Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
درجةٌ وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ؛ فإِذا صلّى، لم تزَلْ الملائكةُ تُصلّي عليه ما دامَ في مُصَلاَّه:
اللهُمَّ صلٌ عليه، اللهُمَّ ارحمْهُ. ولا يزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما انتظَرَ الصَّلاةَ)). وفي روايةٍ:
قال: إِذا دخلَ المسجدَ كانتِ الصلاةُ تحبِسُه)). وزادَ في دعاءِ الملائكةِ: («اللهُمَّ اغفر له،
اللھُمَّ تُبْ علیه. ما لم يُؤْذِ فیه، ما لم يُحدِثْ فیه».
درجة) أي إذا لم يكن عليه ذنوب. (وحط عنه بها خطيئة) أي إذا كان عليه سيئات. ويمكن أن
يجمع له بين الرفع والحط، وهو الظاهر والفضل واسع. (فإذا صلى لم تزل) بالتأنيث ويذكر
(الملائكة تصلي عليه) أي تدعو له بالخير وتستغفر من ذنوبه (ما دام في مصلاه اللهم صل عليه)
جملة مبينة لقوله: تصلي عليه. وفي ذلك فخامة. (اللهم ارحمه) قال الطيبي: طلب الرحمة
بعد طلب المغفرة، لأن صلاة الملائكة استغفار لهم. (ولا يزال أحدكم في صلاة) أي حكماً
أخروياً يتعلق به الثواب. (ما انتظر الصلاة) أي ما دام ينتظرها، فإن الأعمال بالنيات بل نية
المؤمن خير من عمله. (وفي رواية قال: إذا دخل المسجد كانت الصلاة تحبسه) أي لا يمنعه
من الخروج من المسجد غير انتظار الصلاة. وفي رواية لمسلم: لا يزال أحدكم في صلاة ما
كانت الصلاة تحبسه، أي لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة. وجاء في بعض الحكايات،
أن عبداً استأذن سيده أن يدخل المسجد ويصلي فأذن له ووقف خارج المسجد ينتظره فابطا
العبد عليه. فقال له: اخرج. فقال: ما يخليني أخرج. فقال: من هو، فقال: الذي لا يخليك
تدخل (وزاد) أي في هذه الرواية: (في دعاء الملائكة. اللهم اغفر له اللهم تب عليه) أي وفقه
للتوبة أو اقبلها منه أو ثبته عليها. والمعنى، لا تزال الملائكة داعين له ما دام في مصلاه أو
منتظراً للصلاة. (ما لم يؤذ فيه) أي أحداً من المسلمين بلسانه أو يده. فإنه حدث معنوي. ومن
ثمة أتبعه بالحدث الظاهري، فقال: (ما لم يحدث فيه) أي حدثاً حقيقياً وهو بسكون الحاء
وتخفيف الدال المكسورة، أي ما لم يبطل وضوءه، لما روي أن أبا هريرة لما روى هذا
الحديث قال له رجل من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة. قال: ((فساء أو ضراط))(١).
نقله ابن الملك، وهو في بعض طرق الحديث عند الترمذي. ولعل سبب الاستفسار إطلاق
الحدث على غير ذلك عندهم، أو ظنوا أن الإحداث بمعنى الابتداع. وتشديد الدال خطأ كذا
في النهاية. وقال العسقلاني: ما لم يؤذ بحدث كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدلية.
ويجوز الرفع على الاستئناف. وللكشميهني: بحدث فيه، بلفظ الجار والمجرور متعلقاً بيؤذ.
والمراد بالحدث: الناقض للوضوء. ويحتمل أن يكون أعم من ذلك. اهـ. وقال ابن المهلب:
معناه أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم المرجو
بركته. وقيل: إخراج الريح من الدبر لا يحرم، لكن الأولى اجتنابه لأن الملائكة تتأذى بما
يتأذى منه بنو آدم كما يأتي في الحديث. ويؤخذ منه أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة
لا يمنع جواز الجلوس في المسجد. وادعى بعضهم فيه الإجماع، وفيه نظر. فقد نقل عن ابن
المسيب والحسن أنه كالجنب يمر فيه ولا يجلس، وإن جلس فيه لعبادة كاعتكاف أو انتظار
com.carl
(١) البخاري ٢٣٤/١ حديث رقم ١٣٥.
K AE'S

٠٠٦٦٦٢٠٠٠
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٨٢
٧ .٣-٢٥
متفق عليه .
٧٠٣ _ (١٥) وعن أبي أُسَيدٍ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وََّ: «إِذا دخلَ أحدُكم المسجدَ
فلْيقُلْ: اللهُمَّ افتح لي أبواب رحمتكَ. وإِذا خرجَ فليقُلْ: اللهُمْ إِني أسألُكَ منْ فَضلِك)).
رواه مسلم.
صلاة أو ذكر كان مستحباً وإلا فمباحاً. وقيل: يكره لخبر: إنما بنيت المساجد لذكر الله. قال
ابن حجر: ويجوز النوم فيه بلا كراهة عندنا، لأن أهل الصفة كانوا يديمون النوم في المسجد.
وقيل: يكره للمقيم دون الغريب، وهو قريب من مذهب مالك وأحمد. وقال جمع من
السلف: بكراهته مطلقاً. وخبر أنه عليه السلام خرج على ناس من أصحابه وهم رقود في
المسجد فقال: انقلبوا فإن هذا ليس للمرء مرقداً. إسناده مجهول منقطع. وخبر أبي ذر: رآني
عليه السلام نائماً في المسجد فضربني برجله وقال: لا أراك نائماً فيه، في إسناده مجهول أيضاً
فلا حجة فيه. اهـ. والجمع ممكن بأن يقال: يكره لمن له مسكن دون غيره. (متفق عليه).
قال ميرك: فيه نظر لأن قول: اللهم تب عليه. ليس في البخاري، بل يعلم من شرح الشيخ ابن
حجر أنه من زيادات ابن ماجة والله أعلم. ويفهم من كلام الشيخ الجزري أن قوله: لا يزال
أحدكم الخ، من أفراد مسلم. ورواه أبو داود والترمذي أيضاً تأمل، والله أعلم.
٧٠٣ - (وعن أبي أسيد) بالتصغير على ما في شرح مسلم وأسماء الرجال للمصنف.
وقيل: بفتح وكسر. والأوّل هو الصواب كذا في المغني. وقال ابن حجر في شرح الشمائل:
بفتح وكسر، لا ضم وفتح خلافاً لمن زعم. وقال الطيبي: أبو أسيد مالك بن ربيعة أنصاري
ساعدي. (قال: قال رسول الله ربيّليقول: إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب
رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك). قال الطيبي: لعل السر في
تخصيص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج، أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته
فيناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل كما قال
تعالى: فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله. (رواه مسلم) وأبو داود وكلاهما من حديث
أبي حميد أو أبي أسيد على الشك والنسائي عنهما من غير شك، وابن ماجة عن أبي حميد
وحده كذا نقله ميرك عن الصحيح. وفي خبر الحاكم وصححه: إذا دخل أحدكم المسجد
فليسلم على النبي ◌َّل﴿ وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم. وعند ابن السني: إن أحدكم
إذا أراد أن يخرج من المسجد تداعت جنود إبليس أجلبت واجتمعت كما يجتمع النحل على
الحديث رقم ٧٠٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٤٩٤/١ حديث رقم (٧١٣.٦٨). وأخرجه أبو داود في
السنن ٣١٧/١ حديث ٤٦٥ بالشك عن أبي حميد أو عن أبي أسيد. وأخرجه النسائي عنهما في
السنن ٥٣/٢ حديث رقم ٧٢٩. وأخرجه ابن ماجة في السنن عن أبي حميد ٢٥٤/١ حديث رقم
٧٧٢. والدارمي أخرجه عن أبي حميد أو عن أبي أسيد في السنن ٣٧٧/١ حديث رقم ١٣٩٤.
وأخرجه أحمد عنهما معاً في المسند ٣/ ٤٩٧.

٣٨٣
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٠٤ _ (١٦) وعن أبي قتادةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَّه قال: ((إِذا دخلَ أحدُكم المسجد،
فليركع ركعتينٍ قبلَ أنْ يجلِسَ)). متفق عليه.
يعسوبها، فإذا قام أحدكم على باب المسجد فليقل: اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده:
فإنه إذا قالها لا يضره.
٧٠٤ - (وعن أبي قتادة أن رسول الله وَّر قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع) أمر
استحباب، لا وجوب خلافاً للظاهرية. (ركعتين) يعني تحية المسجد أو ما يقوم مقامهما من
صلاة فرض أو سنة في غير وقت مكروه عندنا، أو طواف قبل أن يجلس تعظيماً للمسجد،
واستثنى الخطيب. (متفق عليه). قال ميرك: ورواه الأربعة. ووقع في المشارق للصغاني أن
هذا الحديث من رواية أبي هريرة ورقم له بعلامة خ فوهم في موضعين. قلت: المراد بالموضع
الأوّل أنه نسب الحديث إلى أبي هريرة، والحال أنه منسوب إلى أبي قتادة، وبالثاني أنه نسبه
إلى البخاري فقط وهو منسوب إلى الصحيحين. وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري
ومسلم والأربعة عن أبي قتادة وابن ماجة عن أبي هريرة. وفي رواية العقيلي وابن عدي
والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين،
وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل له من ركعتيه في بيته
خيراً (١). وفي رواية: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين(٢). وفي رواية:
اعطوا المساجد حقها. قالوا: وما حقها يا رسول الله. قال: أن تصلوا ركعتين قبل أن
تجلسوا(٣). وما يفعله بعض العوام من الجلوس أوّلاً ثم القيام للصلاة ثانياً باطل لا أصل له.
ثم الظاهر من الحديث اختصاص ندبها بمريد الجلوس، ويحتمل التقييد بالجلوس جري على
الغالب. ومن دخله وقت كراهة الصلاة أو وهو محدث قال أربع مرات: سبحان الله والحمد لله
ولا إله إلا الله والله أكبر. زاد بعضهم: ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. فقد روي عن
بعض السلف أن ذلك يعدل ركعتين فى الفضل، ويؤيده ما صح عن جابر بن زيد الإمام الكبير
التابعي أنه قال: إذا دخلت المسجد فصل فيه، فإن لم تصل فاذكر الله فكأنك قد صليت. ومن
دخل المسجد الحرام وأراد الطواف فليبدأ به وإلا فليصل. خلافاً لمن وهم خلاف ذلك من
قولهم تحية المسجد الحرام، طوافه. ثم ظاهر الحديث أنها تفوت بالجلوس. لكن روى ابن
١
الغريزة
الحديث رقم ٧٠٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٥٣٧ حديث رقم ٤٤٤. وأخرجه مسلم في صحيحه
٤٩٥/١ حديث رقم (٧١٤.٦٩) وأخرجه أبو داود في السنن ٣١٨/١ حديث رقم ٤٦٧. وذكر
(سجدتين)) بدل ((ركعتين)). وأخرجه الترمذي في السنن ١٢٩/٢ حديث رقم ٣١٦. وأخرجه
النسائي في السنن ٥٣/٢ حديث رقم ٧٣٠. وأخرجه ابن ماجة في السنن ٣٢٤/١ حديث رقم
٣٢٤. وأخرجه الدارمي في السنن ٣٧٦/١ حديث رقم ١٣٩٣. وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٦٢
حديث رقم ٥٧ من كتاب قصر الصلاة في السفر. وأخرجه أحمد في المسند ٢٩٥/٥.
(١) البيهقي في شعب الإيمان.
(٣) ابن أبي شيبة.
(٢) البخاري ٥٣٧/١ حديث رقم ٤٤٤.
i
i
i
ہے

٠٩٫٠:
٣٨٤
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٠٥ _ (١٧) وعن كعبِ بنِ مالكِ، قال: كانَ النبيُّ وََّ لا يَقدِمُ منْ سفَرٍ إِلاَّ نهاراً
في الضُّحى، فإِذا قَدِمَ بدَأَ بالمسجدِ، فصلَى فيه ركعتَينٍ، ثمَّ جلسَ فيه)). متفق عليه.
٧٠٦ - (١٨) وعن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّرِ: ((مَنْ سمعَ رجلاً يَنشُدْ
ضالَّةً في المسجدِ؛ فلْيقُلْ: لا رَدَّها اللَّهُ عليكَ، فإِنَّ المساجدَ لم تُبْنَ لهذا)).
حبان عن أبي ذر وصححه قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله مسير جالس وحده فجلست إليه
فقال: يا أبا ذر إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان فقم فاركعهما. قال: فقمت فركعتهما(١).
وبه أخذ أن الزائر إذا دخل المسجد النبوي يصلي أوّلاً ثم يزوره تقديماً لحق الله تعالى وتعظيمه
على حق رسول الله وتكريمه .
٧٠٥ - (وعن كعب بن مالك قال: كان النبي (وَلّ لا يقدم) بفتح الدال، أي لا يرجع (من
سفر إلاّ نهاراً في الضحى) وهو وقت تشرق الشمس. قيل: والحكمة في ذلك أنه وقت نشاط
فلا مشقة على أصحابه في المجيء إليه، بخلاف نصف النهار فإنه وقت نوم وراحة، وبخلاف
أواخره لأنه وقت اشتغال بأسباب العشاء ونحوه، وبخلاف الليل فإنه يشق الحركة فيه. (فإذا
قدم بدأ بالمسجد) أي بدخوله (فصلى فيه ركعتين) تعظيماً لأمر الله، ثم جلس فيه قبل أن
يدخل بيته ليزوره المسلمون شفقة على خلق الله. (متفق عليه). ورواه أبو داود والنسائي قاله
ميرك. وروى عبد الحق وضعفه خبر: وإذا دخل بيته فليصل فيه ركعتين.
٧٠٦ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلفي: من سمع رجلاً ينشد) بوزن يطلب،
ومعناه. (ضالة في المسجد) متعلق بينشد، أي يطلبها برفع الصوت. قال الطيبي: نشدت
الضالة أنشدها نشدة ونشدانا، طلبتها. وأنشدتها بالألف إذا عرفتها، من النشد رفع الصوت.
ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من البيع والشراء ونحو ذلك. وكان بعض السلف لا
يرى أن يتصدق على السائل المتعرّض في المسجد. (فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد)
تعليل للحكم، ويحتمل أن يكون من جملة المقول. (لم تبن لهذا) أي لنشدان الضالة ونحوه،
بل لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والوعظ. حتى كره مالك البحث العلمي، وجوّزه أبو حنيفة
(١) الحاكم ٢ / ٥٩٧.
الحديث رقم ٧٠٥: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩٣/٦ حديث رقم ٣٠٨٨. وأخرجه مسلم في صحيحه
٤٩٦/١ حديث رقم (٧١٦.٧٤) واللفظ له. وأخرجه أبو داود في السنن ٢٢٠/٣ حديث رقم
٢٧٨١. وأخرجه النسائي مطولاً ذكر فيه قصة المخلفين في السنن ٥٣/٢ حديث رقم ٧٣٢.
وأخرجه الدارمي في السنن ٤٢٨/١ حديث رقم ١٥٢٠. وأخرجه أحمد في المسند ٣٨٦/٦ في
قصة طويلة.
الحديث رقم ٧٠٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٩٧ حديث رقم (٥٦٨.٧٩). وأخرجه أبو داود في
السنن ٢١/١ حديث رقم ٤٧٣. وأخرجه ابن ماجة في السنن ١/ ٢٥٢ حديث رقم ٧٦٧. وأخرجه
أحمد في المسند ٣٤٩/٢. وذكر أبو داود وأحمد ((أداها) بدل ((ردها)).

٣٨٥
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
رواه مسلم.
4in+.%
٧٠٧ - (١٩) وعن جابر، قال: قالَ رسولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجرةِ
المُنْتِنَةِ ؛
وغيره لأنه مما يحتاج الناس إليه لأن المسجد مجمعهم قاله ابن الملك. قال ابن حجر:
ويستثنى من ذلك عقد النكاح فيه. فإنه سنة للأمر به. رواه الترمذي. (رواه مسلم). وأبو داود
وابن ماجة قاله ميرك. قال ابن حجر: وفي رواية أنه عليه السلام سمع من ينشد في المسجد
جملاً أحمر فقال: لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له(١). وحسن الترمذي خبر: إذا
رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة
فقولوا لا ردها الله عليك. قال: وكذا يندب أن يقال لمن أنشد شعراً مذموماً: فض الله فاك
ثلاثاً للأمر بذلك. رواه ابن السني. ولا بأس بإعطاء السائل فيه شيئاً للحديث الصحيح: هل
أحد منكم أطعم اليوم مسكيناً. فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل فوجدت كسرة
خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه. وروى البيهقي أنه عليه السلام أمر سليكاً
الغطفاني بالصلاة يوم الجمعة في حال الخطبة ليراه الناس فيتصدقون عليه، وأنه أمرهم بالصدقة
وهو على المنبر. قلت: لا دلالة في الحديث على أنه كان سائلاً، وإنما الكلام فيه، وقد قال
بعض السلف: لا يحل اعطاؤه فيه لما في بعض الآثار: ينادي يوم القيامة: ليقم بغيض الله.
فيقوم سؤال المسجد. وفصل بعضهم بين من يؤذي الناس بالمرور ونحوه، فيكره اعطاؤه لأنه
إعانة له على ممنوع، وبين من لا يؤذي فيسن اعطاؤه لأن السؤال كانوا يسألون على عهد
رسول الله ◌َّ في المسجد. حتى يروى أن علياً كرم الله وجهه تصدق بخاتمه وهو في الركوع
فمدحه الله بقوله: ﴿يؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ [المائدة - ٥٥]. وفيه أنه ليس في الحديث
ولا الآية أن إعطاء علي، كان في المسجد. والظاهر أن الخلاف خلاف عصر وزمان لاختلاف
السائلين والله أعلم.
٥٠٧ - (وعن جابر قال: قال رسول الله وآله: من أكل من هذه الشجرة) في القاموس،
الشجر من النبات ما قام على ساق أو سما بنفسه دق أو جل، قاوم الشتاء أو عجز عنه،
الواحدة بهاء. فقول ابن حجر: سميت بذلك تغليباً. غير ظاهر. نعم لو قال: مجازاً كان له
وجه. ولذا قال: إذ حقيقتها ماله ساق وأغصان، وخلافه نجم. قال تعالى: ﴿والنجم والشجر
يسجدان﴾. يعني على أحد التفاسير، وإلا فقد قال مجاهد: النجم الكوكب وسجوده طلوعه.
(المنتنة) أي الثوم، ويقاس عليه البصل والفجل وما له رائحة كريهة كالكراث. قال العلماء:
(١) ابن ماجة في السنن ١/ ٢٥٢ حديث رقم ٧٦٥.
الحديث رقم ٧٠٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٩/٢ حديث رقم ٨٥٤. وأخرجه مسلم في صحيحه
٣٩٤/١ حديث رقم (٥٦٤.٧٢) واللفظ لمسلم. وأخرجه النسائي في السنن ٤٣/٢ حديث رقم
٧٠٧. وذكر فيه الثوم والبصل والكراث. وأخرجه أحمد فى المسند ٣٧٤/٣.
٢٧٢٤

٣٨٦
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
فلا يَقرَبنَّ مسجدَنا، فإِنَّ الملائكةَ تأَذَّى مِمَّا يتأذَّى منه الإِنس)). متفقٌ عليه.
٧٠٨ _ (٢٠) وعن أنس، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَالَ: «البُزَاقُ في المسجدِ خَطيئةٌ؛
وكفَّارتُها دَفنُها)). متفق عليه.
٧٠٩ _ (٢١) وعن أبي ذَرّ [رضي الله عنه]، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((عُرِضتْ
عليَّ أعمالُ أُمَّتي
ومن ذلك من به بخر مستحكم وجرح منتن. (فلا يقربن مسجدنا) قيل: النهي يتعلق بكل
المساجد، فالإضافة للملك. أو التقدير مسجد أهل ملتنا لأن العلة، وهي. (فإن الملائكة تأذى)
وفي نسخة صحيحة تتأذى، أريد بهم الحاضرون موضع العبادات عامة توجد في سائر المساجد
فيعم الحكم. ويدل هذا التعليل على أنه لا يدخل المسجد وإن كان خالياً من الإِنسان، لأنه
محل ملائكة. فقوله: (مما يتأذى منه الانس) يكون محمولاً لا على تقدير وجودهم. قال ابن
حجر: وفي رواية لمسلم: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا. وفي رواية له
أيضاً: مساجدنا. وفي رواية أخرى: فلا يأتين المساجد. وفيها رد على من زعم اختصاصه
بمسجده عليه السلام. (متفق عليه). واللفظ لمسلم قاله ميرك. قال النووي في شرح مسلم
عقيب حديث: لقد رأيت النبي ◌َل﴿ إذا وجد ريحاً من الرجل في المسجد أمر به فاخرج إلى
البقيع. هذا فيه إخراج من وجد منه ريح نحو البصل في المسجد، إزالة للمنكر باليد لمن أمكنه.
٧٠٨ - (وعن أنس قال: قال رسول الله بَ ار: البزاق) أي القاؤه، وقد يقال بالسين والصاد
المهملتين. (في المسجد) أي في أرضه وجدرانه (خطيئة) أي إثم. وفي رواية لأحمد: سيئة.
وكالبزاق المخاط بل أولى. (وكفارتها) أي إذا فعلها خطأ (دفنها) يعني إذا أزال ذلك البزاق أو
ستره بشيء طاهر. عقيب الإلقاء زال منه تلك الخطيئة. قال ابن حجر: ومعنى كون ذلك
كفارته أن ذلك قاطع للتحريم الواقع، لا أنه يرفعه من أصله خلافاً لمن زعمه من المالكية.
ومن ثم قال في شرح مسلم: إن ذلك باطل لمنافاته خبر الصحيحين المذكور، وخبر: رأيت
رسول الله وَ﴿ يفعله في المسجد: ضعيف على أنه لا حجة فيه لما هو ظاهر أن فعله لا يستلزم
إيصاله به؛ وحكمة دفنه ببيتها خبر: إذا انتخم أحدكم فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو
ثوبه فيؤذيه. قال ابن العماد: ولا خلاف إن من بصق بالمسجد استهانة به كفر. (متفق عليه).
٧٠٩ - (وعن أبي ذر قال: قال رسول الله وَلاتر: عرضت علي أعمال أمتي) أي إجمالاً من
الحديث رقم ٧٠٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٥١١/١ حديث رقم ٤١٥. وأخرجه مسلم في صحيحه
(٥٥. ٥٥٢). وأخرجه أبو داود في السنن ٣٢٢/١ حديث رقم ٤٧٥. أخرجه الترمذي في السنن
٤٦١/٢ حديث رقم ٥٧٢. وأخرجه النسائي في السنن ٢/ ٥٠ حديث رقم ٧٢٣. وأخرجه الدارمي
في السنن ٣٧٧/١ حديث رقم ١٣٩٥. وأخرجه أحمد في المسند ٢٣٢/٣.
الحديث رقم ٧٠٩: أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٩٠ حديث رقم (٥٧. ٥٥٣) وأخرجه ابن ماجة في
السنن ١٢١٤/٢ حديث رقم ٣٦٨٣ وأخرجه أحمد في المسند ١٧٨/٥.
٠/٠٠٠ **
١٣٠

مجموع
٣٨٧
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
حسَنُها وسَيّئُها، فوجدتُ في محاسن أعمالِها الأَذى يُماطُ عن الطريق، ووجدتُ في
مساوىءٍ أعمالِها النُّخاعةَ تكونُ في المسجدِ لا تُدفنُ)). رواه مسلم.
٧١٠ - (٢٢) وعن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وََّ: ((إِذا قامَ أحدُكم إِلى الصلاةِ
فلا يبطُقْ
غير بيان عامليها، ويحتمل تفصيلاً. والظاهر أن المراد أعمال الجوارح. (حسنها وسيئها)
بالرفع بدل من أعمال. (فوجدت في محاسن أعمالها) جمع حسن بالضم والسكون على غير
قياس. (الأذى) أي المؤذي يعني إزالته، واللام فيه للعهد الذهني، وقيل: للجنس. (يماط) أي
يزال (عن الطريق) صفة الأذى، قاله الطيبي. (ووجدت في مساوي أعمالها) جمع سوء على
غير قياس، والياء منقلبة عن الهمزة. (النخاعة) بضم النون أي البزاقة التي تخرج من أصل
الفم، والمراد بها القاؤها. وقيل: المراد بها البصاق والنخامة هي البلغم. (تكون في المسجد)
صفة النخاعة (لا تدفن) قال ابن الملك: الجملتان صفتان أو حالان، أي متداخلتان أو
مترادفتان. (رواه مسلم). وابن حبان (١) قاله ميرك.
٧١٠ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الّله وَلهو: إذا قام أحدكم إلى الصلاة) وفي
رواية للبخاري: إذا كان أحدكم في صلاته. (فلا يبصق أمامه) نهي. وقيل: نفي معناه النهي.
وظاهره أنه عام في المسجد وغيره أي لا يسقط البزاق أمامه نحو القبلة، وتخصيص القبلة مع
استواء جميع الجهات بالنسبة إلى الله تعالى لتعظيمها. (فإنما يناجي الله) أي يخاطبه ما دام في
مصلاه، ومن يناجي أحداً مثلاً لا يبصق نحوه. (ولا عن يمينه) تعظيماً لليمين وزيادة لشرفها.
(فإن عن يمينه ملكاً) يكتب الحسنات التي هي علامة الرحمة فهو أشرف، والتنكير للتعظيم.
وقد ورد أنه أمير على ملك اليسار يمنعه من كتابة السيئات إلى ثلاث ساعات، لعله يرجع إلى
الطاعات. قال الطيبي: يحتمل أن يراد ملك آخر غير الحفظة يحضر عند الصلاة للتأييد والإلهام
والتأمين على دعائه، فسبيله سبيل الزائر فيجب أن يكرم زائره فوق من يحفظه من الكرام
الكاتبين. ويحتمل أن يخص صاحباً ليميز بالكرامة تنبيهاً على ما بين الملكين من الرحمة، كما
بين اليمين والشمال أي من القوّة والكرامة، وتمييزاً بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. قال
ابن حجر: واستثنى بعضهم من المسجد النبوي مستقبل القبلة فإن بصاقه عن يمينه أولى لأنه
عليه السلام عن يساره. اهـ. وهو وجيه كما لو كان على يساره جماعة ولم يتمكن منه تحت
قدمه. فإن الظاهر أنه حينئذ عن اليمين أولى تم كلامه. والظاهر أنه إذا صلى داخل الكعبة أو
الحجر فيتعين تحت قدمه إذا كان تحته ثوب، أو يأخذه بكمه أو ذيله. (ليبصق) وفي نسخة
(١) ٧٨/٣ حديث رقم ١٦٣٨.
الحديث رقم ٧١٠: أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٥١٢ حديث رقم ٤١٦. وأخرجه مسلم في صحيحه
٣٨٩/١ حديث (٥٥٠.٥٣) وأخرجه ابن ماجة في السنن ٣٢٦/١ حديث رقم ١٠٢٢. واللفظ
للبخاری.
544

.١٣
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٨٨
أَمامَه؛ فإِنما يُناجي اللَّهَ ما دامَ في مُصلاً،، ولا عنْ يَمِينِهِ؛ فإِنَّ عنْ يمينِهِ ملَكاً. ولْيَبصُقْ عنْ
يسارِهِ أو تحتَ قدمِه فیدْفِنُها)).
٧١١ - (٢٣) وفي رواية أبي سعيدٍ: ((تحتَ قدَمِه اليُسرى)). متفق عليه.
٧١٢ - (٢٤) وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله وَ لَّ قال في مرّضِه الذي لم يقُمْ مِنه:
بواو العطف مع كسر اللام وتسكن. (عن يساره) أي على ثوبه إن كان في المسجد (أو تحت
قدمه) إذا كان تحته ثوبه. وفي رواية: وتحت قدمه بالواو. وفي أخرى، بلا واو. وقال ابن
حجر: وهذا إذا كان المصلي في غير المسجد أو فيه ولم يصل البزاق إلى شيء من أجزائه،
ويلحق بالصلاة في ذلك خارجها ولو غير المسجد خلافاً للأذرعي كالسبكي. ثم قيل: المراد
من هو خارجها مطلقاً. وقيل: إن كان مستقبل القبلة بالنسبة لكراهة امامه، وذلك لما رواه عبد
الرزاق وغيره عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه ليس في صلاة. وعن معاذ: ما بصقت
عن يمين منذ أسلمت(١). قال في فتح الباري(٢): وكأن الذي خصه بحالة الصلاة أخذ من تعليل
النهي بأن عن يمينه ملكاً. وهو ظاهر أن قلنا المراد بالملك غير الكاتب، وإلا فقد استشكل
اختصاصه يعني بالمنع، مع أن على اليسار ملكاً آخر. وأجاب جماعة من القدماء باحتمال
اختصاصه بملك اليمين تشريفاً له، ولا يخفى ما فيه. وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أم
الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في هذا الحديث
قال: فإن عن يمينه كاتب الحسنات(٣). وفي الطبراني أنه يقوم بين يدي الله، وملك عن يمينه
وقرينه عن يسار. فالبصاق حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ
يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك. (فيدفنها) بالرفع، ويجزم لدفع الأذى.
٧١١ - (وفي رواية أبي سعيد: تحت قدمه اليسرى) وهو يحتمل التقييد ويحتمل بيان
للأفضل (متفق عليه).
٧١٢ - (وعن عائشة أن رسول الله وَلقر قال في مرضه الذي لم يقم منه:) قال الطيبي: كأنه
(١) البيهقي في شعب الإيمان ٥١٦/٧ حديث ١١١٧٧.
(٢) فتح الباري ١/ ٥١٠.
(٣) ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ حديث رقم ٧٤٥٤.
الحديث رقم ٧١١: أخرجه البخاري في صحيحه ٥١١/١ حديث رقم ٤١٤ عن أبي سعيد. وكذلك أخرجه
عنهما معاً. حديث رقم (٤٠٨ . ٤٠٩) وأخرجه مسلم في صحيحه ٣٨٩/١ حديث رقم (٥٢ .
٥٤٨) عن أبي سعيد منفرداً. وأخرجه أبو داود عن أبي سعيد منفرداً في السنن ٣٢٣/١ حديث رقم
٤٨٠. وأخرجه النسائي كذلك في السنن ٥١/٢ حديث رقم ٧٢٥. وأخرجه ابن ماجة عنهما في
السنن ٢٥١/١ حديث رقم ٧٦١ وأخرجه الدارمي في السنن ٣٧٨/١ حديث رقم ١٣٩٨. وأخرجه
أحمد في مسنده ٦/٣.
الحديث رقم ٧١٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٤٠ حديث رقم ٤٤٤٤. وأخرجه مسلم في صحيحه
٣٧٦/١ حديث رقم (٥٢٩.١٩) وأخرجه أحمد في المسند ١٢١/٦.

٣٨٩
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
((لعنَ اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى: اتخذوا قُبُورَ أنبيائهم مساجدَ)). متفق عليه.
i
عليه السلام عرف أنه مرتحل وخاف من الناس أن يعظموا قبره كما فعل اليهود والنصارى.
فعرض بلعنهم كيلا يعاملوا معه ذلك فقال: (لعن الله اليهود والنصارى) وقوله: (اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد) سبب لعنهم، إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم وذلك هو
الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على
مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة، نظراً منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم
الأنبياء وذلك هو الشرك الخفي، لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له. فنهى
النبي وَلّرِ أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمنه الشرك الخفي كذا قاله
بعض الشراح من أئمتنا. ويؤيده ما جاء في رواية: يحذر ما صنعوا. وقال القاضي: كانت
اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم ويجعلونها قبلة ويتوجهون في الصلاة نحوها. فقد
اتخذوها أوثاناً فلذلك لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك. أما من اتخذ مسجداً في جوار
صالح أو صلى في مقبرة وقصد الاستظهار بروحه أو وصول أثر مّا من أثر عبادته إليه لا
للتعظيم له والتوجه نحوه، فلا حرج عليه. ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في المسجد
الحرام عند الحطيم. ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلى لصلاته، والنهي عن
الصلاة في المقابر مختص بالقبور المنبوشة لما فيها من النجاسة كذا ذكره الطيبي. وذكر غيره
أن صورة قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب، وإن في الحطيم بين الحجر
الأسود وزمزم قبر سبعين نبياً. وفيه أن صورة قبر إسماعيل عليه السلام وغيره مندرسة، فلا
يصلح الاستدلال به. وقال ابن حجر: أشار الشارح إلى استشكال الصلاة عند قبر إسماعيل
بأنها تكره في المقبرة، وأجاب بأن محلها في مقبرة منبوشة لنجاستها. وكله غفلة عن قولهم
يستثنى مقابر الأنبياء فلا يكره الصلاة فيها مطلقاً لأنهم أحياء في قبورهم وعلى التنزل. فجوابه
غير صحيح لتصريحهم بكراهة الصلاة في مقبرة غير الأنبياء، وإن لم تنبش لأنه محاذ للنجاسة
ومحاذاتها في الصلاة مكروهة سواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه، وفي شرح
السنة اختلف في الصلاة في المقبرة، فكرهها جماعة وإن كانت التربة طاهرة والمكان طيباً.
واحتجوا بهذا الحديث والذي بعده. وقيل: بجوازها فيها. وتأويل الحديث، أن الغالب من
حال المقبرة اختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومها، والنهي لنجاسة المكان. فإن كان المكان
طاهراً فلا بأس. وكذلك المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق. وفي القارعة معنى آخر، وهو أن
اختلاف المارة يشغله عن الصلاة. قال ابن حجر: وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام ((نهى عن
الصلاة بالمقبرة))(١) واختلفوا في هذا النهي، هل هو للتنزيه أو للتحريم، ومذهبنا الأوّل،
ومذهب أحمد التحريم، بل وعدم انعقاد الصلاة لأن النهي عنده في الأمكنة، يفيد التحريم
والبطلان كالأزمنة. (متفق عليه).
(١) من حديث أخرجه الترمذي ٢/ ١٧٧ حديث رقم ٣٤٦.
6 994-
+سود
مو.
٣٠٢:
١٣١٤

٣٩٠
****:
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧١٣ - (٢٥) وعن جُندُبِ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقولُ: ((أَلاَّ وإِنَّ مَنْ كانَ قبلَكم
كانوا يتَّخِذونَ قُبورَ أنْبيائِهم وصالحيهِم مساجدَ. أَلاَ فلا تَتخِذوا القُبورَ مساجدَ، إِني أنهاكم
عنْ ذلكَ)). رواه مسلم.
٧١٤ - (٢٦) وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّرَ: ((اجعلوا في
بُيوتِكم من صلاتِكم، ولا تتخِذوها قُبوراً». متفقق عليه.
٧١٣ - (وعن جندب) بضمهما وفتح الدال (قال: سمعت النبي وَّر يقول: ألا) للتنبيه
(وإن) بالكسر على تقدير أنبهكم وأقول أن. وروي بالفتح فالتقدير، تنبهوا واعلموا أن. (من
كان قبلكم) أي اليهود والنصارى أو أعم منهما (كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم) من
مشائخهم وعلمائهم (مساجد) أي بالمعنى السابق (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد) كرر التنبيه
بإقحام أداته بين السبب والمسبب مبالغة، وكرّر النهي أيضاً كما كرر التنبيه بقوله: (إني أنهاكم
عن ذلك. رواه مسلم).
٧١٤ - (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلثر: اجعلوا في بيوتكم) بكسر الباء وضمها
(من صلاتكم) أي بعض صلاتكم التي هي النوافل مؤداة في بيوتكم. وقوله: من صلاتكم.
مفعول أوّل وفي بيوتكم مفعول ثان، قدم على الأوّل للاهتمام بشأن البيوت وأن من حقها أن
يجعل لها نصيباً من الطاعات لتصير منوّرة لأنها مأواكم ومنقلبكم، وليست كقبوركم التي لا
تصلح لصلاتكم. ولذا قال: (ولا تتخذوها) أي بيوتكم (قبوراً) بأن تتركوا الصلاة فيها كما
تتركون في المقابر شبه المكان الخالي عن العبادة بالمقبرة والغافل عنها بالميت. وقيل: لا
تجعلوا بيوتكم مواطن النوم لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت. وقيل: إن مثل ذاكر الله
ومثل غير ذاكر الله، كمثل الحي والميت الساكن في البيوت والساكن في القبور. فالذي لا
يصلي في بيته جعله بمنزلة القبر كما جعل نفسه بمنزلة الميت. وقيل: معناه لا تدفنوا فيها
موتاكم لئلا يكدر عليكم معاشكم ومأواكم. (متفق عليه). وفي رواية مسلم: لا تتخذوا بيوتكم
مقابر(١). ذكره ميرك. قيل: الأفضل في النوافل فعلها في البيت، لخبر مسلم: أفضل صلاة
المرء في بيته، إلا المكتوبة ولسلامتها من الرياء ولعود بركتها إلى البيت وأهله. وقيل: فعلها
في المسجد أفضل. وقيل: في النهار المسجد أفضل، وفي الليل البيت أفضل. وقيل: إن
كسل عن فعلها في البيت فالمسجد أفضل، وهو غير ظاهر. وورد أنه عليه السلام صلى بعض
الحديث رقم ٧١٣: أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طويل ٣٧٧/١ حديث رقم (٥٣٢.٢٣).
ت/١٠٢٠
الحديث رقم ٧١٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٨/١ حديث رقم ٤٣٢. وأخرجه مسلم في صحيحه
٥٣٨/١ حديث (٧٧٧.٢٠٨) وأخرجه أبو داود في السنن ٦٣٢/١ حديث رقم ١٠٤٣. وأخرجه
الترمذي في السنن ٣١٣/٢ حديث رقم ٤٥١ ولفظه ((صلوا ... )) وكذلك النسائي في السنن ١٩٧/٣
حديث رقم ١٥٩٨. وأحمد في المسند ١٦/٢.
(١) أخرجه مسلم ٥٣٩/١ حديث ٧٨٠.

٢٣
٣٩١
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
الفصل الثاني
٧١٥ - (٢٧) عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما بينَ المَشرِقِ والمغرِبِ
قبلٌ». رواه الترمذيُّ.
النوافل في المسجد لبيان الجواز كركعتين بعد الجمعة. صححه ابن حبان، وكركعتين بعد
المغرب أخرجه الترمذي تعليقاً. وزعم بعض الحنابلة حرمتها في المسجد. وحكي عن أبي ثور
لخبر: افعلوها في بيوتكم.
(الفصل الثاني)
٧١٥ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاغير: ما بين المشرق والمغرب قبلة) يريد ما
بين مشرق الشمس في الشتاء وهو مطلع قلب العقرب، ومغرب الصيف وهو مغرب السماك
الرامح. والظاهر أنها قبلة أهل المدينة، فإنها واقعة بين المشرق والمغرب وهي إلى طرف
الغربي أميل قاله الطيبي. ويدل عليه قوله عليه السلام: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا
تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا. قال الغزالي وهذا الحديث: يؤيد القول بالجهة. قال ابن
حجر: وبه أخذ جماعة من أصحابنا، واختاره الأذرعي. بل بالغ ابن العربي المالكي فزعم أن
خلافه باطل قطعاً، واستدل له بالخبر المذكور وبأنه صح عن عمر، وهو لا يقول إلا عن
توقيف. وأجاب أصحابنا بحمل الخبر على أهل المدينة ومن داناهم، لأن ما بين المشرق
والمغرب ليس قبلة على الإطلاق قطعاً، فتعين حمله على من ذكر. اهـ. وفيه بحث لا
يخفى. وقيل: إنه أراد به قبلة من اشتبه عليه القبلة، فإلى أي جهة صلى بالاجتهاد كفته. قال
تعالى: ﴿والله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة - ١١٥]. وقيل: المراد منه
المتنقل على الدابة إلى أي جهة. وفي القولين نظر، إذ لا وجه فيهما للتقييد بما بين المشرق
والمغرب. وقال المظهر: يعني من جعل من أهل المشرق أوّل المغارب وهو مغرب الصيف
عن يمينه، وآخر المشارق وهو مشرق الشتاء عن يساره كان مستقبلاً القبلة. والمراد بأهل
المشرق أهل الكوفة وبغداد وخورستان وفارس والعراق وخراسان وما يتعلق بهذه البلاد. (رواه
الترمذي) من طرق، وصححها والحاكم(١). وقال: على شرط الشيخين، وأقره الذهبي قاله
ميرك .
ـة هوم
الحديث رقم ٧١٥: أخرجه الترمذي في السنن ١٧٣/٢ حديث رقم ٣٤٤ وقال حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجة في السنن ٣٢٣/١ حديث رقم ١٠١١.
(١) الحاكم ٢٠٦/١.
:
.Pt٥٠

٣٩٢
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٠-٠
٧١٦ - (٢٨) وعن طَلْقِ بنِ عليّ، قال: خرجْنا وَفْداً إِلى رسولِ اللهِ وَّرَ، فبايَعناهُ،
وصلّينا معه، وأخبرناهُ أنَّ بأرضِنا بِيعَةً لنا، فاستَوهَبناه منْ فَضلٍ طَهوره. فدعا بماءٍ، فتوضَّأَ
وتمضمَضَ، ثمَّ صبَّه لنا في إِدَاوَة، وأمرَنا، فقالَ: ((اخرُجوا فإِذا أتَيتمْ أرضَكم، فاكسِروا
بِيعتَكم، وانضَحوا مكانَها بهذا الماءِ، واتخذوها مسجداً). قُلنا: إِنَّ البَلدَ بعيدٌ، والحرَّ
شديدٌ، والماءُ يُنْشَفُ. فقال: ((مُدُّوه منَ الماءِ، فإِنَّه لا يزيدُه إِلاَّ طِيباً)). رواه النسائيُّ.
٧١٦ - (وعن طلق بن علي قال: خرجنا وفداً) الوفد جماعة قاصدة عظيماً لشأن من
الشؤون، فهو حال أي قاصدين. (إلى رسول الله و لاير فبايعناه) أي على التوحيد والرسالة
والسمع والطاعة. (وصلينا معه) أي صلاة أو صلوات. (وأخبرناه أن بأرضنا بيعة) بكسر الباء،
وهي معبد النصارى. (لنا فاستوهبناه) الفاء عطفت ما بعدها على المجموع، أي خرجنا وفعلنا
فاستوهبناه. (من فضل طهوره) بفتح الطاء، أي بقية ما يتطهر به. قال ابن حجر: من تبعيضية
وهي وما بعدها في محل نصب بدل اشتمال من المفعول به. (فدعا بماء فتوضأ وتمضمض) أي
منه بعد الوضوء أو في أثنائه. (ثم صبه) أي الماء المتضمض به، زيادة على مطلوبهم فضلاً.
(لنا في أداوة) ويمكن أن يكون المصبوب هو الماء الباقي المطلوب، والأداوة ظرف صغير من
جلد. (وأمرنا) أي بالخروج. (فقال:) بيان الأمر، أو أمرنا بمعنى أراد أمرنا. فقال: (اخرجوا)
اذناً بالخروج. (فإذا أتيتم أرضكم) أي دياركم (فاكسروا بيعتكم) أي غيروا محرابها. (وحوّلوه
إلى الكعبة)، وقيل: خربوها (وانضحوا) بفتح الضاد، أي رشوا (مكانها بهذا الماء) ليصل إليها
بركة فضل وضوئه، فالإشارة إلى فضل الوضوء. وقيل: إنه إشارة إلى جنس الماء، والمراد
تطهيرها وغسلها بالماء عما بقي فيها. (واتخذوها) أي البيعة يعني مكانها (مسجداً. قلنا: إن
البلد بعيد والحر) بالنصب ويرفع. (شديد والماء) بالوجهين. (ينشف) بالتخفيف على صيغة
المجهول، يقال: نشف الثوب العرق بالكسر، ونشف الحوض الماء، ينشفه إذا شربه. (فقال:
مدوه من الماء) أي زيد وأفضل ماء الوضوء من الماء غيره. وحاصله ما قاله ابن حجر: أي
صبوا عليه ماء آخر. (فإنه لا يزيده) قال الطيبي: الضمير في فإنه، إما للماء الوارد، أو
المورود. أي الوارد لا يزيد المورود الطيب ببركته. (إلا طيباً) أو المورود الطيب لا يزيد
بالوارد إلا طيباً. اهـ. ولا يخفى أن الأوّل بالسياق أقرب وبنسبة الزيادة أنسب، وإن قال ابن
حجر إن عكسه أولى، إشارة إلى أن ما أصاب بدنه عليه السلام لا يطرقه تغير بل هو باق على
غاية كماله الذي حصل له بواسطة ملامسته لتلك الأعضاء الشريفة، فكل ما مسه أكسبه طيباً.
اهـ. ولا يخفى أن الإشارة مما اشترك فيه الوجهان. وضبط طيباً بكسر الطاء وسكون الياء.
وقيل: بفتح الطاء وتشديد الياء. قال ابن حجر: وفيه التبرك بفضله عليه السلام، ونقله إلى
البلاد. ونظيره ماء زمزم فإنه عليه السلام كان يستهديه من أمير مكة ليتبرك به أهل المدينة.
ويؤخذ من ذلك أن فضلة وارثيه من العلماء والصالحين كذلك. (رواه النسائي) أي عن هناد عن
stor
الحديث رقم ٧١٦: أخرجه النسائي في السنن ٣٨/٢ حديث رقم ٧٠١.
1Mk

٣٩٣
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧١٧ - (٢٩) وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: أمرَ رسولُ اللَّهِ وَلَ ببناءِ المسجدِ
في الدُّورِ، وأنْ يُنظّفَ ويُطَيِّب)). رواه أبو داود، والترمذيّ، وابنُ ماجة.
اجدة
ملازم عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه. ورواه ابن حبان في صحيحه مطوّلا عن
أبي خليفة. حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا ملازم بالسند قال: خرجنا ستة وفداً إلى رسول الله
وَلهر، خمسة من بني حنيفة وسادس رجل من بني ضبيعة بن ربيعة حتى قدمنا على رسول الله
وَل* فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه بأن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه من فضل طهوره. فدعا بماء
فتوضأ منه وتمضمض ثم صبه لنا في أداوة ثم قال: اذهبوا بهذا الماء فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا
بيعتكم ثم انضحوا مكانها من هذا الماء. واتخذوا مكانها مسجداً. قلنا: يا رسول الله البلد بعيد
والماء ينشف. قال: فأمدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيباً. فخرجنا فتشاححنا على حمل
الأداوة أينا يحملها. فجعلها رسول الله و # لكل رجل منا يوماً وليلة، فخرجنا بها حتى قدمنا
بلدنا فعملنا الذي أمرنا. وراهب ذلك القوم رجل من طيىء فنادينا بالصلاة فقال الراهب: دعوة
حق ثم هرب فلم ير بعد. نقله ميرك عن التخريج.
٧١٧ - (وعن عائشة قالت: أمر) أي أذن (رسول الله القر ببناء المسجد في الدور) جمع دار،
وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة، والمراد المحلات، فإنهم كانوا يسمون المحلة التي
اجتمعت فيها قبيلة داراً: أو محمول على اتخاذ بيت فى الدار للصلاة، وكالمسجد يصلي فيه أهل
البيت قاله ابن الملك، والأوّل هو المعوّل وعليه العمل. ثم رأيت ابن حجر ذكر أن المراد به ههنا
المحلات والقبائل. وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل
محلة الذهاب للأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه، فأمروا بذلك ليتيسر
لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم، وقال البغوي: قال عطاء: لما فتح
الله تعالى على عمر رضي الله عنه الأمصار، أمر المسلمين ببناء المساجد وأمرهم أن لا يبنوا
مسجدين يضار أحدهما الآخر، ومن المضارة فعل تفريق الجماعة إذا كان هناك مسجد يسعهم،
فإن ضاق سن توسعته أو اتخاذ مسجد يسعهم، (وأن ينظّف) بإزالة النتن والعذرات والتراب.
(ويطيّب) بالرش أو العطر. قال ابن حجر: أي وأمر عليه السلام أيضاً بشيء آخر يتعلق بالمسجد
ويتعين المحافظة عليه، وهو أن يطيب وينظف. اهـ. وتقديم يطيب ليس بطيب لمخالفته الرواية
والدراية الموافقة للنسخ المصححة. (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة) قال ميرك: وابن حبان
في صحيحه. قال ابن حجر: وبه يعلم أنه يستحب تجمير المسجد بالبخور، خلافاً لمالك حيث
كرهه. فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر رضي الله عنه على المنبر. واستحب بعض
السلف تخليق المسجد بالزعفران والطيب. وروي عنه عليه السلام فعله. وقال الشعبي: هو
سنة. وأخرج ابن أبي شيبة أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك. وأنه يستحب أيضاً
كنس المسجد وتنظيفه. وقد روى ابن أبي شيبة أنه عليه السلام كان يتتبع غبار المسجد بجريدة.
الحديث رقم ٧١٧: أخرجه أبو داود في السنن ٣١٤/١ حديث رقم ٤٥٥. وأخرجه الترمذي في السنن ٢/
٤٨٩ حديث ٥٩٤ وأخرجه ابن ماجة في السنن ١/ ٢٥٠ حديث رقم ٧٥٨.
F
i
i
i
،٠۵۵
i
i
جور
مے

٣٩٤
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧١٨ _ (٣٠) وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَالَ: «ما أُمِرتُ بتشييدٍ
المساجدِ)). قال ابنُ عبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرفتِ اليهودُ والنَّصارى. رواهُ أبو داود.
٧١٩ - (٣١) وعن أنسٍ، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((مِنْ أَشْراطِ الساعةِ
١٠٠/١١/١٠٠٥٥
٧١٨ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ما أمرت) ما، نافية. (بتشييد
المساجد) أي برفعها وإعلاء بنائها أو تخصيصها، لأنهما زائدان على قدر الحاجة. (قال ابن
عباس:) وهو موقوف، لكنه في حكم المرفوع. (لتزخرفنها) بفتح اللام وهي لام القسم وبضم
المثناة وفتح الزاي وسكون الخاء المعجمة وضم الفاء وتشديد النون وهي نون التأكيد.
والزخرفة، الزينة. وأصل الزخرف الذهب، ثم استعمل في كل ما يتزين به. وشرحه الطيبي في
شرح المشكاة، على أن اللام في لتزخرفنها لام التعليل للنفي قبله. والمعنى: ما أمرت بالتشييد
ليجعل ذريعة إلى الزخرفة. ثم قال: ويجوز فتح اللام على أنها جواب القسم. قلت: وهذا هو
المعتمد، والأوّل لم تثبت به الرواية أصلاً فلا يعتمد به، وكلام ابن عباس فيه مفصول من كلام
النبي ◌َّر في الكتب المشهورة وغيرها والله أعلم. كذا نقله ميرك عن الشيخ. (كما زخرفت
اليهود والنصارى) وهذا بدعة، لأنه لم يفعله عليه السلام وفيه موافقة أهل الكتاب. في النهاية :
الزخرف، النقوش والتصاوير بالذهب. وفي شرح السنة: كانت اليهود والنصارى تزخرف
المساجد عند ما حرفوا أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم في المراءاة بالمساجد
وتزيينها. وكان المسجد على عهد رسول الله وَله باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل.
زاد عمر رضي الله عنه فيه فبناه على بنيانه باللبن والجريد وأعاد عمدة خشباً. ثم غيره عثمان
فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره وعمده بالحجارة المنقوشة وبالجص والنورة وسقفه بالساج.
(رواه أبو داود). وسكت عليه هو والمنذري قاله ميرك. قال ابن حجر: وعلق أوّله البخاري.
وروى الترمذي حديث: ابنوا المساجد واتخذوها جماً. وهو بضم الجيم وتشديد الميم. الذي
لم يكن له شرف، بضم. ففتح جمع شرفة كغرفة. وخبر ابن عمر: نهانا أو نهينا أن نصلي في
مسجد مشرف (١). وخبر أبي نعيم: إذا ساء عمل قوم زخرفوا مساجدهم. وخبر أنس: ((لا
تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد))(٢). وخبر البخاري: إن عمر رضي الله عنه أمر
ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر. ومر ابن مسعود بمسجد
مزخرف فقال: لعن الله من فعل هذا.
٧١٩ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَ لقر: إن من أشراط الساعة) جمع شرط
الحديث رقم ٧١٨: أخرجه أبو داود في السنن ٣١٠/١ حديث رقم ٤٤٨. وأخرج البخاري تعليقاً
((لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» ٥٣٩/١ باب بناء المساجد.
(١) ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٥ حديث ٣١٥٤.
(٢) أخرجه أبو داود ٣١١/١ حديث ٤٤٩ والنسائي وابن ماجة.
الحديث رقم ٧١٩: أخرجه أبو داود في السنن ٣١١/١ حديث رقم ٤٤٩. وأخرجه النسائي في السنن ٢ =
Ses

٣٩٥
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
أَنْ يتَباهى النَّاسُ في المساجدِ)). رواه أبو داود، والنّسائيُّ، والدارميُّ، وابنُ ماجة.
· جرچام
٧٢٠ - (٣٢) وعنه، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((عُرِضتْ عليَّ أُجورُ أمَّتي حتى القَذاةُ
يُخرجُها الرَّجلُ منَ المسجدِ. وعرضتْ عليَّ ذُنوبُ أمَّتي، فلمْ أرَ ذنباً أعظمَ مِنْ سورةٍ من
القُرآنِ أو آيَةٍ أُوتِيها رجلٌ ثمَّ نَسِيَها)).
بالتحريك، وهو العلامة قدم الخبر على المبتدأ للاهتمام به وزيادة الإنكار على فاعله، لا
للتخصيص ولا للحصر. أي من علامات القيامة. (أن يتباهى الناس في المساجد) أي في شأنها
أو بنائها، يعني يتفاخر كل أحد بمسجده، ويقول: مسجدي أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن
رياء وسمعة واجتلاباً للمدحة. (رواه أبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجة).
٧٢٠ - (وعنه) أي عن أنس (قال: قال رسول الله بَّر: عرضت عليّ) الظاهر أنه في ليلة
المعراج. (أجور أمتي) أي ثواب أعمالهم. (حتى القذاة) بالرفع أو الجر وهي بفتح القاف. قال
الطيبي: القذاة هي ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ. ولا بد في الكلام من تقدير
مضاف، أي أجور أعمال أمتي وأجر القذاة، أي أجر إخراج القذاة إما بالجر، وحتى بمعنى
إلى. والتقدير إلى إخراج القذاة، وعلى هذا. (يخرجها الرجل من المسجد) جملة مستأنفة
للبيان، وإما بالرفع عطفاً على أجور. فالقذاة مبتدأ، أو يخرجها خبره. (وعرضت عليّ ذنوب
أمتي فلم أر ذنباً) أي يترتب على نسيان (أعظم من سورة) من ذنب نسيان سورة كائنة. (من
القرآن) فإن قلت هذا مناف لما مر في باب الكبائر، قلت: إن سلم أن أعظم وأكبر مترادفان،
فالوعيد على النسيان لأجل أن مدار هذه الشريعة على القرآن. فنسيانه كالسعي في الإخلال
بها. فإن قلت: النسيان لا يؤاخذ به. قلت: المراد تركها عمداً إلى أن يفضي إلى النسيان.
وقيل: المعنى أعظم من الذنوب الصغائر، إن لم تكن عن استخفاف وقلة تعظيم، كذا نقله
ميرك عن الأزهار. (أو آية أوتيها) أي تعلمها (رجل) وفي نسخة الرجل وأو للتنويع. (ثم
نسيها) قال الطيبي: شطر الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك
اليوم تنسى﴾ [طه - ١٢٦]. يعني على قول في الآية. وأكثر المفسرين على أنها في المشرك،
والنسيان بمعنى ترك الإِيمان. وإنما قال: أوتيها دون حفظها، إشعاراً بأنها كانت نعمة جسيمة
أولاها الله ليشكرها، فلما نسيها فقد كفر تلك النعمة. فبالنظر إلى هذا المعنى كان أعظم جرماً
وإن لم يعد من الكبائر. واعترضه ابن حجر وقال: قول الشارح وإن لم يعد من الكبائر
عجيب، مع تصريح أئمتنا بأن نسيان شيء منه ولو حرفاً بلا عذر كمرض وغيبة عقل، كبيرة.
اهـ. والنسيان عندنا أن لا يقدر أن يقرأ بالنظر. كذا في شرح شرعة الإِسلام. قال الطيبي: فلما
i
مون
i
/ ٣٢ حديث رقم ٦٨٩ وأخرجه الدارمي في السنن ٣٨٣/١ حديث رقم ١٤٠٨. وأخرجه ابن ماجة
=
في السنن ٢٤٤/١ حدیث ٧٣٩.
الحديث رقم ٧٢٠: أخرجه الترمذي في السنن ١٦٣/٥ حديث رقم ٢٩١٦ وقال غريب لا نعرفه إلا من
هذا الوجه. وأخرجه أبو داود فى السنن ٣١٦/١ حديث رقم ٤٦١.
٢٠ صم .
/ ٠٩

٣٠
٣٩٦
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
رواه الترمذي، وأبو داود.
٧٢١ - (٣٣) وعن بُرَيدةَ، قال: قالَ رسولُ الله ◌َ: ((بَشْرِ المَشَّائِينَ في الظُّلَمِ إِلى
المساجدِ بالنورِ التامِ يومَ القيامةِ)). رواه الترمذي، وأبو داود.
٧٢٢ _ (٣٤) ورواه ابن ماجة، عن سهلِ بنِ سَعْدٍ، وأنسٍ.
عدّ إخراج القذاة التي لا يؤبه لها من الأجور تعظيماً لبيت الله، عد أيضاً النسيان من أعظم
الجرم تعظيماً لكلام الله سبحانه. فكان فاعل ذلك عدّ الحقير عظيماً بالنسبة إلى العظيم فأزاله
عنه، وصاحب هذا عد العظيم حقيراً فأزاله عن قلبه. (رواه الترمذي) وقال: غريب نقله ميرك.
(وأبو داود) والمنذري وابن ماجة وابن خزيمة(١) في صحيحه ذكره ميرك. قال ابن حجر:
وأخرج الترمذي وأبو داود أيضاً: من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم.
٧٢١ - (وعن بريدة قال: قال رسول الله وَله: بشر المشائين) جمع المشاء وهو كثير
المشي (في الظلم إلى المساجد) قيل: لو مشى في الظلام بضوء لدفع آفات الظلام، فالجزاء
بحالة وإلا فلا. قاله ابن الملك. (بالنور) متعلق ببشر. (التام يوم القيامة) قال الطيبي: في
وصف النور بالتام وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى:
﴿نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا﴾. وإلى وجه المنافقين في قوله
تعالى: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد - ١٣]. اهـ. قال ابن عباس: إذا طفى نور
المنافقين على الصراط يقول المؤمنون: ﴿ربما أتمم لنا نورنا﴾ الآية. (رواه الترمذي) وقال:
غريب نقله ميرك. (وأبو داود).
٧٢٢ - (ورواه ابن ماجة عن سهل بن سعد وأنس) قال المنذري: رجال إسناد حديث
بريدة ثقات. ورواه ابن ماجة بلفظه من حديث أنس. وعن أبي هريرة أن رسول الله وَ لا قال:
إن الله ليضيء للذين يتحللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة(٢). رواه الطبراني
في الأوسط بإسناد حسن. وعن أبي الدرداء عن النبي ◌َّ قال: من مشى في ظلمة الليل إلى
المسجد لقي الله عزَّ وجلّ بنور يوم القيامة. رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن. وابن حبان
في صحيحه ولفظه: من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نوراً يوم القيامة. وعن أبي
أمامة عن النبي ◌ّ قال: بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة يفزع
(١) ابن خزيمة ٢٧١/٢ حديث رقم ١٢٩٧.
الحديث رقم ٧٢١: أخرجه أبو داود في السنن ٣٧٩/١ حديث رقم ٥٦١. وأخرجه الترمذي في السنن ١/
٤٣٥ حديث رقم ٢٢٣ وقال: حديث غريب من هذا الوجه مرفوع. هو صحيح مسند وموقوف إلى
أصحاب النبي وَّر. ولم يسند إلى النبي ◌َّلته.
الحديث رقم ٧٢٢: أخرجه ابن ماجة عن سهل في السنن ٢٥٦/١ حديث رقم ٧٨٠ وعن أنس أخرجه ١/
٢٥٧ حديث ٧٨١.
(٢) ذكره البيهقي في مجمع الزوائد ٣٠/٢.

١٩٠٥٠
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٩٧
٧٢٣ - (٣٥) وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: قالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((إِذا رأيتُمُ الرَّجلَ
يتعاهدُ المسجدَ، فاشهدوا له بالإِيمانِ؛ فإِنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾)). رواهُ الترمذيّ، وابنُ ماجة، والدارميُّ.
الناس ولا يفزعون. رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده نظر. وعن سهل بن سعد الساعدي
قال: قال رسول الله ويلقى: ليبشر المشاؤون في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة(١).
رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه، واللفظ له والحاكم. وقال: صحيح على شرط
الشيخين. وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري وزيد بن حارثة
وعائشة وغيرهم والله أعلم قاله ميرك.
٧٢٣ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلقر: إذا رأيتم الرجل يتعاهد
المسجد) أي يخدمه ويعمره. وقيل: المراد التردد إليه في إقامة الصلاة وجماعته. وهذا هو
التعهد الحقيقي وهو عمارته صورة ومعنى. (فأشهدوا له بالإيمان) أي بأنه مؤمن. قال ابن
حجر: وقد يستشكل قوله: فأشهدوا له. بحديث عائشة الذي فيه إنكاره عليه السلام قولها في
طفل أنصاري مات: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. ويمكن أن يجمع بحمل ما، هنا على
الأمر بالشهادة له بالإِيمان ظناً، وما في ذلك على القطع بأنه في الجنة. ويؤيده ما في حديث
ابن مظعون أنه عليه السلام أنكر على من قطع له بالجنة. قال الطيبي: التعهد والتعاهد الحفظ
بالشيء، وفي التعاهد المبالغة لأن الفعل إذا أخرج على زنة المبالغة دل على قوّته، كما في
الكشاف في قوله تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ [البقرة - ٩]. وورد في بعض الروايات وهي رواية
للترمذي: يعتاد بدل يتعاهد(٢)، وهو أقوى سنداً وأوفق معنى، لشموله جميع ما يناط به
المسجد من العمارة واعتياد الصلاة وغيرها. ألا ترى إلى ما أشهد به النبي بَّر بقوله: فأشهدوا
له، أي اقطعوا له القول بالإِيمان، لأن الشهادة قول صدر عن مواطأة القلب على سبيل القطع.
وقال ابن حجر: بل التعهد أولى، لأنه مع شموله لذلك يشمل تعهدها بالحفظ والعمارة
والكنس والتطبيب وغير ذلك، كما يدل عليه استشهاده عليه السلام بالآية الآتية. (فإن الله) وفي
نسخة: تعالى (يقول: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾) أي بإنشائها أو ترميمها أو إحيائها بالعبادة
والدروس. (﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾)(٣) قال صاحب الكشاف: عمارتها كنسها وتنظيفها
وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر وصيانتها عما لم تبن له المساجد، من
حديث: الدنيا فضلاً عن فضول. الحديث. (رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي) وكذا ابن
i
i
(١) ابن ماجة ٢٥٧/١ حديث ٧٨١.
الحديث رقم ٧٢٣: أخرجه الترمذي في السنن ١٤/١ حديث رقم ٢٦١٧ وقال: غريب حسن. وأخرجه
ابن ماجة في السنن ٢٦٣/١ حديث رقم ٨٠٢ ولفظه ((يعتاد)) وأخرجه الدارمي في السنن ٣٠٢/١
حديث رقم ١٢٢٣. وأخرجه أحمد بلفظ ((يعتاد)) ٦٨/٣.
(٢) الترمذي ١٤/٥ حديث ٧٨١.
(٣) التوبة ١٨.
نجوم
١
حدة
١٠٠

٣٩٨
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٢٤ - (٣٦) وعن عثمانَ بنِ مَظْعونٍ، قال: يا رسولَ الله! ائذَنْ لنا في الاختِصاءِ.
فقال رسولُ اللهِ وَّر: (ليسَ مِنَّ مَن خَصى ولا اخْتَصى، إِنَّ خِصاءَ أُمَّتي الصّيامُ)). فقال: إِنذَنْ
لنا في السّياحةِ. فقال: ((إِنَّ سياحةَ أمَّتي الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ)). فقال: ائذَنْ لنا في التَّرَهُبِ.
فقال: ((إِنَّ ترَهُبَ أمَّتي الجُلوسُ في المساجدِ انتظار الصلاة)). رواه في ((شرح السُّنة)).
خزيمة والحاكم. قال الترمذي: حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح. وقال الذهبي: في
إسناده دراج وهو كثير المناكير، نقله ميرك عن التخريج.
بريدمجيد
٧٢٤ - (وعن عثمان بن مظعون) وهو أخ رضاعي له عليه السلام (قال:) حين أرسله
جماعة من أهل الصفة ليستأذن لهم في الاختصاء، لأنهم يشتهون النساء ولا طول لهم بذلك.
(يا رسول الله ائذن لنا في الاختصاء) أي سل الخصيتين لتزول عنا شهوة النساء، إذ من شأنها
أنها تقطع عن كل خير وتجلب كل محنة وضير، ولذا قيل: ضاع العلم في أفخاذ النساء. (فقال
رسول الله وَلجر: ليس منا) أي ممن يقتدي بسنتنا ويهتدي بطريقتنا. (من خصى) بفتح الصاد، أي
سل خصية غيره، وأخرجها. (ولا اختصى) أي بنفسه، بحذف من لدلالة ما قبله عليه. يعني
ولا من سل خصية نفسه. قيل: واحتيج لتقدير من، لئلا يتوهم أن المنهي عنه الجمع بينهما
وفيه نظر، لأن لا المؤكدة للنفي تنفي ذلك الوهم، وفيه نظر. قال ابن حجر: وكل من هذين
حرام. وفي معناه إطعام دواء لغيره أو أكله إن كان يقطع الشهوة والنسل دائماً، وكذا نادراً إن
أطعم غيره بغير إذنه. (إن خصاء أمتي الصيام) فإنه يكسر الشهوة وضررها، كما أفاده قوله عليه
السلام: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له
وجاء (١). أي قاطع للشهوة مع ما فيه من سلامة النفس من التعذيب وقطع النسل ومن حصول
الثواب بالصوم المقتضي لرياضة النفس المؤدية إلى إطاعتها لأمر مولاها. (فقال:) أي عثمان
(ائذن لنا في السياحة) قال الطيبي: السياحة مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض كفعل عباد
بني إسرائيل. اهـ. فلا ينافي في سياحة السادة الصوفية لرؤية المشايخ وتحصيل العلوم
والمعارف ولحصول الخمول وغيرها من المقاصد المرضية في الشريعة المصطفوية. (قال:)
وفي نسخة فقال: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) وهو أفضل، فإنه عبادة شاقة على
النفس ونفعه متعد إلى الغير، وهو يشمل الجهاد الأصغر والأكبر. (فقال: ائذن لنا في الترهب)
أي في التعبد وإرادة العزلة والفرار من الناس إلى رؤوس الجبال كالرهبان. وأصل الترهب من
الرهب، بمعنى الخوف. كانوا يترهبون بالتخلى من أشغال الدنيا، حتى إن منهم من خصى
نفسه ووضع السلسلة في عنقه وغير ذلك. (فقال: إن ترهُّب أمتي الجلوس في المساجد انتظار
الصلاة) بالإضافة، ونصبه بأنه مفعول له للجلوس، أي لانتظار الصلاة. فإن الجلوس في
المسجد يتضمن فوائد الترهب مع زيادة الفضائل. (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) بسنده
الحديث رقم ٧٢٤: رواه في شرح السنة ٢/ ٣٧٠ حديث ٤٨٤.
(١) البخاري ١١٩/٤ حديث ١٩٠٥ مسلم ١٠١٨/٢ حديث ١٤٠٠.
عدد

٢٣٤
٣٩٩
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٢٥ - (٣٧) وعن عبد الرحمن بنِ عائشٍ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلَهر: «رأيت ربِّي عزَّ
وجلَّ في أحسنِ صورةٍ.
Don،
المتصل من حديث سعد بن مسعود الصحابي أن عثمان بن مظعون أتى النبي ول# فقال: يا
رسول الله ائذن لنا في الاختصاء. وساقه بسند فيه مقال قاله ميرك.
٧٢٥ - (وعن عبد الرحمن بن عائش) بكسر الهمزة والشين المعجمة. كذا في المفاتيح:
وفي التقريب بمثناة تحتية ثم معجمة، الحضرمي يقال له صحبة ويعني به أن أصله ياء وفي
المشتبه للذهبي مختلف في صحبته. له حديث في الرؤية، وفي نسخة عابس بعين مهملة وكسر
موحدة وسين مهملة. كذا في المغني، قال ابن الملك: وهذا الحديث مرسل لأن عبد الرحمن
يرويه عن مالك بن يخامر عن معاذ (قال: قال رسول الله وَّهُ: رأيت ربي عزَّ وجلّ في أحسن
صورة) الظاهر أن هذا الحديث مستند إلى رؤيا رآها رسول الله وَطير، فإنه روى الطبراني بإسناده
عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال: احتبس علينا رسول الله وم لو صلاة الغدوة حتى
كادت الشمس تطلع. فلما صلى الغدوة قال: إني صليت الليلة ما قضى ربي. ووضعت جنبي
في المسجد فأتاني ربي في أحسن صورة (١). وعلى هذا لم يكن فيه إشكال إذ الرائي قد يرى
غير المتشكل متشكلاً، والمتشكل بغير شكله. ثم لم يعد ذلك بخلل في الرؤيا ولا في خلد
الرائي، بل له أسباب أخر تذكر في علم المنام، أي التعبير. ولولا تلك الأسباب لما افتقرت
رؤيا الأنبياء عليهم السلام إلى تعبير وإن كان في اليقظة، وعليه ظاهر ما روى أحمد بن حنبل
فإن فيه: فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عزَّ وجلّ في أحسن صورة. الحديث
فذهب السلف في أمثال هذا الحديث إذا صح أن يؤمن بظاهره ولا يفسر بما يفسر به صفات
الخلق، بل ينفي عنه الكيفية ويوكل علم باطنه إلى الله تعالى، فإنه يري رسوله ما يشاء من وراء
أستار الغيب بما لا سبيل لعقولنا إلى إدراكه. لكن ترك التأويل في هذا الزمان مظنة الفتنة في
عقائد الناس لفشوّ اعتقادات الضلال وإن تأوّل بما يوافق الشرع على وجه الاحتمال لا القطع،
حتى لا يحمل على ما لا يجوز شرعاً فله وجه. فقوله في أحسن صورة يحتمل أن يكون معناه :
رأيت ربي حال كوني في أحسن صورة وصفة، من غاية إنعامه ولطفه عليّ أو حال كون الرب
في أحسن صورة. وصورة الشيء ما يتميز به عن غيره سواء كان عين ذاته أو جزئه المميز له
عن غيره، أو صفته المميزة. وكما يطلق ذلك في الجثة يطلق في المعاني. يقال: صورة
المسألة كذا، وصورة الحال كذا، فصورته تعالى والله أعلم ذاته المخصوصة المنزهة عن مماثلة
ما عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال، أو صفته المخصوصة به. أي کان ربي
أحسن إكراماً ولطفاً من وقت آخر كذا نقله الطيبي والتوربشتي. وقال ابن حجر: والظاهر أن
i
(١) أحمد ٢٤٣/٥ وللترمذي نحوه ٣٤٣/٥ حديث ٤٢٣٥ وقال حسن صحيح.
الحديث رقم ٧٢٥: أخرجه الدارمي في السنن ٢/ ١٧٠ حديث رقم ٢١٤٩ عن عبد الرحمن بن عائش
أخرجه الترمذي تعليقاً من قول البخاري ٣٤٤/٥ بعد حديث ٣٢٣٥.
جدة

٤٠٠
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
قال: فبِمَ يختَصمُ المَلأ الأعلى؟ قلتُ: أنتَ أعلمُ)) قال: ((فوضعَ كفَّهُ بينَ كِتِفيَّ، فوجدتُ
بَرْدَهَا بينَ لَييٍّ، فعلمتُ ما في السَّماواتِ والأرضِ، وتَلا: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهيمَ
٠-٠
رواية: حتى استيقظت تصحيف. فإن المحفوظ من رواية أحمد والترمذي كما سيذكره
[المصنف]. حتى استثقلت. اهـ. ويؤيده أن تلك الرواية أصح من هذه. قال بعضهم:
ويحتمل أن يكون معنى رأيت ربي، علمته وعرفته في أحسن صورة. وسمعت شيخنا الشيخ
عطية السلمي ناقلاً عن شيخه أبي الحسن البكري إن الله تعالى تجليات صورية مع تنزه ذاته
الأحدية عن المثلية، وبهذا يندفع كثير من المتشابهات القرآنية والحديثية والله أعلم. (قال:) أي
ربي (فبم) أي في أي شيء (يختصم) أي يبحث (الملأ) أي الأشراف الذين يملؤون المجالس
والصدور عظمة وإجلالاً. (الأعلى) يعني الملائكة المقربين، وصفوا بذلك إما لعلو مكانهم
وإما لعلو مكانتهم عند الله تعالى واختصامهم. إما عبارة عن تبادرهم إلى إثبات تلك الأعمال
والصعود بها إلى السماء، وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها، وإما عن اغتباطهم الناس بتلك
الفضائل لاختصاصهم بها. وشبه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم في السؤال والجواب بما
يجري بين المتخاصمين، إيماء إلى أن في مثل ذلك فليتنافس المتنافسون. وفي المصابيح
زيادة: يا محمد. وهو زيادة شرف. (قلت: أنت أعلم) أي بما ذكر وغيره. وزاد في
المصابيح: أي رب. قال ابن الملك: وإنما نادى بأي، دون يا، أدباً. لأن يا ينادى به البعيد،
والله تعالى أقرب من حبل الوريد. وأما ما ورد من النداء بيا، في الدعوات فلهضم النفس
واستبعادهم عن مظان الإِجابة وهو اللائق بحال الدعاء. ثم في المصابيح زيادة: مرتين. قال
ابن الملك: متعلق بقوله: فبم يختصم. أي جرى السؤال من ربي مرتين، والجواب مني مرتين
(قال:) أي النبي ◌َّر (فوضع) أي ربي (كفه بين كتفيّ) بتشديد الياء، وهو كناية عن تخصيصه
إياه بمزيد الفضل عليه وإيصال الفيض إليه، فإن من شأن المتلطف بمن يحنو عليه أن يضع كفه
بين كتفيه تنبيهاً على أنه يريد بذلك تكريمه وتأييده. (فوجدت بردها) أي راحة الكف يعني راحة
لطفه. (بين ثديي) بالتثنية، أي قلبي أو صدري، وهو كناية عن وصول ذلك الفيض إلى قلبه
ونزول الرحمة وانصباب العلوم عليه، وتأثره عنه ورسوخه فيه واتقائه له. يقال: ثلج صدره
وأصابه برد اليقين، لمن تيقن الشيء وتحققه. (فعلمت) أي بسبب وصول ذلك الفيض. (ما في
السموات والأرض) يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما. وهو
عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله به عليه. وقال ابن حجر: أي جميع الكائنات التي في
السموات، بل وما فوقها كما يستفاد من قصة المعراج والأرض هي بمعنى الجنس أي وجميع
ما في الأرضين السبع. بل وما تحتها كما أفاده إخباره عليه السلام عن الثور والحوت اللذين
عليهما الأرضون كلها. اهـ. ويمكن أن يراد بالسموات الجهة العليا، وبالأرض الجهة
السفلى، فيشمل الجميع. لكن لا بد من التقييد الذي ذكرناه، إذ لا يصح إطلاق الجميع كما
هو الظاهر. (وتلا) قيل: التالي هو الله تعالى. (﴿وكذلك﴾) أي كما نريك يا محمد أحكام
الدين وعجائب ما في السموات والأرض. (﴿نري إبراهيم﴾) مضارع في اللفظ ومعناه
الماضي، والعدول لإرادة حكاية الحال الماضية استعجاباً واستغراباً، أي أرينا إبراهيم.
جهة