Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ کتاب العلم وإِذا أتى على قومٍ فسلّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثاً. رواه البخاري. ٢٠٩ - (١٢) وعن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجلٌ إِلى النبيّ ◌َّ فقال: إِنه أَبْدِعَ بي فاحملني. فقال: ((ما عندي)). فقال رجلٌ: يا رسول الله! أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله وَلَهُ: ((من دلَّ على خيرِ فله مثلُ أجر فاعله)). رواه مسلم. أن تكون(١) [في] مجلس أو مجالس والاقتصار على الثلاث والله أعلم بمقتضى مراتب فهوم الناس من الأدنى والأوسط والأعلى، ولذا قيل: من لم يفهم في ثلاث مرات(٢) لم يفهم أبداً (وإذا أتى) أي مر (على قوم) أو أشرف عليهم (فسلم عليهم) أي فأراد السلام عليهم (سلم عليهم ثلاثاً)) قال ابن القيم: لعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد. اهـ. وذلك بأن يسلم على المواجهين ثم يمنة ثم يسرة، وقيل: هذا عند الاستئذان، أي إذا لم يؤذن بمرة أو مرتين سلم عليهم ثلاثاً ثم ينصرف كما جاء في حديث الاستئذان(٣)، وقيل: سلم للاستئذان وللتحية عند الدخول وللوداع عند الخروج. وهذه التسليمات [الثلاث] سنة لكل أحد أتى شخصاً أو قوماً، وكان عليه الصلاة والسلام يواظب عليها كما أفادته كان المقتضية لتكرير الفعل وضعاً عند جماعة وعرفاً عند آخرين وهو الأصح كما قاله ابن حجر. (رواه البخاري). ٢٠٩ - (وعن أبي مسعود الأنصاري) هو أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، شهد العقبة الثانية ولم يشهد بدراً عند جمهور أهل العلم بالسير، وقيل: إنه شهدها والأوّل أصح، وإنما نسب إلى ماء بدر لأنه نزله فنسب إليه، وسكن الكوفة ومات في خلافة علي. روى عنه ابنه بشير وخلق سواه. (قال: ((جاء رجل إلى النبي ◌َّله فقال: إنه) الضمير للشأن (أبدع بي) على بناء المفعول، يقال: أبدعت الراحلة إذا انقطعت عن السير لكلال جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه إبداعاً عنها، أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها. ومعنى أبدع بالرجل انقطع به راحلته كذا حققه الطيبي، أي انقطع راحلتي بي، ولما حوّل للمفعول صار الظرف نائبه كسير بعمرو (فاحملني) بهمزة الوصل، أي ركبني واجعلني محمولاً على دابة غيرها (فقال) وَلجر: (ما عندي) أي لا أجد ما أحملكم عليه (فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله) أي من أغنياء المسلمين كعثمان أو ابن عوف (فقال رسول الله وَلقول: من دل) أي بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة (على خير) أي علم أو عمل مما فيه أجر وثواب (فله) فللدال (مثل أجر فاعله))) أي من غير أن ينقص من أجره شيء (رواه مسلم) وروى البزار عن (١) في المخطوطة يكون. (٢) في المخطوطة مراتب. (٣) ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري ٣/ ١٦٩٤ ... الحديث رقم ٢٠٩: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠٦/٣ حديث رقم (١٨٩٣.١٣٣). وأخرجه أبو داود في سننه ٣٤٦/٥ حديث رقم ٥١٢٩. وأخرجه الترمذي في السنن ٤٠/٥ حديث رقم ٢٦٧١. وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٢٠. ٤٢٢ ** * /* ** كتاب العلم ٢١٠ - (١٣) وعن جرير، قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله وَلَرَ، فجاءه قومٌ عراة مجتابي النمارِ أو العباءِ، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعَّر وجه رسول الله وَ﴿ لِما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن، وأقامَ فصّلی ابن مسعود(١) والطبراني عن سهل بن سعد وعن أبي مسعود بلفظ: ((الدال على الخير كفاعله))(٢)، ورواه أحمد وعبد الرزاق في الجامع والضياء عن بريدة (٣) وابن أبي الدنيا عن أنس بلفظ: ((الدال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان)) كذا في الجامع الصغير(٤). ٢١٠ - (وعن جرير) هو جرير بن عبد الله أبو عمرو، وأسلم في السنة التي توفي فيها رسول الله وَالله. قال جرير: أسلمت قبل موت النبي وَلول بأربعين يوماً، ونزل الكوفة وسكنها زماناً، ثم انتقل إلى قرقيسيا(٥)، ومات بها سنة إحدى وخمسين، روى عنه خلق كثير. (قال: (كنا في صدر النهار) أي أوله (عند رسول الله وَلتر فجاءه قوم عراة) أي يغلب عليهم العري حال كونهم (مجتابي) هو بالجيم وبعد الألف باء، أي لابسي (النمار) بكسر النون وهي أكسية من صوف مخططة واحدتها نمرة بفتح النون كذا قاله الطيبي. (أو العباء) والظاهر أنه شك من الراوي، أو للتنويع؛ ففي القاموس إنه كساء معروف، والنمرة شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب، فعلى الأول حال متداخلة أو مترادفة، والمراد أنهم متقلدون للسيوف من جوانبهم (ومتقلدي السيوف) كذا في نسخة السيد جمال الدين بالواو وعليه صح بالحمرة، لكن في بعض النسخ هذه الواو غير موجودة، ويدل عليه اختلاف الرواة في حديث واحد (عامتهم) أي أكثرهم (من مضر) كعمر قبيلة عظيمة (بل كلهم من مضر) أي مبالغة (فتمعر) بالتشديد أي فتغير (وجه رسول الله بَلي﴿) وظهر عليه آثار الحزن (لما رأى بهم من الفاقة) أي الفقر الشديد ومن بيان لما يعني لما لم يكن عنده من المال ما يجبر كسرهم ويغني فقرهم ويكسيهم ويعطيهم ما يغنيهم، وهذا من كمال رأفته ورحمته خصوصاً في حق أمته (فدخل) أي في بيته لعله يلقى شيئاً من زيادة النفقة أو لتجديد الطهارة والتهيئة للموعظة (ثم خرج فأمر بلالاً) أي بالأذان (فأذن وأقام فصلى) أي إحدى الصلوات المكتوبة بدليل الأذان (١) البزار ذكر السيوطي في الجامع الصغير ٢٥٨/٢. (٢) وأخرجه أحمد في المسند ٢٧٤/٥. (٣) أحمد في المسند ٥/ ٣٥٧. (٤) الجامع الصغير ٢٥٨/٢ حديث رقم ٤٢٤٧. الحديث رقم ٢١٠: أخرجه مسلم في الصحيح ٢/ ٧٠٤ حديث رقم (١٠١٧.٦٩). وأخرجه النسائي في السنن ٧٥/٥ حديث رقم ٢٥٥٤ وأخرج نحوه الترمذي في السنن ٤٢/٥ حديث رقم ٢٦٧٥ وأحمد في المسند ٣٥٩/٤. (٥) في المخطوطة ((قرقسيا)). وفي المعالم الأثيرة ((قرقيسة)). وهي مدينة في سوريا (محافظة الجزيرة) عند ملتقى الخابور بالفرات. ٤٢٣ كتاب العلم ثم خطبَ فقال: ((﴿يا أيها الناس اتقوا ربَّكم الذي خلقكم من نفس واحدةٍ﴾ إِلى آخر الآية ﴿إِن الله كان عليكم رقيباً﴾، والآية التي في الحشر ﴿اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدَّمتْ لغدٍ﴾ تصدقَ رجلٌ والإقامة والأظهر أنها الظهر أو الجمعة لقوله: ((في صدر النهار)) (ثم خطب) أي وعظ وهو يحتمل أن يكون قائماً أو قاعداً فوق المنبر أو دونه (فقال: ﴿يا أيها الناس﴾) أي المؤمنون فما قال بعض السلف من أن كل ما في القرآن من قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ خطاب للكفار غالبي ((اتقوا ربكم﴾) أي عذابه أو مخالفته (﴿الذي خلقكم﴾) أي بالواسطة (﴿من نفس واحدة﴾) وهي آدم (إلى آخر الآية) وتمامها ﴿وخلق منها﴾ أي من ضلعها ﴿زوجها﴾ أي حوّاء، والواو لمطلق الجمع أو للحال وقد تقدر أو لا تقدر. ﴿وبث منهما﴾ أي فرق من أولادهما بوسط أو غير وسط. رُوي أن بني آدم لصلبه أربعون في عشرين بطناً، وعن ابن عباس قال: ولد لآدم أربعون ولداً عشرون غلاماً وعشرون جاريه ﴿رجالاً كثيراً ونساء﴾ أي كثيرة، فاكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذا الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وتذكير الكثير حمل على الجمع دون الجماعة، ولأن الفعيل يستوي فيه التذكير والتأنيث. ﴿واتقوا الله الذي تساءلون﴾ [النساء - ١] بالتشديد والتخفيف به، أي بالله والأرحام بالنصب عند الجمهور عطفاً على الجلالة، أي اتقوا قطعها، وبالجر عطفاً على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وهو جائز فصيح وأخطأ من ضعفه، وكان العرب يقول بعضهم لبعض: أسألك بالله وبالرحم كذا. (﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾) أي مطلعاً على أقوالكم وأفعالكم وأحوالكم فراقبوا الله تعالى فيها (والآية) قال الطيبي: بالنصب عطفاً من حيث المعنى على قوله: ﴿يا أيها الناس اتقوا﴾ على تأويل قال: يقرأ، أي قرأ هذه الآية والآية (التي في الحشر). اهـ. وأوّلها ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [الحشر - ١٨] وبعده (﴿اتقوا الله ولتنظر نفس﴾) ما وهي نكرة تفيد العموم، أي كل نفس كقوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ [التكوير - ١٤] (﴿ما قدمت)) وأخرت، أي لتتفكر وتتأمل النفوس ما قدمت، أي أي شيء من العبادات والخيرات أرسلته إلى الآخرة (﴿لغد﴾) أي لنفع الغد من الزمان وهو يوم القيامة وتمامها: ﴿واتقوا الله﴾ وهو تكرير للتأكيد، أو الأول معناه اتقوا مخالفته والثاني اتقوا عقوبته، أو بالعكس وهو الأظهر لقوله: ﴿إن الله خبير بما تعملون﴾ [المائدة - ٨] أي عالم بأعمالكم فيخبركم بها ويجازيكم عليها؛ وهو مشتمل على الوعد والوعيد، وفيه جواز تقطيع الآية والحديث بأن يؤتى ببعض كل منهما على حسب الحاجة والله أعلم. (تصدق رجل) بفتح القاف وتسكن، قال الطيبي: لعل الظاهر ليتصدق رجل ولام الأمر للغائب محذوف، وجوّزه ابن الأنباري، ونقل عن بعض أهل اللغة أن (نبك)) في قفا نبك مجزوم على تأويل الأمر، أي فلنبك واحتج بقوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا) [الحجر - ٣] أي فليأكلوا وقوله تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾ [الجاثية - ١٤] أي فليغفروا. ولو حمل تصدق على الفعل الماضي لم يساعده قوله: ((ولو بشق تمرة)) إذ المعنى ليتصدق رجل ولو بشق تمرة، وكذا قوله: ((فجاء رجل)) الخ لأنه بيان لامتثال أمره عليه الصلاة ٥هموت ٦/٠٠٠٦ ٤٢٤ كتاب العلم من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاعٍ برّه، من صاعٍ تمرهِ، حتى قال: ولو بشق تمرة)). قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناسُ حتى رأيت كومين من طعام وثياب. حتى رأيت وجه رسول الله وَله يتهلَّلُ كأنه مَذْهبَةٌ والسلام عقيب الحث على الصدقة ولمن يجريه على الأخبار وجه لكن فيه تعسف غير خاف. ا هـ. قال الأبهري: ويأبى عن الحمل على حذف اللام عدم حرف المضارعة. اهـ. فيتعين حمله على أنه خبر لفظاً وأمر معنى، وإتيان الإخبار بمعنى الإنشاء كثير في الكلام فليس فيه تكلف فضلاً عن تعسف ومنه قوله تعالى: ﴿تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله﴾ [الصف - ١١] قيل: إنهما بمعنى آمنوا وجاهدوا ومنه ما تقدم في الحديث: ((تعبد الله)) بمعنى اعبد الله، أنه أبلغ فكأنه أمره وامتثل به فاخبر عنه به والله أعلم، لا يقال هذا الإخبار مضارع والكلام في الماضي، لأن الخبر من حيث إنه خبر لا تفاوت فيه ماضياً أو مضارعاً مع أن الأبلغية المذكورة أظهر في الماضي لدلالته على تحقق وقوعه، لأن الحديث الآتي: «فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) حمل بعضهم أخذ الثاني على معنى الأمر. (من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره) بضم الموحدة، أي من قمحه وحنطته، وفي معناه من شعيره (من صاع تمره) وإعادة العامل تفيد الاستقلال وتدفع أن يكون الصاع منهما. قال الطيبي: ((رجل)) نكرة وضعت موضع الجمع المعروف لإفادة الاستغراق في الإفراد وإن لم تكن في سياق النفي كشجرة في قوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ [لقمان - ٢٧] فإن ((شجرة)) وقعت موقع الأشجار، ومن ثم كرر في الحديث مراراً بلا عطف، أي ليتصدق رجل من ديناره ورجل من درهمه وهلم جرا. و((من)) في ((من دينار))، إما (١) تبعيضية، أي ليتصدق مما (٢) عنده من هذا الجنس، وإما ابتدائية متعلقة بالفعل؛ فالإضافة بمعنى اللام، أي ليتصدق بما هو مختص به وهو مفتقر إليه على نحو قوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر - ٩] (حتى قال:) أي النبي ◌َّله ليتصدق كل رجل منكم (ولو بشق تمرة قال:) أي الراوي (فجاء رجل من الأنصار بصرة) بالضم، أي ربطة من الدراهم أو الدنانير (كادت كفه) أي قاربت (تعجز) (٣) (بكسر الجيم] وتفتح (عنها) أي عن حمل الصرة لثقلها لكثرة ما فيها (بل قد عجزت) بفتح الجيم وتكسر (ثم تتابع الناس) أي توالوا في إعطاء الخيرات وإتيان المبرات (حتى رأيت كومين) الكومة بالفتح الصبرة (من طعام) الظاهر أنه هنا حبوب، ولعل الاقتصار عليه من غير ذكر النقود لغلبته (وثياب حتى رأيت) بدل من حتى الأولى، أو غاية لها، أي حتى أبصرت (وجه رسول الله وَّفي يتهلل) أي يستنير ويظهر عليه أمارات السرور (كأنه مذهبة) بضم الميم وسكون المعجمة وفتح الهاء بعده موحدة، وهي ما موّه بالذهب. وفي نسخة بالمهملة وضم الهاء والنون وهو (٤) ما يجعل فيه الدهن، قال النووي: هو بالذال المعجمة وفتح الهاء والباء الموحدة، وقال القاضي عياض وغيره: صحفه بعضهم فقال: مدهنة بدال مهملة وضم ٠١٠۶ (١) في المخطوطة ((لما)). (٣) في المخطوطة ((يعجز)). (٢) في المخطوطة ((ما)). (٤) في المخطوطة ((وهي)). ٤٢٥ کتاب العلم فقال رسول الله وَلّ: ((من سنَّ في الإسلام سنةً حسنة فله أجرُها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقُصَ من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإِسلام سنَّةً سيئةً كان عليه وزرُها من عمل بها من بعدِه من غير أن ينقُصَ من أوزارهم شيء)). رواه مسلم. ٢١١ - (١٤) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا تُقتل نفس ظلماً إِلا كان على ابن آدم الأول الهاء وبالنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأوّل والمراد به على الوجهين الصفاء والاستنارة كذا ذكره السيد جمال الدين. (فقال رسول الله ويلي: من سن في الإسلام سنة حسنة) أي أتى بطريقة مرضية يقتدى به فيها (فله أجرها) أي أجر تلك السنة، أي ثواب العمل بها. وفي نسخة ((أجره)) أي أجر من سن يعني أجر عمله. قال التوربشتي: في عامة نسخ المصابيح ((فله أجرها)) وهو غير سديد رواية ومعنى إنما الصواب أجره والضمير لصاحب الطريقة، أي له أجر عمله وأجر من عمل بسنته. وظن بعض الناس أن الضمير راجع إلى السنة وقد وهم فيه بعض الناس المتأخرين من رواة الكتابين وليس ذلك من رواية الشيخين في شيء، قال المؤلف: هذا الحديث لم يورده البخاري إنما هو من أفراد مسلم، ووجد في نسخ متعددة من مسلم (أجرها)) وعلى هذا شرح الإمام النووي، والإضافة لأدنى ملابسة؛ فإن السنة سبب ثبوت الأجر فجازت الإضافة كذا ذكره الطيبي. قلت: ويؤيد ما ذكره المؤلف اتفاق النسخ على وزرها والله أعلم. (وأجر من عمل بها) أي بتلك الحسنة (من بعده) ((من)) بيان من، وفي المصابيح: ((وأجر من عمل بعده))، قال ابن الملك: أي بعد ممات من سنها قيد به لما يتوهم أن ذلك الأجر يكتب له ما دام حياً. اهـ. قلت: وفيه أنه يتوهم [حينئذ] أن الأجر لا يكتب له وهو حي فالأحسن أن يقال: من بعد ما سنه (من غير أن ينقص) على البناء للمفعول، وجوّز أن يكون معلوماً لأنه متعد ولازم (من أجورهم شيء) أي من النقص. (ومن سن في الإسلام سنة سيئة) أي بدعة مذمومة عمل بها (كان عليه وزرها) أي إثمها (ووزر من عمل بها من بعده) أي من جهة تبعيته (من غير أن ينقص) تقدم (من أوزارهم شيء))) جمع في الموضعين باعتبار معنى من كما أفرد في ينقص باعتبار لفظه (رواه مسلم). ٢١١ - (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقتل نفس ظلماً) نصب على التمييز (إلا كان على ابن آدم الأول) صفة لابن وهو قابيل قتل [أخاه] هابيل حين تزوّج كل باخته التي مع الآخر في بطن واحد؛ لأن شريعة آدم أن بطون حوّاء كانت بمنزلة الأقارب الحديث رقم ٢١١: أخرجه البخاري ٣٦٤/٦ حديث رقم ٣٣٣٥. وأخرجه مسلم في صحيحه ١٣٠٣/٣ حديث رقم (٢٧ .١٦٧٧). وأخرجه الترمذي في السنن ٤١/٥ حديث رقم ٢٦٧٣. وأخرجه ابن ماجة في السنن ٨٧٣/٢ حديث رقم ٢٦١٦. وأحمدفى المسند ٣٨٣/١. 4 พื่อเท่ ٤٢٦ کتاب العلم كفلٌ من دمها؛ لأنه أولُ من سن القتل)). متفق عليه. وسنذكر حديث معاوية: ((لا يزال من أمتي)) في باب ثواب هذه الأمة إن شاء الله تعالى. الفصل الثاني ٢١٢ - (١٥) عن كثير بن قيس، قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء! إِني جئتُك من مدينة الرسول وَله لحديث بلغني أنك حدثته عن رسول الله وَلـ الأباعد. وحكمته تعذر التزوّج فاقتضت مصلحة بقاء النسل تجويز ذلك، فحينئذ قتل أخاه لأن زوجته كانت أجمل، وبسط هذه القصة في التفسير. قال التوربشتي: إنما قيد بالأول لئلا يشتبه إذ في بني آدم كثرة، وهذا يدل على أن قابيل كان أوّل مولود من بني آدم كذا ذكره الطيبي، وتبعه ابن حجر وفيه نظر ظاهر لأن المفسرين ذكروا أن قضيتهما كانت بعد بطون متعددة والله أعلم. فالأظهر أن اللام للعهد، أي الأوّل من القتلة (كفل) أي نصيب (من دمها) أي دم النفس (لأنه أوّل من سن القتل))) وهذا يؤيد ما قلنا (متفق عليه وسنذكر حديث معاوية: ((لا يزال من أمتي)) في باب ثواب هذه الأمة إن شاء الله تعالى) وتقدم وجهه. (الفصل الثاني) ٢١٢ - (عن كثير بن قيس) ذكره المصنف في التابعين (قال: ((كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم ويكسر، أي الشام (فجاءه) أي أبا الدرداء (رجل) أي من طلبة العلم (فقال: يا أبا الدرداء) تقرأ الهمزة بعد حرف النداء ولا تكتب رسماً (إني جئتك من مدينة الرسول وَل98) قال ابن حجر: كره الشافعي أن يقال ذلك لأنه لفظ مشترك بين رسول الله ورسول غيره ولا يرد عليه: ﴿يا أيها الرسول﴾ الآية [المائدة - ٤١] لأن خطاب الله لنبيه تشريف له بأي لفظ كان وله تعالى أن يخاطب عبيده بما شاء، ومن ثم أخذ من قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بینکم کدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور - ٦٣] أنه يحرم نداؤه باسمه كيا محمد أو بكنيته كيا أبا القاسم، قال: وإنما ينادي بنحو يا رسول الله يا نبي الله. اهـ. وفيه أن القرينة المانعة من إرادة الإشراك قائمة فإنه لا يفهم بل لا يتوهم من مدينة الرسول غير رسول اللهِ وَيَّ لا سيما إذا انضم إليه وَّر ونحوه. (الحديث) أي لأجل تحصيل حديث (بلغني أنك تحدثه) أي ذلك الحديث (عن رسول الله ( 18) وهو يحتمل أن يكون سمعه إجمالاً ويحتمل أن يكون سمع الحديث لكن أراد أن يسمعه بلا واسطة لإفادة العلم وزيادة يقينه، أو لعلو الإسناد الحديث رقم ٢١٢: أخرجه أحمد في المسند ١٩٦/٥ وأخرجه الترمذي ٤٧/٥ حديث ٢٦٨٢. وسماه قيس بن كثير وأخرجه أبو داود ٤/ ٥٧ حديث رقم ٣٦٤١. وأخرجه ابن ماجة في مقدمته لسننه ١/ ٨١ حديث رقم ٢٢٣. وأخرجه الدارمي ١١٠/١ حديث رقم ٣٤٢. 2657 ٤٢٧ كتاب العلم ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتَضعُ أجنحتَها رضىّ لطالبِ العلم، فإنه من الدين (ما جئت) إلى الشام (لحاجة) أخرى غير أن أسمعك الحديث ثم تحديث أبي الدرداء بما حدثه يحتمل أن يكون مطلوب الرجل بعينه، أو يكون بياناً أن سعيه مشكور عند الله ولم يذكر هنا ما هو مطلوبه والأول أغرب والثاني أقرب. (قال) أي أبو الدرداء (فإني) أي إذا كان الأمر كذلك فاعلم إني (سمعت رسول الله وَلا ي يقول: ((من سلك) أي دخل أو مشى (طريقاً) أي قريباً أو بعيداً (يطلب(١) فيه) أي في ذلك الطريق أو في [ذلك المسلك أو في] سلوكه (علماً) قال الطيبي: وإنما أطلق الطريق والعلم ليشملا في جنسهما، أي طريق كان من مفارقة الأوطان والضرب في البلدان إلى غير ذلك كما سبق، وأي علم كان من علوم الدين قليلاً أو كثيراً رفيعاً أو غير رفيع. وفي شرح السنة عن الثوري: ما أعلم اليوم شيئاً أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية، قال: طلبهم له نية (٢)، أي سببها، ولذا قال بعضهم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، وعن الشافعي رحمه الله: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. اهـ. لأنه إما فرض عين أو فرض كفاية وهما أفضل من النافلة وقال الإمام مالك: العلم الحكمة وهو نور يهدي الله به من يشاء وليس بكثرة المسائل. اهـ. ولعله يشير إلى معنى الآية: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾ [البقرة - ٢٩٩] (سلك الله به) الضمير المجرور عائد إلى من والباء للتعدية، أي جعله سالكاً ووفقه أن يسلك طريق الجنة، وقيل عائد إلى العلم والباء للسببية وسلك بمعنى سهل والعائد إلى من محذوف، والمعنى سهل الله له بسبب العلم (طريقاً من طرق الجنة) فعلى الأوّل سلك من السلوك، وعلى الثاني من السلك والمفعول محذوف كقوله تعالى: ﴿يسلكه عذاباً صعداً﴾ [الجن - ١٧] قـ [يل: عذاباً] مفعول ثان، وعلى التقديرين نسبة سلك إلى الله تعالى على طريق المشاكلة كذا قاله الطيبي، وقال ابن الملك فيه إشارة إلى أن طرق الجنة كثيرة وكل عمل صالح طريق من طرقها وطرق العلم أقرب الطرق إليها وأعظم. اهـ. قلت: والأظهر أن كل علم طريق إلى الجنة كما يستفاد من تنكيرها، وفيه إيماء إلى أن طرق الجنة محصورة في طرق العلم؛ فإن العمل الصالح لا يتصوّر بدون العلم والله أعلم، فقول الصوفية الطرق إلى الله بعدد أنفاس المخلوقات مبني على المعرفة وهي نوع من أنواع العلم، ولأن طريق غير العلم هو طريق الجهل، وما اتخذ الله ولياً جاهلاً ولو اتخذه لعلمه . (وإن الملائكة) اللام للجنس أو للعهد، أي ملائكة الرحمة. قال ابن حجر: ويحتمل أن الملائكة كلهم وهو أنسب بالمعنى المجازي في قوله: (لتضع أجنحتها رضا) حال أو مفعول له على معنى إرادة رضا ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل (لطالب العلم) اللام متعلق برضا، وقيل: التقدير لأجل الرضا الواصل منها إليه، أو لأجل إرضائها لطالب العلم بما يصنع من (١) في المخطوطة طلب. (٢) وأخرجه الدارمي ١١٣/١ حديث رقم ٣٥٨. ٤٢٨ كتاب العلم وإِن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتانُ في جوف الماء، حيازة الوراثة العظمى وسلوك السنن الأسني. قال زين العرب: وغيره، قيل: معناه أنها تتواضع لطالبه توقيراً لعلمه كقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [الإسراء - ٢٤] أي تواضع لهما أو المراد الكف عن الطيران والنزول للذكر كقوله في الحديث السابق: ((وحفت بهم الملائكة))، أو معناه المعونة وتيسير المؤنة بالسعي في طلبه، أو المراد تليين الجانب والانقياد والفيء عليه بالرحمة والانعطاف، أو المراد حقيقته وإن لم تشاهد وهي فرش الجناح وبسطها لطالب العلم لتحمله عليها وتبلغه مقعده من البلاد نقله السيد جمال الدين. ونقل ابن القيم عن أحمد بن شعيب قال: كنا عند بعض المحدثين بالبصرة فحدثنا بهذا الحديث وفي المجلس شخص من المعتزلة فجعل يستهزىء بالحديث، فقال: والله لأطرقن غداً نعلي وأطأ بها أجنحة الملائكة، ففعل ومشى في النعلين فجفت رجلاه ووقعت فيهما الآكلة، وقال الطبراني: سمعت ابن يحيى الساجي يقول: كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فأسرعنا المشي وكان معنا رجل ماجن متهم في دينه فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها كالمستهزىء بالحديث، فما زال عن موضعه حتى حفت رجلاه وسقط إلى الأرض. اهـ. والحفاء رقة القدم على ما في القاموس، وفي رواية في السنن والمسانيد عن صفوان بن عسال قال: قلت: يا رسول الله جئت أطلب العلم، قال: ((مرحباً بطالب العلم إن طالب العلم لتحف به الملائكة وتظله بأجنحتها فيركب بعضها على بعض حتى تبلغ السماء الدنيا من حبهم لما يطلب)) نقله الشيخ ابن القيم، وقال الحاكم: إسناده صحيح. (وإن العالم ليستغفر له) قال الطيبي هو مجاز من إرادة استقامة حال المستغفر له. اهـ. والحقيقة أولى (من في السموات) لأنهم عرفوا بتعريف العلماء وعظموا بقولهم (ومن في الأرض) قيل: فيه تغليب والمراد ما في الأرض لأن بقاءهم وصلاحهم مربوط برأي العلماء وفتواهم، ولذلك قيل: ما من شيء من الموجودات حيها وميتها إلا وله مصلحة متعلقة بالعلم (والحيتان) جمع الحوت (في جوف الماء) خص لدفع إيهام أن من في الأرض لا يشمل من في البحر، أو تعميم بعد تعميم بأن يراد بالحيتان جميع دواب الماء وهي أكثر من عوالم البر لما جاء: إن عوالم البر أربعمائة عالم وعوالم البحر ستمائة عالم، قال ابن الملك: وخص بالذكر بعد دخولها في الجملة المذكورة إذ هي في الماء. اهـ. وبين كلامية، تناقض؛ نعم يصلح أن يكون سؤالاً وجواباً ثم قال: وإن سلم أن قوله: ((من في الأرض)) يشملها فذكرها للإيماء إلى أن العلم ماء، ولذلك استغفر للعالم لأن السبب لبقائه مختص به، قال الله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ [الرعد - ١٧] قال ابن عباس: الماء العلم والأودية القلوب. اهـ. كلامه وفيه ما فيه وقال الطيبي: تخصيص الحيتان للدلالة على أن إنزال المطر ببركتهم حتى أن الحيتان تعيش بسببهم. اهـ. وفي الحديث: ((بهم تمطرون وبهم ترزقون))(١). ٠ ١٩٩٠٠٫٫٠ / ١١/١/" ١١٩٠٥ (١) من حديث أخرجه الطبراني في الكبير والجامع الصغير ١٨٢/١. ١٠ ٤٢٩ كتاب العلم وإِن فضلَ العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإِن العلماء ورثةُ الأنبياء، وإِن الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً، (وإن فضل العالم) أي الغالب عليه العلم وهو الذي يقوم بنشر العلم بعد أدائه ما توجه إليه من الفرائض والسنن المؤكدة (على العابد) أي الغالب عليه العبادة وهو الذي يصرف أوقاته بالنوافل مع كونه عالماً بما تصح به العبادة (كفضل القمر ليلة البدر) أي ليلة الرابع عشر وبه أوّل طه على حساب الجمل، وأريد به النبي ◌َّر، يعني المشبه به في نهاية النور وغاية الظهور فيكون فيه تلميح إلى قوله: ((كفضلي على أدناكم))(١) كما في قوله (على سائر الكواكب) إيماء إلى قوله: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) فإن نور المؤمن ولو كان عابداً ضعيف إذا لم يكن عالماً، وإنما حملنا الكلام على من غلب عليه أحد الوصفين لا على عالم فقط وعابد فقط لأن هذين لا فضل لهما بل إنهما معذبان في النار لتوقف صحة العمل على العلم وكمال العلم على العمل، بل ورد: ((ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات)» وورد: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه)) لأنه يكون حينئذ ضالاً مضلاً، وقال القاضي: شبه العالم بالقمر والعابد بالكواكب لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى من العابد، ونور العالم يتعدى إلى غيره فيستضيء بنوره المتلقي عن النبي وَّر، كالقمر يتلقى نوره من نور الشمس من خالقها(٢) عزَّ وجلّ. (وإن العلماء ورثة الأنبياء) وإنما لم يقل: ورثة الرسل ليشمل الكل قاله ابن الملك، يعني فإن البعض ورثة الرسل كأصحاب المذاهب والباقون ورثة الأنبياء على اختلاف مراتبهم (وإن الأنبياء لم يورثوا) بالتشديد (ديناراً ولا درهماً) أي شيئاً من الدنيا وخصا لأنهما أغلب أنواعها، وذلك إشارة إلى رذالة الدنيا، وأنهم لم يأخذوا منها إلا بقدر ضرورتهم، فلم يورثوا شيئاً منها لئلا يتوهم أنهم كانوا يطلبون شيئاً منها يورث عنهم على أن جماعة قالوا: إنهم كانوا لا يملكون مبالغة في تنزههم عنها، ولذا قيل: الصوفي لا يملك ولا يملك، وفيه إيماء إلى كمال توكلهم على الله تعالى في أنفسهم وأولادهم، وإشعار بأن طالب الدنيا ليس من العلماء الورثة، ولذا قال الغزالي: أقل العلم بل أقل الإيمان أن يعرف أن الدنيا فانية، وأن العقبى باقية، ونتيجة هذا العلم أن يعرض عن الفاني ويقبل على الباقي، قال ابن الملك: خصوا الدرهم بالذكر لأن نفي الدينار لا يستلزم نفيه، وفيه أنه لا تخصيص هنا والعطف يدل على المغايرة، وإنما زيدت لا لتأكيد النفي وإرادة المبالغة. ثم قال: ولا يرد الاعتراض بأنه عليه الصلاة والسلام كان له صفايا بني النضير وفدك وخيبر إلى أن مات وخلفها، وكان لشعيب عليه الصلاة والسلام أغنام كثيرة، وكان أيوب وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ذوي نعمة كثيرة، لأن المراد أنه ما ورثت أولادهم وأزواجهم شيئاً من ذلك بل بقي بعدهم معداً لنوائب المسلمين. اهـ. ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر يوماً في السوق بقوم مشتغلين بتجاراتهم فقال: أنتم ههنا وميراث رسول الله وَّرِ يقسم في المسجد، فقاموا سراعاً إليه فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذكر ومجالس (١) الترمذي ٤٨/٥ حديث ٢٦٨٥. (٢) في المخطوطة خلقاً. ٤٣٠ كتاب العلم وإِنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بخطّ وافر)). رواه أحمد والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والدارمي، وسماه الترمذي قيس بن كثير. ٢١٣ - (٢٦) وعن أبي أمامة الباهلي، قال: ذُكرٍ لرسول الله وَلّو رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله وَ لجر: ((فضلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم)) ثم قال رسول الله وَلّور: ((إن الله وملائكته وأهلَ السماوات والأرض حتى النملةَ في جُخرِها، وحتى الحوتَ، العلم، فقالوا: أين ما قلت: يا أبا هريرة، فقال: هذا ميراث محمد وَ ﴿ يقسم بين ورثته وليس بمواريثه دنياكم. (وإنما ورثوا العلم) لإظهار الإسلام ونشر الأحكام [أو بأحوال الظاهر والباطن على تباين أجناسه واختلاف أنواعه] (فمن أخذه) أي العلم (أخذ بحظ وافر) أي أخذ حظاً وافراً، يعني نصيباً تاماً، أي لا حظ أوفر منه والباء زائدة للتأكيد، أو المراد أخذه متلبساً بحظ وافر من ميراث النبوّة، ويجوز أن يكون أخذ بمعنى الأمر، أي فمن أراد أخذه فليأخذ بحظ وافر ولا يقتنع بقليل هذا زبدة كلام الشرح هنا. (رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارمي وسماه الترمذي) أي كثير بن قيس (قيس بن كثير) والصحيح أنه كثير بن قيس، قال ميرك شاه: وقال المؤلف: في أسماء الرجال للمشكاة قيس بن كثير سمع أبا الدرداء هكذا أخرج حديثه الترمذي عن قيس بن كثير، وقال كذا حدثنا محمود بن خداش وإنما هو كثير بن قيس وكذلك سماه أبو داود كثير بن قيس وأورده البخاري في باب كثير لا في باب قيس. ٢١٣ - (وعن أبي أمامة [الباهلي] قال: ((ذكر) على البناء للمفعول، أي وُصف (الرسول الله ◌َلقر رجلان) أي بوصف الكمال، وهو يحتمل أن يكون تمثيلاً وأن يكونا موجودين في الخارج قبل زمانه أو في أوانه (أحدهما عابد) أي كامل في العبادة (والآخر عالم) أي كامل بالعلم (فقال رسول الله ◌َطير:) لا يستويان وإن كان كل منهما كاملاً في مقامه ((فضل العالم) بالعلوم الشرعية مع القيام بفرائض العبودية (على العابد) أي على المتجرد للعبادة بعد تحصيل قدر الفرض من العلوم (كفضلي على أدناكم))) وفيه مبالغة لا تخفى؛ فإنه لو قال: كفضلي على أعلاكم لكفى فضلاً وشرفاً، فيكون نظير قوله وَالر: ((واحشرني في زمرة المساكين)) مع إفادة التواضع في الثاني. والظاهر أن اللام فيهما للجنس، فالحكم عام ويحتمل العهد، فغيرهما يؤخذ بالمقايسة . (ثم قال رسول الله وَله: ((إن الله) استئناف فيه تعليل (وملائكته) أي حملة العرش (وأهل السموات) تعميم بعد تخصيص (والأرض) أي أهل الأرض من الانس والجن وجميع الحيوانات (حتى النملةَ) بالنصب على أن حتى عاطفة، وبالجر على أنها جارة، وبالرفع على أنها ابتدائية والأوّل أصح. (في جرها) بضم الجيم وسكون الحاء، أي ثقبها. قال الطيبي: وصلاته بحصول البركة النازلة من السماء (وحتى الحوتِ) كما تقدم وهما غايتان مستوعبتان لدواب البر الحديث رقم ٢١٣: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨/٥ حديث رقم ٢٦٨٥ وقال حديث غريب. ٤٣١ كتاب العلم ليصلُون على معلم الناس الخير). رواه الترمذي. ٢١٤ - (١٧) ورواه الدارمي عن مكحول مُرسلاً، ولم يذكر: رجلان وقال: ((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم تلا هذه الآية: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾)» والبحر؛ وخصت النملة من دواب البر لأنها أكثر الحيوانات إدخاراً للقوت في جحرها، فهي أحوج إلى بركتهم من غيرها، وتقدم وجه تخصيص الحوت من دواب البحر. وقيل: وجه تخصيصهما بالذكر الإشارة إلى جنس الحلال والحرام، وقيل: إلى الجنس المنهي عنه القتل وغيره. (ليصلون) فيه تغليب للعقلاء على غيرهم، أي يدعون بالخير (على معلم الناس الخير))) قيل: أراد بالخير هنا علم الدين وما به نجاة الرجل، ولم يطلق المعلم ليعلم أن استحقاق الدعاء لأجل تعليم علم موصل إلى الخير(١). اهـ. وفيه إشارة إلى وجه الأفضلية بأن نفع العلم متعد ونفع العبادة قاصر مع أن العلم في نفسه فرض وزيادة العبادة نافلة والله أعلم. (رواه الترمذي) يعني عن أبي أمامة مرفوعاً. ٢١٤ - (ورواه الدارمي عن مكحول) وهو من أجلاء التابعين من سبى كابل وكان معلم الأوزاعي، قال الزهري: العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة والحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام، فلم يكن في زمان مكحول أبصر بالفتيا منه، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله هذا رأيي والرأي يخطىء ويصيب، كذا ذكره المصنف. (مرسلاً) يعني حذف الصحابي (ولم يذكر) أي مكحول ((رجلان))) رفعه على الحكاية، والمراد هو وما بعده من قوله: ((أحدهما عابد والآخر عالم)) ولذا قال: (وقال:) أي مكحول رواية عن رسول الله وَالله وحكاية ((فضل العالم على العابد) وهو يؤيد الجنسية فيما تقدم (كفضلي على أدناكم))) أي أيها الصحابة أو أيها الأمة، والثاني أكثر مبالغة (ثم تلا) أي مكحول أو رسول الله وَالجر (هذه الآية) استشهاداً أو تصديقاً (﴿إنما يخشى الله﴾) بالنصب (﴿من عباده العلماء﴾) بالرفع، والخشية خوف مع التعظيم، وقُرىء في الشواذ برفع الجلالة ونصب العلماء، أي يعظم على التجريد. قيل: استشهاد لبيان علة الفضل لأن العالم الحقيقي أعرف بالله وبجلاله وكبريائه من العابد الذي غلبت عبادته على علمه فيكون العالم أتقى، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣]. اهـ. وحاصله أن العلم يورث الخشية، وهي تنتج التقوى، وهو موجب الأكرمية والأفضلية. وفيه إشارة إلى أن من لم يكن علمه كذلك فهو كالجاهل بل هو الجاهل، ولذا (٢) قيل: ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات وأطبق السلف على أن من عصى الله فهو جاهل لقوله (١) في المخطوطة ((إلى الله تعالى)). الحديث رقم ٢١٤: أخرجه الدارمي عن مكحول ١/ ١٠٠ حديث رقم ٢٨٩. (٢) في المخطوطة ((كذا)). اا ہوم فاهيتا: ٤٣٢ كتاب العلم وسرد الحدیث إلى آخره. ٢١٥ - (١٨) وعن أبي سعيد الخُدريّ، قال: قال رسول الله وَّر: ((إِن الناسَ لكم تَبَعْ، وإِن رجالاً يأتونَكم من أقطار الأرض يتفقَّهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً)). رواه الترمذي. ٢١٦ - (١٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((الكلمةُ الحكمةُ تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ [النساء - ١٧] (وسرد) أي ذكر وأورد مكحول (الحديث) أي بقية الحديث السابق (إلى آخره). ٢١٥ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلاير: ((إن الناس) أي جنسهم (لكم تبع) جمع تابع كخدم وخادم، وقيل: وضع المصدر موضع الفاعل مبالغة كرجل عدل، والخطاب لعلماء الصحابة يعني أن الناس يتبعونكم في أفعالكم وأقوالكم لأنكم أخذتم عني مكارم الأخلاق؛ فإن الشريعة أقوالي والطريقة أفعالي والحقيقة أحوالي. وفيه مأخذ لتسمية التابعي تابعياً وإن كانت التبعية عامة بواسطة أو بغير واسطة، ولكن المطلق ينصرف إلى الكامل. (وإن رجالاً) أو نوعاً منهم غلبت عليهم الرجولية الكاملة (يأتونكم) أي [بإ] جهاد أنفسهم طالبين خالصين متواضعين (من أقطار الأرض) أي جوانبها (يتفقهون) أي يطلبون الفقه (في الدين) والجملة استئنافية لبيان علة الإتيان، أو حال من المرفوع في ((يأتونكم)) وهو أقرب إلى الذوق كذا قاله الطيبي. (فإذا أتوكم) أي بهذا القصد وآثرها على إن لإفادتها تحقيق وقوع هذا الأمر فهو من أعلام نبوّته وبواهر معجزته لوقوع ذلك كما أخبر به (فاستوصوا بهم خيراً))) أي في تعليمهم علوم الدين وأخلاق المهتدين كما قيل في الحديث القدسي لداود عليه الصلاة والسلام: ((إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً))، وتحقيقه اطلبوا الوصية والنصيحة بهم من أنفسكم فالسين للطلب والكلام من باب التجريد، أي ليجرد كل منكم شخصاً من نفسه ويطلب منه التوصية في حق الطالبين ومراعاة أحوالهم، وقيل: الاستيصاء طلب الوصية من نفسه أو من غيره بأحد أو بشيء يقال: استوصيت زيداً بعمرو خيراً، أي طلبت من زيد أن يفعل بعمرو خيراً، والباء في بهم للتعدية، وقيل: الاستيصاء قبول الوصية ومعناه اقبلوا الوصية مني بإيتائهم خيراً، وقيل: معناه مروهم بالخير وعظوهم خيراً وعلموهم إياه. (رواه الترمذي) وكذا ابن ماجة. ٢١٦ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((الكلمة) أي الجملة المفيدة (الحكمة) قال مالك: هي الفقه في الدين، قال تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾ الآية [البقرة - ٢٦٩]، الحديث رقم ٢١٥: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠/٥ حديث رقم ٢٦٥٠. وأخرجه ابن ماجة في مقدمته ٩١/١ حدیث ٢٤٩. الحديث رقم ٢١٦: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩/٥ حديث رقم ٢٦٨٧. وأخرجه السنن بنفس اللفظ ٢/ ١٣٩٥ حديث رقم ٤١٦٩ وتكلم الترمذي في مسنده. ٤٣٣ كتاب العلم ضالةُ الحكيم، فحيث وجدها فهو أحقُّ بها)). رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وإبراهيم بن الفضل الراوي يضعَّف في الحديث. ٢١٧ - (٢٠) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَ ل: ((فقيه واحد أشدُّ وقيل: التي أحكمت مبانيها بالنقل والعقل دالة على معنى فيه دقة مصونة معانيها عن الاختلال والخطأ والفساد، وقال السيد جمال الدين: جعلت الكلمة نفس الحكمة(١) مبالغة كقولهم: رجل عدل، ويُروى ((كلمة الحكمة)) بالإضافة من غير [إضافة الموصوف] إلى الصفة(٢)، ويُروى ((الكلمة الحكيمة)) على طريق الإسناد المجازي لأن الحكيم قائلها كقوله تعالى: ﴿يس والقرآن الكريم﴾ [يس - ١ - ٢] كذا في شرح الطيبي، وذكر البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس - ١] [وصف بالحكيم] لاشتماله على الحكم فعلى هذا هو يفيد وجها آخر في الكلمة الحكيمة، وقيل: الحكيمة بمعنى المحكمة أو الحاكمة (ضالة الحكيم) أي مطلوبه، والحكيم هو المتقن للأمور الذي له فيها غور (فحيث وجدها) أي الحكيم الحكمة (فهو أحق بها))) أي بقبولها، قال السيد جمال الدين: يعني أن الحكيم يطلب الحكمة فإذا وجدها فهو أحق بها، أي بالعمل بها واتباعها، أو المعنى أن كلمة الحكمة ربما تفوّه بها من ليس لها بأهل، ثم وقعت إلى أهلها فهو أحق بها من قائلها من غير التفات إلى خساسة من وجدها عنده، أو المعنى أن الناس يتفاوتون في فهم المعاني واستنباط الحقائق المحتجبة واستكشاف الأسرار المرموزة فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الأحاديث على من رزق فهما وألهم تحقيقاً، كما لا ينازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها، أو كما أن الضالة إذا وجدت مضيعة فلا تترك، بل تؤخذ ويتفحص عن صاحبها حتى ترد عليه كذلك السامع إذا سمع كلاماً لا يفهم معناه ولا يبلغ كنهه فعليه أن لا يضيعه وأن يحمله إلى من هو أفقه منه، فلعله يفهم أو يستنبط منه ما لا يفهمه ولا يستنبطه هو، أو كما أنه لا يحل منع صاحب الضالة عنها فإنه أحق بها، كذلك(٣) العالم إذا سئل عن معنى لا يحل له كتمانه إذا رأى في السائل استعداداً لفهمه كذا قاله زين العرب تبعاً للطيبي. (رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وإبراهيم بن الفضل الراوي) بتخفيف الياء (يُضعف) بصيغة المجهول أي ينسب إلى ضعف الرواية (في الحديث) أي في باب نقل الحديث، ورواه ابن عساكر عن علي وكأنه رضي الله عنه أخذ من هذا الحديث ما قال موقوفاً: [(انظر] إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال)). ٢١٧ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((فقيه واحد) أي بقاؤه وحياته (أشد (١) في المخطوطة ((الكلمة)). (٣) في المخطوطة ((كذا)). (٢) في المخطوطة زيادة لا تتناسب مع سياق الكلام. الحديث رقم ٢١٧: أخرجه الترمذي في السنن ٤٦/٥ حديث رقم ٢٦٨١. وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرجه ابن ماجة ١/ ٨١ حديث رقم ٢٢٢. أداء اهتز . ٤٣٤ م كتاب العلم على الشيطانٍ من ألفِ عابد)). رواه الترمذي، وابن ماجة. ٢١٨ _ (٢١) وعن أنس، قال رسول الله وَلّر: (طلبُ العلم فريضةٌ على كلّ مسلم، وواضعُ العلم عند غير أهله على الشيطان) لأن الفقيه لا يقبل أغواءه ويأمر الناس بالخير على ضد ما يأمرهم بالشر (من ألف عابد))) قيل: المراد به الكثرة وذلك لأن الشيطان كلما فتح باباً من الأهواء على الناس، وزين الشهوات في قلوبهم، بين الفقيه العارف بمكائده ومكامن غوائله للمريد السالك ما يسد ذلك الباب ويجعله خائباً خاسراً بخلاف العابد فإنه ربما يشتغل بالعبادة وهو في حبائل الشيطان ولا يدري (رواه الترمذي وابن ماجة) قال الربيع: حديث «لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)) رواه البيهقي في الشعب والطبراني في الأوسط وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعاً به في حديث، وقال الطبراني: سنده ضعيف وله شواهد أسانيدها ضعيفة. اهـ. لكن كثرة طرقه تخرجه عن الضعف خصوصاً حيث اعتضده برواية الترمذي وابن ماجة عن ابن عباس. ٢١٨ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَليقول: ((طلب العلم) أي الشرعي (فريضة) أي مفروض فرض عين (على كل مسلم) أو كفاية والتاء للمبالغة، أي ومسلمة كما في رواية. قال الشراح: المراد بالعلم ما لا مندوحة للعبد من تعلمه كمعرفة الصانع والعلم بوحدانيته ونبوّة رسوله، وكيفية الصلاة فإن تعلمه فرض عين، وأما بلوغ رتبة الاجتهاد والفتيا ففرض كفاية. قال السيد: ويمكن أن يعم العلم ويحمل الكلام على المبالغة. اهـ. وفيه تأمل قال الأبهري: واختلف في العلم الذي هو فرض وتحزبوا فيه أكثر من عشرين فرقة؛ فكل فريق نزل الوجوب على العلم الذي بصدده. اهـ. قال الشيخ العارف الرباني السهروردي: اختلف في هذا العلم الذي هو فريضة، قيل: هو علم الإخلاص ومعرفة آفات النفس وما يفسد الأعمال، لأن الإخلاص مأمور به فصار علمه فرضاً آخر، وقيل: معرفة الخواطر وتفصيلها فريضة لأن الخواطر هي منشأ الفعل وبذلك يعلم الفرق بين لمة الشيطان ولمة الملك، وقيل: هو طلب علم الحلال(١) حيث كان أكل الحلال واجباً، وقيل: علم البيع والشراء والنكاح إذا أراد الدخول في شيء منها، وقيل: علم الفرائض الخمس، وقيل: هو طلب علم التوحيد بالنظر والاستدلال والنقل، وقيل: هو طلب علم الباطن وهو ما يزداد(٢) به العبد يقيناً وهو الذي يكتسب بصحبة الصالحين والزهاد المقربين فهم ورّاث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. اهـ. فإن قيل: ما الفرض قبل الفرض؟ فقل: العلم قبل العمل، وإن قيل: ما الفرض في الفرض؟ فقل: الإخلاص في العلم والعمل، وإن قيل: ما الفرض بعد العمل؟ فقل: الخوف والرجاء. (وواضع العلم عند غير أهله) بأن يحدثه من لا يفهمه، أو من يريد منه الحديث رقم ٢١٨: أخرجه ابن ماجة ٨١/١ حديث رقم ٢٢٤. والبيهقي في شعب الإيمان لعند لفظ ((مسلم)) ٢/ ٢٥٤ حديث رقم ١٦٦٦. (١) في المخطوطة ((المال)). (٢) في المخطوطة ((يزاد)). ٤٣٥ كتاب العلم كمقلّد الخنازير الجوهرَ واللؤلؤَ والذهبَ)). رواه ابن ماجة، وروى البيهقي في («شُعَبٍ الإِيمان)) إلى قوله ((مسلم)). وقال: هذا حديث متنه مشهور، وإِسناده ضعيف، وقد روي من أوجُهٍ كلُّها ضعيف. ٢١٩ - (٢٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((خصلتان لا تجتمعان في منافقٍ: حُسنُ سمْت، غرضاً دنيوياً، أو من لا يتعلمه الله (كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ) بسكون الهمز ويبدل (والذهب))) قيل: يشعر بأن كل علم يختص باستعداد وله أهل؛ فإذا وضعه في غيره موضعه فقد ظلم، فمثّل معنى الظلم بتقليد أخس الحيوانات بأنفس الجواهر تهجيناً لذلك الوضع وتنفيراً عنه، ولذا قال علي كرم الله وجهه: حدثوا الناس بما يفهمون أو يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟(١) أي إذا سمعوا ما لم تحط به عقولهم فإنهم يبادرون إلى تكذيبه، وفي تعقيب هذا التمثيل [ب] قوله: ((طلب العلم)) إعلام بأن المراد بالطلب طلب كل من المستعدين ما يليق بحاله ويوافق منزلته بعد حصول ما هو واجب من الفرائض العامة، وعلى العالم أن يخص كل طالب بما هو مستعد له. (رواه ابن ماجة) يعني بكماله وغيره كذا في الترغيب للمنذري (وروى البيهقي في شعب الإيمان إلى قوله: ((مسلم)) وقال:) أي البيهقي (هذا حديث متنه مشهور) أي على ألسنة الناس كذا في بداية الجزري (وإسناده ضعيف) أي وإن كان معناه صحيحاً كذا قاله النووي (وقد رُوي من أوجه كلها ضعيفة) لكن كثرة الطرق تدل على ثبوته ويقوى بعضه ببعض، قال المزي تلميذ النووي: إن طرقه تبلغ رتبة الحسن، وقال العلقمي في شرح الجامع الصغير: رأيت له خمسين طريقاً جمعتها في جزء وحكمت بصحته لكن من القسم الثاني وهو الصحيح بغيره، فقول الجزري في البداية: لا أصل له، أي ليس له أصل صحيح، وقد مثل به ابن الصلاح للمشهور الذي ليس بصحيح، لكن قال العراقي: قد صحح بعض الأئمة [بعض] طرقه هذا وقد ألحق بعض المصنفين بآخر الحديث ((ومسلمة)) وليس لها ذكر في شيء من طرقه . ٢١٩ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالخير: ((خصلتان لا تجتمعان(٢) في منافق) بأن تكون(٣) فيه واحدة دون الأخرى، أو لا يكونا فيه بأن لا توجد واحدة منهما فيه. وإنما عبر بالاجتماع تحريضاً للمؤمنين على جمعهما وزجراً لهم عن الإتصاف بأحدهما، والمنافق إما حقيقي وهو النفاق الاعتقادي أو مجازي وهو المرائي وهو النفاق العملي (حسن سمت) أي خلق وسيرة وطريقة، قال الطيبي: هو التزيي بزي الصالحين، وقال ميرك: السمت بمعنى (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٢٥/١ حديث رقم ١٢٧. الحديث رقم ٢١٩: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨/٥ حديث رقم ٢٦٨٤ وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أيوب العامري ولا أدري كيف هو. (٢) في المخطوطة ((يجتمعان)). (٣) في المخطوطة ((يكون)). ٤٣٦ ٤٠٨ 4جر" جد . كتاب العلم ولا فقه في الدين)). رواه الترمذي. ٢٢٠ - (٢٣) وعن أنس، قال: قال رسول الله وَّر: ((من خرجَ في طلب العلم فهو في سبيلِ اللَّهِ حتى يرجع)). رواه الترمذي، والدارمي. ٢٢١ - (٢٤) وعن سخبرة الأزْديّ، قال: قال رسول الله الطريق أعني المقصد، وقيل: المراد هيئة أهل الخير والأحسن ما قاله ابن حجر: إنه تحري طرق الخير والتزيي بزي الصالحين مع التنزه عن المعايب الظاهرة والباطنة. (ولا فقه في الدين») عطف بلا لأن حسن سمت في سياق النفي فلا لتأكيد النفي المساق، قال التوربشتي: حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب ثم ظهر على اللسان فأفاد العمل وأورث الخشية والتقوى، وأما الذي يتدارس أبواباً منه ليتعزر (١) به ويتأكل به فإنه بمعزل عن الرتبة العظمى، لأن الفقه تعلق بلسانه دون قلبه ولهذا قال علي رضي الله عنه: ولكني أخشى عليكم كل منافق عليم اللسان (٢)، قيل: ليس المراد أن إحداهما (٣) قد تحصل دون الأخرى بل هو تحريض للمؤمنين على الإتصاف بهما والاجتناب عن أضدادهما؛ فإن المنافق من يكون عارياً منهما وهو من باب التغليظ ونحوه قوله تعالى: ﴿فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت - ٦ - ٧] إذ فيه حث على أدائها وتخويف من المنع حيث جعله من أوصاف المشركين كذا قاله الطيبي. (رواه الترمذي). ٢٢٠ - (وعن أنس) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلايٍ: ((من خرج) أي من بيته أو بلده (في طلب العلم) أي الشرعي فرض عين أو كفاية (فهو في سبيل الله) أي في الجهاد لما أن في طلب العلم من إحياء الدين وإذلال الشيطان وإتعاب النفس كما في الجهاد (حتى يرجع) أي إلى بيته، وفيه إشارة إلى أنه بعد الرجوع له درجة أعلى لأنه حينئذ وارث الأنبياء في تكميل الناقصين، قال تعالى: ﴿فلولا نفر﴾ أي خرج ﴿من كل فرقة منهم طائفة﴾ أي بعضهم ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة - ١٢٢] (رواه الترمذي والدارمي) وكذا الضياء المقدسي. ٢٢١ - (وعن سخبرة) بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة يكنى أبا عبد الله (الأزدي) في القاموس أزد بن الغوث، وبالسين أفصح أبو حي من اليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم له رواية في كتاب العلم، رواه عنه ابنه ذكره المؤلف في الصحابة. (قال: قال رسول الله (٢) أحمد في المسند ١/ ٢٢. (١) في المخطوطة ((ليتحرز)). (٣) في المخطوطة ((أحديهما). الحديث رقم ٢٢٠: أخرجه الترمذي في السنن ٢٩/٥ حديث رقم ٢٦٤٧ وقال حسن غريب. الحديث رقم ٢٢١: أخرجه الترمذي في السنن ٢٩/٥ حديث رقم ٢٦٤٨. وقال حديث ضعيف الاسناد وأخرجه الدارمي في السنن ١٤٩/١ حديث رقم ٥٦١. ٤٣٧ كتاب العلم وَاءِ: ((من طلب العلم كان كفارةً لما مضى)). رواه الترمذي، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث ضعيف الإِسناد، وأبو داود الراوي يضعَّفُ. ٢٢٢ - (٢٥) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَّ: ((لن يشبَعَ المؤمنُ من خيرٍ يسمعُه حتى يكونَ منتهاه الجنة)). رواه الترمذي. ٢٢٣ - (٢٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّلهو: ((من سُئل عن علم علمه ثم كتمه؛ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار)). وتلقى: ((من طلب العلم) أي ليعمل به (كان) أي طلبه للعلم (كفارة) وهي(١) ما يستر الذنوب ويزيلها من كفر إذا ستر (لما مضى) أي من ذنوبه، قيل: هذا الحديث مع ما فيه من الضعف مخالف للكتاب والسنن المشهورة في إيجاب الكفارات والحدود إلا إذا قلنا بالتخصيص، يعني بالصغائر وهو موضع بحث كذا في زين العرب نقله السيد، والظاهر أن الكفارة مختصة بالصغائر أو بحقوق الله التي ليس لها تدارك، أو يشمل حقوق العباد التي لا يمكن تداركه لها، ويمكن أن يكون المعنى إن طلب العلم وسيلة إلى ما يكفر به ذنوبه كلها من التوبة ورد المظالم وغيرها والله أعلم. (رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي: هذا حديث ضعيف الإسناد، وأبو داود الراوي) أي من رواة هذا الحديث (يضعّف) بتشديد العين أي ينسب إلى الضعف في الرواية وليس أبا داود المخرج من أصحاب السنن فإنه ثقة إمام في الحديث قوي في الرواية والدراية . ٢٢٢ - (وعن أبي سعيد الخدري) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَليقول: ((لن يشبع المؤمن) أي الكامل (من خير) أي علم (يسمعه حتى) لما كان يشبع مضارعاً دالاً على الاستمرار تعلق به حتى (يكون منتهاه) أي غايته ونهايته (الجنة))) بالنصب على الخبرية، أو الرفع على الاسمية يعني حتى يموت فيدخل الجنة (رواه الترمذي). ٢٢٣ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَير: ((من سئل عن علم علمه) وهو علم يحتاج إليه السائل في أمر دينه (ثم كتمه) بعدم الجواب أو بمنع الكتاب (ألجم) أي أدخل في فمه لجام، لأنه موضع خروج العلم والكلام. قال الطيبي: شبه ما يوضع في فيه من النار بلجام في فم الدابة (يوم القيامة بلجام من نار) مكافأة له حيث ألجم نفسه بالسكوت، وشبه بالحيوان الذي سخر ومنع من قصده ما يريده، فإن العالم من شأنه أن يدعو إلى الحق. (١) في المخطوطة (وهو)). الحديث رقم ٢٢٢: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩/٥ حديث رقم ٢٦٨٦ وقال حسن غريب. الحديث رقم ٢٢٣: أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٦٣. وأخرجه أبو داود في السنن ٦٧/٥ حديث رقم ٣٦٥٨ وأخرجه الترمذي في السنن ٢٩/٥ حديث رقم ٢٦٤٩ وقال حديث حسن. ولابن ماجة نحوه ٩٦/١ حديث رقم ٢٦١. ٤٣٨ كتاب العلم رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. ٢٢٤ - (٢٧) ورواه ابن ماجة عن أنس. ٢٢٥ - (٢٨) وعن كعب بن مالك، قال: قال رسول الله وَيقول: ((من طلب العلمَ ليُجاريَ به العلماءَ، أو ليماريّ به السفهاءَ، قال ابن حجر: ثم هنا استبعادية لأن تعلم العلم إنما يقصد لنشره ونفعه الناس وبكتمه يزول ذلك الغرض الأكمل فكان بعيداً ممن هو في صورة العلماء والحكماء، قال السيد: هذا في العلم اللازم التعليم كاستعلام كافر عن الإسلام ما هو، أو حديث عهد به عن تعليم صلاة حضر وقتها وكالمستفتي في الحلال والحرام فإنه يلزم في هذه الأمور الجواب لا نوافل العلوم الغير الضرورية، وقيل: العلم هنا علم الشهادة (رواه أحمد وأبو داود والترمذي) أي عن أبي هريرة . ٢٢٤ - (ورواه ابن ماجة عن أنس) وفي الجامع الصغير(١) رواه أحمد والأربعة والحاكم عن أبي هريرة. اهـ. ورواه ابن حبان وأبو يعلى أيضاً، قال زين العرب: تبعاً للخطابي وقد تكلم في هذا الحديث بعض العلماء بأنه ضعيف بل هو موضوع. اهـ. وفي المقاصد الحسنة للسخاوي: من كتم علماً يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، لجماعة وحسنه الترمذي وصححه الحاكم(٢)، ويشمل الوعيد حبس الكتب عن الطالب لا سيما عند عدم التعدد والابتلاء بهذا كثير(٣). ا هـ. وخصوصاً كتاب الوقف. ٢٢٥ - (وعن كعب بن مالك) أي الأنصاري الخزرجي شهد العقبة الثانية واختلف في شهوده بدراً والمشاهد بعدها غير تبوك، وكان أحد شعراء النبي ◌َّر، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله وَّر في غزوة تبوك؛ وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة يجمع أوائل أسمائهم مكة، روى عنه جماعة، مات سنة خمسين وهو ابن [سبع] وسبعين بعد أن عُمي. (قال: قال رسول الله وَلاغير: ((من طلب العلم) أي لالله بل (ليجاري) أي ليقاوم به (العلماء) المجاراة المعارضة في الجري، وقيل: المفاخرة وجعل نفسه مثل غيره (أو ليماري) أي يجادل (به السفهاء) جمع سفيه وهو قليل العقل والمراد به الجاهل، والمماراة من المرية وهي الشك؛ فإن كل واحد من المتحاجين يشك فيما يقول صاحبه ويشككه مما يورد على حجته، أو من المري وهو مسح الحالب ليستنزل ما به من اللبن؛ فإن كلا من المتناظرين الحديث رقم ٢٢٤: أخرجه ابن ماجة في السنن ١/ ٩٧ حديث رقم ٢٦٤. وفي إسناده مقال. (١) الجامع الصغير ٥٢٩/٢ حديث رقم ٨٧٣٢. (٢) أخرجه الحاكم ١٠٢/١. (٣) هذا الحديث مروي في كتب السنة بعدة ألفاظ وهو حديث مشهور. الحديث رقم ٢٢٥: أخرجه الترمذي في السنن ٣٢/٥ حديث رقم ٢٦٥٤ وقال حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسحاق بن يحيى بن طلحة ليس بذاك القوي عندهم. /٠٠٠ ٤ ٧٤ ١ ٤٣٩ كتاب العلم أو يصرفَ به وجوه الناس إليه؛ أدخله الله النار)). رواه الترمذي. ٢٢٦ - (٢٩) ورواه ابن ماجة عن ابن عمر. ٢٢٧ - (٣٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلخير: ((من تعلّم علماً مما يُبتغى به وجهُ الله، لا يتعلمُه إِلا ليُصيبَ به عرَضاً من الدنيا؛ يستخرج ما عند صاحبه كذا حققه الطيبي. ولما كان غرضه في طلب العلم فاسداً ما احتيج إلى الاستثناء في المجادلة بنحو قوله تعالى: ﴿إلا مراء ظاهراً﴾ أو قوله: ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ (أو يصرف به) أي يميل بالعلم (وجوه الناس) أي العوام أو الطلبة (إليه) أي ليعظموه أو يعطوا المال له كذا قاله ابن الملك، وقيل: أي يطلب العلم لمجرد الشهرة بين الناس (أدخله الله النار) الظاهر أن هذا إخبار بأنه استحق دخول النار، ويحتمل أن يكون جملة دعائية والله أعلم. (رواه الترمذي) أي عن کعب. ٢٢٦ - (ورواه ابن ماجة عن ابن عمر). ٢٢٧ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَلافي: ((من تعلم علماً مما يبتغى) من للبيان، أي مما يطلب (به وجه الله) أي رضاه كالعلوم الدينية (لا يتعلمه) حال إما من فاعل ((تعلم))، أو من مفعوله لأنه تخصص بالوصف، ويجوز أن يكون صفة أخرى لعلماً (إلا ليصيب به) أي لينال ويحصل بذلك العلم (عرضاً) بفتح الراء ويسكن، أي حظاً مالاً أو جاهاً (من الدنيا) يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، ونكره ليتناول الأنواع ويندرج فيه قليله وكثيره. وفي الأزهار العَرَض بفتح العين والراء المال، وقيل: ما يتمتع به، وقال الجيلي: العرض بالسكون أصناف المال غير الذهب والفضة، وبحركة الراء جميع المال من الذهب والفضة والعروض كلها كذا نقله الأبهري. قال الطيبي: وفيه أن من تعلم لرضا الله تعالى مع إصابة العرض الدنيوي لا يدخل تحت الوعيد لأن ابتغاء وجه الله تعالى يأبى إلا أن يكون متبوعاً، ويكون العرض تابعاً. ووصف العلم بابتغاء وجه الله إما للتفصيل والتمييز، فإن بعضاً من العلوم مما يستعاذ (١) منه كما ورد: ((أعوذ بالله من علم لا ينفع))(٢)، وأما للمدح والوعيد من باب التغليظ والتهديد. وسمعت بعض العلماء الزاهدين يقول: من طلب الدنيا بالعلوم الدنيوية كان أهون عليه من أن يطلبها بغيرها من العلوم، فهو كمن جر جيفة بآلة من آلات اللهو، وذلك كمن جرها بأوراق تلك العلوم. اهـ. ويؤيده ما روي عن الحسن البصري أنه رأی شخصاً يلعب فوق الحبال فقال: إن هذا خير من أصحابنا لأنه یأکل الدنیا بالدنيا وأصحابنا يأكلون الدنيا بالدين. اهـ. لكن قالوا: فرق بين من يأخذ الدنيا ليتفرغ لعمل الآخرة، وبين من الحديث رقم ٢٢٦: أخرجه ابن ماجة ٩٣/١ حديث رقم ٢٥٣. الحديث رقم ٢٢٧: أخرجه أحمد في المسند ٣٣٨/٢. وأخرجه أبو داود في السنن ٧١/٤ حديث رقم ٣٦٦٤ وأخرجه ابن ماجة ٩٢/١ حديث رقم ٢٥٢. (١) في المخطوطة ((يستفاد)). (٢) من حديث أخرجه مسلم ٢٠٨٨/٤ حديث ٢٧٢٢. ٤٤٠ كتاب العلم لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة)). يعني ريحَها. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة. ٢٢٨ - (٣١) وعن ابن مسعود، قال: قال: قال رسول الله وَ له: ((نضَّر اللَّهُ عبداً يعمل عمل الآخرة ليأخذ الدنيا فتأمل فإنه موضع الزلل. ثم الاستثناء من أعم الأوصاف، أي لا يتعلمه لغرض من الأغراض إلا ليصيب به شيئاً من متمتعات الدنيا وإن قل، ومن المعلوم أن قصدها هذا ولو مع قصد الآخرة موجب للإثم فوجه التقييد ترتب العقاب الآتي عليه، أو لأن الغالب أن من قصد الدنيا لا يقصد معها الآخرة. (لم يجد) حين يجد علماء الدين من مكان بعيد (عرف الجنة) بفتح العين وسكون الراء، أي ريحها الطيبة المعروفة بأن توجد من مسيرة خمسمائة سنة على ما ورد في حديث (يوم القيامة يعني) هذا تفسير الراوي (ريحها))) قال التوربشتي: قد حمل هذا المعنى على المبالغة في تحريم الجنة على المختص بهذا الوعيد كقولك: ما شممت قتار قدره للمبالغة في التبري عن تناول الطعام، أي ما شممت رائحتها فكيف بالتناول؟ وليس كذلك فإن المختص بهذا الوعيد إن كان من أهل الإيمان فلا بد وأن يدخل الجنة عرف بالنصوص الصحيحة؛ فتأويل هذا الحديث أن يكون تهديداً وزجراً عن طلب الدنيا بعمل الآخرة، وأيضاً يوم القيامة يوم موصوف، وذلك من حين يحشر الناس إلى أن ينتهي بهم الأمر إما إلى الجنة أو إلى النار، ولا يلزم من عدم وجدانها يوم القيامة فقط عدم وجدانها مطلقاً، وبيان ذلك أن الآمنين من الفزع الأكبر وهي النفخة الأخيرة إذا وردوا القيامة يمدون برائحة الجنة تقوية لقلوبهم وأبدانهم وتسلية لهمومهم وأشجانهم على مقدار حالهم في المعرفة وإيقانهم. ومن تعلم للأغراض الفانية وكان من حقه أن لا يتعلمه إلا ابتغاء وجه الله يكون كمن حدث مرض في دماغه يمنعه عن إدراك الروائح فلا يجد رائحة الجنة لما في قلبه من الأغراض المختلة بالقوى الإيمانية، وقال ابن حجر: هذا الوعيد مطلق إن استحل ذلك لأن تحريم طلب العلم بهذا القصد فقط مجمع عليه ومعلوم من الدين بالضرورة، وأفهم الحديث أن من أخلص قصده فتعلم الله لا يضره حصول الدنيا له من غير قصدها بتعلمه، [بل] من شأن الإخلاص بالعلم أن تأتي الدنيا لصاحبه راغمة كما ورد: ((من كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وتأتيه الدنيا وهي راغمة)»(١) (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة) ورواه الترمذي عن ابن عمر ولفظه: ((من تعلم علماً لغير الله فليتبوأ مقعده من النار)). ٢٢٨ - (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَ ليقول: ((نضر الله عبداً) قال التوريشتي: النضرة الحسن والرونق يتعدى ولا يتعدى، ورُوي مخففاً ومثقلاً. اهـ. وقال النووي: التشديد أكثر، وقال الأبهري: روى أبو عبيدة بالتخفيف، وقال: هو لازم ومتعد ورواه الأصمعي بالتشديد، وقال: المخفف لازم والتشديد للتعدية وعلى الأوّل للتكثير والمبالغة. اهـ. والمعنى خصه الله بالبهجة والسرور لما رزق بعلمه ومعرفته من القدر والمنزلة بين الناس في (١) أخرجه أحمد في المسند ١٨٣/٥. الحديث رقم ٢٢٨: أخرجه الترمذي فى السنن ٣٤/٥ حديث رقم ٢٦٥٨. ٠ ٢٠٠