Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
٢٤١٠. (٣٠) وعن ابن عمر: أنَّ رسولَ اللَّهُ وَّلِ كانَ إِذا أخذَ مضجعَه قال: ((الحمدُ
اللَّهِ الذي كفاني، وآواني، وأطعَمَني، وسقَاني، والذي منّ عليّ فأفضل، والذي أعطاني
فأجزل، الحمدُ للَّهِ على كلٌّ حال، اللهُمَّ ربَّ كلِّ شيءٍ ومليكَهُ، وإِله كلِّ شيء، أعوذُ بك
من الثَّارِ». رواه أبو داود.
١
P
٢٤١١ . (٣١) وعن بُريدةَ، قال: شكا خالدُ بنُ الوليدِ إِلى النبي ◌َّرَ، فقال: يا رسولَ
اللهِ! ما أنامُ الليلَ من الأرَق فقال نبيُّ اللَّهِ بِّهِ: ((إذا أَويتَ إِلى فراشك فقلْ: اللّهُمَّ ربَّ
السماواتِ السبع وما أظلَّتْ، وربَّ الأرضينَ
٢٤١٠ . (وعن ابن عمر أن رسول الله عَلهو كان إذا أخذ مضجعه) أي من الليل كما في
نسخة (قال الحمد لله الذي كفاني) أي عن الخلق أغناني (وآواني) بالمد أي جعل لي مسكناً
يدفع عني حري وبردي وسترني عن أعدائي (وأطعمني وسقاني) أي اشبعني وأرواني (والذي
من) أي أنعم (عليّ فافضل) بالفاء وفي رواية بالواو أي زاد أو أكثر أو أحسن (والذي أعطاني
فاجزل) أي فأعظم أو أكثر من النعمة قال الطيبي الفاء فيه لترتبها في التفاوت من بعض الوجوه
كقولك خذ الأفضل فالأكل واعمل الأحسن فالأجمل فالإعطاء حسن وكونه جزيلاً أحسن
وهكذا المعنون وقدم المن لأنه غير مسبوق بعمل العبد بخلاف الإعطاء فإنه قد يكون مسبوقاً به
(الحمد لله على كل حال) أي وأعوذ بالله من حال أهل النار وفيه إشارة إلى أن سائر الحالات
من المحن والبليات مما يجب الشكر عليها لأنها إما رافعة للسيئات وإما رافعة للدرجات
بخلاف أحوال أهل النار فإنهم في حال المعصية في الدنيا وفي حال العقوبة في العقبى فليس
هناك شكر بل صبره على حكمه وأمره ورضا بقضاء الله وقدره وهو محمود بذاته على كل حال
وبصفاته في كل فعال (اللهم رب كل شيء) أي مربيه ومصلحه (ومليكه) أي ملكه ومالكه (وإله
كل شيء) أي معبوده ومقصوده ومطلوبه ومحبوبه بلسان حاله أو ببيان قاله طوعاً أو كرهاً (أعوذ
بك من النار) أي مما يقرب إليها من علم أو عمل أو حال يوجب العذاب ويقتضي الحجاب
(رواه أبو داود) وكذا النسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك إلا أنه من حديث أنس(١).
i
شور
٢٤١١. (وعن بريدة قال شكا خالد بن الوليد) أي السهر (إلى النبي ◌َّ) في القاموس
شكا أمره إلى الله شكوى وينوّن وشكاية بالكسر وشكوت اهـ. فعلى اللغة الأولى التي هي
الفصحى يكتب شكا بالألف وعلى الثانية بالياء بناء على القاعدة المقررة في علم الخط (فقال يا
رسول الله ما أنام الليل من الأرق) بفتحتين أي من أجل السهر وهو مفارقة الرجل النوم من
وسواس أو من حزن أو غير ذلك (فقال نبي الله وَل﴿ إذا أويت) بالقصر (إلى فراشك فقل اللهم
رب السموات السبع وما أظلت) أي ما أوقعت ظلها عليه (ورب الأرضين) بفتح الراء ويسكن
حديث رقم ٢٤١٠: أخرجه أبو داود في السنن ٣١٣/٤ حديث رقم ٥٠٥٨.
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٤٠/١.
حديث رقم ٢٤١١: أخرجه الترمذي في السنن ١٩٩/٥ حديث رقم ٣٥٨٩.
١٠٠٠٠
٣٢٢
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
وما أقلَّتْ، وربَّ الشياطين وما أضلَّتْ، كنْ لي جاراً من شرِّ خلقك كلِّهم جميعاً، أنْ يَفْرُط
عليَّ أحدٌ منهم، أو أن يبغيَ، عزَّ جارُكَ، وجلَّ ثناؤُكَ، ولا إِلهَ غيرُكَ، لا إِله إِلا أنتَ)).
رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ ليس إِسنادُه بالقوي، والحكَمُ بن ظُهيرِ الراوي قد ترَكَ
حديثَهُ بعضُ أهلِ الحديثِ.
الفصل الثالث
٢٤١٢. (٣٢) وعن أبي مالك، أنَّ رسولَ الله ◌ِّوَّ قال: ((إِذا أصبَحَ أحدُكم فَلْيقُلْ:
أصبحنا وأصبَحَ الملكُ للَّهِ ربِّ العالمينَ، اللهُمَّ إِني أسألكَ خيرَ هذا اليومِ: فَتْحَه، ونصْرَه،
ونورَه، وبركته، وهُداه.
أي السبع (وما أقلت) أي حملت ورفعت من المخلوقات (ورب الشياطين وما أضلت) أي وما
أضلت الشياطين من الإنس والجن فما هنا بمعنى من وفيما قبل غلب فيها غير العاقل ويمكن
أن ما هنا للمشاكلة أو تنزيلاً للمنزلة أو أنها في الكل بمعنى الوصفية (كن لي جاراً) من
استجرت فلاناً فأجارني ومنه قوله تعالى: ﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾ [المؤمنون. ٨٨] أي
كن لي معيناً ومانعاً ومجيراً وحافظاً (من شر خلقك كلهم جميعاً) حال فهو تأكيد معنوي بعد
تأكيد لفظي وفي رواية من شر خلقك أجمعين (أن يفرط) بضم الراء أي من أن يفرط على أنه
بدل اشتمال من شرهم أو لئلا يفرط أو كراهة أن يفرط أي يسبق (عليّ أحد) أي بشره (منهم)
أي من خلقك وفي المفاتيح أي يقصد بإذا أي مسرعاً (أو أن يبغي) بكسر الغين أي يظلم عليّ
أحد (عز جارك) أي غلب مستجيرك وصار عزيزاً كل من التجأ إليك وعز لديك (وجل) أي
عظم (ثناؤك) يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول ويحتمل أن يكون المثنى غيره أو ذاته فيكون
كقوله {ي أنت كما أثنيت على نفسك (ولا إله غيرك لا إله إلا أنت) تأكيد للتوحيد وتأييداً
للتفريد (رواه الترمذي وقال هذا حديث ليس باسناده بالقوي والحكم) بفتحتين وفي أصل السيد
الحكيم بالياء وفي الهامش صوابه الحكم (ابن ظهير) كما في الكاشف والتقريب (الراوي)
بتخفيف الياء (قد ترك حديثه بعض أهل الحديث) وفي الحصن رواه الطبراني في الأوسط وابن
أبي شيبة إلا أن فيها وتبارك اسمك بدل جل ثناؤك ولا إله غيرك قال ميرك ورواه في الكبير
أيضاً وفيه عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك.
(الفصل الثالث)
٢٤١٢ . (عن أبي مالك أن رسول الله و لفر قال إذا أصبح أحدكم فليقل أصبحنا وأصبح
الملك لله رب العالمين) أي خالقهم وسيدهم ومصلحهم ومربيهم وفيه تغليب ذوي العقول
لشرفهم (اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه) أي الظفر على المقصود (ونصره) أي النصرة
على العدوّ (ونوره) بتوفيق العلم والعمل (وبركته) بتيسير الرزق الحلال الطيب (وهداه) أي
حديث رقم ٢٤١٢: أخرجه أبو داود ٤/ ٣٢٢ حديث رقم ٥٠٨٤.
٠٠٠٠٩٥٠
STRRRY KAN
٣٢٣
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
وأعوذُ بِكَ منْ شرِّ ما فيهِ، ومِنْ شرِّ ما بعدَه. ثمَّ إِذا أمسى فلْيقُلْ مثلَ ذلكَ)). رواه أبو داود.
٢٤١٣. (٣٣) وعن عبد الرحمنِ بنِ أبي بكرةً، قال: قلتُ لأبي؛ يا أبتِ! أسمعُكَ
تقولُ كلَّ غداةٍ: «اللهُمَّ عافِني في بدني، اللهَّم، عافني في سمْعي، اللهُمَّ عافِني في
بصَري. لا إِلهَ إِلَّ أنتَ)) تكرِّرُها ثلاثاً حينَ تُصبحُ، وثلاثاً حينَ تُمسي. فقال؛ يابُنِيَّ! سمعتُ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يدعوُ بِهِنَّ. فأنا أحبُّ أنْ أستَنَّ بسُنَتِهِ. رواه أبو داود.
٢٤١٤ . (٣٤) وعن عبدِ الله بنِ أبي أوفى، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَلَّ إِذا أصبحَ قال:
الثبات على متابعة الهدى ومخالفة الهوى وقال الطيبي: قوله فتحه وما بعده بيان لقوله خير هذا
اليوم والفتح هو الظفر بالتسلط صحراً وقهراً والنصر الإعانة والإظهار على العدوّ وهذا أصل
معناهما ويمكن التعميم فيهما يعني فيفيد التأكيد (وأعوذ بك من شر ما فيه) أي في هذا اليوم
(وشر ما بعده) واكتفى به عن سؤال خير ما بعده إشعاراً بأن درء المفاسد أهم من جلب المنافع
(ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك) بأن يقول أمسينا وأمسى الملك وخير هذه الليلة ويؤنث الضمائر
(رواه أبو داود) قال النووي رواه أبو داود بإسناد ولم يضعفه.
٢٤١٣. (وعن عبد الرحمن) أي البصري الثقفي ولد بالبصرة سنة أربع عشرة حيث نزلها
المسلمون وهو أول مولود ولد بها للمسلمين تابعي كثير الحديث سمع أباه وعلياً وعنه جماعة
(ابن أبي بكرة) بالتاء واسمه نفيع بن الحرث قال المؤلف يقال أن أبا بكرة تدلى يوم الطائف
ببكرة وأسلم فكناه النبي وسي# بأبي بكرة وأعتقه فهو من مواليه (قال) أي عبد الرحمن (قلت لأبي
يا أبت) بكسر التاء وفتحها (أسمعك) أي أسمع منك أو أسمع كلامك حال كونك (تقول كل
غداة) أي صباح أو كل يوم وهو الأظهر لما سيأتي (اللهم عافني في بدني) أي لا قوى على
طاعتك ونصرة دينك (اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري) خصهما بالذكر لأن البصر
يدرك آيات الله المثبتة في الآفاق والسمع لإدراك الآيات المنزلة على الرسل فهما جامعان لدرك
الأدلة النقلية والعقلية وفي تقديم السمع إيماء إلى أفضليته ومنه قوله ◌َلتر اللهم متعنا بأسماعنا
وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعلهما الوارث منا (لا إله إلا أنت) إقرار بالألوهية واعتراف
بالربوبية وهو كمال العبودية (تكررها) أي هذه الجمل أو هذه الدعوات بدل من تقول أو حال
(ثلاثاً حين تصبح) ظرف لتقول (وثلاثاً حين تمسي) أي أيضاً (فقال يا بني) بفتح الياء وكسرها
والتصغير للشفقة (سمعت رسول الله و # يدعو بهن) أي كذلك (فأنا أحب أن أستن) أي أقتدي
(بسنته) وأتتبع سيرته (رواه أبو داود) وكذا النسائي وابن السني(١).
٢٤١٤. (وعن عبد الله بن أبي أوفى قال كان رسول الله وَل و إذا أصبح قال
حديث رقم ٢٤١٣: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٣٢٤ حديث رقم ٥٠٩٠.
(١) أخرجه ابن السني في اليوم والليلة ص ٣٤ حديث رقم ٦٩.
حديث رقم ٢٤١٤: أخرجه النووي في الأذكار ص ١٥٥ الحديث رقم ١٩٢ وابن السني في عمل اليوم
والليلة ص ٢٣ الحديث ٣٨.
محطاتة
٣٢٤
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
((أصبَخْنا وأصبحَ المُلكُ للَّهِ، والحمدُ للهِ، والكِبرِياء والعظَمةُ للَّهِ، والخَلْقُ والأمرُ والليلُ
والنَّهارُ وما سكنَ فيهِما للَّهِ، اللهُمَّ اجعَلْ أوَّلَ هذا النَّهارِ صلاحاً، وأوْسطَه نجاحاً، وآخرَه
فلاحاً، يا أرحمَ الرّاحمينَ!)). ذكرَه النَّوويُّ في كتاب ((الأذكار)) برواية ابنِ السِّني.
٠٠:١/٢
ـسجون جسعيد
أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله والكبرياء) أي الصفات الذاتية (والعظمة) أي الصفات
الفعلية (الله) أي وحده لا شريك له كما في الحديث القدسي ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري
فمن نازعني في واحد منهما قصمته))(١) (والخلق) أي الإيجاد التدريجي (والأمر) أي الإيجاد
الآتي أو واحد الأوامر والمراد به الجنس أو واحد الأمور والمراد به التصرف والحكم أو
المراد بالخلق الإيجاد وبالأمر الامداد وقد يشار بالأول لعالم الصور وبالثاني لعالم المعاني
ومنه قل الروح من أمر ربي (والليل والنهار) أي زمانهما ومكانهما (وما سكن فيهما) أي
وتحرك فهو من باب الاكتفاء نحو سرابيل تفيكم الحر أي والبرد أو سكن بمعنى ثبت (الله)
أي لا شريك له وفيه رمز إلى قوله تعالى: ﴿وله ما سكن في الليل والنهار﴾ [الأنعام. ١٣]
وفي رواية وما يضحى فيهما الله (وحده) أي وما يدخل في وقت الضحوة أو ما يظهر ويبرز
فيه لا صنع لغيره في الحقيقة ولا في الصورة (اللهم اجعل أوّل هذا النهار صلاحاً) أي في
ديننا ودنيانا (وأوسطه نجاحاً) أي فوزاً بالمطالب المناسبة لصلاح الدارين (وآخره فلاحاً) أي
ظفراً بما يوجب حسن الخاتمة وعلو المرتبة في درجات الجنة والظاهر أن المراد من الأوّل
والآخر والأوسط استيعاب الأوقات والساعات في صرفها إلى العبادات والطاعات لحصول
حسن الحالات والمعاملات في الدنيا ووصول أعلى الدرجات في الأخرى قال الطيبي رحمه
الله صلاحاً في ديننا بأن يصدر منا ما ننخرط به في زمرة الصالحين من عبادك ثم أشغلنا
بقضاء مآربنا في دنيانا لما هو صلاح في ديننا فانجحنا واجعل خاتمة أمرنا بالفوز بما هو
سبب لدخول الجنة فنندرج في سلك من قيل في حقهم أولئك على هدى من ربهم وأولئك
هم المفلحون ١ هـ. ولذا قالوا أجمع كلمة في الشريعة كلمة الفلاح أقول ولذا قال تعالى ﴿قد
أفلح المؤمنون﴾ إلى آخر الآيات ثم قال ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس﴾ (یا
أرحم الراحمين) ختم بهذا لأنه سبب لسرعة إجابة الدعاء كما جاء في حديث وروي الحاكم
في مستدركه وصححه من حديث أبي أمامة مرفوعاً ((أن الله ملكاً موكلاً بمن يقول يا أرحم
الراحمين فمن قالها ثلاثاً قال له الملك إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل))(٢) والظاهر
أن قيد الثلاث لأن الغالب أن من قالها ثلاثاً حضر قلبه ورحمة ربه (ذكره النووي) رحمه الله
بحذف الألف وإثباته (في كتاب الأذكار برواية ابن السني) وذكره الجزري في الحصن برواية
ابن أبي شيبة مع تغيير يسير وفيه وأوسطه فلاحاً وآخره نجاحاً أسألك خير الدنيا والآخرة.
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٤٤/١.
١٩٠
٣٢٥
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
٢٤١٥. (٣٥) وعن عبد الرَّحمنِ بنِ أبْزى، قال: كانَ رسولُ اللهِوَلَهَ يقولُ إذا
أصبحَ: ((أصبَحْنا على فِطرةِ الإِسلامِ، وكلمةِ الإِخلاصِ، وعلى دينِ نبِيِّنا محمَّدٍ بََّ، وعلى
ملَّةِ أبِينا إبراهيم حنيفاً وما كانَ منَ المشرِكِينَ)). رواه أحمدُ، والدارميُّ.
٢٤١٥. (وعن عبد الرحمن بن أبزى) بفتح همزة وسكون موحدة بعدها زاي قال المؤلف
أدرك النبي و لو وصلى خلفه وهو معدود في الصحابة (قال كان رسول الله وَلقول يقول إذا أصبح
أصبحنا على فطرة الإسلام) أي خلفته قيل الفطرة الخلقة من الفطر كالخلقة من الخلق في أنها
اسم للحالة ثم أنها جعلت اسماً للخلقة القابلة لدين الحق على الخصوص ومنه قوله تعالى:
﴿فاقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم. ٣٠] وحديث ((كل مولود
يولد على الفطرة)»(١) (وكلمة الإخلاص) أي التوحيد الخالص المخلص من الحجاب في الدنيا
ومن العقاب في العقبى وهي كلمة التوحيد والكلمة الطيبة لا إله إلا الله محمد رسول الله (وعلى
دين نبينا محمد ◌َّل38) وهو أخص مما قبله لأن ملل الأنبياء كلهم تسمى إسلاماً على الأشهر
لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران. ١٩] ولقول إبراهيم: ﴿أسلمت لرب
العالمين﴾ [البقرة. ١٣١] ولوصية يعقوب لبنيه ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة.
١٣٢] قال التوربشتي كذا في الحديث وهو غير ممتنع ولعله وَّر قال ذلك جهراً ليسمعه غيره
فيتعلم أقول لا وجه لقوله لعل فإن الرواية متفرعة على السماع وهو لا يتحقق إلا بالجهر (وعلى
ملة أبينا إبراهيم) و # وهو أبو العرب فإنهم من نسل إسماعيل ففيه تغليب أو الأنبياء بمنزلة
الآباء ولذا قال تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب. ٦]
وفي قراءة شاذة وهو أب لهم وإنما احتيج لهذا التخصيص لقوله تعالى: ﴿أن أتبع ملة إبراهيم
حنيفاً﴾ [النحل . ١٢٣] أي في أصول الدين أو في بعض الفروع كالختان وبقية العشرة من
السنن المشهورة (حنيفاً) أي مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الملة الثابتة العادلة وضده الملحد
والحنف والإلحاد في اللغة مطلق الميل قيل الحنيف المسلم المستقيم وغلب هذا الوصف على
إبراهيم الخليل أو المراد به مسلماً أي منقاداً كاملاً بحيث لا يلتفت إلى غيره تعالى حتى قال
لجبريل أما إليك فلا ومنه قوله {وَ لجر ((بعثت بالحنيفية السمحة))(٢) (وما كان من المشركين) فيه رد
على كفار العرب في قولهم نحن على دين أبينا إبراهيم وتعريض باليهود والنصارى ثم هو مع ما
قبله من الأحوال المتداخلة أتى بها تقريراً أوصيانة للمعنى المراد تحقيقاً عما يتوهم من أنه يجوز
أن يكون حنيفاً حالاً منتقلة فرد ذلك التوهم بأنه لم يزل وحد اوانه مثبته لأنها حال مؤكدة (رواه
أحمد الدارمي) وكذا النسائي في سننه والطبراني في الكبير إلا أنه عند أحمد والطبراني في
الصباح والمساء جميعاً وعند النسائي في الصباح فقط كذا نقله الجزري وقال صاحب السلاح
أخرجه النسائي من طرق ورجال إسناده رجال الصحيح.
١
١
i
i
i
i
i
/٦
i
حديث رقم ٢٤١٥: أخرجه الدارمي في السنن ٣٧٨/٢ حديث رقم ٢٦٨٨.
(١) أخرجه الديلمي وابن سعد والخطيب البغدادي.
(٢) راجع الحديث رقم (٩٠).
٣٢٦
، بمام
Save:
١٣٩٠٠
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
٠ ٠٫٣٤
(٧) باب الدعوات في الأوقات
الفصل الأول
٢٤١٦. (١) عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لو أنَّ أحدكم إِذا أرادَ أنْ
يَأْتِيَ أهلَه قال: بسم اللَّهِ، اللهُمَّ جنّبْنا الشيّطانَ، وجنْبِ الشّيطانَ ما رزَقتَنا، فإِنّه
(باب الدعوات المتفرقة في الأوقات)
أي المختلفة مما قدر لها الشارع. واعلم أن كل ما ورد من الشارع في زمن أو حال
مخصوص، يسن لكل أحد أن يأتي به لذلك ولو مرة للإتباع. قال ابن حجر: بل ويكون أفضل
من غيره حتى القرآن، وأن ورد لذلك الغير فضل أكثر من هذا لأن في الاتباع ما يربو على
غيره. ومن ثم قالوا صلاة النافلة في البيت أفضل منها في المسجد الحرام وإن قلنا بالأصح أن
المضاعفة تختص به اهـ. وفيه بحث لأنه بإطلاقه غير صحيح، لأن الدعوات والأذكار المسنونة
المعينة في حال كالركوع والسجود وأمثالهما لا شك أن الإتيان بها أفضل من تلاوة القرآن
حينئذ. وأما غيرها من الأذكار والدعوات سواء تكون معينة أو مطلقة فلا نقول أنها أفضل من
القرآن، لقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته
أفضل ما أعطي السائلين.
(الفصل الأوّل)
١
٢٤١٦ . (عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلجر: لو أن أحدكم) وفي نسخة صحيحة
أحدهم ولو ما شرطية وجوابها محذوف أي لنال خيراً كثيراً وأما للتمني وجزاؤها (قال إذا أراد
أن يأتي) أي يجامع (أهله) أي امرأته أو جاريته. أي جماعاً مباحاً، كما هو ظاهر. ويلوح إليه
أهله. وإذا شرطية وحينئذ لا تحتاج إلى جواب. أي تمنيت ثبوت هذا لأحدكم. وأغرب ابن
حجر حيث قال: وللتمني وجزاؤها تقديره لو ثبت قول حين أراد أحدهم اتيان أهله لكان
حسناً، لأنه وَ ل# كان يحب لامته ما يحب لنفسه وإذا خبر أن أو ظرف لخبرها (قال باسم الله)
أي مستعيناً به وبذكر اسمه (اللهم جنبنا) أي بعدنا. وأغرب ابن حجر بقوله أي بعد أنا وهي
(الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) أي حينئذ من الولد وهو مفعول ثان لجنب (فإنه) تعليل أي
حديث رقم ٢٤١٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٥/٦. حديث رقم ٣٢٧١. ومسلم في صحيحه ٢/
١٠٥٨. حديث رقم (١٢٣٤.١١٦). وأخرجه أبو داود في السنن ٢٤٩/٢ حديث رقم ٢١٦١
والترمذي ٢٧٧/٢ حديث رقم ١٠٩٨. وابن ماجه ٦١٨/١ حديث رقم ١٩١٩ والدارمي ١٩٥/٢
حدیث رقم ٢٢١٢.
٣٢٧
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
إِنْ يُقدَّز بينَهما ولَّدٌ في ذلك لمْ يَضُرَّهُ شيطانٌ أبداً)). متفق عليه.
٢٤١٧. (٢) وعنه، أنَّ رسولَ الله وَّوَ كانَ يقولُ عندَ الكرَبِ: ((لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظيمُ
الحَليمُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ ربُّ العرشِ العَظيمِ، لا إِلهَ
الشأن (إن يقدر بينهما ولد في ذلك) أي لوقت أو الإتيان أي بسببه (لم يضره) بفتح الراء
وضمها أي لم يضر دين ذلك الولد (شيطان) أي من الشياطين أو من شياطين الإنس والجن
(أبداً) وفيه إيماء إلى حسن خاتمة الولد، ببركة ذكر الله في ابتداء وجود نطفته في الرحم،
فالضر مختص بالكفر. فلا يرد ما قيل من أن كثيراً يقع ذكر ذلك ويكون الولد غير محفوظ من
الشيطان، مع أنه يمكن حمله على عمومه، ويكون المراد من. قال ذلك مخلصاً، أو متصفاً
بشروط الدعاء. أو لم يضر ذلك الولد شيطان بالجنون والصرع ونحوهما. وقيل: نكره بعد
تعريفه، أوّلاً لأنه أراد في الأوّل الجنس، وفي الآخر إفراده على سبيل الاستغراق والعموم.
ويجوز أن يراد بالأوّل إبليس، وبالثاني أعم أو بالثاني سائر أعوانه (متفق عليه) ورواه الأربعة
كلهم من حديث ابن عباس عن النبي وَ طهر. قال: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال باسم الله الخ
فقضى بينهما ولد لم يضره. وفي رواية البخاري لم يضره شيء أبداً. قال الجزري: في
تصحيح المصابيح أي لم يسلط عليه في دينه، ولم يظهر مضرته في حقه بنسبه غيره. وقيل: لم
يصرعه. وقيل: لم يطعن فيه عند الولادة بخلاف غيره. أقول لعل مراده لم يطعن طعناً شديد،
لأن المستثنى المطلق على ما ورد في الحديث إنما هو عيسى وأمه. وأيضاً هو خلاف المشاهد
من أثر الطعن وهو صياح المولود عند الولادة. وقال بعضهم: لم يحمل أحد هذا الحديث على
العموم في جميع الضرر والإغواء والوسوسة اهـ. وكيف يحمل على الوسوسة وغيرها مما لا
يمتنع منه إلا معصوم، لكن الصادق قد أخبر بهذا فلا بد أن يكون له تأثير ظاهر، وإلا فما
الفائدة فيه. ومن وفقه الله بالعمل بهذا. فرأى من البركة في ولده تحقق أنه وَّلقر ما ينطق، عن
الهوى. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفاً ((أنه إذا أنزلَ قال اللهم لا تجعل
للشيطان فيما رزقني نصيباً)). ولعله يقولها في قلبه، أو عند انفصاله، لكراهة ذكر الله باللسان
في حال الجماع بالإجماع.
٢٤١٧ . (وعنه) أي عن ابن عباس (أن رسول الله ◌َ ﴿ كان يقول عند الكرب) بفتح
الكاف، وسكون الراء بعدها موحدة. أي الغم الذي يأخذ النفس كذا في الصحاح. وقيل:
الكرب أشد الغم قاله الواحدي. وقال ابن حجر: هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه
ويحزنه (لا إله إلا الله العظيم) أي ذاتاً وصفة فلا يتعاظم عليه مسألة (الحليم) الذي لا يعجل
بالعقوبة، فلم يعاجل بنقمته على من قصر في خدمته، بل يكشف المضرة عنه برحمته (إلا إله
حديث رقم ٢٤١٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١٤٥/١١. حديث رقم ٦٣٤٥. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٠٩٢ حديث رقم (٢٧٣٠.٨٣). والترمذي في السنن ١٥٩/٥ حديث رقم ٣٤٩٦ وابن ماجه ٢/
١٢٧٨ حديث رقم ٣٨٨٣.
٣٢٨
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
إلاَّ اللَّهُ ربُّ السَّماواتِ وربُّ الأرضِ ربُّ العرشِ الكريم)). متفق عليه.
٢٤١٨. (٣) وعن سُليمانَ بن صُرَدٍ، قال: استَبَّ رجلان عندَ النبيِّي وَّهِ ونحنُ عندَهُ
جلوسٌ
١٠٠٠٠٠
إلا الله رب العرش العظيم) بالجر ويرفع. أي فلا يطلب إلا منه، ولا يسأل إلا عنه. لأنه لا
يكشف الكرب العظيم إلا الرب العظيم (لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب
العرش الكريم) بالوجهين وهذا اطناب مرغوب، وإلحاح مطلوب. نقل ابن التين عن
الدراوردي أنه رواه برفع العظيم، وكذا برفع الكريم على أنهما نعتان للرب. والذي ثبت في
رواية الجمهور في قوله تعالى: ﴿رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون- ١١٦] بالجر. وقرأ ابن
محيصن بالرفع فيهما، وجاء ذلك أيضاً عن ابن كثير شاذاً، وأبي جعفر المدني وأعرب
بوجهين، أحدهما: ما تقدم. والثاني: أن يكون مع الرفع نعتاً للعرش، على أنه خبر مبتدأ
محذوف قطع عما قبله للمدح، ورجح لحصول توافق الروايتين. ورجح أبو بكر الأصم
الأول. لأن وصف الرب بالعظيم أولى من وصف العرش. وفيه نظر لأن وصف ما يضاف
إلى العظيم بالعظيم، أقوى في تعظيم العظيم. وقد نعت الهدهد عرش بلقيس بأنه عرش
عظيم، ولم ينكر عليه سليمان والله تعالى أعلم. ثم في هذا الذكر إشارة بأنه لا يقدر أحد
على إزالة الغم إلا الله، قال الطيبي: هذا ذكر يترتب عليه رفع الكرب. وقال النووي: فإن
قيل هذا ذكر وليس فيه دعاء فجوابه من وجهين. أحدهما: إن هذا الذكر يستفتح به الدعاء
ثم يقول ما شاء من الدعاء. والثاني: هو كما ورد من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل
ما أعطى السائلين ا هـ. ويؤيد الأول ما رواه أبو عوانة ثم يدعو بعد ذلك. أو يقال أن الثناء
يتضمن الدعاء تعريضاً بألطف إيماء. كمدح السائل والشاعر ومنه قول أمية بن أبي الصلت
مادحاً لبعض الملوك ممن يريد جائزته :
إذا أثنى عليك المرء يوماً
كفاه عن تعرضه الثناء
ومن هذا القبيل، أفضل الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله وحده الخ. أو يقال الثناء باللسان
والدعاء بالجنان أو بالاتكال على الملك المنان. كما ورد أنه قيل للتحليل لم لا تسأل ربك
الجليل فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي. (متفق عليه) ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
٢٤١٨. (وعن سليمان بن صرد) بضم وفتح (قال: استب رجلان) افتعال من السب أي
شتم أحدهما الآخر (عند النبي ◌َليز) أي بمحضر منه (ونحن عنده جلوس) أي لا قيام لمنعه وَليّ
إياهم. بقوله: ((لا تقوموا، كما يقول الأعاجم بعضهم لبعض))(١). وقوله: ((من أراد أن يتمثل
حديث رقم ٢٤١٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٨/١٠. حديث رقم ٦١١٥. وأخرجه مسلم في
صحيحه ٢٠١٥/٤ حديث رقم (١٩. ٢٦١٠). وأبو داود ٢٤٨/٤ حديث رقم ٤٧٨٠. والترمذي
في السنن ١٦٧/٥ حديث رقم ٣٥١٦. وأحمد في المسند ٢٤٠/٥.
(١) أخرجه أبو داود في السنن ٣٩٨/٥ رقم ٥٢٣٠.
٣٢٩
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
وأحدُهما يسبُّ صاحبَه مُغضَباً، قدِ احمرَّ وجهُه. فقال النبيُّ نََّ ((إني لأَعلمُ كلمةً لوْ قالَها
لذَهبَ عنه ما يجِدُ: أعوذُ باللهِ منَ الشّيَّطان الرَّجيم)). فقالوا للرَّجلِ: لا تسمعُ ما يقولُ النبيّ
مَّ؟ قال: إني لستُ بمجنونِ. متفق عليه.
له الرجال فليتبوأ مقعده من النار))(١) (وأحدهما بسب صاحبه) أي سباً شديداً (مغضباً) بفتح الضاد
حال من فاعل يسب (قد احمر وجهه) أي من شدة غضبه. لأنه يثير في القلب حرارة عظيمة قد
تقتل صاحبها بإطفائها، وقد لا تقتل لانتشارها في الأعضاء خصوصاً الوجه لأنه ألطفها وأقربها
إلى القلب (فقال النبي ◌َّلغة إني لأعلم كلمة) أي بالمعنى اللغوي الشامل للجملة المفيدة (لو قالها
الذهب) أي زال (عنه ما يجد) أي ما يجده من الغضب ببركتها (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿وإما ينزغك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ﴾
[الأعراف . ٢٠٠] قال الطيبي: أي ولا تنفع الاستعاذة من أمتك إلا المتقين. بدليل، قوله تعالى:
﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ أي ما أمرهم به تعالى، ونهاهم عنه
﴿فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف. ٢٠١] لطريق السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم (فقالوا للرجل)
أي بعد سكونه لكمال غضبه (لا تسمع) وفي نسخة ألا تسمع (ما يقول النبي (وَّه) أي فتمتثل
وتقول ذلك (قال إني لست بمجنون) قال النووي - رحمه الله .: هذا كلام من لم يهذب بأنوار
الشريعة، ولم يتفقه بالدين، وتوهم أن الاستعاذة مخصوصة بالجنون، ولم يعرف أن الغضب من
نزغات الشيطان. ولذا، يخرج به الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل، ويفعل المذموم.
ومن ثم قال رَّ: لمن قال له أوصني: ((لا تغصب فردد مراراً فقال لا تغضب))(٢) ولم يزد عليه
في الوصية علي لا تغضب. وفيه دليل على عظيم مفسدة الغضب، وما ينشأ منه. قال الطيبي:
ويحتمل أن يكون ذلك من المنافقين، أو من جفاة الأعراب، وفي رواية أخرى ((غير إني لست
بمجنون)) فانطلق إليه رجل، فقال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال: أترى بي بأس أمجنون
أنا اذهب. وفي رواية أبي داود أن ذلك الرجل هو معاذ فهذا أيضاً نشأ عن غضب وقلة احتمال
وسوء أدب اهـ. وكونه معاذا أن صح وأنه ابن جبل تعين تأويله بأن ذلك وقع منه قرب إسلامه ا
هـ. أي وصدر عنه من شدة الغضب من حيث لا يدري. كما تقدم من شديد الفرح، وكثير
الخوف. لأنه رضي الله عنه في آخر الأمر صار من أجلاء الصحابة وأكابرهم ببركة تربيته عليه
الصلاة والسلام، الذي هو الحبيب والطبيب للعشاق والمجانين. إلى أن قال عليه الصلاة
والسلام في حقه. ((أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل))(٣) وولاء اليمن مدة طويلة. وقال
له النبي وَّر: ((يا معاذ إني أحب لك ما أحب لنفسي فإذا فرغت من صلاتك فقل اللهم أعني على
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»(٤). ويؤيد ما تقرر فيه قوله: وطلب من النبي وَّر أن يوصيه فقال
له لا تغضب فأعاد ذلك فقال لا تغضب (متفق عليه) ورواه أبو داود والنسائي.
ا هون
جـ
١
ةمود
(١) أخرجه أبو داود في السنن ٣٩٧/٥ الحديث رقم ٥٢٢٩.
(٣) ذكر في كنز العمال نحوه ٧٤٤/١١ الحديث رقم ٣٣٣٠٤.
(٢) أخرجه الترمذي.
(٤) أخرجه أبو داود فى السنن ٢/ ١٨٠ الحديث رقم ١٥٢٢. وغيره.
i
٣٣٠
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
٢٤١٩. (٤) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إِذا سمِعتمْ صِياحَ الدِّيَكةِ
فسَلُوا اللَّهَ منْ فضلِه؛ فإِنَّها رأَتْ مَلَكاً. وإِذا سمِعتمْ نهيقَ الحِمارِ فتعوَّذُوا باللَّهِ منَ الشّيَّطانِ
الرَّجيمِ؛ فإِنَّه رأى شيطان)). متفق عليه.
٢٤٢٠ . (٥) وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللَّهُ وَلَّه كانَ إِذا اسْتَوى
على بعيرِهِ خارجاً إِلى السَّفرِ كِبَّرَ ثلاثاً،
٢٤١٩. (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويلير: إذا سمعتم صياح الديكة) بكسر الدال
وفتح الباء جمع ديك كقردة جمع قرد وفيلة جمع فيل وليس المراد حقيقة الجمع لأن سماع
واحد كاف (فاسألوا) بالهمز، ونقله أي فاطلبوا (الله من فضله فإنها رأت ملكاً) قال القاضي
عياض: سببه رجاء تامين الملائكة على الدعاء، واستغفارهم وشهادتهم بالتضرع والإخلاص.
وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين فإن عند ذكرهم تنزل الرحمة فضلاً عن وجودهم
وحضورهم (وإذا سمعتم نهيق الحمار) وفي رواية نهيق الحمير. أي صوته (فتعوّذ بالله من
الشيطان) وفي رواية زيادة الرجيم (فإنه رأى شيطاناً) ووقع في المصابيح: فإنها رأت شيطاناً.
على تأويل الدابة ورعاية المقابلة، قيل: هذا يدل على نزول الرحمة والبركة عند حضور أهل
الصلاح، فيستحب عند ذلك طلب الرحمة، والبركة من الله الكريم. وعلى نزول الغضب
والعذاب على أهل الكفر فيستحب الاستعاذة عند مرورهم خوفاً أن يصيبه من شرورهم. وقال
الطيبي رحمه الله: الديك أقرب الحيوانات صوتاً إلى الذاكرين الله لأنه يحفظ غالباً أوقات
الصلاة. وأنكر الأصوات صوت الحمار، فإنه أقرب صوتاً إلى من هو أبعد من رحمة الله تعالى
اهـ. ولذا شبه صوت الحمار بصياح الكفار، حال كونهم في النار، في قوله تعالى: ﴿لهم فيها
زفير وشهيق ﴾ [هود. ١٠٦] (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وروى
أبو داود والنسائي والحاكم عن عبد الله أنه كذلك إذا سمع نباح الكلاب. وقال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم.
٢٤٢٠ - (وعن ابن عمر أن رسول الله وَ لخر كان إذا استوى على بعيره) أي استقر على ظهر
مركوبه (خارجاً) أي من البلد مائلاً أو منتهياً (إلى السفر كبر ثلاثاً) ولعل الحكمة أن المقام مقام
علو وفيه نوع عظمة فاستحضر عظمة خالقه ويؤيده أن المسافر إذا صعد عالياً كبر وإذا نزل سبح
ويمكن أن يكون التكبير للتعجب من التسخير ويؤيده ما ورد من حديث علي - كرم الله وجهه .
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وابن حبان، والحاكم عنه أنه عليه الصلاة
حديث رقم ٢٤١٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٣٥٠. حديث رقم ٣٣٠٣. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٠٩٢ حديث رقم (٢٧٢٩.٨٢). وأخرجه أبو داود ٣٢٧/٤ حديث رقم ٥١٠٢. والترمذي في
السنن ١٧١/٥ حديث رقم ٣٥٢٤.
حديث رقم ٢٤٢٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٩٧٨/٢. حديث رقم (٤٢٥. ١٣٤٢). وأبو داود في
السنن ٣٤/٣ حديث رقم ٢٦٠٢.
٣٣١
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
ثمّ قال: ((﴿سُبْحانَ الذي سَخَّرَ لَا هذا وما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإِنَّا إِلى رَبِّنا لمُنْقَلِبونَ﴾، اللهُمَّ إِنَّا
نسألُكَ في سفرِنا هذا البِرَّ والتَّقوى، ومِنَ العَملِ ما ترْضى،
والسّلام ((كان إذا وضع رجله في الركاب قال بسم الله فإذا استوى على ظهرها قال الحمد لله))
(ثم قال) أي قرأ كما في رواية أي قال بنية القراءة امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وجعل لكم من الفلك
والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا ﴾
[الزخرف . ١٢ - ١٣] ((سبحان الذي سخر﴾) أي ذلل (﴿لنا هذا﴾) أي المركوب فانقاد لا
ضعفتا (﴿وما كنا له مقرنين﴾) أي مطيقين قبل ذلك أو المعنى ولولا تسخيره ما كنا جميعاً
مقتدرين على ركوبه. من أقرن له إذا أطاقه وقوي عليه. وهو اعترف بعجزه وإن تمكنه من
الركوب عليه إنما هو بأقدار الله تعالى وتسخيره (﴿وإنا إلى ربنا﴾) أي لا إلى غيره
(﴿لمنقلبون﴾)(١) أي راجعون واللام للتأكيد. وفيه إيماء إلى أن استيلاء على مركب الحياة،
كهو على ظهر الدابة ولا بد من زوالها عن قرب حتى يستعد للقائه تعالى، لا سيما والركوب قد
يؤدي إلى الموت بتنقير الدابة ونحوه. وهذا الدعاء يسن عند ركوب أي دابة كانت لسفر، أو
غيره فقوله تعالى من ﴿الفلك والأنعام ﴾ المراد به الإبل لغالب الواقع في بلاد العرب. وقول
الراوي خارجاً إلى السفر حكاية للحال، ودلالة على ضبط المقال، قال الطيبي: الانقلاب إليه
هو السفر الأعظم فينبغي أن يتزوّد له (اللهم) وفي رواية وقال اللهم (إنا نسألك في سفرنا هذا)
أي السفر الحسي (البر) أي الطاعة (والتقوى) أي عن المعصية أو المراد من البر الاحسان إلى
الناس، أو من الله إلينا، ومن التقوى ارتكاب الأوامر واجتناب الزواجر. وفيه إشارة إلى قوله
تعالى: ﴿وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [البقرة - ١٩٧] (ومن العمل) أي جنسه (ما ترضى)
أي به عنا. قال ابن حجر: وفي نسخة، قبله تحب، أقول والله تعالى أعلم بصحتها. قال
فيكون من عطف الرديف عندنا معشر أهل السنة، إذ المحبة والرضا مترادفان، وهما غير
المشيئة والإرادة المترادفين أيضاً. وفيه أنه لا خلاف في كونه عطف الرديف كما يدل عليه
كلامه، وإنما الخلاف في إنهما مرادفان للإرادة والمشيئة، أو مغايران لهما، أو بينهما عموم
وخصوص، وهو الصحيح. كما سيظهر لك، فالمعتزلة على تلازم الإرادة والمحبة والرضا
والأمر أيضاً، واستدلوا بقوله ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر - ٧] و﴿إن الله لا يأمر
بالفحشاء﴾ [الأعراف - ٢٨] ولنا قوله تعالى: ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ [الأنعام - ١٤٩]
وقول السلف قاطبة قبل ظهور أهل البدعة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وهذا مبحث
يطول فيه الكلام، وليس هذا محل تحقيق المرام، ومجمله مما يناسب المقام: إن كتب أهل
السنة مختلفة في هذه المسئلة. فقال إمام الحرمين: إن من حقق لم يقع عن القول بأن
المعاصي بمحبته. ونقله بعضهم بمعناه عن الأشعري لتقارب الإرادة والمحبة في المعنى
اللغوي، فإن من أراد شيئاً أو شاء فقد رضيه وأحبه. قال ابن الهمام: وهذا الذي قاله إمام
الحرمين خلاف كلمة أكثر أهل السنة اهـ. وقال شارح العقيدة المنظومة لليافعي: إن الإرادة
والمشيئة، والمحبة والرضا، معناها واحد عند جمهور أهل السنة. وقال بعضهم. ومنهم ابن
السبكي في جمع الجوامع .: إن الإرادة والمشيئة متفقان في المعنى، والمحبة والرضا وغيرهما.
57.
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَينا سفَرنا هذا، واطْوٍ لَنا بُعدَه، اللهُمَّ أنتَ الصَّاحبُ في السَّفَرِ، والخَليفةُ في
الأهلِ [ والمالِ ]، اللهُمَّ إِني أعوذُ بكَ مِنْ وَغْثاءِ السَّفَرِ، وكآبَةِ المَنظرِ،
واستدل بقوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر - ٧] وبقوله: ﴿ولو شاء ربك ما
فعلوه﴾ [الأنعام - ١١٢] وأجاب الجمهور: بأنه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر لأنه لم يرده
لهم، ويرضاه للكفار لأنه أراده لهم. أو أنه لا يرضاه شرعاً وديناً يثيب عليه، ويرضاه معصية
ومخالفة يعاقب عليها اهـ. وحاصله أن النفي والإثبات واردان على شيئين مختلفين بالحيثية،
مع إنهما واحد في الحقيقة. كما قيل في الإشكال المشهور من أن الرضا بالقضاء محبباً
واجب، والرضا بالكفر كفر مع أن الكفر بالقضاء مجيباً بأنه يرضى بالكفر من حيث إنه فعل
الله ولا يرضى به من حيث أنه كسب العبد. وقال استاذنا الشيخ عطية السلمي - رحمه الله في
تفسيره .: إن ما تعلق به الثواب، يقال فيه إن الله رضيه وأحبه. ويقال فيه أيضاً أراده وشاءه.
وما يتعلق به العقاب يقال فيه إن الله أراده وشاءه ولا يقال أحبه ورضيه بل يقال كرهه ونهى
عنه، ومعنى ذلك أنه لا يثيب عليه لا أنه يقع عليه قهراً كسائر مكروهات العباد، فإن العبد
يقع عليه المكروه عليه قهراً، ولو قدر على دفعه دفعه والله يتعالى عن هذا المعنى. وهذا
مذهب كثير من السلف. قال قتادة: والله ما رضي الله لعبد ضلالة ولا أمره بها، ولا دعاه
إليها. وقال ابن عباس، والسدي، وجماعة إن الله يرضى الكفر للكافرين، كما يرضى الإيمان
للمؤمنين اهـ. والحق أن الخلاف لفظي والله تعالى أعلم (اللهم هون علينا سفرنا) مفعول
لهوّن، أو ظرفه والمفعول مقدر، أي يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا في سفرنا (هذا)
أي بالخصوص، لأن الصوفي ابن الوقت. ويمكن أن تكون الإشارة في الظاهر إلى السفر
الظاهري، وفي الباطن إيماء إلى السير الباطني. كما ورد عنه وَّر ((كن في الدنيا كأنك غريب
أو عابر سبيل))(١). وأشار الشاطبي بقوله قريباً غريباً. وفي كلام الصوفية يعبرون عنها بكائن
بائن، وعرش فرش، ولاهوتي ناسوتي (واطو لنا بعده) أمر من الطي. أي قرب لنا بعد هذا
السفر واجعل هذا السفر مقضيّ الوطر وفيه رمز إلى طيّ المكان والزمان واللسان على
مصطلح أهل العرفان. قال ابن حجر: اطولنا بعده حقيقة. إذ ورد: ((إن الله ملائكة يطوون
الأرض للمسافر كما تطوى القراطيس))، أو المراد خفف علينا مشاقه (اللهم أنت الصاحب في
السفر) أي الحافظ، والمعين، والصاحب في الأصل الملازم، والمراد مصاحبة الله إياه
بالعناية والحفظ والرعاية فنبه بهذا القول على الاعتماد عليه، والاكتفاء به عن كل مصاحب
سواه. وقد ورد في الحديث القدسي: ((إنا يدك اللازم فلازم يدك)) (والخليفة في الأهل)
الخليفة من يقوم مقام أحد في إصلاح أمره. قال التوربشتي: المعنى أنت الذي أرجوه
واعتمد عليه في سفري، بأن يكون معيني وحافظي وفي غيبتي عن أهلي أن تلم شعثهم،
وتداوي سقمهم وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) بفتح
الواو وسكون العين أي مشتقه وشدته (وكآبة المنظر) بالمد أي سوء الحال وتغير النفس في
١٣٩٠
****
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الرقاق باب قول النبي ◌َّلتر ((كن في الدنيا)) الخ ... حديث رقم ٦٤١٦.
٣٣٢
/٢٠
حجم:
٣٣٣
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
وسُوءِ المُنقلَبِ في المالِ والأهلِ)). وإِذا رجعَ قالَهنَّ وزادَ فيهِنَّ: («آيِبُونَ، تائِبُونَ، عابِدُونَ،
لربّنا حامِدونَ». رواه مسلم.
النهاية الكآبة تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن. وقيل: المراد منه الاستعاذة من كل
منظر يعقب النظر إليه الكآبة عند النظر إليه. والمنظر بفتح الظاء في الأصول المصححة وهو
مصدر أي من تغير الوجه بنحو مرض والنفس بالانكسار مما يعرض لها مما يحبه، مما يورث
الهم والحزن. وأما قول ابن حجر: والمنظر بكسر الظاء ما نظرت إليه فأعجبك. ويصح إرادته
هنا. فغير صحيح لمخالفته الرواية والدراية. مع أن صاحب القاموس ذكر أن المنظر والمنظرة
ما نظرت إليه فأعجبك، أو ساءك. فلم يقيده بالكسر في اللفظ وعمم في المعنى والله تعالى
أعلم (وسوء المنقلب) بفتح اللام مصدر ميمي. أي من سوء الرجوع بأن يصيبنا حزن أو مرض
(في المال والأهل) مثل أن يعود غيره مقضى الحاجة، أو لنائبة أصابته في النفس كمرض، أو
المال كسرقة كله أو بعضه. والأهل أي الزوجة والخدم والأقارب كمرض أحدهم أو فقده،
وفي الفائق: كآبة المنقلب أن ينقلب إلى وطنه فيلقى ما يكتئب منه من أمر أصابه في سفره أو
فيما يقدم عليه (وإذا رجع) أي النبي وَلّ من سفره (قالهن) أي الكلمات والجمل المذكورات
وهي اللهم إنا نسألك الخ (وزاد فيهن) أي في جملتهن بأن قال بعدهن (آيبون) بهمزة ممدودة
بعدها همزة مكسورة. اسم فاعل من آب يؤب إذا رجع. أي راجعون من السفر بالسلامة إلى
أوطاننا، أو من الغيبة إلى الحضور، أو من الغفلة إلى الذكر (تائبون) أي من المعصية إلى
الطاعة، والظاهر أن التقدير نحن آيبون تائبون على وجه الأخبار تحدثاً بنعمة الله وقصد الثبات
على طاعة الله. وأما قول ابن حجر: إنه خبر بمعنى الدعاء فغير صحيح خصوصاً بالنسبة إليه
وَ* وأكثر أصحابه في تائبون وكذا في قوله: (عابدون) وقوله: وكذا عابدون. أي وفقنا في
رجوعنا هذا للعبادة تكلف بل تعسف. وكذا في قوله لربنا حامدون وسيأتي الكلام عليه (لربنا)
متعلق بما قبله وهو عابدون أو بما بعده وهو (حامدون) ويحتمل التنازع أي مخلصون العبادة
لربنا، شاكرون له على هذه النعم وغيرها. قال الطيبي: لربنا يجوز أن يتعلق بقوله عابدون لأن
عمل اسم الفاعل ضعيف فيقوى به، أو بحامدون ليفيد التخصيص أي نحمد ربنا لا نحمد
غيره. وهذا أولى لأنه كالخاتمة للدعاء اهـ. وأغرب ابن حجر وناقض كلامه الأوّل فيما سبق
أنه خبر بمعنى الدعاء بقوله هنا لا لغيره، حامدون مبتدأ مؤخر فهو خبر بمعنى إنشاء الثناء على
الله وحده اهـ. وفيه خطأ آخر لأن حامدون ليس مبتدأ خبره لربنا مقدم عليه كما توهم، لعدم
صحة الحمل. مع أن صريح كلامه من قوله لربنا لا لغيره يرد عليه. والصواب أن تائبون وما
بعدها أخباراً لمبتدأ مقدر، وهو نحن بحذف العاطف. نحو قوله تعالى: ﴿وهو الغفور الودود
ذو العرش المجيد فعال لما يريد﴾ [البروج. ١٤ - ١٥ -١٦] وهذه اللام نظيرها إلا إنها قدمت
في الحديث لإفادة الحصر، وأخرت في الآية لمراعاة الفواصل. والعلم عند الله تعالى وأعجب
من هذا قوله وما قررته في لربنا أولى وأظهر من تعليقه بعابدون. لأن خاتمة الدعاء بالحمد سنة
مؤكدة وتعليقه بعابدون بعيد عن السياق ا هـ. ووجه التعجب أن هذا الذي قرره هو بعينه قول
الطيبي، أنه ذهب إلى مذهب ما حصل فيه إلا التعب (رواه مسلم).
٠٫٠
- ر.س .5
؟رمز
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
٣٣٤
541
٢٤٢١ . (٦) وعن عبدِ الله بنِ سرجِسٍ، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ وَ لَوَ إِذا سافرَ يتعوَّذُ منْ
وَعْثاءِ السَّفرِ، وكآبَةِ المنقَلَبِ، والحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ،
"/
٢٤٢١ - (وعن عبد الله بن سرجس) بفتح السين وكسر الجيم على وزن نرجس. وقيل:
بفتح الجيم مصروفاً (قال: كان رسول الله وَّ﴿ إذا سافر يتعوّذ) أي بالله (ومن وعثاء السفر) أي
مشقته الشاغلة عن الذكر والفكر، وشدته المانعة من حضور القلب مع الرب. قيل: السفر
قطعة من سفر. وفيه تعمية لطيفة من جهة الكتابة والحساب، فتأمل تدركهما على وجه الصواب
وفي الحديث: ((السفر قطعة من العذاب))(١) أي نوع من عذاب النار. وهو المذكور قوله
تعالى: ﴿سأرهقه صعوداً﴾ [المدثر . ١٧] أي سأكلفه عقبة شاقة المصعد قال البيضاوي: هو
مثل لما يلقى من الشدائد. والصحيح أنه على حقيقته لما في الحديث: أنه جبل من نار يصعد
فيه سبعين خريفاً يهوى فيه كذلك أبداً (٢). رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، وابن حبان. عن
أبي سعيد بسند صحيح (وكآبة المنقلب) في الفائق: هو أن ينقلب إلى وطنه فيلقى ما يكتئب
منه، من أمر أصابه في سفر، أو فيما يقدم عليه اهـ. وفيه إيماء إلى رجوعه من سفر الدنيا إلى
وطن الأخرى. وهو بالاستعاذة أولى وأحرى ومنه قوله تعالى: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي
منقلب ينقلبون ﴾ [الشعراء - ٢٢٧] (والحور بعد الكور) بفتح فسكون فيهما والحاء مهملة أي
النقصان بعد الزيادة، والتفرق بعد الاجتماع. وقيل: من فساد الأمور بعد إصلاحها. وقيل:
الرجوع عن الجماعة بعد أن كان فيهم. قال الطيبي: وفيه نظر، لأن استعمال لكور في جماعة
الإبل خاصة، وربما استعمل في البقر. والجواب أن باب الاستعارة غير مسدود، فإن العطن
مختص بالإبل، فيكنون عن ضيق الخلق بضيق العطن، على إنهم يستعملون ألفاظاً مقيدة فيما
لا قيد له، كالمرسن لأنف الانسان، والمشفر للشفة اهـ. ويسمونه التجريد وأصل الحور نقض
العمامة بعد لفها، وأصل الكور من كور العمامة على رأسه يكورها كوراً أي لفها، وكل دور
كور، ومنه قوله تعالى: ﴿يكوّر الليل على النهار﴾ [الزمر - ٥] وقوله ﴿إذا الشمس كورت﴾
[التكوير ١٠] إذا لفت وألقيت فى النار زيادة فى نكال عابديها. قال المظهر: الحور النقصان،
والكور الزيادة. أي نعوذ بك من نقصان الحال والمال بعد زيادتهما وتمامهما، أي من أن
ينقلب حالنا من السراء إلى الضراء ومن الصحة إلى المرض اهـ. ويمكن أن يقال أي من التنزل
بعد الترقي، أو من الرجوع إلى المعصية بعد التوبة، أو إلى الغفلة بعد الذكر أو إلى الغيبة بعد
الحضور ولذا قال العارف ابن الفارض :
حديث رقم ٢٤٢١: أخرجه مسلم في صحيحه ٩٧٩/٢ حديث رقم (٤٢٦. ١٣٤٣). والترمذي في السنن
١٦١/٥ حديث رقم ٣٥٠٢. وابن ماجه ١٢٧٩/٢ حديث رقم ٣٨٨٨. والدارمي في السنن ٢/
٣٧٣ حديث رقم ٢٦٧٢. وأحمد في المسند ٨٢/٥.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الحج باب السفر قطعة من عذاب.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٧٥/٣. والترمذي في السنن حديث رقم ٣٣٢٦. والحاكم في المستدرك ٢/
٥٠٧.
:kex
جبتود
٣٣٥
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
ودعْوَةِ المَظلومِ، وسُوءِ المَنظرِ في الأهلِ والمالِ. رواه مسلم.
٢٤٢٢. (٧) وعن خَوْلةَ بنتِ حَكيم، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ: ((مَنْ نزلَ
منزِلاً فقال: أعوذُ بكلِماتِ اللَّهِ التَّمَّاتِ
ولو خطرت لي في سواك إرادة
على خاطري سهواً حكمت بردتي
وروي: والحور بعد الكون بالنون في الثاني، أي الرجوع في الحالة المستحسنة بعد أن
كان عليها. والكون الحصول على هيئة جميلة يريد التراجع بعد الإقبال. قال ميرك: واعلم أنه
وقع في معظم نسخ مسلم بالنون وكذا ضبطه الحافظ - لعله المنذري - وروي بالراء ومعناه
النقصان بعد الزيادة. وقيل: من الشذوذ بعد الجماعة، أو من الفساد بعد الصلاح، أو من القلة
بعد الكثرة، أو من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية. وكأنه من كار عمامته إذا
لفها على رأسه فاجتمعت وإذا نقضها فانفرقت. وبالنون قال أبو عبيد من قولهم حار بعدما كان
أي أنه كان على حالة جميلة فرجع عنها. ووهم بعضهم رواية النون والله تعالى أعلم (ودعوة
المظلوم) أي فإنه ليس بينها وبين الله حجاب قال الطيبي: فإن قلت دعوة المظلوم يحترز عنها
سواء كانت في الحضر أو السفر. قلت كذلك الحور بعد الكور، لكن السفر مظنة البلايا
والمصائب والمشقة فيه أكثر فحصت به اهـ. ويريد به أنه حينئذ مظنة للنقصان في الدين
والدنيا، وباعث على التعدي في حق الرفقة وغيرهم لا سيما في مضيق الماء كما هو مشاهد في
سفر الحج، فضلاً عن غيره. ولذا كان يسميه بعض المشايخ السنة التي عصيت الله فيها، وقد
رجع بعضهم عن طريق مكة. لهذا. وبهذا يندفع كلام ابن حجر معترضاً على الطيبي، بقوله:
وهو عجيب لأن جوابه لا يلاقي السؤال أصلاً فتأمل. أو يقال أن المظلوم إذا كان مسافراً يكون
دعاؤه أقرب إلى الإجابة لاجتماع الكربة والغربة (وسوء المنظر) بفتح الظاء (في الأهل والمال)
أي من أن يطمع ظالم، أو فاجر في المال والأهل (رواه مسلم) وكذا الترمذي والنسائي وابن
ماجه .
٢٤٢٢ - (وعن خولة بنت حكيم) أي امرأة عثمان بن مظعون. وكانت صالحة فاضلة
ذكرها المؤلف في الصحابيات. وليس لها في الكتب سوى هذا الحديث (قالت سمعت رسول
الله ﴿﴿ يقول من نزل منزلاً) قال ابن حجر: في سفره. أقول وكذا في حضره إذ لا وجه للتقييد
مع التنكير (فقال أعوذ بكلمات الله التامات) أي الكاملات التي لا يدخلها نقص ولا عيب.
وقيل: النافعة الشافية. وقيل: القرآن ذكره النووي، والأظهر أن المراد أسماؤه وصفاته أو كتبه،
فإنها قديمة لا نقص فيها وقيل: أي بكلامه النفسي، أو علمه أو أقضيته. وأما قول ابن حجر:
أي بشؤونه المشار إليها بكل يوم أي وقت هو في شأن فغير صحيح لفظاً لعدم إطلاق الكلمة
حديث رقم ٢٤٢٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٨٠ حديث رقم (٢٧٠٨.٥٤). وأبو داود في السنن
١٣/٤ حديث رقم ٣٤٩٩. والترمذي في السنن ١٥٩/٥ حديث رقم ٣٤٩٩. وابن ماجه ١١٧٤/٢
حديث رقم ٣٥٤٧. والدارمي ٢/ ٣٧٥ حديث رقم ٢٦٨٠ وأحمد في المسند ٢٩٠/٢.
P44 C
٣٣٦
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
منْ شرِّ ما خلَقَ، لم يضرَّه شيءٌ حتى يرتحلَ منْ منزلِه ذلكَ)). رواه مسلم.
٢٤٢٣. (٨) وعن أبي هريرةَ، قال: جاءَ رجلٌ إِلى رسولِ اللهِوَّر، فقال: يا رسولَ
اللَّهِ! ما لَقيتُ منْ عقْرَبٍ لدَغَتْني البارحةَ. قال: ((أَمَا لو قلتَ حينَ أمسَيتَ: أعوذُ بكلِماتٍ
اللَّهِ الثَّامَّاتِ منْ شرِّ ما خَلَقَ، لمْ تضرَّكَ)). رواه مسلم.
على الشأن، ومعنى لأن من جملة شؤونه المخلوقات، وقد صرح بنفسه أنه إنما يتعوّذ بالقديم
لا بالمحدث. وقد قالوا شؤون يبديها ولا يبتد بها، فإنها مقدرة قبل وجودها. وأيضاً لا يلائمه
قوله (من شر ما خلق) فيه إيماء إلى أن المخلوق من حيث هو مخلوق لا يخلو من شر،
ويمكن أن يجيء منه الشر، وغفل ابن حجر عن هذا المبنى فقال المعنى مما فيه شر (لم يضره)
بفتح الراء وضمها (شيء) أي من المخلوقات حيث تعوّد بالخالق، والحمل على التعميم
المستفاد من تنكير شيء المفيد للمبالغة، أولى من تقييد ابن حجر بقوله مما فيه ضرر (حتى
يرتحل) أي ينتقل (من منزله ذلك) وفيه رد على ما يفعله أهل الجاهلية، من كونهم إذا نزلوا
منزلاً قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي، ويعنون كبير الجن، ومنه قوله تعالى في سورة الجن. ﴿وأنه
كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً﴾ [الجن . ٦] وفيه إيماء إلى
حقيقة التفريد وحقية التوحيد، فإن غيره تعالى لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا ولا يملك موتاً ولا
حياتاً ولا نشوراً، بل في نظر العارف ليس في الدار غيره ديار وإنما السوي في عين أهل
الهوى، كالهباء في الهواء. ولذا قال عارف آخر سوى الله والله ما في الوجود (رواه مسلم) وكذا
الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن أبي شيبة.
٢٤٢٣ - (وعن أبي هريرة قال جاء رجل إلى رسول الله وَلخر فقال يا رسول الله ما لقيت) ما
استفهامية أي أي شيء لقيت أي لقيت وجعاً شديداً أو للتعجب أي أمراً عظيماً أو موصولة
والخبر محذوف، أي الذي لقيته لم أصفه لشدته، والمعنى لقيت شدة عظيمة (من عقرب
لدغتني البارحة) أي الليلة الماضية. قال ابن حجر - رحمه الله تعالى .: لذعتني بالذال المعجمة
والغين المعجمة ولذعتني النار بالمعجمة ثم المهملة اهـ. وهو مخالف للنسخ المصححة
والأصول المعتمد، فإنه مضبوط بالدال المهملة والغين المعجمة وهو الموافق لما في كتب
اللغة كالقاموس والنهاية. ويمكن أن يكون سهو قلم من صاحب الكتاب والله أعلم بالصواب
(قال:) أي النبي وَلقر (أما) للتنبيه (لو قلت) شرطية (حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من
شر ما خلق لم تضرك) أي العقرب (رواه مسلم) وكذا الأربعة. وفي رواية للترمذي: ((من قال
حين يمسي ثلاث مرات لم يضره حمة تلك الليلة)). ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ: ((من
قال حين يصبح ويمسي)). وفي رواية ((حين يمسي)) فقط، كالجماعة. وفي رواية الدرامي وابن
السني ((ثلاث مرات)). والله أعلم.
حديث رقم ٢٤٢٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٨١/٤ حديث رقم (٩٠. ٢٧٠).
٤٠٠٠
٠٠
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
٣٣٧
٢٤٢٤. (٩) وعنه، أنَّ النبيَّ ◌ََّ كانَ إِذا كانَ في سفَرٍ وأسْحرَ يقولُ: ((سمِعَ سامِعٌ
بحمْدِ اللَّهِ وحُسْنٍ بلائِهِ عَلَينا،
ـجدة
٢٤٢٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (أن النبي (وَليغير كان) أي عادته ودأبه أو من آدابه (إذا
كان في سفر وأسحر) أي دخل في وقت السحر وهو قبيل الصبح. قال الزمخشري: هو
السدس الأخير من الليل (يقول سمع) بالتخفيف (سامع) أي ليسمع سامع وليشهد من سمع
أصواتنا (بحمد الله) أي بحمدنا لله تعالى (وحسن بلائه) أي وباعترافنا بحسن أنعامه (علينا) وبأنه
هو المنعم المتفضل علينا، فهو خبر بمعنى الأمر قاله الخطابي. وقال التوربشتي: الحمل على
الخبر أولى لظاهر اللفظ، والمعنى سمع من كان له سمع بأنا نحمد الله ونحسن نعمه وأفضاله
علينا، والمعنى أن حمدنا لله تعالى على نعمه وأنعامه علينا، أشهر وأشيع من أن يخفى على
ذوي سمع وسامع نكرة قصد به العموم. كما في ثمرة خير من جرادة. والبلاء هنا النعمة والله
سبحانه وتعالى يبلو عباده مرة بالمحن ليصبروا وطور بالنعم ليشكروا، فالمحنة والمنحة جميعاً
بلاء لمواقع الاختبار. قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ [الأنبياء- ٣٥]
وفي شرح الطيبي قيل: سمع بفتح الميم وتشديدها في أكثر روايات مسلم أي بلغ سامع قولي
هذا إلى غيره. وقال مثله تنبيهاً على الذكر والدعاء في هذا الوقت. وضبطه الخطابي وغيره
بالكسر والتخفيف. قال ابن حجر: الباء في بحمد الله زائدة على التشديد وبمعنى على على
التخفيف اهـ. وكلاهما غير صحيح لأنه يقال بلغ الناس بكذا وسمع بهذا الخبر، وأما إذا كان
شهد فيتعين وجود الباء لأنه يقال شهد بكذا سواء المشهود له أو المشهود عليه. وأما قول
الطيبي، البلاء النعمة أو الاختبار بالخير ليتبين الشكر أو بالشكر ليظهر الصبر فكلام حسن.
والثاني أظهر هنا في الاختيار لأن الحمد يؤذن بالنعمة فوجب حمل البلاء على الاختبار ليجمع
العبد مراتب الكمال. كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾
[إبراهيم - ٥] أي لكل مؤمن فإن الإيمان نصفان، نصفه صبر ونصفه شكر. ونكتة اختيار على
تغليب للإيماء إلى أنا مقهورون تحت حكمه وأمره وقضائه وقدره فإنه تعالى يبسط الرزق ولمن
يشاء ويقدر، والتكليف واقع علينا لقوله ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض ﴾
[الأحزاب - ٧٢] فاندفع بهذا اعتراض ابن حجر على الطيبي. إنه لو أريد المعنى الثاني، لقيل
لنا مع أن مناوبة حروف الجر بعضها لبعض شائع سائغ، وأمثال هذه المناقشات من النفسيات
لا من المنافسات. ثم من الغريب أنه غفل عن هذا المبحث، وجوز أن الواو في وحسن بلائه
بمعنى المعية، مع أنه لا يقال بحمد الله علينا لعدم مناسبته بسمع، بل الملائم له أن يكون
مصدر الحمد مضافاً إلى مفعوله، أي سمع بحمدنا إياه وحسن أنعامه الموجب للحمد والشكر
علينا، فيتعين أن الواو عاطفة فبطل مقوله وبما تقرر يعلم أن الواو في وحسن بلائه يصح كونها
للعطف، وبمعنى مع على رواية التشديد والتخفيف، وقول الشارح هي على التشديد للعطف،
وعلى التخفيف بمعنى مع، لأن حسن البلاء غير مسمع بل مبلغ اهـ. يرده ما قررناه في
١
حديث رقم ٢٤٢٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٨٦/٤. حديث رقم (٢١٠١٨.٦٨).
* فيون
لامه ،
تسمى
"
: **
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
٣٣٨
ربَّنا صاحبنا، وأَفضِلْ عَلَينا عائذاً باللّهِ منَ النَّارِ)). رواه مسلم.
٢٤٢٥. (١٠) وعن ابنِ عمرَ، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَ ◌ّ إِذا قَفَلَ منْ غزْوٍ أو حجّ أوْ
عُمرةٍ، يكبّرُ على كلِّ شَرَفٍ منَ الأرضِ ثلاثَ تكبيراتٍ،
المخففة، إنه بمعنى شهدتم كلامه. وفيه أن كلامه إذا كان السمع على معناه الحقيقي، المتبادر
إلى الفهم لا مطلقاً ليرد عليه ما يرد (ربنا) منادى بحذف حرف النداء (صاحبنا) بصيغة الأمر أي
أعنا وحافظنا (وأفضل) أي تفضل (علينا) بإدامة النعمة مزيدها، والتوفيق للقيام بحقوقها (عائذاً
بالله من النار) قيل تعوذ عياذاً، كقولهم قم قائماً، أي قياماً أقيم اسم الفاعل مقام المصدر أو
حال من فاعل يقول، أو أسحر فيكون من كلام الراوي. وروي عائذ بالرفع أي أنا عائذ. وقال
الطيبي: نصب على المصدر أي أعوذ عوذاً بالله، أو نصب على الحال فعلى الأوّل يكون من
كلام النبي ◌َّيرا هـ. ويريد أن عائذاً إذا كان مصدراً فهو من كلام رسول الله وَلتر، وإذا كان
حالاً فهو من كلام الراوي عنه عليه الصلاة والسّلام. وجوّز النووي أن يكون حالاً وأن يكون
من كلامه 9 حيث قال إني أقول هذا في حال استعاذني من النار. قال الطيبي: وهو الأرجح
لئلا ينخرم النظم وإنه وقلقه لما حمد الله على تلك النعمة الخطيرة، وأمر باستماعها كل من يتأتى
مننه السماع لفخامته، وطلب الثبات عليه قاله هضماً لنفسه وتواضعاً لله، وليضم الخوف مع
الرجاء تعليماً لأمته اهـ. وأغرب ابن حجر حيث نسب النووي إلى نفسه وفضيلة من غير معرفة
بأصل الكلام وفصله، فقال: نصب على المصدر أو نصب على الحال من ضمير يقول، أي
أقول ذلك في حال كوني مستعيداً فعلى الأوّل يكون من كلام النبي وَلّر ووجه غرابته أنه إذا كان
حالاً من ضمير يقول فهو من كلام الراوي. وإذا قيل أي أقول ذلك الخ فهو من كلامه وَلته،
فالصواب أن النووي يقول من فاعل فعل مقدر هو أقول بصيغة المتكلم، وأغرب من هذا أنه
اعترض على الطيبي بقوله وأما زعم شارح أن عائذاً أن كان مصدراً أي أعوذ عياذاً أقيم اسم
الفاعل مقام المصدر، وإن كان حالاً كان من كلام الراوي فيرد بأن هذا غفلة عما تقرر في
الحال الرافع لتأويله بالمصدر ولزعمه أنه حينئذ من كلام الراوي ا هـ. فتأمل فيه يظهر لك
عجائب وغرائب (رواه مسلم) وكذا أبو داود والنسائي ورواه أبو عوانة والحاكم(١) وزاد يقول
ذلك ثلاث مرات ویرفع بها صوتها.
٢٤٢٥. (وعن ابن عمر قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا قفل) بفتح الفاء أي رجع (من غزو
أو حج أو عمرة) كأنه قصد استيعاب أنواع سفره وق لقه ببيان أنه لا يخرج عن هذه الثلاثة (يكبر)
أي بقول الله أكبر (على كل شرف) أي موضع عال (من الأرض ثلاث تكبيرات) قال الطيبي:
(١) الحاكم في المستدرك ٤٤٦/١.
حديث رقم ٢٤٢٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٦١٨/٣ حديث رقم ١٧٩٧. ومسلم في صحيحه ٢/
٩٨٠ حديث رقم (٤٢٨. ١٣٤٤). وأبو داود في السنن ٨٨/٣ حديث رقم ٢٧٧٠ والترمذي ٢/
٢١٣ حديث رقم ٩٥٧. وأحمد فى المسند ٥/٢.
: وبيا :
٣٧٢
٣٣٩
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
ثمَّ يقولُ: ((لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهِ، وخدَه لا شرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ
قديرٌ، آيِبونَ، تائبونَ، عابدونَ، ساجدونَ، لرِّبنا حامدونَ، صدَقَ اللَّهُ وغْدَه، ونصَرَ عبْدَه،
وهزَمَ الأحزابَ وحده)). متفق عليه.
٢٤٢٦ . (١١) وعن عبدِ الله بنِ أبي أوْفى، قال: دَعا رسولُ اللهِ وَ لَ﴿ يومَ الأحزابِ
على المشركينَ، فقال: «اللهُمَّ مُنزِلَ الكتاب،
ووجه التكبير على الأماكن العالية، هو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلب في التارات
وكان ◌َي يراعى ذلك في الزمان والمكان، لأن ذكر الله ينبغي أن لا ينسى في كل الأحوال.
اهـ. يعني أن كل زمان يذكر ما يقتضيه وكل مكان يذكر ما يوجبه وهذا لا ينافي أنه كان يسبح
في الهبوط المناسب للتنزيه ويكبر في العلو الملائم للكبرياء والعظمة، فبطل قول ابن حجر أنه
لم يستحضر أنه سي﴿ إذا نزل وادياً سبح لأن كلام الطيبي إنما هو في الحالة الراهنة والذكر أعم،
وسبب اختلاف أنواعه اختلاف الحالات وتجدد المقامات (ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا
شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) مر مرات (آيبون) أي نحن آيبون أي
راجعون إلى بلادنا (تائبون) أي إلى ربنا (عابدون) أي لمعبودنا (ساجدون) أي لمقصودنا. وفي
رواية الترمذي سائحون بدل ساجدون، جمع سائح من ساح الماء يسيح إذا جرى على وجه
الأرض أي سائرون لمطلوبنا ودائرون لمحبوبنا (لربنا حامدون) أي لا لغيره لأنه هو المنعم علينا
(صدق الله وعده) أي في وعده بإظهار الدين (ونصر عبده) أراد به نفسه النفيسة (وهزم الأحزاب)
أي القبائل المجتمعة من الكفار المختلفة لحرب النبي ◌ّر والحزب جماعة فيهم لغط (وحده)
لقوله تعالى: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ [آل عمران. ١٢٦] وكانوا اثنى عشر ألفاً توجهوا
من مكة إلى المدينة، واجتمعوا حولها سوى من انضم إليهم من اليهود ومضى عليهم قريب من
شهر لم يقع بينهم حرب إلا الترامي بالنبل أو الحجارة، زعماً منهم أن المؤمنين لم يطيقوا
مقابلتهم فلا بد أنهم يهربوا، فأرسل الله عليهم ريحاً ليلة سقت التراب على وجوههم وأطفأت
نيرانهم وقلعت أوتادهم، وأرسل الله ألفاً من الملائكة فكبرت في معسكرهم فهاصت الخيل،
وقذف في قلوبهم الرعب فانهزموا ونزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله
عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ [الأحزاب. ٩] ومنه يوم
الأحزاب، وهو غزوة الخندق. وقيل المراد أحزاب الكفار في جميع المواطن (متفق عليه)
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.
٢٤٢٦. (وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله وَّر يوم الأحزاب على المشركين
فقال:) تفسير لقوله دعا أو دعا بمعنى أراد الدعاء (اللهم منزل الكتاب) من الإنزال. وقيل: من
حديث رقم ٢٤٢٦: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠٦/٦. حديث رقم ٢٩٣٣. ومسلم في صحيحه ٣/
١٣٦٣ حديث رقم (١٧٤٢.٢١). وأبو داود في السنن ٤٢/٣ حديث رقم ٢٦٣١. وابن ماجه في
السنن ٩٣٥/٢ حديث رقم ٢٧٩٦.
١٠٠
٣٤٠
كتاب الدعوات/ باب الدعوات في الأوقات
سريعَ الحسابِ، اللهُمَّ اهزِمِ الأحزابَ، اللهُمَّ اهزِمْهِمْ وزَلْزِلْهم)). متفق عليه.
٢٤٢٧. (١٢) وعن عبدِ الله بنِ بُسْرٍ، قال: نزلَ رسولُ اللهِوَ﴿ على أبي، فقرَّبْنا إليهِ
طعاماً ووَطْبَةً، فأكلَ منها، ثمَّ أُتي بَتمرٍ، فكانَ يأكلُه ويُلقي النَّوى بينَ أَصبَعيهِ، ويجمعُ
السبابةَ والوسطى. وفي روايةٍ: فجعَلَ يُلقي النَّوى على ظهرِ أصبعيهِ السبابةِ والوسطى،
التنزيل. والمراد بالكتاب جنسه أو القرآن (سريع الحساب) أي مسرع حساب الخلق يوم القيامة
في نصف النهار كما ورد (اللهم اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم) تأكيد وتعميم (وزلزلهم) أي
فرقهم واجعل أمرهم مضطرباً متقلقلاً غير ثابت (متفق عليه).
٢٤٢٧. (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة واسكان السين (قال نزل رسول الله وَ ل﴿) أي
ضيفاً (على أبي) أي والدي (فقربنا إليه طعاماً ووطبة) بواوين وطاء ساكنة فموحدة في جميع نسخ
المشكاة المصححة. وفي المصابيح بلا عاطفة. قال شارح: الوطبة بالباء المنقوطة من تحت
بنقطة وهي سقاء اللبن من الجلد. والمحققون على أنها تصحيف وإنما هي وطيئة على وزن
وثيقة، وهي طعام كالحيس، سمي به لأنه يوطأ باليد أي يمرس، ويدلك على صحة ذلك. قول
الراوي فأكل منها والوطبة لا يؤكل منها بل يشرب. وكذا قوله أتى بشراب فهي صفة طعام.
وروي بواوين فعلى هذا يحمل الطعام على الخبز. وفي شرح الطيبي، قال النووي: الوطبة بالواو
وإسكان الطاء وبعدها باء موحدة وهو الحيس بجمع التمر البرني والاقط المدقوق والسمن. وقال
الحميدي: هو براء مضمومة وطاء مفتوحة في أكثر نسخ مسلم وهو تصحيف من الراوي وإنما هو
بالواو. وقول ابن حجر رواه أكثرون بواو فطاء ساكنة فموحدة، وآخرون براء مضمومة وطاء
مفتوحة، ورد بأنه تصحيف والذي في أكثر نسخ مسلم هو الأوّل غلط لما عرفت من كلام
الحميدي. ونقل القاضي عياض: وطئة بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة وادعى أنه الصحيح.
وقال: هي طعام يتخذ من التمر كالحيس. وقيل: سقاء اللبن. ورد بأنه يشرب، إلا أن يقال غلب
الأكل على الشرب، وأن قوله ثم أتى بشراب يرده إلا أن يراد به الماء. وفي مختصر النهاية الوطئة
بالهمز الغرارة يكون فيها الكعك والقديد وغيرهما، وطعام يتخذ من التمر كالحيس وروي
بالموحدة. وقيل: هو تصحيف والوطب الذي يكون فيه السمن واللبن اهـ. وفي القاموس الوطيئة
بالهمز كسفينة تمر يخرج نواه ويعجن بلبن، والغرارة فيها القديد والكعك فالأظهر أن المراد
بالطعام الخبز بالوطئة وعاء فيه بعض الأدام وبه يلتئم اختلاف المقام (فأكل منها) أي من الوطبة
وكان الظاهر أن يقال منهما، أو منه بتأويل المذكور فهو من قبيل ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة
ولا ينفقونها﴾ [التوبة. ٣٤] في رجع الضمير إلى أقرب ما ذكر وترك الآخر للوضوح فهو من باب
الاكتفاء (ثم أتى) أي جيء (بتمر فكان يأكله ويلقي) بضم أوّله (النوى) جنس النواة (بين أصبعيه)
بتثليث الهمزة والموحدة ففيه تسع لغات والأشهر كسر الهمزة وفتح الباء (ويجمع السبابة) أي
المسبحة (والوسطى. وفي رواية فجعل يلقي النوى على ظهر أصبعيه السبابة والوسطى) بالجر
حديث رقم ٢٤٢٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٦١٥/٣. حديث رقم (٢٠٤٢.١٤٦) وأبو داود في
السنن ٣٣٨١٣ حديث رقم ٣٧٢٩.