Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٣٤
١٤١
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
﴿مَنْ جاءَ بالحسنَةِ فَلَه عشْرُ أمثالِها﴾، وأزِيدُ؛ ومَنْ جاءَ بالسيّئَةِ فجَزاءُ سيّئةٍ مثلُها أو فأغفِرُ؛
ومَنْ تقرَّبَ مني شبراً، تقرَّتُ منه ذِراعاً؛ ومَنْ تقرَّبَ مني ذِراعاً تقرَّبتُ منه باعاً؛ ومنْ أتاني
يَمشي أتيتُه هرولةً؛ ومَنْ لقيني بقُرابِ الأرضِ
غير مبطلة ولذا لم يقل من فعل الحسنة والحسنة المعهودة فهنا المرادة في قوله تعالى: ﴿من
جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ [ الأنعام . ١٦٠ ] أي بفرد من أفرادها أي فرد كان (﴿فله عشر
أمثالها﴾) أي ثواب عشر حسنات أمثالها حذف المميز الموصوف وأقام الصفة مقامه والحاصل
أن له عشر مثوبات، كل منها مثل تلك الحسنة في الكيفية. وهذا أقل المضاعفة في غير
الحرم، بمقتضى الوعد. ولذا قال: (وأزيد) أي لمن أريد الزيادة من أهل السعادة على عشر
أمثالها إلى سبعمائة ضعف وإلى مائة ألف وإلى أضعاف كثيرة. (ومن جاء بالسيئة) أي غير
مكفرة وهي المعهودة كما سبق (فجزاء سيئة مثلها) أي عدلاً (أو أغفر) فضلاً قال الطيبي اختص
ذكر الجزاء بالثانية لأن ما يقابل العمل الصالح كله فضال وإكرام من الله، وما يقابل السيئة فهو
عدل وقصاص فلا يكون مقصوداً بالذات. كالثواب فخص بالجزاء وأما إعادة السيئة نكرة
فلتنصيص معنى الوحدة المبهمة في السيئة المعرفة المطلقة وتقريرها وأما معنى الواو في وأزيد
فلمطلق الجمع أن أريد بالزيارة الرؤية كقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس.
٢٦] وأن أريد بها الأضعاف، قالوا وبمعنى أو التنويعية، كما هي في قوله: أو أغفر والأظهر
ما قاله ابن حجر من أن العشر والزيادة يمكن اجتماعهما بخلاف جزاء مثل السيئة ومغفرتها فإنه
لا يمكن اجتماعهما فوجب ذكر أو الدال على أن الواقع أحدهما فقط (ومن تقرب) أي طلب
القربة (مني) أي بالطاعة (شبراً) أي مقداراً قليلاً قال الطيبي شبراً وذراعاً وباعا في الشرط
والجزاء منصوبان على الظرفية أي من تقرب إلي مقدار شبر (تقربت) أي بالرحمة (منه ذراعاً)
قيل أي أوصلت رحمتي إليه مقداراً زيد منه وقيل المراد منه والله أعلم مجازاته وإثابته بأضعاف
ما يتقرب به إلى الله تعالى. وسمى الثواب تقرباً على سبيل المقابلة والمشاكلة أو لأنه من أجله
وبسببه وقيل، تقرب الباري سبحانه إليه بالهداية وشرح صدره لما تقرب به إليه وكان المعنى إذا
قصد ذلك وعمله أعنته وسهلته له قال الطيبي هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة
ظاهه فمعناه من تقرب إليّ بطاعتي تقربت إليه برحمتي (ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً)
وهو قدر مد اليدين وما بينهما من البدن وعلى هذا كلما زاد العبد قربة من الله تعالى زاد الله
رحمته به، فذكر الذراع والباع للتمثيل والتصوير لإفهامهم لمجازاة العبد فيما يتقرب به إلى ربه
بمضاعفة لطفه وإحسانه (ومن أتاني) حال كونه (يمشي) أي في طاعتي (أتيته هرولة) وهي
الاسراع في المشي دون العدو. أي صببت عليه الرحمة. وقيل أي من تقرب مني بسهولة وصل
إليه رحمتي بسرعة. قال الطيبي: وهي حال أي مهرولاً مفعول مطلق أو لأن الهرولة نوع من
الاتيان، فهو كرجعت القهقرى. لكن الحمل على الحال أولى لأن قرينه يمشي حال لا محالة
قال ابن حجر: وهذا كالشرح لما أفهمه إعطاء العشر والزيادة في مقابلة الحسنة من أن سعة
تفضله على عبادة بلغت الغاية التي ما وراءها غاية قلت كما يدل على سعة مغفرته المذكورة في
قوله أو أغفر قوله (ومن لقيني بقراب الأرض) بضم القاف ويكسر أي يمثلها مأخوذ من القرب
/ cci
١
٠ ٠٥٠

:٤٢٨
١٤٢
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
خَطيئةً لا يَشْرِكُ بي شيئاً لقيتُه بمثلِها مغفرةً». رواه مسلم.
٢٢٦٦. (٦) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َطِّ: ((إِنَّ الله تعالى قال: مَنْ
عادَى لِي وَلِيّاً
وقال الطيبي: أي ما يقرب ملأها من الصغائر والكبائر (خطيئة) تمييز (لا يشرك بي) حال من
فاعل لقيني العائد إليّ من (شيئاً) مفعول مطلق أو مفعول به أخذا من قوله تعالى: ﴿إن الله لا
يغفر أن يشرك به ﴾ [النساء - ٤٨] (لقيته بمثلها مغفرة) أي أن أردت ذلك له لقوله تعالى:
﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء. ٤٨] ونكتة حذفه في الحديث استغناء بعلمه منها
ومبالغة في سعة باب الرجاء قال الطيبي: المقصود من الحديث دفع اليأس بكثرة الذنوب فلا حر
ينبغي أن يغتر في الاستنكار من الخطايا قال ابن الملك: فإنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
ولا يعلم أنه من أيهم اهـ. أي يغفر لمن يشاء على الذنب الكبير ويعذب من يشاء على الذنب
الحقير. أو يغفر لمن يشاء الذنوب الكثيرة ويعذب من يشاء على السيئة الصغيرة. وهذا
المقصود من آخر الحديث وأما أوله ففيه الترغيب والتحثيث على المجاهدة في الطاعة، والعبادة
دفعاً للفتور والتكاسل والقصور. فالحديث معجون مركب نافع لأمراض قلوب السالكين
ومحرك لشوق الطالبين ومقولة لصدور المذنبين واعلم أنه قلما يوجد في الأحاديث حديث
أرجى من هذا الحديث فإنه و هو رتب قوله لقيته بمثلها مغفرة على عدم الإشراك بالله فقط، ولم
يذكر الأعمال الصالحة لكن لا يجوز لأحد أن يغتر ويقول إذا كان كذلك فأكثر الخطيئة حتى
يكثر الله المغفرة وإنما قال تعالى ذلك كيلا ييأس المذنبون من رحمته ولا شك أن الله مغفرة
وعقوبة ومغفرته أكثر ولكن لا يعلم أحد أنه من المغفورين أو من المعاقبين، الإبهام قوله
تعالى: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ [الشورى. ٧] فإذا ينبغي أن يكون المؤمن بين
الخوف والرجاء، فإن الذي دل(١) عليه الأحاديث المتواترة المعنى، وصار كالمعلوم من الدين
بالضرورة ولذا كفر منكره أنه لا بدّ من دخول جماعة من موحدي هذه الأمة النار ثم خروجهم
عنها مع أن العبرة بحسن الخاتمة وهي حالة مبهمة (رواه مسلم) قال ابن حجر كما في النسخة
المعتمدة واغتر شارح بنسخة سقيمة وجدها مخالفة لذلك فاعترض بسببها على المصابيح بما
ليس في محله اهـ. ولم يعرف الشارح ولا وجه للإعتراض فهو تجهيل مجهول عند أهل العلم
غير مقبول إذ ليس تحته محصول.
504
٢٢٦٦. (وعن أبي هريرة قال: قال: رسول الله وَل﴿ إن الله تعالى قال: من عادى) أي آذى
(لي ولياً) أي واحداً من أوليائي فعيل بمعنى مفعول وهو من يتولى الله أمره فلا يكله إلى نفسه
لحظة قال الله تعالى: ﴿وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف. ١٩٦] أو المبالغة فاعل وهو
المتولي عبادة الله، وطاعته على التوالي بلا تخلل عصيان والأول يسمى مراداً ومجذوباً سالكاً
حديث رقم ٢٢٦٦: أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ج٣ الحديث رقم ٦٥٠٢.
(١) هكذا فى الأصل. ولعل الصواب ((دلت)) لأن لفظ كلمة الأحاديث مؤنث.

١٤٣
کتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزّ وجلَّ والتقرب إليه
فقدْ آذَنتُه بالحربِ؛ وما تقرَّبَ إِليَّ عَبدي بشيءٍ أحبَّ إِليَّ مِمَّا افترضْتُ عليه، وما يَزالُ
عبْدي يتقرَّبُ إِلَيَّ بالنَّوافلِ حتى أُحبَّه، فإذا أحبَبتُه كنتُ سمعَه الذي يسمَعُ به، وبصرَه الذي
يُبْصِرُ به، ويدَه التي يَبطشُ بها،
والثاني مريداً وسالكاً مجذوباً واختلف أيهما أفضل وفي الحقيقة كل مراد مريد وكل مريد مراد
وإنما التفاوت في البداية والنهاية والعناية والرعاية (فقد آذنته) بالمد أي أعلمته (بالحرب) أي
بمحاربتي إياه لأجل وليي أو بمحاربته إياي يعني فكأنه محارب لي قال الأئمة ليس في
المعاصي من توعد الله أربابها بأنه محاربه إلا هذا وآكل الربا قال تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله
ورسوله﴾ [البقرة - ٢٧٩] وهذا يدل على ما في هاتين الخصلتين من عظم الخطر، إذ محاربة
الله للعبد تدل على سوء خاتمته، لأن من حاربه الله لا يفلح أبداً (وما تقرب إليّ عبدي) أي
المؤمن وآثره لأن من شأن العبد التقرب إلى سيده بأنواع خدمته وأصناف طاعته (بشيء) من
الأعمال (أحب إليّ مما افترضت) أي من أداء ما أوجبت (عليه) أي من امتثال الأوامر واجتناب
الزواجر وقوله أحب يقتضى أن تكون وسائل القرب كثيرة وأحبها إلى الله أداء الفرائض فيندرج
فيها النوافل ولذا قال: (وما يزال عبدي) أي القائم بقرب الفرائض (يتقرب) أي يطلب زيادة
القرب (إليّ بالنوافل) أي بقرب الطاعات الزوائد على الفرائض (حتى أحببته) وفي نسخة حتى
أحبه(١). أي حباً كاملاً لجمعه بين الفرائض والنوافل، خلاف ما يوهم كلام الطيبي أن قوله ما
يزال بيان أن حكم بعض المفضل عليه الذي هو النافلة بهذه المثابة فما الظن بالمفضل الذي هو
الفرائض (فكنت سمعه) وفي نسخة صحيحة فإذا أحببته كنت سمعه وقال ابن حجر في الأصول
المشهورة حتى أحببته فكنت سمعه (الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) بضم الياء (ويده التي
يبطش) بكسر الطاء أي يأخذ (بها ورجله التي يمشي بها) قال الخطابي: أي يسرت عليه أفعاله
المنسوبة إلى هذه الآلات ووفقته حتى كأني نفس هذه الآلات. وقيل أي يجعل الله حواسه
وآلاته وسائل إلى رضائه فلا يسمع إلا ما يحبه الله ويرضاه فكأنه يسمع به الخ. وقيل أي يجعل
الله سلطان حبه غالباً عليه حتى لا يرى إلا ما يحبه الله ولا يسمع إلا ما يحبه ولا يفعل إلا ما
يحبه، ويكون الله سبحانه في ذلك له يداً وعوناً ووكيلاً يحمي سمعه وبصره ويده ورجله عما لا
يرضاه. وقيل معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع، وبصره في النظر،
ويده في الشمس، ورجله في المشي، ويمكن أن يكون المعنى إذا تقرب إليه بما افترض عليه
وزاد في التقرب بالنوافل المكملات للفرائض ومن جملتها دوام الذكر الموصل إلى حضور
الوصول وسرور الحصول ومقام الفناء عن نفسه، والبقاء بربه ظهر له آثار محبته الأزلية انكشف
له أنوار قربته الأبدية، فرأى أن ما به الكمال من السمع والبصر وقوّة القوى إنما هو من آثار
سمعه وبصره وقدرته وقوّته. وأما هو فعدم محض فلا يرى في الدار غيره ديار وقال ابن حجر:
فلا يسمع شيئاً ولا يبصر ولا يبطش ولا يمشي إلا وشهد أني الموجد لذلك والمقدر له فيصرف
(١) وفي نسخة المتن حتى ((احبه)).
٠٠١/٠٠

١٤٤
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
ورِجِلَه التي يمشي بها، وإِنْ سألني لأُعطِيَنَّه، ولَئنِ اسْتَعاذني لأُعيذَنَّه، وما تردَّدْتُ عنْ شيءٍ أنا
فاعلُه تردُّدي عن نفس المؤمن، يكرهُ الموتَ وأنا أكرَهُ مَساءَتَه، ولا بُدَّ له منه)).
٦ ك يـ
م جودـ
جميع ما أنعمت به عليه إلى ما خلق لأجله من طاعتي فلا يستعمل سمعه وغيره من مشاعره إلا
فيما يرضيني، ويقربه مني، فلا يتوجه لشيء إلا وأنا منه بمرأى، ومسمع فأنا له سمع وعين
ويد ورجل وعون ووكيل وحافظ ونصير. كما هو جلي عند أئمة العرفان دون غيرهم إذ لا
يؤمن عليهم لضيق العبارة عما يوهم لغير ذوي الإشارة من الأغاليط، التي هي الحلول والاتحاد
والانحلال عن رابطة الشرع الملجئه إلى مضايق الضلال ومن هذا يتضح لك قاعدة مهمة وهي
إن ما أشكل عليك من عبارات الأولياء فإن أمكن تأويلها فبادر إليه، كقول أبي يزيد ليس في
الجية غير الله. فإن لم يكن فإن صدرت في مقام غيبه، فلا حرج على قائلها لأنه غير مكلف
حينئذ، وكذا إن وقع الشك في ذلك وإن صدرت مع تحقيق صحوه، أقيم عليه حكمها الشرعي
إذ الولي ليس بمعصوم والمحفوظ ربما فرط منه ما عوقب به ثم عاد إليه حاله (وإن سألني
لأعطينه) بالتأكيد. وفي التعبير بأن دون إيماء إلى أنه قد يصل إلى مقام يترك فيه السؤال اتكالاً
على علمه بالحال أو لأنه لا يطلب غير الملك المتعال (ولئن استعاذني) قال العسقلاني:
ضبطناه بوجهين إلا شهر بالنون بعد الذال المعجمة والثاني بالموحدة (لأعيذنه) أي مما يخاف
من البعد (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن) وفي نسخة عن قبض نفس
المؤمن وقال ابن حجر كما في رواية قيل التردد هو التخير بين أمرين لا يدري أيهما أصلح.
وهو محال على الله سبحانه فاؤلوه على ترديد الأسباب والوسائط وجعلوا قصة موسى عليه
الصلاة والسّلام مع ملك الموت سنداً لقولهم. وقيل، المراد من لفظ التردد إزالة كراهة الموت
عن المؤمن بما يبتليه الله به من المرض، والفاقة، وغيرهما، فأخذه المؤمن عما تشبث به من
حب الحياة شيئاً فشيئاً بالأسباب التي ذكرنا يشبه فعل المتردد من حيث الصفة فعبر عنه بالتردد.
وقال القاضي: التردد تعارض الرأيين وترادف الخاطرين. وهو وإن كان محالاً في حقه تعالى
إلا أنه أسند إليه باعتبار غايته ومنتهاه الذي هو التوقف. والتأني في الأمر وكذلك في سائر ما
يسند إلى الله تعالى من صفات المخلوقين كالغضب والحياء والمكر. والمعنى ما أخرت وما
توقفت المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن أتوقف فيه وأريه ما أعددت له
من النعم والكرامات حتى يسهل عليه، ويميل قلبه إليه شوقاً إلى أن ينخرط في سلك المقربين
ويتبوّأ في أعلى عليين (يكره الموت) استئناف جواباً عما يقال ما سبب التردد. والمراد أنه يكره
شدة الموت بمقتضى طبعه البشري لأن نفس الموت تحفة المؤمن يوصله إلى لقاء الله، فكيف
يكرهه المؤمن (وأنا أكره مساءته) قال ابن الملك: أي إيذاءه بما يلحقه من صعوبة الموت
وكربه، وقال ابن حجر: أي أكره ما يسوءه لأني أرحم به من والديه. لكن لا بد له منه لينتقل
من دار الهموم والكدورات إلى دار النعيم والمسرات. فعلته به إيثاراً لتلك النعمة العظمى،
والمسرة الكبرى. كما أن الأب الشفوق يكلف الابن بما يكلفه من العلم وغيره وإن شق عليه
نظر الكمالة الذي يترتب على ذلك اهـ. وهو خلاصة كلام وحاصل كلامهم أن إضافة المساءة
من باب إضافة المصدر إلى مفعوله. وفيه أنه لو كرهه تعالى لما وجد في الخارج إذ وجود

١٤٥
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
رواه البخاريّ.
- بيون
٢٢٦٧. (٧) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((إِنَّ لله ملائكةً يطوفون في الطرُق
يلتمسونَ أهلَ الذِّكر، فإِذا وجدوا قوماً. يذكرونَ الله تنادَوْا: هلمُّوا إلى حاجتِكم)) قال:
«فيحُفُّونهم بأجنحتهم
الأشياء بقدرته وهو متوقف على إرادته ولا مكره له تعالى. في إبداء مصنوعاته. فاظاهر أن
الإساءة مضافة إلى فاعله وهو لا ينافي إرادته كما حقق في محله، الفرق بين المشيئة والإرادة
والرضا والكراهة فإن بعض المراد مكروه غير مرضي فالمعنى أكره مساءته لكراهته الموت فإنه
لا ينبغي أن يكره الموت بل يجب أن يحبه. فإن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، [ومن كره
لقاء الله كره الله لقاءه]. وفي نسخة صحيحة ولا بد له منه وهو في أصل ميرك وكذا في شرح
المصابيح لابن الملك. وقال ابن حجر: كما في رواية والمعنى ولا بد للمؤمن من الموت فلا
معنى للكراهة أو ولهذا لا أدفع عنه الموت. قال تعالى: ﴿فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله
فيه خيراً كثيراً﴾ [النساء. ١٩]، (رواه البخاري) قيل آخر الحديث في كتاب البخاري،
والحميدي، وجامع الأصول، وشرح السنة، وليس فيها فإذا أحببته كما في نسخ المصابيح.
ولا زيادة لفظ قبض عند قوله عن قبض نفس المؤمن، ولا قوله ولا بد له منه، في آخر
الحديث. المذكورات وردت في حديث روى أنس نحوه في شرح السنة .
٢٢٦٧ . (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَّ ر، إن الله ملائكة يطوفون) أي
يدورون (في الطرق) أي طرق المسلمين وفي نسخة بالطرق (يلتمسون أهل الذكر) أي يطلبونهم
ليزوروهم ويستمعوا ذكرهم (فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله) بأي ذكر كان وأما قول الطيبي المراد
بالذكر التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتمجيد، ولم يذكر التهليل لدلالة التمجيد عليه وينصره
رواية مسلم التهليل بدل التمجيد. فبنى على أخذه من ظاهر الحديث والأظهر أن المراد هو
الأعم والمذكورات تمثيلات أو يرجع جميع معنى الإذكار إلى المورودات فتأمل فإن قراءة
القرآن من كل ذكر أفضل ومن جملة الإذكار الأدعية والاستغفار وفيه دلالة على أن للإجتماع
على الذكر مزية ومرتبة (تنادوا) أي نادى بعض الملائكة بعضاً قائلين (هلموا) أي تعالوا مسرعين
(إلى حاجتكم) أي من استماع الذكر وزيارة الذاكر، وإطاعة المذكور. واستعمل هلم هنا على
لغة بني تميم إنها تثني وتجمع وتؤنث ولغة الحجازيين بناء لفظها على الفتح وبقاؤه بحاله مع
المثنى والجمع والمؤنث. ومنه قوله تعالى: ﴿قل هلم شهداءكم﴾ [الأنعام - ١٥٠] (قال) أي
النبي عليه الصلاة والسّلام (فيحفونهم بأجنحتهم) قيل الباء للتعدية، أي يديرون أجنحتهم حول
الذاكرين وقيل للإستعانة. أي يطوفون ويدورون حولهم لأن حفهم الذي ينتهي إلى السماء إنما
يستقيم بالأجنحة والذي يظهر من رواية مسلم الآتية إن معناه فيحف بعضهم بعضاً باستعانتها
حديث رقم ٢٢٦٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٤٨/١١ حديث رقم ٦٥٠٢. ومسلم في صحيحه ٤٪
٢٠٦٩ حديث رقم (٢٦٦٩.٢٥) وأحمد في المسند ٣٨٢/٢.
i
i
الود
١/٤٨١
١٠

١٤٦
١٠٠٠
٤٠٠
١٢٠
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
إلى السماءِ الدنيا» قال: ((فيسألُهم ربُّهم وهوَ أعلَمُ بِهِم: ما يقولُ عِبادي؟)) قال: ((يقولون:
يُسبِحونَكَ ويكبِّرونَكَ، ويَحْمَدونَكَ ويُمجّدونَكَ)) قال: ((فيقولُ: هلْ رأوني؟)) قال:
(فيقولون: لا والله ما رأَوْك)) قال: ((فيقولُ: كيفَ لوْ رَأَوْني؟»، قال: «فيقولونَ: لوْ رأوْكَ
كانوا أشدَّ لكَ عبادةً، وأشدَّ لكَ تمجِيداً، وأكثرَ لكَ تسبيحاً» قال: «فيقولُ: فما يسألونَ؟
قالوا: يسألونكَ الجنَّةَ)) قال: ((يقولُ: وهلْ رأَوْها؟ فيقولونَ: لا والله يا ربِّ ما رأَوْها!))
قال: ((يقولُ: فكيفَ لوْ رأَوْها؟ قال:
ويمكن الجمع بأنهم يحفون الذاكرين ثم يحف بعضهم بعضاً (ويتوجهون إلى السماء الدنيا) قال
الطيبي: أي يقف بعضهم فوق بعض إلى السماء الدنيا. وأما قول ابن حجر فتسبق منهم فرقة
فيحيطون بهم ويسترونهم بأجنحتهم ثم تلحقها فرقة أخرى فتحفهم وتسترهم كذلك وهكذا إلى
أن يصلوا إلى عنان السماء الدنيا فموقوف صحته على نقل مرفوع وإلا فهو مدفوع لعدم
الاحتياج إليه في صحة حمل الكلام عليه. ثم أغرب نقل عن الطيبي إنه قال الظاهر أن الباء
للإستعانة. ثم قال: وكون ذلك ظاهراً فيه وقفة انتهى. ووجه غرابته أن قول ابن حجر
ويسترونهم بأجنحتهم صريح في معنى الاستعانة دون التعدية ففي معارضته مناقضة (قال
فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم) أي منهم قال الطيبي: رحمه الله - وهو أعلم حال والاحسن أن
تكون معترضة أو تتميماً حِيّانة عن التوهم يعني لتوهم أن تكون الحال منتقلة والحال أنها
مؤكدة. وهو في غاية من التدقيق ونهاية في التحقيق. وأغرب ابن حجر حيث قال ولا عبرة
بهذا التوهم لو سلم. كيف والمقصود رفع إيهام فيسألهم انتهى فتأمل (ما يقول عبادي) الإضافة
للتشريف. وفائدة السؤال مع العلم بالمسؤول التعريض للملائكة بقولهم ﴿أتجعل فيها من يفسد
فيها﴾ [البقرة. ٣٠] الآية (قال) أي النبي وَلّ (يقولون) أي الملائكة (يسبحونك) أي عبادك
يسبحونك (ويكبرونك ويحمدونك) بالتخفيف (ويمجدونك) بالتشديد، أي يذكرونك بالعظمة أو
ينسبونك إلى المجد وهو الكرم وقيل ذكر لا حول ولا قوّة إلا بالله. وفي رواية مسلم الآتية ذكر
التهليل بدل التمجيد وهو يدل على أن ذكر هذه الأنواع ليس للإشتراط، بل للتمثيل به لحصول
المقصود ببعضها، وبغيرها، والغرض من الكل إفادة التهليل الذي هو لب التوحيد وخلاصة
التفريد (قال فيقول) أي الله (هل رأوني قال فيقولون لا والله) أقسموا زيادة في مدح الذاكرين (ما
رأوك) فيه تنبيه على أن تسبيح بني آدم وتقديسهم أعلى وأشرف. لأنه في عالم الغيب مع وجود
الموانع وتقديس الملائكة في عالم الشهادة بلا صارف (قال فيقول) أي الله (كيف لو رأوني)
تعجب وتعجيب، وجواب لما دل عليه كيف. لأنه سؤال عن الحال، أي لو رأوني ما يكون
حالهم في الذكر (قال فيقولون) وفي نسخة يقولون (لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك
تمجيداً) أي تعظيماً (وأكثر لك تسبيحاً) فيه إيماء إلى أن تحمل مشقة الخدمة على قدر المعرفة
والمحبة (قال فيقول فما يسألون) أي مني (قالوا يسألونك الجنة) فيه إشارة إلى أن سؤال الجنة
ليس بمذموم فإنها دار الجزاء واللقاء وإنما ذم من لا يعبد الله إلا الرجاء الجنة أو لخوف النار
فإن الله تعالى يستحق العبادة لذاته (قال يقول وهل رأوها) فيه إشعاراً بأن الجنة مخلوقة موجودة
حسية (فيقولون) وفي نسخة قال فيقولون (لا والله ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال
٣٩,٦٫٠٠٠

١٤٧
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
((يقولونَ: لو أنَّهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصاً، وأشدَّ لها طلباً، وأعظمَ فيها رغبةٌ. قال: فممَّ
يتعوذون؟ قال: ((يقولونَ: من النَّارِ)) وقال: يقولُ: فهل رَأوْها؟)) قال: ((يقولون: لا والله يا ربِّ
ما رأوها)) قال: ((يقول: فكيف لو رأوها؟)) قال: ((يقولونَ لو رأوها كانوا أشدَّ منها فراراً، وأشدً
لها مخافةً)). قال: ((فيقول: فأشهدُكم أني قد غفرتُ لهم)). قال: ((يقول مَلَكٌ من الملائكةِ:
فيهم فلانٌ ليسَ منهم، إنما جاءَ لحاجةٍ. قال: هم الجلساءُ لا يشقى جليسُهم)). رواه البخاري.
وفي رواية مسلم، قال: ((إِنَّ اللَّهِ ملائكةٌ سيَّارةَ فُضُلا
يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة) لأن الخير ليس
كالمعاينة (قال) أي الله ( فمم) أي فمن أي شيء (يتعوّذون قال يقولون من النار) لأنها أثر
غضب الله وعقابه ومحل أصحاب بعده وحجابه (قال يقول فهل رأوها قال يقولون لا والله يا
رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فراراً) بفرارهم عما
يجر إليها (وأشد لها مخافة) أي خوفاً في قلوبهم بكثرة الاستعاذة منها. وهذا بسط عظيم في
السؤال والجواب اقتضاء كثرة ذكر رب الأرباب في جمع أولى الألباب. ولعل هذا هو المعنى
بقوله من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه. وفي الحديث إشعار بأفضلية العبادة في عالم
الغيب كما أن الإيمان بالغيب أفضل من الإيمان بالشهادة. ولهذا قيل المكاشفة التامة لأولياء
الأمة ثم ما ذكر مخصوص بالمؤمنين وأما الكافرون فكما قال تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا
عنه وأنهم لكاذبون﴾ [الأنعام - ٢٨] (قال فيقول فاشهدكم إني قد غفرت لهم) أي بذكرهم فإن
الحسنات يذهبن السيئات (قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان) كناية عن اسمه ونسبه (ليس
منهم) أي من الذاكرين حال من المستتر في الخبر وقيل من فلان على مذهب سيبويه (إنما جاء)
أي إليهم (الحاجة) أي دنيوية له فجلس معهم يريد الملك بهذا إنه لا يستحق المغفرة (قال هم
الجلساء) أي الكاملون (لا يشقى) بفتح الياء (جليسهم) أي مجالسهم قال الطيبي أي هم جلساء
لا يخيب جليسهم عن كرامتهم فيشقى انتهى. وفي الحديث ترغيب في مخالطة أهل الذكر قال
تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة - ١١٩] وقال بعض
العارفين: أصحبوا مع الله فإن لم تغدر فأصحبوا مع من يصحب مع الله (رواه البخاري وفي
رواية مسلم قال إن لله ملائكة سيارة) أي كثيرة السير. ومنه أخذ سياحة الصوفية (فضلاً) صفة
بعد صفة للملائكة وهو بضمتين وسكون(١)، الثاني تخفيفاً جمع فاضل كبزل وبازل. ونشر
وناشر. وهو من فاق أصحابه وأقرانه علماً وشرفاً. وفي نسخة بفتح فسكون. وفي نسخة
فضلاً، وعلى وزن العلماء. قال السيد جمال الدين: روايتنا في المشكاة فضلاً بفتح الفاء
وسكون الضاد. ويضم الفاء وسكون الضاد. وبضم الفاء والضاد. وبضم الفاء وفتح الضاد
ممدوداً. وفي الأوجه الأربعة بالنصب. وفي شرح مسلم قوله فضلاً ضبطناه على أوجه أحدها
وهو أرجحها وأشهرها في بلادنا فضلاً بضم الفاء والضاد والثاني(٢) بضم الفاء وإسكان الضاد.
: مجم
(١) في المخطوطة ((يكون)).
2006
(٢) في المخطوطة ((الثانية)).

١٤٨
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
يبتغونَ مجالسَ الذِكر، فإِذا وجدُوا مجلساً فيه ذكرٌ قعدُوا معَهُم، وحفَّ بعضُهم بعضاً
بأجنحتِهم، حتى يملأوا ما بينَهم وبينَ السَّماءِ الدُّنيا، فإِذا تفرَّقوا عرَجُوا وصَعِدوا إِلى
السماءِ، قال: فَيَسأَلُهم اللَّهُ، وهو أعلمُ: من أين جِئْتُم؟ فيقولون: جِثْنا من عندِ عبادكَ في
الأرض يُسبِحونكَ، ويُكبِّرونكَ، ويُهللونك، [ويمجدونك]، ويَحْمدونكَ، ويسألونك.
قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنّتك. قال: وهلْ رأوا جنَّتي؟ قالوا: لا، أي ربّ!
قال: وكيف لو رأوا جنَّتي؟! قالوا: ويَستجيرونَكَ. قال: ومِمَّ يستجيروني؟ قالوا: من
نارِكَ. قال: وهلْ رأوا ناري؟ قالوا: لا. قالَ: فكيفَ لو رأوا ناري؟! قالوا:
ورحجه(١) بعضهم وادّعى أنه أكثر وأصوب. والثالث بفتح الفاء وإسكان الضاد قال القاضي:
هكذا الرواية عند جمهور مشايخنا في البخاري، ومسلم. والرابع بضم الفاء والضاد ورفع
اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف. والخامس فضلاء بالمد جمع فاضل. قال العلماء معناه
على جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة وغيرهم لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر اهـ.
وفي رواية الترمذي إن الله ملائكة سياحين في الأرض فضلاً عن كتاب الناس (يبتغون) أي
يطلبون (مجالس الذكر) وفي نسخة يتبعون بتشديد التاء وكسر الموحدة. وفي نسخة
بالتخفيف وفتحها. وفي نسخة صحيحة من التفعل. وفي شرح مسلم ضبطوه على وجهين
أحدهما بالعين المهملة من التتبع وهو البحث عن الشيء والتفتيش. والثاني يبتغون بالغين
المعجمة من الابتغاء وهو الطلب وكلاهما صحيح. وقال ابن حجر: يبتغون من الابتغاء
ويروى ويتتبعون من التتبع (فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر) أي غالباً (قعدوا معهم) أي مع
الذاكرين (وحف بعضهم) أي بعض الملائكة (بعضاً) أي بعضاً آخر منهم (بأجنحتهم) أي
باستعانتها (حتى يملؤا) أي الملائكة (ما بينهم) أي بين الذاكرين (وبين السماء الدنيا فإذا
تفرقوا) أي أهل الذكر (عرجوا) أي الملائكة (وصعدوا) بكسر العين أي طلعوا (إلى السماء)
أي السابعة (قال فيسألهم الله وهو أعلم) أي بهم أو بحالهم كما في نسختين (من أين جئتم
فيقولون جئنا من عند عبادك) فيه غاية تشريف لبني آدم حال كونهم (في الأرض يسبحونك
ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال وماذا يسألوني) بتشديد النون وتخفف (قالوا
يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أرى رب قال وكيف لو رأوا جنتي) قال الطيبي:
جواب لو ما دل عليه كيف لأنه سؤال عن الحال. أي لو رأوا جنتي ما يكون حالهم في
الذكر. فإن قلت ما الفرق بين مجيء جواب الملائكة في رواية البخاري لو أنهم رأوها الخ.
وبين عدم ذكر الجواب في رواية مسلم. قلت كيف في رواية البخاري لمجرد السؤال عن
الحال وفي رواية مسلم للتعجيب والتعجب مثلاً (قالوا ويستجيرونك) عطف على ويسألونك
والجملة من السؤال أو الجواب فيما بينهما معترضة أي يستعيذونك (قال ومما يستجيروني)
بالوجهين (قالوا من نارك قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري قالوا
(١) في المخطوطة و((رجحها)).

١٣٥٠
١٤٩
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
يستغفرونَكَ)). قال: ((فيقول: قد غفَرْتُ لهم، فأعطيتُهم ما سألوا، وأَجرتُهم ممَّا استجاروا»
قال: (يقولون: ربّ! فيهم فلانٌ عبدٌ خطّاءٌ، إنما مرَّ فجلس معهم)). قال: ((فيقول: ولهُ
غفرتُ، همُ القومُ لا يشقَى بهم جَليسُهُم)).
٢٢٦٨ . (٨) وعن حنظلةَ بنِ الرَّبيع الأسَيْدي، قال: لقيَني أبو بكرٍ فقال: كيفَ أنتَ
يا حنظلة؟ قلت: نافَقَ حنظلةُ. قالَ: سبحانَ الله ما تقول؟!
يستغفرونك) أي أيضاً. وفي نسخة ويستغفرونك بالعطف (قال فيقول قد غفرت لهم فاعطيتهم
ما سألوا) لعل العدول عن الواو إلى الفاء لترتب الإعطاء على المغفرة (وأجرتهم) من أجاره يجيره
إذا آمنه من الخوف (مما استجاروا) أي طلبوا الأمان (قال يقولون رب) أي يا رب (فيهم فلان عبد
خطاء) أي كثير الذنوب أم ملازم للذنب بدل من فلان (إنما مر) أي لحاجة (فجلس معهم) قال
الطيبي: أي ما فعل فلان إلا المرور والجلوس عقيبة. أي ما ذكر الله تعالى اهـ. أي ما ذكر الله
قصداً أو إخلاصاً وإلا فسماع الذكر ذكر (قال فيقول وله غفرت) أي أيضاً أو بطفيلهم يعني غفرت
لهذا العبد أيضاً ببركة الذاكرين وقال الطيبي أي غفرت لهم وله ثم اتبع غفرت تأكيداً أو تقريراً (هم
القوم) قال الطيبي تعريف الخبر يدل على الكمال. أي هم القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة
(لا يشقى) أي لا يتعب أو لا يصير شقياً (بهم) أي بسببهم وببركتهم (جليسهم) أي مجالسهم
والجملة صفة لأن المعرف بلام الجنس كالنكرة أو حال ويجوز كونها (١) استئنافاً لبيان مزيد كما
لهم. قال ابن الملك: أي لا يحرم من الثواب بل يجد من بركتهم نصيباً وفي هذا ترغيب العباد
في مجالسه الصلحاء لينالوا نصيباً منهم.
٢٢٦٨ - (وعن حنظلة) هذا كاتب الرسول # لا حنظلة بن مالك غسيل الملائكة (ابن
الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة وفي نسخة الربيع بفتح الراء وكسر
الموحدة وسكون التحتانية كذا بخط الكرماني شارح البخاري ويؤيده ما في مقدمة ابن حجر
الربيع كثير وبالتصغير امرأتان ا هـ. فينبغي الاعتماد عليها (الأسيدي) بضم الهمزة وفتح السين
وتشديد الياء، وتخفيفها والأوّل أصح وأشهر على ما في شرح مسلم (قال لقيني أبو بكر) ولعله
لما كان مغلوباً لم يقل لقيت أبا بكر كما هو مقتضى الأدب (فقال كيف أنت يا حنظلة) سؤال
عن الحال. أي كيف استقامتك على ما تسمع من النبي ول# أهي موجودة أم لا، وقال الطيبي:
أي أتستقيم على الطريق أم لا (قلت نافق حنظلة) عبر عن نفسه لغيبته عنها بالغيبة أي صار
منافقاً وأراد إنفاق الحال لانفاق الإيمان. قال الطيبي: فيه تجريد لأن أصل الكلام نافقت فجرد
من نفسه شخصاً آخر مثله، فهو يخبر عنه لما رأى من نفسه ما لا يرضى لمخالفة السر العلن،
والحضور الغيبة (قال) أي أبو بكر (سبحان الله) تعجب أو تبرئة وتنزيه (ما تقول) أي بين معنى
(١) في المخطوطة ((كونه)).
حديث رقم ٢٢٦٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٠٦/٤ حديث رقم (١٢ . ٢٧٥٠). والترمذي في
المسند ٧٥/٤ حديث رقم ٢٦٣٣. وأحمد فى المسند ٣٤٦/٤. بتغير بسيط.
٢٠°م
١٤١١/٠١/٠
i
٢ جوة
٠ جون
١
i
*/
i

*3X:
١٥٠
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
قلتُ: نكونُ عندَ رسولِ الله وَّهَ يُذكِّرُنا بالنارِ والجنَّةِ كأنَّا رأيَ عين، فإِذا خَرَجْنَا من عند
رسولِ اللهِ وَ﴿ عَافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيْعاتِ نسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لتَلْقى
مثلَ هذا، فانطلقتُ أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسولِ اللَّهِ وَلَهَ. فقُلتُ: نَافَقَ حنظلةُ يا
رسولَ الله! قال رسول الله وَلَه: ((وما ذاك؟)) قلتُ: يا رسولَ الله! نكونُ عندكَ تُذكّرنا بالنَّارِ
والجنةِ كانَّا رأيَ عينٍ، فإِذا خرجنا من عندك عافسْنَا الأزواجَ والأولادَ والضَيْعاتِ نسينا
كثيراً. فقال رسول الله وَلّ: ((والذي نفسي بيده، لو تدومونَ على ما تكونونَ عندي وفي
الذِكْر لصَافحتكمُ الملائكةُ
ما تقول قال الطيبي: ما استفهامية، وقوله تقول هو المتعجب منه يعني عجبت من قولك هذا
الذي حكمت فيه بالنفاق على نفسك (قلت نكون) أي جميعاً على وصف الجمعية (عند
رسول الله ◌َ*) والمعنى لا عجب في ذلك لانا نكون عنده. وأتى بضمير الجمع لأن من
المعلوم إنه لا بد في الحاضرين من يشابه حنظلة في ذلك. ولم يقل نافقنا لئلا يتوهم العموم
الشامل للخصوص (يذكرنا) بالتشديد أي يعظنا (بالنار) أي بعذابها تارة (والجنة) [أي بنعيمها]
أخرى ترهيباً وترغيباً. أو يذكرنا الله بذكرهما أو بقربهما. أو بكونهما من آثار صفتي الجلال
والجمال. (كأنا) أي حتى صرنا كأنا (رأي عين) بالنصب. أي كأنا نرى الله أو الجنة والنار
رأي عين. فهو مفعول مطلق بإضمار نرى وفي نسخة بالرفع. أي كانا رأونا بالعين على أنه
مصدر بمعنى اسم الفاعل ويصح كونه الخبر للمبالغة، كرجل عدل (فإذا خرجنا) أي فارقناه
على وصف التفرقة (من عند رسول الله وَير عافسنا الأزواج والأولاد) أي خالطناهم ولاعبناهم
وعالجنا أمورهم واشتغلنا بمصالحهم (والضيعات) أي الأراضي والبساتين وقال الطيبي: ضيعة
الرجل ما يكون معاشه به كالزراعة والتجارة ونحوهما (نسينا) بدل اشتمال من عافسنا. أو هو
جواب إذا وجملة عافسنا بتقدير قد حال والمعنى نسينا كثيراً كما في نسخة صحيحة. أي مما
ذكرنا به وقيل أي نسياناً كثيراً (وقال أبو بكر) إذا قلت ذلك وذكرت بيانه (فوالله إنا لنلقى) أي
كانا (مثل هذا) أي من التفاوت وفي الحال لما تقرر من تأثير صحبة أهل الكمال (فانطلقت
أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله وَ ﴿ فقلت نافق حنظلة يا رسول الله. قال رسول
الله ◌َ ﴿ وما ذاك) أي وما سبب ذلك القول (قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار
والجنة كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً)
قال الطيبي: أي كثيراً مما ذكرتنا به أو نسياناً كثيراً كأنا ما سمعنا منك شيئاً قط. وهذا أنسب
بقوله رأي عين (فقال رسول الله وَ ﴿ والذي نفسي بيده لو تدومون) أي في حال غيبتكم عني
(على ما تكونون عندي) أي من صفاء القلب والخوف من الله تعالى قاله الطيبي. أو من دوام
الذكر وتمام الحضور فيكون قوله (وفي الذكر) معطوف على قوله على ما تكونون عطف
تفسير. وقال الطيبي: عطف على خبر كان الذي هو ندي. وقال ابن الملك: الواو بمعنى أو
عطف على قوله ما تكونون. أو على عندي، أي لو تدومون في الذكر. أو على ما تكونون
في الذكر وأنتم بعداء مني من الاستغراق فيه (لصافحتكم الملائكة) قيل أي علانية وإلا
///

١٥١
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
على فُرشكُم وفي طرقكُمْ، ولكنْ يا حنظلةُ! ساعةً وساعةً)) ثلاثَ مرَّاتٍ. رواه مسلم.
فكون(١) الملائكة يصافحون أهل الذكر [حاصل] وقال ابن حجر: أي عياناً في سائر الأحوال
وإن كنتم (على فرشکم وفي طرقكم) أي في حالتي فراغكم وشغلكم وفي زمان أيامكم،
ولياليكم، لأنكم إذا كنتم في الحضور والغيبة على ما ذكرتم كنتم على أكمل الأحوال دائماً
ومن هو كذلك مع الموانع البشرية، والقواطع النفسية، يرى الملائكة متبركين به معظمين له
في كل من الأمكنة، والأزمنة، قال الطيبي: المراد الدوام (ولكن يا حنظلة ساعة) أي كذا
يعني المنافسة (وساعة) أي كذا يعني المعافسة. وفي المصابيح ساعة فساعة. وقال ابن
الملك: الفاء في الساعة الثانية للإيذان بأن إحدى الساعتين معقبة بالأخرى. وفي بعض
النسخ بالواو ا هـ. يعني لا يكون الرجل منافقاً بأن يكون في وقت على الحضور وفي وقت
على الفتور. ففي ساعة الحضور وتؤدون حقوق ربكم وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ
أنفسكم. ويحتمل أن يكون قوله ساعة وساعة للترخيص. أو للتحفظ. لئلا تسأم النفس عن
العبادة وحاصله أن يا حنظلة هذه المداومة على ما ذكر مشقة. لا يطيقها كل أحد فلم يكلف
بها وإنما الذي يطيقه الأكثرون أن يكون الانسان على هذه الحالة، ولا عليه بأن يصرف نفسه
للمعافسة المذكورة، وغيرها ساعة أخرى. وأنت كذلك فأنت على الصراط المستقيم، ولم
يحصل منك نفاق قط كما توهمته، فانته عن اعتقاد ذلك. فإنه مما يدخله الشيطان على
السالكين، حتى يغيرهم عما هم فيه، ثم لا يزال يغيرهم كذلك إلى أن يتركوا العمل رأساً
(ثلاث مرات) أي قال ذلك ثلاث مرات وهو يحتمل أن يكون قوله والذي الخ. أو قوله
ولكن الخ أو قوله ساعة وساعة وإنما اختار الطيبي الأخير لتحققه. وهذا يدل على تحقيقه
فاندفع قول ابن حجر وتعيين الشارح لا دليل عليه، أقول ونظير هذا المبحث وقوع الاستثناء
بعد الجمل فإنه راجع عند أئمتنا المحققين إلى الجملة الأخيرة. بخلاف مذهب الشافعي فإنه
يعود إلى جميع ما ذكر كما حقق في قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم
الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك ﴾ [النور - ٤- ٥] فتقبل شهادة القاذف عنده بعد
التوبة. ولا تقبل عندنا وقوله أبداً يؤيده ثلاث مرات للتأكيد، ولإزالة ما اهتم به نفس حنظلة
عنه، ولبيان أنهم لا يقدرون على دوام الحضور من غير الفتور قال الطيبي: أي قال ثلاث
مرات ساعة يكون في الذكر والحضور وساعة في معافسة الأزواج وغيرها، وفي ذلك تقرير
على الحالة التي كان حنظلة عليها، وأنكرها. ومن ثمة ناداه باسمه تنبيهاً على أنه كان ثابتاً
على الصراط المستقيم، وما نافق قط. أي النفاق العرفي وهو إظهار الإيمان وإبطال الكفر
وإنما أراد بقوله نافق حنظلة أما المعنى اللغوي وهو أن يكون عنده وَّر على حاله، وعند
غيره على حالة أخرى. وأما التشبيه الحالي فإن حاله يشبه حال المنافق لعدم استمراره على
مقام المواقف (رواه مسلم).
(١) في المخطوطة ((فيكون)).
٢٢٢٠٨١٦

١٥٢
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
الفصل الثاني
٢٢٦٩. (٩) وعن أبي الدرداءِ رضي الله عنه، قال: قال رسُول اللَّهِ وَّ: ((ألا أنبِئِكُم
بخيرِ أعمالكم وأزكاها عندَ مليككم وأرفعها في درجاتكم وخيرِ لكُمْ من إِنفاقِ الذهبِ
والوَرِقِ وخير لكم من أن تَلقَوْا عَدُوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويَضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى.
قال: ((ذكرُ اللَّهِ».
(الفصل الثاني)
٢٢٦٩ . (عن أبي الدرداء) قال الطيبي: رجل أدرد ليس في فيه سن (قال قال رسول الله
وَ له: ألا أنبئكم) أي ألا أخبركم (بخير أعمالكم) أي أفضلها (وأزكاها) أي إنماها وأنقاها (عند
مليككم) أي في حكم ربكم (وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق) بكسر
الراء ويسكن أي الفضة في مرضاة الله (وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم) أي خير من بذل
الأموال والأنفس في سبيل الله بأن تجاهدوا الكفار (فتضربوا أعناقهم) أي أعناق بعضهم
(ويضربوا) أي بعضهم (أعناقهم) وهذا تصوير لأعلى مراتب المجاهدة. قال الطيبي: قوله وخير
مجرور عطفاً على خير أعمالكم من حيث المعنى، لأن المعنى ألا أنبئكم بما هو خير لكم، من
بذل أموالكم، وأنفسك في سبيل الله. وقال ابن حجر: عطف على خير أعمالكم عطف خاص
على عام، لأن الأوّل خير الأعمال مطلقاً، وهذا خير من بذل الأموال، والانفس. أو عطف
مغاير بأن يراد بالأعمال الأعمال اللسانية. فيكون ضد هذا لأن بذل الأموال والنفوس من
الأعمال الفعلية اهـ. ومراده بضده مغايره (قالوا بلى. قال: ذكر الله) قال ابن الملك: المراد
الذكر القلبي فإنه هو الذي له المنزلة الزائدة على بذل الأموال والأنفس لأنه عمل نفسي وفعل
القلب الذي هو أشق من عمل الجوارح بل هو الجهاد الأكبر لا. الذكر باللسان المشتمل على
صياح وإنزعاج وشدة تحريك العنق واعوجاج كما يفعله بعض الناس. زاعمين إن ذلك جالب
للحضور، وموجب للسرور، حاشا لله بل سبب الغيبة والغروراهـ. ولا شك أن الذكر يطلق
على الجنائي، وعلى اللساني، وأن المدار على القلب الذي يتقلب بسبب ذكر المذكور من
الغيبة إلى الحضور. وإنما اللفظي وسيله ولحصول الوصول وصله وأختلف المشايخ في أيهما
أفضل بانسبة إلى المبتدىء وإن كان ينتهي المنتهى أيضاً الذكر القلبي. وأما الأمور البدعية،
والأغراض الدنيوية، فخارجة عن الأنواع الذكرية. ولا ريب أن الجمع بينهما أكمل وفي
تحصيل المثوبة أفضل. والظاهر إنه المراد هنا لأن المجاهد المذكور، والمقاتل المشكور، لا
يخلو عن الذكر القلبي اللهم إلا أن يقال المراد أن ذكره القلبي الذي هو الجهاد الباطني أفضل
حديث رقم ٢٢٦٩ أخرجه الترمذي في السنن ١٢٧/٥ حديث رقم ٣٤٣٧. وابن ماجه ١٢٤٥/٢ حديث
رقم ٣٧٩٠ ومالك في الموطأ. وأحمد في المسند ٤٤٧٠/٦
/١٠/١٠
١٣٢/١٠

ive
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
١٥٣
من مضاربته التي هي الجهاد الظاهري فيكون الحديث نظير قوله ويلي: «لو أن رجلاً في حجره
دراهم يقسمها وآخر يذكر كان الذاكر الله أفضل)) كما رواه الطبراني عن موسى (١) فاندفع ما تحير
فيه ابن حجر حيث قال. وكون الذكر الشامل للقرآن خيراً من بقية الأعمال اللسانية ظاهر ومن
إنفاق الأموال وبذل النفوس الله مشكل [اذ قضية كلام أئمتنا العكس] اهـ. ولدفع هذا الأشكال
وما يترتب عليه من المقال. قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام. في قواعد: هذا
الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات. بل قد يأجر
الله تعالى على قليل الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها. فإذا الثواب يترتب على تفاوت الرتب
في الشرف اهـ. وهو القول الحق. وأما قول ابن حجر إنه جرى على الأخذ بظاهر الحديث،
مع قطع النظر عن مقتضى كلام الأئمة، فهو تقليد مطلق. ثم أغرب وقال الأنفاق يقطع داء
البخل، وبذل النفس يقطع داء الجبن، وادمان الذكر لا يقطع شيئاً من هذين الداءين اللذين لا
أخبث منهما بل لا يجدي إلا حد المقصود اهـ. وهو مبني. على غفلته عن معنى الذكر
وحقيقته فإنه لا يرتفع جميع العلل الظاهرة، والباطنة إلا بالذكر المؤثر في القلب، الذي هو
سلطان الأعضاء، ومنه ينشأ بذل الأموال والأنفس وغيرها. وبدونه إنما هو خسارة مال وضياع
نفس لا فائدة فيهما حيث لا تقرب بهما. ولهذا قال شارح ولعل الخيرية والأرفعية في الذكر
لأجل أن سائر العبادات من إنفاق الذهب والفضة ومن ملاقاة العدوّ والمقاتلة معهم إنما هي
وسائل ووسائط يتقرب العباد بها إلى الله تعالى. والذكر إنما هو المقصود الأسنى والمطلوب
الأعلى وناهيك عن فضيلة الذكر قوله تعالى: ﴿فأذكروني أذكركم﴾ [البقرة. ١٥٢] وأنا جليس
من ذكرني وأنا معه إذا ذكرني الحديث وغير ذلك. ولذا قال الغزالي بعد ما دخل في مقام
الذكر: ضيعت قطعة من العمر في الوجيز والوسيط: بل يعد العارفون الغفلة من أنواع الردة ولو
خطر على سبيل المبالغة كما قال:
ولو خطرت لي في سواك ارادة
على خاطري سهو أحكمت بردتي
ثم لا إرتياب إن أفضل الذكر قول لا إله إلا الله. وهي القاعدة التي بني عليها أركان
الدين. وهي الكلمة العليا وهي القطب الذي يدور عليها رحى الإسلام، وهي الشعبة التي أعلى
شعب الإيمان. قال الطيبي: بل هو الكل وليس غيره. قل انما يوحى إليّ أنما الهكم إله
واحد(٢). إذ الوحي مقصور على إستئثار الله تعالى بالوحدانية لأن المقصود الأعظم من الوحي
هو التوحيد، وسائر التكاليف متفرع عليه. ثم قال ولأمر ما تجد العارفين وأرباب القلوب
واليقين، يستأثرونها على سائر الإذكار لما رأوا فيها خواص ليس الطريق (٣) إلى معرفتها إلا
الوجدان والذوق اهـ. ومما يوضح لك ذلك. السيد علي بن مميون المغربي لما تصرف في
الشيخ علوان الحموي، وهو كان مفتيا مدر سافنهاه عن الكل وأشغله بالذكر فطعن الجهال فيه
(١) رواه الطبراني في الأوسط ذكره في كنز العمال ٤٢١/١ حديث رقم ١٨٠٢.
(٣) في المخطوطة ((الطرق)).
(٢) في المخطوطة ((أن)).
١

١٥٤
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، إِلا أنَّ مالكاً وقفه على أبي الدرداءِ.
٢٢٧٠. (١٠) وعن عبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ، قال: جاءَ أعرابيٍّ إِلى النبيّ وَِّ، فقال: أُّ
النَّاسِ خيرٌ؟ فقال: ((طُوبَى لمن طالَ عمرهُ، وحَسُنَ عمَله)). قال: يا رسولَ اللَّهِ! أيُّ
الأعمالِ أَفضلُ؟ قال: ((أنْ تُفارِقَ الدنيا ولسانُكَ رَطْبٌ
بإنه أضل شيخ الإسلام ومنعه عن نفع الأنام. ثم بلغ السيد أنه يقرأ القرآن أحياناً فمنعه منه فقال
الناس إنه زنديق يمنع من تلاوة القرآن الذي هو قطب الإيمان وغوث الإيقان لكن طاوعه المريد
إلى أن حصل له المزيد وانجلت مرآة قلبه وحصل له مشاهدة ربه. فأذن له في قراءة القرآن. فلما
فتح المصحف فتح عليه الفتوحات الإزلية، والأبدية، وظهر له كنوز المعارف، والعوارف،
والظاهرية، والباطنية، فقال السيد أنا ما كنت أمنعك عن القرآن وإنما كنت أمنعك عن القلقة
اللسان والغفلة عما فيه من البيان، في هذا الشأن والله المستعان، (رواه مالك وأحمد والترمذي
وابن ماجة) وكذا الحاكم في المستدرك (١) (إلا أن مالكا وقفه) بالتخفيف (على أبي الدرداء) يعني
والباقون رفعوه إلى النبي ◌َّ﴿ ولا يضر لأن الحكم لمن وصل لا لمن وقف. لأن مع الأوّل زيادة
العلم بالوصل وزيادة الثقة مقبولة ولأن هذا مما لا يقال من قبل الرأي فوقفه كرفع غيره.
٢٢٧٠ . (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة. قال ابن حجر:
٠٥٠٠
وفي نسخة نمير(٢) اهـ. والظاهر إنه تصحيف (قال جاء أعرابي إلى النبي ◌َّر فقال أي الناس
خير) أي أفضل حالا وأطيب مآلا (فقال طوبى لمن طال عمره وحسن عمله) فعلّى من الطيب
والمراد بهم الثناء عليه، والدعاء له بطيب حاله في الدارين كذا ذكره ابن حجر. والأظهر إنه
خبر لأنه جواب أي الناس خير. ويمكن أن يكون المراد من طوبى الجنة أو شجرة في الجنة
نعم أهلها وتشمل محلها. قال الطيبي: ظاهر الجواب من طال عمره وحسن عمله كأنه قال غير
خاف إن خير الناس من ذكر والمهم أن تدعو له فتصيب من بركته اهـ. وتبعه ابن حجر
٧٣٧/٢٦٣٠ ١٠٠
والأظهر إنه أخبار عن طيب حاله، وحسن مآله، فيكون متضمناً للجواب ببلاغة مقال، وقال ابن
الملك: إنما عدل في الجواب إلى أمارات تدل على حال المسؤول عنه من سعادته في
الدارين، إذا طال عمره، وحسن عمله، لأن العلم بالمسؤول عنه من الأمور الغيبية التي استأثر
الله بعلمها اهـ. وإذا فتشت هذا الكلام ترى هباءً منثوراً بلا بقاء ونظام. ثم خطر ببالي إنه وَّل
لعله زاد كلمة طوبى لتكون كلمة جامعة، وحكمة رابعة، مستقلة غير تابعه للسؤال المانع عن
الإستقلال وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية من غير ذكر سبب الورود (قال يا رسول الله
أي الأعمال أفضل قال أن تفارق الدنيا ولسانك) الواو للحالية (رطب) أي قريب العهد أو
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٦.
حديث رقم ٢٢٧٠ أخرجه الترمذي في السنن ٣٨٧/٣ حديث رقم ٢٤٣١. والدارمي في السنن ٣٩٨/٢
حديث رقم ٢٧٤٨. وأحمد في المسند ٤٣/٥.
(٢) في المخطوطة ((غير)).

١٥٥
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
من ذِكْر الله)). رواه أحمد، والترمذي.
٢٣٧١ . (١١) وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((إِذا مَرَرْتُم
برياض الجنَّةِ فارتعوا)). قالوا: وما رياضُ الجنةِ؟ قال: ((حِلَقُ الذكرِ)).
متحرك طري (من ذكر الله) والذكر يشمل الجلي ، والخفي، واللسان يحتمل القلبي، والقالبي.
ولا منع من الجمع بل هو أدعى إلى مقاما الجمع وفيه الإشارة إلى أفضل الأعمال ما يختم به
الأحوال ويمكن أن يراد بمفارقة الدنيا الزهد في الدنيا وبرطب اللسان، بل القلب بذكز المولى
فإن الإناء يترشح بما فيه. ومن أحب شيئاً أكثر ذكره بفيه. وقال الطيبي: رطوبة اللسان عبارة
عن سهولة جريانه كما أن يبسه عبارة عن ضده وسهولة الجريان بالمداومة فكأنه قيل أفضل
الأعمال مداومة الذكر فإن الذكر هو المقصود وسائر الأعمال وسائل إليه (رواه أحمد والترمذي)
وروى ابن حبان والبزار والطبراني عن معاذ قال: ((آخر كلام فارقت عليه رسول الله وَله إن قلت
أي الأعمال أحب إلى الله قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله)) وزاد الطبراني: ((قلت يا
رسول الله أوصني قال عليك بتقوى الله ما استطعت واذكر الله عند كل حجر وشجر وما عملت
من سوء فأحدث الله فيه توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية)) اهـ. قال ميرك: وكان هذا حين
أرسله وسجر حاكماً إلى اليمن في آخر وداعه.
٢٢٧١ . وعن أنس قال (قال رسول الله وَّيقول إذا مررتم برياض الجنة) من باب تسمية
الشيء باسم ما يؤول إليه أو بما يوصل إليه ويدل عليه (فارتعوا) كناية عن أخذ الخط الأوفر
والنصيب الأوفى (قالوا وما رياض الجنة قال حلق الذكر) بكسر الحاء وتفتح. قال الطيبي:
بكسر الحاء وفتح اللام جمع الحلقة مثل قصعة وقصع وهي الجماعة من الناس يستديرون
كحلقة الباب وغيره. وقال الجوهري: جمع الحلقة حلق بفتح الحاء على غير قياس. وحكى
ابن عمرو أنّ الواحد حلقة بالتحريك والجميع حلق بالفتح اهـ. وكأنه أراد بالجمع الجنس قيل
هذا الحديث مطلق في المكان والذكر فيحمل على المقيد المذكور في باب المساجد. والذكر
هو سبحان الله والحمد لله الخ ذكره الطيبي. وقيل هي مجالس الحلال والحرام والظهر حمله
على العموم. وذكر الفرد الأكمل بالخصوص لا ينافي عموم المنوص وحاصل المعنى اذا مررتم
بجماعة يذكرون الله تعالى فإذكروه أنتم موافقه لهم فإنهم في رياض الجنة. قال النووي: رحمه
الله وأعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله وهو يكون بالقلب وقد يكون
باللسان وأفضل منهما ما كان بالقلب واللسان جميعاً فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل.
وينبغي أن لا يترك الذكر باللسان مع القلب بالاخلاص خوفاً من أن يظن به الرياء. وقد نقل
عن الفضيل ترك العمل لأجل الناس رياء. والعمل لأجل الناس شرك. والإخلاص أن يخلصك
الله عنهما لكن لو فتح الإنسان على نفسه باب ملاحظة الناس والإحتراز عن طرق ظنونهم
الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير ١ هـ. وروي إن بعض المريدين قال لشيخه أنا أذكر الله
وقلبي غافل فقال له أذكروا شكر إن شغل عضواً منك بذكره وأسأله أن يحضر قلبك ومن
حديث رقم ٢٢٧١: رواه الترمذي في السنن ١٩٤/٥ حديث رقم ٣٥٧٧. وأحمد في المسند ٦٥/٣.

١٥٦
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجل والتقرب إليه
رواه الترمذي.
٢٢٧٢. (١٢) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول اللّهِ بَّهِ: ((مَنْ قعَدَ مقْعداً لم يَذْكُرِ اللَّهَ
فيه كانَتْ عليهِ منَ اللَّهِ ترة، ومن اضطجع مَضْجعاً لا يذكرُ اللَّهَ فيهِ كانَت عليه من اللَّهِ تِرةً)).
الغريب أن القاضي عياض قال: لا ثواب في الذكر بالقلب. ومن العجيب أن البلقيني قال وهو
حق لا شك فيه اهـ. ولعل كلامهما محمول على ذكر عين الشارع تلفظه. وسماع نفسه كما
قال الجزري في الحصن، كل ذكر مشروع أي مأمور به في الشرع واجباً كان أو مستحباً لا يعتد
بشيء منه حتى يتلفظ به ويسمع نفسه اهـ. فالإطلاق غير صواب فقد روى أبو يعلي عن عائشة
قالت قال: رسول الله ﴿ لفضل(١) الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة سبعون ضعفاً اذا كان
يوم القيامة جمع الله الخلائق لحسابهم وجاءت الحفظة بما حفظوا وكتبوا قال لهم أنظروا هل
بقي له من شيء فيقولون ما تركنا شيئاً مما علمناه وحفظناه إلا وقد أحصيناه، وكتبناه فيقول الله
إن لك عندي حسنا لا تعلمه وإنما أجزيك وهو الذكر الخفي اهـ. وهو المراد بقوله وَل ير الذكر
الخفي خير الذكر الجلي (رواه الترمذي) أي من حديث أنس وأخرج أيضاً من حديث أبي هريرة
مرفوعاً بلفظ ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قلت يا رسول الله وما رياض الجنة قال المساجد
قلت وما الرتع يا رسول الله قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر))(٢)
٢٢٧٢ . (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: من قعد مقعداً) أي مجلساً أو قعوداً
(لم يذكر الله فيه) أي في ذلك المجلس أو في ذلك الجلوس (كانت) أي القعدة. وفي نسخة
كان أي القعود (عليه) أي على القاعد (من الله) ا ه.ي من جهة حكمه وأمره وقضائه وقدره
(ترة) بكسر التاء وتخفيف الراء، أو نقصان، وحسرة من وتره حقه نقصه وهو سبب الحسرة
ومنه قوله تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد. ٣٥] والهاء عوض عن الواو المحذوفة مثل
عدة وهو منصوب على الخيرية. وفي نسخة بالرفع على أن الكون نام (ومن أضطجع مضجعاً)
أي مكان ضجعة وافتراش (لا يذكر الله فيه كانت) أي الاضطجاعة أو كان أي الاضطجاع
المذكور أو عدم ذكر الله عليه (من الله ترة) بالوجهين. قال الطيبي: كانت في الموضعين رويت
على التأنيث في أبي داود وجامع الأصول وفي الحديثين اللذين يليانه على التذكير فهما أقول
فعلى رواية التأنيث في كانت ورفع ترة ينبغي أن يؤوّل مرجع الضمير في كانت مؤنثاً إلى القعدة
أو وأما الاضطجاعة(٣) فيكون ترة مبتدأ. والجار والمجرور خبره والجملة خبر كان. وأما على
رواية التذكير، ونصب ترة، كما هو في المصابيح فظاهر والجار متعلق بترة ويؤيد هذه الرواية
الأحاديث الآتية بعد اهـ. ويمكن أن يقال تأنيث كان التأنيث الخبر ثم المراد بذكر المكانين
استيعاب الأمكنة كذكر الزمانين. بكرة وعيشاً لاستيعاب الأزمنة يعني من فتر ساعة. من
١٣٠٠
(١) في المخطوطة ((لفظ)).
(٢) أخرجه الترمذي في السنن حديث رقم ٣٥٠٩.
حديث رقم ٢٢٧٢ أخرجه أبو داود في السنن ٢٦٤/٤ حديث رقم ٤٨٥٦.
(٣) في المخطوطة ((الاضطجاع)).

١٥٧
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
رواه أبو داود.
٢٢٧٣. (١٣) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ما مِنْ قوم يقومونَ منْ مجلسٍ لا
يذكُرونَ اللَّهَ فيهِ إِلاَّ قاموا عنْ مثلٍ جِيفَةٍ حمارٍ، وكانَ علِيهِمْ حَسرَةً)). رواه أحمدُ، وأبو داود.
٢٢٧٤. (١٤) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَ له: ((ما جلَسَ قوْمٌ مجلساً لمْ يذكُروا اللَّهَ فيه،
ولمْ يُصلّوا على نبِيّهم، إِلاَّ كانَ عليهِم ◌ِرَةً، فإِنْ شاءَ عذَّبھمْ
الأزمنة. وفي مكان من الأمكنة. وفي حال من الأحوال. من قيام وقعود ورقود كان عليه
حسرة وندامة لأنه ضيع عظيم ثواب الذكر. كما ورد ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة
مرت بهم ولم يذكروا الله فيها (١). ثم في الحديث أتى بلم في الجملة الأولى. وبلا في الجملة
الثانية. تفننا وكذا غابر بينهما في الحديثين الآتيين لذلك قال الخطابي: في قوله وَّر لم تراعوا
معناه لا تخافوا والعرب توقع لم موقع لا (رواه أبو داود).
٢٢٧٣ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلاقى: ما من قوم يقومون من
مجلس لا يذكرون الله إلا قاموا عن مثل جيفة حمار) أي ما يقومون قياماً إلا هذا القيام وضمن
قاموا معنى تجاوزوا. وبعد واقعدي بعن ذكره الطيبي أي لا يوجد منهم قيام عن مجلسهم إلا
كقيام المتفرقين عن أكل الجيفة التي هي غاية في القذر والنجاسة. وقال ابن الملك:
وتخصيص جيفة الحمار لذكر لأنه أدون الجيف من بين الحيوانات التي تخالطنا اهـ. أو لكونه
أبلد الحيوانات أو لكونه مخالطاً للشيطان ولهذا يتعوذ عند تشبيهه بالرحمن (وكان عليهم حسرة)
بالوجهين (رواه أحمد وأبو داود) ورواه النسائي وابن حبان ولفظهما ما من قوم جلسوا مجلساً
وتفرقوا منه ولم يذكروا الله فيه، إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم
القيامة. وما مشى أحد مشى لم يذكر الله فيه إلا كان عليه تره. وما أوى أحد إلى فراشه ولم
يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة. هذا وقد ورد من حديث معاذ مرفوعاً ((ليس يتحسر أهل الجنة
يعني يوم القيامة كما في رواية إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها)) رواه الطبراني(٢).
2
٢٢٧٤ . (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وي الفر ما جلس قوم مجالساً لم
يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم) تخصيص بعد تعميم (إلا كان) أي ذلك المجلس (عليهم
ترة فإن شاء عذبهم) أي بذنوبهم السابقة وتقصيراتهم اللاحقة. وقال الطيبي : - رحمه الله . دل
على إن المراد بالترة التبعة. قال الطيبي: قوله فإن شاء عذبهم من باب التشديد والتغليظ
ويحتمل أن يصدر من أهل المجلس ما يوجب العقوبة، من حصائد ألسنتهم، والصلاة على
١
i
١
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان الحديث رقم ٥١٢٠
حديث رقم ٢٢٧٣ أخرجه أخرجه أبو داود في السنن ٢٦٤/٤ حديث رقم ٤٨٥٥ وأحمد في المسند ٣٨٩/٢.
(٢) والبيهقي في شعب الإيمان.
حديث رقم ٢٢٧٤ أخرجه الترمذي في السنن ١٢٩/٥ حديث رقم ٣٤٤٠ وأحمد في المسند ٤٥٣/٢.
٠٠١

١٥٨
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
وإِنْ شاءَ غفَرَ لهم)). رواه الترمذي.
٢٢٧٥. (١٥) وعن أمّ حَبيبَةَ، قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ وَّرَ: ((كلُّ كلام ابنِ آدَمَ عَلَيهِ لا
لَه، إِلَّ أمرٌ بمعروفٍ، أو نهيّ عنْ مُنكرٍ، أوْ ذكرُ اللَّهِ)). رواه الترمذيّ، وابنُ ماجه. وقال
الترمذي: هذا حديثٌ غريب.
٢٢٧٦ . (١٦) وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللّهِ وَّهِ: ((لا تُكثِروا
الكلامَ بغيرِ ذِكرِ اللَّهِ، فإِنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكر اللَّهِ قَسْوَةٌ للقلْبِ، وإِنَّ أبعَدَ النَّاسِ من اللَّهِ
القلبُ القاسِي)).
الرسول في هذا الحديث تلميح إلى معنى قوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوك
فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ [النساء. ٦٤] (وإن شاء غفر لهم)
أي فضلاً منه ورحمة وفيه ايماء بأنهم اذا ذكروا الله لم يعذبهم حتماً بل يغفر لهم جرماً (رواه
الترمذي) وقال حسن صحيح.
٢٢٧٥ . (وعن أم حبيبة قالت: قال رسول الله وَلاير: كل كلام ابن آدم عليه) أي ضرره
ووباله عليه وقيل يكتب عليه (لا له) أي ليس له نفع فيه أو لا يكتب له دكر تأكيداً (إلا أمر
بمعروف) مما فيه نفع الغير من الأوامر الشرعية (أو نهي عن منكر) مما فيه موعظة الخلق من
الأمور المنهية (أو ذكر الله) أي ما فيه رضا الله من الأذكار الآلهية كالتلاوة، والصلاة على
النبي وَّر، والتسبيح، والتهليل، والدعاء للوالدين، وما أشبه ذلك، وظاهر الحديث إنه لا يظهر
في الكلام نوع يباح للانام اللهم إلا أن يحمل على المبالغة والتأكيد في الزجر عن القول الذي
ليس بسديد. وفي بعض النسخ لفظ عليه غير موجود فعليه يزول الأشكال ويظهر المقصود وقد
يقال إن قوله له تفسير لقوله عليه. ولا شك أن المباح ليس له نفع في العقبى أو يقال التقدير
كل كلام ابن آدم حسرة عليه لا منفعة له فيه إلا المذكورات وأمثالها فيوافق بقية الأحاديث
المذكورة وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو
معروف أو إصلاح بين الناس﴾ [النساء. ١١٤] وبه يرتفع إضطراب الشراح في أمر المباح
(رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب).
٢٢٧٦ . (وعن ابن عمر قال. قال رسول الله وَّر: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله) فيه
إشارة إلى أن بعض الكلام مباح وهو ما يعنيه (فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة) أي سبب
قساوة (للقلب) وهي النبو عن سماع الحق والميل إلى مخالطة الخلق، وقلة الخسية، وعدم
الخشوع، والبكاء، وكثرة الغفلة عن دار البقاء (وإن أبعد الناس من الله) أي من نظر رحمته
وعين عنايته (القلب القاسي) أي صاحبه أو التقدير أبعد قلوب الناس القلب القاسي أو أبعد
حديث رقم ٢٢٧٥: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٣١٥/٢ حديث رقم ٣٩٧٤.
حديث رقم ٢٢٧٦: أخرجه الترمذي في السنن ٥٢٥/٤ الحديث رقم ٢٤١١.

١٥٩
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
رواه الترمذيّ.
٢٢٧٧. (١٧) وعن ثَوْبانَ، قال: لمَّا نزَلتْ ﴿والذينَ يكْنِزُونَ الذَّهبَ والفِضَّةَ﴾ كنّا
معَ النبيِّ وَّ في بعضٍ أسفارِهِ، فقال بعضُ أصحابهِ: نزلَتْ في الذَّهبِ والفِضَّةِ، لو علِمنا
أيُّ المالِ خيرٌ فنتَّخذَه؟ فقال ((أفضلُه لسان ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وزَوجةٌ مؤمنةٌ تُعينُه على
إِیمانِه)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
الناس من له القلب القاسي. قال الطيبي : . رحمه الله. ويمكن أن يعبر بالقلب عن الشخص لأنه به
كما قيل المرء باصغريه أي بقلبه ولسانه [فلا يحتاج إذا إلى حذف الموصول مع بعض الصلة].
قال تعالى: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ [البقرة. ٧٤] الآية.
وقال عز وجل: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا
كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾ [الحديد.١٦] (رواه الترمذي).
٢٢٧٧ . (وعن ثوبان قال لما نزلت ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾(١) كنا مع النبي وَلاقه
في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه نزلت في الذهب والفضة) أي ما نزلت أو ما نزلت هذه الآية
%
في الذهب والفضة وعرفنا حكمهما ومذمتهما (لو علمنا) لو للتمني (أي المال خير) مبتدأ وخبر
.": -
والجملة سدت مسد المفعولين لعلمنا تعليقاً (فنتخذه) منصوب بإضمار إن بعد الفاء جواباً للتمني
قيل السؤال، وإن كان تعيين المال ظاهراً لكنهم أرادوا ما ينتفع به عند تراكم الحوائج. فلذلك
أجاب عنه بما أجاب ففيه شائبة من الجواب عن أسلوب الحكيم (فقال أفضله) أي أفضل المال أو
أفضل ما يتخذه الإنسان قنية (لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة) قال الطيبي: الضمير في
أفضله راجع إلى المال على التأويل النافع أي لو علمنا أفضل الأشياء نفعاً فنقتنيه ولهذا السر
استثنى الله من أتى بقلب سليم من قوله مال ولا بنون(٢) والقلب إذا سلم من آفاته شكر الله تعالى
فسرى ذلك إلى لسانه فحمد الله وأثنى عليه ولا يحصل ذلك إلا بفرغ القلب، ومعاونة رفيق يعينه
في طاعة الله تعالى اهـ. ولهذا قال (تعينه على إيمانه) أي على دينه بأن تذكرة الصلاة والصوم
وغيرهما من العبادات وتمنعه من الزنا وسائر المحرمات. وقيل إنما أجاب عليه الصلاة والسلام
بما ذكر لأن المال ينفع مالكه ولا شيء للرجال أنفع مما ذكر وظاهر كلام الطيبي إن القلب مقدم
على اللسان في نسخة فبنى عليه ما ذكره وإلا فيقال إذا ذكر الله بلسانه سرى ذلك إلى جنانه فشكر
على إحسانه فقدر الله تعالى له مؤنسة تعينه على إيمانه وهذا طريق المريدين ومسلك أكثر
السالكين والذي ذكره الطيبي طريقة المرادين المجذوبين قال تعالى: [وقليل ما هم] ﴿وقليل من
عبادي الشكور﴾ [سبأ. ١٣] (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه).
حديث رقم ٢٢٧٧: أخرجه ابن ماجه في السنن ٥٩٦/١ حديث رقم ١٨٥٦ مع تغيير. وأحمد في المسند
٢٧٨/٥.
(١) سورة التوبة. آية ٣٤.
(٢) وهو من قول الله تعالى ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ [الشعراء . ٨٨
و٨٩].

١٦٠
كتاب الدعوات/ باب ذكر الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه
الفصل الثالث
٢٢٧٨. (١٨) عن أبي سعيدٍ، قال: خرجَ معاوية على حَلْقةٍ في المسجدِ، فقال: ما
أجلسَكم؟ قالوا: جلسْنا نذكرُ اللَّهَ. قال: آللَّهِ ما أجلسَكم إِلاَّ ذلكَ؟» قالوا: آللَّهِ ما أجلسَنا
غيرُه. قال: أما إِني لمْ أستَحلِفكم تُهَمَةً لكم، وما كانَ أحدٌ بمنزِلَتي منْ رسولِ اللهِ وَّ أَقلَّ عنه
حديثاً مني، وإنَّ رسولَ اللَّهِ،وَّهُ خرِجَ على حَلْقةٍ منْ أصحابهِ، فقال: ((ما أجلسَكم هاهنا؟»
قالوا: جلسنا نذكرُ اللَّهَ تعالى ونحمدُه على ما هدَانا للإِسلام، ومَنَّ به علينا. قال: ((آلله ما
أجلَسكم إِلاَّ ذلكَ؟)) قالوا: آللَّهِ ما أجلسَنا إلاَّ ذلكَ. قال: ((أَمَا إِني لم أستحلفْكم تُهْمةً لكم،
(الفصل الثالث)
١٠٠٠
١٠٠٠
١٣٢/١
٢٢٧٨ - (عن أبي سعيد قال: خرج معاوية على حلقة) بسكون اللام وتفتح أي جماعة
متحلقة (في المسجد) متقابلين على الذكر بالاجتهاد (فقال ما أجلسكم) أي ما السبب الداعي
إلى جلوسكم هلى هذه الهيئة هنا وهو استفهام (قالوا جلسنا نذكر الله) أي الذي أجلسنا هو
غرض الاجتماع على الذكر (قال الله) بالمد والجر (ما أجلسكم إلا ذلك) ما هذه نافية. قال
السيد جمال الدين: قيل الصواب بالجر لقول المحقق الشريف في حاشيته همزة الاستفهام
وقعت بدلاً عن حرف القسم ويجب الجر معها اهـ. وكذا صحيح في أصل سماعنا من
المشكاة، ومن صحيح مسلم، ووقع في بعض نسخ المشكاة بالنصب انتهى كلامه وهو يشعر
بأن خلاصة الطيبي حاشية من السيد الشريف على المشكاة كما هو مشهور بين الناس وهو بعيد
جداً، أما أوّلاً فلانه غير مذكور في أسامي مؤلفاته، وثانياً أنه مع جلالته كيف يختصر كلام
الطيبي اختصاراً مجرداً لا يكون تصرف فيه أبداً. ثم اعلم أن النصب في المواضع الأربعة وقع
في نسخة السيد عفيف الدين قال الطيبي: قيل الله بالنصب أي أتقسمون بالله فحذف الجار
وأوصل الفعل ثم حذف الفعل اهـ. وتبعه ابن حجر ولا يخلو عن التكلف(١) والتعسف (قالوا
الله) تقديره أي أو نعم نقسم بالله (ما أجلسنا غيره) فوقع الهمزة موقعها مشاكلة وتقريراً (٢) لذلك
كما قرره الطيبي، ولا يخفى أنه لا يحتاج إليه فإن الهمزة وقعت بدل حرف القسم فلا وجه
للمشاكلة. نعم أطنبوا في الجواب حيث عدلوا عن أي أو نعم تأكيداً لرفع الحجاب (قال) أي
معاوية (أما) بالتخفيف للتنبيه (إني) بالكسر لا غير كما في النسخ المصححة وأما قول ابن حجر
أما استفتاحية(٣)، أو بمعنى حقاً على رأي وإني بالكسر على الأول وبالفتح على الثاني فمحمول
على تجويز عقلي منه على أن كون أما بمعنى حقاً لا ينافي الكسر (لم استحلفكم تهمة لكم)
حديث رقم ٢٢٧٨: أخرجه مسلم في وأحمد في المسند ٤/ ٩٢.
(١) في المخطوطة ((التخلف بل من)).
(٣) في المخطوطة استفهامية.
(٢) في المخطوطة ((وتقيراً).