Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
وعليهُ جبَّةٌ من صوفٍ، ذهبَ يَخْسِرُ عن ذِراعيَه، فضاقَ كُمُّ الجُبَّة، فأخرج يديه من تحت
الجبَّةِ، وألقى الجبَّةَ على مَنكِبَیه،
لكونهما داخلين، في حد الوجه من وجه على ما احققه (١) في محله، ومع تحقق الاحتمال لا
يصح الاستدلال (وعليه) أي على بدنه والواو للحال (جبة من صوف) فيه دليل على أن لبس
الصوف مستحب (ذهب) أي شرع وأخذ وهو استئناف، ولا يبعد أن يكون حالاً من الضمير
المجرور (يحسر) بكسر السين وضمها أي يكشف كمية (عن ذراعيه) أي ليغسلهما (فضاق كم
الجبة) بحيث لم يقدر أن يخرج يده إلى المرفق عن كم الجبة، من غاية ضيقة. فيه رد على
إطلاق بعض الفقهاء أن لبس الإنسان غير زي أهل اقليمه يسقط المروءة. ولذا قيل محله فيمن
لم يلبسه لحاجة أو لم يقصد التأسي بالسلف في عدم التكلف وترك النظر إلى هيئات العادات.
فإن ذلك أمر حدث فأناطوا به حكمه حيث لا حاجة ولا قصد للتأسي، وإلا فقد قالت
الصوفية: الإرادة ترك العادة، نعم لو غير زيه على جهة عدم المبالاة الدالة على قلة الحياء،
وعدم التقييد بشيء من الأمور الشرعية، والقواعد العرفية فيحكم بسقوط مروءته وعدم عدالته،
كما هو مقرر في محله، ومنها الأكل في السوق. وفي الحديث أن الأصل فيما يجلب من بلاد
المجوس ونحوهم من المتدنسين بالنجاسة الطهارة، كالجوخ وإن اشتهر أنهم يعملونه بشحم
الخنزير. وكالجبن وإن قيل إنهم يجعلون فيه أنافح الخنزير، ويدل لذلك خبر أحمد. ((أن عمر
أراد أن ينهى عن حلل الحيرة لأنها تصبغ بالبول. فقال له أبي: ليس لك ذلك قد لبسهن النبي
﴿﴿ ولبسناهن معه)). وفي رواية «للخلال من وجه آخر أن أبياً قال له: يا أمير المؤمنين قد
لبسها نبي الله ورأى الله مكانها لو علم الله أنه حرام لنهى عنها فقال صدقت)). وروى الطبراني
بسند جيد لكنه غريب ((أنه عليه الصلاة والسلام أتي بجبنة في غزوة(٢) فقال له: عليه الصلاة
والسلام أين يصنع هذا قال: بفارس أي أرض المجوس إذ ذاك فقال: عليه الصلاة والسلام
ضعوا فيها السكين وكلوا. فقيل يا رسول الله نخشى أن يكون ميتة. فقال: سموا الله
وكلوا))(٣). وأخرج الترمذي ((أنه ﴿ ﴿ أهدي له خفان فلبسهما ولا يعلم أهما ذكياً أم لا))(٤).
وفي حديث سلمان النهي عن السؤال عن الجبن والسمن والفراء مع إنها كانت تجلب من بلاد
المجوس(٥). وذكر عند عمر الجبن. وقيل: إنه يوضع فيه أنافح(٦) الميتة. فقال: سموا الله
وكلوا قال: أحمد أصح حديث في جبن المجوس هذا الحديث (فأخرج يديه من تحت الجبة
وألقى الجبة) أي ذيلها (على منكبيه) فيه دليل على أنه كان تحته إزار أو قميص. وإلا لظهرت
ـة يور
(١) في المخطوطة حقق.
(٢) هي غزوة تبوك كما جاء في مسند أحمد وسنن أبي داود.
(٣) وأبو داود مختصراً ١٦٩/٤ حديث ٣٨١٩.
(٤) الترمذي ١١٤/٥ حديث ٢٨٢٠ ولفظه أن النجاشي أهدى إلى النبي وت له خفين أسودين ساذجين فلبسهما.
١ يوم
(٥) أخرجه الترمذي في السنن ١٩٢/٤ حديث ١٧٢٦.
(٦) في المخطوطة أنافغ.

٢٠٢
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
وغسَل ذِراعَيه، ثمَّ مسَ بناصِيتِهِ وعلى العِمامة، ثمَّ أهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيه، فقال: ((دَعْهُما فإِنِي
أُدخلتُهُما طاهِرَتين)) فمسحَ عليهما، ثمَّ ركِبَ وركِبتُ،
. صوب.
العورة (فغسل ذراعيه ثم مسح بناصيته) وهي مقدرة بربع الرأس. لما جاء في رواية ((أنه
مسح على مقدم رأسه)) (وعلى العمامة) بكسر العين في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة أن
المسح على العمامة دون الرأس بغير عذر لا يجوز، عند أبي حنيفة والشافعي ومالك.
وقال: أحمد بجوازه بشرط أن يكون تحت الحنك منها شيء، قال: ابن حجر فيه أن مسح
الرأس في الوضوء لا يجب استيعابه ولا استيعاب ربعه، لأن الناصية دونه بكثير. قلنا: قدر
الناصية بالربع وعلى تسليم صحة منعه، كان الواجب أن يقدر بمقدار معلوم. كما قدره
بعض أئمتنا بثلاث أصابع لأنها أقل ما اكتفى به عليه الصلاة والسلام لبيان الجواز مع
استيعاب المسح بالمواظبة في سائر الحالات فلو كان أقل منه جائز لفعله ولو مرة فالتقدير
بمسمى مسح، وإن قل قدره مخالف لظاهر النصوص. وقول ابن حجر: إن ادعاء القائل
باستيعاب الكل أن المسح على العمامة يحتمل أنه كان لعذر. يرد بأن العذر لا يثبت
بالاحتمال، مدفوع بأنه عليه الصلاة والسلام لما كان مواطباً على الاستيعاب وهنا جمع بين
مسح البعض من الرأس وبين مسحه على العمامة، تكميلاً للاستيعاب كان قرينة دالة على
العذر. لكنه إنما يتم لو لم يقع له مسح على بعض الرأس، بدون مسح العمامة. وقد ثبت
في روايات متعددة والله تعالى أعلم. هذا وقال محمد في موطئه: أخبرنا مالك قال: بلغني
عن جابر أنه سئل عن العمامة فقال: لا حتى يمس الشعر الماء (١) ثم قال: وأخبرنا مالك
عن نافع قال: رأيت صفية ابنة أبي عبيد تتوضأ وتنزع خمارها ثم تمسح برأسها، قال نافع
وأنا يومئذ صغير(٢)، قال: محمد بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك (ثم أهويت) أي
قصدت الهوي من القيام إلى القعود، وقيل الإهواء إمالة اليد إلى شيء ليأخذه، أي انحنيت
(لأنزع خفيه) ظناً أنه يجب غسل الرجلين في مطلق الأحوال (فقال دعهما) أي اتركهما ولا
تنزعهما عن رجلي (فإني أدخلتهما) أي لبستهما، حال كون قدميّ (طاهرتين) وفي رواية:
فإني أدخلتهما وهما طاهرتان. قال الشمني: ليس فيه دلالة لما ذهب إليه الشافعي من
اشتراط الطهر بكونه تاماً وقت اللبس. إذ معناه أدخلت كلا منهما وهي طاهرة. على حد
دخلنا البلد ركباناً أي دخل كل منا وهو راكب، لا أن جميعنا راكب عند دخول كل منا.
اهـ. والحاصل أن في مذهب الشافعي يشترط أن توجد الطهارة كاملة عند اللبس، وفي
مذهب أبي حنيفة عند الحدث، ولهذا الاختلاف فروع محلها كتب الفقه (فمسح عليهما)
وفي نسخة ابن حجر: فمسح بهما. وهو مخالف للنسخ المصححة، واختلفوا في قدر
الإجزاء فقال أبو حنيفة: يجزئه قدر ثلاثة أصابع. وقال الشافعي: ما يقع عليه اسم
المسح. وقال أحمد: مسح الأكثر. وقال مالك: بالاستيعاب (ثم ركب) وَلّر (وركبت)
١۴٥٠
ا
/ ١٣٢
Fed
(١) أخرجه ٤٥/١ حديث رقم ٥٢.
(٢) أخرجه ٤٥/١ حديث رقم ٥٣.
:

٢٠٣
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
فانتهَينا إِلى القومِ، وقد قاموا إِلى الصَّلاة، ويُصلّي بِهِمْ عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ، وقد ركَعَ
بِهِم ركعةً، فلمَّا أحَسَّ بالنبيِّ وَ لَّ، ذهبَ يتأخّرُ، فأومأ إِليه، فأدركَ النبيُّ بَّهِ إِحْدى
الرَّكعتينِ معَه. فلمَّا سلْمَ، قامَ النبيُّ وَِّ، وقمتُ معه، فركعنا الرَّكعةَ التي سبقَتْنا.
يعني فسرنا (فانتهينا) أي وصلنا (إلى القوم وقد قاموا إلى الصلاة) أي صلاة الصبح، جملة
حالية (ويصلي بهم) أي والحال أنه يصلي بهم إماماً لهم (عبد الرحمن بن عوف وقد ركع)
أي صلى بهم (ركعة فلما أحس) أي علم (بالنبي) أي بمجيئه (وَلخير ذهب) شرع (يتأخر) من
موضعه ليتقدم النبي ◌َلير (فأومأ) بالهمز (إليه) أي أشار إليه عليه الصلاة والسلام أن يكون
على حاله (فأدرك النبي ◌َّ إحدى الركعتين معه) أي مقتدياً به، يعني اقتدى به في الركعة
الثانية. وفيه دليل على جواز اقتداء الأفضل بالمفضول إذا علم أركان الصلاة. وعلى عدم
اشتراط العصمة للإمام خلافاً للإمامية. (فلما سلم) أي الإِمام (قام النبي ◌َّ) لأداء ما سبق
(وقمت معه) أي لأني كنت مسبوقاً أيضاً، قال ابن حجر: ويؤخذ منه ما قاله أئمتنا، إن
المسبوق لا يجوز له القيام إلا بعد سلام الإمام، فإن قام قبله بلا نية مفارقة عمداً عالماً
بطلت صلاته أو جاهلاً أو ناسياً يجب جميع ما أتى به. اهـ. وقال علماؤنا: يكره كراهة
تحريم أن يقوم إلى قضاء ما سبق قبل سلام الإِمام، إلا أن يكون القيام لضرورة صون
صلاته عن الفساد، كما إذا خشي إن انتظره أن تطلع الشمس قبل تمام صلاته في الفجر،
فإن قام قبل أن يقعد الإِمام قدر التشهد، فإن كان مسبوقاً بركعة، إن وقع من قراءته بعد
فراغ الإِمام من التشهد مقدار ما تجوز به الصلاة، جازت صلاته، وإلا فسدت صلاته، لأن
قيامه وقراءته قبل فراغ الإِمام من التشهد لا يعتبر، وهذه مسألة يفعلها الجاهلون والناس
عنها غافلون (فركعنا) أي صلى كل منا (الركعة التي سبقتنا) أي فاتتنا قال النووي: ضبطناه
في الأصول بفتح السين والباء والقاف وبعدها تاء مثناة من فوق ساكنة، أي وجدت قبل
حضورنا وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته هذه وتأخر أبي بكر الصديق رضي الله [تعالى]
عنه في صلاته في حديث آخر ليتقدم النبي وَلّ، فالفرق بينهما أن قضية عبد الرحمن كان
قد ركع ركعة فترك النبي ◌ّيه التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية أبي بكر:
نعم وقع لأبي بكر أنه مع الإِشارة له بعدم التأخر تأخر، ولعبد الرحمن أنه لم يتأخر، فإما
أن يقال بنظير ذلك من أن عبد الرحمن تذكر أن تأخره يضر بالقوم فلم يفعله، وأبا بكر
علم أنه لا ضرر في تأخره فتأخر. وإما أن يقال وهو الأحسن أن أبا بكر فهم أن سلوك
الأدب أولى من امتثال الأمر، بخلاف عبد الرحمن فإنه فهم أن امتثال الأمر أولى ولا شك
أن الأوّل أكمل، لأن الكلام في أمر علم بالقرائن أنه لرعاية حال المأمور دون الآمر. ففي
الامتثال إيهام إخلال بكمال الأدب مع الآمر، وإن كان في الامتثال أدب أي أدب، وفي
إيثار الأدب إظهار رعاية حال الآمر، والإعراض عن حال المأمور بكل وجه فكان هذا
أولى وأكمل. وقد يقال إن أبا بكر من الفرح لم يملك نفسه عن التأخر، وللمبالغة في
امتناعه عن التقدم والله أعلم. وجاء في رواية أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم بعد الفراغ
منها: ((أحسنتم صلوا الصلاة لوقتها)) يعني لا تؤخروها بعد دخول وقت الاختيار لانتظار
''ټصوم
١ ١/٠ ١/
M
٦٠ يصح فر

٢٠٤
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
٠٠.
رواه مسلم.
الفصل الثاني
٥١٩ - (٣) عن أبي بكْرَةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ وَِّ: أنَّه رَخَصَ للمسافرِ ثلاثة أيام.
وليالِيَهُنَّ، وللمُقيم يوماً وليلةٌ، إِذا تطهّرَ فلِسَ خُفَّيْه أنْ يمسحَ عليهما، رواه الأثْرمُ في
(سُننه))، وابنُ خُزَيمة، والدراقطني. وقال الخَطَّابيُّ: هو صحيحُ الإِسناد. هكذا في
((المنتقى)).
الإِمام، وإنما يستحب ترك انتظاره إذا مضى زمان كثير إن لم يعلموا أنه متى يجيء أما إذا
علموا فيستحب الانتظار وإن كان موضع الإِمام قريباً من المسجد يستحب إعلامه وقت
الصلاة (رواه مسلم) وروى البخاري أصل الحديث في اللباس وفي غيره، ولم يذكر المسح
على الناصية في كتابه، ولا ذكر المسح على العمامة من حديث المغيرة، ولا ذكر في كتابه
صلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس ولا بالنبي ◌َّر كذا ذكره ميرك شاه.
(الفصل الثاني)
٥١٩ - (عن أبي بكرة) بالتاء قال المصنف هو نفيع بن الحرث بضم النون وفتح الفاء
وسكون الباء. قيل تدلى يوم الطائف ببكرة وأسلم، فكناه النبي وَلقر بأبي بكرة وأعتقه فهو من
مواليه، ونزل البصرة ومات بها سنة تسع وأربعين روى عنه خلق كثير. (رضي الله تعالى عنه
عن النبي (وَ﴾ أنه رخّص) أي جوّز (للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة) واختلف هل
المسح أفضل أم الغسل. والصحيح أنه إن كان لابساً للخف بشرطه فالمسح أفضل كما تقدم من
فعله عليه الصلاة والسلام. (إذا تطهر فلبس خفيه) أي لبس خفيه بعد طهارة رجليه، ولا يشترط
التعقيب. فالفاء لمجرد البعدية. فقول ابن الملك: الفاء للتعقيب. قول لا قائل به. وقوله أي
لبس خفيه بعد تمام الطهارة مخالف لمذهبه كما تقدم. (أن يمسح عليهما) مفعول رخص (رواه
الأثرم) بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الراء. (في سننه وابن خزيمة)(١) مصغراً (والدارقطني)
ورواه الترمذي أيضاً وقال: قال البخاري: حديث حسن. كذا نقله السيد جمال الدين (وقال
الخطابي هو صحيح الإسناد هكذا في المنتقى) كتاب لابن تيمية الحنبلي. وقال غير الخطابي أنه
حسن الإِسناد وعلى كل منهما هو حجة في أن مدة المسح مقدرة، وهو ما عليه عامة العلماء،
وقال مالك وجماعة لا تقدر: بل يمسح كل من المسافر والمقيم ما شاء لخبر فيه. لكنهم اتفقوا
الحديث رقم ٥١٩: أخرجه الدارقطني في السنن ١٩٤/١ الحديث الأول من باب في المسح على
الخفين ... وأخرج ابن ماجة نحوه في السنن ١٨٤/١ حديث رقم ٥٥٦.
(١) ابن خزيمة ٩٦/١ حديث رقم ١٩٢.

٢٠٥
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
٥٢٠ _ (٤) وعن صَفوانٍ بن عسَّال، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَأْمرُنا إِذا كنَّا سَفْراً أنْ
لا نَنزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيام وليالِيَهُنَّ إِلاَّ منْ جَنابَةٍ، ولكنْ من غائطٍ وبوْلٍ ونومٍ. رواه
الترمذيُّ، والنّسائيُّ.
٥٢١ _ (٥) وعن المغيرة بن شعبة، قال: وضَّأْتُ النبيَّ
أنه ضعيف مضطرب لا يحتج به، وقول عمر لمن مسح من الجمعة إلى الجمعة: أصبت
السنة. معارض بما صح عنه من التوقيت. فإما رجع إليه حين بلغه وإما أن قوله بالتوقيت هو
المعتمد لأنه الموافق للسنة الصحيحة. مع احتمال أن معنى قوله أصبت السنة أي نفس المسح
رداً لمن زعم عدم جوازه.
٥٢٠ - (وعن صفوان) على وزن سلمان مرادي سكن الكوفة وحديثه فيهم (ابن عسال)
بالعين المهملة وتشديد السين وباللام (قال كان رسول الله وَل﴿ يأمرنا إذا كنا سفراً) بسكون الفاء
منوّناً جمع سافر أي مسافرين، وقيل اسم جمع له، إذ لم ينطقوا به، وفي رواية: إذا كانوا
مسافرين أو سفراً. وهو شك من الراوي (أن لا ننزع) أي ينهانا عن النزع، وهو يؤيد ما صححنا
من أن المسح أفضل. (خفافنا) بكسر الخاء جمع خف، يعني أن نمسح عليها. (ثلاثة أيام
ولياليهن إلا من جنابة) استثناء مفرغ تقديره أن لا ننزع خفافنا من حدث من الأحداث إلا من
جنابة. فإنه لا يجوز للمغتسل أن يمسح على الخف، بل يجب عليه النزع وغسل الرجلين كسائر
الأعضاء. ولما كان قوله إلا من جنابة مؤذناً بإثبات النزع منها استدركه بالأحداث التي لم يشرع
فيها النزع، ليعلم اختصاص وجوب النزع بالجنابة دون غيرها من أسباب الحدث على وجه التأكيد
فقال: (ولكن) عطف على مقدر يدل عليه إلا من جنابة وقوله (من غائط) متعلق بمحذوف تقديره
فنحن ننزع من جنابة، ولكن لا ننزع من غائط (وبول ونوم) الواو فيهما بمعنى أو يعني بل نتوضأ
ونمسح عليهما من أجل أحدها. ويروى لا من جنابة وهو أظهر. أي يأمرنا أن لا ننزع خفافنا
ثلاثة أيام ولياليهن من حدث لا من جنابة فإنه لا يأمرنا أن ننزع، ولكن يأمرنا أن لا ننزع من
غائط. وحاصله أن لكن مفادها مخالفة ما قبلها، وما بعدها نفياً وإثباتاً محققاً أو مؤوّلاً، فالتقدير:
أمرنا رسول الله * إذا كنا سفراً أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة، ولكن لا ننزعها
فيها من غائط وبول ونوم وغيرها. وزعم بعضهم رد هذه الرواية، لأن ظاهرها ينافي قاعدة
العطف لكن ليس في محله، غاية ما فيه أنها تحتاج إلى تأويل حتى يوافق تلك القاعدة ومثل ذلك
لا يقتضي الرد. (رواه الترمذي والنسائي) وقال الترمذي: حسن صحيح.
نجوم
٥٢١ - (وعن المغيرة بن شعبة قال وضأت النبي) أي سكبت الوضوء على يديه، وقيل
الحديث رقم ٥٢٠: أخرجه الترمذي في السنن ١٥٩/١ حديث رقم ٩٦ وقال حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي في السنن ٨٣/١ حديث رقم ١٢٧. وأخرجه ابن ماجة في السنن ١/ ١٦٠ حديث
رقم ٤٧٨. وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٣٩/٤.
الحديث رقم ٥٢١: أخرجه أبو داود في السنن ١١٦/١ حديث رقم ١٦٥ وضعفه. وأخرجه ابن ماجة ١/ =
جدة

٢٠٦
1
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
+ رم ..
وَّر في غزوة تبوكَ، فمسحَ أعلى الخُفّ وأسفلَه. رواه أبو داود، والترمذيُّ، وابنُ ماجة.
وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ مَعْلول. وسألتُ أبا زُرعةَ ومحمَّداً - يعني البخاريّ - عن هذا
الحديث، فقالا: ليس بصحيح. وكذا ضعّفه أبو داود.
حصلت وضوءه (183 في غزوة تبوك) الصحيح عدم صرفه أي زمانها (فمسح أعلى الخف
وأسفله) ولهذا قال الشافعي ومالك: مسح أعلاه واجب ومسح أسفله سنة، وذكر في اختلاف
الأئمة: السنة أن يمسح أعلى الخف وأسفله عند الثلاثة، وقال أحمد: السنة أن يمسح أعلاه
فقط، وإن اقتصر على أعلاه أجزأه، بالاتفاق. وإن اقتصر على أسفله لم يجزئه بالإجماع. اهـ.
والمشهور عن أبي حنيفة، كمذهب أحمد هذا، وذكر ابن الملك في شرح المصابيح أنه قال
الشيخ الإِمام [البغوي] هذا مرسل لم يثبت. أي لم يثبت إسناده إلى المغيرة(١). اهـ. وقال ابن
حجر: وفي رواية مسح أعلى خفيه خطوطاً من الماء. وفي رواية ((خطوطاً بالأصابع)) وكلها
ضعيفة، وقول النهاية في بعضها صحيح، غلط وكذا تأييد الأسنوي لها، لكن يحتج بهذا
لمذهبنا فإن الأكمل عندنا في مسح الخف أن يمسح أعلاه وأسفله وعقبه وحرفه خطوطاً، وهذا
من الفضائل. وهي يعمل فيها بالحديث الضعيف والمرسل والمنقطع بالاتفاق. كما قاله النووي
وبين ابن عمر ذلك. كما رواه البيهقي وغيره بما أخذه الشافعي وأصحابه، حيث قالوا: الأكمل
في كيفية المسح أن يضع أصابع يده اليمنى مفرجة على مقدم ظهر الخف وأصابع يده اليسرى
على أسفل العقب، ثم يمرهما فتنتهي أصابع اليمنى إلى آخر الساق، والأخرى إلى أطراف
الأصابع من تحت. اهـ. والظاهر أن العمل بالحديث الضعيف محله إذا لم يكن مخالفاً
للحديث الصحيح أو الحسن، وسيأتي ما يخالفه من حديثه المتصل ومن حديث عليّ كرّم الله
وجهه، وأيضاً إنما يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال الثابتة، بأدلة أخرى وههنا هذا
الحكم ابتدائي مع أنه ليس فيه ما يدل على ثوابه وفضيلته، فتأمل حق التأمل وثبت العرش ثم
انقش (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث معلول) لم يسنده عن ثور
ابن يزيد، غير الوليد بن مسلم. كذا نقله السيد جمال الدين عن الترمذي والمعلول على ما في
كتب الأصول، هو ما فيه سبب خفي يقتضي رده. وقيل ما وهم فيه ثقة برفع أو تغير إسناد أو
زيادة أو نقص يغير المعنى. (وسألت أبا زرعة ومحمداً يعني) بمحمد (البخاري عن هذا
الحديث) والسائل الترمذي (فقالا) أي أبو زرعة والبخاري (ليس) أي هذا الحديث يعني إسناده
(بصحيح). لأن ابن المبارك روى هذا من ثور عن رجاء قال: حديث عن كاتب المغيرة مرسلاً
عن النبي ◌َّي ولم يذكر فيه المغيرة. كذا نقله السيد جمال الدين عن الترمذي (وكذا ضعفه أبو
داود) وأعله بالإرسال أيضاً، فالحاصل أنه مرسل لا يثبت.
١
-مستـ
١٨٣ حديث رقم ٥٥٠ وأخرجه الترمذي في السنن ١٩٢/١ حديث رقم ٩٧ وقال سألت أبا زرعة
=
ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقالا ليس بصحيح.
/٩٥,
(١) مصابيح السنة ٢٣٧/١ عقب حديث رقم ٣٦١.

٢٠٧
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
٥٢٢ _ (٦) وعنه أنَّه قال: رأيتُ النبيَّ وَلِّ يمسحُ على الخُفَّينِ على ظاهرِهما. رواه
الترمذيُّ، وأبو داود.
٥٢٣ _ (٧) وعنه، قال: توضَّأ النبيُّ وَّ، ومسحَ على الجَوْرَبَينِ والنَّعلَينِ. رواه
أحمدُ، والترمذيُّ،
المدة
٥٢٢ - (وعنه) أي عن المغيرة متصلاً (أنه قال رأيت النبي وَلهو يمسح على الخفين على
ظاهرهما) أي على ظاهر محل الفرض وهو مقدم الرجل وصورته، أن يضع أصابع اليمنى على
مقدم خفه الأيمن، وأصابع اليسرى على مقدم الأيسر، ويمدهما إلى الساق فوق الكعبين،
ويفرج أصابعه. هذا هو الوجه المسنون، ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات، كل مرة بماء
جديد على موضع جديد جاز، وإلا فلا يجوز. وفي الخلاصة لو وضع الكف ومدها أو مع
الأصابع كلها حسن، والأحسن أن يمسح بجميع اليد حتى بأصابعها، ولو مسح برأس كفه
جاز، وكذا برؤوس الأصابع إذا بلغ قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد، وقيل من أصابع الرجل.
وهو مذهب أبي حنيفة المتفق على جوازه عند الكل. والمراد من ظاهر الخفين أعلاهما، كما
يدل عليه حديث عليّ رضي الله تعالى عنه فيما سيأتي. كذا قاله السيد جمال الدين (رواه
الترمذي) وقال حسن (وأبو داود) قال ابن الهمام وفي أوسط الطبراني من طريق جرير بن يزيد،
عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: مر رسول الله وَ ﴿ برجل يتوضأ فغسل خفيه فنخسه
برجله وقال «ليس هكذا السنة أمرنا بالمسح هكذا)) وأمر بيديه على خفه وفي لفظ ثم أراه بيده
من مقدم الخفين إلى أصل الساق، وفرج بين أصابعه. وفي الشمني، روى ابن أبي شيبة عن
المغيرة بن شعبة قال: رأيت رسول الله وَ لفر بال ثم توضأ، ومسح على خفيه ووضع يده اليمنى
على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيمن ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى أنظر
إلى أصابع رسول الله وَلقر على الخفين(١).
٥٢٣ - (وعنه) أي عن المغيرة (قال توضأ النبي ◌ّ﴿ ومسح على الجوربين والنعلين) أي
ونعليهما فيجوز المسح على الجوربين، بحيث يمكن متابعة المشي عليهما. كذا قاله ابن الملك
من أصحابنا. وقال الطيبي: ومعنى قوله والنعلين هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين.
وقد أجاز المسح فوق الجوربين جماعة من السلف، وذهب إليه نفر من فقهاء الأمصار: منهم
سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي: لا يجوز المسح
على الجوربين. (رواه أحمد والترمذي) وقال حسن صحيح. ورد بأن المعروف من رواية
Peci
* ومـ
جور
الحديث رقم ٥٢٢: أخرجه أبو داود في السنن ١١٤/١ حديث رقم ١٦١. وأخرجه الترمذي في السنن ١/
(١) فتح القدير ١٤٨/١.
١٦٥ حديث رقم ٩٨ وقال حديث حسن.
الحديث رقم ٥٢٣: أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٥٢ وأخرجه الترمذي في السنن ١٦٧/١ حديث رقم ٩٩
وقال حسن صحيح. وأخرجه أبو داود في السنن ١١٢/١ حديث رقم ١٥٩ وضعفه. وأخرجه ابن
ماجة في السنن ١٨٥/١ حديث رقم ٥٥٩.
محمود

٢٠٨
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
وأبو داود، وابنُ ماجة.
الفصل الثالث
٥٢٤ - (٨) عن المُغيرة، قال: مسحَ رسولُ اللهِوَهَ على الخُفَّيْنِ. فقلتُ: يا رسولَ الله
وَّه! نسيتَ؟ قال: ((بلْ أنتَ نسيت؛ بهذا أمرني ربِّي عزَّ وجلَّ)). رواه أحمد، وأبو داود.
٥٢٥ - (٩) وعن عليّ [ رضي الله عنه]:
المغيرة المسح على الخفين، وأجيب بأنه لا مانع من أن يروي المغيرة اللفظين. وقد عضده
فعل الصحابة. قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي وابن مسعود، وأمامة وسهل بن
سعد، وعمرو بن حريث. وروي ذلك عن عمر وابن عباس. وهو أعم من أن يكونا مجلدين،
بأن كان الجلد أعلاهما وأسفلهما، أو منعلين بأن كان الجلد أسفلهما فقط. أو ثخینین،
مستمسكين على الساق، في قول أبي يوسف ومحمد وأبي حنيفة آخراً وعليه الفتوى، وكذا
يجوز على الموقين تثنية الموق بضم الميم، وهو الجرموق كعصفور، ما يلبس فوق الخف في
البلاد الباردة، وهو فارسي معرب وقال الشافعي في قول ومالك في رواية: لا يجوز المسح
عليه لأنه لا يحتاج إليه في الغالب فلا تتعلق به الرخصة ولنا ما روى أبو داود وابن خزيمة
والحاكم وصححه، أن عبد الرحمن بن عوف سأل بلالاً عن وضوء رسول الله وَلتر فقال: كان
يخرج فيقضي حاجته، فآتيه بالماء، فيتوضأ ويمسح على عمامته، وموقيه(١) ولأن الموق لا
يلبس بدون الخف عادة، فأشبه خفاً ذا طاقين (وأبو داود) وضعفه (وابن ماجة).
(الفصل الثالث)
٥٢٤ - (عن المغيرة قال مسح رسول الله وَلقر على الخفين، فقلت: يا رسول الله نسيت)
يحتمل تقدير همزة الاستفهام وتركه، (قال:) أي النبي وَلقول ما نسيت (بل أنت نسيت). أي إني
مشرع حيث نسبت إليّ النسيان (بهذا أمرني ربي عزَّ وجلّ) ففعلي عمد أو المعنى تركت الأدب
حيث جزمت بنسبة النسيان إليّ. فيكون قوله: بل نسيت. معناه أخطأت، ويكون من باب
المشاكلة، وظاهر قوله بهذا، أي بالمسح: أمرني ربي ما قدمنا أن المسح ثابت بالكتاب أيضاً
والله أعلم. (رواه أحمد وأبو داود).
٥٢٥ - (وعن علي رضي الله عنه). كذا في أكثر النسخ، وهو ساقط من نسخة السيد.
(١) أخرجه أبو داود في السنن ١٠٦/١ حديث ١٥٣.
الحديث رقم ٥٢٤: أخرجه أبو داود في السنن ١٠٨/١ حديث رقم ١٥٦. وأحمد في مسنده ٢٥٣/٤.
الحديث رقم ٥٢٥: أخرجه أبو داود في السنن ١١٤/١ حديث رقم ١٦٢. وأخرجه الدارمي بمعناه ١/ ١٩٥
حدیث رقم ٧١٥.

٢٠٩
كتاب الطهارة / باب التيمم
قال: لو كانَ الدِّينُ بالرَّأيِ لكانَ أسفلُ الخُفِّ أولى بالمسح منْ أعلاهُ، وقد رأيتُ رسولَ الله
وَّهُ يمسحُ على ظاهرٍ خُفَّيْه. رواه أبو داود، وللدارميِّ معناه.
(١٠) باب التيمم
(أنه قال: لو كان الدين بالرأي) أي بمجرد العقل دون الرواية والنقل (لكان أسفل الخف) لقربه
من القاذورات والأوساخ (أولى بالمسح من أعلاه) لبعده منها (وقد رأيت رسول الله وَلا يمسح
على ظاهر خفيه). مراده به أنه على ظاهرهما كما يدل عليه سياق كلامه، وإلا لجاز المسح
على الأسفل لشمول الظاهر له. ولأن قوله: لو كان الدين بالرأي الخ صريح في امتناع
الأسفل، فتعين أن مراده بظاهر خفيه أعلى ظاهرهما، فإذا عرفت هذا فاعلم أن العقل الكامل
تابع للشرع، لأنه عاجز عن إدراك الحكم الإلهية فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية، وما
ضل من ضل من الكفرة والحكماء والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل، وترك موافقة
النقل: وقد قال أبو حنيفة أيضاً: لو قلت بالرأي لأوجبت الغسل بالبول. أي لأنه نجس. متفق
عليه. والوضوء بالمني لأنه نجس، مختلف فيه. ولأعطيت الذكر في الأرث نصف الأنثى
لكونها أضعف منه، هذا وقال في النهاية نقلاً عن المبسوط في قول علي: لو كان الدين بالرأي
لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره، لأن باطنه لا يخلو عن لوث عادة فيصيب يده. قال
ابن الهمام: وهذا يفيد أن المراد بالباطن عندهم محل الوطء، لا ما يلاقي البشرة، لكن بتقديره
لا يظهر أولوية مسح باطنه. ولو كان بالرأي بل المتبادر من قول علي الأسفل(١) هو المعنى
الذي قالوه، فيكون تفسيراً لقول عليّ السابق. ويمكن أن يقال وجه الأولوية أن: المقصود من
المسح هو الطهارة. ولا شك أن الأسفل أحوج إلى التطهير. فإنه اجتمع فيه الحدث والخبث.
وفي كلام علي إيماء إلى الرد على من جوّز المسح على الرجل، لأنه لو جاز المسح على
الرجل لكان في مقتضى الرأي أن يكون المسح على الأعلى، لا على الأسفل فتأمل. (رواه أبو
داود) أي بهذا اللفظ (والدارمي) جار ومجرور خبر مقدم مبتدؤه (معناه) أي معنى هذا الحديث
دون لفظه .
(باب التيمم)
وهو لغة القصد. قال تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة - ٢٦٧] وشرعاً
قصد التراب أو ما يقوم مقامه على وجه مخصوص، ولاعتبار القصد في مفهومه اللغوي وجبت
النية فيه عندنا بخلاف أصليه من الوضوء والغسل، وأيضاً الغسل بالماء طهارة حسية، فلا
يشترط فيها النية إلا لخصوص الأجر والمثوبة، بخلاف التيمم، فإنه طهارة حكمية، وفي
الظاهر إنما هو غبرة صورية فاحتاج إلى النية ليصير بها كالطهارة الحقيقية. ثم التيمم ثابت
i
(١) فتح القدير ١٤٩/١.
ـوجه

٢١٠
كتاب الطهارة / باب التيمم
الفصل الأول
٥٢٦ _ (١) عن حُذَيْفةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((فُضّلْنا على الناسِ بِثَلاثٍ:
جُعلَتْ صُفوفُنا كصُفوفِ الملائكةِ، وجُعلَتْ لنا الأرضُ كلُّها، مسجداً، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا
طَهوراً إِذا لم نجِدِ الماءَ. رواه مسلم.
٥٢٧ _ (٢) وعن عمرانَ، قال: كثَّا في سفَرِ معَ النبيِّ ◌ََّه فصلّى بالنّاسِ، فلمَّا
انفتَلَ من صلاتِهِ، إِذا هو
بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. واختلفوا في وقت فرضيته ومكانها وسببها وأجمعوا على أنه
مختص بالوجه واليدين وإن كان الحدث أكبر، وهو من خصائص هذه الأمة إجماعاً.
(الفصل الأوّل)
٥٢٦ - (عن حذيفة قال: قال رسول الله وس *: فضلنا) بصيغة المجهول مشدداً (على
الناس) أي فضلنا الله تعالى على جميع الأمم السالفة (بثلاث) أي بثلاث خصال لم تكن لهم
واحدة منها، لأن الأمم السالفة كانوا يقفون في الصلاة كيفما (١) اتفق، ولم تجز لهم الصلاة إلا
في الكنائس والبيع، ولم يجز لهم التيمم، وليس فيه انحصار خصوصيات هذه الأمة في الثلاث
لأنه عليه الصلاة والسلام كان تنزل عليه خصائص أمته شيئاً فشيئاً، فيخبر عن كل ما نزل عليه
عند إنزاله بما يناسبه (جعلت صفوفنا) أي وقوفنا في الصلاة (كصفوف الملائكة) قيل في
المعركة وقيل في الصلاة، وقيل في الطاعة، قال تعالى حكاية عنهم ((وإنا لنحن الصافون وإنا
لنحن المسبحون)). (وجعلت لنا الأرض كلها) تأكيد ليشمل ما في حكمها من الجبال (مسجداً،
وجعلت ترتبها) أي تراب الأرض (لنا طهوراً) أي مطهراً (إذا لم نجد الماء). ومفهوم الحديث
أن غير التراب لا يكون طهوراً. وهو معتبر عندنا خلافاً لغيرنا (رواه مسلم).
٥٢٧ - (وعن عمران) أي ابن الحصين الخزاعي الكعبي. أسلم هو وأبوه (قال كنا في
سفر مع النبي ◌ّ﴿ فصلى بالناس) أي إماماً (فلما انقتل) أي انصرف وفرغ (من صلاته إذا هو)
الحديث رقم ٥٢٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٣٧١/١ حديث (٥٢٢.٤). وأخرج أحمد نحوه في المسند
٣٨٣/٥.
(١) في المخطوطة كيفما.
الحديث رقم ٥٢٧: أخرجه البخاري في صحيحه من حديث طويل ١/ ٤٤٧ حديث رقم ٣٤٤. وكذلك
مسلم في صحيحه ٤٧٤/١ حديث رقم (٦٨٢.٣١٢). وأخرجه النسائي بمعناه في السنن ١٧١/١
حديث رقم ٣٢١. وأحمد في مسنده ٤٣٤/٤. والدارمي في السنن ١/ ١٩٠ حديث رقم ٧٤٣.
٠٠٠

٢١١
١٠/٠
١١٩٤٢
كتاب الطهارة / باب التيمم
1
برجلٍ مُعتزلٍ لم يُصَلُ مع القوم، فقال: ((ما منعَكَ يا فلانُ! أنْ تُصلِّيَ معَ القوم؟)) قال:
أصابَتني جَنابةٌ، ولا ماءَ. قال: ((َعَلَيكَ بالصَّعيدِ، فإِنَّه يَكْفيكَ)). متفق عليه.
٥٢٨ _ (٣) وعن عَمَّارٍ، قال: جاءَ رجلٌ إِلى عمرَ بنِ الخطّاب [ رضي الله عنه ]
فقال: إِني اجْنَبت فلم أُصِبِ الماءَ. فقال عمَّارٌ لعُمرَ: أَما تذكرُ أَنَّا كنَّا في سفَرِ أنا وأنتَ؟
فأمَّا أنتَ فلم تصَلُ، وأمَّا أنا فتَمَعَّكْتُ فصلّيتُ، فذكرْتُ ذلكَ للنبيِّ وَّر. فقال: ((إِنما كانَ
يكفيكَ هكذا» فضربَ النبيُّ وَِّ بَكفِّيهِ الأرضَ ونفَخَ فيهما،
أي النبي ◌َّر (برجل) فهو مبتدأ وخبره برجل (معتزل) عن القوم، أي خارج من بينهم واقف في
ناحية (لم يصل مع القوم) والجملة جواب لما، أي فلما انفتل فاجأه رؤية رجل معتزل غير
مصل (فقال) وَلجر: ((ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم))) أي من صلاتك معهم (قال:
أصابتني جنابة ولا ماء) أي موجود هنا (قال: ((عليك بالصعيد))). اسم فعل بمعنى خذ والزم،
والباء زائدة أو المعنى يلزم عليك التيمم بالصعيد، وهو التراب عند الشافعي، ووجه الأرض
عند أبي حنيفة ومالك سواء كان تراباً أم لا، لأن الصعيد ما صعد على الأرض. واستثنى أبو
حنيفة ما يصير رماداً أو مذاباً ((فإنه))) أي الصعيد ((يكفيك))) أي لصحة الصلاة، ويغنيك
ويجزئك عن الماء. (متفق عليه).
٠٠جما:
٥٢٨ - (وعن عمار) أي ابن ياسر رضي الله عنه (قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب
رضي الله عنه فقال:) أي الرجل سائلاً (أني أجنبت) أي صرت جنباً، أو دخلت في الجنابة (فلم
أصب الماء) من الإصابة، أي لم أجده. وجاء في بعض طرق الحديث كما بينه الشيخ ابن
حجر، فقال عمر في جوابه: لا تصل حتى تجد الماء. ويمكن أن عمر لما سكت عن الجواب
ناسياً للقضية على وجه الصواب. (فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر) وفي المصابيح
في سرية (١) أي طائفة من الجيش (أنا وأنت) تأكيد وبيان لضمير كنا فالمعنى فأجنبنا كلنا (فأما
أنت) تفصيل للمجمل (فلم تصل) لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو
لاعتقاد أن التيمم إنما هو عن الحدث الأصغر، وهذا هو الأظهر وقيل إنه لم يعلم الحكم ولم
يتيسر له سؤال الحكم منه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك. (وأما أنا فتمعكت) أي تمرغت وتقلبت
في التراب ظناً بأن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجب في الجنابة كالماء. (فصليت
فذكرت ذلك) أي فعلي، أو ما ذكر من امتناع عمر عن الصلاة وتمعكي في التراب (للنبي وَلخير
فقال: ((إنما كان يكفيك))) وفي نسخة: ((إنما يكفيك)) هكذا مجمل تفسيره ((فضرب النبي وَل
بكفيه الأرض))) هذا تعليم فعلي، أوقع في النفس من الإِعلام القولي، (ونفخ فيهما) ليقل
الحديث رقم ٥٢٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٤٣/١ حديث رقم ٣٣٨. وأخرج أبو داود نحوه في
السنن ٢٢٨/١ حديث رقم ٣٢٢ وأخرجه النسائي في السنن ١٦٥/١ حديث ٣١٢. وأخرجه ابن
ماجة في السنن ١٨٨/١ حديث رقم ٥٦٩. في الصحيح ١/ ٢٨٠ حديث (١١٢. ٣٦٨).
(١) مصابيح السنة ٢٣٩/١ حديث رقم ٣٦٦.

٢١٢
كتاب الطهارة / باب التيمم
ثمَّ مسحَ بِهِما وجَهَه وكفّيه. رواه البخاريّ. ولمسلم نحوُه، وفيه: قال: ((إِنما يَكفيكَ أنْ
تضرِبَ بيدَيْكَ الأرضَ. ثمَّ تنفخَ، ثمَّ تمسحَ بهِما وجهِّكَ وكَفَّيْكَ)).
٥٢٩ - (٤) وعن أبي الجُهَيمِ بن الحارث بنِ الصّمَّةِ،
١
التراب الذي حصل في كفيه، لأن المقصود إنما هو التطهير لا التغيير الموجب للتنفير. (ثم
مسح بهما وجهه وكفيه) هذا يدل على أنه يكفي ضربة واحدة للوجه والكفين. وبه قال أحمد
والأوزاعي وجماعة من الشافعية، تبعاً لجمع من الصحابة والتابعين. وأما عند أبي حنيفة ومالك
والشافعي فلا يجوز إلا بضربتين أو وضعتين إحداهما للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين،
بدليل حديث ابن عمر المار في آخر باب مخالطة الجنب، وقال ابن الهمام: المراد بالكفين
الذراعان إطلاقاً لاسم الجزء على الكل (١). اهـ. والذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف
الأصبع، وهو الساعد. كذا في القاموس والمراد هنا الأوّل، وفيه أن هذا الإطلاق جاء حقيقة
فلا يحتاج إلى ارتكاب المجاز، ففي القاموس الكف اليد أو الكوع ومع هذا لا بد من تقدير
مرتين بعد قوله ((فضرب)) ليتم التأويل الموافق للمذهب، ولخبر أبي داود والحاكم: التيمم
ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين(٢). وأخذوا به وإن أعل بالوقف والضعف، لأن القياس
يعضده إذ هو بدل، فالأصل فيه أن يحاكي المبدل، ولأنه أحوط. وأجيب عن حديث المتن
بأن المراد صورة الضرب للتعليم لا بيان جميع ما يحصل به التيمم، وظاهره أيضاً أنه يكتفي في
التيمم بمسح اليدين إلى الكوعين، وبه قال الشافعي في القديم. قال النووي وهو الأقرب إلى
ظاهر السنة الصحيحة، ومن ثم قال الخطابي: الاقتصار على الكفين أصح رواية ووجوب مسح
الذراعين أشبه بالأصول وأصح في القياس)). اهـ. أي لأنه بدل فأعطي حكم مبدله. وبه
يعتضد الخبر الموقوف عن ابن عمر: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين.
ثم ظاهر العطف بالواو أن الترتيب بين الوجه واليدين لا يشترط. كما هو مذهبنا في الأصل
أيضاً. والصحيح عند الشافعية اشتراطه قياساً على الوضوء لأنه أصله. ويؤيدنا ما في رواية
البخاري: إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض مرة واحدة ثم نفضهما ثم
مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ثم وجهه. اهـ. فإنها صريحة في عدم الترتيب واحتمال
ان ثم بمعنى الواو بعيد جداً. (رواه البخاري. ولمسلم نحوه) أي معناه (وفيه) أي في مسلم أو
في نحوه (قال) وَلير ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك
وكفيك) والجمع بين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام جمع في التعليم بين القول والفعل.
تأكيداً للإعلام وتنبيهاً على الاهتمام.
٥٢٩ - (وعن أبي الجهيم) بالتصغير (ابن الحرث بن الصمة) في جامع الأصول وغيره،
(١) فتح القدير ١٢٦/١.
(٢) الحاكم ١٧٩/١.
الحديث رقم ٥٢٩: ليس موجوداً بهذا اللفظ بالصحيحين إنما الموجود الحديث الآتي. راجع حديث رقم
٥٣٥ وقد أخرجه الشافعى بهذا اللفظ فى مسنده ص ١٢.

٢١٣
كتاب الطهارة / باب التيمم
قال: مَرَرْتُ على النبيِّ وَّرِ وهو يبولُ، فسلّمتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ حتى قامَ إِلى جِدارٍ،
فحتَّه بعصىّ كانت معه، ثمَّ وضعَ يدَيه على الجدارِ، فمسحَ وجهَه وذِراعَيه، ثمَّ رَدَّ عليَّ.
ولم أجِدْ هذه الروايةَ في: ((الصَّحيحين))، ولا في ((كتاب الحُميديِّ))؛ ولكنْ ذَكره في:
((شرحِ السُّنة)) وقال: هذا حديثٌ حسن.
** ٥
٤
الفصل الثاني
٥٣٠ - (٥) عن أبي ذَرّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((إِنَّ الصَّعيدَ
بكسر الصاد وتشديد الميم وقيل بتخفيفها. (قال: مررت على النبي وَطّة) المرور يتعدى بالباء
وعلى (وهو) بضم الهاء وتسكن (يبول فسلمت عليه فلم يرد) بفتح الدال هو المصحح (عليّ)
السلام (حتى قام إلى جدار) لعله كان جدار بعض أصحابه، وهو يعلم رضاه أو كان جداره
(فحتّه) بالتاء الفوقية، أي حكه وخدشه (بعصا كانت معه)، حتى يحصل منه التراب. قصد إلى
الأفضل لكثرة الثواب أو لإزالة القاذورات أو المؤذيات المتعلقة بالجدار، فلا يكون نصاً على
أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار. (ثم وضع يديه) أي مرتين (على الجدار) وفي نسخة
صحيحة يده على الإِفراد لإرادة الجنس. (فمسح وجهه وذراعيه) أي مع مرفقيه. قال الطيبي:
وفي الحديث أن الضربة الواحدة كافية: وقد قال به أحمد وهو رواية عن مالك، وقول قديم
للشافعي. (ثم رد عليّ) أي السلام. والحديث يدل على استحباب الطهارة لذكر الله تعالى،
وعلى المداومة على الطهارة، وفي تأخيره عليه الصلاة والسلام رد الجواب تعليم بأن رده من
الواجبات المطلقة. كذا قيل وأقول هذا من المواضع التي ذكروها أن المسلّم لا يستحق
الجواب، فيكون هذا من مكارم أخلاقه عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم. (ولم أجد) أي
نقلت هذا الحديث هنا تبعاً للمصنف. ولم أجد (هذه الرواية) أي بهذا اللفظ (في الصحيحين)
وروايتهما مذكورة في أول الفصل الثالث من هذا الباب. (ولا في كتاب الحميدي).
فالاعتراض وارد على صاحب المصابيح، حيث ذكر هذا الحديث في الصحاح الموضوع في
اصطلاحه لحديث الشيخين أو أحدهما. (ولكن ذكره) أي صاحب المصابيح بإسناده، أي هذا
الحديث وفي نسخة ذكرها أي هذه الرواية (في شرح السنة)(١) من كتبه من طريق الشافعي، عن
إبراهيم بن يحيى بسنده (وقال فيه) أي في حقه (هذا حديث حسن) فكأنه غفل عنه في هذا
الكتاب، والله أعلم بالصواب.
i
(الفصل الثاني)
٥٣٠ - (عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاير: ((إن الصعيد) أي التراب أو
عدم
(١) شرح السنة ١١٥/٢ حديث رقم ٣١٠.
الحديث رقم ٥٣٠: أخرجه الإمام أحمد في المسند ١٥٥/٥. وأخرجه الترمذي في السنن ٢١١/١ حديث =

٠٠ ..
٢١٤
كتاب الطهارة / باب التيمم
hey/."
الطَّيّبَ وُضوءُ المسلمِ، وإِنْ لم يجدِ الماءَ عَشْرَ سنين، فإِذا وجدَ الماءَ فليُمِسَّهُ بِشَره، فإِنَّ
ذلكَ خيرٌ)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود.
وجه الأرض (الطيب) الطاهر المطهر، (وضوء المسلم) بفتح الواو، لأن التراب بمنزلة الماء في
صحة الصلاة. وقيل بضم الواو أي استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم،
فهو تشبيه بليغ. وعلى التقديرين يفيد أن التيمم رافع للحدث لا مبيح له، كما قال به الشافعي.
وثمرة الخلاف أنه يصلي بواحد ما شاء من الفرائض والنوافل عندنا خلافاً له. (وإن لم يجد
الماء) إن للوصل (عشر سنين) بسكون الشين والمراد منه الكثرة؛ لا المدة المقدرة فيه دلالة
على أن خروج الوقت غير ناقض للتيمم، بل حكمه حكم الوضوء كما هو مذهبنا. وما صح
عن ابن عمر أنه يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث(١) محمول على الاستحباب، ولا ينافيه قول
البيهقي: ولا يعرف له مخالف من الصحابة، بل يعضده قول ابن عباس وإن ضعف سنده من
السنة: أن لا يصلى يتيمم واحد إلا فريضة واحدة (٢) ثم يجدد للثانية تيمماً. وما قيل إن قول
الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع على الصحيح محله، أنه لا محال للرأي فيه، مع أنه
مع رفعه يدل على السنية لا على الفرضية. ولا يلزم أن الحدث الواحد أوجب طهارتين. وقول
صاحب الإفصاح من الشافعية: ويلزم على من جوّز فرضين بتيمم، كأبي حنيفة وأحمد،
واختاره المتولي والروياني أنه يجوز التيمم قبل الوقت، لأن التيمم بالنسبة للثانية وقع قبل
الوقت، وهو خلاف الإِجماع مردود عليه، لأن التيمم قبل دخول الوقت جائز عندنا فإن حكمه
حكم الوضوء. (فإذا وجد الماء) أي كافياً لغسله أو وضوئه وفاضلاً عن الاحتياج إلى شربه،
وكان قادراً على استعماله (فليمسه) بضم الياء وكسر الميم من الإِمساس (بشرته) أي فليوصل
الماء إلى بشرته وجلده، يعني فليتوضأ أو يغتسل (فإن ذلك) أي الإِمساس (خبر) من الخیور،
وليس معناه أن كليهما جائز عند وجود الماء لكن الوضوء خير. بل المراد أن الوضوء واجب
عند وجود الماء. ونظيره قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً﴾ مع
أنه لا خير ولا أحسنية لمستقر أهل النار، لما ورد في الرواية الأخرى الصحيحة، أنه عليه
الصلاة والسلام قال لأبي ذر: ((التراب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج وإن وجدت الماء
فأمسّه جلدك)). وهذا أمر، وهو للوجوب، ويحتمل أن يقال: فإن ذلك - أي وجود الماء - خير
من فقده، فإنه نعمة عظيمة ومنحة جسيمة، لأنه يحصل به طهارة حقيقية حسية وحكمية، وإن
كانت الصلاة صحيحة بهما وفيهما خير كثير. (رواه أحمد والترمذي وأبو داود) الحديث بتمامه
رقم ١٢٤ وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه أبو داود في السنن من حديث طويل ١/
٢٣٥ حديث رقم ٣٣٢. وروى النسائي إلى قوله ((عشر سنين)) في السنن ١٧١/١ حديث
٣٢٢.
(١) الدارقطني ١٨٤/١ حديث رقم ٤ من باب.
(٢) الدارقطني ١٨٥/١ حديث رقم ٦ من باب.
٤٥٠
i

٢١٥
كتاب الطهارة / باب التيمم
وروى النّسائيُّ نحوَه إِلى قولِه: ((عشْرَ سِنين)).
٥٣١ _ (٦) وعن جابرٍ، قال: خرجنا في سَفَرٍ، فأصابَ رجلاً مِنَّا حَجرٌ فشجَّهُ في
رأسِه، فاحتلَمَ، فسألَ أصحابَه: هل تجدونَ لي رخصَةٌ في التَّيمُم؟ قالوا: ما نجدُ لكَ
رُخصةً وأنتَ تقدرُ على الماءِ. فاغتسلَ فماتَ. فلمَّا قَدِمْنا على النبيِّ نَّوَ أُخبِرَ بذلكَ. قال:
((قتلوه، قتلَهم اللَّهُ؛ أَلَّ سألوا إِذا لم يعلموا! فإِنما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إِنما كانَ يُكْفيهِ أن
يَتَيِمَّمَ، ويُعَصّبَ على جُرحِه خِرِقةً، ثمَّ يمْسحَ عليها، ويغسِلَ سائرَ جسدهِ)).
لفظاً ومعنى. (وروى النسائي نحوه) أي معناه (إلى قوله عشر سنين).
جدة
٥٣١ - (وعن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه) أي
أوقع الشج فيه، نحو يجرح في عراقيبها نصل وكذا قوله: خرجنا في سفر. كذا ذكره الطيبي.
وقال ميرك: فيه تأمل ووجهه، والله أعلم أن في ((في سفر)) ليس للتعدية، بل تعليلية أي خرجنا
لإرادة سفر والأظهر أن الجار والمجرور في محل نصب، على أنه حال، أي خرجنا مسافرين.
ثم ذكر الرأس لزيادة التأكيد، فإن الشج هو كسر الرأس. ففيه تجريد. والمعنى فجرحه في
رأسه (فاحتلم). وفي رواية: ثم احتلم. أي أصابته جنابة وخاف لو اغتسل أن يصيب الماء
الجراحة فيضرها. (فسأل أصحابه) أي من العلماء على زعمه أو من أصحاب رسول الله وَله
والأوّل هو الظاهر: (هل تجدون لي رخصة) وهو ضد العزيمة (في التيمم) أي في جوازه وهو
وجود الماء عند الضرورة. (قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء) الجملة حال
حملوا الوجدان على حقيقته. ولم يعلموا أن الوجدان عند الضرورة في حكم الفقدان.
(فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي) وفي نسخة رسول الله (قَّو أخبر) بالبناء للمجهول
(بذلك قال: ((قتلوه)) أسند القتل إليهم، لأنهم تسببوا له بتكليفهم له باستعمال الماء مع وجود
الجرح في رأسه، ليكون أدل على الإنكار عليهم ((قتلهم الله))) أي لعنهم. إنما قاله زجراً
وتهديداً وأخذ منه أنه لا قود ولا فدية على المفتي وإن أفتى بغير الحق (ألاّ سألوا إذا لم يعلموا)
ألا بفتح الهمزة وتشديد اللام حرف تحضيض، دخل على الماضي فأفاد التنديم، وإذا ظرف فيه
معنى التعليل، ويدل عليه رواية: ((إذ)) وهو الأصح من النسختين والفاء الآتية للتسبب. والمعنى
فلم يسألوا ولم يتعلموا ما لا يعلمون. (فإنما شفاء العي) بكسر العين وهو عدم الضبط والتحير
في الكلام وغيره. (السؤال) فإنه لا شفاء لداء الجهل إلا التعلم. عابهم عليه الصلاة والسلام
بالإِفتاء بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم لكونهم مقصرين في التأمل في النص،
وهو قوله تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ (إنما كان يكفيه) أي الرجل المحتلم
(أن يتيمم) أوّلاً (ويعصب) أي يشد (على جرحه) بضم الجيم (خرقة) حتى لا يصل إليه الماء
(ثم يمسح عليها) أي على الخرقة بالماء (ويغسل سائر جسده) وهذا يدل على الجمع بين التيمم
الحديث رقم ٥٣١: أخرجه أبو داود في السنن ٢٣٩/١ حديث رقم ٣٣٦ وأخرجه الدارقطني في السنن ١/
١٨٨ حديث رقم ٣ من باب جواز التيمم لصاحب الجرح.
١

مجانا
:٧٧٧
كتاب الطهارة / باب التيمم
٢١٦
رواه أبو داود.
٥٣٢ - (٧) ورواه ابنُ ماجة، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ.
وغسل سائر البدن بالماء، دون الاكتفاء بأحدهما، كما هو مذهب الشافعي. والجواب والله
أعلم بالصواب، أن الحديث ضعيف مع مخالفته للقياس، وهو الجمع بين البدل والمبدل منه.
وحاصل المسألة أن من خاف التلف من استعمال الماء جاز له التيمم بلا خلاف. فإن خاف
الزيادة في المرض أو تأخير البرء جاز له عند أبي حنيفة ومالك أن يتيمم ويصلي بلا إعادة.
وهو الراجح من مذهب الشافعي. ومن كان بعضو من أعضائه قرح أو كسر أو جرح. وألصق
عليه جبيرة، وخاف من تركها التلف، فعند الشافعي يمسح على الجبيرة ويضم إلى المسح
التيمم، ولا يقضي على الراجح إن وضع الجبيرة على طهر. وقال أبو حنيفة ومالك: إذا كان
بعض جسده جريحاً أو قريحاً وبعضه صحيحاً، إذا كان الأكثر صحيحاً غسله ومسح على
الجرح، وإن كان الأكثر جريحاً (١) تيمم ويسقط الغسل. وقال أحمد: يغسل الصحيح ويتيمم
للجرح. (رواه أبو داود) وكذا الدارقطني وضعفه البيهقي. وقال: لا يثبت عن النبي ◌َّر في هذا
الباب شيء. يعني باب المسح على العصائب والجبائر. ولكن صح عن ابن عمر فعله،
فتلخص أن الحديث ضعيف. كذا ذكره السيد جمال الدين.
٥٣٢ - (ورواه ابن ماجة عن عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس). قال ميرك: وكذا أبو
داود. أخرجه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس عقيب رواية عطاء عن جابر، فلا
أدري ما وجه التخصيص بتخريج ابن ماجة، وكأنه ذهل عنه المصنف. والله الهادي. وقال
النووي في مجموعه: ((وهو ضعيف اتفاقاً)). كخبر أنه عليه الصلاة والسلام أمر علياً بالمسح
على الجبائر(٢). اهـ. وقول غيره إن رجاله ثقات مع مخالفته للجمهور مدفوع بأن الجرح
مقدم. ودعوى ابن حجر بأنه يجمع بينهما بأن له طريقاً أخرى صحيحة غير صحيحة، للاحتياج
إلى بيانها وعدم الاكتفاء باحتمالها. وقوله: ومن ثم سكت أبو داود عليه مردود، لأن سكوته لا
يقاوم تصريح غيره بالتضعيف. ومن أغرب الغرائب أن بعض الشافعية نظروا إلى الاستدلال
بهذا الحديث على مسألة الجبيرة، مع أن الحديث مصرح بها. وقد روى الطبراني عن أبي أمامة
عن النبي ◌ّلي أنه لما رآه ابن قمئة، قال: رأيته إذا توضأ حل عن عصابته ومسح عليها
بالوضوء. وروى ابن ماجة والبيهقي والدارقطني عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال:
انكسرت إحدى زنديّ فسألت النبي ور فأمرني أن أمسح على الجبائر (٣). قال البيهقي: وصح
عن ابن عمر أنه مسح على الجبيرة، ولم يعرف له مخالف من الصحابة. وروى الدار قطني عن
(١) في المخطوطة صحيحاً.
الحديث رقم ٥٣٢: أخرجه ابن ماجة في السنن ١٨٩/١ حديث رقم ٥٧٢ وفي الزوائد: إسناده منقطع.
ورواه أيضاً البخاري في سننه ١/ ٢٤٠ حديث رقم ٣٣٧.
(٢) ابن ماجة ٢١٥/١ حديث ٦٥٧.
(٣) ابن ماجة وقد مر.

٢١٧
/١٣٤
٢٧٢٢
كتاب الطهارة / باب التيمم
٥٣٣ - (٨) وعن أبي سعيد الخُدري، قال: خرجَ رجلانِ في سَفَرِ، فحضرتِ الصَّلاةُ
وليسَ معهُما ماءٌ، فتيمَّما صَعيداً طيّباً، ثمَّ وجدا الماءَ في الوَقْتِ، فأعادَ أحدُهما الصلاةَ
بوُضوءٍ، ولم يُعِدِ الآخر. ثمَّ أَيا رسولَ الله وَِّ، فذكرا ذلكَ. فقالَ لِلّذي لم يُعدْ: («أصَبتَ
السُّنَّةَ، وأجْزَأتْكَ صلاتُكَ)). وقال للذي توضَّأَ وأعادَ: ((لَكَ الأجْرُ مرَّتَينٍ)). رواه أبو داود،
والدَّارميّ، وروى النسائي نحوّه.
٥٣٤ - (٩) وقد رَوى هو وأبو داودَ أيضاً عن عطاءِ بنِ يَسارٍ مُرْسَلاً.
ابن عمر، أن النبي وَل﴿ كان يمسح على الجبائر. قيل والأصح وقفه، لكن الموقوف في هذا
كالمرفوع لأن الإِبدال لا ينصب بالرأي.
٥٣٣ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر فحضرت
الصلاة) أي جاء وقتها، (وليس معهما ماء فتيمماً صعيداً طيباً) أي قصداه على الوجه
المخصوص، فالمراد به المعنى اللغوي، أو فتيمماً بالصعيد على نزع الخافض، وأريد به
المعنى الشرعي. (فصليا ثم وجدا الماء في الوقت) أجمعوا على أنه إذا رأى الماء بعد فراغه من
الصلاة لا إعادة عليه، وإن كان الوقت باقياً. واختلفوا فيما إذا وجد الماء بعد دخوله في
الصلاة، فالجمهور على أنه لا يقطعها وهي صحيحة، وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية: يبطل
تيممه، أما إذا تيمم ثم وجد الماء قبل دخول الصلاة فالإجماع على بطلان تيممه. (فأعاد
أحدهما الصلاة بوضوء) إما ظناً بأن الأولى باطلة، وإما احتياطاً. (ولم يعد الآخر) بفتح الخاء،
بناء على ظن أن تلك الصورة صحيحة. (ثم أتيا رسول الله ير فذكرا ذلك) أي ما وقع لهما.
(فقال) بَيّر (الذي لم يعد أصبت السنة) أي صادفت الشريعة الثابتة بالسنة. (وأجزأتك صلاتك)
تفسير لما سبق. (وقال للذي توضأ) أي للصلاة (وأعاد) أي الصلاة في الوقت. (لك الأجر
مرتين) أي لك أجر الصلاة كرتين، فإن كلا منهما صحيحة تترتب عليها مثوبة، وإن الله لا
يضيع أجر من أحسن عملاً. وفيه إشارة إلى أن العمل بالأحوط أفضل، كما قال ◌َّ دع ما
يريبك إلى ما لا يريبك. (رواه أبو داود والدارمي) يعني متصلاً، (وروى النسائي نحوه) أيضاً.
٥٣٤ - (وقد روى هو) أي النسائي. (وأبو داود أيضاً عن عطاء بن يسار مرسلاً) اعلم أن
أبا داود أخرج هذا الحديث من طريق عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة
عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري متصلاً، ثم قال: غير ابن نافع يرويه عن الليث عن
عميرة بن أبي ناجية عن بكر بن أبي سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي وَّر. قال: وذكر أبي
الحديث رقم ٥٣٣: أخرجه أبو داود في السنن ١/ ٢٤٠ حديث رقم ٣٣٨. وأخرجه الدارمي في السنن ١/
١٩٠ حديث رقم ٧٤٤. وأخرجه النسائي في السنن ٢١٣/١ حديث رقم ٤٣٣.
الحديث رقم ٥٣٤: أخرجه أبو داود مرسلاً ٢٤٢/١ حديث ٣٣٩. والنسائي في السنن مرسلاً عن عطاء ١/
٢١٣ حديث رقم ٤٣٤.

3
كتاب الطهارة / باب التيمم
٢١٨
الفصل الثالث
٥٣٥ - (١٠) عن أبي الجُهَيم بن الحارِثِ بن الصّمَّةِ، قال: أقبَلَ النبيُّ وَّر من نحوِ
بئرِ جَمَلٍ، فلقِيَه رجلٌ فسلَّمَ عليه، فلمْ يَرُدَّ النبي ◌َِّ حتى أقبَلَ على الجِدارِ، فمسحَ بوجهِه
ويديهِ، ثمَّ ردَّ عليه السَّلامَ. متفقٌ عليه.
مے
٥٣٦ - (١١) وعن عَمَّارِ بن ياسِرِ: أنَّه كانَ يُحَدِّثُ: أنَّهم تمسَّحوا وهم معَ رسولِ الله
وَه بالصَّعيدِ لَصَلاةِ الفجْرِ، فضرَبوا بأكُفّهِمُ الصَّعيدَ، ثمَّ مسَحوا بوجوهِهِمْ مَسْحةً واحدةً،
ثمَّ عادوا، فضرَّبوا بأكُفّهم الصَّعيدَ مرةً أخرى، فمسَحوا بأيديهِم كلّها إِلى
سعيد في هذا الحديث غير محفوظ، وهو مرسل. اهـ. لكن قال الحاكم رواية الاتصال
صحيحة على شرطهما، والله تعالى أعلم.
(الفصل الثالث)
٥٣٥ - (عن أبي الجهيم بن الحرث بن الصمة) مر قريباً، (قال: أقبل النبي ◌َّر من نحو
بئر جمل)(١) بالإِضافة، أي من جانب الموضع الذي يعرف بذاك وهو معروف بالمدينة، وهو
بفتح الجيم والميم. (فلقيه رجل فسلم عليه) هو أبو الجهيم، الراوي بينه الشافعي في روايته
لهذا الحديث من طريق الأعرج، كذا ذكره الأبهري. وقد صرح بهذا في الحديث السابق حيث
قال: فسلمت عليه (فلم يرد النبي وَّه) أي السلام عليه. (حتى أقبل على الجدار) وليس في هذا
الحديث الصحيح أنه حتّه وحكّه، (فمسح وجهه) أوّلاً، (ويديه) ثانياً. (ثم رد عليه) أي على
الرجل (السلام) بالنصب، مفعول رد. (متفق عليه).
٥٣٦ - (وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه كان يحدث) يروي، أي للتابعين (أنهم) أي
الصحابة (تمسّحوا) أي تيمموا، (وهم مع رسول الله وَلاغير) جملة معترضة (بالصعيد) متعلق
بتمسحوا. (لصلاة الفجر) أي لأدائها (فضربوا بأكفهم الصعيد) الخ بيان لتمسحوا، (ثم مسحوا
بوجوههم مسحة واحدة) بطريق الاستيعاب، وأجمعوا على أن لا يكرر مسح التيمم. (ثم عادوا)
أي رجعوا (فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى) أي ضربة أخرى. (فمسحوا بأيديهم كلها إلى
الحديث رقم ٥٣٥: أخرجه البخاري في السنن ٤٤١/١ حديث رقم ٣٣٧. ومسلم في صحيحه ٢٨١/١
حديث رقم (١١٤ . ٣٦٩) وأخرجه أبو داود في السنن ٢٣٣/١ حديث رقم ٣٢٩. وأخرجه
النسائي في السنن ١٦٥/١ حديث رقم ٣١١. وأخرجه أحمد في مسنده ١٦٩/٤.
(١) بئر جمل قال الفيروزآبادي أنها بناحية الجرف بآخر العقيق وفي هذا التحديد خلاف.
الحديث رقم ٥٣٦: أخرجه أبو داود في السنن ٢٢٤/١ حديث رقم ٣١٨. وأخرجه النسائي في السنن
بحديث طويل ١٦٧/١ حديث رقم ٣١٤. وأخرجه أحمد في مسنده ٣٢٠/٤.

٢١٩
كتاب الطهارة / باب الغسل المسنون
المَّناكِب والآباطِ منْ بطونِ أيديهم. رواه أبو داود.
(١١) باب الغسل المسنون
الفصل الأول
٥٣٧ _ (١) عن ابنُ عمرَ [رضي الله عنهما ] قال: قال رسولُ الله وَّل: ((إِذا جاءَ أحدُكم
الجمعة
المناكب والآباط) بالمد، جمع ابط (من بطون أيديهم) من للابتداء، أي ابتدؤوا بالمسح من
بطون الأيدي لا من ظهورها، كما ذكره الفقهاء في باب الاستحباب. ويمكن أن يقال المراد
بالابتداء ابتداء آلة المسح، لا ابتداء الممسوح، فيوافق ما ذكره في ذلك الباب وهو أقرب
للصواب. قال البغوي: في المعالم، عند قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾
[المائدة - ٦] ذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين، لما روي عن عمار رضي الله
تعالى عنه أنه قال: تيممنا إلى المناكب(١)، وذلك حكاية فعله لم ينقله عن النبي ◌َّر، كما روي
أنه قال: أجنبت فتمعكت، فلما سأل النبي وَ ر أمره بالوجه والكفين انتهى. إليه وقال
البيضاوي: اليد اسم للعضو إلى المنكب. وما روي أنه عليه الصلاة والسلام تيمم ومسح يديه
إلى مرفقيه، والقياس على الوضوء، دليل على أن المراد بالأيدي هنا إلى المرافق. اهـ. ويعني
بالقياس، قياس الفرع على الأصل. والله أعلم (رواه أبو داود).
(باب الغسل المسنون)
الغسل بالفتح مصدر، وبالكسر ما يغسل به، وبالضم غسل مخصوص وهو المراد هنا.
(الفصل الأوّل)
٥٣٧ - (عن ابن عمر) رضي الله (تعالى) عنهما (قال: قال رسول الله وَلهو: ((إذا جاء
أحدكم) بالرفع أصح. (الجمعة) بضم الميم، وتسكن منصوبة على المفعولية، أي إذا أراد
(١) الترمذي في السنن ١/ ٢٧٠ تعليقاً. وابن ماجة في السنن ١/ ١٨٧ حديث رقم ٥٦٦.
الحديث رقم ٥٣٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٥٦/٢ حديث رقم ٨٧٧. وأخرجه مسلم في صحيحه
٥٧٩/٢ حديث رقم (٨٤٤.١) وأخرجه أبو داود في السنن ٢٤٢/١ حديث رقم ٣٤٠. وأخرجه
الترمذي في السنن ٣٦٤/٢ حديث رقم ٤٩٢. ولفظه إذا أتى. وأخرجه النسائي في السنن ٩٣/٣
حديث رقم ١٣٧٦. وأخرجه ابن ماجة في السنن ٣٤٦/١ حديث رقم ١٠٨٨. وأخرجه الدارمي
في السنن ٤٣٣/١ حديث رقم ١٥٣٦. وأخرجه مالك في الموطأ ١٠٢/١ حديث رقم ٥ من كتاب
الجمعة. وأخرجه أحمد في مسنده ٩/٢.
1892
٦٫٩٣/٣
/٠٢٢٤

٢٢٠
جموع
كتاب الطهارة / باب الغسل المسنون
فليغتسِلْ)). متفق عليه.
٥٣٨ - (٢) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((غُسلُ يومِ الجمعَةِ
واجبٌ على كلِّ مُختَلم)). متفق عليه.
٥٣٩ _ (٣) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِوَله: ((حقٌّ
أحدكم أن يأتي الجمعة، كما جاء مصرحاً به في رواية الليث عن نافع، أي صلاتها
(فليغتسل))). وفيه إشارة إلى أن الغسل للصلاة، لا لليوم، وهو الصحيح. قال الطيبي: الظاهر
أن الجمعة فاعل، كقوله تعالى: ﴿إذا جاءتهم الحسنة﴾، وقوله تعالى: ﴿أن يأتي أحدكم
الموت﴾ [المنافقون - ١٠] وفيه أنه لا يصح غسل الجمعة قبل الصبح. قال ميرك: وفيه تأمل.
فالظاهر أن الأمر بالعكس. وقال ابن حجر: والفاء للتعقيب، وظاهره أن الغسل عقيب
المجيء، وليس بمراد. فالصحيح أن الفاء للجزاء، قال: وكلام الطيبي غفلة عن الرواية
الأخرى. وهي من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من
الرجال والنساء. وسندها صحيح(١). اهـ. ثم الأمر بالغسل للاستحباب المؤكد عند الجمهور
لما سيأتي، وعند مالك واجب، وعليه الظاهرية. (متفق عليه).
٥٣٨ - (وعن أبي سعيد) أي الخدري، كما في نسخة (رضي الله (تعالى) عنه قال: قال
رسول الله ◌َ﴿ غسل يوم الجمعة) من باب إضافة المظروف إلى الظرف، كمكر الليل، وأخذ من
إضافته إلى يومها لا إلى وقتها أن وقت غسلها يدخل بفجر يومها، فلا يجوز قبله خلافاً
للأوزاعي وبعض الفقهاء ومنهم بعض علمائنا، ولا يتوقف على الرواح خلافاً لمالك. (واجب)
أي ثابت، لا ينبغي أن يترك، لا أنه يأثم تاركه خلافاً لمالك. قيل هذا وأمثاله تأكيد
للاستحباب، كما يقال رعاية فلان علينا واجبة. (على كل محتلم) أي بالغ مدرك، أو أن
الاحتلام وسببه أن القوم كانوا يعملون في المهنة ويلبسون الصوف، وثياب المهنة، وكان
المسجد ضيقاً متقارب السقف فإذا عرقوا تأذى بعضهم برائحة بعض، خصوصاً في بلادهم التي
في غاية من الحرارة، فندبهم عليه الصلاة والسلام إلى الاغتسال بلفظ الوجوب ليكون أدعى
إلى الإِجابة. (متفق عليه).
٥٣٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّفيمل حق) أي ثابت ولازم، أو
:١٠ /١١ /١٣/١١٣٢/١١٣٢
(١) ابن خزيمة في صحيحه ١٢٦/٣.
الحديث رقم ٥٣٨: أخرجه البخاري في الصحيح ٣٨٢/٢ حديث رقم ٨٩٥. وأخرجه مسلم في صحيحه
٢/ ٥٨٠ حديث رقم (٨٤٦.٥) وأخرجه أبو داود في السنن ٢٤٣/١ حديث رقم ٣٤١. وأخرجه
النسائي في السنن ٩٣/٣ حديث رقم ١٣٧٧. وأخرجه ابن ماجة في السنن ١/ ٣٤٦ حديث رقم
١٠٨٩. وأخرجه مالك في الموطأ ١٠٢/١ حديث رقم ٤ من كتاب الجمعة. وأخرجه الدارمي في
السنن ٤٣٤/١ حديث رقم ١٥٣٧. وأخرجه أحمد في مسنده ٦٠/٣.
الحديث رقم ٥٣٩: أخرجه البخاري في الصحيح ٣٨٢/٢ حديث رقم ٨٩٧. وأخرجه مسلم في صحيحه =
ـد ودة
٣- صبح بر