Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
الفصل الأول
٦٨٩ - (١) عن ابن عبَّاس، قال: لما دخلَ النبيُّوَ لَّ البيتَ، دعا في نواحيه كلّها
ولم يصلُ حتى خرج منه، فلمَّا خرجَ رَكعَ رَكعتَينِ في قُبُلِ الكعبة، وقال: ((هذه القبلة)).
(الفصل الأوّل)
٦٨٩ - (عن ابن عباس قال: لما دخل النبي ◌َّ البيت) أي الكعبة وهو بيت الله الحرام
وقبلة المساجد العظام وأفضل مساجد الأنام. وقيل: أفضل من عرش الله الملك العلام. (دعا
في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه) قال الطيبي: عامة العلماء على جواز النفل داخل
الكعبة لحديث ابن عمر. واختلف في الفرض. فذهب الجمهور إلى جوازه، ومنع منه مالك
وأحمد. وحكي عن محمد بن جرير: أنه لا يجوز الفرض والنفل لحديث ابن عباس. قلت:
في استدلاله نظر، لأنه لا يلزم من عدم الصلاة عدم الجواز. وأما منع مالك وأحمد الفرض
دون النفل، لقوله تعالى: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾. أي قبالته، ومن فيه مستدبر لبعضه، فله
وجه وجيه لحصول التعارض في الجملة، ولم يثبت أنه عليه السلام صلى الفرض داخله. وإن
ثبت أنه عليه السلام صلى النفل، إذ يسامح في النافلة ما لا يسامح في الفريضة. وأما تعليل ابن
حجر في تصوير استدلالهما، بأنه لم يكن كله قبالته. ثم رده وتزييفه بالإِجماع. على أن من
صلى خارجها واستقبل بعضها فقط جاز، فمدخول ومعلول. قال الطيبي: وأجمع أهل الحديث
على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت ومعه زيادة علم. والمراد بالصلاة أي المعهودة، يعني لا
اللغوية بمعنى الدعاء كما قيل. ويؤيده قول ابن عمر: نسيت أن أسأله كم صلى. وأما نفي
أسامة فيحتمل أنه اشتغل بالدعاء ولم يشعر بصلاة النبي ◌ّر: وأما بلال فقد تحققها. (فلما
خرج ركع) أي صلى (ركعتين في قبل الكعبة) بضمهما ويسكن الثاني، أي مقدمها. والقبل
خلاف الدبر. يعني مستقبل باب الكعبة. قال ابن حجر: قيل: معناه مقابلها. وقيل: ما
استقبلك منها، وهو وجهها الذي فيه الباب. ويؤيد الثاني رواية ابن عمر في هذا الحديث:
وصلى ركعتين في وجه الكعبة. وهي صحيحة. وهل يؤخذ من ذلك أنه يسن لمن خرج من
الكعبة أن يصلي ركعتين في وجهها اقتداء به عليه السلام: أولاً لاحتمال أنه عليه السلام إنما
صلى ليبين انحصار القبلة في عين الكعبة. كما أفاد قول الراوي. (وقال: هذه) أي الكعبة وهي
البقعة التي فيها البناء (القبلة) سميت بها لأن المصلى يقابلها: يعني المشار إليه القبلة فلا ينسخ
إلى غيرها، فصلوا إلى الكعبة أبداً. وقال ابن حجر: أي هذه الكعبة هي القبلة لا غيرها. كما
الحديث رقم ٦٨٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٠١/١ حديث رقم ٣٩٨.
تشريعات
ـاجهذ
جدة
%هم.

٦٣٠
/١٣٢
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٦٢
رواه البخاري.
٦٩٠ - (٢) ورواه مسلم عنه، عن أسامة بن زيد.
٦٩١ - (٣) وعن عبد الله بن عمر، [ رضي الله عنهما] أنَّ رسولَ اللهِوَ دخلَ
الكعبةِ هو وأسامةُ بن زيد، وعثمانُ بنُ طلحةَ الحَجْبِيُّ،
أفاده تعريف الجزأين. وهي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله في الآية. لا المسجد حولها
ولا كل الحرم. وخبر البيهقي في سننه: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل
الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض. ضعيف. اهـ. وهو قول ضعيف في مذهبنا. وأما ما
اشتهر من فعل الداخلين أنهم يطوفون بعد دخولها، فلا أصل له. بل يتأكد في حقهم إذا دخلوا
المسجد أن يطوفوا أوّلاً ثم يدخلوا ثانياً. ويحتمل وجهاً آخر وهو أنه عليه السلام علمهم السنة
في مقام الإِمام، واستقباله الكعبة من وجه الكعبة دون أركانها وجوانبها الثلاثة، وإن كانت
مجزئة قاله الطيبي. قلت: هذا إنما يتم في الجملة لو كان صلى صلاة فرض جماعة. (رواه
البخاري). قيل: في روايته توهم إرسال. لأن ابن عباس لم يكن مع النبي ◌َّ حين دخل.
ولعل العذر أن يقال باختلاف الزمان وتعدد دخوله عليه السلام أو أن الكاتب أسقط منه الذي
روى عنه ابن عباس أو يقال: كان ابن عباس مع من دخل الكعبة لكنه لم يشعر بالصلاة ذكره
الطيبي. وقال ميرك: وفي كل من هذه الاحتمالات نظر يعرف بالتأمل والله أعلم. وقال ابن
حجر: وقدموا رواية بلال لأنها مثبتة وتلك نافية، والمثبت مقدم لزيادة علمه ولأن رواتها أكثر،
والكثرة تفيد الترجيح في الرواية. ولاضطراب تلك فقد أخرج أحمد في مسنده وابن حبان في
صحيحه عن ابن عمر، أخبرني أسامة بن زيد أن النبي و لو صلى في الكعبة بين الساريتين(١).
والدارقطني عن ابن عباس أنه بَّر ((دخله وصلى فيه ركعتين))(٢). ولأن خبر ابن عباس هذا أعل
بالإِرسال لأنه رواه عن أخيه الفضل. كما أخرجه الطبراني في معجمه، فهو لم يرو عن
مشاهدته ومشافهته بل عن غيره. وبهذا يندفع قول من قال في كون الحديث مرسلاً بحث.
٦٩٠ - (ورواه مسلم عنه). أي عن ابن عباس (عن أسامة بن زيد) قال ميرك: وكذا رواه
النسائي.
٦٩١ - (وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَ ل﴿ دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد) برفع
أسامة على العطف. وهو حب رسول الله وَ لزر (وعثمان بن طلحة الحجبي) الحاجب البواب،
(١) أحمد في المسند ٢/ ٧٥ .
(٢) الدار قطني ٥٢/٢ حديث ٣ من باب صلاة النبي صَلّ.
الحديث رقم ٦٩٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٩٦٨/٢ حديث رقم (١٣٣٠.٣٩٥). وأخرجه النسائي في
السنن ٢٢٠/٥ حديث رقم ٢٩١٧. وأحمد في المسند ٢٠١/٥.
الحديث رقم ٦٩١ : أخرجه البخاري في الصحيح ٥٧٨/١ حديث رقم ٥٠٥. وأخرجه مسلم في صحيحه
٩٦٦/٢ حديث (١٣٢٩.٣٨٨) وبين الروايتين اختلاف فقد ذكر البخاري ((عموداً عن يساره
وعمودين عن يمينه)) بينما ذكر مسلم ((عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه)). وأخرجه أبو داود في =

٣٦٣
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
وبلالُ بن رباح، فأغلقَها عليه، ومكثَ فيها، فسألتُ بِلالاً حينَ خرج: ماذا صنعَ رسولُ الله
وَلَه؟ فقال: جَعَل عَمُوداً عن يسارهِ، وعمودين عن يمينهِ، وثلاثةَ أعمدةٍ وراءَه، وكان البيتُ
يومئذٍ على سِتّة أعمدةٍ، ثم صلّى.
والجمع حجبة، والمراد به فاتح بيت الله. (وبلال بن رباح) بفتح الراء، مؤذن رسول الله وَ ل
(فأغلقها) أي الكعبة، يعني بابها. والفاعل بلال فإنه أقرب، أو عثمان فإنه أنسب. (عليه) أي
على النبي وَ له. وفي رواية: عليهم. وهو ظاهر قاله ابن الملك. ويمكن أن يكون الفاعل هو
النبي عليه السلام. بمعنى الآمر ويلائمه قوله: (ومكث فيها) بضم الكاف وفتحها. أي توقف
فيها النبي ◌َّ واشتغل بالدعاء. قال الطيبي: وإنما أغلق عليه السلام الباب لئلا يجتمع عليه
الناس. ثم رأيت الأبهري قال: ضمير الفاعل في أغلقها عائد إلى عثمان، كما وقع التصريح به
في رواية لمسلم. وفي رواية: فأغلقاها. فالضمير لعثمان وبلال. وفي رواية للبخاري ومسلم:
فأغلقوا. والجمع بين الروايات أن عثمان هو المباشر، فأما ضم بلال فلعله ساعده في ذلك.
وأما الجمع فباعتبار أن غيرهما أمر بذلك. اهـ. والأحسن في الجمع أن يكون بمساعدة
أسامة، وبأمره عليه السلام والله أعلم. وقال ابن حجر: الظاهر أنه إنما أغلقه خوفاً من الزحمة
ووقوع الضرر وليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه. قال: ثم رأيت النووي صرح بذلك. وقال
الشافعي: إنما أغلقه لوجوب الصلاة إلى جدار من جدرانها. فدل على أنه لو صلى إلى الباب
وهو مفتوح ولم تكن عتبة مرتفعة ثلثي ذراع لم يصح. لأنه لم يستقبل منها شيئاً وهو تعليل
غريب وتفريع عجيب. ووقع في صحيح البخاري عن بعض الرواة أنه إنما أغلقه لئلا يستدبر
شيئا من البيت. ورد بأنه إذا أغلق صار كأنه جدار البيت. ثم لما هدمها ابن الزبير وضع أعمدة
وستر عليها الستور لاستقبال المستقبلين وطواف الطائفين. وقد قال ابن عباس: إن كنت هادمها
فلا تدع الناس لا قبلة لهم. أي لا علامة للقبلة. فلا دلالة على أن بقعة البيت ليست عندهما
كالبيت كما فهم ابن حجر، لأن الإجماع على جواز الاستقبال إلى هواء الكعبة من الخارج.
ولهذا قال جابر: صلوا إلى مواضعها ولا فرق بين الداخل والخارج خلافاً للشافعي في اعتبار
الهواء للخارج، دون الداخل. (فسألت بلالاً حين خرج ماذا صنع رسول الله وَّة) أي داخل
البيت (فقال:) أي بلال (جعل) وَلجر (عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه) وفي بعض الروايات
جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه. والجمع على تعدد الدخول ظاهر، وعلى عدمه
يحمل أحدهما على موقف الصلاة والآخر على موقف الدعاء والله أعلم. (وثلاثة أعمدة وراءه)
أي خلفه، وقيل: قدامه (وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة). وأما الآن فعلى ثلاثة أعمدة.
قال الطيبي: وذلك قبل أن بناها الحجاج في فتنة ابن الزبير وهدم الكعبة. اهـ. والمشهور أن
الحجاج إنما غير جدار الحجر فقط والله أعلم. (ثم صلى) أي متوجهاً إلى الجدار الغربي
٠ جوة
: جون
السنن ٥٢٤/٢ حديث رقم ٢٠٢٣. وأخرجه النسائي في السنن ٦٣/٢. حديث رقم ٧٤٩ وزاده
((وجعل بينه وبين الجدار نحواً من ثلاثة أذرع)) وأخرجه مالك في الموطأ ٣٩١/١ حديث رقم ١٩٣
من كتاب الحج. وأحمد فى مسنده ١١٣/٢.
=

٦٠٣٠
رقم
:٧٢٣
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٦٤
سوبيا
المقابل للجدار الشرقي الذي فيه الباب، تقريباً بينه وبينه ثلاثة أذرع. قال الإمام النووي في
الجمع بين رواية بلال: المثبت لصلاة النبي سير في الكعبة وبين رواية أسامة النافي لصلاته،
أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه. وأما
نفي أسامة فيحتمل أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي رَله
يدعو فاشتغل هو بالدعاء أيضاً في ناحية من نواحي البيت والرسول وب لير في ناحية أخرى وبلال
قريب منه. ثم صلى النبي ور فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده مع خفة الصلاة وإغلاق
الباب واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملاً بظنه. قال بعض العلماء: يحتمل أنه عليه السلام
دخل مرتين، فمرة صلى فيه ومرة دعا ولم يصل فيه، فلم تتضاد الأخبار كذا في شرح
الكرماني. قال ميرك: وأقول احتمال تعدد الدخول خلاف ما عليه الجمهور، من أن دخوله
عليه السلام الكعبة بعد الهجرة لم يكن إلا مرة واحدة. اهـ. وقال ابن حبان: الأشبه حملهما
على دخولين متغايرين، أحدهما يوم الفتح وصلى فيه، والآخر في حجة الوداع ولم يصل فيه.
وذهب السهيلي إلي أن الدخولين في حجة الوداع، دخلها يوم النحر ولم يصل فيه، ودخلها من
الغدو وصلى فيه. رواه الدارقطني بإسناد حسن عن ابن عمر. وحمل بعضهم نفي أسامة على
أنه ذهب كما رواه ابن المنذر ليأتي النبي بماء في الدلو حتى يمحو به الصور التي في الكعبة،
فوقعت الصلاة في غيبته. قال ابن حجر: ووقع للفخر الرازي في تفسيره أنه نازع في خبر بلال
بما يعلم رده مما تقرر. وللشارح كلام نحو كلامه. وزعمه أن الحديثين تعارضا فيحمل على
النسخ في غاية التهافت، لما مر من خبر الدارقطني: أن المتأخر هو الصلاة، فتكون هي
الناسخة للنفي. اهـ. وفيه أن النسخ لا يكون في الأخبار، ولعله أراد النسخ المتعلق بالحكم
المترتب على فعله من الجواز، وعلى نفيه على عدمه. وقد تقدم أن عدم صلاته بالفرض،
والتقدير لا يدل على نفي جوازها. هذا ويستفاد من دخوله عليه السلام الكعبة وصلاته بها، أنه
يسن دخولها. ويؤيده خبر البيهقي. وقال: فيه من ليس بالقوي. وجعله ابن أبي شيبة من قول
مجاهد: من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة وخرج مغفوراً، قال ابن حجر: فإن
قلت: زعم بعضهم كراهة دخولها لخبر: صنعت اليوم شيئاً لو كنت استقبلت من أمري ما
استدبرت ما كنت صنعته. قالت عائشة قلت: وما ذاك يا رسول الله. قال: دخلت البيت
وخشيت أن يأتي الآتي من بعدي يقول حججت ولم أدخل البيت، وأنه لم يكتب علينا دخوله.
وإنما كتب علينا طوافة. قلت: الحديث وإن صححه الترمذي، في إسناده ضعيف. على أنه لا
حجة فيه لمطلق الكراهة بل لخصوص من يتوهم أنه من تمام الحج ونحن نقول به. وقال
الزركشي: ينبغي دخوله مرات. مرة يصلي فيه أربعاً ومرة ركعتين، ومرة يدعو لاختلاف
الروايات في ذلك. وحمل [ها] المحققون على دخوله مرات، وليجتنب داخله الزحمة
والمزاحمة ما أمكن، فإن أكثر داخليها في هذا الزمان ربحهم أقل من خسرانهم، وطاعتهم أقل
من عصيانهم. وقد قال ابن العربي: الحمد لله الذي أغنانا عن منة الشيبية بإخراج الحجر من
الكعبة الشريفة. فقد ثبت أنه عليه السلام قال لعائشة حين سألت دخول الكعبة: صلى فيه فإنه
م.
/ ١٠/
١٩٠/١١٣٠٠

٣٦٥
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه .
· موقـ
منها. وإذا دخلها فليدخل بأدب وخضوع وخشوع ويقدم رجله اليمنى في الدخول، ويدعو
بدعوات دخول المسجد ويزيد قوله: ﴿رب أدخلني مدخل صدق﴾ الآية. ولا ينظر إلى سقفها
وما فيها من الزينة. فعن عائشة: عجباً للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يدع بصره قبل
السقف إجلالاً لله تعالى وإعظاماً. دخل رسول الله وَلقر الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده
حتى خرج منها، صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأنه منكر. (متفق عليه) ورواه النسائي قاله
ميرك. قال ابن حجر: وفي الصحيحين أنه جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة
أعمدة وراءه(١). وفي رواية للبخاري عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه(٢) قال البيهقي: وهو
الصحيح. اهـ. وبهذا يعلم أن نسبة المصنف هذه للشيخين فيها نظر. وفي رواية أبي داود، ثم
صلى بينه وبين القبلة ثلاثة أذرع(٣). وفي رواية للبخاري عن ابن عمر، أنه كان إذا دخل البيت
مر قبل وجهه حتى يدخل ويجعل الباب خلف ظهره، فيمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي
يلي وجهه حين يدخل ثلاثة أذرع، فيصلي وهو يتوخى المكان، الذي أخبره بلال أنه عليه
السلام صلى فيه (٤). وفي الصحيحين أن بلالاً أخبره: قال صلى عليه السلام بين العمودين من
السطر المقدم وجعل الباب خلف ظهره واستقبل بوجهه إلى الجانب الذي يستقبل حين يلج
البيت بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع. وقال ابن حجر: عثمان المذكور، من بني عبد الدار وسبب
وصول السدانة بكسر السين، وهي خدمة البيت لهم أن جرهم لما استخفت بحرمة البيت،
شردهم الله ووليته خزاعة، ثم بعدهم ولي قصي بن كلاب الحجابة وأمر مكة. ثم أعطى ولده
عبد الدار الحجابة وهي السدانة واللواء ودار الندوة. سميت بذلك لاجتماع الندى فيها وهم
الأشراف لإبرام أمورهم. وأعطى ولده عبد مناف الرفادة والسقاية، ثم جعل عبد الدار الحجابة
إلى ابنه عثمان. ولم يزل الأمر في أولاده حتى ولي الحجبة عثمان بن طلحة المذكور في
الحديث. قال: كنا نفتح الكعبة يوم الاثنين والخميس، فجاء رسول الله صل* يوماً يريد أن يدخل
مع الناس فلت منه. وحلم علي ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث
شئت. فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت. قال عليه السلام: بل عزت. ودخل الكعبة
ووقعت كلمته مني موقعاً وظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال. وأردت الإِسلام فإذا قومي يزبروني
زبراً شديد. فلما دخل رسول الله ◌َفي مكة عام القضاء أي سنة سبع في ذي القعدة غير الله قلبي
وأدخلني الإِسلام ولم يعزم لي أن آتيه حتى رجع إلى المدينة. ثم عزم لي الخروج إليه، فأدلجت
فلقيت خالد بن الوليد فاصطحبنا. فلقينا عمرو بن العاص فاصطحبنا. فقدمنا المدينة فبايعته
وأقمت معه حتى خرجت معه في غزوة الفتح أي سنة ثمان في رمضان. فلما دخل مكة قال وقلقه:
يا عثمان ائت بالمفتاح فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلي وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا
(١) مسلم في صحيحه ٩٦٦/٢ حديث ١٣٢٩. (٢) البخاري ٧٧٨/١ حديث ٥٠٥.
(٣) أبو داود في السنن ٥٢٤/٢ حديث ٢٠٢٤. (٤) البخاري ٥٧٩/١ حديث رقم ٥٠٦.
i
ء جوة
٠٠٠/
جهة

٣٦٦
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩٢ - (٤) وعن أبي هريرة [ رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله وَلَول: ((صلاةٌ في
مسجدي هذا خَيرٌ منْ ألفِ صلاةٍ فيما سِواه، إِلاَّ المسجدَ الحَرامَ)). متفق عليه.
ينزعها منكم إلا ظالم. وقال ابن عباس: لما طلب رسول الله وَلّر المفتاح من عثمان فهمّ أن يناوله
إياه، فقال له العباس: بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية. فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه
العباس. فقال عليه السلام: أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر. فقال: هاکه یا رسول
الله بأمانة الله. فأخذ عليه السلام المفتاح وفتح البيت. فنزل جبريل عليه السلام بقوله: ﴿إن الله
يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء - ٥٨]. ثم لم يزل عثمان يلي فتح البيت إلى أن
توفي فدفع إلى شيبة بن عثمان وهو ابن عمه فبقيت الحجابة في بني شيبة.
95
١٣٠٤
٦٩٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: صلاة) التنكير للوحدة
أي صلاة واحدة (في مسجدي هذا) أي مسجد المدينة لا مسجد قباء. قال النووي: ينبغي أن
يتحرى الصلاة فيما كان مسجداً في حياته عليه السلام لا فيما زيد بعده، فإن المضاعفة تختص
بالأوّل ووافقه السبكي وغيره. واعترضه ابن تيمية وأطال فيه والمحب الطبري، وأوردا آثاراً
استدلا بها، وبأنه سلم في مسجد مكة أن المضاعفة لا تختص بما كان موجوداً في زمنه وَلتر.
وبأن الإِشارة في الحديث إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه عليه السلام، وبأن
الإِمام مالكاً سئل عن ذلك فأجاب بعدم الخصوصية. وقال: لأنه عليه السلام أخبر بما يكون
بعده وزويت له الأرض، فعلم بما يحدث بعده. ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن
يستزيدوا فيه بحضرة الصحابة. ولم ينكر ذلك عليهم. وبما في تاريخ المدينة عن عمر رضي
الله عنه أنه لما فرغ من الزيادة قال: لو انتهى إلى الجبانة. وفي رواية إلى ذي الحليفة، لكان
الكل مسجد رسول الله وَ له. وبما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل
يقول: لو زيد في هذا المسجد ما زيد كان الكل مسجدي. وفي رواية: لو بني هذا المسجد
إلى صنعاء كان مسجدي. هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في الجوهر المنظم في زيارة القبر
المكرم والله أعلم. (خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) فإن الصلاة فيه أفضل
من ألف صلاة في مسجدي. كذا ذكره ابن الملك. قال الطيبي: قيل: الاستثناء يحتمل أن
الصلاة في مسجدي لا تفضل الصلاة في المسجد الحرام بألف بل بدونها. ويحتمل أن الصلاة
في المسجد الحرام أفضل. ويحتمل المساواة أيضاً. قلت: لكن الحديث الآتي في آخر الفصل
الثاني يدفع الاحتمالين للطرفين، فإنه قال: صلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاة في
المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. رواه ابن ماجة والله أعلم. (متفق عليه).
الحديث رقم ٦٩٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٣/٣ حديث رقم ١١٩٠. وأخرجه مسلم في صحيحه
١٠١٢/٢ حديث رقم (١٣٩٤.٥٠٥) وبين الروايتين اختلاف وأخرجه الترمذي في السنن ٢/ ١٤٧
حديث رقم ٣٢٥. وأخرجه النسائي مطولاً في السنن ٣٥/٢ حديث رقم ٦٩٤. وأخرجه ابن ماجة
في السنن ٤٥٠/١ حديث رقم ١٤٠٤. وأخرجه مالك في الموطأ ١٩٦/١ حديث رقم ٩ من كتاب
القبلة. وأخرجه الدارمي في السنن ٣٨٨/١ حديث رقم ١٤١٨ وفى الباب عن ابن عمر.
٤٩٤٠*
3M
.82

م بون:
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٦٧
ورواه النسائي قاله ميرك. قال ابن حجر: وفهم منه المالكية أفضلية المدينة على مكة.
قالوا: ومعناه إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد مكة بدون
الألف. وهو غفلة عن بقية الأحاديث المبطلة لما فهموه، بل معناه إلا المسجد الحرام، فإن
الصلاة فيه تفضل الصلاة في مسجد رسول الله * بأضعاف مضاعفة، كما صرح به في خبر
:· أحمد والبزار وصحيح ابن حبان، من حديث حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء عن عبد
الله بن الزبير قال: قال رسول الله وَلقر: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره
من المساجد، إلا المسجد الحرام. وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي
هذا بمائة ألف صلاة. وإسناده على شرط الشيخين. ولما صححه ابن عبد البر من أئمة المالكية
قال: إنه الحجة عند التنازع، وقال أيضاً: إنه حديث ثابت لا مطعن فيه لأحد إلا لمتعسف لا
يعرج على قوله في حبيب المعلم: وقد كان الإِمام أحمد يمدحه ويوثقه ويثني عليه. وكان ابن
مهدي ويزيد بن زريع وحماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم يروون عنه، وهم أئمة
علماء يقتدى بهم، وبقية رجال إسناده أئمة ثقات. ومنهم من علله بالاختلاف على عطاء لأن
قوماً يروونه عنه عن ابن الزبير، وآخرين عنه عن ابن عمر، وآخرين عنه عن جابر. ومن العلماء
من يجعل مثل هذا علة الحديث، وليس كذلك لأنه يمكن أن يكون عند عطاء عن هؤلاء
جميعهم، بل هو الواقع كما يأتي. والواجب أن لا يدفع خبر نقله العدول إلا بحجة. وقال
البزار: هذا الحديث روي عن عطاء واختلف عليه فيه، ولا نعلم أحداً قال: إنه يزيد عليه
بمائة، إلا ابن الزبير. وقد تابع حبيباً المعلم الربيع بن صبيح فرواه عن عطاء بن الزبير ورواه
عبد الملك بن أبي سليمان عنه عن ابن عمر وابن جريج عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
اهـ. كلام ابن عبد البر ولا مزيد على حسنه، ومن ثم قال الذهبي: إسناده صالح. وفي ابن
ماجة بسند في بعض رجاله لين: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه،
وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه. وخبر ابن عبد البر، وقال:
رجال إسناده علماء أجلاء، ولفظه كالذي قبله. ورواه ابن زنجويه بلفظ: إلا المسجد الحرام
فإنها تعدل مائة ألف صلاة في مسجد المدينة. وفي حديث البزار: فضل الصلاة في المسجد
الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة وفي مسجد بيت المقدس
خمسمائة صلاة. وخبر ابن ماجة: صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل
بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى ومسجد المدينة بخمسين ألف صلاة،
وصلاته في مسجد الحرام بمائة ألف صلاة(١). وخبر الطبراني: صلاة في مسجدي هذا بعشرة
آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بعشرة أمثالها بمائة ألف صلاة، وصلاة الرجل في
بيت المقدس بألف صلاة، وصلاة الرجل في بيته حيث لا يراه أحد أفضل من ذلك كله.
قلت: يحمل صلاة الرجل في بيته أولاً على الفرض. وثانياً على النفل لئلا يتعارضا. أو على
(١) ابن ماجة ١٤١٣.

كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٦٨
العذر. وصح عن عمر قال ابن حزم: بسند كالشمس في الصحة، أنه قال: صلاة في المسجد
الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجد النبي وَلَ(١). وصح عن عبد الله بن الزبير قال:
الصلاة في المسجد الحرام تفضل على مسجد النبي ◌َّ بمائة ضعف. قال ابن عبد البر وابن
حزم: فهذان صحابيان جليلان يقولان بفضل المسجد الحرام على مسجد النبي ◌َّر. ولا
مخالف لهما من الصحابة فصار كالإجماع منهم في ذلك. وفي رسالة الحسن البصري إلى
الرجل الزاهد الذي أراد الخروج من مكة قال: قال رسول الله وَّلّ: من صلى في المسجد
الحرام ركعتين فكأنما صلى في مسجدي ألف صلاة، والصلاة في مسجدي أفضل من ألف
صلاة فيما سواه من البلدان. إذا تأملت ذلك علمت ضعف ما قيل على رواية: صلاة بالمسجد
الحرام أفضل من مائة ألف صلاة تبلغ صلاة واحدة فيه عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر
وعشرين ليلة، وصلاة خمس صلوات فيه تبلغ مائتي سنة وسبعاً وسبعين سنة وسبعة أشهر
وعشر ليال. اهـ. وضعف ما قيل أيضاً: صلاة بالمسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة. كما
ورد: كل صلاة فيه جماعة بألفي ألف صلاة وسبعمائة ألف صلاة، والصلوات الخمس فيه
بثلاثة عشر ألف صلاة وخمسمائة ألف صلاة، وصلاة الرجل بغير المساجد الثلاثة كل مائة سنة
شمسية بمائة ألف وثمانين ألف صلاة، وكل ألف سنة بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة.
فتلخص من هذا أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة يفضل ثوابها على ثواب من صلى
في بلده فرادى، حتى بلغ عمر نوح بنحو الضعف. وهذه فائدة تساوي رحلة. اهـ. وهذا كله
كالذي قبله غفلة عن الرواية الصحيحة السابقة: إن صلاة واحدة بمكة أفضل من مائة ألف صلاة
بمسجده عليه السلام، وإلا فالحسنات تزيد على ذلك بما لا نهاية له. ثم لا تنافي بين الروايات
المختلفة في التضعيف، لاحتمال أن حديث الأقل قبل حديث الأكثر، ثم تفضل الله بالأكثر
شيئاً بعد شيء، ويحتمل أن يكون تفاوت الأعداد لتفاوت الأحوال، لما جاء أن الحسنة بعشر
أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة إلى غير نهاية. وورد: تفكر ساعة خير من عبادة سنة(٢). كذا
ذكره ابن حجر: وقال الخطابي ذكر الفاكهاني بلفظه: فكر ساعة خير من عبادة سنة، من كلام
السري السقطي. قلت: ذكر السيوطي في الجامع الصغير: فكرة ساعة خير من عبادة ستين
سنة(٣). رواه أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة. واختلفوا في محل هذه المضاعفة على
أربعة أقوال: الأوّل أنه الحرم، والثاني أنه مسجد الجماعة وهو ظاهر من كلام أصحابنا واختاره
بعض الشافعية، لأن أصحابنا قالوا: التفضيل مختص بالفرائض دون النوافل، فإنها في البيوت
أفضل، فجعلوا حكم البيت غير حكم المسجد. قال العسقلاني: ويمكن إبقاء حديث: أفضل
صلاة المرء على عمومه. فتكون النافلة في بيت مكة أو المدينة تضاعف على الصلاة في البيت
(١) البيهقي في شعب الإيمان ٤٨٦/٣ حديث ٤١٤٤.
(٢) عزاه صاحب الكنز إلى أبي الشيخ في العظمة.
(٣) الجامع الصغير ٣٦٥/٢ حديث رقم ٥٨٩٧.
١٢٣٧٠ /٧٥٣٤٠
F :

٣٦٩
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
.
بغيرهما، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقاً. والثالث أنه مكة، واختاره بعضهم لخبر ابن
ماجة: صلاة بمكة بمائة ألف. والرابع أنه الكعبة وهو أبعدها. قيل: ورد عن ابن عباس أن
حسنات الحرم كلها الحسنة بمائة ألف. وأجيب بأن حسنة الحرم مطلقاً بمائة ألف، لكن الصلاة
في مسجد الجماعة تزيد على ذلك. ولذا قال: بمائة ألف صلاة في مسجدي، ولم يقل:
حسنة. وصلاة في مسجده عليه السلام بألف صلاة كل صلاة بعشر حسنات، فتكون الصلاة في
مسجده عليه السلام بعشرة آلاف حسنة. ويحتمل أن يلحق بعض الحسنات ببعض، أو يختص
ذلك بالصلاة لمعنى فيها الكعبة وحدها، لرواية: إلا الكعبة. وفي رواية للنسائي: إلا المسجد
والكعبة. وفي أخرى لمسلم: إلا مسجد الكعبة. قال ابن حجر: ثم المضاعفة لا تختص
بالفرض بل تعم النفل أيضاً خلافاً لبعض الحنفية والمالكية وغيرهم، وإن كان دون الفرض
لزيادته عليه بسبعين درجة، ولا ينافي عموم التضعيف للنفل كونه في البيت أفضل حتى في
الكعبة للخبر الصحيح: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وذلك لأن في فضيلة الإتباع ما
يربو على المضاعفة. ومن ثم قال السبكي: صلاة الظهر بمنى يوم النحر أفضل منها بمكة
بالمسجد الحرام. وإن جعلنا المضاعفة مختصة به لما تقرر أن في فضيلة الإتباع ما يربو على
فضيلة العمل. والمضاعفة غير مختصة بزمنه عليه السلام على المختار. ثم المراد بالتضعيف
السابق إنما هو في الأجر دون الإجزاء باتفاق العلماء. فالصلاة في أحد المساجد الثلاثة لا
تجزىء عن أكثر من واحدة إجماعاً. وما اشتهر على السنة العوام أن من صلى داخل الكعبة
أربع ركعات، تكون قضاء الدهر. باطل لا أصل له. ثم المضاعفة لا تختص بالصلاة، بل تعم
سائر الطاعات. وبه صرح الحسن البصري. فقال: صوم يوم بمكة بمائة ألف، وصدقة درهم
بمائة ألف، وكل حسنة بمائة ألف. وورد فيه حديث بسند حسن خلافاً لمن ضعفه: إن حسنات
الحرم كل حسنة بمائة ألف حسنة (١). وروى ابن ماجة خبر: من أدرك شهر رمضان بمكة
فصامه وقام فيه ما تيسر كتب له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه، وكتب له بكل يوم وليلة عتق
رقبة، وفي كل يوم حمل فرسين في سبيل الله(٢). وروى البزار خبر: رمضان بمكة أفضل من
ألف رمضان بغير مكة. وذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كالحسنات.
منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل وغيرهم لتعظيم البلد. ثم قيل: تضعيفها
كمضاعفة الحسنات بالحرم. وقيل: بل كخارجه. وأخذ الجمهور بالعمومات. كقوله تعالى:
﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾، وحمل بعض المتأخرين القول
بالمضاعفة. على أن المراد بها مضاعفة الكيفية لا الكمية، فإن السيئة جزاؤها سيئة لكن
السيئات متفاوتة، إذ ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في طرف من أطراف
بلده. قيل: يرجع النزاع [في ذلك الحمل أيضاً]. إذ أي فرق بين سيئة معظمة تقدر بمائة ألف
سيئة وهي واحدة، وبين سيئة بمائة ألف سيئة عدداً. وأجيب بأنه ورد من زادت حسناته على
٨
E
(٢) ابن ماجة ١٠٤١/٢ حديث رقم ٣١١٧.
(١) البيهقي.
أجور
٠٠

٣٧٠
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩٣ - (٦) وعن أبي سعيدِ الخُدريِّ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَ له: ((لا تُشَدُّ الرِّحالُ
سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته
كان من أهل الأعراف. ومما يدل على تعظيم الحرم المقتضي لتعظيم السيئة قوله تعالى:
﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج - ٢٥]. فقد أخذ منه جماعة كابن
مسعود أن من خصوصياته أنه يعاقب على الهم فيه بالسيئة وإن لم يفعلها. واحتج المالكية
لأفضلية المدينة بخبر: ((المدينة خير من مكة (١). ولا حجة فيه لأنه حديث ضعيف، وقيل:
موضوع ذكره ابن عبد البر وغيره. وخبر: اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فاسكنيِّ
أحب البقاع إليك(٢). وهو مرسل ضعيف، وقيل: بل موضوع)) وخبر اللهم اجعل بالمدينة
ضعفي ما بمكة من البركة (٣). يدل على الفضيلة لا الأفضلية. وقد صح في فضيلة مكة
أحاديث أيضاً منها خبر: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله (٤). وخبر: ما
أطيبك وأحبك إليّ ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك(٥). ومنها خبر أنه عليه
السلام قال لهم في حجة الوداع: أي بلد تعلمونه أعظم حرمة. قالوا: لا إلا بلدنا. الحديث
وفي رواية أن ابن عمر وجابر أيشهدان أن رسول الله وي ليه سأل الناس: أي بلد أعظم حرمة.
فأجابوا بأنه مكة، وهذا إجماع من الصحابة أنها أفضل البلاد وأقرهم عليه عليه السلام. هذا
ونقل القاضي عياض وغيره الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة حتى على الكعبة
المنيفة، وأن الخلاف فيما عداه ونقل عن أبي عقيل الحنبلي أن تلك البقعة أفضل من العرش
وصرح الفاكهاني بتفضيلها على السموات. قال: بل الظاهر المتعين تفضيل جميع الأرض
على السماء لحلوله عليه الصلاة والسلام بها. وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها
ودفنهم فيها. وقال النووي والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، أي ما عدا ما ضم
الأعضاء الشريفة. ومحل الخلاف فيما عدا الكعبة، فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقاً، ما عدا
موضع قبره المقدس ومحل نفسه الأنفس صلوات الله وسلامه عليه، ما دام الصبح تنفس
والليل إذا عسعس.
٦٩٣ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلّ: لا تشد الرحال) جمع رحل
الدار قطني في الافراد.
(١)
(٢) الحاكم في المستدرك ٣/٣.
البخاري ٩٧/٤ حديث ١٨٨٥ ومسلم ٢/ ٩٩٤ حديث ١٣٦٩.
(٣)
(٥) الترمذي ٦٧٩/٥ حدیث ٣٩٢٦.
(٤)
الترمذي ٦٧٩/٥ حديث رقم ٣٩٢٥.
الحديث رقم ٦٩٣: أخرجه البخاري في الصحيح ٣/ ٧٠ حديث رقم ١١٩٧. وأخرجه مسلم في صحيحه
٢/ ٩٧٥ حديث رقم (٨٢٧.٤١٥). وأخرجه الترمذي في السنن ١٤٨/٢ حديث رقم ٣٢٦.
وأخرجه النسائي في السنن ٣٧/٢ حديث رقم ٧٠٠. وأخرجه ابن ماجة في السنن ٤٥٢/١ حديث
رقم ١٤٠٩ وأحمد في المسند ٣/ ٧. وأخرجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أبو داود في السنن ٢/
٥٢٩ حدیث رقم ٢٠٣٢.

٣٧١
w:
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
إِلا إِلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرام، والمسجدِ الأقصى، ومسجدي هذا». متفق عليه.
٦٩٤ - (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّ: ((ما بينَ بيتي ومِنبري روضة
مِن رِیاضِ الجنَّةِ،
وهو كور البعير. والمراد نفي فضيلة شدها وربطها. (إلا إلى ثلاثة مساجد) قيل: نفي معناه
نهي. أي لا تشدوا إلى غيرها لأن ما سوى الثلاثة متساوٍ في الرتبة غير متفاوت في الفضيلة.
وكان الترحل إليه ضائعاً وعبثاً. وفي شرح مسلم للنووي قال أبو محمد: يحرم شد الرحل
إلى غير الثلاثة. وهو غلط. وفي الأحياء ذهب بعض العلماء إلى الاستدلال به على المنع
من الرحلة لزيارة المشاهد وقبور العلماء والصالحين. وما تبين لي أن الأمر كذلك، بل
الزيارة مأمور بها لخبر: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها(١). والحديث إنما ورد
نهياً عن الشد لغير الثلاثة من المساجد لتماثلها، بل لا بلد إلا وفيها مسجد فلا معنى للرحلة
إلى مسجد آخر. وأما المشاهد فلا تساوي بل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند الله. ثم
ليت شعري هل يمنع هذا القائل من شد الرحل لقبور الأنبياء كإبراهيم وموسى ويحيى،
والمنع من ذلك في غاية الإحالة، وإذا جوّز ذلك لقبور الأنبياء والأولياء في معناهم فلا يبعد
أن يكون ذلك من أغراض الرحلة. كما أن زيارة العلماء في الحياة من المقاصد. (المسجد
الحرام) بالجر على البدلية. وقيل: بالرفع والنصب ووجههما ظاهر (والمسجد الأقصى) وصفة
بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام، ولعل تقديمه على المسجد النبوي لتقدمه وجوداً
(ومسجدي هذا). قال ابن الملك: يريد به مسجد المدينة. ومزية هذه المساجد لكونها ابنية
الأنبياء عليهم السلام ومساجدهم. قلت: ولأن الله ذكرها في كتابه القديم على وجه التعظيم
والتكريم. وفيه إشارة إلى أرجحية القول بأن المراد بقوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على
التقوى﴾ [التوبة - ١٠٨] هو المسجد النبوي، ثم مسجد قباء تابع لمسجده أو ملحق به
اقتداء به ﴿ لما يأتي. ولعله إنما ترك ذكره لأنه مما لا تشد الرحال إليه غالباً. (متفق عليه)
ورواه الترمذي والنسائي قاله ميرك.
١
٦٩٤ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويلي: ما بين بيتي ومنبري) المراد بالبيت
بيت سكناه. وقيل: قبره، لما جاء في حديث آخر: ((ما بين قبري ومنبري)) ولا منافاة بينهما
لأن قبره في بيته. قيل: أراد بما بينهما، المحراب لأنه بين المنبر وبين بيته لأن باب حجرته
كان مفتوحاً إلى المسجد. وفي رواية عند الطبراني: ما بين حجرتي ومصلاي. (روضة من
رياض الجنة) قيل: معناه أن الصلاة والذكر فيما بينهما يؤديان إلى روضة من رياض الجنة،
(١) الترمذي ٥/ ٥٤٥ حديث ٣٦٠٩.
الحديث رقم ٦٩٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٧٠ حديث رقم ١١٩٦. وأخرجه مسلم في صحيحه
١٠١١/٢ حديث رقم (١٣٩١.٥٠٢). وأخرجه الترمذي في السنن ٦٧٥/٥ حديث رقم ٣٩١٥.
وأخرجه أحمد في المسند ٢٣٦/٢.

٣٧٢
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
ومِنبري على خَوضي».
وهذا كما جاء في الحديث: ((الجنة تحت ظلال السيوف))(١)، وفي الحديث: الجنة تحت أقدام
الأمهات(٢). أي برها وصلتها والتحمل عنها يوصل إلى دار اللذات. وفي حديث: ((إذا مررتم
برياض الجنة فارتعوا. قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله قال: المساجد))(٣)، وفي رواية
(حلق الذكر)) (٤) قال التوربشتي: وإنما سمى تلك البقعة المباركة روضة، لأن زوّار قبره وعمّار
مسجده من الملائكة والجن والانس لم يزالوا مكبين فيها على ذكر الله سبحانه وعبادته. إذا
صدر عنها فريق ورد عليها آخرون. كما جعل حلق الذكر رياض الجنة قال: (ومنبري على
حوضي) أي على حافته، فمن شهده مستمعاً إلي أو متبركاً بذلك الأثر شهد الحوض. ونبه
عليه السلام على أن المنبر مورد القلوب الصادئة في بيداء الجهالة، كما أن الحوض مورد
الأكباد الظامئة في حر القيامة. ويحتمل أن يراد بهذا الكلام ما لا تهتدي إليه عقولنا، كذا نقله
الطيبي: وقال مالك: الحديث باق على ظاهره، والروضة قطعة نقلت من الجنة وستعود إليها
وليست كسائر الأرض تفني وتذهب. قال ابن حجر: وهذا عليه الأكثر وهي من الجنة الآن
حقيقة. وإن لم تمنع نحو الجوع لإتصافها بصفة دار الدنيا. وقيل: يعيد الله منبره على حاله
فينصبه على حوضه. قال ابن حجر: وهذا هو الأولى أيضاً لأن الأصل بقاء اللفظ على ظاهره
الممكن والله أعلم. قال ابن الملك: وروي: ومنبري على ترعة حوضي، والترعة على ما في
النهاية، الروضة على المكان المرتفع خاصة. وقيل: هي الدرجة. وقيل: الباب. وقيل: ترعة
الحوض مفتح الماء إليه. ثم قال: وهذا يدل على أن يكون له عليه السلام في الآخرة منبر.
ويجوز أن يراد منبره في الدنيا. وفيه تنبيه على استمداده عليه السلام من الحوض الزاخر
النبوي. وفيه إشارة إلى أن كلا منهما متعلق بالآخر، لا مطمع لأحد في الآخر دون الإتعاظ
بالأوّل. وقال ابن حزم: ظن بعض الأغبياء أن تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة، وأن
الأنهار سيحان وجيحان والفرات والنيل مهبطة من الجنة. وهذا باطل لأن الله تعالى يقول: في
الجنة: ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحي﴾ [طه - ١١٨ -
١١٩]. وليست هذه صفة الأنهار المذكورة، ولا الروضة. فصح أن قوله: من الجنة. إنما هو
لفضلها، وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لطيبها وبركتها أضيفت إلى الجنة.
كما تقول في اليوم الطيب هذا من أيام الجنة. وكما قيل في الضأن: إنها من دواب الجنة. وقد
جاء: إن حلق الذكر من رياض الجنة. وتعقبه ابن حجر بأن الآية لا تدل له، لأن تلك القطعة
لما نزلت إلى الأرض أعطيت أحكامها، ومن ثم لو حلف داخلها أنه دخل الجنة حنث واعترى
من بها الجوع ونحوه. ومجرد سلب ذلك عنها لا يقتضي سلب كونها من الجنة عنها، وفائدة
كونها منها مع نفي أوصافها عنها غاية تشريف مسجده عليه السلام، بأن فيه قطعة من نفس
(١) البخاري ٦/ ٣٣ حديث رقم ٢٨١٨ مسلم ١٣٦٢/٣ حديث ١٧٤٢.
(٢) مسند الفردوس ١١٦/٢ حديث رقم ٢٦١١.
(٤) الترمذي ٥/ ٤٩٨ حديث رقم ٣٥١٠.
(٣) الترمذي ٤٩٧/٥ حديث رقم ٣٥٠٩.
دمنة

كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٧٣
متفق عليه .
٦٩٥ - (٧) وعن ابن عمرَ، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ يأتي مسجدَ قباء كلَّ سَبْتٍ ماشياً
وراكباً، فيُصلّ فيه ركعتين. متفق عليه.
١
+ جوزة
٠
١
أرض الجنة، كما صح في الحجر الأسود والمقام، إنهما ياقوتتان من الجنة، ولولا ما طمس
من نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب(١)، وصح عن ابن عباس، ومثله لا يقال من قبل
الرأي، يعني فهو في حكم المرفوع: ((إن الحجر نزل من الجنة ياقوتة بيضاء وإن الله غيره
بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة. يعني ليكون الإِيمان غيبياً لا عينياً، وإنه أنزل في
محل الكعبة قبل وجودها ليتأنس به آدم وحرسه بصف من الملائكة لئلا ينظر الجن والانس إليه
لأنه من الجنة، ومن نظر إلى الجنة دخلها)). فكما أن هذين من الجنة حقيقة، ولا يمكن ابن
حزم تأويلهما، فكذا ما نحن فيه وما زعمه في تلك الأنهار ليس بصحيح أيضاً. والأحاديث
الصحيحة بأنها من الجنة حقيقة لكنها لما نزلت إلى الأرض اكتسبت أوصافها أيضاً. وقوله:
كما تقول في اليوم الطيب الخ. لا دليل فيه لأن الحقيقة في تلك المثل وما أشبهها من نحو:
((الجنة تحت ظلال السيوف)) مستحيلة بخلاف ما نحن فيه. (متفق عليه) ورواه أبو داود قاله
ميرك .
٦٩٥ - (وعن ابن عمر قال: كان النبي ◌َّلتر يأتي مسجد قباء) ممدود يصرف، وقيل: لا.
وقيل: مقصور، وهي قرية قريبة من المدينة على ثلاثة أميال. وقيل: أصحاب الصفة كانوا في
ذلك المسجد. (كل سبت ماشياً وراكباً) حالان مترادفان، والواو بمعنى أو، يعني تارة وتارة.
(فيصلي فيه ركعتين) أي تحية المسجد، أو غيرها يقوم مقامها. قال الطيبي: وفيه دليل على أن
التقرب بالمساجد ومواضع الصلحاء، مستحب وأن الزيارة يوم السبت سنة. (متفق عليه). قال
ابن حجر: وصح عنه عليه السلام: ((إن صلاة في مسجد قباء كعمرة)) (٢). وفي رواية: ((من
توضأ فاسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين، كان له أجر عمرة)»(٣). وفي أخرى
صحيحة أيضاً: ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم دخل مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات كان ذلك
هه+
يطارجنيـ
(١) الترمذي بمعناه ٢٢٦/٣ حديث رقم ٨٧٨ و٨٧٧.
الحديث رقم ٦٩٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٩/٣ حديث رقم ١١٩٣ ولم يذكر ((فيصلي فيه ركعتين))
وأخرجه في الحديث رقم ١١٩٤ ذكر الصلاة إلا أنه لم يذكر ((كل سبت)). وأخرجه مسلم في
الصحيح ١٠١٦/٢ حديث رقم (١٣٩٩.٥١٦) ولم يذكر ((كل سبت)). وفي الحديث (٥٢١ .
١٣٩٩) ولم يذكر الصلاة. والله أعلم. وأخرجه أبو داود في السنن ٥٣٣/٢ حديث رقم ٢٠٤٠.
وأخرجه النسائي في السنن مختصراً ٣٧/٢ حديث رقم ٦٩٨. وكذلك مالك في الموطأ ١/ ١٦٧
حديث رقم ٧١ من كتاب قصر الصلاة في السفر. وأحمد في المسند ٢/ ٤.
(٢) الترمذي ١٤٥٢ حديث رقم ٣٢٤. وابن ماجة والنسائي نحوه.
(٣) الطبراني في الكبير.
brit-
ـك العبء ع

٣٧٤
٢٢٠٤.
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩٦ - (٨) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((أحبُّ البلاد إِلى اللَّهِ
مساجدُها، وأبغضُ البلادِ إِلى الله أسواقُها)). رواه مسلم.
٦٩٧ - (٩) وعن عثمان، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((من بنَى اللَّهِ
مسجداً،
عدل عمرة))(١). ويجمع بأنه يحتمل أن ثواب العمرة رتب أوّلاً على أربع ركعات، ثم سهّل الله
على عباده وتفضّل عليهم فرتبه على ركعتين. وصح عن سعد بن أبي وقاص: لأن أصلي في
مسجد قباء ركعتين، أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين. لو يعلمون ما في قباء لضربوا
إليه أكباد الإِبل(٢). ومن هنا قالوا عوّض الله تعالى قاصد مسجده عليه السلام من الحج والعمرة
بأمرين، وعد عليهما ذلك الثواب. أما الحج، فذكر ابن الجوزي بإسناده وابن النجار بإسناده
عن أبي أمامة أنه عليه السلام قال: من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى
يصلي فيه كان بمنزلة حجة. وأما العمرة فزيارة مسجد قباء للحديث الصحيح: صلاة في مسجد
قباء كعمرة .
٦٩٦ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: أحب البلاد إلى الله) جمع البلد،
والمراد مأوى الإِنسان. (مساجدها. وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) المراد بحب الله المساجد،
إرادة الخير لأهلها، وبالبغض خلافه. وهذا بطريق الأغلبية، وإلا فقد يقصد المسجد بقصد
نحو الغيبة، وقد يدخل السوق لطلب الحلال. ولذا قيل: كن ممن يكون في السوق وقلبه في
المسجد، لا بالعكس. والجمع بين القلب والقالب في المسجد أكمل. قال الطيبي: ولعل
تسمية المساجد والأسواق بالبلاد تلميح إلى قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب﴾. الآية. ويحتمل أن
يراد مضاف، أي بقاع البلاد. ولا شك أن المساجد محل التقرب إلى الله تعالى، والأسواق
محل أفعال الشياطين من الحرص والطمع والخيانة والغفلة. اهـ. وقد قال الله تعالى: ﴿في
بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ الآية [النور - ٣٦]. وقال وهالر: المساجد مواطن
المتقين. (رواه مسلم) وابن حبان(٣) قاله ميرك.
* جوة
٦٩٧ - (وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليه: من بنى الله مسجداً) أي
معبداً فيتناول معبد الكفرة، فيكون لله لإخراج ما بنى معبداً لغير الله قاله ابن الملك. والأظهر
١٣٣
(١) ابن أبي شيبة.
(٢) الحاكم في المستدرك ٣/ ١٢.
الحديث رقم ٦٩٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٤٦٤/١ حديث رقم (٦٧١.٢٨٨).
(٣) ابن حبان ٦٤/٣ حديث رقم ١٥٩٨.
الحديث رقم ٦٩٧ : أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٥٤٤ حديث رقم ٤٥٠. وأخرجه مسلم في صحيحه
٣٧٨/١ حديث رقم (٥٣٣.٢٤) وأخرجه الترمذي في السنن ١٣٤/٢ حديث رقم ٣١٨. وأخرجه
النسائي في السنن ٣١/١. حديث رقم ٦٨٨. وأخرجه ابن ماجة في السنن ٢٤٣/١ حديث رقم
٧٣٦. والدارمي في السنن ٣٧٦/١ حديث رقم ١٣٩٢ وأحمد في مسنده ١/ ٧٠.
طول
ச்சூ டி

كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٣٧٥
بَنِى اللَّهُ له بيتاً في الجنَّةِ)). متفق عليه.
٢٠ /١١/
أن يكون المسجد على بابه ويكون لله لإخراج ما بني للرياء والسمعة. ولذا قيل: من كتب
اسمه على بنائه دل ذلك منه على عدم إخلاصه. قال ابن حجر: وهو ظاهر ما لم يقصد بكتابة
اسمه نحو الدعاء والترحم. وفيه أن الدعاء والترحم يحصل مجملاً ومبهماً فلا يحتاج تعيين إلى
الاسم. (بنى الله له بيتاً) وفي نسخة زيادة، مثله. (في الجنة) قال الطيبي: التنكير في مسجداً
للتقليل، وفي بيتاً للتكثير والتعظيم ليوافق ما ورد: من بنى الله ولو كمفحص قطاة (١) الحديث.
اهـ. قلت: وليكون إشارة إلى زيادة المثوبة كمية وكيفية، لئلا يرد عليه قوله تعالى: ﴿من جاء
بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام - ١٦٠]. قال صاحب الروضة في فتاويه: يحتمل أن يكون
المراد بيتاً فضله على بيوت الجنة، كفضل المسجد على بيوت الدنيا، وأن يكون معناه مثله في
مسمى البيت. وأما الصفة في السعة وغيرها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على
قلب بشر كذا نقله السيد عن الأزهار. (متفق عليه). قال ابن حجر: وفي رواية لهما: بنى الله
له مثله في الجنة (٢). وفي أخرى للبخاري: من بنى مسجداً(٣) قال بكير: حسبت أنه قال:
يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة. وروى أحمد خبر: من بنى لله مسجداً ولو
كمفحص قطاة لبيضها. بنى الله له بيتاً في الجنة (٤). وابن ماجة بسند صحيح: من بنى لله
مسجداً كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة(٥). وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه
أيضاً وابن حبان في صحيحه. قال الذهبي: وإسناده جيد. ومفحص القطاة بفتح الميم، محل
تبحثه برجلها وتصلحه لتبيض به بالأرض مأخوذ من الفحص وهو البحث ولو، هنا للتقليل كما
أثبته من معانيها ابن هشام الخضراوي، وجعل منه: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) (٦). قال
الزركشي: والظاهر أن التقليل مستفاد من بعد لولا من لو قلت. الأظهر أن الاستفادة من بعد لو
لكن بإعانة لو، فإن الكلام بدونها لا يفيد الإفادة التي معها؛ والتقليل هنا يحصل بأدنى زيادة
في مسجد تنزيلاً لتتميمه منزلة ابتدائه حملاً للناس على ذلك. ويحتمل أن يراد به المبالغة. وأما
قوله: مثله. فقال بعضهم: المثلية بحسب الكمية، والزيادة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير
من مائة بيت. ويوافقه قول ابن الجوزي: مثله في الاسم لا في المقدار، أي بني له بيت كما
بنى بيتاً فجزاء هذه الحسنة من جنس البناء، لا من غيره. مع أن التفاوت حاصل قطعاً بالنسبة
إلى ضيق الدنيا وسعة العقبى. ومن ثم روى أحمد: ((بنى الله له في الجنة أفضل منه))(٧). ورواه
الطبراني بلفظ: أوسع. ويدل على الأفضلية حديث: ((لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من
Am//NY
١ ٠ /١٣:١
(١) ابن ماجة ٢٤٤/١ حديث رقم ٧٣٨.
(٢) البخاري ٥٤٤/١ حديث ٤٥٠ مسلم ٣٧٨/١ حديث (٥٣٣.٢٥).
(٤) أحمد ٢٤١/١.
(٣) البخاري ٥٤٤/١ حديث ٤٥٠.
(٥) ابن ماجة ٢٤٤/١ حديث ٧٣٨.
(٦) البخاري ٢٨٣/٣ حديث ١٤١٧. مسلم ٧٠٤/٢ حديث (٦٨. ١٠١٦).
(٧) أحمد في المسند ٤٩٠/٣.
wEDU. .....

٣٧٦
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩٨ - (١٠) وعن أبي هريرةَ [ رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله وَله: ((مَنْ غَدَا
إلى المسجدِ أو رَاحَ، أعدَّ اللَّهُ له نُزْلَهُ من الجنَّة كلما غدا أو راحَ)). متفق عليه.
٦٩٩ - (١١) وعن أبي موسى [الأشعري]، قال: قال رسول الله وَلّ: ((أعظمُ
النَّاسِ أجراً في الصلاة، أبعدُهم فأبعدُهم ممشىّ، والذي ينتظرُ الصلاةَ حتى يُصلّيَها مع
الإِمامِ أعظمُ أجراً من الذي يصلي ثمَّ ينامُ)).
الدنيا وما فيها))(١). وروي عن عائشة مرفوعاً: من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له
بيتاً في الجنة. قلت: يا رسول الله وهذه المساجد التي بطريق مكة. قال: وتلك. وإنما خص
القطاة لأنها تتخذ محلاً لبيضها على بسيط الأرض لا على نحو شجر أو جبل بخلاف بقية
الطيور.
//:١٣
٦٩٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّ ر: من غدا إلى المسجد)
أي ذهب إليه في الغدوة، وهو ما بين طلوع الفجر والزوال. (أو راح) أي ذهب إليه في
الرواح، وهو ما بعد الزوال (أعد الله) أي هيأ (له نُزُله) بضم النون والزاي وتسكن، وهو ما
يقدم إلى الضيف من الطعام. (من الجنة) قال السيوطي في حاشية البخاري: النزل بضمتين،
المكان المهيأ للنزول. وبسكون الزاي ما يهيأ للقادم من نحو الضيافة، فمن على الأول
للتبعيض، وعلى الثاني للتبيين. (كلما غدا أو راح) قال الطيبي: النزل ما يهيأ للنازل، وكلما
غدا ظرف. وجوابه ما دل عليه ما قبله، وهو عامل فيه. والمعنى كلما استمر غدوّه ورواحه
استمر اعداد نزله في الجنة. فالغدوّ والرواح في الحديث، كالبكرة والعشي في قوله تعالى:
﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً﴾ [مريم - ٦٢]. المراد بهما الدوام. قلت: فعلى هذا تكون
الحركة سبب البركة، والذهاب موجب الثواب. ويمكن أن يكون الذهاب إلى الطاعة علامة
أعداد الله المثوبة، فإن العبادات أمارات لا موجبات. (متفق عليه).
٦٩٩ - (وعن أبي موسى) أي الأشعري كما في نسخة (قال: قال رسول الله وتلقى: أعظم
الناس) أي أكثرهم (أجراً في الصلاة) أي في الإتيان إليها (أبعدهم فأبعدهم) الفاء للاستمرار،
كما في قوله: الأمثل فالأمثل. قاله الطيبي: (ممشى) مصدر أو مكان كذا قيل، والثاني هو
الظاهر. (والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي) أي منفرداً
قاله ابن الملك. أو مع إمام آخر قاله العسقلاني. (أو في أوّل الوقت ثم ينام) أي ولا ينتظر
الإِمام. وقال الطيبي: أي من أخر الصلاة ليصليها مع الإِمام لأعظم أجراً من الذي يصليها في
(١) البخاري ٨٥/٦ حديث رقم ٢٨٩٢.
الحديث رقم ٦٩٨: أخرجه البخاري في صحيحه ١٤٨/٢ حديث رقم ٦٦٢. ومسلم في صحيحه ٤٦٣/١
حديث رقم (٢٨٥ .٦٦٩). وأخرجه أحمد في المسند ٥٠٨/٢. ٥٠٩.
الحديث رقم ٦٩٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣٧/٢ حديث رقم ٦٥١. وأخرجه مسلم في صحيحه
١/ ٤٦٠ حديث رقم (٢٧٧ . ٦٦٢).
دمنذ

٣٧٧
1505
محمد
ج٠٧
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه .
٧٠٠ - (١٢) وعن جابر، قال: خَلَتِ البِقَاعُ حولَ المسجد، فأرادَ بنو سَلِمَة أن
يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المسجدِ، فبلغَ ذلك النبيَّ وَّرَ، فقال لهم: ((بلغني أنَّكم تريدونَ أن تنتقلوا قُربَ
المسجدِ)). قالوا: نعم يا رسول الله! قد أرَدنا ذلك. فقال: ((يا بني سلمة! ديارَكم، تُكتُبْ
آثارُکم، دیارکم، تُكتبْ آثاركم)). رواه مسلم.
وقت الاختيار ولم ينتظر الإِمام. ويحتمل من انتظر الصلاة الثانية فهو أعظم أجراً من الذي لا
ينتظر الصلاة. وفي قوله: ثم ينام. غرابة لأنه جعل عدم انتظار الصلاة نوماً. والمنتظر وإن نام
فهو يقظان، وغيره نائم وإن كان يقظان لأنه يضيع تلك الأوقات كالنائم. (متفق عليه).
٧٠٠ - (وعن جابر قال: خلت البقاع) بكسر الباء، وضبط بعضهم بالضم سهو قلم.
(حول المسجد) أي أطرافه قريباً منه. (فأراد بنو سلمة) بكسر اللام، قبيلة من الأنصار وكان
بينهم وبين المسجد مسافة بعيدة. (أن ينتقلوا قرب المسجد) بنزع الخافض، أي إلى مكان
بقربه. (فبلغ ذلك) أي انتقالهم المفهوم من أن ينتقلوا. (النبي وَّ﴾) بالإخبار أو الوحي (فقال
لهم: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد. قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك.
فقال: يا بني سلمة دياركم) بالنصب على الإغراء، أي الزموا دياركم. (تكتب) يروى بالجزم
على جواب الزموا، ويجوز الرفع على الاستئناف أو الحال لبيان الموجب. (آثاركم) جمع أثر،
وأثر الشيء حصول ما يدل على وجوده. قال تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾، أي أجر
خطاكم وثواب أقدامكم لكل خطوة درجة، فما كان الخطأ أكثر يكون الأجر أكثر. (دياركم
تكتب آثاركم) كرره للتأكيد، قال الطيبي: بنو سلمة بطن من الأنصار وليس في العرب سلمة
بكسر اللام غيرهم. كانت ديارهم على بعد من المسجد وكان يجهدهم في سواد الليل وعند
وقوع الأمطار واشتداد البرد، فأرادوا أن يتحولوا قرب المسجد فكره النبي ◌َّر أن تعرى جوانب
المدينة، فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخطأ. والمراد بالكتابة أن تكتب في صحف
الأعمال، أي كثرة الخطأ سبب لزيادة الأجر أو أن تكتب في كتب السير، أي تكتب قصتكم
ومجاهدتكم في العبادة في كتب سير السلف فيكون سبباً لحرص الناس على الجد والاجتهاد.
ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة الحديث. اهـ. وفيه تنبيه
على أن في الحديث معجزة له عليه السلام، وإشارة إلى أن التكرار ليس للتأكيد بل بشارة إلى
الكتابتين (رواه مسلم). قال ميرك: وأخرج البخاري قريباً من معنى هذا الحديث من طريق أنس
لا من طريق جابر(١). ولا ينافي هذا الحديث والذي قبله ما ورد من: ((إن شؤم الدار عدم
سماعها للأذان)). لأن الشآمة من حيث إنه ربما أدى إلى فوات الوقت أو الجماعة والفضل من
حيث كثرة الخطأ المستلزمة لكثرة الأجر، فالحيثية مختلفة. وقد صرح ابن العماد بأن الدار
الحديث رقم ٧٠٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٤٦٢ حديث رقم (٢٨٠. ٦٦٥).
(١) البخاري ٩٩/٤ فضائل المدينة باب رقم ١١.

٣٧٨
وصوي
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٠١ - (١٣) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((سبعةٌ يُظِلُهم اللَّهُ في ظِلّهِ
يومَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّه:
البعيدة أفضل، واستدل بما هنا وبخبر مسلم عن جابر: كانت ديارنا بائنة عن المسجد فأردنا أن
نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله وَلقر فقال: ((إن لكم بكل خطوة درجة))(١).
وروى مسلم أيضاً أن بعض الصحابة كان أبعدهم داراً فقيل له: ألا تركب. قال: ما سرني أن
منزلي بجنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى
أهلي. فقال عليه السلام: ((قد جمع الله لك ذلك كله))(٢). وروى أحمد خبر: ((فضل الدار
البعيدة عن المسجد على القريبة، كفضل الفارس على القاعد))(٣). قال ابن حجر: ومحل ذلك
فيمن لم يفته ببعد داره مهم ديني كتعليم علم وتعلمه ونحوهما من فروض الكفايات. وإلا
فالقريبة أفضل في حقه كالضعيف عن المشي.
٧٠١ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: سبعة) أي أشخاص ولا مفهوم له، إذ
ورد ما يدل على الزيادة. (يظلهم الله) أي يدخلهم (في ظله) أي رحمته (يوم لا ظل) أي لا
قدرة ولا رحمة (إلا ظله) قال ابن الملك في شرح السنة: أي يدخلهم في حراسته ورعايته.
وقيل بالمراد: ظل العرش. إذ جاء في بعض طرق الحديث: في ظل عرشه. اهـ. وفيه
إشكال لما ورد من دنو الشمس من الرؤوس المستلزم لكونها تحت العرش، المستلزم لعدم
الظل إذ لا يظهره إلا الشمس. وأجاب ابن حجر بمنع دعوى أنه لا يظهره إلا هي. وقال: ألا
ترى أن الجنة لا شمس فيها مع قوله عليه السلام: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في
ظلها)) (٤) كذا فكما جاز للشجرة ظل مع عدم الشمس فكذلك العرش. اهـ. وحاصله أن الظل
غير مختص بما يحجب عن نور الشمس، بل عام في كل نور كنور القمر في الدنيا، وأنوار
الجنة في العقبى. لكن لا خفاء في عدم ظهور الجواب. ويمكن أن يقال: إن المراد به أن
يرتفع إلى ظل العرش من حضيض الفرش، أو ظل العرش يغلب على الشمس بالنسبة إليه فلا
يبقى لها تأثير الحرارة. ومنه خبر: جز يا مؤمن فإن نورك اطفأ لهيبى. قال الراغب: الظل ضدّ
الصبح، وهو أعم من الفيء، ويعبر به عن العزة والمنعة. يقال: أظلني أي حرسني وجعلني
(١) مسلم ١/ ٤٦١ حديث ٦٦٤.
(٢) مسلم ١/ ٤٦٠ حديث ٦٦٣.
(٣) أحمد في المسند ٣٩٩/٥ ولفظه فضل الدار القريبة من المسجد على البعيدة.
الحديث رقم ٧٠١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ١٤٣ حديث رقم ٦٦٠. وأخرجه مسلم في صحيحه
٧١٥/٢ حديث رقم (٩١ .١٠٣١) ورد في مسلم ((لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) وقد أشار ابن
حجر في فتح الباري، وذكر أن الصواب ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). وأخرجه الترمذي في
السنن ٥١٦/٤ حديث رقم ٢٣٩١. وأخرجه النسائي في السنن ٢٢٢/٨ حديث رقم ٥٣٨٠
وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٥٣ حديث رقم ١٤ من كتاب الشعر. وأخرجه أحمد في المسند ٢/
٤٣٩.
(٤) البخاري ٣١٩/٦ حديث ٣٢٥١ ومسلم ٢١٧٥ حديث ٢٨٢٦.

٣٧٩
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
إِمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نشأ في عبادةِ اللَّهِ، ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمسجدِ إِذا خرِجَ منه حتى يعودَ
إِليه، ورجُلانِ تحابًّا في اللَّهِ اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ ذكرَ اللَّهَ خالياً ففاضتْ عيناهُ،
ورجلٌ دعَتْه امرأةُ ذاتٌ حَسَبٍ وَجمالٍ فقالَ: إِني أخافُ الله، ورجلٌ تصدَّقَ بصدَقةٍ فأخفاها
حتى لا تَعلَمَ شِمالُه ما تُنفقُ يَمِينُه)). متفق عليه.
في ظله أي في عزه ومنعته. قيل: في ظله تأكيد وتقرير، لأن قوله: يظلهم. لا يحتمل ظل
غيره. يعني أن الله تعالى يحرسهم من كرب الآخرة ويكنفهم في رحمته. (إمام عادل) من يلي
أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم، لأن الناس كانوا في ظله في الدنيا فجوزي بنظيره في
الآخرة جزاء وفاقاً، وقدمه لأنه أفضل السبعة فإنهم داخلون تحت ظله. (وشاب نشأ) أي نما
وتربى (في عبادة الله) أي لا في معصيته، فجوزي بظل العرش لدوام حراسة نفسه عن مخالفة
ربه. (ورجل قلبه معلق بالمسجد) وفي نسخة في المسجد. قال العسقلاني: قوله معلق في
المسجد هكذا هو في الصحيحين. وظاهره أنه من التعليق كأنه شبهه بمثل القنديل إشارة إلى
طول الملازمة بقلبه. ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شدة الحب. ويدل عليه رواية أحمد:
معلق بالمسجد. فجوزي لدوام محبة ربه وملازمته بيته بظل عرشه. (إذا خرج منه) أي من
المسجد (حتى يعود إليه) لأن المؤمن في المسجد كالسمك في الماء، والمنافق في المسجد
كالطير في القفص. (ورجلان) مثلاً (تحابا في الله) أي لله أوفى مرضاته (اجتمعا عليه) أي على
الحب في الله، إن اجتمعا. (وتفرقا عليه) أي إن تفرقا يعني يحفظان الحب في الحضور
والغيبة. وقال الطيبي: تفرقا عليه من مجلسهما. وقيل: التفرق بالموت. وقال العسقلاني: قوله
اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه. وفي رواية الكشميهني: اجتمعا عليه فكأن كل واحد منهما كان
يحرس صاحبه عن مخالفة ربه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فجوزيا بذلك. (ورجل ذكر الله
خالياً) أي من الناس أو من الرياء، أو مما سوى الله. (ففاضت عيناه) أي سالت وجرت دموع
عينيه. وفي الإِسناد مبالغة لا تخفى، فجازاه الله على الملأ الأعلى. (ورجل دعته امرأة) أي إلى
الزنا بها (ذات حسب) قال ابن الملك: الحسب ما يعده الإِنسان من مفاخر آبائه. وقيل:
الخصال الحميدة له ولآبائه. (وجمال) أي في غاية كمال. (فقال:) بلسانه أو قلبه (إني) بسكون
الياء وفتحها. (أخاف الله) أي مخالفته أو عقوبته أو سخطه، ومن خاف سلم. (ورجل تصدق
بصدقة فأخفاها) قال ابن الملك: هذا محمول على التطوّع، لأن إعلان الزكاة أفضل. (حتى لا
تعلم) بفتح الميم، وقيل بضمها. (شماله) قيل: فيه حذف، أي لا يعلم من بشماله. وقيل:
يراد المبالغة في إخفائها، وإن شماله لو تعلم لما علمتها. ولما بالغ في إخفاء عمله لله جازاه
الله بإظهار فضله. (ما تنفق) وجوّز في الفعلين التذكير. (يمينه) ووقع في مسلم: لا تعلم يمينه
ما تنفق شماله. وهو مقلوب سهو عند المحققين قاله العسقلاني. (متفق عليه). ورواه الترمذي
والنسائي ذكره ميرك.

٠٣٢
٣٨٠
كتاب الصلاة / باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٠٢ - (١٤) وعنه، قال: قالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تُضَغَّفُ
على صلاتِه في بيته وفي سوقه خمساً وعشرينَ ضعْفاً؛ وذلكَ أنَّه إِذا توضَّأ فأحسنَ الوُضوءَ،
ثُمَّ خرِجَ إِلى المَسجدِ لا يُخرجُه إِلاَّ الصَّلاةُ، لم يَخْطُ خُطَوَةً إِلاَّ رُفِعتْ له بها
٧٠٢ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلير: صلاة الرجل) أي ثواب
صلاته (في الجماعة تضعَّف) بالتشديد، ويجوز التخفيف قاله في الأزهار، أي تزاد. (على
صلاته) يقال: ضعّف الشيء إذا زاد وضعّفته وأضعفته وضاعفته، بمعنى كذا في النهاية. وقال
ابن حجر: إسناد الزيادة إليها مجاز عن ثوابها. أو يقدر مضاف، أي ثواب صلاة الرجل على
ثواب صلاته وحده. (في بيته وفي سوقه) عطف بإعادة الجار. قال ابن حجر: بل وفي المسجد
أيضاً كما علم من أدلة أخرى. وخصا بالذكر لأن ذلك التضعيف إذا فات من بهما وإن احتاج
إلى ملازمتهما، فمن بغيرهما أولى بأن يفوته. اهـ. وفيه بحث. والظاهر أن وجه تخصيصهما
كون الغالب أن توجد الجماعة في المسجد دونهما. ولذا أطلق تعليل التضعيف الآتي بالخروج
إلى المسجد من غير تقييد بجماعة. وقيل: معناه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على
الصلاة في البيت وفي السوق جماعة وفرادى. وقال العسقلاني: والذي يظهر أن المراد بمقابلة
الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفرداً. (خمساً وعشرين ضعفاً) أي مثلاً. وفي رواية:
سبعاً وعشرين. وسيأتي الكلام عليهما في مبحث الجماعة. قال ابن الملك: المراد الكثرة لا
الحصر. قال العسقلاني: قوله بخمس وعشرين. وفي رواية الأصيلي: خمساً وعشرين.
وقوله: ضعفاً كذا في الروايات التي وقفنا عليها، وحكى الكرماني وغيره: خمساً وعشرين
درجة. فيؤوّل الضعف بالدرجة أو بالصلاة. (وذلك) أي التضعيف البعيد المرتب على القصد
والنية. (أنه) أي لأنه أو بأنه، يعني الرجل أو الشأن. (إذا توضأ فأحسن الوضوء) بأن جمع بين
العمل بالفرائض والسنن. (ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه) أي من بيته إلى المسجد (إلا
الصلاة) أي قصد الصلاة بجماعة لا شغل آخر، جملة حالية مؤسسة لا مؤكدة. كما قال
الطيبي: الجملة الحالية كالتعليل للحكم، كأنه لما أضاف الصلاة إلى الرجل المعرّف بلام
الجنس، أفاد صلاة الرجل الكامل الذي لا يلهيه أمر دنيوي عن ذكر الله في بيت الله، تضعف
أضعافاً لأن مثله لا يقصر في شرائطها وأركانها وآدابها. فإذا توضأ أحسن الوضوء وإذا خرج
إلى الصلاة لا يشوبه شيء مما يكدره، وإذا صلى لم يتعجل للخروج، ومن هذا شأنه فجدير
بأن يضاعف ثواب صلاته. (لم يخط) قال العسقلاني: بفتح أوّله وضم الطاء. وقوله: (خطوة)
بضم أوّله، ويجوز الفتح. قال الجوهري: هي بالضم ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة.
وجزم اليعمري أنها هنا بالفتح. قال القرطبي: إنها في روايات مسلم بالضم (إلا رفعت له بها
الحديث رقم ٧٠٢: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣١/٢ حديث رقم ٦٤٧. وأخرجه مسلم في الصحيح
٤٥٩/١ حديث (٦٤٩.٢٧٢). وأخرجه أبو داود في السنن ٣٧٨/١ حديث رقم ٥٥٩. وأخرج
الترمذي أوله في السنن ٤٢١/١ حديث رقم ٢١٦. وأخرج ابن ماجة بعضه في السنن ٢٥٤/١
حديث رقم ٧٧٤. وأحمد في مسنده ٢/ ٢٥٢ كلهم بألفاظ متقاربة ومتفاوتة.