Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
چ چهار
١
1201
داه٠۶
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
أنا أهْلُ أن أُتقى، فمنِ اتّقاني فأنا أهلُ أنْ أَغْفِرَ له». رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي.
٢٣٥٢. (٣٠) وعن ابن عمر، قال: إِنْ كُنَّ لنَعُدُّ لرسولِ اللهِ وَله في المجلسِ يقول:
(ربِّ! اغفِرْ لي، وتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أنتَ التوابُ الغفورُ)) مائةَ مرَّةٍ. رواه أحمد، والترمذي،
وأبو داود، وابن ماجه.
٢٣٥٣. (٣١) وعن بلال بن يسار بن زيدٍ مولى النبيِّ وَّ، قال: حدَّثني أبي، عن
جدي أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((من قال: استغفرُ اللَّهَ الذي لا إِله إلا هوَ الحيَّ القيومَ
(أنا أهل أن أتقى) بإضافة أهل وصيغة المجهول أي أنا حقيق وجدير بأن يتقي من الشرك بي
(فمن اتقاني) زاد الترمذي فلم يجعل معي إلهاً (فأنا أهل أن أغفر له) أي لمن اتقى فهو مضمون
قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء . ٤٨] وأما
قول ابن حجر أي أغفر له ما فرط منه فإن ذلك قليل في جنب أعماله الصالحة. ومن ثم ما ورد
أن اجتناب الكبائر مكفر لارتكاب الصغائر غير مرتبط بين الدليل والمدلول. والأولى أن يقول
لقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود. ١١٤] وقوله ما ورد الخ معلول لأنه ما ورد بل
كما نبهنا سابقاً أنه مذهب معتزلي (رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي).
٢٣٥٢ . (وعن ابن عمر قال: إن) مخففة من المثقلة (كالنعد) اللام فارقة الرسول
الله ◌َله) متلق بنعد (في المجلس) أي الواحد كما في رواية الحصن (يقول) بالرفع وينصب
بتقدير أن أي قوله (رب اغفر لي) كقول الشاعر أحضر الوغى (وتب علي) أي ارجع علي
بالرحمة. أو وفقني للتوبة. أو أقبل توبتي (إنك أنت التواب الغفور) صيغتا مبالغة (مائة مرة)
مفعول مطلق لنعد (رواه أحد والترمذي وأبو داود وابن ماجه) ورواه النسائي وابن حبان إلا أن
أبا داود وابن حبان بلفظ الرحيم بدل الغفور وقال الترمذي حسن غريب صحيح.
٢٣٥٣. (وعن بلال) بالموحدة (ابن يسار) بالتحتية (ابن زيد مولى النبي) بيان لزيد وفي
نسخة مولى رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) قال الجزري. في تصحيح المصابيح . ليس زيد
هذا زيد بن حارثة، والد أسامة. بل هو أبو يسار روى عنه ابنه يسار هذا الحديث ذكره البغوي
في معجم الصحابة، وقال: لا أعلم له غير هذا الحديث. وقال ابن حجر في التقريب: زيد
والد يسار مولى النبي ◌َّ صحابي له حديث وذكر أبو موسى المديني وكان عبداً نوبيا (قال) أي
بلال (حدثني أبي) أي يسار (عن جدي) أي زيد (أنه سمع رسول الله وَله يقول من قال استغفر
الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) روي بالنصب على الوصف للفظ الله وبالرفع لكونهما يدلين
أو بيانين لقوله هو والأول هو الأكثر والأشهر. وقال الطيبي: يجوز في الحي القيوم النصب
حديث رقم ٢٣٥٢: أخرجه أبو داود في السنن ٨٥/٢ حديث رقم ١٥١٦. والترمذي ١٥٨/٥ حديث رقم
٣٨١٤. وابن ماجه ١٢٥٣/٢ حديث رقم ٣٨١٤. وأحمد في المسند ٢١/٢.
حديث رقم ٢٣٥٣: أخرجه أبو داود في السنن ٨٥/٢ حديث رقم ١٥١٧. والترمذي ٢٢٨/٥ حديث رقم
٣٦٤٨.

٢٦٢
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
وأتوبُ إِليهِ، غُفِرَ له، وإِن كان قد فرَّ منَ الزَّحفِ)). رواه الترمذي، وأبو داود، لكنه عند
أبي داود: هلال بن يسار، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
الفصل الثالث
٢٣٥٤. (٣٢) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَّرَ: ((إِنَّ الله عزَّ وجلَّ ليَرْفعُ
الدرجةَ للعبدِ الصَّالِحِ في الجنَّةِ، فيقول: يا ربِّ أنَّي لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدِكَ لك)).
صفة الله أو مدحاً والرفع بدلاً من الضمير أو على المدح أو على أنه خبر مبتدأ محذوف (وأتوب
إليه) ينبغي أن لا يتلفظ بذلك إلا أن كان صادقاً وإلا يكون بين يدي الله كاذباً منافقاً ولذا روي أن
المستغفر من الذنب وهو مقیم علیه کالمستهزىء بربه (غفر له وإن كان فر) وفي نسخة صحيحة قد
فر وهو مطابق لما في الحصن أي هرب (من الزحف) قال الطيبي: الزحف الجيش الكثير الذي
يرى لكثرته كأنه يزحف. قال في النهاية: من زحف الصبي إذا دب على استه قليلاً قليلاً قال
المظهر: هو اجتماع الجيش في وجه العدوّ. أي من حرب الكفار حيث لا يجوز الفرار بأن لا
يزيد الكفار على المسلمين مثلي عدد المسلمين ولا نوى التحرف والتحيز. وأغرب ابن الملك:
حيث ذكر في شرح المصابيح قبل هذا يدل على أن الكبائر تغفر بالتوبة والاستغفار اهـ. وهو
إجماع بلا نزاع (رواه الترمذي وأبو داود لكنه) أي الشأن (عند أبي داود) بدل بلال بن يسار (هلال
ابن يسار) بالرفع على الإعراب وبالجر على الحكاية (وقال الترمذي هذا حديث غريب) أي لا
نعرفه إلا من هذا الوجه يعني من طريق بلال بن يسار بن زيد. قال الحافظ المنذري: إسناده مجيد
متصل، فقد ذكر البخاري في تاريخه أن بلالاً سمع أباه يسار أو هو سمع من أبيه زيد مولى رسول
الله ◌َّه وقد اختلف فى يسار والد بلال أنه بالباء الموحدة أو بالياء المثناة التحتانية، وذكر البخاري
في تاريخه بالموحدة والله تعالى أعلم. ورواه الحاكم عن ابن مسعود وقال على شرطهما إلا أنه
قال يقولها ثلاثاً (١). اهـ. والمفهوم من الحصن بزيادة ثلاث مرات في رواية الترمذي، وابن حبان
من حديث زيد المذكور. والطبراني موقوفاً من قول ابن مسعود. وقال صاحب السلاح رواه
الترمذي من حديث أبي سعيد وقال فيه ثلاث مرات اهـ. أقول رواه الترمذي من حديث أبي سعيد
بلفظ: من «قال حين يأوى إلى فراشه استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث
مرات غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر. وإن كانت عدد ورق الشجر وإن كانت عدد
رمل عالج. وإن كانت عدد أيام الدنيا)). وليس فيه ذكر الفرار من الزحف. ثم قال الترمذي بعد
إيراده هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ذكره ميرك.
(الفصل الثالث)
٢٣٥٤ . (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: إن الله عزَّ وجلّ ليرفع
(١) الحاكم في المستدرك ١١٨/٢.
حديث رقم ٢٣٥٤: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٢٠٧/٢ حديث رقم ٣٦٦٠. وأحمد في المسند ٥١٩/٢.

٢٦٣
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
رواه أحمد.
٢٣٥٥. (٣٣) وعن عبد الله بن عبَّاسٍ، قال: قال رسول الله وَّ: ((ما الميتُ في
القبرِ إِلا كالغريق المتغوّثِ، ينتظر دعوةً تَلْحَقُهُ من أبٍ، أو أُم، أو أخ، أو صَديقٍ، فإِذا
لَحِقَتْهُ كانَ أحبَّ إِليه من الدُّنيا وما فيها، وإِنَّ الله تعالى ليُدخِلُ على أهْلِ القبورِ من دعاءِ
أهلِ الأرضِ أمثالَ الجبال، وإِنَّ هديةَ الأحياءِ إِلى الأمواتِ الاستغفارُ لهم)). رواه البيهقي في
«شعب الإيمان)» .
٢٣٥٦ . (٣٤) وعن عبدِ الله بن بُسرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((طوبى لمنْ وَجَدَ في
صحيفَتِهِ استغفاراً كثيراً».
الدرجة) أي الدرجة العالية بلا عمل (العبد الصالح) أي المسلم (في الجنة) متعلق بيرفع
(فيقول) أي العبد (يا رب أنى لي) أي كيف حصل أو من أين حصل لي (هذه) أي الدرجة
(فيقول باستغفار) أي حصل باستغفار (ولدك لك) الولد يطلق على الذكر والأنثى والمراد به
المؤمن (رواه أحمد).
٢٣٥٥. (وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله وَلاير: ما الميت في القبر) أي في
حال من أحوال الشدة (إلا كالغريق) أي المشرف على الغرق (المتغوّث) أي المستغيث
المستعين المستجير الرافع صوته بأقصى ما عند بالنداء لمن يخلصه المتعلق بكل شيء رجاء
لخلاصه. وفي المثل الغريق يتعلق بكل حشيش (ينتظر دعوة تلحقه) أي من ورائه (من أب) أي
من جهة أب (أو أم أو أخ أو صديق) أي صاحب أو محب أو رفيق ويمكن أن يراد به الولد
(فإذا لحقته) أي وصلته الدعوة. قال ابن حجر: بأن دعى له بها فإنه تصل إليه بمجرد ذلك
إجماعاً (كان) أي لحوقها إياه (أحب إليه من الدنيا وما فيها) أي من مستلذاتها. وقال ابن
حجر: أي لو عاد إليها (وإن الله ليدخل على أهل القبور) أي ممن هو تحت الأرض (من دعاء
أهل الأرض) أي ممن هو حي فوق الأرض ومن تعليلية أو ابتدائية (أمثال الجبال) أي من جهة
الرحمة والغفران لو تجسمت (وإن هدية الإحياء إلى الأموات الاستغفار لهم رواه البيهقي في
شعب الإيمان).
٢٣٥٦ . (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (قال: قال رسول
الله ◌َلجر: طوبى) أي الحالة الطيبة والعيشة الراضية أو الشجرة المشهورة في الجنة العالية (لمن
وجد) أي صادف (في صحيفته) أي في الآخرة (استغفاراً كثيراً) أي مقبولاً، لأن استغفارنا
رقم ٢٣٥٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٢٠٢ الحديث رقم ٧٩٠٤.
حدیث
حديث رقم ٢٣٥٦: أخرجه النسائي عمل اليوم والليلة. وابن ماجه في السنن ١٢٥٤/٢ حديث رقم
٣٨١٨.
٠١٧٤٠٠

٢٦٤
٠+٠
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
رواه ابن ماجه، وروى النسائي في ((عملٍ يومٍ وليلةٍ)).
٢٣٥٧. (٣٥) وعن عائشةً، أنَّ النبيَّ وَّ كانَ يقول: «اللهمَّ اجعلني من الذينَ
إِذا أخسَنوا استبشَروا، وإِذا أساؤوا استغفَروا)) رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((الدعوات
الكبير)).
د هو.
٢٣٥٨. (٣٦) وعن الحارث بن سُويَدٍ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ مسعودٍ حديثين:
أحدُهما عن رسولِ اللهِ وََّ، والآخرُ عن نفسهِ. قال: إِنَّ المؤمنَ يرى ذُنوبَهُ كأنه قاعدٌ تحتَ
جبلٍ يخافُ أن يقعَ
يحتاج إلى استغفار كثير كما قالت رابعة العدوية. قال الطيبي: فإن قيل لمَ لم يقل طوبى لمن
استغفر كثيراً وما فائدة العدول. قلت: هو كناية عنه فبدل على حصول ذلك جزماً وعلى
الإخلاص لأنه إذا لم يكن مخلصاً فيه كان هباء منثوراً فلم يجد في صحيفته إلا ما يكون حجة
عليه ووبالاً له (رواه ابن ماجه) أي بإسناد حسن صحيح ورواه البيهقي أيضاً ذكره ميرك والمعنى
رواه ابن ماجه في سننه (وروى النسائي) كان حقه أن يعطف، ويقول والنسائي. أو يقول ورواه
النسائي (في عمل يوم وليلة) قال الطيبي: ترجمة كتاب صنفه في الأعمال اليومية والليلية اهـ.
وروى البزار عن أنس مرفوعاً: ((ما من حافظين يرفعان إلى الله في يوم صحيفة فيرى)) . أي الله .
((في أوّل الصحيفة وفي آخرها استغفاراً إلا قال تبارك وتعالى غفرت لعبدي ما بين طرفي
الصحيفة)). وروى الطبراني في الأوسط، عن الزبير بن العوّام مرفوعاً: ((من أحب أن تسره
صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار أي لعله يقبل واحد منها)).
٢٣٥٧ . (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌ّر كان يقول اللهم اجعلني من الذين إذا
أحسنوا) أي العلم والعمل (استبشروا) أي فرحوا بالتوفيق قال تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته
فبذلك فليفرحوا ﴾ [يونس. ٥٨] (وإذا أساؤوا) أي قصروا في أحدهما (استغفروا) كان ظاهر
المقابلة أن يقال وإذا أساؤوا حزنوا فعدل عن الداء إلى الدواء إيماء إلى أن مجرد الحزن لا
يكون مفيداً وإنما إذا انجر إلى الاستغفار المزيل للإصرار (رواه ابن ماجه) أي في سننه
(والبيهقي في الدعوات).
٢٣٥٨ . (وعن الحارث بن سويد) بالتصغير. قال المؤلف: هو من كبار التابعين وثقاتهم
(قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين) نصبه على المفعول الثاني (أحدهما عن رسول
الله ◌َ﴾﴾ أي يروى عنه (والآخر عن نفسه) أي مروى من قوله (قال: إن المؤمن يرى ذنوبه) قال
الطيبي: ذنوبه المفعول الأوّل والمفعول الثاني محذوف أي كالجبال بدليل قوله كذباب. ويجوز
أن يكون هذا قول ابن مسعود أي عظيمة ثقيلة بدليل قوله (كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع
حديث رقم ٢٣٥٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠٢/١١. حديث رقم ٦٣٠٨. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٠٢ حديث رقم (٢٧٤٤.٣) وأحمد في المسند ٣٨٣/١.
٠٫٥٠

٢٦٥
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
عليه، وإِنَّ الفاجِرَ يرى ذنوبَهُ كذبابٍ مرَّ على أنفِهِ فقال به هكذا. أي بيده. فَذَبَّه عنه، ثمَّ
قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َله يقول: ((للَّهُ أفرحُ بتوبة عبدهِ المؤمنِ من رجل، نزلَ في أرضٍ
دَوِّيَّةٍ مُهلكةٍ، معه راحِلتُهُ، عليها طعامُهُ وشرابُهُ، فوضعَ رأسَهُ فنامَ نومة، فاستيقظ وقدْ
ذَهبتْ راحلته، فطلبها حتى إذا اشتدَّ عليهِ الحرُّ والعطشُ أو ما شاءَ الله،
عليه) وهو تشبيه تمثيل شبه حاله بالقياس إلى ذنوبه، وإنه يرى أنها مهلكة به بحاله إذا كان
تحت جبل يخافه. فدل الحديث على أن المؤمن في غاية الخوف والاحتراز من الذنوب. ولا
ينافيه الاعتدال المطلوب بين الخوف والرجاء في المحبوب، لأن رجاء المؤمن وحسن ظنه في
ربه في غاية ونهاية (وإن الفاجر) أي المنافق أو الفاسق يتساهل حيث (يرى ذنوبه) أي سهلة
خفيفة (كذباب مر على أنفه فقال به) أي أشار إليه أو فعل به (هكذا أي بيده) تفسير للإشارة أي
دفع الذباب بيده (فذبه عنه) تفسير لما قبله أي دفع الذباب عن نفسه. وبه سمى الذباب ذباباً
لأنه كلما ذب آب، أي كلما دفع رجع (ثم قال: سمعت رسول الله وَّ ر يقول الله) بفتح اللام
(أفرح) أي أرضى (بتوبة عبده المؤمن) أي من المعصية إلى الطاعة، قال الطيبي: لما صوّر
المذنب بتلك الصورة الفظيعة أشار إلى أن الملجأ هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى اهـ. يعني
فحصلت المناسبة بين الحديثين من الموقوف والمرفوع (من رجل) متعلق بأفرح (نزل بأرض
دوية) بتشديد الواو والياء نسبة للدو أي الهلاك. وفي رواية داوية بقلب إحدى الواوين ألفاً.
والدوّة المغازة الخالية. ذكره الطيبي، قال النووي: بتشديد الواو والياء جميعاً. وذكر مسلم في
رواية أخرى بزيادة الألف وهي بتشديد الياء أيضاً وهي الأرض القفر والمغازة الخالية. فالدوّية
منسوبة إلى الدوّ وأما الداوية فبابدال إحدى الواوين ألفاً. كالطائي أقول في قوله بزيادة الألف
مسامحة إذ ينافيها الإبدال، فكأنه أراد الزيادة اللغوية لا الصرفية الوزنية، وقوله كالطائي نظير لا
مثيل ففي القاموس الطاءة كالطاعة الابعاد في المرعى، ومنه طيىء أبو القبيلة، أو من طاء يطوء
إذا ذهب وجاء والنسبة طائي والقياس كماجى(١) حذفوا الياء الثانية فبقي طيىء، فقلبوا الياء
الساكنة ألفاً، ووهم الجوهري (مهلكة) بفتح الميم واللام وكسرها، موضع خوف الهلاك. وفي
بعض النسخ بضم الميم وكسر اللام أي تهلك من يحصد بها والنسبة مجازية (معه راحلته) أي
دابته التي يرحل بها (عليها طعامه وشرابه) أي محمولان عليها (فوضع رأسه) أي للاستراحة
(فنام نومة) أي خفيفة (فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها) أي استمر على طلبها (حتى إذا اشتد
عليه الحر والعطش) أي المترتب عليه ولذا لم يذكر الجوع أو هو من باب الاكتفاء (أو ما شاء
الله) قال الطيبي: إما شك من الراوي والتقدير قال رسول الله - * ذلك أو قال ما شاء الله، أو
تنويع أي اشتد الحر أو ما شاء الله من العذاب اهـ. كلامه في المختصر والأظهر أن أو بمعنى
الواو، وهو تعميم بعد تخصيص. أي وما شاء الله بعد ذلك، إذا القول بالتنويع يوهم أن الحر
والعطش خارجان مما شاء الله، وحاشا الله. ثم رأيت الطيبي قال: أي ما شاء الله من العذاب
(١) في المخطوطة ((يطيى)).
IN///

٢٦٦
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
قال: أَرجِعُ إِلى مكاني الذي كنتُ فيه، فأنامُ حتى أموتَ، فوضعَ رأسهُ على ساعده
ليموت، فاستيقظ؛ فإِذا راحِلَتُهُ عنده، عليها زادُهُ وشرابَه، فاللَّهُ أشدُ فرحاً بتوبةِ العبدِ
المؤمنِ من هذا براحِلَتِهِ وزادِهِ)). روى مسلمُ المرفوعَ إِلى رسولِ اللَّهِ و ◌ََّ منهُ فَحَسْبُ،
والبلاء غير الحر والعطش اهـ. فمختصره مخل (قال) جواب إذا أي قال ذلك الرجل لنفسه
متلفظاً بها بذلك أو مضمره (ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه) لاحتمال أن تعود الراحلة إليه
لألفها له أولاً (فأنام) أي اضطجع لاستريح مما حصل لي ولا أزال مضطجعاً (حتى أموت) أي
أو حتى ترجع إلى راحلتي وإنما اقتصر على ما ذكر استبعاد الجانب الحياة ويأساً عن رجوع
الراحلة (فوضع رأسه على ساعده) على هيئة المحتضر (ليموت) أي على تلك الحالة (فاستيقظ)
أي فنام فاستنبه (فإذا) للمفاجأة (راحلته عنده) أي حاضرة أو واقفة (عليها زاده وشرابه) الذي هو
أهم أنواع أسبابه (فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا) أي من فرح هذا الرجل (براحلته
وزاده) فهذا فذلكة القصة أعيدت لتأكيد القضية. وفي الحديث إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إن الله
يحب التوابين﴾ [البقرة. ٢٢٢] وإنهم بمكان عظيم عند رب كريم، رؤوف رحيم، قال الإمام
الغزالي : - نوّر الله مرقده العالي .: بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني . رحمه الله . وكان
من الراسخين في العلم، العاملين به أنه قال: دعوت الله سبحانه وتعالى ثلاثين سنة أن يرزقني
توبة نصوحاً فلم يستجب لي. ثم تعجبت في نفسي، وقلت: سبحان الله حاجة دعوت الله فيها
ثلاثين سنة فما قضيت لي إلى الآن، فرأيت فيما يرى النائم كأن قائلاً يقول لي: أتتعجب من
ذلك أتدري ماذا تسأل إنما تسأل الله تعالى أن يحبك أما سمعت الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إن
الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ [البقرة. ٢٢٢] أهذه حاجة هيئة اهـ. وخطر بالبال والله
أعلم بالحال أن في هذا الحديث إشارات لطيفة في طيّ عبارات منيفة وهي: أن الرجل روح
إنسان نزل من جهة الروحانية العليا إلى جهة البدينة السفلى في أرض الدنيا الدنية، وهي المفازة
المهلكة الردية، معه راحلته من قالب البدن الذي هو مرحل الفرح والحزن، عليها طعامه
وشرابه أي تعب تحصيلهما وكدّ الانتفاع بهما، فنام نومة غفلة عما خلق له فاستيقظ من غفلته
واستنبه من رقدته وهذه اليقظة أول منزل من منازل السائرين، وأوّل مقام من مقامات السالكين،
وقد ذهبت راحلته أي مركبه ودابته البدنية إلى مرعى الشهوات النفسية فطلبها الروح غاية
الطلب، ليردها من التعب إلى المطلب، حتى إذا اشتد عليه حر الشوق وعطش الذوق أو ما
شاء الله من الأحوال والأهوال المستثقلة كالجبال، قال الروح بعد يأسه من مركب البدن أن
يرجع إلى طريق الوطن ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه من محل الاجتماع فأنام على طريق
الاتباع، لأن الروح المجرد لا يأتي منه العمل المتوقف على الجسد حتى أموت وأهلك
بالعذاب المخلد لأجل معصية البدن المرقد، فوضع رأسه على ساعده ليموت لما تقرر عنده أن
المقصود يفوت فاستيقظ من نومة الغفلة وتبعية البدت بالمعصية، فإذا راحلته عنده حاضرة،
راجعة إلى ربه ناظرة، عليها طعامه وشرابه حاصلان ولمطلوبهما واصلان، فإنهما لا ينقصان
بطاعة، ولا يزيدان بمعصية فطوبى له ثم طوبى (روى مسلم المرفوع) أي الحديث المرفوع (إلى
رسول الله وَلفي منه) أي مما ذكر من الحديث المروي المركب من الموقوف والمرفوع (فحسب)

٢٦٧
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
وروى البخاري الموقوفَ على ابنِ مسعودٍ أيضاً.
٢٣٥٩. (٣٧) وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ
العبدَ المؤمنَ المفتَّنَ التوَّابَ)) .
٢٣٦٠. (٣٨) وعن ثوبانَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَر يقول: «ما أُحبُّ أنَّ لي
الدنيا بهذه الآية ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنْفُسِهم لا تَقْنَطُوا ﴾ الآية.
أي فقط (وروى البخاري الموقوف على ابن مسعود أيضاً) وهو أن المؤمن الخ، وحاصله أن
الحديث المرفوع المتفق عليه. والموقوف من أفراد البخاري.
٢٣٥٩ . (وعن علي قال: قال رسول الله بَله: إن الله يحب العبد) أي الكامل في العبودية
(المؤمن) أي المصدق والمقر بأوصاف العبودية (المفتن) بتشديد التاء المفتوحة أي المبتلي كثيراً
بالسيئات أو بالغفلات أو بالحجب عن الحضرات لئلا يبتلي بالعجب والغرور اللذين هما من
أعظم الذنوب وأكبر العيوب (التوّاب) أي كثير الرجوع إلى الله تعالى، فتارة بالتوبة من المعصية
إلى الطاعة، وأخرى بالأوبة من الغفلة إلى الذكر، وأخرى من الغيبة إلى الحضور والمشاهدة،
قال الطيبي: المفتن الممتحن يمتحنه الله بالذنب ثم يتوب ثم يعود إليه ثم يتوب منه وهكذا وهو
صريح في صحة التوبة مع وقوع العودة .
٢٣٦٠ . (وعن ثوبان قال: سمعت رسول الله ﴿ ﴿ يقول: ما أحب أن لي الدنيا) أي جميع
ما فيها بأن أتصدق بخيراتها أو أتلذذ بلذاتها (بهذه الآية) أي بدلها فإن الآية مشعرة بحصول
المغفرة التامة، والرحمة العامة لهذه الأمة التي هي خير أمة (﴿يا عبادي﴾) بفتح الياء وسكونها
(﴿الذين أسرفوا﴾) أي بالمعاصي (﴿على أنفسهم))(١) لأن وبالها عليهم وفي نسخة لا
تقنطوا بفتح النون وكسرها (الآية) بالحركات الثلاث. قال الطيبي: هي أرجى آية في القرآن
ولذلك اطمأن إليها وحشي قاتل حمزة. رحمه الله . دون سائر الآيات اهـ. وقد ذكر البغوي في
المعالم: إن عطاء بن أبي رباح روى عن ابن عباس أن رسول الله وَالر أرسل إلى وحشي يدعوه
إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو زنى أو أشرك يلق
أثاماً يضاعف له العذاب وأنا قد فعلت هذا كله فأنزل الله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل
عملاً صالحاً ﴾ [الفرقان - ٧٠] فقال وحشي هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك
فأنزل الله عز وجل ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء . ٤٨]
فقال وحشي أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أم لا فأنزل الله ﴿يا عبادي الذين أسرفوا
على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ﴾ [الزمر.
حديث رقم ٢٣٥٩: أخرجه أحمد في المسند ١/ ٨٠.
حديث رقم ٢٣٦٠: أخرجه أحمد في المسند ٢٧٥/٥.
(١) سورة الزمر : ٥٣.

٢٦٨
١٤٥
٢٥٠
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
فقال رجل: فَمَنْ أشركَ؟ فسكتَ النبيُّ نَ ثمَّ قال: ((ألا ومن أشرَكَ)) ثلاث مرَّاتٍ.
٢٣٦١. (٣٩) وعن أبي ذرّ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّ اللّه تعالى ليغفِر
العبدِهِ ما لم يقع الحجابُ)). قالوا: يا رسولَ الله! وما الحجابُ؟ قال: ((أن تموتَ
النفسُ وهي مشركةٌ)). روى الأحاديث الثلاثة أحمد، وروى البيهقي الأخير في كتاب
((البعث والنشور)).
:١/*/١٣
1
٥٣] قال وحشي: نعم هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون هذا له خاصة أم للمسلمين عامة فقال
بل للمسلمين عامة (فقال رجل فمن أشرك) أي أهو داخل في الآية أم خارج عنها (فسكت النبي
وَ ل(*) أي أدباً مع الله تعالى وانتظاراً لأمره أو تفكراً وتأملاً في أداء جوابه (ثم قال) أما بالوحي أو
الاجتهاد (ألا) بالتخفيف (ومن أشرك) أي بالتوبة. كذا قيل وهو غير ظاهر إذ هذا معلوم من
الدين بالضرورة فلا يتأتى فيه السؤال والجواب، والله أعلم بالصواب. وقال الطيبي: أجاب بأنه
داخل فيكون منهياً عن القنوط والواو في ومن مانعة من حمل إلا على الاستثناء وموجبة لحملها
على التنبيه اهـ. وفي كلامه أشكال لأنه إن حملناه على التائب من الشرك فهذا من الواضحات
عندهم فكيف يسألون عنه. وإن حملناه على غير التائب فبظاهره مخالف لقوله تعالى: ﴿إن الله
لا يغفر أن يشرك به﴾ اللهم إلا أن يقال في السؤال فمن أشرك من الموجودين ما حكمه. فقال
ألا ومن أشرك فحكمه منهم الآن، أما يتوب عليه بالإيمان أو يعذبه بالطغيان. وأشار بعدم
الحكم إما إلى إبهامه وإما بعدم الجواب إلى اعظامه. وقال الطيبي: يمكن أن ينزل السؤال على
قوله يا عبادي يعني المشرك إذا دخل في هذا المفهوم وينادي بيا عبادي. فقيل نعم. أو على
الذين أسرفوا أي هل يصح أن يقال لهم أسرفوا على أنفسهم. فقيل نعم. أو على لا تقنطوا
فينهون عن القنوط فقيل نعم. أو على قوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ فقيل نعم اهـ.
فهذه أربعة احتمالات الأوّل والرابع منها يحتاج كل إلى تأويل. أيضاً. والثاني غير لائق
بالسؤال. والثالث هو معنى ما ذكرته من الاحتمال والله أعلم بالحال (ثلاث مرات) ظرف لقال.
والتكرار لتأكيد الحكم، أو إشارة إلى اختلاف الحالات.
٢٣٦١ . (وعن أبي ذر قال: قال رسول الله وَظافر: إن الله تعالى) وفي نسخة عز وجل
(ليغفر) بلام مفتوحة للتأكيد (لعبده) أي ما شاء من الذنوب (ما لم يقع الحجاب) أي الاثنينية
قال تعالى: ﴿لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد﴾ [النحل . ٥١] (قالوا: يا رسول الله وما
الحجاب) أي الذي يبعد العبد عن رحمة ربه ومغفرة ذنبه (قال: أن تموت النفس وهي مشركة)
وفي معنى الشرك كل نوع من أنواع الكفر (روى الأحاديث الثلاثة) أي جميعها (أحمد) أي في
مسنده (وروى البيهقي الأخير) أي الحديث الأخير (في كتاب البعث والنشور).
حديث رقم ٢٣٦١: أخرجه أحمد في المسند ١٧٤/٥.
٨ عوم
بهر+

٢٦٩
جوبا يد روسباركود .كوف فيتاريخ رمض بو
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة
٠٢٣٦٢ (٤٠) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((من لقيَ الله لا يعدِلُ به شيئاً في
الدُّنيا، ثمَّ كان عليه مثلَ جبالٍ ذنوبٌ غفَرَ اللَّهُ له)) رواه البيهقي في كتاب ((البعث والنشور)).
٢٣٦٣. (٤١) وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَالَ: «التائبُ من
الذَّئْبِ كمن لا ذَنْبَ له)). رواه بن ماجه،
٢٣٦٢. (وعنه) أي عن أبي ذر (قال: قال رسول الله وَلجر: من لقي الله) أي من مات
بدليل قوله في الدنيا، وغفل ابن حجر عن هذا المعنى فقال: بيان للواقع إذ الإشراك إنما
يكون فيها وأما الآخرة فكل الناس فيها مؤمنون. وإن لم ينفع أكثرهم إميانهم ا هـ. وفيه
إبهام وحقه أن يقول وإن لم ينفع الكفار إيمانهم (لا يعدل به) أي لا يساوي بالله (شيئاً في
الدنيا) أي لا يتجاوز عنه إلى غيره فنصب شيئاً بنزع الخافض (ثم كان عليه) أي بعد
الموت (مثل جبال) بالنصب على أنه خبر كان واسمه قوله (ذنوب غفر الله له) أي إياها
يعني جميعها إن شاء الله لقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (رواه البيهقي في
كتاب البعث والنشور).
٢٣٦٣. (وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَير: التائب من الذنب) أي توبة
صحيحة (كمن لا ذنب له) أي في عدم المؤاخذة بل قد يزيد عليه بأن ذنوب التائب تبدل
حسنات. ويؤيد هذا ما جاء عن رابعة رضي الله عنها أنها كانت تفخر على أهل عصرها
كالسفيانين والفضيل وتقول أن ذنوبي بلغت من الكثرة ما لم تبلغه طاعاتكم فبتوبتي منها بدلت
حسنات فصرت أكثر حسنت منكم اهـ. وفيه أن هذه حسنات تقديرية فأين هي من حسنات
تحقيقية يترتب عليها الزيادة المضاعفة. وعندي أن حسنة واحدة من السفيانين مما يتعلق بنقل
السنة التي يعمل بها إلى يوم القيامة تزيد على جميع حسنات رابعة. وإنما كانا يتواضعان لها في
الحضور عندها وطلب الدعاء منها اقتداء به عليه الصلاة والسلام بل ربما كانا ينفعانها فيا تكون
جاهلة في أمر دينها والله [تعالى] أعلم. قال الطيبي . رحمه الله . من قبيل إلحاق الناقص بالكامل
مبالغة. كما يقول زيد كالأسد، إذ لا شك أن المشرك التائب ليس كالنبي المعصوم. وتعقبه ابن
حجر بأن المراد بمن لا ذنب له من هو عرضة له لكنه حفظ منه فخرج الأنبياء والملائكة فليسوا
مقصودين بالتشبيه. قلت: فالخلاف لفظي واختلفوا فيمن عمل ذنوباً وتاب منها ومن لم يعملها
أصلاً أيهما أفضل فقيل الأوّل لأن توبته بعد أن ذاق لذات المعصية تدل على أنه أعلى صدقاً
وأقوى إيماناً، لأنه باشر المانع ثم تركه بخلاف الثاني. وقيل الثاني لأنه لم يتدنس بالمعاصي
بخلاف الأوّل، وشتان ما بينهما. ولذا قال بعض العارفين إما عصمة من الأوّل، وإما توبة في
الآخر، والظاهر أن الأشبه بالأنبياء والملائكة المعصومين والأولياء والأصفياء المحفوظين هو
الأفضل لأنه العبد الأكمل فإنه ولو غفر له لا يخلو عن الحياء والخجلة وتوقف ابن حجر في
المسألة والله أعلم (رواه ابن ماجه) أي في سننه قال السيوطي ورواه الحكيم عن أبي
حديث رقم ٢٣٦٣: أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٤١٧ حديث رقم ٤٢٥٠.
r. a.r.

٢٧٠
١٣٢٠:
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: تفرَّد به النَّهْرانيُّ، وهو مجهولٌ.
وفي ((شرح السنة)) روي عنه موقوفاً. قال: الندَمُ توبةٌ، والتَّائبُ كمن لا ذَنْبَ له.
(٥) باب سعة رحمة الله
سعيد(١) (والبيهقي في شعب الإيمان وقال) أي البيهقي (تفرد به) أي بنقل هذا الحديث
(النهراني) بفتح النون وسكون الهاء (وهو مجهول) أما عينه أو حاله. قال ابن حجر: مع هذا لا
يضر لأن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل (وفي شرح السنة روى) أي البغوي رحمه الله
وفي نسخة روي بصيغة المجهول (عنه) أي عن ابن مسعود (موقوفاً) لكنه في حكم المرفوع
(قال الندم توبة) أي ركن أعظمها الندامة إذ يترتب عليها بقية الأركان من القلع والعزم على عدم
العود وتدارك الحقوق ما أمكن وهو نظير الحج عرفة إلا أنه عكس مبالغة والمراد الندامة على
فعل المعصية من حيث إنها معصية لا غير (والتائب من الذنب كمن لا ذنب له). وروى
القشيري في الرسالة، وابن التجار عن أنس بلفظ، ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له))، ((وإذا
أحب الله عبداً لم يضره ذنب)). وروى البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس بلفظ التائب من
الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزىء بربه، ومن آذى
مسلماً كان عليه من الذنوب مثل منابت النخل. كذا ذكره السيوطي في الجامع الصغير(٢) وقال
ابن الربيع: حديث ((التائب من الذنوب كمن لا ذنب له)) أخرجه ابن ماجه، والطبراني في
الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، ورجاله ثقان وحسنه ابن حجر بشواهده. ثم اعلم أن التوبة
إذا وجدت بشروطها المعتبرة فلا شك في قبولها، وترتب المغفرة عليها لقوله تعالى: ﴿وهو
الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى. ٢٥] ولا يجوز الخلف في أخباره ووعده ووعيده.
وأما الاستغفار على وجه الافتقار والانكسار بدون تحقق التوبة فقد يكون ماحياً لذنوبه وقد لا
يكون ماحياً، لكن يترتب عليه الثواب البتة وهو داخل تحت المشيئة. وقد أطال ابن حجر
المسألة في البحث مع بعض معاصريه وأطنب كل في ذكر الأدلة وقيدها ابن حجر وأطلقها
الآخر والحق التفصيل وهو حسبي ونعم الوكيل.
(باب)(٣)
بالرفع منوّناً وبالوقف مسكناً ولم يذكر العنوان وغالب أحاديثه في رحمة الرحمن الباعثة
على التوبة من العصيان والموجبة للرجاء وعدم اليأس من الغفران.
السيوطي في الجامع الصغير ٢٠٣/١ حديث رقم ٣٣٨٥.
(١)
الجامع الصغير ٢٠٣/١ حديث رقم ٣٣٨٦ و٣٣٨٧. باب ١ (ص ٨١).
(٢)
(٣) فى المشكاة سماه ((باب سعة رحمة الله)).
٠٫٠٠

٢٧١
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
الفصل الأول
٢٣٦٤. (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لمَّا قضى اللَّهُ الخلْقَ كتَبَ كتاباً،
فهو عندَه فوق عرشِه: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبي)) وفي رواية: ((غَلَبَتْ غضبي)).
(الفصل الأوّل)
٢٣٦٤ . (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاخير: لما قضى الله الخلق) أي حين قدر الله
خلق المخلوقات وحكم بظهور الموجودات أو حين خلق الخلق يوم الميثاق بدأ خلقهم (كتب
كتاباً) أي في اللوح المحفوظ بأمره للملائكة أن يكتبوا، أو للقلم. ويؤيده حديث ((جف القلم
بما هو كائن إلى يوم القيامة)) أو الكتابة كناية عن الاثبات والأبانة (فهو) أي ذلك الكتاب بمعنى
المكتوب أو علمه (عنده) أي عندية المكانة لا عندية المكان لتنزهه عن سمات الحدثان (فوق
عرشه) فيه تنبيه على جلالة قدر ذلك الكتاب، قال الطيبي: فإن اللوح المحفوظ تحت العرش،
وزاد ابن حجر لأنه في جبهة إسرافيل رئيس حملة العرش، والكتاب المشتمل على هذا الحكم
فوق العرش لجلالة قدره، ولعل السبب في ذلك إن ما تحت العرش عالم الأسباب والمسببات
واللوح يشتمل على تفاصيل ذلك وقضية هذا العالم وهو عالم العدل وإليه أشار بقوله:
﴿بالعدل قامت السموات والأرض﴾ إثابة المطيع وعقاب العاصي، حسب ما يقتضيه العمل من
خير أو شر وذلك يستدعي غلبة الغضب والرحمة لكثرة موجبة ومقتضيه. كما قال تعالى:
﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة﴾ [النحل. ٦١] فيكون سعة الرحمة [و]
شمولها على البرية، وقبول إنابة التائب، والعفو عن المشتغل بذنبه المنهمك فيه. وإن ربك لذو
مغفرة للناس على ظلمهم. أمراً خارجاً عنه، مترقباً منه إلى عالم الفضل الذي هو العرش، وفي
أمثال هذا الحديث أسرار فشاؤها بدعة فكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للخبر قيل
المراد بالكتاب أما القضاء الذي قضاه الله وأوجبه فعلى هذا يكون معنى قوله فهو عنده فوق
عرشه، أي فعلمه عنده تعالى فوق العرش لا ينسى ولا ينسخه ولا يبدله. وأما اللوح المحفوظ
المذكور فيه الخلق وبيان أحوالهم أرزاقهم والأقضية النافذة فيهم وأحوال عواقب أمورهم
فحينئذ يكون معناه فذكره عنده (إن رحمتي) بالكسر ويفتح، قال العسقلاني: بفتح أن على
الابدال من الكتاب وبكسرها على أنها حكاية بمضمون الكتاب. قلت يؤيد الثاني رواية
الشيخين بلفظ ((إن رحمتي تغلب غضبي)) (سبقت غضبي وفي رواية غلبت غضبي) أي غلبت
آثار رحمتي على آثار غضبي. وهي مفسرة لما قبلها والمراد بيان سعة الرحمة وشمولها على
الخلق حتى كأنها السابق والغالب وإلا فهما صفتان من صفاته، راجعتان إلى إرادته الثواب
حديث رقم ٢٣٦٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٢/١٣. حديث رقم ٧٤٠٤. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٠٧ حديث رقم (٢٧٥١.١٤). وابن ماجه في السنن ١٤٣٥/٢ حديث رقم ٤٢٩٥. وأحمد في
المسند ٤٣٣/٢.
٢٠٠44

٢٧٢
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
متفق عليه .
٠٢٣٦٥ (٢) وعنه، قال: قال رسولُ الله وَلِّ: ((إِنَّ اللَّهِ مائةَ رحمةٍ، أَنزلَ منها رحمةٌ
واحدةً بين الجنّ والإِنس والبهائم والهوَامٌ، فيها يتعاطفونَ، وبها يَتراحَمونَ، وبها تُعطِفُ
الوخشُ علی ولِدها،
والعقاب. لا توصف صفاته بالسبق والغلبة لأحداهما على الأخرى. وقال الطيبي . رحمه الله
تعالى .: أي لما خلق الخلق حكم حكماً جازماً، ووعد وعداً لازماً، لا خلف فيه بأن رحمتي
سبقت غضبي. فإن المبالغ في حكمه إذا أراد أحكامه عقد عليه سجلاً وحفظه ووجه المناسبة
بين قضاء الخلق وسبق الرحمة، إنهم مخلوقون للعبادة شكراً للنعم الفائضة عليهم، ولا يقدر
أحد على اداء حق الشكر، وبعضهم يقصرون فيه، فسبقت رحمته في حق الشاكر بان، وفي
جزاءه وزاد عليه ما لا يدخل تحت الحصر، وفي حق المقصر إذا تاب ورجع بالمغفرة
والتجاوز. ومعنى سبقت رحمتي. تمثيل لكثرتها وغلبتها على الغضب بفرسي رهان تسابقتا
فسبقت إحداهما الأخرى (متفق عليه).
٢٣٦٥. (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَّ فيه: إن الله مائة رحمة) أي غايتها
وهي النعمة لاستحالة حقيقة الرحمة في حقه تعالى وتعددها (انزل منها) أي من جملة المائة.
وهو أولى من قول ابن حجر من تلك النعم (رحمة واحدة) أي تعطفاً روحانياً، وميلاناً نفسانياً.
أو حملت الرحمة هنا على حقيقتها لإمكانها فهي أثر من آثار رحمته تعالى. والإنزال تمثيل مشير
إلى أنها ليست من الأمور الطبيعية، بل هي من الأمور السماوية مقسومة بحسب قابلية
المخلوقات لمظاهر آثار صفة الرحمانية الواقعة (بين الجن) أي بعضهم مع بعض (والإنس)
كذلك (والبهائم) أي مع أولادها (والهوام) بتشديد الميم جمع هامة وهي كل ذات سم وقد يقع
على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات والقمل، كذا في النهاية والله أعلم. برحمتها
فيما لا توالد فيها. وأما أكل الهرة ولدها أحيانا فيحتمل أن يكون لمزيد خوفها عليه من غيرها
فترى أن لا ملجأ إلا أكله فهو من مزيد رحمتها له في تخيلها، ويحتمل أن يكون من جوعها،
كما يوجد في بعض أفراد الإنسان. وفيه إشارة إلى أن الرحمة غير طبيعية فإذا سلبت ارتفعت
بالكلية (فيها) أي بتلك الرحمة الواحدة وبسبب خلقها فيهم (يتعاطفون) أي يتمايلون فيما بينهم
(وبها يتراحمون) أي بعضهم على بعض (وبها تعطف الوحش) أي تشفق وتحن (على ولدها) أي
حين صغرها ولعل التخصيص بالأولاد لأنه لا تعاطف فيما بينها حتى لا تعطف أولادها على
والديها ولعلها موجودة فيها كما يؤخذ من حديث ((أحد جبل يحبنا ونحبه)) (١) ومن قوله تعالى:
حديث رقم ٢٣٦٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٣١/١٠. حديث رقم ٦٠٠٠ ومسلم في صحيحه ٢/
٢١٠٨ حديث رقم (٢٧٥٢.١٧). والترمذي في السنن ٢٠٩/٥ حديث رقم ٣٦٠٩. وابن ماجه
١٤٣٥/٢ حديث رقم ٤٢٩٣. والدارمي ٤١٣/٢ حديث رقم ٢٧٨٥. وأحمد في المسند ٥١٤/٢.
(١) أخرجه البخاري.

٢٧٣
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله.
وأخّر اللّهُ تِسعاً وتسعينَ رحمةً يرَحِمُ بها عبادَهُ يومَ القيامةِ)) متفق عليه.
٢٣٦٦. (٣) وفي رواية لمسلم عن سلمانَ نحوه. وفي آخره قال: ((فإِذا كانَ يومُ
القيامةِ أكملها بهذه الرحمة)).
٢٣٦٧. (٤) وعن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسول الله وَّ: «لو يَعْلَمُ المؤمنُ ما عند الله
من العقوبة؛ ما طَمِعَ بِجِنَّتِهِ أحَدٌ. ولو يعلمُ الكافرُ ما عندَ اللَّهِ من الرحمة؛ ما قَنط من جنَّتِهِ
أحدٌ)) .
﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ [البقرة. ٧٤] وعلى هذا القياس ظهور النباتات
وخواص الأشياء والمنفعة بالنار والهواء وغير ذلك من سائر الأشياء (وأخر الله) قال الطيبي:
عطف على أنزل منها رحمة، وأظهر المستكن بياناً لشدة العناية برحمة الله الأخروية (تسعاً
وتسعين رحمة يرحم بها عباده) أي المؤمنين (يوم القيامة) أي قبل دخول الجنة وبعدها. قال
الطيبي . رحمه الله .: لا نهاية لها فلم يرد بما ذكره تحديداً، بل تصويراً للتفاوت بين قسط أهل
الإيمان منها في الآخرة وقسط كافة المربوبين في الدنيا. اهـ. وهو في المرتبة الحسنى. ولا
ينافي تفسير الرحمة بالنعمة فإن نعمه لا تحصى دنيا وعقبى، ولا يعارضه تقسيم الرحمة بمعنى
المثوبة العظمى، على ما ورد من نزول مائة وعشرين رحمة كل يوم على الكعبة ستين للطائفين
وأربعين للمصلين وعشرين للناظرين(١). فاندفع به ما تعقبه ابن حجر على الطيبي. وفيه إشارة
إلى سعة فضل الله على عباده المؤمنين وإيماء إلى أنه أرحم الراحمين. (متفق عليه).
٢٣٦٦ . (وفي رواية لمسلم عن سلمان نحوه) أي بمعناه (وفي آخره فإذا كان يوم القيامة
أكملها) أي أتم الرحمة الواحدة التي أنزلها في الدنيا (بهذه الرحمة) أي التي أخرها حتى يصير
المجموع مائة رحمة فرحم بها عباده.
LIMSim
٢٣٦٧ . (وعنه) وفي نسخة وعن أبي هريرة (٢)، وهو الأظهر. لإيهام مرجع الضمير أن
يكون إلى أقرب مذكور وهو سلمان، وأما على النسخة المشهورة التي هي الأصل فكأنه اعتمد
على العنوان (قال: قال رسول الله وَله: لو يعلم المؤمن) اللام للاستغراق (ما عند الله من
العقوبة) بيان لما (ما طمع بجنته أحد) أي من المؤمنين، فضلاً عن الكافرين، ولا بُعدَ أن يكون
أحد على إطلاقه من إفادة العموم(٣). إذ تصوّر ذلك وحده یوجب اليأس من رحمته وفيه بيان
كثرة عقوبته لئلا يغتر مؤمن بطاعته أو اعتماداً على رحمته فيقع في الأمن ولا يأمن مكر الله إلا
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس.
رقم ٢٣٦٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٠٩/٤ الحديث رقم (٣٧٥٣.٢١).
حدیث
رقم ٢٣٦٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٠١/١١. حديث رقم ٦٤٦٩. ومسلم في صحيحه ٤/
حدیث
٢١٠٩ حديث رقم (٢٣. ٢٧٥٥). وأحمد في المسند ٣٣٤/٢.
(٣) في المخطوطة ((أن)).
(٢) وهي نسخة المتن.

٢٧٤
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
متفق عليه .
٢٣٦٨. (٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((الجنةُ أقربُ إِلى أحدِكُم
من شِراك نَعْلِهِ، والنَّارُ مثلُ ذلكَ)).
القوم الخاسرون (ولو يعلم الكافر) أي كل كافر (ما عند الله من الرحمة من قنط) بفتح النون
ويكسر (من جنته أحد) أي من الكافرين. ذكره الطيبي وغيره. وقيده ابن الملك وغيره بقوله:
إذا دخل في الإِسلام والظاهر من حسن المقابلة عدم التقييد، فإنه يفيد المبالغة مع أن الشرطية
غير لازمة الوقوع. قال الطيبي: الحديث في بيان صفتي القهر والرحمة الله تعالى فكما أن
صفات الله تعالى غير متناهية، لا يبلغ كنه معرفتها أحد. كذلك عقوبته ورحمته، فلو فرض أن
المؤمن وقف على كنه صفته القهارية لظهر منها ما يقنط من ذلك الخواطر(١) فلا يطمع بجنته
أحد، وهذا معنى وضع أحد موضع ضمير المؤمن. ويجوز أن يراد بالمؤمن الجنس على سبيل
الاستغراق فالتقدير أحد منهم. ويجوز أن يكون المعنى على وجه آخر، وهو أن المؤمن قد
اختص بأن يطمع بالجنة، فإذا انتفى الطمع منه فقد انتفى عن الكل، وكذلك الكافر مختص
بالقنوط فإذا انتفى القنوط عنه فقد انتفى عن الكل. وورد الحديث في بيان كثرة رحمته وعقوبته
كيلا يغتر مؤمن برحمته فيأمن من عذابه ولا ييأس كافر من رحمته ويترك بابه (متفق عليه)
وحاصل الحديث أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف، بمطالعة صفات الجمال تارة،
وبملاحظة نعوت الجلال أخرى. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه لو نودي في القيامة أن
يدخل أحد الجنة أرجو أن أكون أنا. وكذا في النار. وقيل ينبغي أن يغلب الخوف في حال
الحياة والرجاء عند الممات.
٢٣٦٨. (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله. وَلفر .: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك
نعله) بكسر الشين. أحد سيور النعل. قال الطيبي. رحمه الله .: ضرب العرب مثلاً بالشراك لأن
سبب حصول الثواب والعقاب إنما هو بسعي العبد، ويجري السعي بالإقدام. وكل من عمل
خيراً استحق الجنة بوعده، ومن عمل شراً استحق النار بوعيده. وما وعد وأوعد منجزان
فكأنهما حاصلان. اهـ. ويؤخذ منه نكتة لطيفة في دفعه. وَّلرـ نعله لأبي هريرة في الحديث
المشهور السابق ذكره في أول الكتاب. ولعله أقرب، لأن الشراك يقبل الانفكاك، بخلاف
العمل وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء. ١٣] فالمعلق
بالعنق على وجه الدوام، لا شك أنه أقرب من المعلق تحت الرجل في بعض الأيام، والله
تعالى أعلم بإشارات كلام سيد الأنام (والنار مثل ذلك) إشارة إلى المذكور، أي النار مثل الجنة
في كونها أقرب من شراك النعل والظاهر أن ذلك اقتصار من الراوي. ثم قيل هذا لأن سبب
سـ
(١) في المخطوطة ((الخلق ظر)).
حديث رقم ٢٣٦٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٢/١١. حديث رقم ٦٤٨١. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٠٩ حديث رقم (٢٤ . ٢٧٥٦).

٢٧٥
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
رواه البخاري.
٢٣٦٩ . (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((قالَ رجلٌ لم يعملْ خيراً
قطُ لأَهله . وفي رواية. أسرفَ رجلٌ على نفسِهِ، فلمَّا حَضَرَهُ الموتُ أوصى بنيه: إِذا ماتَ
فحَرقوه، ثمَّ اذرُوا نِصْفَهُ في الْبَرِّ ونِصْفَهُ في البحرِ ، فواللَّهِ لئن
دخول الجنة والنار مع الشخص، وهو العمل الصالح والسيىء وهو أقرب إليه من شراك نعله إذ هو
مجاور له والعمل صفة قائمة به وأما قول ابن حجر: أو هي نفسها باعتبار سرعة انقضاء الدنيا التي
يليها دخولها فهو. وإن كان صحيحاً في نفس الأمر لكن بظاهره من كونه أقرب من الشراك غير
صحيح إلا مبالغة وادعاء كما لا يخفى وأما قوله أو نزل الوعد بها الناجز لمن عمل عملاً صالحاً
منزلة حصولها نفسها فهو عين القول الذي اقتصر عليه الطيبي فهو المعوّل (رواه البخاري).
٢٣٦٩. (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ ر قال رجل) أي ممن كان قبلنا (لم
يعمل) صفة رجل (خيراً قط) أي عملاً صالحاً كما يدل عليه قوله لم يعمل وخوفه من عذابه
وغفرانه تعالى ولهذا قال ابن حجر أي بعد الإسلام (لأهله) قال ابن الملك يعلم منه أن عمل
الخير يتعدى منه لأهله وذوي قرابته وأنه لم يعمل خيراً لنفسه أيضاً لأنه لو عمل لنفسه لتعدى
منه إليهم. اهـ. والصواب أن قوله لأهله متعلق بقال كما صرح به الطيبي فيما سيأتي لا بلم
يعمل كما فهم هذا القائل تأمل (وفي رواية أسرف رجل على نفسه) أي بالغ في فعل المعاصي
فمؤدي الروايتين واحد (فلما حضره الموت أوصى بنيه إذا مات فحرقوه) قال الطيبي مقول قال
على الرواية الأولى ومعمول(١) أوصى على الرواية الأخرى فقد تنازعا فيه في عبارة الكتاب.
اهـ. وهو الصواب لأن قوله وفي رواية إلى قوله أوصى بنيه جملة معترضة خلافاً لما قاله زين
العرب من أن تقدير الكلام على الرواية الأولى هكذا رجل لم يعمل قط خيراً لأهله فلما حضره
الموت الخ وعلى الرواية الأخرى يكون ابتداء قول الرسول عليه الصلاة والسلام من أسرف
رجل على نفسه والمراد أنه أكثر من الذنوب. اهـ. ثم الأصل إذا أنا مت فحرّقوني وعدل عنه
إلى الغيبة إعلاماً بعدم الاعتناء به وأنه قدم ما غاب به عن مراتب السعداء كذا قاله ابن حجر
[رحمه الله تعالى] وحاصله أنه من باب الالتفات في مذهب بعض كما قال الطيبي لو حكى ما
تلفظ به الرجل لكان ينبغي أن يقال إذا مت فحرقوني ثم اذروا نصفي ولو نقل معنى ما تلفظ به
الرجل لقال إذا مات فليحرقه قومه ثم ليذروا فعدل عن ضمير المتكلم إلى الغائب تحاشياً عن
وصمة نسبة التحريق وتوهم الشك في قدرة الله تعالى إلى نفسه. اهـ. وأما قول ابن حجر
وكلامي أولى مما قيل عدل الخ لأن هذا العدول لا يمنع إيهام الشك في قدرة الله تعالى فغفلة
وذهول عن أن العدول وقع عن قوله لئن قدر الله على إلى قوله قدر الله عليه وإن لم يذكره
الطيبي تحامياً أيضاً (ثم اذروا) بهمزة وصل من الذرى بمعنى التذرية ويجوز قطعها يقال ذرته
الريح وأذرته إذا أطارته أي فرقوا (نصفه) أي نصف رماده (في البر ونصفه في البحر فوالله لئن)
(١) في المخطوطة ((مقول)).

٢٧٦
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
قَدَرَ اللَّهُ عليهِ ليُعذِبَنَّهُ عذاباً لا يُعذّبُه أحداً من العالمين،
اللام موطئة للقسم (قدر) بتخفيف الدال ويشدد أي ضيق (الله عليه) قال ابن حجر وفي نسخة
علي واعتمدها النووي والظاهر أنه سهو قلم من بعض الكتاب لأنه يحصل به تحريف في
الكتاب ويدل على ضعفه قوله (ليعذبنه) إذ لم يعهد الالتفات بين أجزاء جملتي الشرطية
والقسمية وعلى تقدير ثبوته يحمل على أن الرجل كان دهشاً (عذاباً) أي تعذيباً (لا يعذبه) أي
ذلك العذاب (أحداً من العالمين) قيل معناه لئن ضيق الله عليه وناقشه في الحساب من القدر
بمعنى التضييق لا من القدرة لأن الشك في القدرة كفر وقد قال في آخر الحديث خشيتك وغفر
له والكافر لا يخشاه ولا يغفر له فله تأويلان أحدهما أن قدر بالتخفيف بمعنى ضيق ومنه قوله
تعالى قدر عليه رزقه بالتخفيف والتشديد وقوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء. ٨٧]
والثاني لئن قدر عليه العذاب أي قضاه من قدر بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد ولكن روي في
بعض طرق الحديث فلعلي أضل الله أي أفوته وهذا ينبىء أنه أراد التمنع بالتحريق من قدرة الله
تعالى ومع ذلك أخبر الصادق بغفرانه فلا بد من وجه يمكن القول معه بإيمانه فقيل أن الرجل
ظن أنه إذا فعل هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب وأما تلفظه بقوله ((لئن قدر الله)) وبقوله:
((فلعلي أضل الله)) فلأنه كان جاهلاً بذلك وقد اختلف في مثله هل يكفر أم لا بخلاف الجاحد
للصفة وقيل هذا ورد مورد التشكك فيما لا يشك ويسمى ذلك في علم البلاغة بتجاهل العارف
كقوله: ﴿وإن كنت في شك﴾ [يونس. ٩٤] الآية وقيل لقي من هول المطلع ما أدهشه وسلب
عقله فلم يتمكن من تمهيد القول وتخميره فبادر بسقط من القول وأخرج كلامه مخرجاً لم يعتقد
حقيقته وهذا أسلم الوجوه والله أعلم وقال الطيبي (رحمه الله] هو كلام صدر عن غلبة حيرة
ودهشة من غير تدبر في كلامه كالغافل والناسي فلا يؤاخذ فيما قال أقول هذا هو الظاهر من
الحديث كما سيأتي حيث قال تعالى لم فعلت قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم والله أعلم
وقيل ذلك لا يؤاخذ عليه ونحوه ما تقدم من قول واجد الضالة أنت عبدي وأنا ربك واختاره
ابن حجر تبعاً لما ذكره الطيبي وفيه نظر إذ قول الواجد وقع سهواً وخطأً بخلاف هذا فكيف
يكون مقيساً وقيل انكار وصف واحد مع الاعتراف بما عداه لا يوجب كفراً قلت جعل وصف
واحد عذر عند بعض لا إنكاره وبون بيّن بين الإنكار للشيء والجهل به ثم رأيت الطيبي قال
قيل إنه جهل صفة من صفات الله وقد اختلفوا في تكفير جاهل صفة من صفات الله تعالى قال
القاضي عياض وممن كفره ابن جرير الطبري وقال به أبو الحسن الأشعري أوّلاً وقال آخرون لا
يكفر به بخلاف جحدها وإليه رجع أبو الحسن وعليه استقر مذهبه قال لأنه لم يعتقد ذلك
اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً شرعاً وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق وقالوا لو سئل الناس:
عن الصفات لوجد العارف بها قليلاً وقيل هذا من بديع استعمالات العرب ويسمى مزج الشك
باليقين والمراد اليقين كقوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك﴾ قال الطيبي وتحريره إن الله أراد أن
يحقق ما أنزل عليه من أمر أهل الكتاب ويقرره عنده وعلم أنه وي لير لم يشك فيه قطعاً وإنما قال
تهييجاً وإلهاباً له ليحصل له مزيد ثبات ورسوخ قدم فيه كذلك هذا الرجل علم أن الله قادر أن
ينشره ويبعثه ويعذبه بعد ذلك ويؤيده ما ورد فى رواية أخرى ((وإن الله يقدر على أن يعذبني))

٢٧٧
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
فلما ماتَ فعلوا ما أَمرهم، فَأَمرَ اللَّهُ البحرَ، فجمَعَ ما فيه، وأمرَ البَرَّ فجمَعَ ما فيه، ثمَّ قال
له: لم فعلتَ هذا؟ قال: مِنْ خَشْيَتِكَ يا ربّ! وأنتَ أَعلمُ؛ فَغَفَرَ له)).
فأراد أن يحرض القوم على انفاذ وصيته فأخرج الكلام في معرض التشكيك لهم لئلا يتهاونوا
في وصيته فيقوموا بها حق القيام. اهـ. ولا يخفى عدم المناسبة بين الحديث والآية لأن الآية
من ((كلامه تعالى خطابً) لنبيه مبنياً على فرضه وتقديره فلا يتصوّر شك في وقوعه ولذا قال عليه
الصلاة والسلام ((لا أشك ولا أسأل» وفي الحديث من كلام غير مقصود خطاباً لمن يتصوّر منه
الشك ابتداء أو انتهاء ولا تأييد لمعنى الرواية الأخرى فإنها معنى صحيح لا غبار عليه مباين
لهذه الرواية فإنها موهمة نعم تلك الرواية تدل على أنه مؤمن ويحتاج كلامه إلى تأويل وإن
أحسن التأويل ما قيل في قوله تعالى: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ ورواية ((أضل الله)) تحمل على
معنى أضيع طاعته ولعل للإشفاق والدال عليه قوله من خشيتك يا رب لا أنه للترجي كما حملوا
عليه وأشكلوا على أنفسهم ونسبوا الكفر إليه وغايته أنه أتى بالمضارع لاستحضار الحال الماضية
ولا محظور لديه وقيل كان هذا الرجل في زمان فترة حين ينفع مجرد التوحيد قال الطيبي ولا
تكليف قيل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾
[الإسراء. ١٥] وفيه أنه إذا لم يكن هناك تكليف والتوحيد متحقق فلا معنى للخوف مع أن كلام
الطيبي ليس على مقتضى مذهبه فإن عند الشافعية لا تكليف فيه بتوحيد وغيره كما هو مقرر في
محله (فلما مات فعلوا) أي أهله أو بنوه (ما أمرهم) من التحريق والتذرية (فأمر الله البحر فجمع
ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه) أي من أجزاء الرجل إظهاراً للقدرة الكاملة والقوّة الشاملة (ثم قال
له لم فعلت هذا) أي ما ذكر من الوصية (قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم) قيل إنما وصى
بذلك تحقيراً لنفسه وعقوبة لها بعصيانها رجاء أن يرحمه الله فيغفر له وهذا يؤيد أن قوله: ((لئن
قدر)) بمعنى ضيق فاندفع قول ابن حجر أن تحقير النفس لا يبيح مثل ذلك (فغفر له) قال الطيبي
ويحتمل أن يكون قوله لئن قدر الله عليه من قوله عليه الصلاة والسلام فيكون معناه أنه تعالى لو
وجده على ما كان عليه ولم يفعل به ما فعل فترحم عليه بسببه ورفع عنه أعباء ذنبه لعذبه عذاباً
لا يعذبه أحداً من العالمين أو لئن ضيق عليه وناقشه في الحساب لعذبه أشد العذاب وفيه مع
بعده عن السياق واللحاق وعلى تسليم أنه جملة معترضة بين كلامي الرجل يأباه الفاء في قوله
فوالله المترتب على ما تقدم والله أعلم وأما قول ابن حجر المراد لئن بعثني وأن هنا بمعنى إذا
أو إذ على حد ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران. ١٧٥] فمردود بأن اللام(١) الموطئة لا
تدخل إلا على الشرط والجواب للقسم ويسد مسد الشرط مع عدم ملاءمة المعنى بينه وبين ما
قبله من الكلام المترتب عليه فتدبر بظهر ثم أغرب بقوله وهذا أظهر الأجوبة عندي لكن في
رواية غير مسلم فلعلي أضل الله أي أغيب عنه قيل وهذا يدل على تعمده لحقيقة مدلول قوله
لئن قدر عليه. اهـ. ويرد بمنع دلالته على ذلك لأن الدهش يتخيل غير الواقع كثيراً. اهـ. وفيه
أن هذا ليس سنداً للمنع(٢) بل دليل على تحققه ودلالته وغايته أنه قد يعتبر عذراً فيصلح أن
١
(١) في المخطوطة ((لام)).
(٢) في المخطوطة ((مسند المنع)).

٢٧٨
.. 8.20
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
متفق عليه .
٢٣٧٠. (٧) وعن عمر بنِ الخطاب، قال: قدمَ على النبيّ وَّهِ سبْيٌّ فإِذا امرأةٌ من
السَّبْي قد تَحلَّب ثديُها تسعى، إِذا وَجدَتْ صِبِيّاً في السبي أخَذتْهُ فَأَلصَقَتْهُ بِبَطْنِها وأَرْضَعَتْهُ،
فقالَ لنا النبي ◌َّر: ((أَتَرَوْن هذه
يكون جواباً لا منعاً فإن قلت تعارض رواية ((لئن قدر عليه)» رواية ((وأن الله يقدر على أن
يعذبني)) قلت هذه لا تقاوم تلك ويفرض صحتها فيجمع على قضيتين ويحتمل أنه أوصى مرتين
مرة كان فيها ثابت العقل وأخرى مدهوش العقل مذهوب القلب (متفق عليه).
٢٣٧٠ . (وعن عمر بن الخطاب قال قدم على النبي (وَ ل﴿ سبي) هو ما يسبي من العدوّ من
الصبيان والنساء (فإذا امرأة من السَبي قد تحلب) من باب التفعل (١) أي سال (ثديها) أي ابن
ثديها لكثرته لعدم ولدها معها (تسعى) أي تعدو في طلب الولد وأغرب ابن الملك فقال أي
تسعى بما تكلف من العمل وروي تسقى أي ترضع الولد قال العسقلاني للكشميهني بسقي
بكسر الموحدة وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتانية وللباقين تسعى بفتح العين المهملة
من السعي قال شارح أي تعدو وروي في كتاب مسلم تبتغي أي تطلب ولدها وأما تسقى على
ما في بعض النسخ للمصابيح والبخاري أيضاً فليس بشيء قلت نسبته إلى البخاري ليس بشيء
لما تقدم من كلام العسقلاني من أن رواية البخاري منحصرة في الصيغتين لكن في شرح الطيبي
قال القاضي الصواب ما في رواية البخاري تسقى بالقاف من السقي أقول قوله وفي كتاب
البخاري تسقى كما في بعض نسخ المصابيح إن كان رداً للرواية فلا كلام فيه وإن كان الرد من
حيث الدراية فغير مستقيم لأن تسقى إذا جعل حالا مقدرة من ضمير المرأة بمعنى قد تحلب
ثديها مقدرة السقي فأي بعد فيه ا هـ. كلامه والذي يظهر لي أن المراد بقول القاضي الصواب ما
في رواية البخاري تسقى بالقاف من السقي وتبعه النووي بقوله الصواب ما في البخاري تسقى
بالسين من السقي هو رواية الكشميهني ليطابق نقل العسقلاني وقولهما من السقي بالقاف إحتراز
من السعي بالعين ولا دلالة في كلامهما على إنه بصيغة المصدر المدخول عليه حرف الجر أو
على إنه بصيغة المضارع فيتعين حمل كلامهما على الأول جمعا بين النقول وأما الشارح الذي
زيف ما في بعض نسخ المصابيح وكتاب البخاري فهو تسقى بصيغة المضارع من السقي بالقاف
من جهة الرواية فتأمل فإنه موضع زلل واندفع به كلام ابن حجر وعجيب من هذه الجسارة على
الرواية الصحيحة وردها بمجرد محمل لا حقيقة له (إذا وجدت) أي فاجأت (صبيا في السبي)
أي في جملة صبيان السبي (أخذته فالصقته ببطنها وأرضعته) أي محبة لولدها ورحمة وشفقة
على ولد غيرها (فقال لنا النبي وَّ﴿ أترون) بضم التاء أي أتظنون (هذه) أي المرأة مع ما عندها
٠٠,٠٠٠٠
رقم ٢٣٧٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٢٦/١٠. حديث رقم ٥٩٩٩. ومسلم في صحيحه ٤/
حديث
٢١٠٩ حديث رقم (٢٢. ٢٧٥٤).
(١) في المخطوطة ((التفعيل)).

٢٧٩
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
طارحةً ولدَها في النَّارِ؟)) فقلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تَطْرحهُ. فقال: ((للَّهُ أرحمُ بِعِبَادهِ
من هذه بِوَلَدِها)). متفق عليه.
٢٣٧١ . (٨) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لَنْ يُنْجِي أحداً منكم عمَلُه))
قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟! قال: ((ولا أنا إِلا أنْ يتغمَّدَنيَ الله منه برحمته؛ فسَدْدوا،
من عظم الرحمة حتى على أولاد غيرها (طارحة) أي ملقية (ولدها في النار فقلنا) أي لا نظن
إنها طارحة وهو أولى من قول ابن حجر لا تطرحه (وهي تقدر على أن لا تطرحه) الواو للحال
وفائدة هذا الحال إنها إن إضطرت يمكن طرحها والله منزه عن الإضطرار فلا يطرح عبده في
النار البتة (فقال الله أرحم بعباده) أي المؤمنين أو مطلقاً (من هذه بولدها) وهنا بفتح باب القدر
والقضاء ويموج بحر السر الإلهي الذي يضيق فيه القضاء فالتسليم فيه أسلم والله أعلم ولابن
حجر هنا اعتراض وكلام مما لا يلتفت إليه في مقام (متفق عليه).
٢٣٧١. (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله(وَل﴿ لن ينجي) أي من النار ولن لمجرد
النفي وقيل لتوكيده ومذهب المعتزلة أنها التأبيده والمعاني الثلاثة كلها صحيحة هنا (أحدا منكم
عمله) يعني بل فضل الله ورحمته فإن له تعالى أن يعذب الطائع ويثيب العاصي وأيضاً فالعمل
وإن بلغ ما بلغ لا يخلو عن نوع من التقصير المقتضى لرده لولا تفضل الله بقبوله وليس المراد
توهين أمر العمل ونفيه بل توقيف العباد على إن العمل إنما يتم بفضل الله وبرحمته كيلا يتكلوا
على أعمالهم إغترارا بها وقال زين العرب يعني إن النجاة والفوز بفضله ورحمته والعمل فيها
غير مؤثر فيهما إيجاباً والخطاب للصحابة والمراد معشر بني آدم أو المكلفين تغليباً (قالوا ولا
أنت يا رسول الله) قال الطيبي الظاهر ولا أياك أي للعطف على أحدا فعدل إلى الجملة الأسمية
أي من الفعلية المقدرة مبالغة أي ولا أنت ممن ينجيه عمله استبعادا عن هذه النسبة إليه ويحتمل
إنهم فهموا قوله وّل لن ينجي وإنما أرادو التثبيت فيما فهموه وحيث يتأيد به إن المتكلم يدخل
في عموم كلامه وإن خطاب الأمة يشمله وهما مسألتان مذكورتان في الأصول (قال ولا أنا)
مطابق ولا أنت أي ولا أنا ممن ينجي عمله (إلا أن يتغمدني الله) أي يسترني (منه برحمته)
والاستثناء منقطع أي إلا أن يلبسني لباس رحمته فأدخل الجنة برحمته والتغمد الستر أي يسترني
برحمته ويحفظني كما يحفظ السيف بالغمد بكسر الغين وهو الغلاف ويجعل رحمته محيطة بي
إحاطة الغلاف للسيف وحاصل الحديث إن العمل المجرد لا ينفع وإنما يفيد إذا كان مقروناً
بالفضل والرحمة وقال الطيبي أي النجاة من العذاب والفوز بالثواب بفضل الله ورحمته والعمل
غير مؤثر فيهما على سبيل الإيجاب غايته إنه يعد العامل لأن يتفضل عليه ويقرب الرحمة إليه
ولذا قال (فسددوا) أي بالغوا في التسديد وإصابة الصواب وفعل السداد [وقولوا قولاً سديداً]
لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً﴾ [الأحزاب. ٧٠] أي صواباً
حديث رقم ٢٣٧١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٤/١١ حديث رقم ٦٤٦٣. ومسلم في ٢١٦٩/٤
حديث رقم (٢٨١٦.٧٨).
٠٠١٠٠
٦ ٥٢:٦٩

٢٨٠
٢٠٠٠
۔۔
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
وقارِبُوا، واغْدُوا، وروحوا، وشيءٌ من الدُّلْجَةِ، والقَصدَ القصدَ تبلغُوا)). متفق عليه.
٢٣٧٢. (٩) وعن جابرِ، قال: قال رسول الله وَلّ: ((لا يُدخِلُ أحداً منكم عملُهُ الجنَّةَ
ولا يُجيزُهُ من النَّارِ، ولا أنا إِلا برحمةِ الله)) رواه مسلم .
i
٢٣٧٣ . (١٠) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله وَّل: ((إِذا أسْلَمَ العبدُ فحسُنَ
إِسلامُهُ؛ يكفّرِ اللَّهُ عنهُ كلَّ سيئةٍ
وعدلا (وقاربوا) أي حافظوا القصد في الأمور بلا غلو ولا تقصيراً وتقربوا إلى الله بكثرة
القربات لكن بحيث لا يحصل لكم الملالة في الطاعات والعبادات (واغدوا وروحوا) أي أعبدوا
الله واذكروه طرفي النهار وزلفا من الليل كقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من
الليل﴾ [هود. ١١٤] وهو معنى قوله (وشىء من الدلجة) بضم الدال وسكون اللام كذا في
النسخ وفي النهاية الدلجة بالفتح والضم سير الليل وفي القاموس الدلجة بالضم والفتح السير من
أول الليل وقد أدلجوا فإن ساروا من آخره فادلجوا بالتشديد وشيء مرفوع على الابتداء وخبره
مقدر أي أعملوا فيه أو مطلوب عملكم فيه وقيل التقدير وليكن شيء من الدلجة وقيل إنه
مجرور لعطفه على مقدر أي أعملوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة وقال العسقلاني شيئاً
منصوب لمحذوف أي أفعلوا اهـ. لكن لا يساعده رسم الكتاب قال الطيبي شبه هذه الأوقات
من حيث إنها توجه إلى مقصد وسعى للوصول إليه بالسلوك والسير وقطع المسافة في هذه
الأوقات (والقصد القصد) أي الزموا التوسط في العبادة والتكرير للتأكيد أو بإعتبار الأعمال
والأخلاق وقيل أي الزموا القصد في العمل وهو إستقامة الطريق والأمر الذي لا غلو فيه ولا
تقصير (تبلغوا) أي المنزل مجزوم على جواب الأمر قال الطيبي بين أوّل إن العمل لا ينجي
ايجاباً لئلا يتكلوا عليه وحث آخرا على العمل لئلا يفرطوا فيه بناء على إن وجوده وعدمه سواء
بل العمل ادنى إلى النجاة فكأنه معد وإن لم يوجب (متفق عليه).
٢٣٧٢. (وعن جابر قال: قال رسول الله وَّ﴿ لا يدخل) بضم أوله (أحدا منكم عمله)
فاعله (الجنة ولا يجبره) أي لا يخلصه ولا ينجيه (من النار ولا أنا) أي أياي (إلا رحمة الله) أي
إلا عملاً مقروناً برحمته فالاستثناء متصل فدخول الجنة بمحض الفصل ودرجاتها على حسب
أعمال أصحابها بمقتضى العدل (رواه مسلم).
٢٣٧٣. (وعن أبي سعيد قال: رسول الله وَلي إذا أسلم العبد فحسن إسلامه) أي
بالإخلاص فيه بأن لا يكون منافقاً وليس معناه استقام على الإسلام وأدى حقه وأخلص في
عمله لإيهامه إن مجرد الإسلام الصحيح لا يكفر فإنه ينافيه قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن
ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ [الأنفال. ٣٨] ويدل على ما قلنا قوله (يكفر الله عنه كل سيئة
حديث رقم ٢٣٧٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٧١/٤ حديث رقم ٢٨١٧.٧٧.
حديث رقم ٧٣٧٣: أخرجه البخاري فى صحيحه ٩٨/١. حديث رقم ٤١.
: