Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع لسْنا نَنْوي إِلاَّ الحجَّ، لسنا نعرِفُ العُمرةَ، حتى إِذا أتَينا البيتَ معَهُ، اسْتلَمَ الرُّكنَ، فطافَ سبعاً، فرَملَ ثلاثاً، ومشَى أربعاً، ثمَّ تقدَّمَ إِلى مقام إبراهيمَ فقراً: ﴿واتَّخِذوا من مقام إِبراهيمَ مُصَلَى﴾، فصلى ركعتَينٍ وفجعلَ المَقامَ بينَه وبينَ البَيتِ. وفي رواية: أنَّه قرأَ في الركعتَينِ: ﴿قُلْ هوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرِونَ ﴾، i لسنا ننوي) أي شيئاً من النيات (إلا الحج) أي نيته (لسنا نعرف العمرة) أي مع الحج وهو تأكيد للحصر السابق قبل أي لا نرى العمرة في أشهر الحج استصحاباً لما كان عليه أول الجاهلية من كون لعمرة محظورة في أشهر الحج من أفجر الفجور. وقيل ما قصدناها ولم تكن في ذكرنا والمعنى لسنا نعرف العمرة مقرونة بالحجة أو العمرة المفردة في أشهر الحج. وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن الصحابة خرجوا معه لا يعرفون إلا الحج فبين وَلّ لهم وجوه الإحرام وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحج فقال ((من أحب أن يهل بعمرة فليهل ومن أحب أن يهل بحج فليهل))(١) (حتى إذا أتينا البيت معه) أي وصلناه بعد ما نزل بذي طوى بات بها واغتسل فيها ودخل مكة من الثنيّة العليا صبيحة الأحد رابع ذي الحجة وقصد المسجد من شق باب السلام ولم يصل تحية المسجد لأن تحية البيت المقصود منه هو الطواف فمن ثم استمر عليه الصلاة والسلام على مروره في ذلك المقام حتى (استلم الركن) أي الحجر الأسود والاستلام افتعال من السلام بمعنى التحية وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيا لأن الناس يحيونه بالسلام. وقيل: من السلام بكسر السين وهي الحجارة يقال استلم الحجر إذ الثمه وتناوله والمعنى وضع يديه عليه وقبله. وقيل: وضع الجبهة أيضاً عليه (فرمل) أي أسرع يهز منكبيه (ثلاثاً) أي ثلاث مرات من الأشواط السبعة (ومشى) أي على السكون والهيئة (أربعاً) أي في أربع مرات وكان مضطبعاً في جميعها (ثم تقدم) وفي نسخة صحيحة من نسخ مسلم نفذ بالنون والفاء والذال المعجمة أي توجه (إلى مقام إبراهيم) بفتح الميم أي موضع قيامه (فقرأ ﴿واتخذوا﴾) بكسر الخاء على الأمر وبفتحها على الخير (﴿من مقام إبراهيم﴾) أي بعض حواليه (﴿مصلى﴾)(٢) بالتنوين أي موضع صلاة الطواف (فصلى ركعتين) كما في نسخة (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي صلى خلفه بياناً للأفضل (وفي رواية أنه قرأ في الركعتين) أي بعد الفاتحة (﴿قل هو الله أحد﴾) أي إلى آخرها في إحداهما (﴿وقل يا أيها الكافرون﴾) أي بتمامها في الأخرى والواو لمطلق الجمع فلا إشكال قال الطيبي رحمه الله: كذا في صحيح مسلم، وشرح السنة في إحدى الروايتين. وكان من الظاهر تقديم سورة الكافرون كما في رواية المصابيح. ولعل السر فيه من مقدمة سورة الإخلاص لاثبات التوحيد وسورة الكافرون للبراءة عن الشرك فقدم الاشراك اهتماماً لشأنه لاندراس آثار الأضداد يوم الفتح وأما تقديم سورة الكافرون على الاخلاص فبناء على تقديم نفي الآلهة الباطلة على إثبات واجب الوجود ككلمة + صوم (١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العمرة باب الاعتمار بعد الحج الخ ... حديث رقم ١٧٨٦. (٢) سورة البقرة. آية رقم ١٢٥. ،آھم و ٤٦٢ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع ٠٠٠ ثمَّ رجَعَ إِلى الركنِ فاستلمَه، ثمَّ خرَجَ منَ البابِ إِلى الصَّفا، فلمَّا دنَا منَ الصَّفا قرأَ: ﴿إِنَّ الصَّفا والمَزْوَةَ من شعائِرِ اللَّهِ﴾ أبدَأُ بما بدأَ اللَّهُ بهِ، فبدأَ بالصَّفا، فرَقِيَ علَيهِ حتى رأى البيتَ، فاستَقْبلَ القِبلةَ، التوحيد في مقام الشهود. ثم اعلم أن محل المقام الآن هو الذي كان في عهده عليه الصلاة والسلام على الصحيح وأما ما جاء عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنه كان بينه وبين البيت أربعة أذرع فلما كثر الناس وتضيقوا أخره عمر إلى محله الآن فهو غريب وإن أخذ به بعض الأئمة. وقال النووي معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قل هو الله أحد) وقد ذكر البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: إن النبي ◌َّ* طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثاً ثم صلى ركعتين قرأ فيهما ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ﴿وقل هو الله أحد﴾ (ثم رجع إلى الركن فاستلمه) كالمودع له فقد صحح أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من طوافه قبل الحجر ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه وأنه قبله وسجد عليه. بل صح أيضاً أنه بعد أن عاد إلى الحجر ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب منها على رأسه ثم رجع فاستلم الركن (ثم خرج من الباب) أي باب الصفا (إلى الصفا) أي إلى جانبه (فلما دنا) أي قرب (من الصفا قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾)(١) جمع شعيرة وهي العلامة التي جعلت للطاعات المأمور بها في الحج عندها كالوقوف والرمي والطواف والسعي (أبدأ) بصيغة المتكلم أي وقال ابدأ (بما بدأ الله به) أي ابتدأ بالصفا لأن الله تعالى بدأه بذكره في كلامه فالترتيب الذكري له اعتبار في الأمر الشرعي إما وجوباً أو استحباباً وإن كانت الواو المطلق الجمع في الآية. قال النووي رحمه الله: وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح ((ابدؤوا)) بصيغة الجمع وعلى كل تقدير فيدل على وجوب السعي لا على أنه ركن مع أن بعض الصحابة وغيرهم قالوا أنه تطوّع لظاهر الآية وسبب نزولها ما ذكرت عائشة لما سألها عروة فقالت إنما نزلت هكذا لأن الأنصار كانوا يتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة أي يخافون الخرج فيه فسألوا النبي وَ﴿ فنزلت. وأما قوله عليه الصلاة والسلام على ما رواه الشافعي وغيره بسند حسن أنه عليه الصلاة والسلام استقبل الناس في المسعى وقال يا أيها الناس اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي وأورده الحاكم في مستدركه وابن السكن في صحاحه(٢). فإنما يفيد الوجوب دون الركنية مع أنه تكلم في سنده وإن أجاب عنه ابن عبد البر وغيره. والحاصل أن دلالة الآية والحديث كلاهما ظنية لا يفيد الركنية (فبدأ) أي في سعيه (بالصفا فرقي) بكسر القاف أي صعد (عليه) أي على الصفا (حتى رأى البيت) أي إلى أن رآه (فاستقبل القبلة) وضع الظاهر موضع الضمير تنصيصاً على أن البيت قبلة وتنبيهاً على أن المقصود بالذات هو التوجه إلى القبلة لا خصوص رؤية البيت وهو جبنة / ١ :عود (١) سورة البقرة . آية رقم ١٥٨. (٢) الحاكم في المستدرك ٧٠/٤. وحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه مسلم في صحيحه ٩٢٨/٢ حديث رقم ١٢٧٧. ١٠٠ ٤٦٣ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع فوَحَّدَ اللَّهَ وكَبَّرَه، وقال: ((لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ له، لهُ المُلكُ وله الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وحدَهُ، أَنجَزَ وَعْدَهُ، ونصَرَ عبْدَهُ، وهَزَمَ الأحزابَ وخدَهُ». ثمَّ دعًا بينَ ذلكَ، قال مثلَ هذا ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ نزلَ ومشَى إِلى المَروةِ حتى انصبَّتْ قدماه في بطْنِ الوادي، ثمّ سعَى، الآن يرى بلا رقى فى قدر يسير. وقيل: قدر القامة وهذا بالنسبة إلى الماشي دون الراكب (فوحد الله) أي قال لا إله إلا الله (وكبره) أي قال الله أكبر (وقال لا إله إلا الله) أما تفسير لما سبق والتكبير مستفاد من معناه وأما قول آخر غير ما سبق قاله الطيبي رحمه الله. والأظهر أنه قول آخر وكأنه اجمال وتفصيل لقوله (وحده) حال مؤكدة أي منفرد بالالوهية أو متوحداً بالذات (لا شريك له) في الألوهية فيكون تأكيداً أو في الصفات فيكون تأسيساً وهو الأولى كما لا يخفى (له الملك) أي ملك السموات والأرض (وله الحمد) أي الثناء الجميل ثابت له لا لغيره حقيقة في الأولى والآخرة وزاد الشافعي في رواية صحيحة يحيي ويميت (وهو على كل شيء) أي تعلقت به إرادته (قدير) أي كامل القدرة لا يعجزه شيء (لا إله إلا الله وحده) أي منفرداً بالأفعال وخلق الأعمال (أنجز وعده) أي وفى بما وعد لاعلاء كلمته (ونصر عبده) أي عبده الخاص أي في مقام الاختصاص نصراً عزيزاً وفتحاً مبيناً (وهزم الأحزاب وحده) قال الطيبي رحمه الله: الذين تحزبوا على رسول الله 43# يوم الخندق فهزمهم الله تعالى بغير قتال اهـ. ويمكن أن يراد بهم أنواع الكفارة الذين غلبوا بالهزيمة والفرار (ثم) لمجرد الترتيب دون التراخي (دعا بين ذلك) قال ابن الملك رحمه الله: إشارة إلى قوله لا إله إلا الله اهـ. وبينه وبين المقصود بون بين(١). وقال الطيبي رحمه الله: كلمة ثم تدل على تأخير الدعاء من ذلك الذكر، وكلمة بين تقتضي توسطه بين الذكر كان يدعو مثلاً بعد قوله على كل شيء قدير. وأجيب بأن بعد قوله وهزم الأحزاب وحده دعا بما شاء ثم عاد إلى الذكر ثم عاد مرة ثالثة اهـ. ولا يظهر وجه الجواب فنقول والله أعلم بالصواب أن قوله (قال مثل هذا ثلاث مرات) جملة حالية والتقدير ثم دعا بين ذلك والحال أنه قد قال ◌َّ ر مثل هذا الذكر ثلاث مرات. أو نقول جاء بين بمعنى الوصل والفرقة أي دعا واصلاً ذلك أو مفارقاً ذلك يعني الذكر السابق بالدعاء اللاحق وحاصله أنه دعا بعد فراغ المرة الأولى من الذكر وقبل الشروع في المرة الثالثة (ثم نزل ومشى إلى المروة) أي متوجهاً إليها وقاصداً جهتها (حتى انصبت قدماه) أي انحدرت مجاز من قولهم صب الماء فانصب (في بطن الوادي) أي المسعى وهو في الأصل مفرج بين جبال أو تلال أو آكام كذا في القاموس. يعني انحدرتا بالسهولة في صيب من الأرض وهو المنحدر المنخفض منها والانصباب الانسكاب أي حتى بلغتا على وجه السرعة إلى أرض منخفضة (سعى) أي عدا يعني سعى سعياً شديداً كذا في المصابيح، وفي بعض نسخ المشكاة وليس موجوداً في الأصول المصححة ويدل عليه ما نقله الطيبي رحمه الله عن القاضي عياش أنه قال: في الحديث إسقاط (١) في المخطوطة ((دون بعيد)). ٤٦٤ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع حتى إِذا صعِدَنا مشى حتى أتى المَروَةَ، ففعلٍ على المروةِ كما فعلَ على الصَّفا، حتى إِذا كانَ آخرُ طَوافٍ على المَروَةِ، نادى وهوَ على المروَةِ والنَّاسُ تَحتَه فقال: ((لو أني اسْتقبَلتُ من أمري ما استَذْبرتُ، لم أَسُقِ الهَذْيَ، كلمة لا بد منها وهي رمل بعد قوله في بطن الوادي كما في رواية غير مسلم كذا ذكره الحميدي. وفي الموطأ سعى بدل رمل. قال النووي: وهو بمعنى رمل وقد وقع في بعض نسخ مسلم كما في الموطأ. قلت: الظاهر أن رمل بمعنى سعى لا أن سعى بمعنى رمل (حتى إذا صعدتا) بكسر العين كذا في النسخ المصححة. وأما ما في نسخة بصيغة المتكلم مع الغير فتصحيف أي ارتفعت قدماه عن بطن الوادي وفي نسخة أصعدتا بالهمز. وفي المصابيح إذا صعدت قدماه. قال شارح: أي أخذت قدماه في الصعود والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد في صعود أو حدورا هـ. وفي القاموس صعد في السلم كسمع وصعد في الجبل وعليه تصعيد أو لم يسمع صعد فيه وأصعد في الأرض مضى وفي الوادي انحدر. وقال الطيبي رحمه الله: الاصعاد الذهاب في الأرض مطلقاً ومعناه في الحديث ارتفاع القدمين عن بطن الوادي إلى المكان العالي لأنه في مقابلة انصبت قدماه أي دخلت في الحدورا هـ. وبهذه النقول يتبين ترجيح نسخة أصعدتا بالهمز والله تعالى أعلم (مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل) أي مثل فعله (على الصفا) من الرقي والاستقبال والذكر والدعاء وظاهر الحديث من قوله مشى وما قبله أنه لم يسع راكباً وهو يفيد الوجوب حيث لا عذر لقوله عليه الصلاة والسلام ((خذوا عني مناسككم))(١) وأما ركوبه عليه الصلاة والسلام كما في خبر مسلم أن ابن عباس قيل له إن قومك يزعمون أن الركوب في السعي سنة فقال صدقوا أو كذبوا أن محمداً كثر عليه الناس يقولون هذا محمد [هذا محمد]ً حتى خرج العوائق من البيوت وكان لا يضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب والمشي والسعي أفضل فلا ينافي ما قدمناه. بل يساعده ويعاضده على أن محمول على سعيه في عمرة القضاء لما روى أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام ((طاف في عمرة القضاء راكباً ليسمعوا كلامه ويروا مكانه ولا تمسه الأيدي لأن الناس كانوا لا يدفعون عنه))(٢) (حتى إذا كان) تامة أي وجد (آخر طواف) أي سعى (على المروة) متعلق بكان (قال) جواب إذا، قال الطيبي. وفي نسخة صحيحة فقال بزيادة الفاء وأما ما في بعض النسخ نادى وهو على المروة والناس تحته فقال فلا أصل له (لو أني استقبلت) أي لو علمت في قبل (من أمري ما استدبرت) أي ما علمته في دبر منه والمعنى لو ظهر لي هذا الرأي الذي رأيته الآن لامرتكم به في أوّل أمري وابتداء خروجي (لم أسق الهدي) بضم السين يعني لما جعلت علي هدياً واشعرته وقلدته وسقته بين يدي فانه إذا ساق الهدي لا يحل حتى ينحر ولا ينحر إلا يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة بخلاف من لم يسق إذ يجوز له فسخ الحج. قيل: إنما قاله تطييباً لقلوبهم وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه إذا كان يشق عليهم ترك الاقتداء (١) من حديث أخرجه مسلم. (٢) أخرجه أبو داود فى السنن ٢/ ٤٤٢ حديث رقم ١٨٨٠. ٤٦٥ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع وجعلتُها عُمْرةً، فمنْ كانَ منكم ليسَ معَه هَذيٌ، فَلْيَحِلَّ وليجعَلها عُمرةً)). فقامَ سُراقةُ بنُ مالِكِ بنُ جُعْشُمٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ! ألِعامِنا هذا أمْ لِأَبَدٍ؟ فشبَّكَ رسولُ اللهِ وَه بفعله. وقد يستدل بهذا الحديث من يجعل التمتع أفضل. وقيل: وربما يشق عليهم ما أمرهم للأفضاء إلى النساء قبل أداء المناسك. كما ورد في حديث جابر («قالوا نأتي عرفة وتقطر مذاكيرنا المنى)). قال النووي رحمه الله: هذا صريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن متمتعاً (وجعلتها) أي الحجة (عمرة) أي جعلت إحرامي بالحج مصروفاً إلى العمرة كما أمرتكم به موافقة (فمن كان منك) الفاء جواب شرط محذوف أي إذا كان الأمر على ما ذكرت من أني أفردت الحج وسقت (فمن كان منكم ليس معه هدي) قال النووي رحمه الله : الهدى بإسكان الدال وكسرها تشديد الياء مع الكسرة وتخفف مع الفتح (فليحل) بكسر الحاء أي ليصر حلالاً وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وليجعلها) أي الحجة (عمرة) إذ قد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج والواو لمطلق الجمع إذا لجعل مقدم على الخروج لأن المراد من الجعل الفسخ وهو أن يفسخ نية الحج ويقطع أفعاله ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة. أو الواو للعطف التفسيري وبهذا الحديث أخذ أبو حنيفة وأحمد رحمه الله مع الرواية الأخرى من أحرم لعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه أن المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. وقال مالك والشافعي رحمهم الله: يحل من عمرته بمجرد فراغ أعمالها وإن ساق الهدي واحتجوا بالقياس على حل الحاج من حجه وإن لم ينحر وفيه أن القياس في مقابلة النص ممتنع. وأما جوابهم عن هذه الرواية بأنها مختصرة من رواية مسلم الآتية عن عائشة رضي الله عنها عقب رواية جابر هذه لأن في تلك من كان معه هدي فليهلل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحلل منهما جميعاً قالوا وهذا بين أن في تلك محذوفاً أي ومن أحرم لعمرة فليهل بحج ولا يحل حتى ينحر هديه أي ندباً لأن هذا محل وفاق وإنما يتعين هذا التأويل لاتحاد القصة والراوي. ففيه نظر ظاهر فإن الأمر أصله للوجوب ولا يصرف عنه إلى الندب إلا لموجب صارف عن الأوّل فتأمل. ثم قولهم ومن أحرم بعمرة فليهل بحج ففيه إن فسخ العمرة بالحج لا قائل به بعد قوله. قال بعض علمائنا لما أراد ◌َ # أن يأمرهم بجعل الحج عمرة والإهلال بأعمالها تأسيساً بالتمتع وتقريراً لجواز العمرة في أشهر الحج وإماطة لما ألفوا من التحرج عنها قدم العذر في استمراره على ما أهل به وترك موافقتهم في الاهلال تطبيباً لقلوبهم وإظهاراً للرغبة في موافقتهم وإزاحة لما عراهم من الغضاضة وكراهة المخالفة. واختلف في جوار فسخ الحج إلى العمرة والأكثرون على منعه وأجيب بأن ذلك كان من خاصة تلك السنة لأن المقصود منه كان صرفهم عن سنن الجاهلية وتمكين جواز العمرة في أشهر الحج في نفوسهم. ويشهد له ما روي عن بلال بن الحرث أنه قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا قال لكم خاصة (فقام سراقة بن مالك) بضم السين (ابن جعشم) بضم الجيم والشين ويفتح (فقال يا رسول الله ألعامنا هذا) يعني الإتيان بالعمرة في أشهر الحج أو مع الحج يختص بهذه السنة (أم لا بد) أي من الحال والاستقبال (فشبك رسول الله_القول ٠٠ : كتبون الله Kind ١ ١ ١ تے ١ ٤٦٦ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع أصابعَه، واحدةً في الأُخرى، وقال: ((دخلَتِ العُمرةُ في الحجِّ مرَّتَينٍ، لا بلْ لأبَدٍ أبَدِ)»، أصابعه واحدة) أي جعل أو أدخل واحدة (في الأخرى) منصوب لعامل مضمر والحال مؤكدة ذكره الطيبي رحمه الله. أو أراد أصابع يد واحدة لا واحدة من الأصابع فيكون بدل كل ويجوز أن يكون نصبها على أنها بدل بعض من أصابعه (وقال دخلت العمرة) أي جوازها (في الحج) أي في أشهره (مرتين) أي قالها مرتين (لا) أي ليس لعامنا هذا فقط (بل لابد أبد) كرره للتأكيد. قيل: معناه أنه تجوز العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهلية من أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج. قال النووي رحمه الله: وعليه الجمهور. وقيل: معنى دخولها في الحج أن فرضها ساقط بوجوب الحج. وفيه أنه متى فرضت حتى يقال سقطت. قال النووي رحمه الله: وسياق الحديث يقتضي بطلانه. وقيل معناه جواز القران وتقدير الكلام دخلت أفعال العمرة في الحج إلى يوم القيامة ويدل عليه تشبيك الأصابع. وفيه أنه حينئذٍ لا مناسبة بين السؤال والجواب فتدبر يظهر لك وجه الصواب. وقيل: جواز فسخ الحج إلى العمرة. قال النووي: وهو ضعيف أقول هذا هو الظاهر من سياق الحديث وسباقه والله تعالى أعلم. ثم قال النووي رحمه الله: واختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص للصحابة أم لتلك السنة أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة فقال أحد وطائفة من أهل الظاهر ليس خاصاً بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف رحمهم الله تعالى هو مختص بهم في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج اهـ. ويحتاج الكلام في سند المنع وبيان المخصص لالزام الخصام ثم رأيت ما يدل للجمهور حديث أبي ذر رواه مسلم كانت المتعة أي الفسخ في الحج لأصحاب محمد خاصة(١). وحديث النسائي: يا رسول الله فسخ الحج للعمرة لنا خاصة أم للناس عامة فقال عليه الصلاة والسلام لنا خاصة. هذا وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام. «لما نزل بسرف حاضت عائشة بعدما سمعته عليه الصلاة والسلام يقول من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا فبكت فقال ما يبكيك فذكرت له ما سمعته وانها بسببه منعت العمرة لحيضها فقال لا يضرك إنما أنت من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجك(٢). رواه الشيخان وفي رواية ((فافعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) وما صرحت به هذه الرواية من أنها كانت محرمة بحج تعارضه رواية البخاري عنها وكنت ((فيمن أهل بعمرة)). زاد أحمد ولم ((أسق هدياً). وفي رواية عنها ((خرجنا مع رسول اللّه وَّ نلبي لا نذكر حجاً ولا عمرة)). وجمع بأنها أهلت بالحج مفردة كبعض الصحابة ثم أمرهم أن يفسخوا (١) أخرجه مسلم في صحيحه ٨٩٧/٢ حديث رقم ١٢٢٤. 4:56: (٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العمرة باب المعتمر إذا طاف حديث رقم ١٧٨٨ ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٧٥ حديث رقم (١٢١١.١٢٣). ٣٥٥ ٤٦٧ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع وقدِمَ عليٍّ منَ اليَمَنِ بُدْنِ النبيِّ وََّ، فقالَ له: ((ماذا قلتَ حينَ فرضْت الحجَّ؟)) قال: قُلتُ: اللهُمَّ إِّي أُهِلُّ بما أهلَّ بهِ رسولُكَ. قال: ((فإِنَّ معيَ الهَذْيَ، فلا تَحِلَّ)). قال: فكانَ جماعةٌ الهذيِ الذي قدِمَ بهِ عليٍّ منَ اليمَنِ، والذي أتى بهِ النبيُّ ◌َِّ مائةً. قالَ: فحلَّ النَّاسُ الحج إلى العمرة ففعلت فصارت متعة ثم لما دخلت مكة حائضاً وتعذر عليها الطواف أمرها أن تحرم بالحج. ورد مالك رواية إحرامها بالعمرة أوّله ابن عبد البر بأنه من حيث أن فسخ العمرة وجعلها حجاً لم يقل به أحد بخلاف فسخ الحج إلى العمرة فإنه مختلف في جوازه إلى الآن على أن رفضها لعمرتها بالكلية غير محقق فقد قال جماعة يحتمل أن أمره لها برفض عمرتها ترك التحلل منها وادخال الحج عليها حتى تصير قارنة ذكره ابن حجر رحمه الله وهو مردود بأنه عليه الصلاة والسلام أمرها بنقض شعرها ومشط رأسها ورواية مسلم فامسكى عن العمرة أي عن أعمالها لأجل رفضها. وأما قول ابن حجر رحمه الله: وانها قالت وارجع بحج لاعتقادها أن افراد العمرة بالعمل أفضل ورد هذا التأويل برواية أحمد وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة وهذا صريح لقول أئمتنا إنها تركت العمرة وحجت مفردة وأخذوا منه أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل الطواف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردة وكذا إذا ضاق الوقت ووقف القارن قبل أفعال العمرة فانه يكون رافضاً لعمرته فيقضيها ويلزمه دم لرفضها ولا ينافيه رواية مسلم («إنها أهلت بعمرة فحاضت بسرف فقال لها أهلي بالحج فلما ظهرت وطافت وسعت أي بعد الوقوف قال لها قد حللت من حجك وعمرتك وذلك لأنها رفضت أفعال العمرة لا أنها فسخت العمرة بالحج إذ لا قائل به كما قال مالك ثم لما شكت إليه أنها تجد في نفسها أنها لم تطف إلا بعد الحج والناس يرجعون بحجة وعمرة كاملة أعمرها من التنعيم وأما رواية مسلم ((طوافك يسعك لحجتك وعمرتك)) أي يقوم مقامهما في الجملة وأنها تخرج من إحرام العمرة (وقدم علي من اليمن ببدن النبي ومَ(*) وهو بضم الباء وسكون الدال جمع بدنة والمراد هنا ما يتقرب بذبحه من الإبل (فقال) أي النبي ويليه لعلي (ماذا قلت) لها وجاء في رواية فوجد فاطمة رضي الله عنها فيمن حل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكرت ذلك عليها. قال النووي: قلنا ظناً أنه لا يجوز فقالت أن أبي أمرني بهذا فكان علي رضي الله عنه بالعراق يقول فذهبت إلى رسول الله وليه محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستقيماً لرسول الله وَّلير فيما ذكرت عنه فأخبرته إني أنكرت ذلك عليها فقال صدقت ماذا قلت (حين فرضت الحج) أي ألزمته على نفسك بالنية والتلبية قال تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ [البقرة - ١٩٧] (قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك) قال ابن الملك رحمه الله: يدل على جواز تعليق إحرام الرجل على إحرام غيره (قال) أي النبي وَ لهر (فإن معي) بسكون الياء وفتحها أي إذا علقت إحرامك بإحرامي فإني أحرمت بالعمرة ومعي (الهدي) ولا أقدر أن أخرج من العمرة بالتحلل (فلا تحل) نهى أو نفى أي لا تحل أنت بالخروج من الإحرام كما لا أحل حتى تفرغ من العمرة والحج (قال) أي جابر (فكان جماعة الهدي) أي من الإبل (الذي قدم به) أي بذلك الهدي (علي من اليمن) أي له ◌َر (والذي أتى به النبي الثر مائة) أي من الهدي (قال) أي جابر (فحل الناس) أي خرج ٠/ ١٥٠١ ٣٠is ب يوجد ٤٦٨ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع .-. كلُّهم، وقصَّروا، إِلَّ النبيَّ وَ ◌َّ ومَنْ كانَ معَه هَذِيٌّ، فلمَّا كانَ يومُ التَّرْوِيَةِ، توَجَّهوا إِلى مِنِىّ، فأهلُوا بالحَجِّ، وركبَ النبيُّ ◌ََّ، فصلّى بها الظُّهرَ، والعصْرَ، والمَغْرِبَ، والعِشاءَ، والفجْرَ، ثمَّ مكثَ قليلاً حتى طلعتِ الشَّمسُ، وأمرَ بقُبَّةٍ منْ شعَرِ تُضرَبُ له بنَمِرَةَ، فسارَ رسولُ اللَّهِ وَهِ، ولا تَشْكُ قريشٌ إِلاَّ أَنَّه واقفٌ عندَ المشعرِ الحَرامِ، كما كانت قريشٌ تصنَعُ في الجاهلِيّة، من الإحرام من أحرم بالعمرة ولم يكن معه هدي بعد الفراغ منها (كلهم) قال الطيبي رحمه الله: قيل هذا عام مخصوص لأن عائشة رضي الله عنها لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي أقول لعلها ما أمرت بفسخ الحج إلى العمرة أو كانت معتمرة وأمرت بإدخال الحج عليها لتكون قارنة كما سيأتي قريباً (وقصروا) قال الطيبي رحمه الله: وإنما قصروا مع أن الحلق أفضل لأن يبقى لهم بقية من الشعر حتى يحلق في الحج ا هـ. وليكون شعرهم في ميزان حجتهم أيضاً سبباً لزيادة أجرهم وليكونوا داخلين في المقصرين والمحلقين جامعين بين العمل بالرخصة والعزيمة (إلا النبي (*) استثناء من ضمير حلواً (ومن كان معه هدي) عطف على المستثنى (فلما كان يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة سمى به لأن الحجاج يرتوون ويشربون فيه من الماء ويسقون الدواب لما بعده وقيل لأن الخليل تروّى فيه أي تفكر في ذبح إسماعيل وإنه كيف يصنع حتى جزم عزمه يوم العاشر بذبحه (توجهوا) أي أرادوا التوجه (إلى منى) ينوّن وقيل لا ينوّن فيكتب بالألف سميت به لأنه يمنى الدماء في أيامها أي يراق ويسفك أو لأنه يعطي الحجاج مناهم بإكمال أفعال الحج فيها (فأهلوا بالحج) أي أحرم به من كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة (وركب النبي ◌َّ) أي حين طلوع الشمس من يوم التروية وسار من مكة إلى منى (فصلّى بها) أي بمنى في مسجد الخيف (الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) أي في أوقاتها (ثم مكث) بفتح الكاف وضمها أي لبث بعد إداء الفجر (قليلاً) فيه إشارة إلى أسفار الفجر (حتى طلعت الشمس وأمر بقبة) عطف على ركب أو حال أي وقد أمر بضرب خيمة (من شعر) بفتح العين وسكونها (تضرب) بصيغة المجهول (بنمرة) بفتح النون وكسر الميم وهو غير منصرف موضع على يمين الخارج من مأزمي(١) عرفة إذا أراد الموقف. قال الطيبي رحمه الله: جبل قريب من عرفات وليس منها (فسار رسول الله (#) أي من منى إليها (ولا تشك قريش إلا أنه واقف) أي للحج (عند المشعر الحرام) قال الطيبي: رحمه الله: أي ولم يشكو في أنه يخالفهم في المناسك بل تيقنوا بها إلا في الوقوف فإنهم جزموا بأنه يوافقهم فيه فإن أهل الحرم كانوا يقفون عند المشعر الحرام وهو جبل في المزدلفة يقال له قزح وعليه جمهور المفسرين والمحدثين. وقيل: أنه كل المزدلفة وهو بفتح العين وقيل بكسرها ذكره النووي رحمه الله وهذا معنى قوله (كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) ويقولون نحن حمام الحرم فلا نخرج منه. وقد يتوهم (١) في المخطوطة ((ماري)). ١٠٠ بـ ود » ٠۵٣ 1 *** ـ حمدة ١٠ ٤٦٩ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع فأجازَ رسولُ اللَّهِ وَلِّ حتى أتى عرَفةَ، فوجدَ القُبَّةَ قدْ ضُربتْ له بنَمِرَةَ، فنزلَ بها، حتى إِذا زاغتِ الشَّمسُ أمرَ بالقَصْواءِ، فرُحِلَتْ له، فأتى بطنَ الوادي، فخطبَ النَّاسَ، وقال: ((إِنَّ دماءكم وأموالَكم حرامٌ عَلَيكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا، أَلا كلُّ شيءٍ منْ أمرِ الجاهليَّةِ تحتَ قدَميَّ موضوعٌ، ودِماءُ الجاهليَّةِ موضوعةٌ، إنه 1945 كان يوافقهم قبل البعثة وليس كذلك لما جاء في بعض الروايات صريحاً إنه كان يقف مع عامة الناس قبل النبوّة أيضاً كما هو مذكور في الدار المنثور (فأجاز رسول الله وَ﴾) أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها وسار من طريق ضب وهو جبل متصل بثبير وهي من مزدلفة في أصل المأزمين على يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة (حتى أتى عرفة) أي قاربها (فوجد القبة) أي الخيمة المعهودة (قد ضربت) أي بنيت (له بنمرة فنزل بها) أي بالخيمة وهذا يدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها خلافاً لما لك وأحمد في مثل هودج ونحو ذلك (حتى إذا زاغت) أي نزل بها واستمر فيها حتى إذا مالت (الشمس) وزالت عن كبد السماء من جانب الشرق إلى جانب الغرب (أمر بالقصواء) أي بإحضارها (فرحلت له) على بناء المجهول مخففاً أي شد الرحل عليها للنبي وَلتر (فأتى) أي فركبها فأتى (بطن الوادي) موضع بعرفات يسمى عرنة وليست عرفات خلافاً لمالك ومنها بعض مسجد إبراهيم الموجود اليوم. واختلف في محدثه والصحيح إنه منسوب لإبراهيم الخليل باعتبار أنه أول من اتخذه مصلّى. وقيل: إبراهيم القبيسي المنسوب إليه أحد أبواب المسجد كان في أول دولة بني العباس أي فنسب إليه لأنه كان بانيه أو مجدده (فخاطب الناس) أي وعظهم وخطب خطبتين الأولى لتعريفهم المناسك والحث على كثرة الذكر والدعاء بعرفة والثانية قصيرة جداً لمجرد الدعاء ومن ثم قيل إذا أقام أيها شرع المؤذن في الإقامة ليفرغا معاً كما بينه البيهقي (وقال أن دماءكم وأموالكم) أي تعرضها (حرام عليكم) أي ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض فيريق دمه أو يسلب ماله (كحرمة يومكم هذا) يعني تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لهما في يوم عرفة (في شهركم هذا) أي ذي الحجة (في بلدكم هذا) أي مكة أو الحرم المحترم. وفيه تأكيد حيث جمع بين حرمة الزمان واحترام المكان في تشبيه حرمة الأموال والأبدان ويمكن أن يكون لفاً ونشراً مشوّشاً بأن تكون حرمة النفس كحرمة البلد لأنه ثابت مستقر في مكانه، وحرمة المال كحرمة الزمان فإنه غاد ورائح وفيه إيماء إلى قوّة حرمة النفس لأن حرمة البلد مؤبدة وحرمة الزمان مؤقتة ومع هذا لا يلزم من نسخها لأنها غير تابعة لها بل مشبهة بها والتشبيه غير لازم من جميع الوجوه ولهذا قال الطيبي رحمه الله شبه في التحريم بيوم عرفة وذي الحجة والبلد لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم لا يستباح فيهما شيء (ألا) للتنبيه (كل شيء) أي فعله أحدكم (من أمر الجاهلية) أي قبل الإسلام (تحت قدمي) بالتثنية وفي نسخة بالإفراد والأوّل أدل على المبالغة (موضوع) أي كالشيء الموضوع تحت القدم وهو مجاز عن إبطاله والمعنى عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإسلام وتجافيت عنه حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم تقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره جعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي (ودماء الجاهلية موضوعة) ح42 F ive ٠ هوم PSA ٦٦٠٠ ١٢٠٠ ** ٠ /٣٠ ٤٧٠ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع وإِنَّ أوَّلَ دَمِ أضعُ منْ دمائِنا دمَ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ - وكانَ مُسترضعَاً في بني سعدٍ فقتله هُذَيلٌ - ورِبا الجاهليَّةِ موضوعٌ، وأوَّلُ رِبا أضعُ منْ رِبانا، رِبا عبَّاسٍ بنِ عبدِ المطّلبِ، فإنَّه موضوعٌ كلُّه، فاتقُوا اللَّهَ في النساءِ، فإِنَّكم أخذتموهُنَّ بأمانِ اللَّهِ، واستحللتُم فُروجَهُنَّ بكلمةِ اللَّهِ، ولَكم علَيهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحداً تكْرَهونَه، فإِنْ فعَلنَ ذلكَ فاضرِبوهُنَّ ضرْباً غيرَ مُبَرْحٍ، ***. أي متروكة لا قصاص ولا دية ولا كفارة أعادها للإهتمام أو ليبني عليه ما بعده من الكلام (وإن أوّل دم أضع) أي أضعه وأتركه (من دمائنا) أي المستحقة لنا أهل الإسلام كذا قيل. والظاهر من دمائنا أن المراد دماء أقاربنا. ولذا قال الطيبي رحمه الله: ابتدأ في وضع القتل والدماء بأهل بيته وأقاربه ليكون أمكن في قلوب السامعين وأسد لباب الطمع بترخص فيه (دم ابن ربيعة) اسمه إياس (بن الحارث) أي ابن عبد المطلب. قال الطيبي رحمه الله: صحب النبي ◌َّل* وروي عنه وكان أسن منه توفي في خلافة عمر رضي الله عنه (وكان مسترضعاً) على بناء المجهول أي كان لابنه ظئر ترضعه (في بني سعد) وصح من بعض الرواة دم ربيعة بن الحارث وهي رواية البخاري. وقد خطأهم جمع من أهل العلم بأن الصواب دم ابن ربيعة ويمكن تصحيح ذلك بأن يقال إضافة الدم إلى ربيعة لأنه ولي ذلك أو هو على حذف مضاف أي دم قتيل ربيعة اعتماداً على اشتهار القصة (فقتله) أي ابن ربيعة (هذيل) وكان طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة هذيل فقتله هذيل (وربا الجاهلية موضوع) يريد أموالهم المغصوبة والمنهوبة وإنما خص الربا تأكيداً لأنه في الجملة معقول في صورة مشروع وليرتب عليه قوله (وأوّل ربا) أي زائد على رأس المال (أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب) قيل أنه بدل من ربانا والأظهر أنه الخبر وقوله (فإنه) أي الربا أو ربا عباس (موضوع كله) تأكيد بعد تأكيد والمراد الزائد على رأس المال قال تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ﴾ [البقرة - ٢٧٩] ولأن الربا هو الزيادة (فاتقوا الله في النساء) أي في حقهن والفاء فصيحة. قال الطيبي رحمه الله: وفي رواية المصابيح بالواو وكلاهما سديد وهو معطوف على ما سبق من حيث المعنى أي اتقوا الله في استباحة الدماء وفي نهب الأموال وفي النساء (فإنكم أخذتموهن بأمان الله) قال النووي رحمه الله: هكذا هو في كثير من الأصول وفي بعضها بأمانة الله أي بعهده من الرفق وحسن العشرة (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) أي بشرعة أو بأمره وحكمه وهو قوله ﴿فانكحوا ﴾ وقيل: بالإيجاب والقبول أي بالكلمة التي أمر الله بها وفي نسخة بكلمات الله (ولكم عليهن) أي من الحقوق (أن لا يوطئن) بهمزة أو بإبدالها من باب الأفعال (فرشكم أحداً تكرهونه) قال الطيبي رحمه الله أي لا يأذن لأحد أن يدخل منازل الأزواج والنهي يتناول الرجال والنساء (فإن فعلن ذلك) أي الإيطاء المذكور (فاضربوهن) قيل المعنى لا يأذن لأحد من الرجال الأجانب أن يدخل عليهن فيتحدث إليهن وكان من عادة العرب لا يرون به بأساً فلما نزلت آية الحجاب انتهوا عنه. وليس هذا كناية عن الزنا وإلا كان عقوبتهن الرجم دون الضرب (ضرباً غير مبرح) بتشديد الراء المكسورة ٠٣٫٥٠ ٤٧١ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع ولهُنَّ عَلَيكم رزقُهنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمَعروفِ، وقد تركْتُ فيكم ما لنْ تضلُّوا بعدَه إِن اعتصَمتُمْ به كتابَ اللَّهِ، وأنتم تُسألونَ عَنِّي، فما أنْتُمْ قائلونَ؟)) قالوا: نشهَدُ أنكَ قدْ بلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونصَحتَ. فقالَ بأُصبعه السبَّابةِ يرفعُها إِلى السَّماءِ وينكتُها إِلى الناسِ: («اللهُمَّ اشهَدْ، اللهُمَّ اشهدْ)) ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمّ أَذَّنَ بلالٌ، ثمَّ أقامَ فصلّى الظُّهرَ، ثمّ أقامَ فصلى العصرَ، ولمْ يُصلُ بينهُما شيئاً، ثمَّ ركبَ حتى أتى الموقِفَ، فجعلَ بطنَ ناقتهِ القَصْواءِ إِلى الصَّخَراتِ، وبالحاء المهملة أي مجرح أو شديد شاق (ولهن عليكم رزقهن) من المأكول والمشروب وفي معناه سكناهن (وكسوتهن بالمعروف) باعتبار حالكم فقراً وغنى أو بالوجه المعروف من التوسط الممدوح (وقد تركت فيكم) أي فيما بينكم وما موصولة أو موصوفة (لَنْ تظلوا بعده) أي بعد تركي إياه فيكم كما قاله ابن الملك وتبعه ابن حجر رحمه الله: أو بعد التمسك به والعمل بما فيه. كما قاله الطيبي رحمه الله: ويؤيد الأوّل قوله (إن اعتصمتم به) أي في الاعتقاد والعمل (كتاب الله) بالنصب بدل أو بيان لما في التفسير بعد الإبهام تفخيم لشأن القرآن ويجوز الرفع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب الله وإنما اقتصر على الكتاب لأنه مشتمل على العمل بالسنة لقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ [النساء - ٥٩] وقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر - ٧] فيلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب (وأنتم تسألون عني) بصيغة المجهول أي عن تبليغي وعدمه (فما أنتم قائلون) أي في حقي (قالوا نشهد أنك قد بلغت) أي الرسالة (وأديت) أي الأمانة (ونصحت) أي الأمة (فقال) أي أشار (بأصبعه السبابة) بالجر وأختيه من الرفع والنصب (يرفعها) حال من فاعل قال أي رافعاً إياها أو من السبابة أي مرفوعة (إلى السماء ينكتها) بضم الكاف والمثناة الفوقانية أي يشير بها (إلى الناس) كالذي يضرب بها الأرض والنكت ضرب رأس الأنامل إلى الأرض. وفي نسخة صحيحة بالموحدة في النهاية بالباء الموحدة أي يميلها إليهم يريد بذلك أن يشهد الله عليهم. قال النووي رحمه الله: هكذا اضبطناه بالتاء المثناة من فوق قال القاضي رحمه الله هكذا الرواية وهو بعيد المعنى قال قيل صوابه ينكبها بباء موحدة قال ورويناه في سنن أبي داود (اللهم أشهد) أي على عبادك بأنهم قد أقروا بأني قد بلغت، كذا، قاله ابن الملك - رحمه الله - والمعنى اللهم أشهد أنت إذ كفى بك شهيداً (اللهم أشهد ثلاث مرات) كان الأنسب أن يتلفظ الراوي باللهم أشهد ثلاث مرات أو يقول اللهم أشهد مرة ثم يقول ثلاث مرات (ثم أذن بلال ثم أقام فصلّى الظهر ثم أقام فصلّى العصر) أي جمع بينهما في وقت الظهر وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عندنا وجمع سفر عند الشافعي خلافاً فالبعض أصحابه (ولم يصل بينهما شيئاً) أي من السنن والنوافل كيلا يبطل الجمع لأن الموالاة بين الصلاتين واجبة. قال ابن الملك رحمه الله: وفي عبارته ما لا يخفى فإن الأولى أن يجعل فعله عليه الصلاة والسلام دليلاً للموالاة لا معللاً يبطلان الجمع على المخالفة (ثم ركب) أي وسار (حتى أتى الموقف) أي أرض عرفات أو اللام للعهد والمراد موقفه الخاص ويؤيده قوله (فجعل بطن ناقته القصواء) بالجر واختيه (إلى الصخرات) بفتحتين الأحجار الكبار. قال النووي رحمة الله: هن حجرات ٤٧٢ ١٠٠٠ ١٫٠٠ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع وجعلَ حَبْلَ المُشاةِ بينَ يديْهِ، واستقبلَ القِبلةَ، فلمْ يزَلْ واقفاً حتى غربت الشمسُ، وذهبت الصُّفَرةُ قليلاً، حتى غابَ القُرْصُ، وأردَفَ أُسامةَ، ودَفَعَ حتى أتى المُزْدَلفةَ، فصلّى بها المغرِبَ والعِشَاءَ مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات فهذا هو الموقف المستحب فأن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان وأما ما اشتهر بين العوام من الأعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط والصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر وقال أحمد يدخل وقت الوقوف من فجر يوم عرفة (وجعل حبل المشاة بين يدية) قال النوري رحمه الله: روي بالحاء المهملة وسكون الباء وروي بالجيم وفتح الباء قال القاضي رحمه الله: الأوّل أشبة بالحديث وحبل المشاة مجتمعهم وحبل الرمل ما طال منه وأما بالجيم فمعناه طريقهم وحيث تسلك الرجالة ا هـ. وقال الطيبي رحمه الله: بالحاء أي يفهم طريقهم الذي يسلكونة في الرمل. وقال التوربشتي رحمه الله: حبل المشاة موضع. وقيل: اسم موضع من رمل مرتفع كالكثبان. وقيل: الحبل الرمل المستطيل وإنما أضافها إلى المشاة لأنها لا يقدر أن يصعد إليها إلا الماشي أو لأجتماعهم عليها توقياً منه مواقف الركاب ودون حبل المشاة ودون الصخرات اللاصقة بسفّح الجبل موقف الإمام وبه كان رسول الله ◌َلا يتحرى الوقوف (واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً) أي قائماً بركن الوقوف راكبا على الناقة (حتى غربت الشمس) أي أكثرها أو كادت أن تغرب (وذهبت الصفرة قليلاً) أي ذهابا قليلاً (حتى غاب القرص) أي جميعة هكذا هو في جميع النسخ. قيل: صوابة حين غاب القرص وفيه نظر إذ لا يظهر معنى لقوله ذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص وكان القائل غفل عن قيد العلة وذهل عن الرواية التي تطابق الدراية ويحتمل أن يكون على ظاهره ويكون بياناً للغيبوبة فإنها قد تطلق على معظم القرص (وأردف أسامة) أي أردفه النبي وَلفر خلفة (ودفع) أي أرتحل ومضى وقال الطيبي رحمه الله أي ابتدأ السير ودفع نفسة ونحاها أو دفع ناقتة وحلها على السير (حتى أتى المزدلفة) وفي رواية. ودفع رسول وّلها وقد شنق بتخفيف النون أي ضم وضيق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رجله بالجيم مع كسر الراء والحاء وفتحها والمورك بفتح الميم وكسر الراء هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الحل أذا مل من الركوب. وضبطة القاضي بفتح الراء. قال: وهو قطعة ادم يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل شبة المخدة الصغيرة ذكرة النووي رحمه الله (ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة) بالنصب أي الزموها (كلما أتى حبلاً من الحبال) بالحاء المهملة أي التل اللطيف من الرمل (أرخى لها) أي للناقة (قليلاً) أى ارخاء قليلاً أو زماناً قليلاً (حتى تصعد) بفتح التاء المثناة فوق وضمها يقال صعد في الجبل وأصعد ومنه قوله تعالى: ﴿إِذ تصعدون﴾ [آل عمران - ١٥٣] ذكره النووي رحمه الله (ثم أتى المزدلفة) قيل سميت بها لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات قريبة من أوله ومنه قولة تعالى: ﴿وإذا الجنة أزلف ﴾ [التكوير - ١٣] أي قريت وأما ازدحام الناس بين العلمين فبدعة قبيحة يترتب عليها مفاسد صريحة (فصلّى بها المغرب والعشاء) أي في وقت العشاء ٤٧٣ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع بأذانٍ واحدٍ وإِقامتَينٍ، ولمْ يُسبِّح بينَهما شيئاً، ثمَّ اضطَجعَ حتى طلعَ الفجرُ، فصلَّى الفجرَ حينَ تبيَّنَ له الصُّبحُ بأذانٍ وإِقامةٍ، ثمَّ ركبَ القضواءَ حتى أتى المَشعرَ الحَرامَ، فاستقبلَ القِبلةَ، فدعاهُ، وكبّره، وهلّله، ووَحَّدَه، فلمْ يزلْ واقفاً حتى أسفَرَ جِدّاً، فَدَفعَ قبلَ أنْ تطلُعَ الشمسُ، وأردَفَ الفضْلَ بنَ عبَّاسٍ، حتى أتى بطنَ مُحَسِّرٍ، (بأذان واحد واقامتين) وبه قالت الأئمة الثلاثة وزفر رحمه الله لما سيأتي (ولم يسبح) أي لم يصل (بينهما) أي بين المغرب والعشاء (شيئاً) أي من النوافل والسين والمتعمد أنه يصليّ بعدهما سنة المغرب والعشاء والوتر لقوله: (ثم اضطجع) أي للنوم بعد راتبة العشاء والوتر كما في رواية (حتى طلع الفجر) تقوية للبدن ورحمة للامة ولأن في نهاره عبادات كثيرة تحتاج إلى النشاط فيها وهو لا ينافي الحديث المشهور ((من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبة يوم تموت القلوب)) (١) فيستحب أن يحيية بالذكر والفكر دون النوافل المطلقة مطابقة للسنة مع أن المراد أحياء تلك الليلة في الجملة أو أكثرها ثم المبيت عندنا سنة وعليه بعض المحققين من الشافعية رحمه الله: وقيل: واجب وهو مذهب الشافعي. وقيل: ركن لا يصح إلا به كالوقوف وعليه جماعة من الأجلة. وقال مالك: النزول واجب والمبيت سنة وكذا الوقوف بعده ثم المبيت بعظم الليل. والصحيح أنه بحضور لحظة بالمزدلفة (فصلى الفجر حين تبين له الصبح) أي طلع الفجر (بأذان واقامة) أي بغلس (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام). موضع خاص من المزدلفة ببناء معلوم سمي به لأنه معلم للعباد والمشاعر المعالم التى ندب الله إليها وأمر بالقيام فيها وهو بفتح الميم وقد يكسر وفي رواية حتى رقى على المشعر الحرام ومما يدل على المغايرة بين المزدلفة والمشعر الحرام ما في البخاري كان ابن عمر رضي الله عنهما يقدم ضعفة أهله قيقفون عند المشعر بالمزدلفة فيذكرون الله وذهب جماعة إلى أنه هي (فاستقبل القبلة فدعاه فكبره) أي قال الله أكبر (وهلله) أي قال لا إله إلا الله (ووحده) أي قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ (فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً) أي أضاء الفجر إضاءة تامة (فدفع) أي ذهب إلى منى (قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس) أي بدل أسامة (حتى أتى بطن محسر) بكسر السين المهملة المشددة وهو ما بين مزدلفة ومنى والتحسر الأعياد ومنه قوله تعالى: ﴿ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير﴾ [الملك - ٤] سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا وكل ذكرة النووي رحمه الله أي بناء على أنه دخل الحرم وهو ما عليه جماعة لكن المرحج عند غيرهم أنه لم يدخله وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من وراءهم فقيل حكمة الاسراع فيه نزول نار فيه على من اصطاد فيه ولذا يسمي أهل مكة الوادي وادي النار. وصح أنه عليه الصلاة والسلام لما أتى ديار ثمود أسرع وأمرهم بالاسراع خشية أن يصيبهم ما أصابهم أو مخالفة النصارى فإنهم كانوا يقفون فيه فأمرنا بمخالفتهم ولعلهم كانوا يقفون فيه بدل المزدلفة أو بعده زيادة عليه. وفي الجملة يظهر وجه تخصيص الاسراع (١) ذكره في كنز العمال ٥٤٨/٨ حديث رقم ٢٤١٠٧. مود ٤٧٤ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع فحرَّكَ قليلاً، ثمَّ سلكَ الطريقَ الوُسْطى التي تخرُجُ على الجمرةِ الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرةٍ، فرمَاها بسبعِ حصيَاتٍ يكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ منها مثلَ حَصی الخَذْفِ بالرجوع من عرفة دون التوجة إليها على أنه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى عرفات من طريق الضب ولا يبعد أن يستحب الاسراع فيه لكل مار من حاج وغيره ذاهباً وآيباً لكونة محل نزول العذاب والله تعالى أعلم بالصواب. وقال ابن الملك: إنما سمي لاسراع الركاب والمشاة فيه وفيه أنه لا يصلح وجة التسمية وإنما يسرع لأجل نزول العذاب فيه (فحرك) أي أسرع ناقتة (قليلاً) أي تحريكاً قليلاً أو زماناً قليلاً أو مكاناً قليلاً أي يسيراً وصح أنه عليه الصلاة والسّلام لما أتى محسراً أسرع ناقته حتى جاوز الوادي. قال النووي: قدر رمية حجر وأما ما صح عن ابن عباس وأسامة أنه عليه الصلاة والسّلام تركه من عرفة إلى منى فمحمول على أنه تركه عند الزحمة لأن الإثبات مقدم لا سيما وهو أكثر رواة وأصح إسناداً وقد يحمل على أنه أسرع في بعضة وترك الاسراع في كله مع أن القياس استبقاؤه خشية المزاحمة الموجبة للوحشة مع وجود الكثرة ويسن أن يقول المار به ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما وروى الطبراني بعضه مرفوعاً. معترضا في بطنها جنينها إليك تغدو قلقاً وضينها قد ذهب الشحم الذي يزينها مخالفاً دين النصارى دينها الوضين بطان عريض ينسج من سيور أو شعر أو لا يكون إلا من جلد كذا في القاموس ويستحب أن يقول أيضاً اللهم لا تفتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك (ثم سلك) أي دخل (الطريق الوسطى) وهو غير طريق ذهابه إلى عرفات بل إنما هي (التي تخرج على الجمرة الكبرى) أي جمرة العقبة (حتى أتى) عطف على سلك أي حتى وصل (الجمرة التي عند الشجرة) أي العقبة ولعل الشجرة إذ ذاك كانت موجودة هناك (فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الحذف) بالخاء والذال المعجمتين الرمي برؤوس الأصابع. قال الطيبي رحمه الله: بدل من الحصيات وهو بقدر حبة الباقلاء. وفي نسخة صحيحة مثل حصى الخذف. قال النووي رحمه الله: أما قوله فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف فهكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي رحمه الله عن معظم النسخ، قال: وصوابه مثل حصى الخذف. قال وكذلك رواه بعض رواة مسلم هذا كلام القاضي رحمه الله. قلت: والذي في النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام إلا كذلك. ويكون قوله حصى الخذف متعلق بحصيات أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف يكبر مع كل حصاة فحصى الخذف متصل بحصيات واعترض بينهما يكبر مع كل حصاة فهذا هو الصواب انتهى.، كلام النووي. وعندي أن اتصال حصى الخذف بقوله مع كل حصاة أقرب لفظاً وأنسب معنى ومع هذا لا اعتراض ولا تخطئة على إحدى النسختين فإن تعلقه بحماة أو حصيات لا ينافي وجود مثل لفظ أو تقديراً غايته أنه إذا كان موجوداً فهو واضح معنى وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ وهو حذف أداة التشبيه أي كحصى الخذف بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى فالروايتان صحيحتان. وما سيأتي في الحديث عن جابر رواه الترمذي بلفظ وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف. وروى مسلم عنه بلفظ رمى الجمرة بمثل حصى الخذف، يرجح وجود ٤٧٥ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع رمَى منْ بطنِ الوادي، ثمَّ انصرفَ إِلى المَنحرِ، فنحرَ ثلاثاً وستِّينَ بَدنَةً بيدِه، ثمَّ أعْطى عليّاً، فنحَرَ ما غبَرَ، وأَشْرَكهُ في هذيهِ، ثمَّ أمرَ منْ كلِّ بدَنَةِ بِبَضعَةٍ، فجعُلِتْ في قدْرٍ، فطُبِخْتْ، فأكَلا منْ لحمِها، وشرِبا منْ مرَقِها. ثمَّ ركبَ رسولُ الله ◌ََّ، فأفاضَ إِلى البيتِ، المثل ويؤيده تقديره والله تعالى أعلم بالصواب [وفي نسخة] (رمى من بطن الوادي) بدل من قوله فرماها أو استئناف مبين وهو الأظهر ووقع في رواية البخاري عن ابن مسعود وكذا في عبارة الشافعي رحمه الله ما يفيد جواز الرمي من فوقها وقياساً على بقية الجمرات حيث يجوز من جوانبها وإن كان الجانب المستحب واحداً. وأما التأويل بأنه رماها من فوقها إلى أسفلها من بطن الوادي لا إلى ظهرها فبعيد جداً لأنه مخالف لظاهر الرواية وقياس الدراية فقول ابن حجر رحمه الله أن الرمي من فوقها باطل ليس تحته طائل (ثم انصرف) أي رجع من جمرة العقبة (إلى المنحر) بفتح الميم أي موضع النحر والآن يقال له المذبح لعدم النحر أو تغليباً للأكثر كما غلب في الأول للأفضل وهو قريب من جمرة العقبة وأما ما اشتهر من صورة مسجد بني قريب من الجمرة الوسطى منحرف عن الطريق إلى جهة اليمن وبني بإزائه على الطريق مسجد تسميه العامة مسجد النحر فليس هو بل الأصح أن منحره عليه الصلاة والسلام في منزله الذي بقرب مسجد الخيف متقدماً على قبلة مسجد الخيف (فنحر ثلاثاً وستين بدنة) بعدد سني عمره (بيده) الظاهر أن لفظ المشكاة جمع بين الروايتين فإن الرواية الصحيحة ثلاثاً وستين بيده بدون لفظ بدنة. قال النووي رحمه الله، هكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي رحمه الله، عن جميع الرواة سوى ابن ماهات(١) فإنه رواه بدنة قال وكلاهما صواب والأول أصوب (ثم أعطى) أي بقية البدن (علياً فنحر) أي على (ما غبر) أي بقي من المائة (وأشركه) أي النبي وَّ علياً (في هديه) بأن أعطاه بعض الهدايا لينحر عن نفسه وهو يحتمل أن يكون من بقية البدن أيضاً ويكون عدد سني عمره رضي الله عنه على بعض الأقوال. قال النووي رحمه الله: وظاهره أنه شاركه في نفس الهدي. قال القاضي عياض رحمه الله: وعندي أنه لم يكن تشريكاً حقيقة بل أعطاه قدرا يذبحه قال والظاهر أن النبي ◌َّ نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثاً وستين كما جاء في رواية الترمذي. وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة ولا يبعد أنه عليه الصلاة والسلام أشرك علياً في ثواب هديه لأن الهدي يعطي حكم الأضحية. ثم قال النووي رحمه الله : وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق (ثم أمر من كل بدنة ببضعة) بفتح الباء الثانية وهي قطعة من اللحم (فجعلت) أي القطع (في قدر) في القاموس القدر بالكسر معلوم أنثى أو يؤنث (فطبخت فأكلاً من لحمها) الضمير يعود إلى القدر ويحتمل أن يعود إلى الهداية قاله ابن الملك رحمه الله (وشربا من مرقها) أي من مرق القدر أو مرق لحوم الهدايا. قال ابن الملك رحمه الله: يدل على جواز الأكل من هدي التطّوع اهـ. والصحيح أنه مستحب وقيل واجب لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها ﴾ [الحج - ٢٨] (ثم ركب رسول الله ◌َيهر فأفاض) أي أسرع (إلى البيت) أي بيت الله لطواف الفرض ويسمى طواف الإفاضة والركن (١) في المخطوطة ابن ((هامان)) ٤٧٦ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع فصلّى بمكةَ الظُّهرَ، فأتى على بني عبد المطلبِ يسقونَ على زمزَمَ، فقال: ((انزِعوا بَني عبد المطلبٍ! فلولا أنْ يغلبَكُم النَّاسُ على سِقايتِكم لنَزَعْتُ معكم)) فناوَلوهُ دَلْواً فشرِبَ منه. وأكثر العلماء ومنهم أبو حنيفة رحمه الله لا يجوّز طواف الإفاضة بنية غيره خلافاً للشافعي حيث قال لو نوى غيره كنذر أو وداع وقع عن الإفاضة (فصلى بمكة الظهر) قال النووي رحمه الله: فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه وأما قوله فصلى بمكة الظهر فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الإفاضة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي وَال# طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمنى ووجه الجمع بينهما أنه وَّ طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أوّل وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية بمنى أقول أنه لا يحمل فعله وَليز على القول المختلف في جوازه فيؤوّل بأنه صلى بمكة ركعتي الطواف وقت الظهر ورجع إلى منى فصلى الظهر بأصحابه أو يقال الروايتان حيث تعارضنا فقد تساقطتا فتترجح(١) صلاته بمكة لكونها فيها أفضل. ويؤيده ضيق الوقت لأنه عليه الصلاة والسلام رجع قبيل طلوع الشمس من المشعر ورمى بمنى ونحر مائة من الإبل وطبخ لحمها وأكل منها ثم ذهب إلى مكة وطاف وسعى فلا شك أنه أدركه الوقت بمكة وما كان يؤخرها عن وقت المختار لغير ضرورة ولا ضرورة هنا والله أعلم. ثم قال النووي رحمه الله: وأما الحديث الوارد عن عائشة رضي الله عنها وغيرها أنه وَّر أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل. فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث قلت لا بد من التأويل لكن لا من هذا التأويل لأنه لا دلالة عليه لا لفظاً ولا معنى ولا حقيقة ولا مجازاً مع الغرابة في عرض كلامه إلى أنه عاد للزيارة فالأحسن أن يقال معناه جوّز تأخير الزيارة مطلقاً إلى الليل أو أمر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل. وقول ابن حجر فذهب معهن غير صحيح إذ لم يثبت عوده عليه الصلاة والسلام معهن في الليل والله تعالى أعلم (فأتي علي بني عبد المطلب) وهم أولاد العباس وجماعته لأن سقاية الحاج كانت وظيفته (يسقون) أي من مر عليهم وهم ينزعون الماء من زمزم ويسقون النتاس (على زمزم) قال النووي رحمه الله: معناه يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها فيسبلونه (فقال انزعوا) أي الماء أو الدلاء (بني عبد المطلب) يعني العباس ومتعلقيه بحذف حرف النداء. قال ابن الملك رحمه الله: دعا لهم بالقوّة على النزع والاستقاء يريد أن هذا العمل أي النزع عمل صالح مرغوب فيه لكثرة ثوابه اهـ. والظاهر أنه أمر استحباب لهم (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم) أي لولا مخافة كثرة الازدحام عليكم بحيث تؤدي إلى إخراجكم عنه رغبة في النزع (النزعت معكم) وقال النووي رحمه الله: معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج فيزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء (فناولوه) أي أعطوه (دلوا) رعاية للأفضل (فشرب منه) أي من الدلو أو من الماء وفي نسخة فشرب منها. وفي القاموس الدلو معروف وقد يذكر قيل ويستحب أن يشرب / ٢ (١) في المخطوطة ((فيرجع)). هو. كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع ٤٧٧ ٥ مرة رواه مسلم. ٢٥٥٦ _ (٢) وعن عائشةً [رضي الله عنها]، قالت: خرجنَا معَ النبيِّ وَّ فِي حَجَّةٍ الوَداعِ، فمِنَّا مَنْ أهلَّ بعُمرةٍ، ومنَّا مَن أهلَّ بحج، فلمَّا قَدِمْنَا مكةَ قال رسولُ اللهِ وَلّى: ((من أهلَّ بِعُمرةٍ ولم يُهْدِ فليَخْلِل، ومنْ أحرمَ بعمرةٍ وأهدى فلْيُهِلَّ بالحجِّ معَ العُمرةِ ثمَّ لا يَحلَّ حتى يحلَّ منهما)). وفي رواية: ((فلا يَحلَّ حتی یحلَّ بنحر هَذیهِ، معة قائماً وفيه بحث لأنه عليه الصلاة والسلام شربه قائماً لبيان الجواز أو لعذر به في ذلك المقام من الطين أو الازدحام فإنه صح نهيه عن الشرب قائماً بل أمر من شرب قائماً أن يتقايا ما شربه حتى قال بعض الأئمة أن الشرب قائماً بدون العذر حرام (رواه مسلم) قال ابن الهمام: أي في صحيحه ورواه غيره كابن أبي شيبة، وأبي داود، والنسائي وعبد بن حميد، والبزار، والدارمي في مسانيدهم. عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال دخلنا على جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ فقلت محمد بن علي بن الحسين فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بین ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال مرحبابك يا ابن أخي سل عما شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة بكسر النون وهي نوع من الملاحف منسوجة قاله في النهاية ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليها من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلينا فقلت أخبرني عن حجة رسول الله وَلهو فقال بيده فعقد تسعاً فقال إن رسول الله وَّ﴿ مكث تسع سنين لم يحج الحديث وهو أصل كبير وأجمع حديث في الباب(١). ١ ١ ١ ٢٥٥٦ - (وعن عائشة رضى الله عنها قالت خرجنا) أي معاشر الصحابة أو جماعة النساء (مع النبي وَ ير في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة) أي مفردة والمعنى أحرم بها أو لبى بها مقرونة بالنية (ومنا من أهل بحج) أي مفرد أو مقرون بعمرة (فلما قدمنا) أي كلنا (مكة فقال ◌َّ) وفي نسخة قال وهو الظاهر (من أهل بعمرة ولم يهد) أي من الاهداء أي لم يكن معه هدي (فليحلل) بفتح الياء وكسر اللام أي فليخرج من الإحرام يحلق أو تقصير (ومن أحرم بعمرة وأهدى) أي كان معه هدي (فليهل بالحج مع العمرة) أي منضماً معها والمعنى (فليدخل الحج في العمرة ليكون قارناً (ثم لا يحل حتى يحل منهما) يعني لا يخرج من الاحرام ولا يحل له شيء من المحظورات حتى يتم العمرة والحج جميعاً (وفي رواية فلا يحل) بالنفي ويحتمل النهي (حتى يحل بنحر هديه) أي يوم العيد فإنه لا يجوز له نحر الهدي قبله، قال الطيبي رحمه الله: قوله ومن أحرم بعمرة وأهدي مع قوله وفي رواية حتى يحل بنحر هديه دل على أن من (١) فتح القدير ٣١٧/٢. حديث رقم ٢٥٥٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٩/١ حديث رقم ٣١٩. ومسلم ٢/ ٨٧٠ حديث رقم (١٢١١/١١١). وأخرجه أبو داود في السنن ٣٨١/٢ حديث رقم ١٧٨١. والنسائي في السنن ٥٪ ١٦٥ حديث رقم ٢٧٦٤. وأحمد في المسند ٦/ ١٧٧. قهو: ٤٧٨ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع ومَنْ أهلَّ بحجّ فليُتمَّ حجَّهُ)) قالت: فحضْتُ، ولم أَطُفْ بالبَيْتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، فلم أزلْ حائضاً حتى كانَ يومُ عرفةَ، ولم أُهْلِلْ إِلا بعُمرةٍ، فأمرني النبيُّ وَّهِ أن أنقُضَ رأسي أي شعري وأَمتشطَ وأُهلَّ بالحجِّ، وأترُكَ العُمْرةَ، ففعلتُ، حتى قضيتُ حجِّي بعثَ معي عبد الرحمن بن أبي بكرٍ، وأمرَني أنْ أعتمرَ مكانُ عمرتي من التنَّعيم. قالت: فطافَ الذينَ كانوا أَهلُوا بالعُمرةِ بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةَ، أحرم بعمرة وأهدى لا يحل له حتى يحل بنحر هديه. وقال مالك والشافعي رحمه الله يحل إذا طاف وسعى وحلق والرواية الأولى أعني قوله فليهل بالحج مع العمرة دلت على أنه أمر المعتمر بأن يقرن الحج بالعمرة فلا يحل إلا بنحر هذا الهدي فوجب حمل هذه الرواية الثانية على الأخرى لأن القصة واحدة اهـ. ولو صح جعل قوله وفي رواية فلا يحل بدل قوله ثم لا يحل لا نحل الإشكال وللحنفية وجوه أخر من الاستدلال على أن الرواية الأولى قابلة أن تحمل على الثانية بخلاف العكس كما لا يخفى وتحقيقه تقدم والله تعالى أعلم (ومن أهل بحج) ساق الهدي أو لا قرن معه عمرة أولاً (فليتم حجة) أي إلا من أمر بفسخ الحج إلى العمرة (قالت فحضت ولم أطف البيت) أي للعمرة (ولا بين الصفا والمروة) أي ولم أسع بينهما إذ لا يصح السعي إلا بعد الطواف وإلا فالحيض لا يمنع السعي (فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة ولم أهلل) أي لم أحرم أوّلاً (إلا بعمرة فأمرني النبي (وَّر أن أنقض رأسي) (أي شعري وامتشط وأهل بالحج) أي أمرني أن أحرم بالحج (واترك العمرة) أي ارفضها، قال ابن الملك رحمه الله: أي أمرني أن أخرج من إحرام العمرة واتركها باستباحة المحظورات من التمشيط وغيره لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. وقال الطيبي رحمه الله: أي أمرني أن أخرج من إحرام العمرة واستبيح محظورات الأحرام وأحرم بعد ذلك بالحج فإذا فرغت منه أحرم بالعمرة أي قضاء وهذا ظاهر (ففعلت حتى قضيت حجي بعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر) رحمه الله قيل: جملة استثنافية ذكره الطيبي (رحمه الله]. ويمكن أنه جواب لما قدمنا وقوله فقال بالفاء أو الواو عطف (وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي) أي بدلها نصب على المصدر قاله ابن الملك. أي عمرتي التي رفضتها (من التنعيم) متعلق باعتمر. قال ابن الملك رحمه الله: هو موضع قریب من مكة بينه وبينها فرسخ وبهذا تمسك أبو حنيفة. وقال الشافعي ليس معناه أنه وَلّز أمرها بترك العمرة رأساً بل أمرها بترك أفعال العمرة من الطواف والسعي. وإدخال الحج في العمرة لتكون قارنة أقول القارن لا يستبيح بالمحظور فانقلب المحظور ثم قال وأما عمرتها بعد الفراغ من الحج فكانت تطوّعاً لتطيب نفسها لئلا تظن خوف نقصان بترك أعمال عمرتها أقول حاشاها أن تظن هذا الظن والنبي ولو كان قارناً مع أن الشافعي يقول بتداخل الأفعال (قالت: فطاف) أي طواف العمرة (الذين كانوا أهلوا بالعمرة) أي الذين أفردوا العمرة عن الحج (بالبيت) متعلق بطاف (وبين الصفا والمروة) والطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي فصح العطف ولم يحتج إلى تقدير عامل وجعله نظير : * علفتها تبناً وماء بارداً ٤٧٩ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع ثمَّ حَلُوا، ثم طاقُوا طَوافاً بعدَ أنْ رَجعُوا من مِنِىَ. وأما الذينَ جمعُوا الحجّ والعُمرةَ فإِنما طافُوا طَوافاً واحداً. متفق عليه. ٢٥٥٧ _ (٣) وعن عبدِ اللهِ بنُ عمر [رضي الله عنهما]، قال: تمتَّعَ رسولُ اللهِ وَول في حَجَّة الوداعِ بالعُمرةِ إِلى الحجِّ، فساقَ معهُ الهديَ من ذي الحليفةِ، وبدأ فأهلَّ بالعُمرةِ، ثمّ أهلَّ بالحجِّ، (ثم حلوا) أي خرجوا من الاحرام (ثم طافوا طوافاً) أي للحج وهو طواف الإفاضة (بعد أن رجعوا من منى) [أي] إلى مكة (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة) أي ابتداء أو إدخالاً لأحدهما في الآخر (فإنما طافوا طوافاً واحداً) أي يوم النحر لهما جميعاً وعليه الشافعي رحمه الله. وعندنا يلزم القارن طوافان طواف قبل الوقوف بعرفة وطواف بعده للحج كذا ذكره ابن الملك. أقول لا شك أنه ** كان قارناً كما صححه النووي وغيره، وقد صح في حديث جابر أنه طاف حين قدم مكة وطاف للزيارة بعد الوقوف. كيف يكون طوافهم واحداً وهم لا يخالفونه عليه الصلاة والسلام اللهم إلا أن يقال أن هذا أيضاً من الخصوصيات المتعلقة ببعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين أو المعنى أنهم طافوا طوافاً واحد للحج بعد الرجوع من منى لما تقدم لهم من طواف آخر قبل ذلك فقوله واحداً تأكيد لدفع توهم تعدد الطواف للقارن بعد الوقوف فيكون مرادها والله تعالى أعلم بالطواف طواف الفرض وإنما كان الطواف الأوّل طواف القدوم والتحية وهو سنة إجماعاً أو طواف فرض عمرة والحاصل أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين عندنا، لحديث علي كرم الله وجهه أن النبي ◌َّلو كان قارناً فطاف طوافين وسعى سعيين. ورواه الدارقطني(١) وكذا رواه من حديث عمران بن حصين وعن علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قالا القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. ذكره الطحاوي رحمه الله. (متفق عليه). ٢٥٥٧ - (وعن عبد الله بن عمر قال تمتع رسول الله وَ ليل في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج فساق معه الهدي من ذي الحليفة) قيل: المراد التمتع اللغوي وهو القرآن آخراً ومعناه أحرم بالحج أوّلاً ثم أحرم بالعمرة فصار قارناً في آخره ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث كما مر ذكره الطيبي رحمه الله وظاهر هذا الحديث أنه أحرم بالعمرة أوّلاً ثم أحرم بالحج ويدل عليه قوله: (وبدأ فأهل بعمرة ثم أهل بالحج) وهذا الإدخال أفضل من عكسه مع أنه ورد صريحاً في أحاديث أنه أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فكيف يصار إليه ولو ثبت لكان معارضاً فالذي أدين الله تعالى به أنه لا* لا يبتدىء بالعمرة بعد فرض الحج عليه في أوّل الوهلة. وقد اعتمر مراراً بعد الهجرة فالصواب أنه كان قارناً أوّلاً ومعنى قولها فأهل بالعمرة ثم (١) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٦٣/٢. حديث رقم ٢٥٥٧ : أخرجه البخاري في صحيحه ٥٣٩/٣ حديث رقم ١٦٩١. ومسلم في صحيحه ٢/ ٩٠١ حديث رقم (١٢٢٧.١٧٤). وأبو داود في السنن ٣٩٧/٢ حديث رقم ١٨٠٥ والنسائي ٥٪ ١٥١ حديث رقم ٢٧٣٢. وأحمد في المسند ١٣٩/٢. ٤٨٠ كتاب المناسك/ باب قصة حجة الوداع ٠٠٠. فتمتّعَ الناسُ معَ النبيِّ وَّهِ بِالعُمرةِ إِلى الحجّ، فكانَ منَ النَّاسِ من أهدى، ومنهم مَنْ لم يُهدِ، فلمَّا قَدِمَ النبيُّ وَّهِ مِكةً، قال للناس: ((منْ كانَ منكم أهدى فإنَّه لا يَحلُّ من شيءٍ حرم منه حتى يَقضيَ حجَّهُ، ومن لم يكن منكم أَهدى فليَطُفْ بالبيت وبالصَّفا والمروةِ، وليقصِّزْ ولَيَحلِلْ ثمَّ ليُهلَّ بالحجِّ وليُهد، فمنْ لم يجدْ هدياً فليصُمْ ثلاثة أيَّام في الحجِّ وسبعةً إِذا رجعَ إِلى أهلهِ)) فطافَ حين قدمَ مكةً واستلَم الركنَ أوَّلَ شيءٍ، ثم خب ثلاثةَ أطوافٍ، ومشى أربعاً فركعَ حينَ قَضى طوافَهُ بالبيتِ عندَ المقام ركعتين، ثمَّ سلَّمَ فانصرفَ، فأتى الصَّفَا فطافَ بالصَّفا والمروةِ سبعةَ أطواف، ثمَّ لم يحلَّ منْ شيءٍ حرُمَ منهُ حتى قضى حَجَّهُ ونحرَ هَذِيهُ يومَ النحرِ وأفاضَ فطافَ بالبيت ثمَّ حلَّ مِنْ كلِّ شيءٍ حَرُمَ منه، وفعلَ أهل بالحج أنه لما جمع بين النسكين قدم ذكر العمرة على الحج لأنه الوجه المسنون في القرآن دون العكس ثم كان أكثر ما يذكر في إحرامه الحج لأنه وصل المفروض والعمرة سنة تابعة ولا شك أن حمل فعله وَّ ر على الجمع بين العبادتين أولى من الحمل على عبادة واحدة (فتمتع الناس) أي أكثرهم هذا التمتع اللغوي بالجمع بين العبادتين (مع النبي ◌َّر بالعمرة إلى الحج) أي بضمها إليه (فكان من الناس) أي الذين أحرموا بالعمرة (من أهدى) أي ساق الهدى (ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي ◌َّير مكة قال للناس) أي المعتمرين (من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه) وفي هذا حجة على الشافعي رحمه الله (ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت) أي طواف العمرة (وبالصفا والمروة وليقصر) أي إبقاء للشعر لتحلل الحج (وليحلل) أي ليخرج من إحرام العمرة باستمتاع المحظورات (ثم ليهل بالحج) أي ليحرم به من أرض الحرم (وليهد) أي ليذبح الهدي يوم النحر بعد الرمي قبل الحلق (فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج) أي في أشهره قبل يوم النحر، والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة (وسبعة إذا رجع إلى أهله) توسعة ولو صام بعد أيام التشريق بمكة جاز عندنا (فطاف) أي النبي ◌َّرِ (حين قدم مكة) أي طواف العمرة (واستلم الركن) أي الحجر الأسود (أوّل شيء) أي من أفعال الطواف بعد النية (ثم خب) أي رمل (ثلاثة أطواف) أي في ثلاثة أشواط. قال ابن الملك: إظهار للجلادة والرجولية في نفسه، وفيمن معه من الصحابة. كيلا يظن الكفار أنهم عاجزون ضعفاء قلت هذا كان علة فعله ◌َل# في عمرة القضاء ثم استمرت السنة بعد زوال العلة (ومشى) أي بسكون وهيئة (أربعاً) أي في أربع مرات من الأشواط (فركع) أي صلى (حين قضى) أي أدى وأتم (طوافه بالبيت عند المقام) متعلق بركع (ركعتين) أي صلاة الطواف وهي واجبة عندنا سنة عند الشافعي (ثم سلم) أي من صلاته أو على الحجر بأن استلمه (فانصرف) أي عن البيت أو عن المسجد (فأتى الصفا) وفي نسخة والمروة (فطاف) أي سعى (بالصفا والمروة سبعة أطواف) أي أشواط (ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر) وهو التحلل الأوّل بالحلق فيما عدا الجماع (وأفاض) أي إلى مكة (فطاف بالبيت) أي طواف الإفاضة (ثم حل من كل شيء حرم منه) وهو التحلل الثاني المحلل للنساء (وفعل محطات