Indexed OCR Text

Pages 361-380

4355
٣٦١
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تَّبِعِه، لا يَنقصُ ذلك من آثامهم شيئاً)). رواه مسلم.
١٥٩ - (٢٠) وعنه، قال: قال رسول الله وَ ل: ((«بدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسيعودُ كما بدأ،
غيره إلى فعل إثم وإن قل أو أمره به أو أعانه عليه (كان عليه) وفي نسخة ((له))، فاللام
للاختصاص، أو للمشاكلة من الإثم. (مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) قال
القاضي: أفعال العباد وإن لم تكن موجبة للثواب والعقاب إلا أن عادة الله سبحانه جرت بربطها
بها ارتباط المسببات بالأسباب، وفعل العبد ماله تأثير في صدوره بوجه، فكما يترتب الثواب
والعقاب على ما يباشره يترتب أيضاً على ما هو مسبب عن فعله، كالإشارة إليه والحث عليه،
ولما كانت الجهة التي استوجب بها المسبب الأجر غير الجهة التي استوجب بها المباشر لم
ينقص أجره من أجره شيئاً. اهـ. وبهذا يعلم أن له وَلهو من مضاعفة الثواب بحسب تضاعف
أعمال أمته مما لا يعد ولا يحد، وكذا السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، وكذا بقية
السلف بالنسبة إلى الخلف، وكذا العلماء المجتهدون بالنسبة إلى أتباعهم، وبه يعرف فضل
المتقدمين على المتأخرين في كل طبقة وحين. قال ابن حجر: تنبيه لو تاب الداعي للإثم وبقى
العمل به فهل ينقطع اثم دلالته بتوبته لأن التوبة تجب ما قبلها أولاً لأن شرطها رد الظلامة
والإقلاع وما دام العمل بدلالته موجوداً فالفعل منسوب إليه فكأنه لم يرد ولم يقلع كل محتمل
ولم أر في ذلك نقلاً والمنقدح الآن الثاني. اهـ. والأظهر الأوّل، وإلا فيلزم أن نقول بعدم
صحة توبته [وهذا لم يقل به أحداً ثم رد المظالم مقيداً بالممكن وإقلاع كل شيء بحسبه حتماً،
وأيضاً استمرار ثواب الإتباع مبني على استدامة رضا المتبوع به، فإذا تاب وندم انقطع كما أن
الداعي إلى الهدى إن وقع في الردى نعوذ بالله منه انقطع ثواب المتابعة له، وأيضاً كان كثير من
الكفار دعاة إلى الضلالة وقبل منهم الإسلام لما ((أن الإسلام يجب ما قبله)) فالتوبة كذلك بل
أقوى فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. (رواه مسلم).
0565
١٥٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلاير: ((بدأ الإسلام غريباً) في
الأزهار: بدا بلا همزة، أي ظهر لكن قال النووي: ضبطناه بالهمزة من الابتداء كذا نقله
الأبهري، وفي شرح الطيبي قال محيي السنة: بدأ بالهمزة من الابتداء كذا ضبطناه، قال
التوربشتي: يريد أن الإسلام لما بدأ في أول الوهلة نهض بإقامته والذب عنه ناس قليلون من
الصحابة فشردوهم عن البلاد فأصبحوا غرباء، أو فيصبح أحدهم معتزلاً مهجوراً كالغرباء ثم
يعود آخراً إلى ما كان عليه لا يكاد يوجد من القائلين(١) به إلا الإفراد، وهذا معنى قوله:
(وسيعود) أي في آخر الزمان (كما بدأ) ويحتمل أن تكون المماثلة بين الحالة الأولى والأخيرة
لقلة من كانوا يتدينون به في الأول وقلة من كانوا يعملون به في الآخر
الحديث رقم ١٥٩: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٠/١ حديث (١٤٥.٢٣٢) وأخرجه الترمذي ١٩/٥
حديث رقم (٢٦٢٩) وابن ماجة ١٣١٩/٢ حديث رقم ٣٩٨٦. وأحمد في المسند ٣٨٩/٢.
(١) في المخطوطة ((القائمين)).

٣٦٢
بوع
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
فطوبى للغُرباءِ)). رواه مسلم.
١٦٠ - (٢١) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((إِنَّ الإِيمان لَيَأرِزُ إِلى المدينة كما تَأرِزُ
الحيَّةُ إِلى جُخرها)). متفق عليه.
وسنذكر حديث أبي هريرة: ((ذَرُوني ما تركتُكم)) في كتاب المناسك، وحديثي معاويةً
وجابر: ((لا يزالُ من أمَّتي)) و [الآخر]: ((لا يزالُ طائفةٌ من أمَّتي))
(فطوبى للغرباء))) المتشبئين بذيله، يعني المسلمين الذين في أوله وآخره لصبرهم على
الأذى، وقيل: المراد بالغرباء المهاجرون الذين هجروا إلى الله، والأظهر أنهم هم الذين
يصلحون ما أفسد الناس من بعده من سنته كما ورد مفسراً في الحديث الآتي للترمذي.
قال الطيبي: إما أن يستعار الإسلام للمسلمين، والغربة هي القرينة فيرجع معنى الوحدة
والوحشة إلى نفس المسلمين، وإما أن يجري الإسلام على الحقيقة فالكلام على التشبيه
والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلته؛ فعلى هذا غريباً إما حال، أي بدأ الإسلام مشابهاً
للغريب، أو مفعولاً مطلقاً، أي ظهور الغرباء فريداً وحيداً لا مأوى له حتى تبوأ دار
الإيمان، أعني طيبة فطوبى له وطاب عيشاً، ثم أتم الله نوره في المشارق والمغارب فيعود
آخر الأمر وحيداً شريداً إلى طيبة كما بدا فطوبى له ولهفي عليه كما ورد: ((الإيمان ليأرز)).
اهـ. (رواه مسلم).
م :
١٦٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن الإيمان ليأرز) بالكسر عند
الأكثر ورُوي بالفتح وحُكي بالضم. (إلى المدينة) أي يأوي وينضم وينقبض ويلتجىء إليها (كما
تأرز الحية إلى حجرها))) أي ثقبها، من أرزت الحية إلى حجرها إذا رجعت إلى ذنبها القهقرى،
قيل: هي أشد فراراً وانضماماً من غيرها فلهذا شبه بها، والمراد أن أهل الإيمان يفرون بإيمانهم
إلى المدينة وقايةً بها عليه، أو لأنها وطنه الذي ظهر وقوي بها، وهذا إخبار عن آخر الزمان حين
يقل الإسلام، وقيل: هذا في زمن النبي ◌َ ◌ّ لاجتماع الصحابة في ذلك الزمان فيها، أو المراد
بالمدينة جميع الشام فإنها من الشام خصت بالذكر لشرفها، وقيل: المراد المدينة وجوانبها،
وحواليها ليشمل مكة فيوافق رواية الحجاز وهذا أظهر والله أعلم. (متفق عليه وسنذكر حديث أبي
هريرة: ((ذروني ما تركتكم))) أي إلى آخره (في كتاب المناسك) متعلق بقوله سنذكر (وحديثي
معاوية) بالنصب عطف على حديث أبي هريرة (وجابر) عطف على معاوية (لا يزال من أمتي) أي
أحدهما أوله هذا (و) الآخر (لا يزال) بالياء أو التاء (طائفة من أمتي) كلاهما (١) (في باب ثواب
الحديث رقم ١٦٠ : أخرجه البخاري في صحيحه ٩٣/٤ حديث رقم ١٨٧٦ ومسلم ١٣١/١ حديث رقم
(١٤٧.٢٣٣) وأخرج الترمذي نحوه وهو الحديث رقم ١٧٠ من المشكاة. وأخرجه ابن ماجة في
السنن ١٠٣٨/٢ حديث رقم ٣١١١. وأخرجه أحمد في المسند ٢٨٦/٢.
(١) في المخطوطة ((كلتهما)).
م٠٫

٣٦٣
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
في باب: ثواب هذه الأمة، إِن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
١٦١ - (٢٢) عن ربيعةَ الجُرشي، قال: أُتَيَ نبيَّ الله ◌ََّ، فقيل له: لِتَنِمْ عينُك،
ولْتسمع أذُنُك، ولْيَعقِلْ قلبُك. قال: ((فنامتْ عيْنِي، وسمعَت أذُنايَ، وعَقلَ قلبي)).
هذه الأمة إن شاء الله تعالى) وهو اعتذار متضمن لاعتراض تأمل.
(الفصل الثاني)
١٦١ - (عن ربيعة) هو ابن عمرو (الجرشي) بضم الجيم وفتح الراء المهملة ناحية من
اليمن، وقد سمع من النبي ◌َّر، وذكر ابن أبي حاتم أنه ليس له صحبة كذا في الاستيعاب(١)،
وذكره المصنف في الصحابة. (رضي الله عنه قال: ((أتي) على صيغة المجهول (نبي الله وَّ) أي
أتاه آت (فقيل له:) أي للنبي (التنم عينك ولتسمع) بسكون اللام وكسرها (أذنك) بضم الذال
وسكونها (وليعقل قلبك) قال المظهر: أي أتى ملك إليه. وقال له ذلك، ومعناه لا تنظر بعينك
إلى شيء ولا تصغ باذنك إلى شيء ولا تجر شيئاً في قلبك، أي كن حاضراً حضوراً تاماً لتفهم
هذا المثل. (قال: فنامت عيني) بالإفراد، وفي نسخة عيناي (وسمعت أذناي وعقل قلبي) يعني
فأجابه بأني قد فعلت ذلك، قيل: الأوامر الثلاثة واردة على الجوارح ظاهراً، وهي في الحقيقة
له عليه الصلاة والسلام بأن يجمع بين هذه الخلال الثلاث نوم العين وحضور السمع والقلب،
وعلى هذا جوابه بقوله: ((فنامت)) أي امتثلت لما أمرت به، ويجوز أن لا يكون ثمة قول ولا
جواب كما قال تعالى: ﴿ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت - ١١] وقال تعالى:
﴿إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة - ١٣١] الكشاف أخطر ببالك النظر
في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام، فقال: أسلمت فنظر فعرف، والمعنى في الحديث
إن الله تعالى أراد أن يجمع فيه وّر المعاني فاجتمعت فيه كذا حرره الطيبي ورده ابن حجر بأنه
لا مانع من حمله على ظاهره بأن يركب(٢) في الجماد عقل ويخاطب ويكون معنى: ((أسلم))
استسلم لأمري استسلاماً يليق بخلتك، وجعل النوم على حقيقته. والمراد بالأمر به الإخبار
عنه، أي أنت نائم سامع واع لأن الملك إنما جاءه وهو نائم، فقال له ذلك، أقول: الأظهر أن
الأمر للاستمرار في الكل، قال: ويؤخذ منه أن نوم الأنبياء كما لا يستولي على قلوبهم لا
الحديث رقم ١٦١ : أخرجه الدارمي في السنن ١٨/١ حديث رقم ١١.
(١) جاء في الاستيعاب أنه صحابي فقد قال: ((ربيعة بن عمر الجرشي يعد أهل الشام روى عنه علي بن
رباح وغيره. يقال إنه جد هشام بن الغازي. قال الواقدي قتل يوم مرج راهط وقد سمع النبي ◌ٍَّ)) ا.هـ.
والله أعلم.
(٢) في المخطوطة تركب.

٣٦٤
١٠٠٪
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
قال: ((فقيل لي: سيّدّ بَنى داراً، فصنَعَ فيها مأدُبةً وأرسلَ داعِياً، فمن أجابَ الدَّاعِيَ، دخل
الدارَ، وأكلَ من المأدبة، ورضي عنه السيّدُ، ومن لم يُجبِ الداعيّ، لم يدخل الدار، ولم
يأكل من المأدبة، وسخط عليه السيّد)). قال: ((فاللَّهُ السيّدُ، ومحمَّدٌ الداعي، والدارُ
الإِسلامُ، والمأدبةُ الجنَّة)). رواه الدارمي.
يستولي على أسماعهم، وكان في وجهه أن نومهم إنما يستولي على ظواهر أبدانهم، ومنها
العين دون اللطيفة التي تسمع لأنها في جوف الرأس فهي في حكم الباطن كالقلب. اهـ.
والأظهر أن السماع الباطني غير مسلوب عنه بالنوم فإنه من أحوال القلب، وأما السماع
الظاهري فموقوف على السماع لأنه من أحكام الظاهر والله أعلم بالسرائر. (قال:) عليه الصلاة
والسلام: (فقيل لي:) أي بطريق المثل من جهة الملك (سيد) أي سيد عظيم الشأن كثير
الإحسان، خبر مبتدأ محذوف، يعني هو وقوله: (بنى داراً) صفته، أي مثل سيد بنى داراً
ويجوز أن يكون مبتدأ وبنى خبره والتنوين للتعظيم، أو سوّغه كونه فاعلاً معنى (فصنع مأدبة)
بضم الدال، وقيل: بالفتح، أي طعاماً (وأرسل داعياً) يدعو الناس إلى الطعام (فمن أجاب
الداعي دخل الدار) بالإكرام (وأكل من المأدبة) على وجه الإنعام (ورضي عنه السيد) بسبب
الإجابة واللام للعهد (ومن لم يجب الداعي) تكبراً وعناداً أو جهلاً واستبعاداً (لم يدخل الدار)
بل طرد من الباب (ولم يأكل من المأدبة) بل عذب بالحجاب (وسخط عليه السيد) فيترتب عليه
أنواع العذاب، قيل: السخط فوق الغضب والمقت فوق السخط (قال:) أي النبي ◌َّر، أو
الملك والأوّل هو الأظهر، والتقدير إن أردت بيان هذا المثال (فالله السيد) أي الباني المرسل،
وفيه جواز إطلاق السيد عليه تعالى (ومحمد الداعي والدار الإسلام والمأدبة الجنة))) كان مقتضى
ظاهر مقام التفسير والتأويل أن يجعل المذكورات في التمثيل كلها مبتدآت ويخبر عنها بالصفات
المتميزات. ولعل وجه تغيير الأسلوب أن الله ومحمداً علمان والعلم لكونه أعرف من المعرف
باللام أولى بأن يكون محكوماً عليه، ويقرب منه ما ذكره أهل المعاني في الفرق بين زيد أخوك
وعمرو المنطلق وعكسهما حيث قالوا: والضابط في التقديم إنه إذا كان للشيء صفتان من
صفات التعريف، وعرف السامع اتصافه بإحداهما دون الأخرى فأيهما كان [بحيث] يعرف
السامع اتصاف الذات به وهو كالطالب بحسب زعمك أن تحكم عليه بالأخرى يجب أن تقدم
اللفظ الدال عليه وتجعله مبتدأ. أو أيهما كان بحيث يجهل اتصاف الذات به، وهو كالطالب أن
تحكم بثبوته للذات أو انتفائه عنه يجب أن يؤخر اللفظ الدال عليه فتجعله خبراً. فإن قلت:
كيف شبه في الحديث السابق الجنة بالدار، وفي هذا الحديث الإسلام بالدار وجعل الجنة
مأدبة؟ أجيب: بأنه لما كان الإسلام سبباً لدخولها اكتفى في ذلك بالمسبب عن السبب، ولما
كانت الدعوة إلى الجنة لا تتم إلا بالدعوة إلى الإسلام وضع كل منهما مقام الآخر، ولما كان
نعيم الجنة وبهجتها هو المطلوب الأصلي جعل الجنة نفس المأدبة مبالغة كذا حققه الطيبي.
قال ابن الملك: وهذا يؤذن بأن الإسلام أوسع من الجنة، قلت: هو كذلك ويشير إليه حديث:
((ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن)) (رواه الدارمي).
١١٠٠٠
٠٫٣٠

٣٦٥
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٦٢ - (٢٣) وعن أبي رافع، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم مُتكِئاً على
أريكتِه، يأتيه الأمرُ من أمري ممَّا أمرتُ به أو نهيَتُ عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في
كتاب الله اتّبعناه)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبيهقي في ((دلائل
النبوة» .
١٦٢ - (وعن أبي رافع) مولى رسول الله وَّر اسمه أسلم وغلبت عليه كنيته، كان قبطياً
وكان للعباس فوهبه للنبي وَّر، فلما بشر النبي عليه السلام بإسلام العباس أعتقه وكان إسلامه
قبل بدر، روى عنه خلق كثير، مات قبل قتل عثمان بيسير رضي الله عنه. (قال: قال رسول الله
و القر: (لا ألفين) بالنون المؤكدة من الإلفاء، أي لا أجدن (أحدكم) وهو كقولك: لا أرينك
ههنا، نهى نفسه أن تراهم على هذه الحالة، والمراد نهيهم عن تلك الحالة على سبيل المبالغة
(متكئاً) حال أو مفعول ثان (على أريكته) أي سريره المزين بالحلل والأثواب في قبة أو بيت
كما للعروس، يعني الذي لزم البيت وقعد عن طلب العلم، قيل: المراد بهذه الصفة الترفه
والدعة كما هو عادة المتكبر المتجبر القليل الاهتمام بأمر الدين (يأتيه الأمر) أي الشأن من
شؤون الدين، وقيل: اللام زائدة (من أمري) بيان الأمر، أو معناه أمر من أمري، أي الشأن من
شؤوني (مما أمرت به) بدل من أمري (أو نهيت عنه) عطف عليه لأن الشأن أعم من الأمر
(فيقول:) مرتب على يأتيه، والجملة كما هي حال أخرى من المفعول، ويكون النهي منصباً
على المجموع، أي لا ألفين أحدكم، والحال أنه متكىء ويأتيه الأمر فيقول: (لا أدري) أي لا
أعلم غير القرآن ولا أتبع غيره، أو لا أدري قول الرسول (ما وجدنا) ما موصولة أو موصوفة
(في كتاب الله) أي القرآن (اتبعناه) يعني، وما وجدناه في غيره لا نتبعه، أي وهذا الأمر الذي
أمر به عليه الصلاة والسلام، أو نهى عنه لم نجده في كتاب الله فلا نتبعه والمعنى لا يجوز
الإعراض عن حديثه عليه الصلاة والسلام، لأن المعرض عنه معرض عن القرآن، قال تعالى:
﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر - ٧] وقال تعالى: ﴿وما ينطق عن
الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم - ٣] وأخرج الدارمي عن يحيى بن كثير قال: ((كان
جبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن))(١)، كذا في الدر. ثم من قال: بأنه عليه الصلاة والسلام
كان مجتهداً يُنَزّلُ اجتهاده منزلة الوحي لأنه لا يخطىء وإذا أخطأ ينبه عليه بخلاف غيره. (رواه
أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي في دلائل النبوة) الجار متعلق بالبيهقي باعتبار
متعلقه المقدر.
الحديث رقم ١٦٢ : أخرجه أحمد في المسند ٨/٦ بغير هذه الألفاظ. وأخرجه أبو داود في السنن ١٢/٥
حديث رقم ٤٦٠٥ وأخرجه الترمذي في السنن ٣٦/٥ حديث رقم ٢٦٦٣ وقال حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجة في سننه ٦/١ حديث رقم ١٣.
(١) أخرجه الدارمي في مقدمة سننه ١٥٣/١ حديث رقم ٥٨٨.

٣٦٦
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٣ - (٢٤) وعن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسولُ اللهِ وَليّ: ((أَلا إِني
أوتِيتُ القرآنَ ومثلَه معَه، ألاَ يوشِكُ رجلٌ شبعانُ على أريكتِهِ
١٦٣ - (وعن المقدام) آخره ميم كأوّله، وهو أبو كريمة على الأشهر، وهو كندي يعد
في أهل الشام، وحديثه فيهم، روى عنه خلق كثير، مات بالشام سنة سبع وثمانين، وله
إحدى وتسعون سنة ذكره المؤلف في الصحابة. (ابن معد يكرب) بفتح الكاف وكسر الراء،
وأما الباء فيجوز كسرها مع التنوين على الإضافة ويجوز فتحه على البناء كذا في تهذيب
الأسماء، والثاني هو الصحيح من النسخ (قال: قال رسول الله وَلاير: ((ألا) حرف تنبيه، أي
أنبهكم فتنبهوا (إني أوتيت) أي آتاني الله (القرآن ومثله) أي أعطيت القرآن ومثل القرآن حال
كونه منضماً (معه) وهو يحتمل تأويلين. أحدهما أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل
ما أعطي من الظاهر، والثاني أنه أوتي الكتاب وحياً وأوتي من التأويل مثله، أي أذن له أن
يبين في الكتاب فيعمم ويخصص ويزيد وينقص فيكون ذلك في وجوب العمل ولزوم قبوله
كالظاهر المتلو من القرآن، يعني أوتيت القرآن وأحكاماً ومواعظ وأمثالاً تماثل القرآن في
كونها واجبة القبول، أو في المقدار (ألا) في تكرير كلمة التنبيه توبيخ وتقريع نشأ من غضب
عظيم على من ترك السنة والعمل بالحديث استغناء بالكتاب فكيف بمن رجح الرأي على
الحديث؟ كذا ذكره الطيبي ولذا رجح الإمام الأعظم الحديث ولو ضعيفاً على الرأي ولو قوياً
(يوشك) بكسر الشين والفتح لغة رديئة، أي يقرب (رجل شبعان) بالضم من غير تنوين، قال
القاضي: إنما وصفه بالشبع لأن الحامل له على هذا القول إما البلادة وسوء الفهم، ومن
أسبابه الشبع وكثرة الأكل، وإما الحماقة والبطر، ومن موجباته التنعم والغرور بالمال والجاه،
والشبع يكنى به عن ذلك. (على أريكته) أي متكئاً أو جالساً عليها، وفيه تأكيد لحماقة القائل
وبطره وسوء أدبه، قال الأبهري: المتكىء القاعد المتقوّي على وطاء متمكناً والعامة لا تعرف
المتكىء إلا من مال في قعوده معتمداً على أحد شقيه. اهـ. ولا شك أن الإتكاء عام في
اللغة شامل لكلام الخاصة والعامة والمقام يخصه، ولذا قال صاحب القاموس: فقوله عليه
الصلاة والسلام: ((أما أنا فلا آكل متكئاً))، أي جالساً جلوس المتمكن المتربع ونحوه من
الهيئات المستدعية لكثرة الأكل بل كان جلوسه للأكل مستوفزاً مقعياً غير متربع ولا متمكن،
وليس المراد على شق كما يظنه عوام الطلبة. اهـ. ولا يخفى أن مقامنا يقتضي الميل إلى
أحد الشقين الناشىء عن التكبر، وفيه إيماء إلى أن من كثر أكله لا يقدر على استمساك
نفسه، ويمكن أن يكون قوله: (شبعان)) كناية عن غروره بكثرة علمه وادعائه أن لا مزيد على
فضله، وفيه إشارة إلى أن السالك ينبغي أن يكون دائماً حريصاً في طلب العلم كالجيعان في
طلب الرزق، قال تعالى: ﴿وقل ربي زدني علماً﴾ [طه - ١١٤] وقال عليه الصلاة والسلام:
الحديث رقم ١٦٣ : أخرجه أبو داود في السنن ١٠/٥ حديث رقم ٤٦٠٤ وروى الترمذي نحوه في السنن
٣٧/٥ حديث رقم ٢٦٦٤ وكذلك ابن ماجة ٦/١ حديث رقم ١٢ والدارمي أيضاً ١٥٣/١ حديث
رقم ٥٨٦. وأحمد في المسند ٤/ ١٣٢.
-٠٫٠٥
١٥٦٠٠

156
٣٦٧
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
يقولُ: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فَأَجلُّوه، وما وجَدتم فيه من حرام
فحرّموه، وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ وَّرِ كما حرمَ اللَّهُ؛ ألاَ لا يحِلُّ لكم الحمارُ الأهليّ، ولا
كلُّ ذي نابٍ من السّباع، ولا لُقَطَّةُ مُعاهِدٍ إِلاَّ أن يستغني عنها صاحبُها،
(منهومان لا يشبعان طالب العلم وطالب الدنيا))(١) وفيه دلالة على المباينة بينهما. (يقول:)
أي لأصحابه وهو خبر يوشك (عليكم بهذا القرآن) أي الزموه واعملوا به ولا تلتفتوا إلى غيره
(فما وجدتم فيه) أي في القرآن (من حلال) بيان لما (فأحلوه) أي اعتقدوه حلالاً، أو أحكموا
بأنه حلال واستعملوه (وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه) أي اجتنبوه، أو انسبوه إلى الحرام
اعتقاداً وحكماً، قال الخطابي: ذكره رداً على ما ذهب إليه الخوارج وأصحاب الظواهر فإنهم
تعلقوا بظواهر القرآن وتركوا السنة التي تضمنت بيان القرآن فتحيروا وضلوا. (وإن) هذا ابتداء
الكلام من النبي ◌َّ، والواو للحال، وفيه التفات. ويحتمل أن يكون من كلام الراوي وهو
بعيد (ما حرم) قال الأبهري: ما موصولة معنى مفصولة لفظاً، أي الذي حرمه (رسول الله
وَ*) أي في غير القرآن (كما حرم الله) أي في القرآن، وفي الاقتصار على التحريم من غير
ذكر التحليل إشارة إلى أن الأصل في الأشياء إباحتها، وقال ابن حجر: أي ما حرم وأحل
رسول الله كما حرم وأحل الله، وسيأتي الكلام عليه (ألا لا يحل لكم الحمار) شروع في بيان
ما ثبت بالسنة وليس له أثر في الكتاب على سبيل التمثيل لا التحديد كذا قاله الطيبي.
وقوله: ليس له أثر، أي أثر ظاهر وإلا ففي آية: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾
[النحل - ٨] الأثر موجود ولكنه خفي دقيق أدركه أبو حنيفة وكره لحم الخيل أيضاً والله
أعلم. (الأهلي) التخصيص بالصفة لنفي عموم الحكم لأن البري حلال (ولا كل ذي ناب من
السباع) أي سباع الوحوش كالأسد والذئب، أو ذي مخلب من الطيور كما في حديث آخر
لأنها من الخبائث، وقد قال تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف - ٣٧] (ولا لقطة)
بضم اللام وفتح القاف، ما يلتقط مما ضاع من شخص بسقوط أو غفلة (معاهد) أي كافر بينه
وبين المسلمين عهد بأمان في تجارة أو رسالة كذا قاله ابن الملك، وفي معناه الذمي (إلا أن
يستغني عنها صاحبها) أي يتركها لمن أخذها استغناء عنها بأن كانت شيئاً حقيراً يعلم أن
صاحبه لا يطلبه كالنواة وقشر الرمان ونحوهما، فيجوز الانتفاع به، وهذا تخصيص بالإضافة،
ويثبت الحكم في لقطة المسلم بطريق الأولى كذا قاله ابن الملك. ويمكن أن يكون وجه
التخصيص الاهتمام بشأن المعاهد لعهده، لأن النفس ربما تتساهل في لقطته لكونه كافراً،
ولأنه بعيد عن المسامحة بخلاف المسلم والله أعلم. قال ابن حجر: وهذه يمكن أخذها من
عموم قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت﴾ إذ الالتقاط اكتساب، فاللفظة من الكسب، ومن ثم
صرح النووي في شرح مسلم: بأن من تملك لقطة بشروطها لا يحاسب عليها لأنها من كسبه
بخلاف الديون. اهـ. والظاهر أنها مأخوذة من قوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾
(١) أخرجه الدارمى ١٠٨/١ حديث ٣٣٤.

٠ ١سوء
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
٣٦٨
ومَنْ نزَل بقومٍ، فعليهم أن يَقْروه، فإِنْ لم يقروه، فله أن يُعقبِهِم بمثلٍ قراه)).
[البقرة - ٢٦٧] فإن قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة - ٢٨٦] إنما هي
في الأعمال من الطاعة والمعصية على ما عليه المفسرون من أن اللام للمنفعة وعلى للمضرة
مع عدم ملاءمته لقوله: إذ الالتقاط اكتساب واللقطة من الكسب. (ومن نزل بقوم) أخرجه من
سياق المنهيات حيث لم يقل: ولا يحل للمضيف أن لا يكرم ضيفه، وأبرزه في معرض
الشرط والجزاء دلالة على أنه ليس بمحرم ولكن خارج من سمت أهل المروءة وهدى أهل
الإيمان ويستأهل صاحبه أن يخذل ويستهجن فعله ويجازى بكل قبيح، والمعنى: من
استضاف قوماً (فعليهم) أي على القوم (أن يقروه) بفتح الياء وضم الراء، أي يضيفوه من
قريت الضيف قرى بالكسر والقصر وقراء بالفتح والمد إذا أحسنت إليه، قال الأشرف: أي
سنة واستحباباً لأن قرى الضيف غير واجب قطعاً لحديث الأعرابي: ((هل عليّ غيرهن، قال:
لا إلا أن تطوّع))(١). اهـ. وقيل: واجب لأن كلمة على للوجوب وهو مذهب أحمد،
وأجاب عنه الأكثرون القائلون بندب الإضافة لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث
الصحيح: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس))(٢)، ولقوله عزَّ وجلّ: ﴿لا تأكلوا
أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء - ٢٩] بأن هذا الحديث
محمول على المضطر فإنه يجب إطعامه إجماعاً، وقيل: هذا كان في بدء الإسلام فإنه عليه
الصلاة والسلام كان يبعث الجيوش إلى الغزو وكانوا يمرون في طريقهم بأحياء العرب ليس
هناك سوق يشترون منه الطعام ولا معهم زاد، فأوجب عليهم ضيافتهم لئلا ينقطعوا عن
الغزو، فلما قوي الإسلام وغلبت الشفقة والرحمة على الناس نسخ الوجوب وبقي الجواز
والاستحباب. (فإن لم يقروه فله) أي للنازل (أن يعقبهم) من الأعقاب بأن يتبعهم ويجازيهم
من صنيعه يقال: أعقبه بطاعته إذا جازاه، ورُوي بالتشديد، وفي نسخة بفتح الياء وضم
القاف. (بمثل قراء») بالكسر والقصر لا غير، قال في نهاية الجزري: أي فله أن يأخذ منهم
عوضاً عما حرموه من القرى، يقال: عقبهم مشدداً ومخففاً وأعقبهم إذا أخذ منهم عقبى
وعقبة، وهو أن يأخذ منهم بدلاً عما فاته وهذا في المضطر، أو منسوخ ويؤيده حديث
العرباض الآتي: ((وإن الله لم يحل لكم)) إلى قوله: ((إذا أعطوكم الذي عليهم))، وقيل:
للضيف أن يأخذ من الذين نزل بهم من أهل الذمة من سكان البادية إذا وضع عليهم الإمام
ضيافة المسلم المارّ بهم بقدر ضيافته بأي وجه يقدر قهراً أو خفية، ويحتمل أن الأمر بأخذ
مقدار القرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي نسخت بوجوب الزكاة، ويرد
بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقال ابن حجر: فإن قلت إنما ذكر وَل# ما حرمه فأين ما
أحله؟ قلت: قد ذكره أيضاً بالنص حيث قال: إلا أن يستغني عنها صاحبها، وقال: فله أن
يعقبهم الخ، وعجيب من الطيبي حيث استشكل ذلك ثم أجاب عنه بما لا يدفعه مع ما فيه
من النظر، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما خصه الدليل لقوله تعالى: ﴿وخلق لكم
(١) متفق عليه راجع الحديث رقم ١٦.
Pha.
: *وب. البار بي!
(٢) أحمد في المسند ٥/ ٧٢.

٣٦٩
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه أبو داود، وروى الدارمي نحوه، وكذا ابن ماجة إِلى قوله: ((كما حرَّم اللَّهُ».
١٦٤ - (٢٥) وعن العِرباض بن سارية، قال: قام رسولُ اللهِوَّه فقال: ((أيحسب
أحدُكمُ متكِئاً على أريكته يظن أنَّ اللَّهَ لم يُحَرم شيئاً إِلا ما في هذا القرآن؟! ألاَ وإني والله
قد أمرتُ ووَعظتُ ونِهَيْتُ
ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة - ٢٩] فخصت منها أشياء بنص التنزيل، وبقي ما عداها في
معرض التحليل، وخص منها بنص الحديث بعض فبقي سائرها على أصل الإباحة، فكأنه
عليه الصلاة والسلام نص على تحليلها فلا يزيد ولا ينقص. اهـ. وكلام الطيبي كالمسك
لأن الاستثناء لا يدل على التحليل الابتدائي نصاً بل فيه إشارة إلى علة التحريم في المستثنى
منه وهو احتياج الناس إلى ما في أيديهم، وأما قوله: فله أن يعقبهم تقريع على مخالفتهم في
قبول الأمر الواجب ومجازاة لهم، بل في الحقيقة إجازة لأن يأخذ حقه بيد القوّة منهم فأين
هذا من التحليل الذي هو جعل الشيء الحرام حلالاً مع أن الجمهور على أن هذا مختص
بالمضطر؟ فيكون من باب الإباحة المعلوم من قوله تعالى: ﴿لا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام
- ٦] فكيف يقال إنه تحليل مختص بالحديث مع نصه في الكتاب القديم؟ (رواه أبو داود)
والترمذي بهذا اللفظ (وروى الدارمي نحوه) بالمعنى (وكذا) روى نحوه (ابن ماجة) لكن (إلى
قوله: ((كما حرم الله)).
١٦٤ - (وعن العرباض) بكسر العين وهو من أصحاب الصفة البكائين المشتاقين إلى الله
تعالى، يقول في دعائه: كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني إليك (ابن سارية) يكنى أبا نجيح
بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة، سكن الشام ومات بها سنة خمس وسبعين، روى عنه
أبو إمامة وجماعة من التابعين ومروياته أحد وثلاثون حديثاً. (قال: قام رسول الله(وَليؤ) أي
خطيباً أو خطب (فقال: أيحسب) بكسر السين وفتحها، أي أيظن (أحدكم) حال كونه (متكئاً
على أريكته يظن) قال الأشرف: بدل من ((يحسب)) بدل الفعل من الفعل، أي للبيان والتفسير،
وقال الطيبي: ويجوز أن يكون التكرار للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون
بما أتوا﴾ إلى قوله: ﴿فلا تحسبنهم بمفازة من العذب﴾ [آل عمران - ١٨٨] (إن الله لم يحرم
شيئاً إلا ما في هذا القرآن) أي العظيم الشأن الكثير البيان (ألا) للتنبيه (وإني) الواو للحال (والله
قد أمرت ووعظت ونهيت) فيه ثلاث تأكيدات، قال الطيبي: الواو هنا بمنزلة الواو في وإنما في
الحديث السابق لأن الهمزة للإنكار، أي همزة ((أيحسب)) ووهم ابن حجر حيث قال: فالهمزة
في ((أيحسب)) للإنكار وكذا في ألا وحرف التنبيه مقحم الخ، مع مناقضته لقوله السابق من أن
ألا للتنبيه مركبة من همزة الاستفهام، ولا النافية تفيد تحقق ما بعدها، ومن ثم صدرت بما
يصدر به جواب القسم ومثلها أما. اهـ. ووقع في أما فيما تقدم كما وقع هنا في ألا، نعم
أصل هذه الهمزة للإنكار لأنها إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق على ما صرح به صاحب
عود
١
الحديث رقم ١٦٤: أخرجه أبو داود من حديث طويل ٤٣٦/٣ حديث رقم ٣٠٥٠.
٤

٠ ٦٥٫
- ،٦٠١٠:1
٣٧٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
عن أشياء إِنها لمثلُ القرآن أو أكثرُ، وإِنَّ اللَّهَ لم يُحِلَّ لكم أن تدخُلوا بيوتَ أهل الكتاب إِلا
بإِذنٍ، ولا ضربَ نسائِهِم، ولا أكلَ ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم)).
القاموس لكنها غير قابلة للانفصال فتأمل، فإنه مزلة للرجال، والمعنى: أيحسب أحدكم أن الله
تعالى حصر المحرمات في القرآن والحال إني قد حرمت؛ فاقحم حرف التنبيه المتضمن للإنكار
بين الحال وعاملها كما أقحم حرف الإنكار بين المبتدأ والخبر في قوله تعالى: ﴿أفمن حق عليه
كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار﴾ [الزمر - ١٩] جاءت الهمزة مؤكدة معادة بين المبتدأ
المتضمن للشرط وبين الخبر ذكره الزجاج. (عن أشياء) متعلق بالنهي فحسب، ومتعلق الأمر
والموعظة محذوف، أي بأشياء (إنها) أي الأشياء المأمورة المنهية على لساني بالوحي الخفي
قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم - ٣] (لمثل القرآن) في
المقدار (أو أكثر) أي بل أكثر، قال المظهر: أو في قوله: ((أو أكثر)) ليس للشك بل إنه عليه
الصلاة والسلام لا يزال يزداد علماً طوراً بعد طور وإلهاماً من قبل الله ومكاشفة لحظة فلحظة،
فكوشف له أن ما أوتي من الأحكام غير القرآن مثله، ثم كوشف له بالزيادة متصلاً به ذكره
الأبهري، وفيه تأمل [وقد يستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيءٍ﴾
[النحل - ٨٩] بناء على بقائه على عمومه، أي فيما يحتاج إليه في الدين، ويجاب بأن نسبة هذا
إليه وَلو إنما هو لكونه الذي استنبطه واستخرجه من القرآن، ولذا قال الشافعي: كل ما حكم به
رسول الله * فهو مما فهمه من القرآن، ثم أخرج ما يؤيده وهو قوله وَّيقول: «إني لا أحل إلا ما
أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه))، وقال: جميع ما تقوله الأئمة شرح للسنة
وجميع السنة شرح للقرآن، وقال: ما نزل بأحد من الدين نازلة إلا وهي في كتاب الله تعالى،
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود: ((إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله))(١)،
وعن ابن جبير: ما بلغني حديث على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله تعالى] (وإن الله
لم يحل لكم) من الإحلال (أن تدخلوا بيوت) بكسر الباء وضمها (أهل الكتاب) يعني أهل الذمة
قبلوا الجزية (إلا بإذن) كذا في أصل السيد جمال الدين، وليس فيه غيره، وفي بعض النسخ
المصححة: ((إلا بإذنهم))، أي إلا أن يأذنوا لكم بالطوع والرغبة كما لا يحل لكم أن تدخلوا
بيوت المسلمين بغير إذنهم (ولا ضرب نسائهم) يريد الضرب المعروف بالخشب، يعني لا
يجوز أن تضربوا نساءهم وتأخذوا طعاماً أو غيره منهن بالقهر. وقيل: الضرب كناية عن الجماع
يعني لا تظنوا أن نساءهم محلات لكم كنساء أهل الحرب (ولا أكل ثمارهم) أي بالقهر من
بساتينهم فضلاً عن بقية أموالهم (إذا أعطوكم الذي عليهم) [أي] من الجزية، والحاصل عدم
التعرض لهم بإيذانهم في المسكن والأهل والمال إذا أعطوا الجزية، وإذا أبوا عنها انتقضت
ذمتهم وحل دمهم ومالهم ونساؤهم وصاروا كاهل الحرب في قول صحيح كذا ذكره ابن
الملك. قال الطيبي: وإنما وضع قوله: ((الذي عليهم)) موضع الجزية ليؤذن بفخامة العلة، وبأن
عدم التعرض معلل بأداء ما عليهم ولو صرح بها لم يفخم. اهـ. والأظهر أن الذي عليهم أعم
(١) وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢٥.
*** /

٣٧١
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
رواه أبو داود وفي إِسناده: أشعث بن شعبة المِصِيّصي، قد تكلم فيه.
١٦٥ _ (٢٦) وعنه، قال: صلَّى بنا رسولُ الله وَّر ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه
فوعظَنا موعظةً بليغةً، ذَرفَتْ منها العُيون، ووجِلتْ منها القُلوب. فقال رجلٌ: يا رسول
الله! كأنَّ هذه موعظةُ مُوَدِّعٍ
من الجزية؛ فإن من جملة ما عليهم أن لا يحدثوا بيعة ولا كنيسة في دارنا، وأن يتميزوا في
زيهم ومركبهم وسرجهم وسلاحهم فلا يركبوا خيلاً ولا يلبسوا ما يخص أهل العلم والزهد
والشرف ويركبوا على سرج كالإكاف وغيرها مما هو مقرر في كتاب الفقه؛ فلا وجه لتخصيص
الذي عليهم بالجزية فقط كما لا يخفى غايته أنه وضع ((أعطوا)) موضع فعلوا تغليباً لجانب
الجزية فإنها معظم ما عليهم (رواه أبو داود) كذا في أصل المشكاة بعد قوله رواه وسببه تقدم في
الخطبة فألحقه ميرك شاه في هذا المحل، وقال: رواه أبو داود وفي إسناده أشعث بن شعبة
المصيصي تكلم فيه. اهـ. وهو بكسر الميم وتشديد المهملة الأولى نسبة إلى بلد بالشام.
١٦٥ - (وعنه) أي عن العرباض (قال: صلى بنا) أي إماماً لنا (رسول الله (وَلّ ذات يوم)
أقحم ذات لدفع المجاز، أي نهاراً (ثم أقبل علينا بوجهه) تأكيد (فوعظنا) بفتح الظاء، أي
نصحنا رسول الله وَير (موعظة) وهي ما يوعظ به (بليغة) أي تامة في الإنذار، قال السيد جمال
الدين: أي وجيزة اللفظ كثيرة المعنى، أو بالغ فيها بالإنذار والتخويف. اهـ. وقال
التوربشتي: أي بالغ فيها الإنذار والتخويف كقوله تعالى: ﴿وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً﴾
[النساء - ٦٣] وليس المراد وجازة اللفظ وكثرة المعنى مع البيان كما قاله القاضي لأن قوله:
((ذرفت منها العيون)) يدل عليه. اهـ. وفيه أنه لا يلزم من إرادة وجازة اللفظ عدم إفادة الإنذار
الذي سبب البكاء والله أعلم. (ذرفت) بفتح الراء، أي دمعت (منها العيون) أي سالت من
موعظته دموع العيون بضم العين وكسرها كقوله تعالى: ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾
[المائدة - ٨٣] (ووجلت) بكسر الجيم، والوجل خوف مع الحذر، أي خافت (منها
القلوب)لتأثيرها في النفوس واستيلاء سلطان الخشية على القلوب، قال الطيبي: ذرفت، أي
سالت وإسناده إلى العيون مبالغة، وفائدة تقديم ((ذرفت)) على ((وجلت)) وحقه التأخير للإشعار
بأن تلك الموعظة أثرت فيهم وأخذت بمجامعهم ظاهراً وباطناً. اهـ. وتبعه ابن حجر ولا
يخفى أن العلة المذكورة إنما هي للجمع بينهما لا للتأخير، ويمكن أن يقال وجهه أن الظاهر
عنوان الباطن، ويستدل بالدمعة على الخشية وإن كانت هي موجبة للدمعة والله أعلم. (فقال
رجل:) وفي الأربعين: ((قلنا)) (يا رسول الله كأنّ) بالتشديد (هذه) أي هذه الموعظة، وفي
الأربعين ((كأنها)) (موعظة مودع) بالإضافة فإن المودع بكسر الدال عند الوداع لا يترك شيئاً مما
الحديث رقم ١٦٥ : أخرجه أحمد في المسند ١٢٦/٤. وأخرجه أبو داود ١٣/٥ حديث رقم ٤٦٠٧.
والترمذي في السنن ٤٣/٥ حديث رقم ٢٦٧٦. وابن ماجة في سننه ١٥/١ حديث رقم ٤٢.
والدارمي في سننه ١/ ٥٧ حديث رقم ٩٥.

٠
الوسطية حا
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
٣٧٢
فأوصِنا، فقال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسَّمع والطاعة، وإِن كان عبداً حَبَشياً، فإِنَّه مَنْ
يَعِشْ منکم بعدي
يهم المودع بفتح الدال، أي كأنك تودعنا بها لما رأى من مبالغته عليه الصلاة والسلام في
الموعظة، ويمكن أن يقال لما رأى تأثيراً عجيباً من موعظته في الظاهر والباطن بحيث أدى
إلى البكاء فشبه موعظته بموعظة المودع من حيث التأثير والبكاء، أو لكمال التأثير توهموا أنه
يعقبه الزوال والله أعلم بحقيقة الحال. (فأوصنا) أي إذا كان الأمر كذلك فمرنا بما فيه كمال
ص/wh
صلاحنا وإرشادنا في معاشنا ومعادنا بعد وفاتك (فقال: أوصيكم بتقوى الله) أي بمخافته
والحذر من معصيته، قال تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا
الله﴾ [النساء - ١٣١] أي بأقسامها الثلاثة، وهي تقوى الشرك والمعصية وتقوى ما سوى
الله. وهذا من جوامع الكلم لأن التقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات. وهي زاد
الآخرة تنجيكم من العذاب الأبدي وتبلغكم إلى دار السرور وتوجب الوصول إلى عتبة
الجلال والقدس والنور.
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
وهذا فيما بينهم وبين الله (والسمع) أي وبسمع كلام الخليفة والأئمة (والطاعة) لمن يثني
أمركم من الأمراء ما لم يأمر بمعصية عادلاً كان أو جائراً وإلا فلا سمع ولا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق، لكن لا يجوز محاربته بتة. (وإن كان) أي المطاع، يعني من ولاء الإمام عليكم
(عبداً حبشياً) فأطيعوه ولا تنظروا إلى نسبه بل اتبعوه على حسبه، ولفظ الأربعين: ((وإن تأمر
عليكم عبد))، أي صار أميراً أدنى الخلق فلا تستنكفوا عن طاعته، أو ولو استولى عليكم عبد
حبشي فأطيعوه مخافة إثارة الفتن، فعليكم بالصبر والمداراة حتي يأتي أمر الله، وقيل: هذا وارد
على سبيل الحث والمبالغة على طاعة الحكام لا التحقيق كما قال عليه الصلاة والسلام: ((من
بنى الله مسجداً ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)) (١)، وقيل: ذكر على سبيل المثل
إذ لا تصح خلافته لقوله عليه الصلاة والسلام الأئمة من قريش(٢)، قلت: لكن تصح إمارته
مطلقاً وكذا خلافته تسلطاً كما هو في زماننا في جميع البلدان، وكأن ذكر الحبشي لكونه الغالب
في ذلك الزمن وإلا فغيره كالزنجي أخس منه فكان أنسب بالغاية، أو المراد بالحبشي العبد
الأسود فيشمل الزنجي والهندي ثم التركي يعلم بالأولى. (فإنه) أي الشأن، وفي الأربعين وإنه
بالواو (من يعش) بالجزم، وفي الأربعين بالرفع (منكم بعدي) قال الطيبي: الفاء للسببية جعل ما
بعدها سبباً لما قبلها، يعني من قبل وصيتي والتزم تقوى الله وقبل طاعة من ولي عليه ولم يهيج
الفتن أمن بعدي مما يرى من الاختلاف الكثير وتشعب الآراء ووقوع الفتن. اهـ. وكتب السيد
جيورام
(١) أخرجه ابن ماجة في السنن ٢٤٤/١ حديث رقم ٧٣٨.
(٢) الحاكم في المستدرك ٤/ ٧٦٠ وأحمد ١٢٩/٣.
دج+ +

ودم بـ
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
٣٧٣
فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المَهديّين،
جمال الدين تحته: وفيه وما زاد عليه ووجه نظره ظاهر من وجهين، أحدهما عدم ظهور وجه
السببية، وثانيهما عدم وجود الأنسبية بل الفاء للتفريع، والمعنى: الزموا ما قلت لكم فإنه من
يعش منكم بعدي لا مخلص له إلا نصيحتي (فسيرى اختلافاً كثيراً) أي من ملل كثير كل يدعي
اعتقاداً غير اعتقاد الآخر إشارة إلى ظهور أهل البدع والأهواء، أو اختلافاً على الملك وغيره
كثيراً يؤدي إلى الفتن وظهور المعاصي وولاية الإخساء حتى العبيد. (فعليكم بسنتي) اسم فعل
بمعنى الزموا، أي بطريقتي الثابتة عني واجباً أو مندوباً (وسنة الخلفاء الراشدين) فإنهم لم
يعملوا إلا بسنتي؛ فالإضافة إليهم إما لعملهم بها، أو لاستنباطهم واختيارهم إياها (المهديين)
أي الذين هداهم الله إلى الحق، قيل: هم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي
الله عنهم لأنه عليه الصلاة والسلام قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد انتهى بخلافة علي كرم
الله وجهه، قال بعض المحققين: ووصف الراشدين بالمهديين لأنه إذا لم يكن مهتدياً في نفسه
لم يصلح أن يكون هادياً لغيره لأنه يوقع الخلق في الضلالة من حيث لا يشعر، وهم الصديق
والفاروق وذو النورين وأبو تراب علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين، لأنهم لما كانوا
أفضل الصحابة وواظبوا على استمطار الرحمة من السحابة النبوية، وخصهم الله بالمراتب العلية
والمناقب السنية، ووطنوا أنفسهم على مشاق الأسفار ومجاهدة القتال مع الكفار، أنعم الله
عليهم بمنصب الخلافة العظمى والتصدي إلى الرياسة الكبرى، لإشاعة أحكام الدين وإعلاء
أعلام الشرع المتين، رفعاً لدرجاتهم وازدياداً لمثوباتهم، فخلف الصديق بإجماع الصحابة سنتين
وثلاثة أشهر وعشرة أيام لحلمه ووقاره وسلامة نفسه ولين جانبه والناس متحيرون والأمر غير
ثابت، فحمى بيضة الدين ودفع غوائل المرتدين وجمع القرآن وفتح بعض البلدان، ثم استخلف
الفاروق لأن الأمر مستقر والقوم مطيع والفتن ساكنة، فرفع رايات الإسلام في مشارق الأرض
ومغاربها وفتح أكثر أقاليم الأرض، لأنه كان في غاية الصلابة وكمال الشهامة ومتانة الرأي
وحسن التدبير، وخلافته عشر سنين وستة أشهر وعشر ليال. ثم بويع لعثمان لشوكة أقاربه
وبسط أيدي بني أمية في حكومة الأطراف زمن عمر، فلو نصب غيره لوقع الخلاف، فأظهر في
مدة اثنتي عشرة سنة مساعي جميلة في الإسلام، وجمع الناس على مصحف واحد بعدما كانوا
يقرؤون بقراآت مختلفة على حسب السماع وبعث به إلى الآفاق ولذا نسب المصحف إليه
وجعل إماماً. ثم بويع بعده لعلي المرتضى لأنه أفضل الصحابة بعدهم وسيد بني هاشم ما خلا
رسول الله ور، فلو لم تقع الخلافة على الترتيب المذكور لحرم واحد من ذلك المنصب
المشكور؛ ولا يخفى إن هذا من جملة معجزاته عليه الصلاة والسلام الدال على صدق نبوّته
لأنه استبد بذكر هذا الغيب وقال: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضً»(١) ووقع
كما قال، قال التوربشتي: وأما ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأنه علم أنهم لا يخطئون فيما
يستخرجون من سنته، أو أن بعضها ما اشتهر إلا في زمانهم وليس المراد انتفاء الخلافة عن
(١) الترمذي الحديث رقم (٢٢٢٦). وملك عضوض شديد فيه عسف وعنف.

٣٧٤
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإِياكم ومحدثات الأمور؛ فإِن كلَّ محدثةٍ بدعةٌ،
وكلَّ بدعةٍ ضَلالة)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وابن ماجة إلا أنهما لم يذكرا
الصلاة .
غيرهم حتى ينافي قوله عليه الصلاة والسلام: ((يكون في أمتي اثنا عشر خليفة)» بل المراد
تصويب رأيهم وتفخيم أمرهم، وقيل: هم ومن على سيرتهم من أئمة الإسلام المجتهدين في
الأحكام فإنهم خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام في إحياء الحق وإرشاد الخلق وإعلاء الدين
وكلمة الإسلام. (تمسكوا بها) أي بالسنة (وعضوا) بفتح العين (عليها) أي على السنة
(بالنواجذ) جمع ناجذة بالذال المعجمة، وهي الضرس الأخير، وقيل: هو مرادف السن،
وقيل: هو الناب. قال الماوردي: إذا تكاملت الأسنان فهي ثنتان وثلاثون؛ منها أربعة ثنايا
وهي أوائل ما يبدو للناظر من مقدم الفم، ثم أربع رباعيات، ثم أربع أنياب، ثم أربع
ضواحك، ثم اثنا عشر أضراس وهي الطواحن، ثم أربع نواجذ وهي أواخر الأسنان، كذا نقله
الأبهري. والصحيح أن الأضراس عشرون شاملة للضواحك والطواحن والنواجذ والله أعلم.
والعض كناية عن شدة ملازمة السنة والتمسك بها؛ فإن من أراد أن يأخذ شيئاً [أخذاً
شديداً] يأخذه بأسنانه، أو المحافظة على هذه الوصية بالصبر على مقاساة الشدائد كمن أصابه
ألم لا يريد أن يظهر فيشتد بأسنانه بعضها على بعض. قال بعض المحققين: هذه استعارة
تمثيلية؛ شبه حال المتمسك بالسنة المحمدية بجميع ما يمكن من الأسباب المعينة عليه بحال
من يتمسك بشيء بيديه ثم يستعين عليه بأسنانه استظهاراً للمحافظة في ذلك، لأن تحصيل
السعادات الحقيقية بعد مجانبة كل صاحب يفسد الوقت وكل سبب يفتن القلب منوط باتباع
السنة بأن يمتثل الأمر على مشاهدة الإخلاص ويعظم النهي على مشاهدة الخوف، بل باقتفاء
آثار الرسول لل في جميع موارده ومصادره وحركاته وسكناته ويقظته ومنامه حتى يلجم
النفس بلجام الشريعة، ويتجلى في القلب حقائق الحقيقة بتصقيله من مفاتح الأخلاق وتنويره
بأنوار الذكر والمعرفة والوفاق، وتعديله بإجراء جميع حركات الجوارح على قانون العدل
حتى يحدث فيه هيئة عادلة مسنونة من آثار الفضل يستعد لقبول المعارف والحقائق، ويصلح
أن ينفخ فيه روح الله المخصوص بسلاك أحسن الطرائق. هذا وقيل: تمسكوا وعضوا فعلاً
ماض صفتان للخلفاء. (وإياكم ومحدثات الأمور) عطف على قوله: ((فعليكم)) للتقرير
والتوكيد، أي احذروا عن الأمور التي أحدثت على خلاف أصل من أصول الدين واتقوا
أحداثها (فإن كل محدثة بدعة) أي في الشريعة (وكل بدعة) بنصب كل، وقيل: برفعه
(ضلالة) إلا ما خص وقد تقدم (رواه أحمد وأبو داود والترمذي) وقال حديث حسن صحيح.
(وابن ماجة إلا أنهما) أي الترمذي وابن ماجة (لم يذكرا الصلاة) أي لم يوردا أوّل الحديث
وهو قول العرباض: ((صلى بنا رسول الله)) بل قالا: ((وعظنا)) كما في المصابيح فإنه افتتح
بقوله: ((وعظنا رسول الله وَلقر).
٢٠٠

75٧٤
حدا
٣٧٥
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٦٦ - (٢٧) وعن عبد الله بن مسعود، قال: خطَّ لنا رسول الله وَلّر خطّاً، ثم قال:
(هذا سبيلُ الله))، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: «هذه سُبُلٌ، على كل سبيلٍ
منها شيطانٌ يَدعو إِليه))، وقرأ: ﴿وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبِعوه ﴾ الآية)). رواه أحمد،
والنسائي، والدارمي.
١٦٦ - (وعن عبد الله بن مسعود قال: ((خط لنا) أي لأجلنا تعليماً وتفهيماً [وتقريباً لأن
التمثيل يجعل المقصود من المعنى كالمحسوس من المشاهد في المبنى] (رسول الله وَل فير خطاً)
أي مستوياً مستقيماً (ثم قال: هذا سبيل الله) أي هذا الرأي القويم والصراط المستقيم؛ وهما
الاعتقاد الحق والعمل الصالح. وهذا الخط لما كان مثالاً سماه سبيل الله كذا قاله ابن الملك،
والأظهر أن المشار إليه بهذا هو الخط المستوي والتقدير: هذا مثل سبيل الله، أو هذا سبيل الله
مثلاً، وقيل: تشبيه بليغ معكوس، أي سبيل الله الذي هو عليه وأصحابه مثل الخط في كونه
على غاية الاستقامة (ثم خط خطوطاً) أي سبعة صغاراً منحرفة (عن يمينه) أي عن يمين الخط
المستوي (وعن شماله) كذلك (وقال هذه) أي الخطوط (سبل) أي غير سبيل الله، أو سبيل
للشيطان لقوله: (على كل سبيل) أي رأسه (منها) أي من السبل (شيطان) من الشياطين (يدعو)
ذلك الشيطان الناس (إليه) أي إلى سبيل من السبل، وفيه إشارة إلى أن سبيل الله وسط ليس فيه
تفريط ولا إفراط بل فيه التوحيد والاستقامة ومراعاة الجانبين في الجادة، وسبل أهل البدع مائلة
إلى الجوانب، وفيها تقصير وغلو وميل وانحراف وتعدد واختلاف كالقدرية والجبرية والخوارج
والروافض والمعطلة والمشبهة. (وقرأ) أي رسول الله ومطر كما هو الظاهر، ويحتمل أن يرجع
الضمير إلى ابن مسعود حكاية عن قول الله تعالى: ((وأن هذا﴾) بالفتح والتشديد وتقديره:
واتل عليهم، أو يقدر اللام، وبالكسر استئناف وبالفتح والتخفيف على أن فيه ضمير القصة
وهذا رفع، وقوله (﴿صراطي﴾) خبر وهو بسكون الياء وفتحها (﴿مستقيماً﴾) نصب على الحال
والعامل فيه معنى التنبيه أو الإشارة (﴿فاتبعوه﴾) أي صراطي وسبيلي (الآية) بعدها ﴿ولا تتبعوا
السبل﴾ [الأنعام - ١٥٣] أي سبل الشياطين المنحرفة الزائغة المتشعبة من طرق الشرك والبدعة
التي أشار إليها وَّه بقوله: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا التي على ما
كنت عليه أنا وأصحابي))(١). وبهذا الحديث يندفع زعم كل فريق إنه على الصراط المستقيم.
﴿فتفرق بكم﴾ بحذف إحدى التاءين ﴿عن سبيله﴾ إشارة إلى أنه لا يمكن اجتماع سبيل
الحق مع السبل الباطلة .
﴿ذلكم وصاكم﴾ أي الله ﴿به لعلكم تتقون﴾ أي لكي تتقوه أي عذابه أو مخالفته أو سبل
غيره. (رواه أحمد والنسائي والدارمي).
الحديث رقم ١٦٦: أخرجه أحمد في المسند ٤٣٥/١. والدارمي ٧٨/١ حديث رقم ٢٠٢ وأخرج ابن
ماجة نحوه ٦/١ حديث رقم ١١.
(١) الحاكم ٤ /٤٣٠.
النجوم /

٣٧٦
:١٧٢
١٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٦٧ - (٢٨) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسولُ الله وَلَهِ: ((لا يُؤْمنُ أحدُكم
حتی یکونَ هواهُ
١٦٧ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله وَلاوٍ: ((لا
يؤمن أحدكم حتى يكون هواه) أي ميل نفسه، سُمي به لأنه يهوي صاحبه في الدنيا إلى الداهية
وفي الآخرة إلى الهاوية فكأنه من هوى يهوي هوى إذا سقط (تبعاً لما جئت به))) يجوز أن
يحمل هذا على نفي أصل الإيمان، أي حتى يكون تابعاً مقتدياً لما جئت به من الشرع عن
اعتقاد لا عن إكراه وخوف سيف كالمنافقين، وقيل: المراد نفي الكمال، أي لا يكمل إيمان
أحدكم حتى يكون ميل نفسه، أي ما تشتهيه، تبعاً لما جئت به من الأحكام الشرعية؛ فإن
وافقها هواه اشتغل بها لشرعيتها لا لأنها هوى، وإن خالفها اجتنب هواه فحينئذ يكون مؤمناً
كاملاً. قال بعض العارفين: أي حتى يكون هواه الذي من أصل صفاته النفسانية بل المعبود
الباطل المطاع والمحبوب الاتباع تبعاً لما جئت به من السنة الزهراء والملة النقية البيضاء، حتى
تصير همومه المختلفة وخواطره المتفرقة التي تنبعث عن هوى النفس وميل الطبع هماً واحداً
يتعلق بأمر ربه واتباع شرعه تعظيماً له وشفقة على خلقه كما قال الشاعر:
كانت لقلبي أهواء مفرقة * فاستجمعت اذرأتك العين أهواي
ـده * [وصرت مولى الورى إذا صرت مولاي]
وصار يحسدني من كنت أحسد
[تركت للخلق دنياهم ودينهم] * شغلاً بحبك يا ديني ودنياي
فلا يميل إلا بحكم الدين ولا يهوى إلا بأمر الشرع؛ فهو المؤمن الفريد الكامل الوحيد
الذي يقبل منه التوحيد، ومن أعرض عنه متبعاً لما هواه مبتغياً لمرضاه فهو الكافر الخاسر في
دنياه وعقباه، ومن اتبع أصول الشريعة دون فروعها فهو الفاسق، ومن عكس فهو المنافق.
والهوى مصدر هويه أحبه، وشرعاً ميل النفس إلى خلاف ما يقتضيه الشرع وأما إذا وافق
الهوى الهدى فهو كالزبدة على العسل ونور على نور وسرور على سرور، قال تعالى: ﴿ومن
أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ [القصص - ٥٠] فإن قلت: ما جاء به الرسول وَ ل* نور
وضياء، والهوى ظلمة في النفس انبعثت من الطبيعة الترابية، فكيف يصير الهوى الظلماني تبعاً
للدين النوراني؟ فالجواب أن النفس لطيفة في الجسد تولدت من ازدواج الروح والبدن
واتصالهما، والروح لطيف روحاني والجسد كثيف ظلماني، والنفس متوسطة بينهما تقبل
اللطافة الروحانية والكثافة الجسمانية، وهذا هو التسوية التي قال الله تعالى: ﴿ونفس ما سواها)
[الشمس - ٧] باستقامة الروح الروحاني في الروح الحيواني بمثابة النور في الحدقة، فصارت
النفس بها قابلة للخير والشر والفجور والتقوى، فإذا غلب الأمر بالتقوى صارت مزكاة عن
الكدورات متوجهة إلى الدين قابلة لليقين، وإذا غلب الأمر بالفجور صارت تابعة للهوى سالكة
مسالك الردى :
الحديث رقم ١٦٧: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٠٢/١ حديث رقم ١٠٤.
jess
SMAL

٣٧٧
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
تبعاً لِما جئتُ به)). رواه في ((شرح السنة))، وقال النووي في ((أربعينه)): هذا حديث
صحیح، رویناه في ((كتاب الحجة)) بإِسناد صحيح.
١٦٨ - (٢٩) وعن بلال بن الحارث المزني، قال: قال رسول الله وَله: ((مَن أخيا
سُنَّةً من سنتي قد أمِيتَتْ بعدي، فإِنَّ له من الأجر مثلَ أجور من عمل بها من غير أن يَنقص
من أجورهم
نون الهوان من الهوى مسروقة * فصريح كل هوى صريح هوان
قال الراغب: مثل النفس في البدن كمجاهد بعث إلى ثغر يراعي أحواله، وعقله خليفة
مولاه ضم إليه ليرشده ويشهد له وعليه إذا عاد، وبدنه بمنزلة مركوبه، وهواه وشهوته سائس
خبيث ضم إليه ليفقد مركوبه، والقرآن بمنزلة كتاب أتاه عن مولاه تبياناً لكل شيء وهدى
ورحمة، والنبي رسول أتاه بالكتاب المبين ليبين للناس ما نزل إليهم؛ فإن جاهد أعداءه وقهرهم
واستعان بالعقل وسلطه حمد إذا عاد إلى حضرته وهو من المفلحين، ومن ضيع ثغره وأهمل
رعيته وصرف همه إلى تفقد مركوبه وأقام سائس المركوب مقام خليفة ربه فهو في الآخرة من
الخاسرين. (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده (وقال النووي:) بالقصر ويجوز مده
(في أربعينه) أي الأربعين حديثاً الذي صنفه (هذا حديث صحيح رويناه) بصيغة المعلوم،
وقيل: مجهول (في كتاب الحجة) أي في اتباع المحجة(١) اسم كتاب لأبي القاسم إسماعيل بن
محمد بن الفضل الأصفهاني التيمي (بإسناد صحيح).
١٦٨ - (وعن بلال بن الحرث) وفي نسخة حارث (المزني) أبو عبد الرحمن مدني سكن
بالأستعرى وراء المدينة، روى عنه ابنه الحرث وعلقمة بن الوقاص، مات سنة ستين وله ثمانون
سنة. (قال: قال رسول الله وَلقوله: ((من أحيا سنة) أي من أظهرها وأشاعها بالقول أو العمل (من
سنتي) قال الأشرف: ظاهر النظم يقتضي أن يقال: من سنني، لكن الرواية بصيغة الإفراد. اهـ.
فيكون المراد بها الجنس، أي طريقة من الطرق المنسوبة إليّ واجبة أو مندوبة أخذت عني بنص
أو استنباط كما أفاده إضافة سنة إلى الضمير المقتضية للعموم. (قد أمينت بعدي) قال ابن
الملك: أي تركت تلك السنة عن العمل بها، يعني من أحياها من بعدي بالعمل بها، [أو حث
الغير على العمل بها] (فإن له من الأجر) أي الثواب الكامل (مثل أجور من عمل بها) قال ابن
الملك: يشمل بإطلاقة العمال قبل الأحياء وبعده، وفيه أن شموله لما قبل الأحياء في غاية من
البعد. (من غير أن ينقص) متعد ويحتمل اللزوم (من أجورهم) من للتبعيض، أي من أجور من
(١) جاء في كشف الظنون أنه كتاب ((الحجة في بيان المحجة)) للإمام أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن
الفضل بن علي الأصبهاني ت (٥٣٥) وهو كتاب جمع فيه دلائل التوحيد وعقائد أهل السنة.
الحديث رقم ١٦٨: أخرجه الترمذي ٤٤/٥ حديث رقم ٢٦٧٧ وهو عنده من طريق كثير بن عبد الله عن
أبيه عن جده أن النبي ◌َّ قال لبلال بن الحرث ((اعلم قال: ما أعلم يا رسول الله)) وذكر الحديث.
٠١/٠١/٠٦

ر مصنع
٣٧٨
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
شيئاً؛ ومن ابتدَعَ بدعةٌ ضلالة لا يرضاها اللَّهُ ورسوله، كان عليه [ من الإِثم ] مثلُ آثام مَن
عمِل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً)). رواه الترمذي.
١٦٩ - (٣٠) ورواه ابن ماجة عن كثير بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده.
١٧٠ - (٣١) وعن عمرو بن عوف، قال: قال رسول الله وَله: ((إِن الدين ليَأرز
عمل بها، فأفرد أوّلاً رعاية للفظه وجمع ثانياً لمعناه. (شيئاً) مفعول به أو مفعول مطلق لأنه
حصل له باعتبار الدلالة والأحياء والحث، وللعاملين باعتبار الفعل فلم يتواردا على محل واحد
حتى يتوهم أن حصول أحدهما ينقص الآخر (ومن ابتدع بدعة ضلالة) يُروى بالإضافة، ويجوز
أن ينصب نعتاً ومنعوتاً، وهي ما أنكره أئمة المسلمين كالبناء على القبور وتخصيصها. وقيد
البدعة بالضلالة لإخراج البدعة الحسنة كالمنارة كذا ذكره ابن الملك. (لا يرضاها الله ورسوله)
صفة كاشفة للضلالة، أو احترازية للبدعة (كان عليه من الإثم) أي الوزر (مثل آثام من عمل بها
لا ينقص ذلك) أي ذلك الإثم (من أوزارهم شيئاً))) مفعول به لا غير، وحكمة ذلك أن من كان
سبباً في إيجاد شيء صحت نسبة ذلك الشيء إليه على الدوام، وبدوام نسبته إليه يضاعف ثوابه
أوعقابه لأنه الأصل فيه. (رواه الترمذي) أي عن بلال.
١٦٩ - (ورواه ابن ماجة عن كثير بن عبد الله بن عمرو) أي ابن عوف مزني مدني، روى
عن أبيه وغيره واتفقوا على ضعفه حتى قال الشافعي: هو أحد الكذابين. (عن أبيه عن جده)
أي جد كثير وهو عمرو بن عوف، كان قديم الإسلام وهو ممن نزل فيه: ﴿تولوا وأعينهم
تفيض من الدمع﴾ [التوبة - ٩] روى عنه ابنه عبد الله كذا ذكره المصنف، قال الطيبي:
الشارحون في أكثر نسخ المصابيح رواه زيد بن ملحة عن أبيه عن جده وهو غلط، لأن زيد بن
ملحة جد عمرو بن عوف كذا في التهذيب وعده المصنف في التابعين. وقال ابن حبان: له عن
أبيه عن جده نسخة موضوعة، وأما الترمذي فروى عن حديثه: ((الصلح جائز بين المسلمين)) (١)
وصححه فلذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه كذا في ميزان الاعتدال، والصواب أن راوي هذا
الحديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، فإن زيد بن ملحة جاهلي لم
يدرك الإسلام.
"١٨
١٧٠ - (وعن عمرو بن عوف) هو مزني كان قديم الإسلام، وهو ممن نزل فيه: ﴿تولوا
وأعينهم تفيض من الدمع﴾ [التوبة - ٩] سكن المدينة ومات بها في آخر أيام معاوية روى عنه
ابنه عبد الله. (قال: قال رسول الله وَلقول: ((إن الدين ليأرز) بفتح اللام وسكون الهمزة وتبدل
وكسر الراء على الأصح، وحكي الفتح والضم، أي ينضم عند ظهور الفتن واستيلاء الكفرة
الحديث رقم ١٦٩ : أخرجه ابن ماجة ٧٦/١ حديث رقم ٢١٠.
(١) الترمذي حديث رقم ١٣٥٢.
الحديث رقم ١٧٠ : أخرجه الترمذي في السنن ١٩/٥ حديث رقم ٢٦٣٠ وقال حسن صحيح.
/

٣٧٩
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
إِلى الحجاز كما تأرِزُ الحيَّةُ إِلى جُحرها، وليَعْقِلنَّ الدينُ من الحجاز مَعقِلِ الأَزْوِيَّة من رأس
الجبل. إِنَّ الدين بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباءِ، وهم الذين يُصلِحون ما أفسَدَ
الناسُ من بعدي من سُنتي)). رواه الترمذي.
١٧١ - (٣٢) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَله: ((لَيَأْتيَنَّ على أمَّتي
كما أتى على بني إِسرائيل
(إلى الحجاز) هو اسم مكة والمدينة وحواليهما من البلاد وسميت حجازاً لأنها حجزت، أي
منعت وفصلت بين بلاد نجد والغور، قيل: التوفيق بينه وبين ما سبق إن سلم أن الدين
والإيمان مترادفان أنه يأرز أوّلاً إلى الحجاز أجمع ثم إلى المدينة لأنها مستقرة أوّلاً فعاد إليها
لتكون مستقرة آخراً أيضاً، فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ولأن المدينة مغيب النبوّة فتصير
مغيب الشريعة. (كما تأرز الحية إلى جحرها وليعقلن) جواب قسم محذوف، أي والله
ليعتصمن (الدين) قال ابن حجر: عطف على ليأرز، أو على أن ومعمولها، أي ليتحصنن
وينضم ويلتجىء الدين، أبرزه وحقه الإضمار إعلاماً بعظيم شرفه ومزيد فخامته، ومن ثم
ضوعفت أدوات التأكيد وأتى بالقسم المقدر. (من الحجاز) أي بمكان منه، أو مكاناً منه،
يقال: عقل الوعل أي امتنع بالجبال العوالي يعقل عقولاً، أي ليمتنعن بالحجاز ويتخذن منه
حصناً وملجأ. (معقل الأروية) بضم الهمزة وتكسر وتشديد الياء الأنثى من المعز الجبلي، وهو
مصدر بمعنى العقل. ويجوز أن يكون اسم مكان أي كاتخاذ الأروية (من رأس الجبل) حصناً،
وخص الأروية دون الوعل لأنها أقدر من الذكر على التمكن من الجبال الوعرة. والمعنى أن
الدين في آخر الزمان عند ظهور الفتن واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الإسلام يعود إلى
الحجاز كما بدأ منه، وقيل: معناه أن بعد انضمام أهل الدين إلى الحجاز ينقرصون عنه ولم يبق
منهم فيه أحد (إن الدين بدأ) بالهمز هو الصحيح (غريباً) أي كالغريب أو حال (وسيعود) أي
غريباً (كما بدأ) يعني أن أهل الدين في الأول كانوا غرباء ينكرهم الناس ولا يخالطونهم فكذا
في الآخر. (فطوبى للغرباء) أي أوّلاً وآخراً، وسموا غرباء لعدم تعلقهم بالدنيا وأهلها. (وهم
الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي») أي يعملون بها ويظهرونها بقدر طاقتهم
(رواه الترمذي).
١٧١ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله وَالت :
((ليأتين على أمتي) الإتيان المجيء بسهولة، وعُدي بعلى لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك، ومنه
قوله تعالى: ﴿ما تذر من شيء أتت عليه﴾ [الذاريات - ٤٢] المراد بعض أمة الدعوة إما من
أهل القبلة بقرينة كونه أضافهم إلى نفسه، أو مطلقاً فيشمل ملل الكفر أيضاً. (كما أتى على بني
إسرائيل) فاعل ليأتين مقدر يدل عليه سياق الكلام، والكاف منصوب عند الجمهور على
المصدر، أي ليأتين على أمتي زمان إتياناً مثل الإتيان على بني إسرائيل، أو ليأتين على أمتي
الحديث رقم ١٧١ : أخرجه الترمذي ٢٦/٥ حديث ٢٦٤٢ وقال مفسرٌ غريب.

٣٨٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
٠٠٫٠
حَذْوَ النَّعل بالنَّعل، حتى إِن كان منهم من أتى أمَّه علانيةً، لكانَ في أمَّتي من يصنعُ ذلك.
وإِنَّ بني إِسرائيل تفرَّقتِ ثنتين وسبعينٍ ملَّةٌ، وتفترقُ أمَّتي على ثلاث وسبعين ملةً، كلُّهم في
النار إِلا ملةً واحدةً)). قالوا: مَنْ هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)).
m:
مخالفة لما أنا عليه مثل المخالفة التي أتت على بني إسرائيل حتى أهلكتهم. وجوّز أن يكون
الكاف فاعلاً، أي ليأتين على أمتي مثل ما أتى على بني إسرائيل. (حذو النعل بالنعل) حذو
النعل استعارة في التساوي، وقيل: الحد والقطع، والتقدير أيضاً، يقال: حذوت النعل بالنعل
إذا قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها لتكونا على السواء، ونصبه على المصدر، أي
يحذونهم حذواً مثل حذو النعل بالنعل. أي تلك المماثلة المذكورة في غاية المطابقة والموافقة
كمطابقة النعل بالنعل. (حتى إن كان منهم) حتى ابتدائية والواقع بعده جملة شرطية وقوله الآتي:
(لكان)) إما جواب قسم مقدر والمجموع جواب الشرط، وإما أن بمعنى لو كما يقع عكسه
وليست إن هذه مخففة (من المثقلة كما زعم كذا نقله السيد جمال الدين عن زين العرب، وفي
الأزهار بكسر الهمزة وسكون النون مخففة]، أي حتى أنه كذا ذكره الأبهري. وهذا الخلاف
مبني على أنه هل يجوز حذف ضمير الشأن من إن المكسورة فمنعه ابن الحاجب وجوّزه ابن
مالك. (من أتى أمه علانية) إتيانها كناية عن الزنا، ويحتمل أن يكون المراد بها زوجة الأب أو
موطوءته وسائر من حرمن عليه برضاع أو مصاهرة والأوّل أظهر، لأن الغرابة والاستبعاد فيه
أكثر ولذا قيده بعلانية (لكان في أمتي من يصنع) أي يفعل (ذلك) أي الإتيان (وإن بني إسرائيل)
يعني النصارى أو أهل الكتاب، قال ابن حجر: أبرز ضميرهم زيادة في تقبيح صنيعهم وبياناً
لكون ذلك دأبهم وعادتهم. اهـ .. والأظهر أنه أبرز حتى لا يرجع الضمير إلى غيرهم. (تفرقت
على ثنتين وسبعين ملة) سمى عليه الصلاة والسلام طريقة كل واحد منهم ملة اتساعاً، وهي في
الأصل ما شرع الله لعباده على ألسنة أنبيائه ليتوصلوا به إلى القرب من حضرته تعالى، ويستعمل
في جملة الشرائع دون آحادها، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبي بل
يقال: ملة محمد رير أو ملتهم كذا. ثم إنها اتسعت فاستعملت في الملل الباطلة، لأنهم لما
عظم تفرقهم وتدينت كل فرقة منهم بخلاف ما تتدين به غيرها كانت طريقة كل منهم كالملة
الحقيقية في التدين فسميت باسمها مجازاً، وقيل: الملة كل فعل وقول اجتمع عليه جماعة
[وهو] قد يكون حقاً وقد يكون باطلاً، والمعنى أنهم يفترقون فرقاً تتدين كل واحدة منها
بخلاف ما تتدين به الأخرى (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة) قيل: فيه إشارة لتلك
المطابقة مع زيادة هؤلاء في ارتكاب البدع بدرجة، ثم قيل: يحتمل أمة الدعوة فيندرج سائر
الملل الذين ليسوا على قبلتنا في عدد الثلاث والسبعين، ويحتمل أمة الإجابة فيكون الملل
الثلاث والسبعون منحصرة في أهل قبلتنا والثاني هو الأظهر. ونقل الأبهري أن المراد بالأمة أمة
الإجابة عند الأكثر. (كلهم في النار) لأنهم يتعرضون لما يدخلهم النار؛ فكفارهم مرتكبون ما
هو سبب في دخولها المؤبدة عليهم. ومبتدعتهم مستحقة لدخولها إلا أن يعفو الله عنهم. (إلا
ملة) بالنصب، أي إلا أهل ملة (واحدة، قالوا: من هي) أي تلك الملة، أي أهلها الناجية (يا
رسول الله قال: ما أنا عليه وأصحابي))) أي هي ما أنا عليه وأصحابي، قيل: جعلها عين ما هو
٣ جدا ؟
وجو