Indexed OCR Text
Pages 461-480
كتاب العلم ٤٦١ قال اسحاق بن موسى: وسمعت ابن عيينة أنه قال: هو العُمريُّ الزاهد واسمه عبد العزيز ابن عبد الله. ٢٤٧ - (٥٠) وعنه، فيما أعلم عن رسول الله وٍَّ، قال: ((إِن الله عزَّ وجلَّ يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدّد لها دينها)). 704 أعلم. (قال إسحاق بن موسى: وسمعت ابن عيينة أنه قال: هو) أي المراد في الحديث (العمري الزاهد) وفي بعض النسخ ((قال: قيل: هو العمري)) (واسمه عبد العزيز بن عبد الله) قال التوربشتي ذكر الشيخ أبو محمد في كتابه عن ابن عيينة أنه قال: هو مالك و [عن] عبد الرزاق أنه قال: هو العمري الزاهد، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. قال المظهر: أراد بالعمري عمر بن عبد العزيز، والصحيح ما رواه الترمذي. وذكر في المتن لأن عمر بن عبد العزيز من أهل الشام، وقال صاحب الجامع: عبد العزيز بن عبد الله أحد فقهاء المدينة وأعلامهم سمع ابن شهاب الزهري ومحمد بن المنكدر وعبد الله بن دينار وأبا حازم وحميد الطويل وهشام بن عروة كذا ذكره الطيبي. وقال ابن الملك: أراد به عمر بن عبد العزيز الخليفة قيل له: العمري نسبة إلى عمر بن الخطاب لأنه ابن بنته، وقيل: هو عبد الله ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قيل: كان آخر العلماء الراسخين وکان يقدم على مالك بن أنس. ٢٤٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (فيما أعلم) بضم الميم على الصحيح فقيل: هو لفظ المصنف، أي في علمي أو في جملة ما أعلم أن أبا هريرة روى هذا الحديث (عن رسول الله وَلجد) لا عن غيره وقد شك بعض الناس فيه، قال السيد: قال زين العرب تبعاً للتوربشتي: ((فيما أعلم)) مضارعاً أو ماضياً هو من قول المصنف، أي هذا الحديث كائناً في علمي هو عن أبي هريرة رواية، أو كائناً في أعلام أبي هريرة سائر الصحابة. اهـ. أقول: قوله: ((هو من قول المصنف)) غير ظاهر لأنه بعيد عن الفهم، وقد تفحصته من أصل أبي داود فوجدته مخرجاً عن أبي علقمة عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله وي طهر الحديث، فهذا نص في أنه ليس من قول المصنف. وقال الطيبي: ((فيما أعلم)) يجوز بضم الميم حكاية عن قول أبي هريرة وبفتحها ماضياً من الإعلام حكاية عن فعله. اهـ. أقول: أما قوله: بضم الميم حكاية عن قول أبي هريرة فغير ظاهر، بل الظاهر أنه من قول أبي علقمة الراوي عن أبي هريرة، وأما قوله حكاية عن فعله ففيه تأمل ومسامحة تأمل. اهـ. كلام السيد (قال: ((إن الله عزَّ وجلّ يبعث لهذه الأمة) أي أمة الإجابة ويحتمل أمة الدعوة (على رأس كل مائة سنة) أي انتهائه أو ابتدائه إذا قل العلم والسنة وكثر الجهل والبدعة (من يجدد) مفعول يبعث (لها) أي لهذه الأمة (دينها) أي يبين السنة من (١) البدعة، ويكثر العلم ويعز أهله، ويقمع البدعة ويكسر أهلها. قال صاحب جامع الحديث رقم ٢٤٧: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٤٨٠ حديث رقم ٤٢٩١. (١) في المخطوطة ((عن)). i اسے i ٤٦٢ كتاب العلم رواه أبو داود. ٢٤٨ - (٥١) وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذري، الأصول: وقد تكلم العلماء في تأويله وكل واحد أشار إلى العالم الذي هو في مذهبه وحمل الحديث عليه، والأولى الحمل على العموم فإن لفظة ((من)) تقع على الواحد والجمع، ولا يختص أيضاً بالفقهاء فإن انتفاع الأمة بهم وإن كان كثيراً فانتفاعهم بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ والزهاد أيضاً كثير إذ حفظ الدين وقوانين السياسة وبث العدل وظيفة أولي الأمر، وكذا القراء وأصحاب الحديث ينفعون بضبط التنزيل والأحاديث التي هي أصول الشرع وأدلته، والوعاظ ينفعون بالواعظ والحث على لزوم التقوى، لكن المبعوث بشرط أن يكون مشاراً إليه في كل فن من هذه الفنون. نقله السيد، وأغرب ابن حجر وحمل المجددين محصورين على الفقهاء الشافعية، وختمهم بشيخه الشيخ زكريا مع أنه غير معروف بتجديد فن من العلوم الشرعية، وشيخ مشايخنا السيوطي هو الذي أحيا علم التفسير المأثور في الدر المنثور وجمع جميع الأحاديث المتفرقة في جامعه المشهور، وما ترك فناً إلا وله فيه متن أو شرح مسطور، بل وله زيادات ومخترعات يستحق أن يكون هو المجدد في القرآن المذكور كما ادعاه وهو في دعواه مقبول ومشكور، هذا والأظهر عندي والله أعلم أن المراد بمن يجدد ليس شخصاً واحداً بل المراد به جماعة يجدد كل أحد في بلد في فن أو فنون من العلوم الشرعية ما تيسر له من الأمور التقريرية أو التحريرية، ويكون سبباً لبقائه وعدم اندراسه وانقضائه إلى أن يأتي أمر الله، ولا شك أن هذا التجديد أمر إضافي لأن العلم كل سنة في التنزل كما أن الجهل كل عام في الترقي، وإنما يحصل ترقي علماء زماننا بسبب تنزل العلم في أواننا وإلا فلا مناسبة بين المتقدمين والمتأخرين علماً وعملاً وحلماً وفضلاً وتحقيقاً وتدقيقاً لما يقتضي البعد عن زمنه عليه الصلاة والسلام كالبعد عن محل النور يوجب كثرة الظلمة وقلة الظهور، ويدل عليه ما في البخاري عن أنس مرفوعاً ((لا يأتي على أمتي زمان إلا الذي بعده شر منه))(١)، وما في الكبير للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعاً ((ما من عام إلا وينتقص الخير فيه ويزيد الشر))(٢)، وما في الطبراني عن ابن عباس قال: ((ما من عام إلا ويحدث الناس بدعة ويميتون سنة حتى تمات السنن وتحيا البدع)) وهذه النبذة اليسيرة أيضاً إنما هي من بركات علومهم ومددهم، فيجب علينا أن نكون معترفين بأن الفضل للمتقدمين رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى يوم الدين. (رواه أبو داود) والطبراني في الأوسط وسنده صحيح ورجاله كلهم ثقات وكذا صححه الحاكم(٣). ٢٤٨ - (وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري) بضم العين وسكون الذال المعجمة، LIKE (١) البخاري ١٩/١٣ حديث ٧٠٦٨. (٢) الطبراني في الكبير راجع الجامع الصغير ٤٩٢/٢ حديث رقم ٨٠٥٩. (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٢٢. الحديث رقم ٢٤٨: أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن والآجري. ٤٦٣ كتاب العلم قال: قال رسول الله وَلقر: ((يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدو له، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)). رواه البيهقي. منسوب إلى عذرة بن سعد أبي قبيلة من خزاعة كذا في جامع الأصول. ولم يذكره المؤلف لا في الصحابة ولا في التابعين. (قال: قال رسول الله وَلاير: ((يحمل) أي يحفظ (هذا العلم) أي علم الكتاب والسنة وزاد ابن حجر ((الفقه)) وهو غير صحيح لأنه مأخوذ منهما ولأنه مصطلح حادث لم يكن له وجود عند قوله ((هذا)) والإشارة للتعظيم يعني يأخذه ويقوم بإحيائه. (من كل خلف) أي من كل قرن يخلف السلف بفتح اللام، وهو الجماعة الماضية، والخلف بفتح اللام الرجل الصالح الذي يأتي بعد أحد ويقوم مقامه ويستوي فيه الواحد والتثنية والجمع. (عدوله) أي ثقاته، يعني من كان عدلاً صاحب التقوى والديانة، قال الطيبي: ((ومن)) إما تبعيضية مرفوعاً على أنه فاعل يحمل وعدوله بدل منه، وإما بيانية على طريقة لقيني منك أسد، جرد من الخلف الصالح والعدول الثقات وهم هم كقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ [آل عمران - ١٠٤] وعلى التقديرين فيه تفخيم لشأنهم (ينفون عنه) جملة حالية، أي نافين عنه يعني طاردين عن هذا العلم (تحريف الغالين) أي المبتدعة الذين يتجاوزون في كتاب الله وسنة رسوله عن المعنى المراد فينحرفون(١) عن جهته من غلا يغلو إذا جاوز الحد كأقوال القدرية والجبرية والمشبهة (وانتحال المبطلين) الانتحال إدعاء قول أو شعر ويكون قائله غيره بانتسابه إلى نفسه؛ قيل هو كناية عن الكذب، وقال الطيبي في النهاية: الانتحال من النحلة وهي التشبه بالباطل وقال الراغب: الانتحال ادعاء الشيء بالباطل، قيل: ولعل الأوّل أنسب لمعنى الحديث. اهـ. والمعنى أن المبطل إذا اتخذ قولاً من علمنا ليستدل به على باطله أو اعتزى إليه ما لم يكن منه نفوا عن هذا العلم قوله ونزهوه عما ينتحله (وتأويل الجاهلين))) أي معنى القرآن والحديث إلى ما ليس بصواب، أو الجملة استئناف كأنه قيل: لم خص هؤلاء بهذه المنقبة العلية؟ فأجيب بأنهم يحمون الشريعة ومتون الروايات من تحريف الذين يغلون في الدين والأسانيد من القلب والانتحال والمتشابه(٢) من تأويل الزائغين المبتدعين بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها، وهذا معنى ما ورد: ((لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) رواه البخاري ومسلم عن المغيرة، وقيل: إنه متواتر معنی (رواه البيهقي في كتاب المدخل) وألحق البيهقي في المدخل بفتح الميم وفي نسخة ((في كتاب المدخل)) من حديث بقية بن الوليد عن معان بضم الميم ابن رفاعة بكسر الراء عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، وقال السيد: رواه البيهقي في كتاب المدخل إلى السنن في باب تبيين حال من وجد منه ما يوجب رد خبره من طريق بقية بن الوليد عن معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري عن النبي ◌َّر: ((يرث هذا العلم من كل خلف عدوله)) وذكره، ثم قال: تابعه إسماعيل بن عياش عن معاذ، ورواه الوليد بن مسلم عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن الثقة من أشياخهم عن النبي ◌َّر، وروي أيضاً من أوجه أخر ضعيفة. ومعان بالنون دمشقي قال أبو (١) في المخطوطة ((فيحفون)). (٢) في المخطوطة ((التشابه)). 2018 ٠ ٠١٠٥٦٦٧ ٠٫٠,٠٠ ٤٦٤ م جوع. كتاب العلم وسنذكر حديث جابر: ((فإنما شفاء العي السؤال)) في باب التيمم إِن شاء الله تعالى. الفصل الثالث ٢٤٩ - (٥٢) عن الحسن مرسلاً، قال: قال رسول الله وَ له: ((مَنْ جاءه الموتُ وهو يطلبُ العلمَ ليُحيي به الإِسلامَ، فَبينه وبين النبيّين درَجةٌ واحدةٌ في الجثّة)). رواه الدارمي. ٢٥٠ _ (٥٣) وعنه مرسلاً، قال: سُئل رسولُ اللهِ وَّ عن رجُلَين كانا في بني إِسرائيل: أحدُهما كان عالماً يُصلّي المكتوبة، ثمَّ يجلسُ فَيُعَلّمُ الناسَ الخير، والآخر يصومُ النهارَ ويقومُ الليل؛ أيُّهما أفضلُ؟ حاتم وغيره. لا يحتج به كذا في التخريج. (وسنذكر حديث جابر: ((فإنما شفاء العي))) بكسر العين وتشديد الياء أي العاجز عن العلم (السؤال) أي عن العلماء (في باب التيمم) لأنه أنسب به من هذا الباب فهو اعتذار واعتراض (إن شاء الله تعالى) متعلق بسنذكر. (الفصل الثالث) ٢٤٩ - (عن الحسن) وهو إذا أطلق في علم الحديث فالمراد البصري (مرسلاً) لأنه تابعي حذف الصحابي إما لنسيانه أو لكثرة من يرويه من الصحابة (قال: قال رسول الله وَظله: ((من جاءه الموت وهو يطلب العلم) الجملة الاسمية حال من المفعول في جاءه، أي من أدركه الموت في حال استمراره في طلب العلم ونشره ودعوة الناس إلى الصراط المستقيم (ليحيي به الإسلام) أي لإحياء الدين عما اندرس من قواعده وأحكامه ببنائها لا لغرض فاسد من المال والجاه (فبينه وبين النبيين درجة واحدة))) وهي مرتبة النبوّة (في الجنة) أردفها بواحدة لأن الكلام قد سيق للعدد وقد سبق أن وارث الأنبياء هم العلماء الزاهدون الداعون الخلق إلى الحق فيحيون الإسلام كذا قاله الطيبي، وتوضيحه في كلام الأبهري: أكد الدرجة بواحدة لأنها تدل على الجنسية وعلى العدد والذي سيق له الكلام هو العدد الحاصل أن العلماء العاملين المخلصين لم تفتهم إلا درجة الوحي. (رواه الدارمي). ٢٥٠ - (وعنه) أي عن الحسن (مرسلاً) أيضاً (قال: سئل رسول الله (َّفر عن رجلين) أي عن شأنهما وحكمهما (كانا في بني إسرائيل أحدهما كان عالماً) أي غلب علمه على العبادة (يصلي المكتوبة) أي يكتفي بالعبادة المفروضة (ثم يجلس فيعلم الناس الخير) أي العلم والعبادة والزهد والرياضة والصبر والقناعة وأمثال ذلك تدريساً أو تأليفاً أو غيرهما (والآخر يصوم النهار) أي دائماً أو غالباً (ويقوم الليل) أي كله أو بعضه وقد تعلم فرض علمه (أيهما أفضل:) الحديث رقم ٢٤٩: أخرجه الدارمي في السنن ١١٢/١ حديث رقم ٣٥٤. الحديث رقم ٢٥٠: أخرجه الدارمي في السنن ١٠٩/١ حديث رقم ٣٤٠. . /١٧/١١٣/١١ يس: ⑈١٣٠ كتاب العلم ٤٦٥ قال رسول الله وَلجر: ((فضْلُ هذا العالِم الذي يُصلي المكتوبة ثم يجلسُ فيُعلمُ الناسَ الخيرَ على العابد الذي يصومُ النهارَ ويقومُ الليل كفَضْلي على أذناكم)). رواه الدارمي. ٢٥١ - (٥٤) وعن علي، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله وَّرَ: ((نِعمَ الرجلُ الفقيهُ في الدين؛ إِن احتيجَ إِليه نَفَع، وإِن استُغنيَ عنه أغْنى نفْسَه)». أي أكثر ثواباً فإن أفضلية العالم ظاهرة (قال رسول الله ويتلقى: ((فضل هذا العالم) يحتمل الشخص والجنس (الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل) أطنب في الجواب حيث لم يقل: الأوّل أو العالم لتعظيم شأنه وتقريره في ذهن السامع (كفضلي على أدناكم))) فإني عالم معلم، وأدناكم من يقوم بالعبادة دون العلم، وسببه أن العلم نفعه متعد والعبادة منفعتها قاصرة، والعلم إما فرض عين أو كفاية. والعبادة الزائدة نافلة، وثواب الفرض أكثر من أجر النفل والله أعلم. (رواه الدارمي). ٢٥١ - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((نعم الرجل) أي الكامل في الرجولية (الفقيه في الدين) الفقيه هو المخصوص بالمدح والجار متعلق به، أي الذي فقه في الدين وعلم من العلوم الشرعية ما ينتفع به وينفع الناس، ولذا ورد: ((من علم وعمل وعلّم يدعى في الملكوت عظيماً))، وليس المراد من الفقيه من يعلم الفروع فقط كما فهم ابن حجر وتبجج به بناء على ما وهم. ونقل أنه، قال بعض المحققين، إن غاية الصوفي المحق أن يظهر له كرامة أو كرامات فيفتخر بها هو وجماعته الدهر، والفقهاء تظهر للواحد منهم الكرامات الكثيرة بفتح أبواب تلك الأحكام العلية له وإلهامه فيها ما لم يسبقه غيره إليه فيفيد منه ما لا يحصى. اهـ. ولا يخفى أن ما ذكره من غاية الصوفي صدر عن قلة التحقيق؛ فإن بدايته أن يكون متصفاً بنهاية ما ثبت بالنبوّة علماً وعملاً وتعليماً على شريطة الإخلاص، وأما نهايته فالذي يمكن أن يعبر عنها هو أن يصير مستغرقاً في مشاهدة مولاه وفانياً عما سواه كما أشار إليه ابن الفارض بقوله : ولو خطرت لي في سواك إرادة * على خاطري سهواً حكمت بردتي وأما الكرامة فعندهم حيض الرجال فهيهات هيهات بين إلهيآت، وقد قال الغزالي: ضيعت قطعة من العمر العزيز في تأليف البسيط والوسيط والوجيز ولكن سبحان من أقام العباد بما أراد وكل حزب بما لديهم فرحون. (إن احتيج) بكسر النون وضمها شرطية مستأنفة لبيان استحقاق المدح، أي إن احتاج الناس (إليه) أي إلى فقهه (نفع) أي غيره (وإن استُغني عنه) على البناء للمفعول (أغنى نفسه) قال الطيبي: قوبل ((نفع)) ((بأغنى) ليعم الفائدة، أي نفع الناس وأغناهم بما يحتاجون إليه ونفع نفسه وأغناها بما يحتاج(١) إليه من قيام الليل وتلاوة كتاب الله الحديث رقم ٢٥١: أخرجه رزين وفي إسناده مقال. (١) في المخطوطة ((تحتاج)). i ١ = جوة ١ ١ ٤٦٦ ٤٫٠٠ كتاب العلم رواه رزين. ٢٥٢ - (٥٥) وعن عكرمة، أنَّ ابنَ عباسٍ قال: حَدّثِ الناسَ كلَّ جمعة مرةً، فإِنْ أَبَيتَ فمرَّتين، فإِن أكثرتَ فثلاثَ مرات، ولا تُمِلَّ الناسَ هذا القرآن؛ ولا أُلْفِيئَّك تأتي القومَ وهم في حديثٍ من حديثهم فتقُصُّ عليهم فتقطعُ عليهِم حديثَهم فتُمِلَّهم؛ ولكن أنصِت، فإِذا أمروكَ فحدّثهُم وهم يشتَهونه، وانظُر السَّجْعَ من الدعاءِ فَاجْتِنِبهُ، وغيرها من العبادات (رواه رزين). ٢٥٢ - (وعن عكرمة) هو مولى عبد الله بن عباس وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها (أن ابن عباس) وهو عبد الله إذا أطلق (قال:) أي لعكرمة ((حدث الناس) أي بالآية والحديث والوعظ (كل جمعة) بضم الميم ويسكن، أي في كل أسبوع (مرة) أي في يوم من أيامها (فإن أبيت) أي التحديث مرة وأردت الزيادة حرصاً على إفادة العلم ونفع الناس (فمرتين) أي فحدث مرتين (فإن أكثرت) أي أردت الإكثار (فثلاث مرات ولا تمل) بفتح اللام ويجوز كسرها وهو بضم الفوقانية من الرباعي (الناس هذا القرآن) يقال: مللته ومللت منه بالكسر سئمته، قال الطيبي: إشارة إلى تعظيمه فرتب وصف التعظيم على الحكم للإشعار بالعلية، أي لا تحقر هذا العظيم الشأن الذي جبلت القلوب على محبته وعدم الشبع منه، أي وإذا كان ذلك الإكثار يوجب الملل عما هذه أوصافه فما بالك بغيره من العلوم التي جبلت النفوس على النفرة من مشاقها ومتاعبها؟ (فلا ألفينك) بضم الهمزة وكسر الفاء، أي لا أجدنك، قال الطيبي: هو من باب لا أرينك، أي لا تكن بحيث ألفينك على هذه الحالة وهي إنك (تأتي القوم) حال من المفعول (وهم في حديث من حديثهم) قال الطيبي: حال من المرفوع في تأتي، والظاهر أنه حال من القوم، أي والحال أنهم مشغولون عنك (فتقص عليهم) أي قصصاً من وعظ أو علم (فتقطع عليهم حديثهم) أي كلامهم الذين هم فيه، قال الطيبي: معطوفان على تأتي وهو الظاهر لكنهما في أكثر النسخ الحاضرة منصوبان، فيكون نصبهما على جواب النهي ويتكلف للسببية (فتملهم) منصوب بلا خلاف جواباً للنهي (ولكن أنصت) أمر من الإنصات وهو السكوت (وإذا أمروك) أي طلبوا منك التحديث (فحدثهم وهم يشتهونه) حال مقيدة (وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه) قال الطيبي: فإن قلت كيف نهى عن السجع وأكثر الأدعية مسجعة؟ أجيب بأن المراد المعهود وهو السجع المذموم الذي كان الكهان والمتشدقون يتعاطونه ويتكلفونه في محاوراتهم لا الذي يقع في فصيح الكلام بلا كلفة؛ فإن الفواصل التنزيلية واردة على هذا، ويؤيده إنكاره عليه الصلاة والسلام بقوله: أسَجْعٌ كسجع الكهان على من قال أدى لمن لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك بطل المعنى تأمل السجع الذي ينافي(١) إظهار الاستكانة والتضرع في ١٣٨/١١ حديث رقم ٦٣٣٧. وأخرجه أحمد في المسند ٠ الحديث رقم ٢٥٢: أخرجه البخاري : ٢١٧/٦ عن عائشة رضي (١) في المخطوطة ((نيافي)). ٤٦٧ كتاب العلم فإِنِي عَهِدتُ رسولَ اللهِ وَ لّهِ وأصحابَه لا يفعلون ذلك. رواه البخاري. ٢٥٣ _ (٥٦) وعن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله وَّر: ((مَنْ طلب العِلمَ فأدرَكه، كان له كِفْلانِ من الأجر؛ فإِنْ لم يدركْهُ، كان له كِفْلٌ من الأجر)). رواه الدارمي. ٠٨٥ .. ٢٥٤ - (٥٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ ممَّا يلحَقُ المؤمنَ من عملِه وحسنَاتِه بعد موتِه: عِلماً علِمِه ونشَرَه، ووَلداً صالحاً تركه، أو مُصْحفاً وَرَّثه، أو مسجِداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها الدعاء فاجتنبه فإنه أقرب إلى الاستجابة (فإني عهدت رسول الله(وَ ل*) أي عرفته (وأصحابه لا يفعلون ذلك))) أي تكلف (١) السجع (رواه البخاري) قال الأبهري: في البخاري ((لا يفعلون إلا ذلك)) بزيادة إلا قال الشيخ ((لا يفعلون إلا ذلك))، أي ترك السجع ووقع عند الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن يحيى بن محمد شيخ البخاري بسنده فيه ((لا يفعلون ذلك)) بإسقاط ألا وهو واضح كذا أخرجه البزار والطبراني عن البراء. ٢٥٣ - (وعن واثلة بن الأسقع) من أهل الصفة كذا في التهذيب (قال: قال رسول الله وَل: ((من طلب العلم فادركه) أي حصله، وقيل: أدركه أبلغ من حصله لأن الإدراك بلوغ أقصى الشيء (كان له كفلان) نصيبان (من الأجر) أجر الطلب والإدراك كالمجتهد المصيب (فإن لم يدركه كان له كفل من الأجر) كالمخطىء، ونظير ذلك الخبر الصحيح: ((إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد)) (رواه الدارمي). ٢٥٤ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقر: إن مما يلحق المؤمن) خبران، أي كائن مما يلحقه واسمها علماً وما عطف عليه، ولا يجوز أن تكون تبعيضية لأنه ينافي الحصر الذي في قوله عليه الصلاة والسلام: ((ينقطع عمله إلا من ثلاث)) (من عمله) بيان لما (وحسناته) عطف تفسير (بعد موته) ظرف يلحق (علماً علمه) بالتخفيف وفي نسخة بالتشديد (ونشره) هو أعم من التعليم فإنه يشمل التأليف ووقف الكتب (وولداً صالحاً) أي مؤمناً (تركه) أي خلفه، [أي] بعد موته احتراز عن الفرط (أو مصحفاً) بتثليث الميم والضم أشهر (ورثه) أي تركه للورثة ولو ملكاً، وفي معناه كتب العلوم الشرعية فيكون له ثواب التسبب (أو مسجداً بناه) وفي معناه مدرسة العلماء ورباط الصلحاء (أو بيتاً لابن السبيل) أي المسافر والغريب (بناه) حقيقة أو حكماً (أو نهراً) بفتح الهاء وتسكن (أجراء) أي جعله جارياً لينتفع به الخلق، قال الطيبي: الجمل المصدرة بأومن قسم الصدقة الجارية، وأو فيها للتنويع والتفصيل وأما قوله: (أو صدقة أخرجها (١) في المخطوطة ((تكليف)). الحديث رقم ٢٥٣: أخرجه الدارمي في سننه ١٠٨/١ حديث رقم ٣٣٥. الحديث رقم ٢٥٤: أخرجه ابن ماجة في السنن ٨٨/١ حديث رقم ٢٤٢. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٤٧/٣ حديث رقم ٣٤٤٨. ساة : ٠ ٤٠ ٤٦٨ كتاب العلم من مالِه في صحَّتِه وحياتِه، تلحقُه من بعد موته)). رواه ابن ماجة والبيهقي في ((شعب الإِيمان)». ٢٥٥ _ (٥٨) وعن عائشة، أنَّها قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ وَِّ يقول: ((إِن اللَّهَ عزَّ وجل أوحى إليَّ: أنَّه من سلك مسلَكاً في طلب العلم، سَهَّلتُ له طريقَ الجنَّة؛ ومَن سَلْبْتُ کریمتَيه؛ أُثَبْتُه من ماله في صحته وحياته) فداخل في الصدقة الجارية ولإرادة هذا المعنى أتبعه بقوله: (تلحقه من بعد موته) وفي عطف ((حياته)) على ((صحته)) إشارة إلى معنى قوله عليه الصلاة والسلام في جواب من قال: أي الصدقة أعظم أجراً؟ ((أن تصدق وأنت صحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى)) الحديث(١). اهـ. وفيه أن هذه الإشارة مفهومة من نفس قوله: ((وصحته)) لا من العطف اللهم إلا أن يقال: إنها مفهومة من تقديم الصحة على الحياة، ومعنى قوله: ((وحياته)) أي ولو في مرضه قالوا: وبمعنى ((أو)) وقوله ((أخرجها))، أي بالوصية والله أعلم. (رواه ابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان) وفي رواية: ((سبع يجري للعبد أجرهن بعد موته وهو في قبره، من علم علماً أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ترك ولداً يستغفر له من بعد موته أو ورث مصحفاً)). ٢٥٥ - (وعن عائشة أنها قالت: سمعت رسول الله صلي يقول:) قال الطيبي حال، والأصل سمعت قوله فأخر القول وجعل حالاً ليفيد الإبهام والتبيين. اهـ. وقيل: ((سمع)) متعدٍ إلى مفعولين ((إن الله عزَّ وجلّ) أي عزت ذاته وجلت صفاته (أوحى إلي) أي وحياً خفياً غير متلوّ، وهو يحتمل أن يكون بواسطة جبريل(٢) أوّلاً وله وَليل نقله ولو بالمعنى، وبهذه القيود فارق الحديث القدسي الكلام القرآني (إنه) الضمير للشأن (من سلك) أي دخل أو ذهب ومشى (مسلكاً) أي طريقاً أو سلوكاً، والمعنى تعاطى سبباً من الأسباب (في طلب العلم) أي في تحصيل العلم الشرعي (سهلت) أي يسرت (له طريق الجنة) أي طريقاً موصلاً إلى الجنة بالمعرفة والعبادة في الدنيا، أو طريقاً إلى باب من أبواب الجنة وسبيلاً إلى قصوره المختصة به في العقبى، وفيه إشارة إلى أن كل طريق من طرق العلم طريق من طرق الجنة، وإن سبل الجنة مسدودة من غير أبواب العلوم لكن بشرط الإخلاص المؤدي إلى العمل على وجه الاختصاص. (ومن سلبت) أي أخذت (كريمتيه) [أي عينيه الكريمتين عليه، وكل شيء يكرم عليك فهو كريمك وكريمتك](٣)، والمعنى أعميته فالأكمه بطريق الأولى (أثبته) من الإثابة أي جازيته، (١) مسلم ٧١٦/٢ حديث ١٠٣٢. الحديث رقم ٢٥٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٥٣/٥ حديث رقم ٥٧٥١. (٢) في المخطوطة ((جبرائيل)). (٣) هذه الجملة وردت في المخطوطة لكنها لم ترد في هذا الموضع بل في موضع متقدم واثباتها هنا أتم. محمد /١٣ ،۴۴. சகர் كتاب العلم ٤٦٩ عليهما الجنَّة. وفضلٌ في علمٍ خَيرٌ من فضلٍ في عبادة. ومِلاكُ الدينِ الوَرِعُ)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). ٢٥٦ - (٥٩) وعن ابن عباس، قال: تَدارُسُ العلمِ ساعةً من الليلِ خيرٌ من إِحيائها. رواه الدارمي. ٢٥٧ - (٦٠) وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله وَلَ مرَّ بمجلسين في مسجده فقال: «كلاهما علی خیر، وأحدهما أفضلُ من صاحبه؛ قال تعالى: ﴿فأثابهم الله بما قالوا جنات﴾ [المائدة - ٨٥] وفي القاموس أثابه الله مثوبة أعطاه، وفي نسخة ((أثبته)) من الإثبات (عليهما) أي على الكريمتين يعني على فقدهما والصبر عليهما (الجنة) مفعول ثان قال الطيبي: منصوب على نزع الخافض، وقال ابن حجر: مفعول ثانٍ لأثبته لتضمينه معنى أعطيت، وكلاهما تكلف لما قدمناه. (وفضل) أي زيادة (في علم خير من فضل في عبادة) قال الطيبي: يناسب أن يقال: التنكير فيه يعني في فضل [الأول] للتقليل وفي الثاني للتكثير. (وملاك الدين) أي أصله وصلاحه (الورع))) كما أن فساد الدين الطمع، والمراد بالورع التقوى عن المحرمات والشبهات، والطمع يؤدي إلى السمعة والرياء في العبادات، في النهاية الملاك بالكسر والفتح قوام الشيء ونظامه و [ما] يعتمد عليه فيه، ومنه ملاك الدين. وقال الطيبي: الملاك بالكسر ما به إحكام الشيء وتقويته وإكماله، والورع في الأصل الكف عن المحارم والتحرج، ثم استعير للكف عن المباح والحلال، [قلت: لعل مراده المباح والحلال] الذي يؤدي إلى الشبهة وإلا فتركها زيادة على قدر الضرورة لا يسمى ورعاً بل يسمى زهداً والله أعلم. (رواه البيهقي في شعب الإيمان). ٢٥٦ - (وعن ابن عباس. قال: ((تدارس العلم) بين النظراء أو الشيخ وتلامذته، ويلحق به كتابته وتفهمه لحصول المقصود (ساعة من الليل) الأبلغ أن يراد بالساعة اللغوية لا العرفية (خير من إحيائها))) أي من إحياء الليل بالعبادة لما تقدم في شروح الأحاديث المتقدمة، وأبعد ابن حجر فقال: من إحياء تلك الساعة بالصلاة التي هي حياة النفوس (رواه الدارمي). ٢٥٧ - (وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَ ﴿ مر بمجلسين) أي بأهلهما وقول ابن حجر: أي حلقتين(١) غير مفهوم من الحديث (في مسجده) وَلّر (فقال: ((كلاهما) أي كلا المجلسين يعني أهلهما، أو المراد به المبالغة، أو الدلالة بطريق البرهان فإن شرف المكان بالمكين. (على خير) أي جالسين أو ثابتين على عمل خير (وأحدهما أفضل من صاحبه) أي الحديث رقم ٢٥٦: أخرجه الدارمي في مقدمة سننه ١/ ١٥٧ حديث رقم ١٤. الحديث رقم ٢٥٧: أخرجه الدارمي ١١١/١ حديث رقم ٣٤٩. (١) في المخطوطة ((خلقتين)) والصواب ((حلقتين)). ہے مود ١ ٤٧٠ كتاب العلم أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإِن شاء منعهم. وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه أو العلم ويُعلّمون الجاهل، فهم أفضل، وإنما بُعثت معلماً». ثم جلس فيهم. رواه الدارمي. ٢٥٨ - (٦١) وعن أبي الدرداء، قال: سُئل رسول اللهِ وَلّ: ما حدُّ العلم الذي إِذا بلغَه الرجلُ كانَ فقيهاً؟ فقال رسول الله وَّ: ((من حَفِظَ على أُمَّتي أربعين حديثاً في أمر دینھا، أكثر ثواباً (أما هؤلاء) قال الطيبي: تقسم للمجلسين إما باعتبار القوم أو الجماعة بعد التفريق بينهما باعتبار النظر إلى المجلسين في إفراد الضمير (فيدعون الله) أي يعبدونه ويسألونه بلسان المقال أو الحال (ويرغبون إليه) أي يرغبون فيما عند الله متوسلين إليه ومتوجهين ومنتظرين لديه (فإن شاء أعطاهم) أي فضلاً، والمفعول الثاني محذوف، أي ما عنده من الثواب (وإن شاء منعهم) أي إياه عدلاً، وسر تقديم الإعطاء على المنع إيماء إلى سبق رحمته غضبه، وفي الحديث رد على المعتزلة حيث أوجبوا الثواب فاستحقوا العقاب، قال الطيبي: وفي تقييد القسم الأوّل بالمشيئة وإطلاق القسم الثاني يعني الآتي إشارة إلى بون بعيد بينهما. (وأما هؤلاء) أي وأمثالهم (فيتعلمون الفقه) أي أوّلاً (أو العلم) شك من الراوي (ويعلمون الجاهل) أي ثانياً (فهم أفضل) لكونهم جامعين بين العبادتين، وهما الكمال والتكميل فيستحقون الفضل على جهة التبجيل (وإنما بعثت معلمً))) أي بتعليم الله لا بالتعلم من الخلق ولذا اكتفى به (ثم جلس فيهم))) إشعار بأنهم منه وهو منهم ومن ثم جلس فيهم كذا قاله الطيبي، أو جلس فيهم لاحتياجهم إلى التعليم منه عليه الصلاة والسلام كما أشار إليه بقوله: ((بعثت معلماً)) والله أعلم (رواه الدارمي). ٢٥٨ - (وعن أبي الدرداء قال: سئل رسول الله وَّهو فقيل: يا رسول الله ما حد العلم) قال الراغب: هو وصف الشيء المحيط بمعناه المتميز عن غيره نقله الطيبي، أقول: هذا اصطلاح حادث، والأظهر أن المراد بالحد المقدار ولذا قال: (إذا بلغه الرجل كان فقيهاً؟) يعني عالماً في الآخرة ومبعوثاً في زمرة العلماء فيها فإن العبرة بها (فقال رسول الله وَلاغير: ((من حفظ على أمتي) أي شفقة عليهم، أو لأجل انتفاعهم، وقال الطيبي: ضمن ((حفظ)) معنى رقب وعدى بعلى يقال: إحفظ عليّ عنان فرسي ولا تغفل عني، وفي المغرب: الحفظ خلاف النسيان، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المرفوع في ((حفظ)) يعني من جمع أحاديث متفرقة مراقباً إياها بحيث تبقى مسندة على أمتي. اهـ. وفيه تكلفات والوجه ما قدمته، وقال ابن حجر: فالوجه ما ذكرته في تقريره. اهـ. وليس [في] تقريره ولا تحريره ذكر وجه حتى ينظر في وجهه. (أربعين حديثاً) وفي معناه أربعين مسألة (في أمر دينها) احتراز من الأحاديث الإخبارية التي لا تعلق لها بالدين اعتقاداً أو علماً أو عملاً من نوع واحد، أو أنواع ولا وجه لمن قيدها الحديث رقم ٢٥٨: أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان ٢/ ٢٧٠ حديث رقم ١٧٢٦. 197 ٠٠. .... " ٠٫٠ ٤٣٠ :تجد ٤٧١ كتاب العلم بعثه اللَّهُ فقيهاً، وكنتُ له يومَ القيامة شافعاً وشهيداً)). ٢٥٩ - (٦٢) وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَلهو: ((هل تدرون من أجودُ جوداً؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((الله أجودُ جُوداً، ثم أنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعدي رجلٌ عَلِم علماً فنشرَه، بكونها متفرقة. (بعثه الله فقيهاً) من جملة الفقهاء (وكنت له يوم القيامة شافعاً) بنوع من أنواع الشفاعات الخاصة (وشهيداً)) أي حاضراً لأحواله ومزكياً لأعماله ومثنياً على أقواله ومخلصاً له من أهواله، قال الإمام النووي: المراد بالحفظ هنا نقل الأحاديث الأربعين إلى المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف معناها، هذا حقيقة معناه وبه يحصل انتفاع المسلمين لا يحفظها ما لم ينقل إليهم ذكره ابن حجر. وأقول: في قوله: ((ولا عرف معناها)) نظر لأنه لا يلائم المقام الذي هو حد العلم؛ إذ الفقه هو العلم بالشيء والفهم له وغلب على علم الدين لشرفه وإلا فالحامل غير فقيه كما ورد في الحديث والله أعلم. قال الطيبي: فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال؟ أجيب بأنه من حيث المعنى كأنه قيل: معرفة أربعين حديثاً بأسانيدها مع تعليمها الناس. اهـ. والظاهر أن معرفة أسانيدها ليست بشرط، ثم قال: أو نقول: هو من أسلوب الحكيم، أي لا تسأل عن حد الفقه فإنه لا جدوى فيه وكن فقيهاً؛ فإن الفقيه من أقامه الله تعالى لنشر العلم وتعليمه الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم من العلم والعمل. اهـ. وتقدم ما فيه. ٢٥٩ - (وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَلي: ((هل تدرون من أجود جوداً؟) أي أكثر كرماً، قال الراغب: الجود بذل المقتنيات مالاً كان أو علماً ويؤيده قوله وعلاطاهر: ((إن علماً لا يقال به ككنز لا ينفق منه))، وقال الطيبي: قيل: ((من)) الاستفهامية مبتدأ أو ((أجود)) خبره ((وجوداً)) تمييز، قال ابن حجر: أجود من الجودة، أي أحسن جوداً، أو من الجود أي من الذي جوده أجود على [حد] نهاره صائم (قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الله أجود جوداً) وهو لمجرد المبالغة فإنه المتفضل بالإيجاد والإمداد على جميع البلاد وطبق المراد (ثم أنا أجود بني آدم) والظاهر أنه على الإطلاق، أي أفضلهم وأكرمهم ومن ثم قال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأول مشفع ولا فخر)) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد، ويلزم من ذلك أنه أفضل من الملائكة وغيرهم لما هو مقرر أن الجنس البشري أفضل من الجنس الملكي على خلاف فيه (وأجوده) أي جنس بني آدم، وقال الطيبي: الضمير لبني آدم على تأويل الإنسان أو للجود، وقال الأبهري: وفي بعض النسخ ((أجودهم)) يعني في زمانه (من بعدي) يحتمل البعدية بحسب المرتبة وبحسب الزمان، والأوّل أظهر قاله الطيبي. (رجل علم) بالتخفيف بلا خلاف (علماً) أي عظيماً نافعاً في الدين (فنشره) يعم التدريس والتصنيف وترغيب الناس فيه قاله الطيبي، ومنه وقف الكتب وإعارتها الحديث رقم ٢٥٩: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٨١/٢ حديث رقم ١٧٦٧. ٤٧٢ كتاب العلم يأتي يومَ القيامة أميراً وحده، أو قال: أمةً واحدةً». ٢٦٠ - (٦٣) وعنه، أن النبي ◌َّ قال: ((مَنهومان لا يشبعان: منهومٌ في العلم لا يشبع منه، ومنهومٌ في الدنيا لا يشبع منها)). روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإِيمان)) وقال: قال الإِمام أحمد في حديث أبي الدرداء: هذا متنٌ مشهور فيما بين الناس، وليس له إِسنادٌ صحيح. لأهلها (يأتي يوم القيامة أميراً وحده) يعني كالجماعة التي لها أمير ومأمور في العزة والعظمة، ويمكن أن يكون أميراً مستقلاً مع أتباعه غير تابع لغيره نحو قوله: ((أمة واحدة)) في الرواية الأخرى (أو قال أمة واحدة))) الشك يحتمل من أنس أو من بعده، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ حيث اطلق الأمة على من جمع خصالاً لا توجد غالباً إلا في جماعة ولذا قال الشاعر : ليس من الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد ولما قال ابن مسعود في معاذ: ((كان أمة قانتاً لله)) فقيل له: ذاك إبراهيم، قال: ((الأمة الذي يعلم الخير)) ويؤيد ما ذكره خبر: ((معاذ أمة قانت لله ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون)) سبب ذلك ما في حديث آخر أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام. ٢٦٠ - (وعنه) أي عن أنس (أن النبي ◌َّ قال: ((منهومان) حريصان على تحصيل أقصى غايات مطلوبيهما، وفي النهاية النهمة بلوغ الهمة في الشيء (لا يشبعان) أي لا يقنعان (منهوم في العلم لا يشبع منه) لأنه في طلب الزيادة دائماً لقوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ [طه - ١١٤] ليس له نهاية إذ فوق كل ذي علم [عليم] (ومنهوم في الدنيا) أي في تحصيل مالها وجاهها (لا يشبع منها) فإنه كالمريض المستشفي (روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان وقال:) أي البيهقي (قال الإمام أحمد في حديث أبي الدرداء:) وهو ((من حفظ)) الخ يعني في شأنه (هذا متن مشهور فيما بين الناس) أي المحدثين وغيرهم (وليس له إسناد صحيح) قال النووي: طرقه كلها ضعيفة، وقال الحافظ ابن حجر: جمعت طرقه كلها في جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة، قال ابن حجر المكي: ولذا قال النووي: واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه، وقد اتفق الحفاظ على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. اهـ. وأنت خبير بأن قضية ما مهدوه في فن الحديث أن الحكم عليه بالضعف إنما هو بالنظر لكل طريق على حدته، وأما بالنظر إلى مجموع طرقه فحسن لغيره فيرتقي عن درجة الضعف إلى درجة الحسن. قلت: وفي قوله: ((ليس له إسناد صحيح)) إشارة إلى ذلك. الحديث رقم ٢٦٠: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٧١/٧ حديث رقم ١٠٢٧٩. والدارمي نحوه ١/ ١٠٨ حديث رقم ٣٣٤ أخرجه عن ابن عباس. ANWK THE انت ١٠ كتاب العلم ٤٧٣ ٢٦١ - (٦٤) وعن عون، قال: قال عبد الله بن مسعود: منهومان لا يشبعان صاحبُ العلم، وصاحبُ الدنيا، ولا يستويان؛ أما صاحب العلم فيزداد رضىّ للرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. ثم قرأ عبد الله: ﴿كلّ إِنَّ الإِنسانَ ليطغى أنْ رآه استغنى﴾ قال: وقال الآخر: ﴿إِنما يخشى الله من عباده العلماء﴾. رواه الدارمي. ٢٦٢ - (٦٥) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَلقر: ((إِن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرؤون القرآن، يقولون: نأتي الأمراءَ فنصيبُ من دنياهم ونَعزِلهُم بديننا. ولا يكونُ ذلك، كما لا ٢٦١ - (وعن عون) تابعي (قال: قال عبد الله بن مسعود: منهومان) أي حريصان (لا يشبعان) في القاموس النهم محركة إفراط الشهوة في الطعام، وأن لا تمتلىء عين الآكل ولا يشبع نهم كفرح وعنى فهو نهم ونهيم ومنهوم وهو منهوم بكذا مولع به. (صاحب العلم وصاحب الدنيا ولا يستويان) أي في المآل والعاقبة فيما يزيدان (أما صاحب العلم فيزداد رضا للرحمن) ولعل وجه التخصيص بالرحمن أنه مظهر الرحمة حيث رحم على نفسه وغيره بتحصيل العلم وتخليص الجهل (وأما صاحب الدنيا فيتمادى) أي يزداد ويتوسع (في الطغيان) ويبعد عن رحمة الرحمن (ثم قرأ عبد الله) استشهاداً لذم الثاني على طريقة قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ الآية [آل عمران - ١٠٦] (﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه﴾) أي لأجل أن رأى نفسه (﴿استغنى﴾)(١) عن الناس لكثرة ما عنده من المال (قال:) أي عون (وقال:) أي ابن مسعود بعد قراءته ما سبق وهو قوله: ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق - ٦] (الآخر) بالرفع، أي الاستشهاد الآخر، وقيل: بالنصب، أي وذكر الاستشهاد الآخر (﴿إنما يخشى الله من عبادة العلماء﴾))) بنصب الأوّل ورفع الثاني في المتواتر وعكسه في الشواذ وتقدم توجيهه، والحاصل أن الأوّل موجب لزيادة الطغيان المقتضي ترك الطاعة والعبادة، والثاني سبب لزيادة الخشية المورثة للعلم والعمل فشتان ما بينهما. (رواه الدارمي). ٢٦٢ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ ليقول: ((إن أناساً) بضم الهمزة، أي جماعة (من أمتي سيتفقهون) أي سيدّعون الفقه كذا قاله الطيبي أو يطلبون الفقه ويحصلونه (في الدين ويقرؤون القرآن) أي بالقرآآت أو بتفسير الآيات ويأتون الأمراء لا لحاجة ضرورية إليهم بل لإظهار الفضيلة والطمع لما في أيديهم من المال والجاه فإذا قيل لهم: كيف تجمعون بين التفقه والتقرب إليهم؟ (يقولون) وفي نسخة ((ويقولون)) (نأتي الأمراء فنصيب) أي نأخذ (من دنياهم ونعتزلهم) أي نبعد عنهم (بديننا) بأن لا نشاركهم في اثم يرتكبونه، قال عليه الصلاة والسلام: (ولا يكون ذلك) أي لا يصح ولا يستقيم ما ذكر من الجمع بين الضدين ثم مثّل وقال: (كما لا الحديث رقم ٢٦١: أخرجه الدارمي ١٠٨/١ حديث رقم ٣٣٢. (١) سورة العلق آية ٧.٦. stu ٠٣٠ :*** . الحدیث رقم ٢٦٢: أخرجه ابن ماجة ٩٣/١ حدیث رقم ٢٥٥. ٠٠ھے ١٩٥٠ 34 ***= i ١ ٠ صوم i ٤٧٤ كتاب العلم يُجتنى من القتادِ إِلا الشوكُ، كذلك لا يُجتنى من قُربهم إِلا - قال محمد بن الصباح: كأنه يعني - الخطايا)). رواه ابن ماجة. ٢٦٣ - (٦٦) وعن عبد الله بن مسعود، قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم، ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا يُجتنى) أي لا يؤخذ (من القتاد) بفتح القاف شجر كله شوك (إلا الشوك) لأنه لا يثمر إلا الجراحة والألم فالاستثناء منقطع (كذلك لا يجتنى) أي لا يحصل (من قربهم إلا)) وقع كلامه عليه الصلاة والسلام بلا ذكر الاستثناء لكمال ظهوره (قال محمد بن الصباح:) أحد رواة الحديث (كأنه) أي النبي وَّر (يعني) أي يريد النبي وَلّر بالمستثنى المقدر بعد ((إلا)) (الخطايا) وهي مضرة الدارين، ولقد أشار إلى كثير منها بعض من كتب للزهري لما خالط السلاطين بقوله في جملة مواعظ وعظه بها: واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظلمة، وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقاً ولم يترك باطلاً، حين أدناك اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا لك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك. وروي عن محمد بن سلمة أنه قال: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء الظلمة، ورحم الله والدي كان يقول لي: ما أريد أن تصير من العلماء خشية أن تقف على باب الأمراء. (رواه ابن ماجة). ٢٦٣ - (وعن عبد الله بن مسعود قال: لو أن أهل العلم) أي الشرعي (صانوا العلم) أي حفظوه عن المهانة بحفظ أنفسهم عن المذلة وملازمة الظلمة ومصاحبة أهل الدنيا طمعاً لما لهم من جاههم ومالهم وعن الحسد فيما بينهم ووضع المظهر موضع المضمر تفخيماً لشأنه (ووضعوه عند أهله) أي أهل العلم يعني الذين يعرفون قدر العلم من أهل الآخرة ويلازمون العلماء فإن العلم يؤتى ولا يأتي (السادوا به) أي فاقوا بالسيادة وفضيلة السعادة بسبب الصيانة والوضع عند أهل الكرامة دون أهل الإهانة (أهل زمانهم) أي كمالاً وشرفاً فإن من شأن أهل العلم أن تكون الملوك فمن دونهم تحت أقدامهم وأقلامهم وطوع آرائهم وأحكامهم، قال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة - ١١] قال الطيبي: وذلك لأن العلم رفيع القدر يرفع قدر من يصونه عن الابتذال، قال الزهري: العلم ذكر لا يحبه إلا ذكور الرجال، أي الذين يحبون معالي الأمور ويتنزهون عن سفسافها. اهـ. وفي كلام الزهري إيماء بطريق المفهوم والمقابلة إلى أن الدنيا أنثى لا يحبها إلا ناقص العقل والدين فإنهم يحبون المراتب الدنية والله أعلم. (ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا) أي بأن خصوهم به أو ترددوا الحديث رقم ٢٦٣: أخرجه ابن ماجة ١/ ٩٥ حديث رقم ٢٥٧. والبيهقي في شعب الإيمان ٣٠٦/٢ حديث رقم ١٨٨٨. ٠٥٢٠٠٦ ٤٧٥ كتاب العلم لينالوا به من دنياهم؛ فهانوا عليهم. سمعت نبيَّكم بَّه يقول: ((من جعل الهموم هماً واحداً همَّ آخرته، كفاهُ الله همَّ دنياه، ومن تشغَّبتْ به الهمومُ [ في ] أحوالِ الدنيا، لم يبالِ اللَّهُ في أيّ أودِیتها هلك)). رواه ابن ماجة. ٢٦٤ - (٦٧) ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عمر من قوله: ((مَن جعلَ الهموم» إلى آخره. ٢٦٥ - (٦٨) وعن الأعمش، قال: قال رسول الله وَّ: («آفةُ العلم النسيانُ، وإِضاعتُه أَن تُحدِّث به غیرَ أهله)». إليهم به (لينالوا به من دنياهم) لا لأجل الدين بالنصيحة والشفاعة وغيرهما (فهانوا) أي أهل العلم ذلوا قدراً (عليهم) أي مستثقلين على أهل الدنيا، وفي بعض النسخ ((علمهم)) بدل ((عليهم)) وهو تصحيف لأن هان لازم بمعنى ذل ولا يصلح أن يصير متعدياً إلا أن يقال بنزع الخافض، أي في علمهم وبذله إياهم (سمعت نبيكم ◌ِّر) قال الطيبي: هذا الخطاب توبيخ للمخاطبين حيث خالفوا أمر نبيهم فخولف بين العبارتين افتناناً (يقول: ((من جعل الهموم) أي الهموم التي تطرقه من محن الدنيا وكدرها ومر عيشها (هماً واحداً) قال الطيبي: هم بالأمر يهم إذا عزم عليه. اهـ. أي من اقتصر على هم واحد من الهموم وترك سائر المطالب وبقية المقاصد، وجعل كأنه لا هم [إلا هم] واحد (هم آخرته) بدل من هماً وهو هم الدين (كفاه الله هم دنياه) المشتمل على الهموم يعني كفاه هم دنياه أيضاً (ومن تشعبت) وفي نسخة تشعب (به الهموم) أي تفرقت به يعني مرة اشتغل بهذا الهم وأخرى بهم آخر وهلم جرا (أحوال الدنيا) بدل من الهموم (لم يبال الله) أي لا ينظر إليه نظر رحمة (في أي أوديتها) أي أودية الدنيا، أو أودية الهموم (هلك))) يعني لا يكفيه هم دنياه ولا هم أخراه فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (رواه ابن ماجة) عن ابن مسعود الحديث بكماله. ٢٦٤ - (ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر من قوله:) أي مبتدأ من قوله ((من جعل الهموم)) الخ) يعني روى المرفوع لا الموقوف. ٢٦٥ - (وعن الأعمش) هو من أكابر التابعين وأحد الأعلام المشهورين بعلم الحديث والقراءة، اشتراه رجل من بني كاهل فاعتقه فاجتهد في العلم فصار إماماً علماً (قال: قال رسول الله وَلحي: ((آفة العلم النسيان) أي بعد حصوله وإلا فقد قيل: لكل شيء آفة وللعلم آفات، أي قبل التحصيل، قال ابن حجر: فليحذر من أسباب النسيان كالإعراض عن استحضاره والاشتغال بما يشغف القلب من المستحسنات الدنيوية ويذهل العقل من المظاهر الشهوية (وإضاعته) أي جعل العلم ضائعاً (أن تحدث) أي أنت (به غير أهله))) بأن لا يفهمه، أو لا يعمل به من أرباب الحديث رقم ٢٦٤: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر ٢٨٩/٧ حديث رقم ١٠٣٤٠. الحدیث رقم ٢٦٥: أخرجه الدارمى فى السنن ١٥٨/١ حديث رقم ٦٢٤. ٤٧٦ کتاب العلم رواه الدارمي مرسلاً . ٢٦٦ - (٦٩) وعن سفيان، أنَّ عمرَ بن الخطاب، رضي اللهُ عنه، قال لكَغْبٍ: مَنْ أربابُ العِلم؟ قال: الذينَ يَعملونَ بما يعلمون. قال: فما أخرَجَ العلمَ من قُلوب العلماءِ؟ قال: الطمَّعُ. رواه الدارمي. ٢٦٧ - (٧٠) وعن الأخوَص بن حكيم، عن أبيه، قال: سألَ رجلٌ النبيِّ وَّ عن الشرّ. فقال: ((لا تسألوني عن الشرّ، الدنيا (رواه الدارمي مرسلاً) قال السيد: المراد بالإرسال المعنى اللغوي الذي هو الانقطاع لأن الأعمش لم يسمع من أحد من الصحابة، وإن ثبت سماعه من أنس فالمرسل بالمعنى الإصطلاحي. ١٠ ١٣٠ ١٠/١٠ ٢٦٦ - (وعن سفيان) أي الثوري، وهو إمام مجتهد في الفقه، وإليه المنتهى في علم الحديث، واجتمع الناس على دينه وزهده وورعه، وكونه ثقة أخذ عنه الإمام مالك وغيره، ذكره المؤلف في التابعين. (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب) أي كعب الأحبار ويقال له: كعب الحبر، وهو من أكابر التابعين وخصه بذلك السؤال لأنه كان ممن علم التوراة وغيرها وأحاط بالعلم الأوّل ((من أرباب العلم؟) أي من هم أصحابه عندكم، أو في كتابكم؟ قال الطيبي: أي من ملك العلم ورسخ فيه واستحق أن يسمى بهذا الاسم؟ (قال: الذين) أي هم الذين (يعملون بما يعلمون) قال الطيبي: وهم الذين سماهم الله الحكماء في قوله تعالى: ﴿ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ [البقرة - ٢٦] فمن لم يعمل بعلمه فمثله كمثل الحمار (قال:) أي عمر (فما أخرج العلم) ما استفهامية، أي أي شيء أخرج العلم أي نوره وثمرته وتأثيره وبركته (من قلوب العلماء؟) أي العاملين لما تقدم من أن غير العاملين ليسوا علماء (قال الطمع))) لأنه يؤدي إلى الرياء والسمعة، والعلم والعمل بدون الإِخلاص لا يوصلان السالك إلى مقام الاختصاص؛ فمفهومه أن الورع يدخل العلم في قلوب العلماء جعلنا الله منهم، وقال الطيبي: الفاء جزاء شرط محذوف، والتعريف في العلم للعهد الخارجي وهو ما يعلم من قوله: ((من أرباب العلم)) أي إذا كان من أرباب العلم من جمع بين العلم والعمل فلما ترك العالم العمل؟ وما الذي دعاه إلى ترك العمل ليعزل عن هذا الاسم؟ قال: الطمع في الدنيا والرغبة فيها والله أعلم. (رواه الدارمي) أي موقوفاً. ٢٦٧ - (وعن الأحوص بن حكيم عن أبيه) لم يذكرهما المصنف في أسمائه (قال: سأل رجل النبي ◌َّه عن الشر) أي فقط (فقال: ((لا تسألوني) بالتخفيف فإن لا ناهية (عن الشر) فحسب، قال ابن حجر: لأني رؤوف رحيم نبي الرحمة؛ فالمراد النهي عن لازم ذلك من إيهام الحديث رقم ٢٦٦: أخرجه الدارمي في السنن ١٥٢/١ حديث رقم ٥٨٤. الحديث رقم ٢٦٧: أخرجه الدارمى فى السنن ١١٦/١ حديث رقم ٣٧٠. ٠٣٣٥ كتاب العلم ٤٧٧ وسلوني عن الخير)) يقولُها ثلاثاً، ثم قال: ((ألا إِنَّ شرَّ الشرّ شِرارُ العُلماءِ، وإِنَّ خيرَ الخَيرِ خِيارُ العُلماءِ)). رواه الدارمي. ٢٦٨ - (٧١) وعن أبي الدَّرداءِ، قال: إِنَّ من أشَرِ الناسِ عندَ اللَّهِ مَنزِلَةٌ يوم القيامة: عالمٌ لا يَنتفِعُ بعلمِه)). رواه الدارمي. ٢٦٩ - (٧٢) وعن زياد بن حُدير، قال: قال لي عُمَرُ: هل تعرفُ ما يَهدِمُ الإِسلامُ؟ قال: قلتُ: لا! قال: يهدِمُه زَلَّةُ العالِم، وجِدالُ المُنافِقِ بالكتاب. وحُكم الأئمَةِ المُضِلين. غلبة مظاهر الجلال فيه على مظاهر الجمال، وإلا فالسؤال عن الشر ليجتنب واجب كفاية، أو عينا فكيف ينهى عنه؟ (وسلوني عن الخير) إما منفرداً أو منضماً بالسؤال عن الشر (يقولها: ثلاثاً) قال الطيبي: حال من فاعل ((قال)) والضمير المؤنث راجع إلى الجملة أعني لا ((تسألوني)) الخ، وإنما نهى عن مثل هذا السؤال لأنه نبي الرحمة قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء - ١٠٧] قلت: الأقرب أن الضمير راجع إلى الجملة القريبة (ثم قال: ألا) بالتخفيف للتنبيه (إن شر الشر) أي أعظمه (شرار العلماء وإن خير الخير خيار العلماء))) قال الطيبي: إنما كانوا شر الشر وخير الخير لأنهم سبب لصلاح العالم وفساده وإليهم تنتمي أمور الدين والدنيا وبهم الحل والعقد. اهـ، أو لأن عذاب شرارهم في العقبى شر العقاب ومراتب خيارهم في منازل الجنة خير مآب والله أعلم بالصواب (رواه الدارمي). ٢٦٨ - (وعن أبي الدرداء قال: ((إن من أشر الناس) قال الجوهري هو لغة ضعيفة، و (من)) زائدة، وعالم خبران كذا قاله الطيبي. وفي القاموس لغة قليلة أو رديئة. اهـ. والصواب إنها قليلة وأن ((من)) غير زائدة بل هي تبعيضية، والتقدير أن بعض أشرارهم (عند الله منزلة) [تمييز] أي مرتبة (يوم القيامة عالم لا ينتفع) أي هو (بعلمه))) بأن تعلم علماً لا ينفع، أو تعلم علماً شرعياً لكن ما عمل به فإنه من شر من الجاهل، وعذابه أشد من عقابه، كما قيل: ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات، وكما ورد: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه)) (رواه الدارمي) أي موقوفاً. ٢٦٩ - (وعن زياد بن حدير) بضم الحاء وفتح الدال المهملتين بعدها تحتية ساكنة بعدها راء كذا في الأسماء للمصنف، قال في جامع الأصول: تابعي سمع عمر وعلياً (قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإِسلام؟) أي يزيل عزته، والهدم في الأصل إسقاط البناء (قلت: لا) أي لا أعرف (قال: يهدمه زلة العالم) أي عثرته بتقصير منه (وجدال المنافق) الذي يظهر السنة ويبطن البدعة (بالكتاب) وإنما خص لأن الجدال به أقبح إذ يؤدي إلى الكفر (وحكم الأئمة) بالهمزة والياء (المضلين))) قال الطيبي: المراد بهدم الإِسلام تعطيل أركانه الخمسة في قوله عليه الحديث رقم ٢٦٨: أخرجه الدارمي ٩٣/١ حديث رقم ٢٦٢. الحديث رقم ٢٦٩: أخرجه الدارمي في السنن ١/ ٨٢ حديث رقم ٢١٤. ٤٧٨ ٠٫٠٠ كتاب العلم ٠٠٠٠٠٠ رواه الدارمي. ٢٧٠ - (٧٣) وعن الحسن، قال: العلمُ عِلمانِ: فعلمٌ في القلبِ فذاكَ العلمُ النافع، وعلمٌ على اللّسانِ فذاك حُجَّةُ الله عزَّ وجل على ابنِ آدَم. رواه الدارمي. ٢٧١ - (٧٤) وعن أبي هريرة، قال: حفِظتُ من رسول الله وَل الصلاة والسلام: ((بني الإسلام على خمس الحديث))(١)، وتعطيله إنما يحصل من زلة العالم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باتباع الهوى، ومن جدال المبتدعة وغلوّهم في إقامة البدع، بالتمسك بتأويلاتهم الزائغة، ومن ظهور ظلم الأئمة المضلين وحكم المزوّرين، وإنما قدمت زلة العالم لأنها هي السبب في الخصلتين الأخيرتين كما جاء: ((زلة العالِم زلة العالم)). (رواه الدارمي) أي موقوفاً. ٢٧٠ - (وعن الحسن) أي البصري (قال: العلم) أي المعرفة أو العلم الشرعي (علمان) أي نوعان (فعلم) الفاء تفصيلية، أي فنوع منه (في القلب) أي حاصل وداخل فيه لا يطلع عليه غير الله (فذاك العلم النافع) إشارة إلى أنه في كمال العلوّ والرفعة لا يناله كل أحد، وفي نسخة صحيحة ((فذلك)) باللام، ولعل الأولى أولى إيماء إلى أنه ينبغي أن يقرب المرء إلى العلم النافع، كما أنه أورد في القسم الثاني ذلك بلا خلاف إيماء إلى أنه ينبغي أن يبعد عنه، والفاء للسببية، أي فبسبب استقراره في القلب الذي هو محل حب الرب هو العلم النافع في الدارين (وعلم على اللسان) أي ونوع آخر من العلم جارٍ على اللسان ظاهر عليه فقط أو عليه أيضاً، ولكون ما فيه من الخطر لتعلقه بالخلق المقتضي للسمعة والرياء والمداهنة للأمراء قال: (فذلك) أي فبسبب ذلك هو (حجة الله عزَّ وجلّ على ابن آدم))) لقوله تعالى: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ [الصف - ٢] وقد يحمل الأوّل على علم الباطن، والثاني على علم الظاهر، لكن فيه أنه لا يتحقق شيء من علم الباطن إلا بعد التحقق بإصلاح الظاهر كما أن علم الظاهر لا يتم إلا بإصلاح الباطن، ولذا قال الإِمام مالك: من تفقه ولم يتصوّف فقد تفسق، ومن تصوّف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق، وقال أبو طالب المكي: هما علمان أصليان لا يستغني أحدهما عن الآخر بمنزلة الإِسلام والإِيمان مرتبط كل منهما بالآخر كالجسم والقلب لا ينفك أحد عن صاحبه. (رواه الدارمي) أي موقوفاً عليه والمناسب لدأبه أن يقتصر ويقول روى الأحاديث الستة الدارمي. ٢٣/١١/١٠ ٢٧١ - (وعن أبي هريرة قال: ((حفظت من رسول الله) أي من كلامه بَّر، قال الأبهري: في أكثر الروايات ((عن)) وفي رواية الكشميهني ((من)) بدل ((عن)) وهذا صريح في تلقيه من النبي (١) متفق عليه راجع الحديث رقم ٤. الحديث رقم ٢٧٠: أخرجه الدارمي ١١٤/١ حديث رقم ٣٦٤. الحديث رقم ٢٧١: أخرجه البخاري فى صحيحه ٢١٦/١ حديث رقم ١٢٠. ٤٧٩ كتاب العلم وعاءين؛ فأمَّا أحدُهما فبَثْئتُه فيكم، وأمَّا الآخرُ فلو بَثَثْتُه قُطعَ هذا البُلْعوم - يعني مجرى الطعام. رواه البخاري. ٢٧٢ - (٧٥) وعن عبد اللَّهِ بن مسعود، قال: يا أيُّها الناسُ! مَن عَلِمَ شيئاً فليقلْ به، ومَن لم يَعلمْ فليْقُل: اللَّهُ أعلمُ، وَ الر بلا واسطة (وعاءين) أي نوعين كثيرين من العلم ملء ظرفين متساويين (فأما(١) أحدهما) وهو علم الظاهر من الأحكام والأخلاق (فبثثته) أي أظهرته بالنقل (فيكم وأما الآخر) وهو علم الباطن (فلو بثثته) أي نشرته وذكرته لكم بالتفصيل (قطع هذا البلعوم) بضم الباء، أي الحلقوم لأن أسرار حقيقة التوحيد مما يعسر التعبير عنه على وجه المراد، ولذا كل من نطق به وقع في توهيم الحلول والاتحاد، إذ فهم العوام قاصر عن إدراك المرام. ومن كلام الصوفية صدور الأحرار قبور الأسرار، وقوله: ((قُطع)) يحتمل الإخبار مما يتوقع. ويحتمل الدعاء مبالغة في أسرار الأسرار كما هو دأب الخلص من الأبرار، وقيل: إنه علم يتعلق بالمنافقين بأعيانهم، أو بولاة الجور من بني أمية، أو بفتن أخرى في زمنه، وقال الأبهري: حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها يتبين أسامي أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وكان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفاً على نفسه منهم كقوله: [رضي الله عنه] أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. (يعني مجرى الطعام))) تفسير من بعض رواة الحديث (رواه البخاري) لكن قال العسقلاني: زاد في رواية المستملي قال أبو عبد الله: البلعوم مجرى الطعام وعلى هذا لا يخفى ما في المشكاة إذ يفهم منه أن تلك العبارة من أبي هريرة أو أحد رواته ولا يفهم منه إنها للبخاري والله أعلم. ٢٧٢ - (وعن عبد الله) إذا أطلق فهو ابن مسعود (قال: ((يا أيها الناس) يشمل العلماء وغيرهم (من علم شيئاً) من علوم الدين فسأله عنه من هو متأهل لفهم جوابه (فليقل به) أي بذلك الشيء المعلوم لوخيم عذاب ستره ولعظيم ثواب نشره (ومن لم يعلم فليقل:) أي في الجواب (الله أعلم) كما قالت الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة - ٣٢] ولا يستحي في نفي العلم عن نفسه؛ فإن جهل الإنسان أكثر من علمه، قال تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء - ٨٥] فمعناه الله أكثر علماً، وقال ابن حجر: أعلم بمعنى عالم لاستحالة المشاركة، قلت: المشاركة الاستقلالية هي المستحيلة، وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أن علياً كرم الله وجهه سئل عن شيء وهو على المنبر فقال: لا أدري، فقيل: كيف تقول لا أدري وأنت طلعت فوق المنبر؟ فقال رضي الله عنه: إنما طلعت بقدر علمي ولو طلعت بمقدار (١) في المخطوطة ((فما)). الحديث رقم ٢٧٢: أخرجه البخاري من حديث طويل ٨/ ٥٤٧ حديث رقم ٤٨٠٩. وكذلك مسلم ٤/ ٢١٥٥ حديث رقم (٢٧٩٨.٣٩). وأخرجه الدارمي بلفظ المشكاة ٧٣/١ حديث رقم ١٧٣. ٤٨٠ كتاب العلم فإِنَّ من العلم أن تقولَ لما لا تَعلم: اللَّهُ أعلم. قال اللَّهُ تعالى لنبيه: ﴿قُلْ ما أسألُكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلّفين ) متفق عليه. ٢٧٣ - (٧٦) وعن ابن سيرين، قال: إِنَّ هذا العلمَ دِينٌ؛ فانظروا عمَّن تأخذون دینکم. رواه مسلم. ٢٧٤ - (٧٧) وعن حُذيفةَ، قال: يا معشَر القُرّاء! جهلي لبلغت السماء. (فإن من العلم) أي من آدابه الواجب رعايتها وجوباً عينياً متأكداً على كل من نسب للعلم أو التقدير فإن من جملة العلم وهو خبران واسمه (أن تقول لما لا تعلم:) بالخطاب فيهما، وقيل: بالغيبة، أي لأجله أو عنه (الله أعلم) أي ونحوه، قال الأبهري: فإن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم وهو المناسب لما قيل: لا أدري نصف العلم. اهـ. ويقال لمن ليس له هذا التمييز: جهله مركب، ومن ثم اشتد خوف السلف من الإفتاء فكثر امتناعهم منه، حتى أن مالكاً سئل عن أربعين مسئلة فأجاب عن أربعة وقال في ست وثلاثين: لا أدري، ثم استدل لما ذكره من امتناع التكلف والتصنع في الجواب المؤدي إلى الإفتاء بالباطل بقوله: (قال الله تعالى لنبيه:) وهو أعلم الخلق (﴿قل ما أسألكم عليه﴾) أي على التبليغ (﴿من أجر﴾) أي آخذه منكم ((وما أنا من المتكلفين))))(١) أي من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله كذا قاله ميرك شاه، ومن ثم لما سئل الصديق عن الأب في ﴿فاكهة﴾ [عبس: ٣١] ﴿وأبا﴾ قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به (٢) (متفق عليه). ٢٧٣ - (وعن ابن سيرين) وهو محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك، وهو من مشاهير التابعين وهو غير منصرف للعلمية والمزيدتين على مذهب أبي علي في اعتبار مجرد الزائدتين (قال: ((إن هذا العلم دين) اللام للعهد، وهو ما جاء به النبي وّر لتعليم الخلق من الكتاب والسنة وهما أصول الدين (فانظروا عمن تأخذون دينكم))) المراد الأخذ من العدول والثقات و((عن)) متعلق (بتأخذون)) على تضمين معنى تروون(٣)، ودخول الجار على الاستفهام هنا کدخوله في قوله تعالى: ﴿على من تنزل الشياطين﴾ [الشعراء - ٢٢١] وتقديره أعمن تأخذون، وضمن أنظر معنى العلم والجملة الاستفهامية سدت مسد المفعولين تعليقاً كذا حققه الطيبي. (رواه مسلم). ٢٧٤ - (وعن حذيفة قال: ((يا معشر القراء) أي الذين يحفظون القرآن قاله الطيبي، وقال (١) سورة ص آية ٨٦. (٢) ذكره ابن کثیر ٤/ ٤٧٣. الحديث رقم ٢٧٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤/١ في المقدمة. وأخرجه الدارمي في السنن ١/ ١٢٤ حديث رقم ٤١٩. (٣) في المخطوطة ((تردون)). ١٣٢/١ الحديث رقم ٢٧٤: أخرجه البخاري ١٣/ ٢٥٠ حديث رقم ٧٢٨٢.