخسف بكلهم الأرض (قلت يا رسول
الله وكيف) أي الحال وهو من حسن السؤال (يخسف بأوّلهم وآخرهم وفيهم أسواقهم) الجملة
حالية قال الطيبي [رحمه الله] إن كان جمع سوق فالتقدير أهل أسواقهم وإن كان جمع سوقة
وهي الرعايا فلا حاجة إلى التقدير (ومن ليس منهم) أي في الكفر والقصد بتخريب الكعبة
عطف على أسواقهم قال الطيبي [رحمه الله] أي من لا يقصد تخريب الكعبة بل هم الضعفاء
والأسارى (قال يخسف بأوّلهم وآخرهم) فيدخل فيهم هؤلاء وإن لم يكن قصدهم لأنهم كثروا
في سوادهم وأعانوهم على فسادهم وقد قال تعالى ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم﴾
خاصة (ثم يبعثون) أي كلهم (على نياتهم) أي يبعث من كان نيته الإسلام من أهل الجنة ومن
كان نيته الكفر من أهل النار (متفق عليه).
٠٫٠٠٠٠٠"
٢٧٢١ - (وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ولو يخرب الكعبة) بتشديد الراء وتخفيفها
(ذو السويقتين) وإنما صغر ساقاه لأن ساقيه دقيقتان قصيرتان (من الحبشة) أي من الكفار (متفق
عليه).
رقم ٢٧٢٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٨/٤ الحديث رقم ٢١١٨ كتاب الحج باب هدم
حدیث
الكعبة ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢١٠ الحديث رقم (٢٨٨٤/٨) بلفظ مختلف.
رقم ٢٧٢١: أخرجه البخاري في ٣/ ٤٦٠ الحديث رقم ١٥٩٦. ومسلم في ٢٢٢/٤ الحديث رقم
(٢٩٠٩.٥٧) وأخرجه النسائي في السنن ٢١٦/٥ الحديث رقم ٢٩٠٤ وأحمد في المسند ٣١٠/٢.
حدیث
.جاء النص .*-**

٦١١
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
٢٧٢٢ - (٨) وعن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((كأني بهِ أسْوَدَ أفحجَ يقْلعُها
حجراً حجراً)). رواه البخاري.
الفصل الثاني
٢٧٢٣ - (٩) عن يَعلى بنِ أُميَّةَ، قال: إِنَّ رسولَ اللهِ وَله قال: «احتِكارُ الطعام في
الحرَمِ إِلْحادٌ فيهِ». رواه أبو داود.
٢٧٢٤ - (١٠) وعن ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِوَّه لمكةً: ((ما أطيبَكِ منْ بَلَدٍ
وأحبَّكِ إِليَّ، ولولا أنَّ قومي أخرجوني
٢٧٢٢ - (وعن ابن عباس عن النبي ويَيزر قال كأني به) أي ملتبس إليه وانظر إليه يريد به
من يخرب الكعبة وكأنه عليه الصلاة والسّلام ذكره بعدما ذكر أنه يخرب الكعبة أحد وأما ما قاله
المظهر من أن الضمير المجرور راجع إلى المذكور في حديث أبي هريرة فغير ظاهر إذ لم
يعرف اتصال الحديثين لا سيما مع اختلاف الروايتين ثم قال والأولى أن يقال أنه ضمير مبهم
يفسره ما بعده وفيه أنه لا يصلح أن يكون تفسيراً له اللهم إلا أن يقال التقدير كأني برجل أسود
أفحج الخ (أسود) وهو غير مذكور في المصابيح ثم هو أما بدل من الضمير المجرور في به أو
حال عنه وكذا قوله (أنحج) بتقديم الحاء على الجيم وهو الذي يتدانی صدور قدميه ويتباعد
عقباه ويتفحج ساقاه ومعناه يتفرج والفجج بجيمين فتح ما بين الرجلين وهو أقبح من الفحج
(يقلعها) أي بناء الكعبة (حجراً حجراً) حالان نظير يوّبته باباً باباً ذكره ابن حجر والأظهر إنهما
بدلان عن ضمير الكعبة والمراد بناؤها وأيضاً الحجر والباب مشتق فلا يقاس أحدهما على
الآخر فتدبر ثم قيل ويرمونها في البحر وقد اتفق المهندسون أن بقاءها المدة المديدة من خوارق
العادة العديدة (رواه البخاري).
(الفصل الثاني)
٢٧٢٣ - (من يعلى بن أمية قال إن رسول الله ◌َي قال احتكار الطعام في الحرم) وهو
اشتراء القوت في حالة الغلاء ليباع إذا اشتد غلاه وهو حرام في جميع البلاد وفي الحرم أشد
(الحاد فيه) أي ميل عن الحق إلى الباطل في الحرم قال تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه
من عذاب أليم (رواه أبو داود).
٢٧٢٤ - (وعن ابن عباس قال قال رسول الله وَ ﴿ لمكة) أي خطاباً لها حين وداعها مما يدل
على فهمها وسماعها وذلك يوم فتح مكة (ما أطيبك من بلد) صيغة تعجب (وأحبك إلى) عطف
عليه الأولى بالنسبة إلى حد ذاتها أو للإطلاق والثانية للتخصيص (ولولا أن قومي أخرجوني) أي
رقم ٢٧٢٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٤٦٠. الحديث رقم ١٥٩٥.
حدیث
حديث رقم ٢٧٢٣: أخرجه أبو داود في السنن ٥٢٢/٢ الحديث رقم ٢٠٢٠.
حديث رقم ٢٧٢٤: أخرجه الترمذي في السنن ٦٧٩/٥ الحديث رقم ٣٩٢٦.
٠٩٨٦٠

٦١٢
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
منكِ ما سكنتُ غيرَكِ)). رواه الترمذيَّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ إِسْناداً.
٢٧٢٥ _ (١١) وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عديّ بنِ حمراءَ [رضي الله عنه]، قال: رأيتُ
رسولَ الله وَ﴿ واقفاً على الحَزْورَةِ. فقال: ((واللَّهِ إِنَّكِ لخَيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إِلى
اللَّهِ، ولولا أني أُخرجْتُ منكِ ما خرجْتُ)).
صار سبباً لخروجي (منك ما سكنت غيرك) وهذا دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة
خلافاً للإمام مالك [رحمه الله] وقد صنف السيوطي رسالة في هذه المسألة (رواه الترمذي وقال
هذا حديث حسن صحيح غریب إسناداً) تمييز.
٢٧٢٥ - (وعن عبد الله بن عدي بن حمراء قال رأيت رسول الله وعليه واقفاً على الجزورة)
قال الطيبي [رحمه الله] على وزن القسورة موضع بمكة بعضهم شددها أي الراء والجزورة في
الأصل بمعنى التل الصغير سميت بذلك لأنه هناك كان تلاً صغيراً لأن وكيع بن سلمة بن زهير
ابن إياد كان ولي أمر البيت بعد جرهم فبنى صرحاً هناك وجعل فيها أمة يقال لها جزورة سميت
جزورة مكة بها ا هـ. وقيل اسم سوق بمكة وهو الآن معروف بالغرورة وهو باب الوداع (فقال)
أي مخاطباً للكعبة وما حولها من حرمها وفيه تأنيس في الجملة لقول أئمتنا الحنفية من أنه
يستحب للمودع أن يكون ملتفتاً إلى ما وراءه كالمتندم على الخروج منها بل كالمكره في
الإنصراف عنها مع ما فيه من تعظيم الأدب في مفارقة بيت الرب وأما القهقرى وإن كانت بدعة
إلا أنها لا تزاحم سنة ولا تدفعها مرة فهي بدعة حسنة وقد قال ابن مسعود [رضي الله عنه] بل
رفعه أن ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن (والله إنك لخير أرض الله إلى الله وأحب
أرض الله إلى الله) فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة كما عليه الجمهور إلا البقعة التي
ضمت أعضاءه عليه الصلاة والسّلام فإنها أفضل من مكة بل من الكعبة بل من العرش إجماعاً
وتحمل المالكية في رد هذا الحديث من جهة المبنى والمعنى بما اعترف به الإمام ابن عبد البر
من أئمتهم أنه تشعبث لا طائل تحته ومن العجيب أنهم عارضوا هذا الحديث الثابت بأحاديث
ضعيفة بل موضوعة منها اللهم إنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فاسكني في أحب البلاد
إليك فقد أجمعوا على أنه موضوع كما قاله ابن عبد البر وابن دحية بل ونقل ذلك عن مالك ولا
يلتفت إلى إخراج الحاكم هذا الحديث في مستدركه فإن الأئمة قالوا من كمال تساهله في كتابه
عطل تمام النفع له مع أنه لو ثبت يكون التقدير بعد مكة فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن أحب
البلاد إليه إلا ما كان أحب البلاد إلى الله أيضاً لما أنه عليه الصلاة والسلام خير بين أن يخرج
من مكة إلى المدينة أو البحرين أو قنسرين فدعا بهذا الدعاء ليختار الله تعالى له خير تلك البلاد
وأحفظها من الفتن والفساد والله رؤوف بالعباد (ولولا أني أخرجت منك) أي بأمر من الله (ما
خرجت) وفيه دلالة على أنه لا ينبغي للمؤمن أن يخرج من مكة إلا أن يخرج منها حقيقة أو
حديث رقم ٢٧٢٥: أخرجه الترمذي في السنن ٦٧٩/٥ الحديث رقم ٣٩٢٥. وابن ماجه في ١٠٣٧/٢
الحديث رقم ٣١٠٨. والدارمي في ٣١١/٢ الحديث رقم ٢٥١٠. وأحمد في المسند ٣٠٥/٤.

٦١٣
کتاب المناسك/ باب حرم مکة حرسها الله تعالى
رواه الترمذي، وابن ماجه.
حكما وهو الضرورة الدينية أو الدنيوية ولذا قيل الدخول فيها سعادة والخروج منها شقاوة (رواه
الترمذي وابن ماجه) وغيرهما وسنده صحيح وأما خبر الطبراني المدينة من مكة فضعيف بل
منكرا [واه] كما قاله الذهبي وعلى تقدير صحتة يكون محمولاً على زمانة لكثرة الفوائد في
حضرتة وملازمة خدمته لأن شرف المدينة ليس بذاتة بل بوجوده عليه الصلاة والسلام فيه ونزوله
مع بركاته وناهيك في الفرق بين البقعتين أن السفر إلى مكة واجب بالإجماع وإلى المدينة سنة بلا
نزاع وأيضاً نفس المدينة ليس أفضل من مكة اتفاقاً إذ لا تضاعف فيه أصلا بل المضاعفة في
المسجدين ففي الحديث الصحيح الذى قال بعض الحفاظ على شرط الشيخين صلاة في
مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد
الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة وصح عن ابن عمر موقوفاً وهو في
حكم المرفوع(١) لأنه لا يقال مثله بالرأي صلاة واحدة بالمسجد الحرام أفضل من [مائة] ألف
صلاة بمسجد النبي عليه الصلاة والسّلام قال ابن الهمام اختلف العلماء في كراهة المجاورة بمكة
وعدمها فذكر بعض الشافعية أن المختار استحبابها إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في المحذور
وهذا قول أبي يوسف ومحمد [رحمهم الله] وذهب أبو حنيفة ومالك إلى كراهتها وكان أبو حنيفة
يقول أنها ليست بدار هجرة وقال مالك وقد سئل عن ذلك ما كان الناس إلا على الحج والرجوع
وهو أي الأوّل أعجب وهذا أي الثاني أحوط لما في خلافه من تعريض النفس على الخطر إذ
طبع الإنسان التبرم والملل من توارد ما خالف هواه في المعيشة وزيادة الانبساط المخل بما يجب
من الاحترام لما يكثر تكرره عليه ومداومة نظره إليه وأيضاً الانسان محل الخطأ كما قال عليه
الصلاة والسّلام كل ابن آدم خطؤه المضاعف يضاعف أي كمية على ما روي عن ابن مسعود أن
صح وإلا فلا شك إنها في حرم الله أفحش وأغلظ أي تضاعف كيفية فتنتهض سبباً لغلظ الموجب
﴿من
وهو العقاب ويمكن كون هذا هو محمل المروي من التضاعف كيلا يعارض قوله تعالى:
جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها﴾ [الأنعام - ١٦٠] أعني أن السيئة تكون فيه سبباً لمقدار من
العقاب هو أكثر من مقداره عنها في غير الحرم إلى أن يصل إلى مقدار عقاب سيئات منها في
غيره والله تعالى أعلم وكل من هذه الأمور سبب لمقت الله تعالى وإذا كان سجية البشر فالسبيل
التروّح عن ساحته وقل من يطمئن إلى نفسه في دعواها البراءة من هذه الأمور إلا وهو في ذلك
مغرور ألا ترى إلى ابن عباس رضي الله عنهما من أصحاب رسول الله واللهو المحببين إليه المدعوّ
له كيف اتخذ الطائف داراً قال لأن أذنب خمسين ذنباً بركية وهو موضع بقرب الطائف أحب من
أن أذنب ذنباً واحداً بمكة وعن ابن مسعود ما من بلدة يؤخذ العبد فيها بالهمة قبل العمل إلا مكة
وتلا هذه الآية ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج - ٢٥] وقال سعيد بن
المسيب للذي جاء من أهل المدينة يطلب العلم ارجع إلى المدينة فأنا نسمع أن ساكن مكة لا
يموت حتى يكون الحرم عنده بمنزلة الحل لما يستحل من حرمها وعن عمر رضي الله عنه خطيئة
(١) في المخطوطة ((الرفع)).

٦١٤
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
أصيبها بمكة أعز عليّ من سبعين خطيئة بغيرها نعم أفراد من [عباد] الله استخلصهم وخلصهم من
مقتضيات الطباع فأولئك هم أهل الجوار الفائزون بفضيلة من يضاعف له الحسنات والصلاة من
غير ما يحبطها من السيئات وفي الحديث عنه وَّ﴾ صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة
فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة [ألف] في
مسجد وفي رواية لأحمد عن ابن عمر سمعته يعني النبي ◌َّ يقول من طاف أسبوعاً يحصيه
وصلّى ركعتين كان كعدل رقبة وقال سمعته يقول ما رفع رجل قدماً ولا وضعها إلا كتب الله له
عشر حسنات وحط عنه عشر [سیئات ورفع له عشر] درجات(١) وروى ابن ماجه عن ابن عباس
عنه وَ ل﴾ ((من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر كتب له مائة ألف شهر رمضان فيما
سواء وكتب الله له بكل يوم عتق رقبة وبكل [ليلة عتق رقبة وكل] يوم حملان فرس في سبيل
الله))(٢). ولكن الفائز بهذا مع السلامة من إحباطها أقل القليل فلا يبني الفقه باعتبارهم ولا يذكر
حالهم قيداً في جواز الجوار لأن شأن النفوس الدعوى الكاذبة والمبادرة إلى الدعوة والمهلكة
والقدرة على ما يشترط فيما يتوجه إليه وتطلبه وإنها لا كذب ما يكون إذا حلفت فكيف إذا دعت
والله تعالى أعلم وعلى هذا فيجب كون الجوار في المدينة المشرفة كذلك فإن نضاعف السيئات
وتعاظمها وإن فقد فيها فمخالفة السلامة وقلة الأدب إلى الإخلال بواجب التوقير والإحلال قائم
أيضاً وهو أيضاً مانع إلا للأفراد ذوي الملكات فإن مقامهم وموتهم فيها السعادة الكاملة في
صحيح مسلم ((لا يصبر على لأواء(٣) المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة
أو شهيداً»(٤) وأخرج الترمذي وغيره عن ابن عمر عنه عليه الصلاة والسّلام ((من استطاع أن
يموت بالمدينة فليمت فإني أشفع لمن يموت بها))(٥) ١ هـ. ولو أدرك الأوّلون ما انتهى إليه
الآخرون كما عليه أهل زماننا الغافلون لحكموا بحرمة المجاورة في الحرمين الشريفين من شيوع
الظلم وكثرة الجهل وقلة العلم وظهور المنكرات وفشوّ البدع والسيئات وأكل الحرم والشبهات
وفي الحقيقة ليسوا بمحاورين بل لهم مقاصد فاسدة صاروا بها مقيمين غير مسافرين من تجارة أو
منصب أو جراية (٦) أو جامكية(٧) أو صرة(٨) أو شهرة غالبهم يأكلونها من غير استحقاق لحالتهم
ومن غير قيام بوظائف خدمتهم ومن غير رعاية لشروط الأوقاف في مداخلاتهم لكن هذه البلية
حيث عمت البلاد وطمت في البلاد طابت حتى على الزهاد والعباد قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في
(١) أحمد في المسند ٢/ ٩٥.
(٢) أخرجه ابن ماجه في السنن ٤١/٢. الحديث رقم ٣١١٧.
(٣) اللأواء: الشدة والجوع والحر.
(٤) راجع الحديث رقم ٢٧٣٠.
(٥)
فتح القدير ٣/ ٩٣.
جاره مُجاراة وجراء أي جرى معه وجاراه في الحديث وتجاروا فيه. وفي حديث الرياء ((من طلب
(٦)
العلم ليجاري به العلماء)) أي يجري معهم في المناظر والجدال ليظهر علمه إلى الناس رياء وسمعة.
(٧) الجامْكِيَّة: مرتب خُدَّام الدولة من العسكرية والملكية. وهي كلمة تركية.
(٨) الصُّرَّة: شرج الدراهم والدنانير. أي جمعها.
1982

٦١٥
/٠٤٤
2. 16
کتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
الفصل الثالث
٢٧٢٦ - (١٢) عن أبي شُرَيَح العَدوِيِّ، أنَّه قال لعَمروِ بنِ سعيدٍ، وهُوَ يبعثُ الْبُعوثَ
إِلى مكةَ: الْذَنْ لي أيّها الأميرُ! أُحَدْثْكَ قوْلاً قامَ بهِ رسولُ اللَّهِ وَ ﴿ الغدَ منْ يومِ الفتْحِ،
سمعته أُذُناتيَ، ووَعاهُ قلبي، وأبصرتْهُ عَينايَ حينَ تكَلَّمَ به: حمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ، ثمَّ قالَ:
(إِنَّ مكةَ حرَّمهَا اللَّهُ ولمْ يحرِّمْها النَّاسُ، فلا يخِلُّ لامرىءٍ يُؤْمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخرِ أنْ
يسفِكَ بها دَماً، ولا يعَضُدَ بها شجرةً، فإِنْ أحدٌ ترَخَّصَ بقتال رسولِ الله وَّر فيها. فقولوا
له: إِنَّ اللَّهَ قد أَذِنَ
البر والبحر ﴾ [الروم - ٤١] لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال تعالى: ﴿يا معشر الجن
والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ﴾
[الرحمن - ٣٣] والله المستعان وعليه التكلان ولعله لا يؤاخذنا بالفضل والإحسان.
(الفصل الثالث)
٢٧٢٦ - (وعن أبي شريح العدوي) بفتح العين والدال (أنه قال لعمرو بن سعيد) أي ابن
العاص الأموي القرشي كان أمير بالمدينة نائباً عن ابن عمه عبد الملك بن مروان ثم أرسله لقتال
ابن الزبير الخليفة بالحق في مكة وأعمالها والعراق وغيرها إلا الشام فإن عبد الملك تغلب
عليها (وهو) أي عمرو (يبعث البعوث) أي يرسل الجيوش (إلى مكة) والبعث جماعة من الجند
يرسلها الأمير إلى قتال فرقة وفتح بلاد (أئذن لي) بفتح الذال وتبدل همزته الثانية بالياء عند
الابتداء وهو أمر من الإذن بمعنى الإجازة (أيها الأمير أحدثك) بالجزم وقيل بالرفع (قولاً) أي
حديثاً (قام به) أي بذلك القول (رسول الله (وَل﴿) أي خطيباً والمعنى حدث به (الغد) أي اليوم
الثاني (من يوم الفتح سمعته أذناي) بضم الذال وسكونها (ووعاء قلبي) أي حفظه (وأبصرته) أي
قائلة (عيناي) فيع تأكيدات لا تخفى (حين تكلم به حمد الله) جملة استئنافية مبينة أي شكر الله
شكراً جزيلاً (وأثنى عليه) أي ثناء جميلاً (ثم قال إن مكة حرمها الله) أي جعلها محرمة معظمة
وأهلها تبع لها في الحرمة (ولم يحرمها الناس) أي من عندهم فلا ينافي أنه حرمها إبراهيم بأمر
الله تعالى (فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر) اكتفى بطرفي المؤمن به عن بقيته (أن
يسفك) أي يسكب (بها دماً) أي بالجرح والقتل وهذا إذا كان دماً مهدراً وفق قواعدنا وإلا فالدم
المعصوم يستوي فيه الحرم وغيره في حرمة سفكه (ولا يعضد) بكسر الضاد المعجمة وضمها
أي ولا يقطع (بها شجرة) وفي معناها النبات والحشيش (فإن) شرطية (أحد) فاعل فعل
محذوف وجوباً يفسره (ترخص) نحو قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك وإذا السماء
انشقت (بقتال رسول الله (*) كذا في بعض النسخ (فيها فقولوا إن الله قد أذن) أي أجاز
حديث رقم ٢٧٢٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١/٤. الحديث رقم ١٨٣٢. ومسلم في ٢/ ٩٨٧
الحديث رقم (٤٤٦ . ١٣٥٤). والترمذي ١٧٣/٣ الحديث رقم ٨٠٩ وأحمد في المسند ٣٨٥/٦.

٦١٦
كتاب المناسك/ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
لرسولهِ، ولم يأذنْ لكم. وإنَّما أذِنَ لي فيها ساعةٌ من نهارٍ، وقد عادَتْ حرمتُها اليومَ
كحُرمتِها بالأمسِ، وليبلغ الشاهدُ الغائبَ)) فقيلَ لأبي شريح: ما قالَ لكَ عمروٌ؟ قال: قال:
أنا أعلمُ بذلكَ منكَ يا أبَا شُريح! إِنَّ الحرَمَ لا يُعيدُ عاصياً ولا فارًاً بدمٍ، ولا فاراً بِخَرْبةٍ.
متفق عليه، وفي البخاري: الخَربة: الجناية.
(لرسوله ولم يأذن لكم) وبه تم جواب المترخص ثم ابتدأ وعطف على الشرط فقال (وإنما أذن لي
فيها ساعة من نهار فلا) التفات في الكلام خلافاً لما توهمه ابن حجر فتدبر (وقد عادت) أي
رجعت (حرمتها اليوم) أي يوم الخطبة المذكورة (كحرمتها بالأمس) أي ما عدا تلك الساعة
ويمكن أن يراد بالأمس الزمن الماضي (وليبلغ) بسكون اللام وكسرها وتشدد اللام الثانية ويجوز
تخفيفها أي يوصل (الشاهد) أي الحاضر (الغائب فقيل لأبي شريح ما قال لك عمرو) ما استفهامية
(قال) أي أبو شريح (قال) أي عمرو (أنا أعلم بذلك) أي الحديث أو الحكم (منك يا أبا شريح)
يحتمل أن يكون النداء تتمة لما قبله أو تمهيداً لما بعده (إن الحرم) أي مكة كما في حديث آخر (لا
يعيذ) أي لا يجير (عاصياً) أي بنحو الخروج على الخليفة زعماً منه أن عبد الملك هو الخليفة
بحق والحال أنه باطل (ولا فاراً) أي هارباً (بدم) أي قتل بالكلية بمجرد الالتجاء إلى الحرم على
وجه الالجاء فإنه يطلب في الجملة بأن يضيق عليه ولا يطعم ولا يسقى ولا يباع له شيء من
مأكول ومشروب ليخرج من الحرم مضطراً فيقتص منه فبطل قول ابن حجر أن فيه دليلاً لمذهبنا أنه
يستوفي ممن في الحرم ما لزمه من قود أو حد على أن مقتضى مذهبه عدم اعتبار قول الصحابي
العدل إجماعاً فكيف بالظالم اتفاقاً (١) (ولا فاراً) أي شارداً (بخربة) بفتح الخاء المعجمة وإسكان
الراء وقد يقال بضم الخاء أي بجناية وأصلها سرقة الإبل (متفق عليه وفي البخاري الخربة الجناية)
وفي نسخة الخيانة ضد الأمانة وفي شرح مسلم عند الخربة البلية.
(١) اعلم. وفقك الله تعالى. أن قضية عدالة الصحابة من الأمور الخطيرة عند أهل السنة. ولقد تضافرت
الأدلة من الكتاب والسنة والاجماع والمعقول على ذلك.
فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم
ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ... ﴾ الخ [الفتح . ٢٩]
وقوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ... ﴾ [آل عمران.
١١٠]. وقوله تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ... ﴾ [التوبة. ١٠٠] وقوله تعالى
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ بايعونك تحت الشجرة ... ﴾ [الفتح. ١٨] ومن أدل السنة: قوله عليه
الصلاة والسلام ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا
نصفيه)) رواه البخاري وغيره.
وقوله وَّهر («الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعد. فمن أحبهم فبحبي
أحبهم ومن أبيغضهم فببغضي أبغضهم)) رواه الترمذي وأحمد واسناده حسن.
وقوله ﴿ر ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) رواه البيهقي وغيره وحسنه الصغّاني.
واما الاجماع فقد نقله الامام الجويني في ((البرهان)) والحافظ ابن عبد البر في مقدمة ((الاستيعاب)).
والشيخ ابن الصلاح في ((المقدمة)). والامام النووي في ((التقريب)) ((وشرح الصحيح)) والعماد ابن كثير =

٦١٧
كتاب المناسك/ باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٢٧ - (١٣) وعن عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ المخزومي، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَت: ((لا
تزالُ هذه الأمَّةُ بخيرٍ ما عظّمُوا هذهِ الحرمةَ حقَّ تعظيمِها، فإِذا ضيَّعُوا ذلكَ هلَكُوا)). رواه
ابن ماجه.
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
الفصل الأول
٢٧٢٨ - (١) عن علي رضي الله عنه، قال: ما كتبْنَا عن رسولِ اللَّهِ وَلَهَ إِلا القُرآنَ
٢٧٢٧ - (وعن عياش بن أبي ربيعة المخزومي) أخو أبي جهل إلا أنه أسلم قديماً وهاجر
إلى الحبشة (قال: قال رسول الله ( #* لا تزال) بالتأنيث والتذكير (هذه الأمة) أي أمة الإجابة
(بخير) التنوين للتعظيم (ما عظموا) أي مدة تعظيمهم (هذه الحرمة) أي حرمة مكة وحرمها
المعهودة عند العرب بأجمعها (حق تعظيمها فإذا ضيعوا ذلك) أي التعظيم أو ما ذكر من الحرمة
(هلكوا) أي بالإهانة جزاء وفاقاً (رواه ابن ماجه).
(باب حرم المدينة)
أعلم أن للمدينة عندنا لا حرماً كما لمكة خلافاً فاللائمة الثلاثة فعندهم يحرم صيدها
وقطع شجرها وعندنا لا يحرم ذلك قال في الكافي لأن حل الاصطياد عرف بالنصوص القاطعة
فلا يحرم إلا ببراهين ساطعة ومرويهم محتمل وهو لا يصلح حجة (حرسها الله تعالى).
(الفصل الأوّل)
٢٧٢٨ - (عن علي رضي الله عنه قال ما كتبنا عن رسول الله وَلفيه إلا القرآن
=
في ((الباعث الحثيث)) وغيرهم من أئمة النقد وعلماء الأثر واما المعقول: فيتلخص مما قاله الخطيب
البغدادي وغيره ((ولو لم يكن لهم من الفضل الا بذل المهج والأموال ومفارقة الوطن والأهل لكفى
به صحبه في اثبات عدالتهم.
وكذا قد قامت الأدلة الفعلية على اعتبار انه من ثبت له العدالة فإنه لا يسئل عنه. والحال انها ثبتت
ممن يجوز عليه الخطأ والتدليس. فكيف الحال بمن ثبتت عدالتهم بشهادة الله تعالى لهم قال الله
تعالى ﴿لا يعلم من خلق﴾.
ما شدد على هذا فإنه ينفعك ولا تلتفت إلى تهويلات المبطلين وزيف الزائفين من المخالفين.
حديث رقم ٢٧٢٧: أخرجه ابن ماجه في السنن ٣٨/٢. الحديث رقم ٣١١٠.
حديث رقم ٢٧٢٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٨١/٤. الحديث رقم ١٨٧٠. ومسلم في صحيحه ٢/
٩٩٤ الحديث رقم (٤٦٧ . ١٣٧٠). وأبو داود في السنن ٥٢٩/٢ الحديث رقم ٢٠٣٤. والترمذي =
٢١٩٧٥
م١١٠٤

١٣/١
كتاب المناسك/ باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٦١٨
وما في هذهِ الصحيفةِ. قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((المدينةُ حرامٌ ما بينَ عَيرٍ إِلى ثَوْرٍ فمنْ
أحدَثَ فيها حدثاً أو آوى مُخدِثاً فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ، لا يُقبل منه صَرْفٌ
ولا عَذْلٌ، ذمَّةُ المسلمينَ واحدةٌ يسعَى بها أدْنَاهم، فمن أخْفرَ مسلماً فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ
وما في هذه الصحيفة قال) أي على تفسيراً لما في الصحيفة (قال رسول الله وَلقر المدينة حرام)
أي محترم ممنوع مما يقتضي إهانة الموضع المكرم وعند الشافعية الحرام بمعنى الحرم (ما بين
عير) بفتح العين وسكون الياء وثور بفتح المثلثة وسكون الواو جبلان على طرفي المدينة وقيل
الأوّل معروف بالمدينة وأما الثاني فالمعروف أنه بمكة وفيه الغار الذي توارى فيه النبي ◌َّر وفي
رواية ما بين عير واحد فيكون ثور غلطاً من الرازي وإن كان هو الأشهر في الرواية وقيل إن
عيراً جبل بمكة أيضاً فالمعنى إن حرم المدينة بمقدار ما بين عير وثور حرم كحرمة ما بينهما
وبمكة جبل يقال له عير عدوي وجبل يقال له ثور أطحل وقيل يحتمل أنه أراد بهما الحرتين
للحديث الصحيح أنه قال حرم ما بين لابتي المدينة على لساني فشبه إحدى الحرتين بعير لنتوّ
وسطه ونشوزه والأخرى بثور لامتناعه تشبيهاً بثور الوحش أو أراد بهما مازمي المدينة فشبههما
بعير وثور وفي الحديث حرام ما بين مأزميها وهما شعبتان تكتنفانها فشبههما بالجبلين اللذين
بمكة كذا حققه بعض علمائنا من الشراح (فمن أحدث) أي أظهر (فيها) أي في المدينة (حدثاً)
أي منكر أو بدعة وهي ما خالف الكتاب والسنة (أو آوى) بالمد ويقصر (محدثاً) بكسر الدال
على الرواية الصحيحة أي مبتدعاً وقيل أي جانياً بأن يحول بينه وبين خصمه أن يقتص منه
ويروى بفتح الدال أي أمراً مبتدعاً وإيواؤه الرضاء به والصبر عليه (فعليه) أي فعلى كل منهما
(لعنة الله) أي طرده وإبعاده (والملائكة) أي دعاؤهم عليه بالبعد عن رحمته (والناس أجمعين)
أي ممن عدا المحدث والمؤوي أو هما داخلان أيضاً لأنهما ممن يقول ألا لعنة الله على
الظالمين والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه (ولا يقبل منه) أي قبولاً كاملاً (صرف) أي
فرض أو نافلة أو توبة أو شفاعة (ولا عدل) أي نافلة أو فريضة أو فدية لأنها تعادل المفدي
وقيل شفاعة وقيل توبة (ذمة المسلمين) أي عهدهم وأمانهم (واحدة) أي أنها كالشيء الواحد لا
يختلف باختلاف المراتب ولا يجوز نقضها التفرد العاقد بها وكان الذي ينقض ذمة أخيه كالذي
ينقض ذمة نفسه وهي ما يذم الرجل على إضاعته من عهد وأمان كأنهم كالجسد الواحد الذي
إذا اشتكى بعضه اشتكى كله (يسعى بها) أي يتولاها ويلي أمرها (أدناهم) أي أدنى المسلمين
مرتبة والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع قال
الطيبي [رحمه الله] فإذا أمن أحد من المسلمين كافراً لم يحل لأحد نقضه وإن كان المؤمن عبداً
وأما أمامنا الأعظم فلم يعتبر أمان العبد كما هو مقرر في محله الأهم (فمن أخفر مسلماً) بالخاء
المعجمة أي نقض عهده وأمانه للكافر بأن قتل ذلك الكافر أو أخذ ماله وحقيقته إزالة خفرته أي
عهده وأمانه (فعليه لعنة الله والملائكة) أي الكرام الكتبين أو كلهم لكرامتهم العاصين
١١٩٧٢
ما جيدة
في ٣٨١/٤ الحديث رقم ٢١٢٧. والدارمي في ٣١٧/٢ الحديث رقم ٢٥٢٩. وأحمد في المسند
٨١/١.

٦١٩
i'mubra. بيح.
كتاب المناسك/ باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
والنَّاسِ أجمعينَ، لا يُقبلُ منه صرفّ ولا عدلٌ، ومن والى قوماً بغيرِ إِذنٍ مواليه فعليه لعنةُ اللهِ
والملائكةِ والنّاسِ أجمعينَ، لا يُقبلُ منه صرفٌ ولا عَدلٌ)). متفق عليه.
وفي روايةٍ لهما: ((من ادَّحتى إِلى غيرِ أبيهِ، أو تولى غيرٍ مواليهِ؛ فعليه لعنةُ اللَّهِ
والملائكة والناس أجمعينَ، لا يُقبلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ».
٢٧٢٩ _ (٢) وعن سعدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَطاهر: ((إِنِي
(والناس أجمعين) وكذا على من اقتدى به أو رضي بفعله فتكون اللعنة عليهم في الدنيا
والعقبى (لا يقبل منه) أي من المخفر (صرف ولا عدل) كما تقدم (ومن والى قوماً) بأن يقول
معتق لغير معتقه أنت مولاي (بغير إذن مواليه) ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه بل
بنى الأمر فيه على الغالب وهو أنه إذا استأذن مواليه لم يأذنوا له قال الطيبي [رحمه الله] قيل
أراد به ولاء المولاة لا ولاء العتق كمن انتسب إلى غير أبيه وقوله بغير إذن مواليه تنبيه على
المانع وهو إبطال حقهم وأمانتهم وإيراد الكلام على ما هو الغالب لا تقييد حتى يجوز
الانتساب بالإذن (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل متفق
عليه) وهو يفيد أن علياً ما كتب شيئاً غير القرآن وما في هذه الصحيفة وفي مسند أحمد عن
أبي حسان أن علياً كان يأمر بالأمر فيؤتى فيقال قد فعلنا كذا وكذا فيقول صدق الله ورسوله
قال فقال له الأشتر أن هذا الذي تقول تفشغ في الناس أهو شيء عهده إليك رسول الله العقل
قال ما عهد إلى رسول الله و # دون الناس إلا شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب
سيفي قال فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها من أحدث حدثاً (١) الحديث قال
النووي [رحمه الله] هذا تصريح من علي بإبطال ما يزعمه الشيعة ويفترونه من قولهم أن علياً
أوصى إليه النبي ◌َّير بالخلافة وأسرار أخر وخص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم فهذه
دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطاله قوله على هذا وفيه دليل على
استحباب كتابة العلم ومعنى تفشغ بالفاء والشين والعين المعجمتين أي ظهر وانتشر على ما
في النهاية (وفي رواية لهما من ادعى) أي انتسب (إلى غير أبيه) أي المعروف (أو تولى غير
مواليه) هذا العطف يؤيد من فسر المولاة بولاء العتاقة (فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل) جمع بينهما بالوعيد فإن العتق من حيث أنه لحمة
كلحمة النسب فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالدعي الذي يتبرأ عمن هو منه والحق نفسه
بغيره فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة.
٢٧٢٩ - (وعن سعد) أي ابن وقاص أحد العشرة المبشرة (قال: قال رسول الله مخل * إني
(١) أحمد في المسند ١٥١/١.
حديث رقم ٢٧٢٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٩٩٢ الحديث رقم (٤٥٩. ١٣٦٣) وأحمد في المسند
١٨١/١.

٦٢٠
كتاب المناسك/ باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
أُحَرُمُ ما بينَ لابَتي المدينة: أن يُقطَعَ ◌ِضاهُها، أو يُقتلَ صيدُها)) وقال: ((المدينةُ خيرٌ لهم لو
.....
كانوا يعلَمونَ، لا يدعُها أحدٌ رَغبَةً عنها إِلا أبْدَلَ اللَّهُ فيها من هوَ خيرٌ منه، ولا يَثْبُتُ أحدٌ
على لأوائها وجَهْدِها إِلا كنتُ لهُ شفيعاً أو شهيداً يومَ القيامةِ)). رواه مسلم.
أحرم) أي أعظم أو أمنع (ما بين لابتي المدينة) أي جانبيها من الجبال قيل اللابة الحرة وهي
الأرض ذات الحجارة السود كأنها أحرقت بالنار وأراد بهما حرتين نكتنفانها (أن يقطع) بدل
اشتمال من المفعول (عضاهها) جمع عضة بحذف الهاء الأصلية كما في شفة وهي كل شجر
عظيم له شوك (أو يقتل صيدها) حمله أصحابنا على النهي التنزيهي كما سيجيء (وقال المدينة
خير لهم) أي لأهلها من المؤمنين في الدنيا والأخرى وذلك مطلق إن كان قبل الفتح ومقيد بغير
مكة إن كان بعده أو المراد بالخيرية من جهة بركة المعيشة فلا ينافي بركة الفضيلة الزائدة الثابتة
لمكة بالأحاديث الصحيحة الصريحة (لو كانوا يعلمون) أي ما فيها من الخير لما فارقوها وما
اختاروا غيرها عليها وما تحوّلوا للتوسعة في الدنيا (لا يدعها) استئناف مبين أي لا يتركها (أحد
رغبة عنها) اعراضاً احترازاً من تركها ضرورة (إلا أبدل الله فيها من هو خير منه) والمعنى أنه لا
يضر المدينة عدمه بل ينفعها فقده وذهب إلى غيرها شره ونظيره قوله تعالى وأن تتولوا يستبدل
قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم قيل وهذا الإبدال في زمنه عليه الصلاة والسلام والظاهر أنه
مطلق شامل لجميع الأحوال والأيام (ولا يثبت أحد) أي بالصبر (على لأوائها) بسكون الهمزة
الأولى ويبدل أي شدة جوعها (وجهدها) بفتح الجيم وضمها أي مشقتها مما يجد فيه من شدة
الحر وكربة الغربة وأذية من فيها من أهل البدعة لأهل السنة قال الجوهري اللأواء الشدة لكن
المراد هنا ضيق المعيشة والقحط لما في أكثر الروايات على لأوائها وشدتها فلا بد من
الاختلاف في معناهما وإن كان يمكن أن يكون العطف تفسيرياً وتأكيداً لأن التأسيس أولى
والأصل في العطف التغاير (إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً) قيل أو شك من الراوي وهو بعيد جداً
لأن كثير من الصحابة رووه كذلك ويبعد اتفاقهم على الشك وقيل تقسيم أي شفيعاً للعاصي
شهيداً للمطيع أو شهيداً لمن مات في زمانه شفيعاً لمن مات بعده وقيل أو بمعنى الواو (يوم
القيامة) وفيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة قال القاضي [رحمه الله] وهذه خصوصية زائدة على
الشفاعة للمذنبين عامة وعلى شهادته لجميع الأمة وقد قال عليه الصلاة والسلام في شهداء
إحدانا شهيد على هؤلاء فيكون تخصيصهم بذلك مزية مرتبة ورفعة منزلة (رواه مسلم) وفيه تنبيه
أنه ينبغي للمؤمن أن يكون صابراً بل شاكراً على إقامته في الحرمين الشريفين ولا ينظر إلى ما
فيما عداهما من النعم الصورية لأن العبرة بالنعم الحقيقية الأخروية لحديث اللهم لا عيش إلا
عيش الآخرة ولحديث من صبر على حر مكة ساعة تباعد من نار جهنم مائتي سنة ونعم ما
قال :
١٣٢/١١/١٠/١
تطيب به الدنيا فأين تطيب
إذا لم يطب في طيبة عند طيب
وقد قال عز وعلا ألم يرو إنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم وقال عز وجل
فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وأصل الحياة الطيبة في
وصول الرزق وحصول الأمن الذي به كمال الرفق.