Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
فقالوا: مَثَلُه كمثلٍ رجلٍ بَنى داراً وجعل فيها مأدُبةً وبَعَثَ داعياً، فمن أجاب الداعي دخلَ
الدارِ وأكلَ معَهُ من المأدبةِ، ومن لم يُجِبْ الداعيّ لم يدخُلِ الدارَ ولمْ يأكلْ من المأدبة.
فقالوا: أوَّلُوها له يَفْقَهْها. قال بعضهم: إِنه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إِن العيّن نائمةً والقلبَ
يقظانٌ. فقالوا: الدارُ الجنةُ، والداعي محمَّدٌ، فمن أطاعَ محمداً فقد أطاعَ الله، ومَنْ عَصَى
محمَّداً فقد عصَى اللَّهِ، ومحمَّدٌ فَرَقٌ بينَ الناس. رواه البخاري.
النفوس القدسية لا يضعف إدراكها بضعف الحواس، أي الحسية لاستراحة القوى البدنية
بل ربما يقوى إدراكها عند ضعفها كما هو مشاهد عند أرباب الصوفية. (فقالوا: مثله
كمثل رجل) أي عظيم كريم (بنى داراً) يعني قصته كهذه القصة عن آخرها لا أن حاله
كحال هذا الرجل، فإنه في مقابلة الداعي لا الباني اللهم إلا أن يقدر مضاف، ويقال:
كمثل داعي رجل بنى داراً (وجعل) أي الباني (فيها) أي في الدار (مأدبة) بضم الدال
وتفتح، طعام عام يدعى الناس إليه كالوليمة، وقيل: بالفتح مصدر ميمي بمعنى الأدب
وهو الدعاء إلى الطعام كالمعتبة بمعنى العتبة، فعلى هذا يتعين الضم. (وبعث داعياً)
يدعو الناس إكراماً لهم (إليها) أي إلى ما يوصل إليها إيماء إلى قوله تعالى: ﴿ربنا إننا
سمعنا منادياً ينادي للإيمان﴾ [آل عمران - ١٩٣] (فمن أجاب الداعي) أي قبل دعاءه
(دخل الدار وأكل من المأدبة) على وجه الإكرام وتمام الأنعام (ومن لم يجب الداعي لم
يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة) بل طرد من الباب وحرم من الثواب واستحق العقاب.
(فقالوا:) أي فقال بعض الملائكة لبعض (أوّلوها له) أي فسروا الحكاية التمثيلية لمحمد
وَ ل﴿ مِنْ أوّل تأويلاً إذا فسر بما يؤول إليه الشيء (يفقهها) بالجزم جواب الأمر، أي
يفهمها ثم يفهمها (قال بعضهم:) باعتبار ما في ظنه (إنه نائم) فهو غير فاهم (وقال
بعضهم: إن العين) أي عينه (نائمة والقلب) أي قلبه (يقظان) فيدرك البيان، وكرروا هذا
لينبه السامعون إلى هذه المنقبة العظيمة، وهي نوم العين ويقظة القلب (فقالوا: الدار) أي
مثلها (الجنة) أي نفسها فإنها دار المتقين كما في القرآن المبين، والمأدبة نعيمها وترك
بيانها لظهورها، وقيل: لاشتمال الجنة عليها لأنها دار المأدبة (والداعي محمد) قال تعالى
في حقه: ﴿وداعياً إلى الله بإذنه﴾ [الأحزاب - ٤٦] (فمن أطاع) الفاء للسببية، أي لما
كان هو الداعي فمن أطاع (محمداً فقد أطاع الله) [قال الطيبي: رُوعي في التأويل حسن
أدب حيث لم يصرح بالمشبه بالرجل لكن لمح إليه في قوله: ((فقد أطاع الله))] (ومن
عصى محمداً) أظهر الضمير مبالغة في تعظيمه وحمده، قال ابن حجر: وبه يندفع وهم
الرجوع إلى غيره. (فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس))) رُوي مشدداً على صيغة
الفعل، ومخففاً على المصدر كذا قاله الطيبي. وقال السيد جمال الدين: مصدر وصف
به للمبالغة، أي فارق بين المؤمن والكافر والصالح والفاسق، وقال ميرك شاه: كذا وقع
عند أكثر رواة البخاري بسكون الراء والتنوين. (رواه البخاري).
١
٥٠١٣ ٢٠٠

٣٤٢
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٤٥ _ (٦) وعن أنس، قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إِلى أزواج النبيّ وَّ يسألونَ عن عبادةِ
النبيِّ وََّ، فلما أُخْبِرُوا بها كأنهم تقالُوها؛ فقالوا: أينَ نحنُ من النبي ◌ََّ، وقد غَفَرَ الله لهُ
ما تقدم من ذنبه وما تأخّر؟!
١٤٥ _ (وعن أنس) [رضي الله عنه] (قال: جاء ثلاثة رهط) الرهط [العصابة] دون
العشرة، وقيل: دون الأربعين، وقيل: هم علي وعثمان بن مظعون وعبد الله بن رواحة كذا
ذكره الطيبي. وقيل: المقداد بن الأسود بدل عبد الله كذا نقله ابن الملك، وقال الكرماني: إنما
جاء تفسير الثلاثة بالرهط لأنه بمعنى الجماعة فكأنه قيل: ثلاثة أنفس، والفرق بين الرهط والنفر
أنه من الثلاثة إلى العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة. قال الشيخ: وقع في مرسل سعيد بن
المسيب عن عبد الرزاق أن الثلاثة المذكورين هم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن
العاص وعثمان بن مظعون، قال: لكن في عد عبد الله بن عمرو منهم نظر لأن عثمان بن
مظعون مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب كذا ذكره الأبهري، وذكر في الخلخالي مكان
عبد الله المقداد والله أعلم. (إلى أزواج النبي وَ ل﴿ يسألون عن عبادة النبي وَّر) أي عبادته في
البيت، والمراد معرفة قدر عادة وظائفة في كل يوم وليلة حتى يفعلوا ذلك (فلما أخبروا) على
صيغة المجهول، أي أخبرنهم (بها) أي بعبادته (كأنهم تقالوها) [تفاعل من القلة]، أي
[استقلوها] وجدوها، أو عدوها قليلة لما في نفوسهم أنها أكثر مما أخبروا به بكثير (فقالوا: أين
نحن من النبي ( *) أي بيننا وبينه بون بعيد، فإنا على صدد التفريط وسوء العاقبة وهو معصوم
مأمون الخاتمة، أو لأن له معاملة باطنية مع الله تعالى ساعة منها أفضل من طاعة سنة ظاهرية
من غيره كما ورد: ((تفكر ساعة خير من عبادة سنة، أو ستين سنة)) لا سيما في العلوم
والمعارف، وقيل: فإنا مذنبون ومحتاجون إلى المغفرة. (وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما
تأخر؟) فينبغي أن تكون العبادة نصب أعيننا ولا نصرف عنها وجوهنا ليلاً ونهاراً، ثم الذنب
ماله تبعة دينية أو دنيوية مأخوذ من الذنب، ولما كان النبي وَلّ معاتباً بترك الأولى تأكيداً
للعصمة أطلق عليه اسم الذنب، أو يكون من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قال ابن
حجر: أي ستر بينه وبينه بعصمته منه فلم يمكن صدوره منه ولو صغيرة قبل النبوّة على
الصواب، هذا معنى المغفرة في حق الأنبياء ومعناها في غيرهم سترة بينهم وبين عقوبة ذنوبهم.
اهـ. وفي قوله: ((على الصواب)) تخطئة لأكثر أهل العلم وهو غير صواب فكان حقه أن يقول:
على الصحيح بناء على مذهبه والله أعلم بالصواب. وقال بعض المحققين: وإجماع الصحابة
على التأسي به ◌ّيه في أقواله وأفعاله وسائر أحواله حتى في كل حالاته من غير بحث ولا تفكر
بل بمجرد علمهم أو ظنهم بصدور ذلك عنه دليل قاطع على إجماعهم على عصمته وتنزهه عن
أن يجري على ظاهره أو باطنه شيء لا يتأسى به فيه مما لم يقم دليل على اختصاصه به. اهـ.
والجمهور جوّزوا وقوع الكبائر سهواً والصغائر عمداً لكن المحققون منهم اشترطوا أن ينبهوا
١٠
الحديث رقم ١٤٥ : أخرجه البخاري في صحيحه ١٠٤/٩ حديث رقم ٥٠٦٣ وأخرج مسلم نحوه ٢/
١٠٢٠ حدیث رقم (١٤٠١.٥).

٣٤٣
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
فقال أحدهُم: أمّا أنَا فَأَصلِّي الليلَ أبداً. وقال الآخر: أنا أصُوم النهارَ أبداً، ولا أُفْطِرْ. وقال
الآخر: أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوجُ أبداً، فجاءَ النبيِّ نَّهِ إِليهم فقال: ((أنتمُ الذينَ قلتمُ كذا
وكذا؟ أما والله إِني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنّي أصومُ وأُفْطِر، وأصلِّي وأَرْقُذْ، وأتزوجُ
النّساءَ، فمن رغب عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي)).
عليه فينتهوا عنه؛ فعلى هذا قول الجمهور لا ينافي الإجماع المذكور، قال المظهر: ظنوا أن
وظائف رسول الله ◌َّلفر كثيرة فلما سمعوها عدوها قليلة وقد راعوا الأدب حيث لم ينسبوه إلى
التقصير بل أظهروا كماله ولاموا أنفسهم في مقابلتهم إياها بالنبي وَّر. وفيه تعليم للمريد بأن لا
ينظر إلى الشيخ بعين الاحتقار وإن رأى عبادته قليلة فليظهر عذره وليلم نفسه إن جرى فيها
إنكار على شيخه، لأن من اعترض على شيخه لم يفلح أبداً، وفيه أن قلة وظائف النبي وَلير
كانت رحمة على الأمة لئلا يتضرروا بالاقتداء إذ لأنفسهم عليهم حق ولأزواجهم عليهم حق،
فإن الإنسان محتاج إلى الطعام ليتقوّى صلبه، والرجال محتاجون إلى النساء لبقاء النسل. (فقال
أحدهم: أما أنا) أي أما رسول الله فقد خص بالمغفرة العامة فلا عليه أن لا يكثر العبادة، وأما
أنا فلست مثله. (فأصلي الليل) أي أحييه بالصلاة، والظاهر أنه وما قبله عزم على ما ذكر،
ويحتمل الإخبار عن ذلك. (أبداً) أي طول الليل، أو دائماً غير مختص بليل دون ليل. (وقال
الآخر: أنا أصوم النهار) أي أبداً كما في نسخة، لكن يستغنى عنه بقوله: (ولا أفطر) أي
بالنهار، يعني غير الأيام الخمسة المنهية (وقال الآخر: أنا أعتزل النساء) أي اجتنبهن (فلا
أتزوّج) أي منهن أحداً (أبداً) فإنهن والاشتغال بهن يمنع الشخص عن العبادة، ويوقعه في طلب
الدنيا والحرص على تحصيلها في العادة، وهو خلاف سلوك أهل الإرادة من السادة. (فجاء
النبي ◌َّه إليهم) وقد علم ذلك بأن جاء إلى أهله فأخبروه، وإما بالوحي (فقال: أنتم) أي أأنتم
فحذفت همزة الاستفهام التي للإنكار من قبل أنتم الذي هو الفاعل المعنوي المزال عن مقره
على حد: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله﴾ [المائدة - ١١٦] مبالغة في
الإنكار عليهم (الذين قلتم كذا وكذا؟) كناية عما تقدم (أما) بالتخفيف حرف تنبيه واستفتاح
بمنزلة ألا، ويكثر قبل القسم، وقيل: معناه حقاً، وأعرب ابن حجر: وقال الهمزة للاستفهام
الإنكاري وما حرف تنبيه (والله إني لأخشاكم) قال القاضي: أي أنا أعلم به وبما هو أعز لديه
وأكرم عنده، فلو كان ما استأثرتموه من الإفراط في الرياضة أحسن مما أنا عليه من الاعتدال
لما أعرضت عنه، وقوله: (الله) مفعول به لأخشاكم وأفعل لا يعمل في الظاهر إلا في الظرف
(وأتقاكم له) إشارة إلى أن الخشية التي لا تورث التقوى لا عبرة بها (لكني أصوم) استدراك عن
محذوف، أي أنا أخشاكم لله، فينبغي على زعمكم، أو في الحقيقة أن أقوم في الرياضة إلى
أقصى مداه لكن أقتصد وأتوسط فيها فأصوم في وقت (وأفطر) في آخر (وأصلي) بعض الليل
(وأرقد) في بعضه (وأتزوّج النساء) ولا أزهد فيهن، وكمال الرجل أن يقوم بحقهن مع القيام
بحقوق الله تعالى والتوكل عليه والتفويض إليه، وهذا كله ليقتدي بي الأمة، (فمن رغب) أي
مال وأعرض (عن سنتي) أي استهانة وزهداً فيها لا كسلاً وتهاوناً (فليس مني) أي من أشياعي،
وضع قوله: ((عن سنتي)) مكان ذلك ليشمل كل ما جاء به من المذكور وغيره ومن في ((مني))

٣٤٤
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
متفق عليه .
١٤٦ - (٧) وعن عائشةَ، رضي الله عنها، قالت: صنع رسول الله وَ ل﴿ شيئاً، فرخّص فيه،
اتصالية. وذكر الأبهري عن الشيخ أنه قال: لمح بذلك إلى طريقة الرهبانية، فإنهم الذين
ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه. اهـ. قلت: ما
هو تلميح بل هو تصريح على ما ذكره البغوي في المعالم في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [المائدة - ٨٧] قال
أهل التفسير: ذكر النبي ◌َّل# يوماً ووصف القيامة فرق له الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من
الصحابة في بيت عثمان بن مظعون [الجمحي]، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب
وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن
الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح،
جمع المسح وهو الصوف، ويجبوا مذاكيرهم، أي يقطعوها ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا
يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك، أي الدسم من السمن والدهن ولا يقربوا النساء
والطيب ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله وَلقر فأتى دار عثمان بن مظعون فلم
يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية واسمها الحولاء وكانت عطارة: أحق ما بلغني عن
زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب وكرهت أن تبدي على زوجها، أي تظهر، فقالت: يا
رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك، فانصرف رسول الله وَله، فلما دخل عثمان
أخبرته بذلك، فأتى رسول الله وَ له هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله وَّ: ألم أنبأ أنكم اتفقتم
على كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير، فقال عليه الصلاة والسلام: إني
لم أومر بذلك، ثم قال: ((إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وافطروا، وقوموا وناموا فإني أقوم
وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني، ثم
جمع الناس وخطبهم، فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات
الدنيا؟ إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً؛ فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا
اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً
وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان. واستقيموا يستقم لكم، فإنما
هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فاولئك بقاياهم في
الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية. (متفق عليه).
٩٧٠١٠٠
/٠٣/١١٢٢
١٤٦ - (وعن عائشة) [رضي الله عنها] (قالت: صنع رسول الله وَلي شيئاً) أي من
المباحات، قال الراغب: الصنع إجادة الفعل فكل صنع فعل ولا ينعكس، ولا ينسب إلى
الحيوانات والجمادات كما ينسب إليها الفعل. (فرخص) أي للناس (فيه) أي في ذلك الصنع،
الحديث رقم ١٤٦ : أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٣/١٠ حديث ٦١٠١ . واللفظ وأخرجه مسلم بألفاظ
متقاربة ١٨٢٩/٤ حديث رقم (٢٣٥٦.١٢٧) وأخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٥.

٣٤٥
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
فتنزَّه عنه قومٌ، فبلغ ذلك رسولَ الله وَِّ؛ فخطب فحَمِدَ اللَّهَ، ثم قال: ((ما بالُ أقوام
يتنزَّهونَ عن الشيءِ أصنعُهُ؟! فوَاللَّهِ إِنِي لأعلمَهُم بالله، وأشدَّهم له خَشيةً)). متفق عليه.
١٤٧ - (٨) وعن رافع بن خديج، قال: قدِمِ نبِيُّ الله وَّر وهم يُؤبِّرون النخلَ،
أو من أجله (فتنزه عنه) أي عن ذلك الصنع (قوم) ولم يفعلوا ذلك الصنع ظناً منهم أن فعله
ينافي الكمال، وإنه رَّهو إنما فعله لبيان الجواز، قال الشيخ: لم أعرف أعيان القوم المشار إليهم
ولا الشيء الذي ترخص فيه، وأومأ ابن بطال إلى أنه القبلة للصائم، وقيل: الفطر في السفر
كذا ذكره الأبهري، والأظهر أن القوم هم المذكورون فيما تقدم والشيء المرخص ما ذكر فيما
سبق (فبلغ ذلك) أي تنزههم (رسول الله ويل* فخطب) أي أراد أن يخطب كذا قاله الطيبي،
ويمكن أن يكون قوله: (فحمد الله) الخ تفسيراً لما قبله(١) (ثم قال) أي في أثناء خطبته، أو بعد
فراغها معرضاً مصرحاً ستراً على الفاعل ورحمة به (ما بال أقوام) استفهام إنكاري بمعنى
التوبيخ، أي ما حالهم (يتنزهون) صفة أقوام وقع موقع الحال، نحو مالك قائماً، وكقوله
تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون الله وقاراً﴾ [نوح - ١٣] أي يتباعدون ويحترزون (عن الشيء) من
النوم بالليل والأكل بالنهار والتزوّج بالنساء كذا قاله ابن الملك (أصنعه؟) حال من الشيء، وأل
فيه للعهد الذكري السابق في قوله: ((شيئاً))، وقيل: اللام في الشيء للجنس وأصنعه صفته
(فوالله إني لأعلمهم بالله) قال المظهر: أي فإن احترزوا عنه لخوف عذاب الله فأنا أعلم بقدر
عذاب الله، فأنا أولى بالاحتراز (وأشدهم له خشية) إشارة إلى القوة العملية، وقدم العلم على
الخشية لأنها نتيجته، ولذا قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر - ٢٨] قال
الطيبي: هذا أبلغ من أخشاهم على الأصل فإنه عدل عنه وجعل أشد، ثم فسر بخشية ليدل
على أن الأشد نفسه. (متفق عليه).
١٤٧ - (وعن رافع بن خديج) [رضي الله عنه]، يكنى أبا عبد الله الحارثي الأنصاري،
أصابه سهم يوم أحد، فقال له رسول الله وَله: أنا شهيد لك يوم القيامة، وانقضت جراحته زمن
عبد الملك بن مروان فمات سنة ثلاث وسبعين بالمدينة، وله ست وثمانون سنة، روى عنه
خلق كثير وخديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبالجيم. (قال قدم نبي الله) وفي
نسخة النبي (1803 المدينة) أي طابة (٢) السكينة (وهم) أي أهلها (يؤبرون النخل) جملة حالية، أي
يلقحون كما في رواية طلحة بن عبيد الله، يعني: يجعلون الذكر في الأنثى، وهو بتشديد الباء
ورُوي يابرون بتخفيف الباء المكسورة، وقد يضم، والأبر والآبار والتأبير الإصلاح. والمعنى:
يشققون طلع الإناث ويذرون فيه طلع الذكر ليجيء ثمره جيداً إذ النخلة خلقت من فضلة طينة
(١) في المخطوطة ((بمقابلة)).
الحديث رقم ١٤٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٥/٤ حديث رقم (١٤٠ . ٢٣٦٢).
(٢) من أسماء المدينة النبوية. وقد ورد أن الرسول عليه أمر أن تسمى المدينة طيبة وطابة. وهما من الطيّب.
لأن المدينة كان اسمها يثرب والثرب الفساد.

٣٤٦
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
فقال: ((ما تصنَعون؟)). قالوا: كنّا نصنعُه. قال: ((لعلَّكم لو لم تفعلوا كان خيراً)). فتركوه؛
فنقصت. قال: فذكروا ذلك له. فقال: ((إِنما أنا بشَر؛ إِذا أمرتُكم بشيء من أمرٍ دينكِم،
فخذوا به؛ وإِذا أمرتُكم بشيء من رأيي، فإِنما أنا بشَر)). رواه مسلم.
١٤٨ _ (٩) وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله بَّهِ: ((إِنما مَثَلي ومَثَلُ ما بعثَني
اللَّهُ به كمثَل رجُلٍ أتى قوماً، فقال: يا قوم! إني رأيتُ
آدم على ما ورد فلا بد عادة في صلاح نتاجها من اجتماع طلع الذكر مع طلع الأنثى كما أنه لا
بد عادة في تخلق ابن آدم من اجتماع مني الذكر والأنثى. (فقال: ما تصنعون؟) ما استفهامية
(قالوا: كنا نصنعه) أي هذا دأبنا وعادتنا (قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان) وفي نسخة لكان
(خيراً) أي تتعبون فيما لا ينفع كما جاء في تلك الرواية: ما أظن يغني ذلك شيئاً (فتركوه) أي
التأبير (فنقصت) أي النخل ثمارها، أو انتقصت ثمارها فإن النقص متعد ولازم، أي لم يأت
منها شيء صالح (قال) أي رافع (فذكروا) أي أصحاب النخيل (ذلك) أي النقصان (له) عليه
الصلاة والسلام (فقال: إنما أنا بشر) أي فليس لي إطلاع على المغيبات، وإنما ذلك شيء قلته
بحسب الظن الشهودي إذ ذاك إلى مسبب الأسباب، واستغراقي في عجائب قدرته وغرائب قوّته
التي لا تتوقف على سبب لكنه تعالى قضى ليظهر حكمته الباهرة، وتتفاوت شهود عباده في
الدنيا والآخرة بأن دائرة الأسباب لا بد من مراعاتها. (إذا أمرتكم) وفي نسخة: ((أمرتم)) في
الموضعين (بشيء من دينكم) وفي نسخة صحيحة: ((من أمر دينكم)) أي مما ينفعكم في أمر
دينكم (فخذوا به) أي افعلوه فإني إنما نطقت به عن الوحي (وإذا أمرتكم بشيء من رأيي) وفي
نسخة: ((من رأي))، أي متعلق بالدنيا التي لا ارتباط لها بالدين وأخطأت فلا تستبعدوا، وقيل:
فمن شاء فعله ومن شاء لم يفعله (فإنما أنا بشر))) أي فإني بشر أخطىء وأصيب كما جاء في
خبر أحمد: ((والظن يخطىء ويصيب))، وفي الحديث دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام ما
كان يلتفت غالباً إلا إلى الأمور الأخروية، وفي المصابيح فقال عليه الصلاة والسلام: ((أنتم
أعلم بأمر دنياكم)). (رواه مسلم).
١٤٨ - (وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ويطير: إنما مثلي) المثل بفتحتين الصفة
العجيبة، وهو في الأصل بمعنى المثل الذي هو النظير. ثم استعير للقول السائر الممثل مضربه
بمورده وذلك لا يكون إلا قولاً فيه غرابة من قصة وحال وصفة (ومثل ما بعثني الله به) أي إلى
أمتي، وقيل: ما بمعنى من، أي من أرسلني إليه (كمثل رجل) قيل: هذا من التشبيهات
المفروقة، وهي أن يؤتي بمشبه ومشبه به ثم بآخر وآخر وسيأتي بيانه. (أتى قوماً) أي لينذرهم
بقرب عدوّهم منهم، وإنهم لا قدرة لهم على لقائه، وإنما الذي ينجيهم منه إنهم يهربون عنه،
وذلك الرجل من أجلتهم(١) وأمين في أخباره عندهم، (فقال: يا قوم إني رأيت) أي أبصرت
الحديث رقم ١٤٨ : أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ٢٥٠ حديث رقم ٧٢٨٣. ومسلم ١٧٨٨/٤ حديث
(١) في المخطوطة ((جلدتهم)).
رقم (١٦ . ٢٢٨٣) .

٣٤٧
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
الجيشَ بعينيَّ، وإِني أنا النَّذيرُ العُريانُ! فالنَّجاءَ النجاء. فأطاعَه طائفةٌ من قومِه فأدلجوا،
فانطلقوا على مَهَلهم، فنجَوا. وكذَّبتْ طائفةٌ منهم فأصبحوا مكانهم،
(الجيش) أي العسكر الكثير المتوجه إليكم (بعيني) للتأكيد، ودفع توهم المجاز، وهو بالتثنية
وتشديد الياء الأخيرة، ورُوي بالإفراد وتخفيف الياء (وإني أنا النذير) فيه الحصر (العريان) أي
بلا غرض والنذير العريان مثل مشهور سائر بين العرب يضرب لشدة الأمر ودنو المحذور وبراءة
المحذر عن التهمة، وأصله أن الرجل إذا رأى العدوّ قد هجم على قومه وأراد أن يفاجئهم وكان
يخشى لحوقهم قبل لحوقه. تجرد عن ثوبه وجعله على رأس خشبة، وصاح ليأخذوا حذرهم.
وقيل: هو الذي غشيه العدوّ وكان ربيئة قومه، أي جاسوسهم فأخذوه وتعلقوا بثيابه فانسل
منها، ولحق بقومه فأنذرهم فلما رأوه على حالته تلك ارتحلوا عن آخرهم، وقيل: إنه الذي
سلب العدوّ ما عليه من الثياب فأتى قومه عرياناً يخبرهم فصدقوه لما عليه من آثار الصدق.
وخص العريان بالذكر لأنه أبين في العين وأغرر وأشنع عند البصر. (فالنجاء النجاء) في أكثر
النسخ مرتين، وفي نسخة مرة، وهو بالمد على الأصح مصدر نجا إذا أسرع، يقال ناقة ناجية
أي مسرعة، قال ابن الملك: بالفاء والمد والقصر نصب على الإغراء، أي اطلبوا النجاء، أو
على المصدر أي انجوا، وهو الإسراع كرر للتأكيد قيل: في شرح السنة، وبعض نسخ
المصابيح مرة، وفي كثير منها مرتين. قال الطيبي: روى الإمام عن القاضي عياض المعروف
في صحيح البخاري إذا أفرد النجاء مد، وحكى أبو زيد فيها القصر، وأما إذا كرر ففيه المد
والقصر معاً. اهـ. ونقل الأبهري عن الشيخ بالمد فيهما وبمد الأولى وقصر الثانية وبالقصر
فيهما تخفيفاً، وهو منصوب على الإغراء، أي اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب إشارة إلى أنهم
لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش. (فأطاعه طائفة من قومه) قال الطيبي: الإطاعة تتضمن
التصديق، يعني فيحسن مقابلته بقوله: ((كذبت)) فيما يأتي (فأدلجوا) بهمزة قطع ثم سكون هو
الصحيح، أي ساروا أوّل الليل، أو ساروا الليل كله على اختلاف [في] مدلول هذه اللفظة.
وأما بالوصل والتشديد على أن المراد به سير آخر الليل فلا يناسب هذا المقام كذا ذكره
الأبهري. وقال الطيبي: أي ساروا في الدلجة وهي الظلمة، وقال السيد جمال الدين: والدلجة
أيضاً السير في الليل. وكذا الدلج بفتح اللام، وادلجوا بتشديد الدال ساروا آخر الليل.
(فانطلقوا) أي ذهبوا وساروا (على مهلهم) بفتح الميم والهاء ويسكن، قال الطيبي: المهل
بالحركة الهيئة والسكون، وبالسكون الإمهال. قال الإمام النووي: في نسخ مسلم بضم الميم
وإسكان الهاء وبتاء بعد اللام، وفي الجمع بين الصحيحين مهلهم بحذف التاء وفتح الميم
والهاء وكلاهما صحيحان. اهـ. لكن لم يوجد في نسخ المشكاة إلا بدون التاء اختياراً للفظ
البخاري على لفظ مسلم لكونه أصح (فنجوا) أي بسبب تصديق المنذرين(١) (وكذبت طائفة
منهم) قال الطيبي: التكذيب يستتبع العصيان، يعني فيه إيماء إلى ما قدمناه (فأصبحوا مكانهم)
(١) في المخطوطة ((النذير)).

٣٤٨
-٠٠٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
فصبَّحهم الجيشُ فأهلكهم واجتاحَهم. فذلك مثَلُ من أطاعني فاتَّبعَ ما جئتُ به، ومن
عصاني وكذَّب ما جئتُ به من الحقِّ)). متفق عليه.
١٤٩ - (١٠) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: (مَثَلِي كَمَثِل رجلٍ استَوْقَدَ
ناراً، فلما أضاءتْ ما حولَها، جعلَ الفَراشُ وهذه الدوابُّ التي تقعُ
أي دخلوا وقت الصباح في مكانهم (فصبحهم) بتشديد الباء (الجيش) أي أتاهم جيش العدوّ
صباحاً للإغارة (فأهلكهم واجتاحهم) بالجيم في الأولى والمهملة في الثانية، أي استأصلهم
وأهلكهم بالكلية بشؤم التكذيب وهذا فائدة الجمع بينهما (فذلك) أي المثل المذكور (مثل من
أطاعني فاتبع) وفي نسخة بالواو (ما جئت به) أي من الحق، وهذا ليعلم أنه لا ينبغي أن
يستروح بظاهر الطاعة عن أتباع ما جاء به (ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق))) قال
السيد جمال الدين: من التشبيهات المفروقة شبه ذاته عليه الصلاة والسلام بالرجل وما بعثه الله
به من إنذار القوم بعذاب الله القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من
أمته ومن عصاه بمن صدق الرجل في إنذاره وكذبه. ا هـ. فهو على حد قول امرىء القيس:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً * لدى وكرها العناب والحشف البالي
شبه القلوب الرطبة بالعناب واليابسة بالحشف على التفريق بطريق اللف والنشر المرتب.
(متفق عليه).
١٤٩ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله تلير: مثلي) أي صفتي العجيبة الشأن معكم
أيها الأمة أو مع الناس (كمثل رجل استوقد) أي أوقد وزيدت السين للتأكيد (ناراً) أي عظيمة
(فلما أضاءت) الإضاءة فرط الإنارة يتعدى ولا يتعدى وههنا متعد، ويجوز أن يكون لازماً
وفاعله (ما حولها) والتأنيث باعتبار الأماكن، قال زين العرب: ولك أن تجعل ما مزيدة أو بدلاً
من الضمير في ((أضاءت)) وفي كل منهما نظر وقوله: ((ما حولها)» رواية مسلم؛ فالضمير للنار
أي أضاءت النار جوانب تلك النار، وفي رواية البخاري: ((ما حوله)) فالضمير للمستوقد كذا
ذكره الطيبي. وما ظهر لي وجه عدول صاحب المشكاة إلى رواية مسلم من رواية البخاري مع
كونها أصح ومع ثبوت موافقتها للفظ القرآن الأفصح ودلالتها على المقصود بالطريق الأوضح
مع قوله في آخر الحديث، هذه رواية البخاري، فتأمل فإنه محل خطل. (جعل) أي شرع
(الفراش) هو بفتح الفاء دويبة طير تتساقط في النار يقال: بالفارسي يروانه (وهذه الدواب) قيل:
عطف تفسير للفراش، وأنثه نظراً لخبره، أو لكون الفراش اسم جنس كقوله تعالى: ﴿وأوحى
ربك إلى النحل أن اتخذي﴾ [النحل - ٦٨] وقال ابن الملك: إشارة إلى غير الفراش (التي تقع
١٠
الحديث رقم ١٤٩: أخرجه البخاري في الصحيح ٣١٦/١١ حديث رقم ٦٤٨٣. ومسلم في صحيحه ٤/
١٧٨٩ حديث رقم (١٨. ٢٢٨٤) وأخرجه الترمذي بنحوه ١٤٢/٥ حديث رقم ٢٨٧٤ وأحمد في
المسند ٢٤٤/٢.

٣٤٩
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
في النار يقَعْنَ فيها، وجعل يحجُزُهُنَّ ويغْلِبْنه فيَتَقَحَّمْنَ فيها، فأنا آخذٌ بحُجَزِكم عن النار،
وأنتم تَقَحَّمونَ فيها)). هذه رواية البُخاري، ولمسلم نحوُها، وقال في آخرها: قال: ((فذلك
مثلي ومثَلُكم، أنا آخُذُ بحُجزكم عن النار: هَلَّم عن النار، هَلَّم عن النار! فتغلبوني.
في النار) أي عادتها إلقاء نفسها في النار كالبق والبعوض. اهـ. هو غير ظاهر نعم الجراد
بعضه كذلك. (يقعن) أي الفراش والدواب (فيها وجعل) أي المستوقد (يحجزهن) بضم
الجيم، أي يمنعهن من الوقوع فيها، قال الأبهري: وفي رواية البخاري يزعهن بالتحتانية
والزاي وضم المهملة أي يدفعهن (ويغلبنه) أي للوقوع فيها (فيتقحمن فيها) أي يدخلن فيها
بشدة ومزاحمة، قيل: التقحم هو الدخول في الشيء من غير روية ويعبر به عن الهلاك وإلقاء
النفس في الهلاك، وقال الطيبي: التقحم الإقدام والوقوع في أمر شاق. (فأنا) الفاء فصيحة،
أي إذا صح هذا التمثيل بأني كالمستوقد وأنتم كالفراش فيما ذكر فأنا (آخذ) قال النووي:
يُروى على وجهين أحدهما اسم فاعل بكسر الحاء وتنوين الذال، والثاني فعل مضارع بضم
الخاء والأوّل أشهر وهما صحيحان (بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم بعدها زاي جمع
الحجزة وهي معقد الإزار. ومن السراويل موضع التكة، قال الأبهري: ويجوز ضم الجيم في
الجمع (عن النار) وإنما خص الحجز لأن محل الزنا الذي هو أفحش الفواحش تحتها، أو
لأن أخذ الوسط أقوى وأوثق من الأخذ بأحد الطرفين في التبعيد كذا ذكره ابن الملك،
والأوّل بعيد. (وأنتم تقحمون فيها) من باب التفعل بحذف إحدى التاءين، وفي نسخة
صحيحة: (تقتحمون)) من باب الافتعال (هذه) أي هذه الألفاظ، أو ما ذكر من أول الحديث
إلى هنا، والتأنيث باعتبار الخبر، وفي نسخة ((هذا))، أي هذا اللفظ. (رواية البخاري ولمسلم
نحوها) أي رواية البخاري معنى، وفي شرح ابن حجر مثلها وهو غير صحيح رواية ودراية
(وقال) أي مسلم (في آخرها) أي آخر روايته (قال:) أي النبي ◌َّر (فذلك) أي المثل
المذكور، (مثلي ومثلكم) قال ابن حجر: هذا تأكيد احتيج إليه لطول الكلام وإلا فهو معلوم
من أوله كقوله: ((أنا آخذ)) اهـ. والظاهر أنه بيان للفرق بين الروايتين، وبيانه أن رواية
البخاري: ((فأنا آخذ)) الخ ورواية مسلم: ((فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ)) الخ، وقوله: (أنا
آخذ) بالوجهين (بحجزكم) أي للتبعيد (عن النار) وأقول: (هلم عن النار هلم عن النار) كرر
لفرط الاهتمام، والمعنى: اسرعوا إليّ وابعدوا أنفسكم عن النار، قال الخليل: أصله لم، أي
لم أنفسكم إلينا بالقرب منا وها للتنبيه، وإنما حذف ألفها لكثرة الاستعمال، وجعلا اسماً
واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في لغة أهل الحجاز وبها جاء القرآن،
وقيل أصله: هل أم، أي هل لك في كذا أم بفتح الهمزة، أي قصد فركب الكلمتان، وفيه
أنه لم يظهر وجه ضم اللام، وقيل: معناه أقرب إلينا وأبعد عن النار، فالخطاب عام، ومحل
هلم نصب على الحال، أي آخذ بحجزكم وأمنعكم قائلاً: هلم. (فتغلبوني) النون مشددة إذ
أصله تغلبونني فأدغم نون الجمع في نون الوقاية، وأغرب ابن حجر حيث قال: بإدغام نون
الرفع في نون التأكيد. اهـ. ورُوي بتخفيفها على حذف إحدى النونين، واختار الشاطبي
حذف الأخيرة، قال الطيبي: الفاء للسببية على التعكيس كاللام في ﴿ليكون لهم عدواً﴾

٣٥٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
تَقَحَّمونَ فيها)). متفق عليه .
١٥٠ - (١١) وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَثَلُ ما بعثَني اللَّهُ به من
الهُدى والعِلم كمثَلِ الغَيثِ الكثير
(تقحمون) أي تتقحمون (فيها))) وهو حال عن فاعل تغلبوني، وقيل: بدل مما قبله. قال
الطيبي: وقد ضرب رسول الله ◌َّيل المثل بوقوع الفراش في النار لجهله بما يعقب التقحم فيها
من الاحتراق ولتحقير شأنها، قال: وهذه الدواب كقوله تعالى: ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلاً﴾
[البقرة - ٢٦] وتخصيص ذكر الدواب والفراش لا يسمى دابة عرفاً لبيان جهلها كقوله تعالى:
﴿إن شر الدواب عند الله﴾ الآية [الأنفال - ٢٢] كل ذلك تعريض لطالب الدنيا المتهالك فيها
جعل عليه الصلاة والسلام المهلكات نفس النار وضعا للسبب موضع المسبب كقوله تعالى:
﴿في بطونهم ناراً﴾ [النساء - ١٠] وشبه إظهاره بمحارم الله ونواهيه ببياناته الشافية الكافية من
الكتاب والسنة باستيقاد الرجل النار، وشبه فشوّ ذلك الكشف في مشارق الأرض ومغاربها
بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف وتعديهم
حدود الله وحرصهم على اللذات ومنع رسول الله وَ ل و إياهم بأخذ حجزهم بالفراش التي
يتقحمن في النار ويغلبن المستوقد، وكما أن غرض المستوقد هو انتفاع الخلق به من الاهتداء
والاستدفاء وغير ذلك والفراش لجهلها جعلته سبباً لهلاكها، كذلك كان القصد بتلك البيانات
اهتداء تلك الأمة واحتماءها عما هو سبب هلاكهم وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها موجبة
لترديهم، وفي قوله: ((آخذ بحجزكم)) استعارة مثلت حاله في منع الأمة عن الهلاك بحال رجل
آخذ بحجزة صاحبه الذي يهوي في قعر بئر مردية (متفق عليه) [فيه أن هذا مستغنى عنه بما
سبق، فإيراده لمجرد التأكيد على أن المراد بالاتفاق هنا بحسب المعنى في الأكثر].
١٥٠ - (وعن أبي موسى قال: قال رسول الله وَلاير: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى
والعلم) الهدى الدلالة على الخير مطلقاً، أو الموصلة إلى الحق. ومن الأوّل قوله تعالى:
﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ [فصلت - ١٧]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت
ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص - ٥٦] والمراد بالعلم هنا الظاهر والخفي، والهدى وسيلة
إلى العلم فلذا قدمه. وفي العوارف العلم جملة موهبة من الله للقلوب، والمعرفة تمييز تلك
الجملة والهدى وجدان القلوب ذلك، وقيل: العلم صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض،
وعطفه على الهدى إما لرجوعه للنفس ورجوعها للغير، أو لأنها الدلالة والعلم المدلول، أو
المراد منها الطريقة والعمل، ومن ثم ورد من: ((ازداد علماً ولم يزدد هدى)) أي قرباً من الله ((لم
يزدد من الله إلا بعداً)) (كمثل الغيث) أي المطر الكثير، واختار اسم الغيث ليؤذن باضطرار
الخلق إليه إذ جاءهم على فترة من الرسل، والغيث يحيي البلد الميت، والعلم يحيي القلب
الحديث رقم ١٥٠ : أخرجه البخاري في الصحيح ١/ ١٧٥ حديث رقم ٧٩. وأخرجه مسلم في صحيحه
١٧٨٧/٤ حديث رقم (٢٢٨٢.١٥). وأخرجه أحمد في المسند ٣٩٩/٤.
٠٫٫٠٠

..: "
٣٥١
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
أصابَ أرضاً، فكانت منها طائفةٌ طيّبة قَبِلت الماء، فأنبَتت الكلأ والعُشب الكثير، وكانت
منها أجادبُ أمسكت الماء، فنفَع اللَّهُ بها الناسَ، فشربوا وسقَوا وزَرَعوا،
الميت. (أصاب أرضاً) أي صالحة، والجملة صفة للغيث على تقدير أن تكون اللام فيه
للجنس، أو زائدة ويجوز أن تكون حالاً. (فكانت منها) أي من تلك الأرض (طائفة) أي
قطعة، ومنها صفة طائفة قدمت عليها فصارت حالاً (طيبة) أي غير خبيثة بسباخ ونحوه، قال
النووي: طائفة طيبة كذا في جميع نسخ مسلم، ووقع في البخاري: ((فكانت منها نقية)) بنون
فقاف مكسورة فتحتية مشددة، وهي بمعنی طيبة. ا هـ. وقال ابن حجر: وروي غير ذلك مما
لا يصح هنا. اهـ. وطيبة مرفوعة على أنها صفة طائفة، وقوله: (قبلت الماء) أي دخل الماء
فيها للينها، منصوبة بخبر ((كانت))، وقيل: هي منصوبة على أنها خبر ((كانت)) وقبلت الماء صفة
لطيبة، ويجري هذا الخلاف في لفظ ((أجادب)). وقال ابن حجر: ورواية ((قبلت)) بالتحتية
المشددة، قيل: التصحيف، وقيل: صحيحة، ومعناه شربت من القيل وهو شرب بعض
الأنهار. (فأنبتت الكلا) بالهمزة مفتوحتين مقصوراً (والعشب الكثير) هما مع الحشيش اسماء
للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس والعشب بالضم، والكلأ مقصوراً مختصان بالرطب،
والكلأ بالهمز على زنة جبل يقع على اليابس والرطب؛ فالكلأ بالهمز أنسب ليكون عطف
الأخص على الأعم للاهتمام بشأنه. (وكانت منها) أي من الأرض الصالحة، أو من الأرض
الطيبة (أجادب) كذا في رواية الجمهور بالجيم والدال المهملة بعدها باء موحدة جمع أجدب،
وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء من الجدب وهو القحط، سماها أجادب لأنها لصلابتها
لا تنبت. وفي رواية أبي ذر: ((إخاذات)) بكسر الهمزة والخاء والذال المعجمتين وآخره مثناة من
فوق قبلها ألف جمع إخاذة، وهي الأرض التي تمسك الماء، قال ابن حجر: وصوّبه بعضهم
وروي أجاذب بجيم وذال معجمة، ومعناه قريب من الأوّل، وفيه روايات أخر مردودة.
(أمسكت) أي تلك الأرض، أو الأجادب (الماء فنفع الله بها) أي بالأجادب، أو بتلك الأرض
(الناس فشربوا وسقوا) أي دوابهم، قال ابن حجر: ويجوز أسقوا، قلت: لا يجوز لأنه غير
وارد وتجويز اللغوي غير مراد (وزرعوا) قال النووي في جميع نسخ مسلم: ((ورعوا من
الرعي))، ووقع في البخاري ((زرعوا)) وكلاهما صحيح. اهـ. وفي جميع نسخ المشكاة
(زرعوا)) موافقاً لما في البخاري وهو الأولى بأن يكون أصلاً، وقال ابن حجر: ((ورعوا)) من
الرعي، ورواية: ((وزرعوا)) قيل: تصحيف، وأجيب بأن المراد به زرعوا به غير تلك الأرض.
اهـ. وفيه أنه لا يظهر ربط بين السؤال والجواب. ثم قال: وهذا بناء على أن رواية ((رعوا))
تشويش النشر لأن الشرب والسقي للقسم الثاني، والرعي للقسم الأوّل. قلت: لا مانع من أن
يكون القسم الثاني جامعاً للثلاث مع أنه يلزم من حصول الزرع وصول(١) الرعي بخلاف
العكس، وفيه إشارة إلى أن أهل القسم الثاني مرزقون من جميع النعم منفقون على غيرهم فهم
كاملون مكملون على ما يدل عليه قوله: ((فنفع الله بها الناس))، بخلاف أهل القسم الأوّل
(١) في المخطوطة ((حصول)).

٣٥٢
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
وأصابَ منها طائفةً أخرى، إِنما هي قيعانٌ لا تمسِك ماءً، ولا تُنبتُ كلاً. فذلك مَثَلُ من
فقُّهَ في دين الله ونفَعَه ما بعَثني اللَّهُ به فعَلِم وعَلَّم، ومثَلُ من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل
هُدى اللَّهِ الذي أُرسلتُ به)).
ويكون التقسيم ترقياً ثم تدلياً. (وأصاب) أي الغيث (منها) أي من الأرض (طائفة) أي قطعة
(أخرى إنما هي) تلك الطائفة (قيعان) بكسر القاف جمع قاع وهي الأرض المستوية (لا تمسك
ماء ولا تنبت كلأ) لأنها سبخة (فذلك) أي المذكور من أنواع الأرض (مثل من فقه) بضم القاف
وكسرها والمشهور الضم إذا فهم وأدرك الكلام، والضم أجود لدلالته على أن الفقه الشرعي
صار سجية له. (في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به) أي بالعمل (فعلم وعلّم) بتشديد اللام،
هذا مثل الطائفة الأولى التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ، فقبول الماء إشارة إلى العلم وإنبات
الكلأ إشارة إلى التعليم كذا قاله ابن الملك. (ومثل من لم يرفع بذلك) أي بما بعثني الله به
(رأساً) أي للتكبر كما في نسخة، يقال: لم يرفع فلان رأسه بهذا، [أي] لم يلتفت إليه من غاية
تكبره، قال ابن الملك: عدم رفع رأسه بالعلم كناية عن عدم الانتفاع به لعدم العمل، أو
الإعراض عنه إلى حطام الدنيا، وهذا مثل الطائفة التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلا. (ولم يقبل
هدى الله) بضم الهاء وفتح الدال (الذي أرسلت به))) قال الطيبي: عطف تفسيري، وفي الحديث
إشارة إلى أن الاستعدادات ليست بمكتسبة بل هي مواهب ربانية وكمالها أن تستفيض من مشكاة
النبوة فلا خير فيمن يشتغل بغير الكتاب والسنة، وإن الفقيه من علم وعمل. قال المظهر: ذكر
في تقسيم الأرض ثلاثة، وفي تقسيم الناس قسمين من فقه ومن أبى ولم يرفع، وذلك لأن
القسم الأوّل والثاني من الأرض كقسم واحد من حيث إنه منتفع به، وكذلك الناس قسمان من
يقبل العلم وأحكام الدين ومن لم يقبلهما، وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام: أحدها
من يقبل بقدر ما يعمل به ولا يبلغ درجة الفتوى والتدريس، وثانيها من يبلغهما، وثالثها من لا
يقبل العلم، قال الطيبي: اتفق الشارحون على الوجه الثاني، والحديث ينصر الأوّل، فعلى هذا
ذكر في الحديث الطرفان العالي في الاهتداء والغالي في الضلال، وترك قسمان من انتفع بالعلم
في نفسه ومن لم ينتفع في نفسه ولكن نفع في غيره. اهـ. وجعل الخطابي القسمة ثنائية بجعل
العلماء قسماً والجهلاء قسماً، وقال النووي: دلالة اللفظ على كون الناس ثلاثة أنواع غير
ظاهرة. اهـ.
وخالفهم ابن حجر وجعل القسمة ثلاثية، وأغرب حيث(١) [جعل] القسم الأوّل أفضلها
مع أن التشبيه بالأرض(٢) لا يساعده، ثم أخطأ في اجتهاده حيث جعل الطبقة العليا منحصرة في
الفقهاء وجعل بقية العلماء من المحدثين والقرّاء وغيرهم في الطبقة السفلى وجعلهم كالإتباع
للطائفة الأولى، والصواب أن كل من فاق أقرانه في فن من العلوم الشرعية من غير اختصاص
بالفروع الفقهية فهو من الأئمة المجتهدين والعلماء الراسخين الكاملين المكملين، فكأنه ذهل
(١) في المخطوطة ((حيث . حيث)).
(٢) في المخطوطة ((الأراضي)).
٦/١

٣٥٣
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
متفق عليه .
١٥١ - (١٢) وعن عائشة، قالت: تلا رسولُ اللهِ وَّ: ﴿هو الذي أنزلَ عَليْكَ الكِتابَ
منهُ آياتٌ محكَماتٌ﴾، وقرأ إِلى: ﴿وما يذَكَّرُ إِلا أولو الألباب) قالت: قال رسولُ الله
عن قول حجة الإسلام الغزالي: ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف البسيط والوسيط
والوجيز لكنه كما قال تعالى: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ [البقرة - ٦٠] و﴿كل حزب بما
لديهم فرحون﴾ [المؤمنون - ٥٣] فالأظهر كلام المظهر في هذا المقام والله أعلم بالمرام. ثم لا
يخفى ما في التشبيه من اللطافة حيث جعل العلم الحاصل بسبب الوحي مشبهاً بالماء النازل من
السماء، ثم إنه عليه الصلاة والسلام من حيث إنه قاسم وواسطة في إيصال الفيض من الحق
إلى الخلق مشبه بالسحاب العام لجميع العالم، وقلوب العباد مشبهة بالأراضي المختلفة؛
فالأوّل من تشبيه المعقول بالمحسوس [وغيره من قبيل المحسوس بمثله] ومنه قوله تعالى:
﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً﴾ [الأعراف - ٥٨] ثم
الخبيث كأنه مقتبس من قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء﴾ الآية، وقد قيل على ما في البغوي
قوله: ﴿أنزل من السماء ماء﴾ [البقرة - ٢٢٥] هذا مثل للقرآن، والأودية مثل للقلوب، يريد
ينزل القرآن فتحتمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشك والجهل، وقال الواسطي :
﴿فاحتمل السيل زبداً رابياً﴾ رؤيتك لأعمالك ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ [آل عمران - ٧] عند
أهل التوحيد، ﴿وأما ما ينفع الناس﴾ فهو اليقين. (متفق عليه).
١٥١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله وَلاتر: ﴿هو الذي أنزل عليك
الكتاب﴾) أي القرآن (﴿منه﴾) أي بعضه (﴿آيات محكمات﴾) وهي ما أمن من احتمال التأويل
كالنصوص الدالة على ذاته وصفاته [(وقرأ إلى ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾) يحتمل الاختصار
في الذكر من عائشة، أو ممن دونها، والتتمة] ﴿من﴾ أي تلك الآيات ﴿أم الكتاب﴾ أي أصله
﴿وأخر﴾ أي آيات أخر ﴿متشابهات﴾ المتشابه ما بلغ في الخفاء غايته ولا يرجى معرفته كقوله:
﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح - ١٠] ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي ميل عن اتباع الحق إلى
الباطل ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ أي يبحثون فيه ﴿ابتغاء الفتنة﴾ أي لطلب الفتنة، يعني إيقاع
الشك والخصومة بين المسلمين ﴿وابتغاء تأويله﴾ لاستنباط معانيه ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾
المذهب الصحيح الوقف عليه ﴿والراسخون﴾ مبتدأ، أي الثابتون في العلم أي في علم الدين
﴿ويقولون آمنا به﴾ أي بالمتشابه، ووكلنا علمه إلى عالمه كما قال الإمام مالك لما سئل عن
الاستواء: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ﴿كل﴾ أ [ي]
الحديث رقم ١٥١ : أخرجه البخاري في الصحیح ٢٠٩/٨ حديث رقم ٤٥٤٧. وأخرجه مسلم صحيحه ٤/
٢٠٥٣ حديث رقم (١. ٢٦٦٥). وأخرجه أبو داود في السنن ٥/ ٦ حديث رقم ٤٥٩٨. وأخرجه
ابن ماجة ١٨/١ حديث رقم ٤٧. والدارمي في السنن ٦٦/١ حديث رقم ١٤٥.
. أهم

٣٥٤
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
وَ الحر: ((فإذا رأيت - وعند مسلم: رأيتم - الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمَّاهم
اللهُ، فاحذروهم)).
اصوي
من المحكم والمتشابه ﴿من عند ربنا﴾ أي نزل من عنده وهو حق وصواب وحكمة وقوع
المتشابه فيه إعلام للعقول بقصورها لتستسلم لبارئها وتعترف بعجزها وتسلم من الغرور
والعجب والتكبر والتعزز ﴿وما يذكر﴾ أي يتعظ وينتفع بما فيه من الموعظة ﴿إلا أولو الألباب﴾
[الرعد - ١٧] أي أصحاب العقول السليمة من علل الخواطر السقيمة. (قالت: قال رسول الله
وَل: ((فإذا رأيت) بفتح التاء على الخطاب العام، أي أيها الرائي. وحُكي بالكسر على أن
الخطاب لعائشة وإن كان المراد عاماً (وعند مسلم رأيتم) وهو يؤيد الأوّل (الذين يتبعون ما
تشابه منه) يحتمل أن يكون المراد بهم الذين يقتصرون على تتبع المتشابه ويحتمل الإطلاق سد
اللباب (فأولئك) بفتح الكاف وقيل بالكسر (الذين سماهم الله) أهل الزيغ أو زائغين بقوله: ﴿في
قلوبهم زيغ﴾ (فاحذروهم) أي لا تجالسوهم ولا تكالموهم [أيها المسلمون]، قال الطيبي: وقع
في صحيح البخاري، وفي بعض نسخ المصابيح: ((رأيت)) بفتح التاء على الخطاب العام ولهذا
جمعه في فاحذروهم، وفي بعضها بكسر التاء على خطاب أم المؤمنين عائشة بياناً لشرفها
وغزارة علمها كما يقال: يا فلان افعلوا كيت وكيت لرئيس القوم إظهاراً لشرفه وتقدمه، ومنه
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق - ١]. اهـ. وتبعه ابن حجر، وفيه أن
هذا التحقيق يستدعي حضور قوم معها، ويمكن أن يحمل خطاب المذكر والجمع على تعظيمها
تنزيلاً لها منزلة الرجال لكمال عقلها كقوله تعالى: ﴿وكانت من القانتين﴾ [التحريم - ١٢] والله
أعلم. قال النووي حذر رسول الله وَل﴿ عن اختلاف يؤدي إلى الكفر والبدعة كاختلاف اليهود
والنصارى، وذلك مثل الاختلاف في نفس القرآن. أو في معنى لا يسوغ الاجتهاد فيه، أو فيما
يوقع في شك وشبهة وفتنة وخصومة، وأما الاختلاف لاستنباط فروع في الدين منه ومناظرة
أهل العلم فيه على سبيل الفائدة وإظهار الحق فليس بمنهي عنه، بل هو مأمور به وفضيلته
ظاهرة وقد أجمع المسلمون عليه من عهد الصحابة إلى الآن. اهـ. وقال ابن حجر: هذا بناء
على ما عليه الجمهور من الوقف على الجلالة ليفيد إن علم المتشابه على حقيقة ما هو عليه
مختص بالله تعالى، ولا ينافي هذا جعل ابن عباس والآخرين الوقف على العلم المفيد أن
الراسخين فيه يعلمون تأويل المتشابه لأنهم وإن علموه لم يدركوا حقيقته المرادة لله تعالى منه،
وإنما علموه بصرف ظاهره عن الله تعالى لاستحالته بلا خلاف بين الفريقين. ومن ثم اتفق
السلف والخلف على تنزيه الله تعالى عن ظواهر المتشابهات المستحيلة على الله تعالى، ثم
اختلفوا بعد فأمسك أكثر السلف عن الخوض في تعيين المراد من ذلك المتشابه وفوّضوا علمه
إلى الله تعالى، وهذا أسلم لأن من أوّل لم يأمن من أن يذكر معنى غير مراد له تعالى فيقع في
ورطة التعيين وخطره، وخاض أكثر الخلف في التأويل لكن غير جازمين بأن هذا مراد الله تعالى
من تلك النصوص، وإنما قصدوا بذلك صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه والرد على
المبتدعة المتمسكين بأكثر تلك الظواهر الموافقة لاعتقاداتهم الباطلة، وقال الشافعي: لا يحل
تفسير المتشابه إلا بسند عن رسول الله وَالر، أو خبر عن أحد من الصحابة، أو إجماع العلماء.

٣٥٥
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
متفق عليه .
١٥٢ - (١٣) وعن عبد الله بن عمرو، قال: هجَّرتُ إِلى رسول الله وَلَه يوماً، قال:
فسمع أصوات رجُلَين اختلفا في آية، فخرج علينا رسولُ اللهَ وَّلَهَ يُعْرَفُ في وجهِه الغضَبُ،
فقال: ((إِنما هَلَكَ مَنْ كان قبْلَكم باختلافهم في الكِتاب)). رواه مسلم.
١٥٣ ۔ (١٤) وعن سعد بن أبي وقاص،
(متفق عليه).
١٥٢ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو رضي الله عنهما (قال: هجّرت) بالتشديد، أي
أتيت في الهاجرة، أي الظهيرة (إلى رسول الله (وَّليه) قال المظهر: التهجير السير في الهاجرة،
وهي وقت شدة الحرّ، ولعل خروجه في هذا الوقت ليدركه عليه الصلاة والسلام عند خروجه
من الحجرة فلا يفوته شيء من أقواله وأفعاله، وفيه حث على تحمل المشقة والإسراع إلى
المسجد وطلب العلم. (يوماً) أي من الأيام، أو التنوين للتعظيم (قال:) أي عبد الله (فسمع)
أي النبي ◌ُّ من حجرته (أصوات رجلين) صرح الرضي بأنه إذا أضيف الجزآن إلى
متضمنيهما، وكان المتضمنان بلفظ واحد فلفظ الإفراد في المضاف أولى من لفظ المثنى، ولفظ
الجمع فيه أولى من الإفراد، لكن في عد الأصوات أجزاء منهما (١) [محل] نظر. والظاهر أن
جمع الأصوات على حقيقته؛ فإن كل حرف من كلمات الرجلين صوت معتمد على مخرجه،
وفي تفسير الجلالين عند قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم - ٤] أطلق قلوب على
قلبين ولم يعبر به لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة. (اختلفا) صفة رجلين،
أي تنازعا واختصما (في آية) أي في معنى آية متشابهة، ويحتمل أن يكون اختلافهما في لفظها
اختلاف قراءة (فخرج علينا رسول الله وي لو يعرف) على بناء المجهول (في وجهه الغضب)
الجملة حالية من فاعل ((خرج))، وكان عليه الصلاة والسلام لا يغضب لنفسه وإنما كان يغضب
لله فيشتد به ذلك الغضب حتى يرى أثره من حمرة اللون ونحوها في وجهه الكريم. (فقال:
إنما هلك من كان قبلكم) أي من اليهود والنصارى (باختلافهم في الكتاب) أي المنزل على
نبيهم بأن قال كل واحد منهم ما شاء من تلقاء نفسه، وتقدم في كلام النووي بيان الاختلاف
المنهي (رواه مسلم).
١٥٣ - (وعن سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه هو من العشرة المبشرة بالجنة، يكنى أبا
الحديث رقم ١٥٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٥٣/٤ حديث رقم (٢. ٢٦٦٦).
(١) في المخطوطة ((منه)).
الحديث رقم ١٥٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٦٤/١٣ حديث رقم ٧٢٨٩. وأخرجه مسلم في
صحيحه ١٨٣١/٤ حديث رقم (٢٣٥٨.١٣٢). وأخرجه أبو داود في السنن ١٦/٥ حديث رقم
٤٦١٠ وأخرجه أحمد في المسند ١٧٩/١.

٣٥٦
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
قال: قال رسول الله وَليقول: ((إِنَّ أعظمَ المسلمين في المسلمين جُزْماً مَنْ سأل عن شيء لم
يُحَرَّمْ على الناس، فحُرّمَ من أجْلِ مسألتِه». متفق عليه.
١٥٤ _ (١٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((يكونُ في آخرِ الزمان
دجالون
/ ٣٢:
إسحاق، واسم أبي وقاص مالك بن وهيب الزهري القرشي، أسلم قديماً وهو ابن سبع عشرة
سنة، وقال: كنت ثالث الإسلام وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، شهد المشاهد كلها مع
النبي ◌َّر، وكان مجاب الدعوة مشهوراً بذلك تخاف دعوته وتُرجى لاشتهار إجابتها عندهم
وذلك أن رسول الله وَالر قال فيه: اللهم سدد سهمه وأجب دعوته، وجمع له رسول الله وَل
وللزبير أبويه فقال لكل واحد منهما: فداك أبي وأمي ولم يقل ذلك لأحد غيرهما، مات في
قصره بالعقيق قريباً من المدينة، فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة، وصلى عليه مروان بن
الحكم وهو يومئذ والي المدينة، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وله بضع وسبعون سنة وهو
آخر العشرة موتاً. ولاه عمر وعثمان الكوفة، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. (قال:
قال رسول الله وَل: ((إن أعظم المسلمين في المسلمين) أي في حقهم وجهتهم (جرماً) تمييز،
أي ذنباً وظلماً كائناً فيهم، قال الطيبي: أصله أجرم المسلمين فعدل إلى أعظم، ثم فسر بجرماً
ليدل على أن الأعظم نفسه جرم. (من سأل) أي نبيه (عن شيء) بالتنكير (لم يحرم) بصيغة
المجهول من التحريم (على الناس) الجملة صفة شيء بأن يسأل هل هو حرام أم لا؟ (فحرّم من
أجل مسألته) أي فحرّم ذلك الشيء لأجل سؤاله لأنه متعد في سؤاله إذ أمر بالسكوت ونهي عن
النطق، فعوقب بتحريم ما سأل عنه كذا قاله بعض الشراح، وقال الطيبي: هذا في حق من سأل
عبئاً وتكلفاً فيما لا حاجة به إليه كمسألة بني إسرائيل في شأن البقرة دون من يسأل سؤال حاجة
فإنه يثاب، واحتج بهذا الحديث من قال: أصل الأشياء الإباحة قبل ورود الشرع حتى يقوم
دليل الحظر، وقال ابن الملك: لأنه إن سكت عليه الصلاة والسلام عن جوابه يكون ردعاً
لسائله، وإن أجاب عنه كان تغليظاً له، فيكون بسببه تغليظاً على غيره، وإنما كان أعظم جرماً
لتعدي جنايته إلى جميع المسلمين بشؤم لجاجه وأما من سأل لاستبانة حكم واجب أو مندوب
أو مباح قد خفي عليه فلا يدخل في هذا الوعيد، قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا
تعلمون﴾ [النحل - ٤٣] (متفق عليه) قيل: لفظ ((في المسلمين)) ليس للبخاري وكذا لفظ ((على
الناس)).
١٥٤ - (وعن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَطير: يكون في آخر الزمان)
أي آخر زمان هذه الأمة (دجالون) من الدجل، وهو التلبيس جمع الدجال وهو كثير المكر
والتلبيس، أي الخداعون يعني: سيكون جماعة يقولون للناس: نحن علماء ومشايخ ندعوكم
الحديث رقم ١٥٤: أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١٢/١ حديث رقم (٧.٧) وأخرجه أحمد في
المسند ٣٤٩/٢.
:مدة

٣٥٧
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
كذَّابون يأتونكم من الأحاديثِ بما لم تسمعوا أنتم ولا آبَاؤُكم، فإِيَّكم وإِيَّاهم، لا يُضلونكم
ولا يفتنونکم)).
إلى الدين وهم (كذابون) في ذلك (يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم) أي
يتحدثون بالأحاديث الكاذبة. ويبتدعون أحكاماً باطلة واعتقادات فاسدة. اهـ. كلام المظهر،
ويجوز أن تحمل الأحاديث على المشهور عند المحدثين فيكون المراد بها الموضوعات، وأن
يراد ما بين الناس، أي(١) يحدثونكم بالذي ما سمعتم عن السلف من علم الكلام، قال في
شرح السنة: اتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال في الصفات، وعن
الخوض في علم الكلام وتعلمه، قال مالك: إياكم والبدع، قيل: وما البدع؟ قال: أهل البدع
الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه
الصحابة والتابعون، ولو كان الكلام علماً لتكلموا فيه كما تكلموا في الأحكام. وسئل سفيان
الثوري عن الكلام، فقال: دع الباطل أين أنت من الحق اتبع السنة ودع البدعة، وقل: وجدت
الأمر في الإتباع، وقال: عليكم بما عليه الجمالون والنساء في البيوت والصبيان في الكتاب من
الإقرار والعمل؛ وقال الشافعي: لأن يبتلى الرجل بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن
يبتلى بالكلام، وقال مرة أخرى: لأن ألقى الله بكل ذنب ما خلا الشرك بالله أهون من أن ألقاه
بمسألة في علم الكلام، وقال: رأيي وحكمي في أهله أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في
الأسواق، أو في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واشتغل بالكلام،
فإن قلت كيف الجمع بين هذا وبين قول الإمام النووي فيما سبق: إن علم الكلام من البدعة
الواجبة؟ أجيب: بأن الوجوب من حيث الضرورة من غلوّ المبتدعة والملحدة فحينئذ وجب
على المسلمين دفعهم والمحذور جعله صنعة وعادة، ولهذا كان تعلم علم الكلام من فروض
الكفايات كسائر الصناعات المباحة كذا ذكره الطيبي. وقد ألف الإمام الشيخ جلال الدين
السيوطي رحمه الله رسالة في تحريم المنطق والكلام، وفيها استيفاء الكلام على وجه التمام.
(فإياكم) أي أبعدوا أنفسكم عنهم (وإياهم) أي بعدوهم عنكم (لا يضلونكم) استئناف جواب
لقائل لم نبعدهم؟ لئلا يضلوكم فحذف الجار والناصب فعاد الفعل إلى الرفع كذا ذكره بعضهم،
وقال الطيبي: كأنه قيل: ماذا يكون بعد الحذر؟ فأجيب: لا يضلونكم. اهـ. قال ابن حجر:
نظيره قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل [إذا اهتديتم]﴾ [المائدة - ١٠٥] على
قراءة الرفع. اهـ. وفيه أنه إن أراد بقوله على قراءة الرفع قراءة الجمهور فهو ليس صريحاً في
المقصود، فإنه يحتمل الرفع على أنه مستأنف، ويؤيده إن قرىء ﴿لا يضركم﴾ ويحتمل الجزم
على الجواب، أو النهي والقياس الفتح، لكنه ضمت الراء اتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من
الراء المدغمة، وينصره قراءة من قرأ ﴿لا يضركم﴾ بفتح الراء، وإن أراد بالرفع اثبات النون فهو
غير محفوظ والله أعلم. مع أنه من لغة أكلوني البراغيث، أو نقول هو خبر في معنى النهي
مبالغة فيكون تأكيداً للأمر بالحذر، ولا يجوز أن يكون جواب الأمر لوجود النون (ولا يفتنونكم)
(١) في المخطوطة ((أن)).
د" ..

٣٥٨
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
رواه مسلم.
١٥٥ - (١٦) وعنه، قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانيَّة، ويفسّرونها
بالعربيَّة لأهل الإِسلام. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تُكذّبوهم، و
﴿قولوا آمنًا باللَّهِ وما أنزل إِلينا﴾)) الآية. رواه البخاري.
١٥٦ - (١٧) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كفى بالمرءِ كَذِباً أن يُحَدِّثَ بكل ما
سمع)). رواه مسلم.
أي لا يوقعونكم في الفتنة، وهي الشرك قال تعالى: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ [البقرة - ١٩١] أو
يراد بها عذاب الآخرة قال تعالى: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ [الذاريات - ١٤] (رواه مسلم).
١٥٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: كان أهل الكتاب) أي اليهود (يقرؤون التوراة
بالعبرانية) بكسر العين (ويفسرونها) أي يترجمونها (بالعربية لأهل الإسلام) أعم ممن آمن منهم
أو من غيرهم (فقال رسول الله وَي: لا تصدقوا) أي فيما لم يتبين لكم صدقة لاحتمال أن يكون
كذباً وهو الظاهر من أحوالهم (أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى لأنهم حرفوا كتابهم (ولا
تكذبوهم) أي فيما حدثوا من التوراة والإنجيل ولم يتبين لكم كذبه لاحتمال أن يكون صدقاً
وإن كان نادراً؛ لأن الكذوب قد يصدق، وفيه إشارة إلى التوقف فيما أشكل من الأمور
والعلوم، فلا يقضي بجواز ولا بطلان وعليه السلف، وكانوا يقولون: لا أدري فيما يسألون عنه
من ذلك ومن ثم قالوا: من أخطأ لا أدري أصيبت مقاتلة. (﴿وقولوا آمنا بالله﴾) أي صدقنا
معترفين به، أو موقنين به (﴿وما أنزل إلينا﴾) من القرآن (الآية))) تمامها ﴿وما أنزل إلى إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والإسباط وما أوتي موسى وعيسى﴾ أي من التوراة والإنجيل،
وهذا محل الشاهد. والمقصود رفع النزاع، يعني: تؤمن إيماناً إجمالياً ﴿وما أوتي النبيون من
ربها﴾ تعميم بعد تخصيص ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ أي في الإيمان بهم وبكتبهم ﴿ونحن له﴾
أي الله، أو لما أنزل ﴿مسلمون﴾ [البقرة - ١٣٦] أي مطيعون أو منقادون (رواه البخاري).
١٥٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلير: ((كفى بالمرء) مفعول كفى
والباء زائدة (كذباً) تمييز وهو بفتح الكاف وكسر الذال، ويجوز كسر الكاف وسكون الذال،
وفي رواية ((إنما)) بدل ((كذباً)) (أن يحدث) فاعل كفى (بكل ما سمع))) يعني لو لم يكن للمرء
كذب إلا تحديثه بكل ما سمع من غير تيقن أنه صدق أم كذب لكفاه من الكذب أن لا يكون
بريئاً منه، وهذا زجر عن التحديث بشيء لم يعلم صدقه بل على الرجل أن يبحث في كل ما
سمع خصوصاً في أحاديث النبي والقر، ولذا ورد هذا الحديث في باب الاعتصام. (رواه
مسلم).
الحديث رقم ١٥٥ : أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٦/١٣ حديث رقم ٧٥٤٢.
الحديث رقم ١٥٦ : أخرجه مسلم في صحيحه في المقدمة ١/ ١٠ حديث رقم (٥.٥).

٣٥٩
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٥٧ - (١٨) وعن ابن مسعود، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((ما من نبيّ بعثَه اللَّهُ في
أمَّتِه قبلي إِلا كان له في أمَّتِهِ حَوارِيُّون وأصحابٌ يأخُذون بسُنَّتِهِ، ويقتَدون بأمرِه، ثم إِنها
تخْلُفُ مِن بعدهم خُلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤْمرونَ،
١٥٧ - (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَطيقول: ما من نبي) زيادة ((من)) لاستغراق
النفي، وهو يحمل على الغالب لأنه جاء في حديث: ((أن نبياً يجيء يوم القيامة ولم يتبعه من
أمته إلا واحد)» (بعثه الله في أمته) وفي نسخة أمة (قبلي) قيل: على رواية ((أمته)) بالهاء يتعلق
((قبلي)) ببعث، أو يكون حالاً من أمته، وعلى رواية ((في أمة)) يكون ((قبلي)) صفة لأمة. قال
التوربشتي: نحن نروي من كتاب مسلم وغيره في أمة بغير هاء، وفي بعض نسخ المصابيح
بالهاء بعد التاء، والأوّل هو الصواب والأمثل في فصيح الكلام. قال المؤلف: وقد وجدت في
كتاب الحميدي والجامع والمشارق بغير هاء، وفي صحيح مسلم كما في المصابيح، وقال
المظهر: الرواية بالهاء أصح، قيل: قوله ((نبي)) نكرة، والمناسب أن يؤتى بأمة نكرة إذ المعنى
ما من نبي من الأنبياء في أمة من الأمم لاقتضاء ما النافية، ومن الاستغراقية ذلك، ولأن قوله:
(إلا كان له من أمته) وفي نسخة صحيحة: ((في أمته)) عبارة عن النكرة، فهو كالتعريف باللام
بعد النكرة. (حواريون) بتشديد الياء وخفف في الشواذ، أي ناصرون. قال الطيبي: أطاب الله
ثراه جواري الرجل صفوته وخالصته الذي أخلص ونفي من كل عيب. وقيل: صاحب سره
سمي بذلك لخلوص نيته وصفاء طويته من الحور بفتحتين وهو شدة البياض، وقيل: الحواري
القصّار بلغة النبط، وكان أصحاب عيسى قصّارين لأنهم يحوّرون الثياب، أي يبيضونها فغلب
عليهم الاسم. ثم استعير لكل من ينصر نبياً ويتبع هداه حق أتباعه تشبيهاً بأولئك. (وأصحاب)
يحتمل أن يكون عطفاً تفسيرياً، وأن يكون الأصحاب غير الحواريين أعم منهم (يأخذون بسنته)
أي بهديه وسيرته (ويقتدون بأمره) أي يتبعونه في أمره ونهيه (ثم) إما على الحقيقة في التراخي
الزماني، وإما على معنى البعد في المرتبة (إنها) الضمير للقصة (تخلف) بضم اللام، أي
تحدث (من بعدهم خلوف) بضم الخاء جمع خلف بسكون اللام مع فتح الخاء، الرديء من
الأعقاب، أو ولد السوء كعدل وعدول، قال تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة
واتبعوا الشهوات﴾ [مريم - ٥٩] والخلف بفتحتين يجمع على أخلاف كما يقال سلف
وأسلاف. وهو الصالح منهم، (يقولون ما لا يفعلون) وصف الخلوف بأنهم متصفون
ومتمدحون بما ليس عندهم حيث يقولون: فعلنا ما أمرنا ولم يفعلوا شيئاً من ذلك، بل فعلوا ما
نهوا عنه، وهو المعنى بقوله: (ويفعلون ما لا يؤمرون) وهو إيماء إلى قوله تعالى: ﴿لا تحسبن
الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾ [آل
عمران - ١٨٨] وقوله عزَّ وجلّ: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله
الحديث رقم ١٥٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٦٩/١ حديث رقم (٨٠. ٥٠). وأخرج بعضه أحمد في
المسند ٤٥٨/١.

٢٠*١
٣٦٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
فَمن جاهدهم بيدِه فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بِلسانِه فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقَلبِه فهو
مؤمنٌ، وليس وراءَ ذلك من الإِيمان حَبَّةُ خردلٍ)). رواه مسلم.
١٥٨ - (١٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((مَنْ دعا إِلَى هُدَى كان له
من الأجر مثلُ أجورٍ من تَبِعه، لا يَنقُصُ ذلك من أجورهم شيئاً. وَمن دعا إلى ضلالةٍ،
أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف - ٣] وأما السلف الصالح فإنهم لما اقتدوا بسنة سيد
المرسلين وسيرة إمام المتقين 8* انخرطوا في سلك الذين لا يعصون الله ما أمرهم
ويفعلون ما يؤمرون (فمن جاهدهم) جزاء شرط محذوف، أي إذا تقرر ذلك فمن حار بهم
وأنكر عليهم (بيده فهو) بضم الهاء وتسكن (مؤمن) بالهمزة ويبدل (ومن جاهدهم بلسانه
فهو مؤمن ومن جاهدهم) أي أنكر عليهم (بقلبه) بأن يغضب عليهم ولو قدر لحاربهم باليد
أو باللسان (فهو مؤمن) قيل: التنكير في مؤمن للتنويع فإن الأول دل على كمال الإيمان،
والثالث على نقصانه، والثاني على القصد فيه (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)))
هي اسم ليس، ومن الإيمان صفته، قدمت فصارت حالاً، ووراء ذلك خبره، ثم ذهب
المظهر إلى أن ذلك إشارة إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، ويحتمل أن يشار به إلى الإيمان
في المراتب الثلاث من مراتب الإيمان، فإنه إن لم ينكر بالقلب رضي بالمنكر وهو كفر،
فتكون هذه الجملة المصدرة بليس معطوفة على الجملة قبلها بكمالها كذا قاله الطيبي.
والأوّل هو الظاهر، أي وراء الجهاد بالقلب، يعني من لم ينكرهم بالقلب بعد العجز عن
جهادهم بيده ولسانه فلم يكن فيه حبة خردل من الإيمان، لأن أدنى مراتب أهل الإيمان أن
لا يستحسن المعاصي وينكرها بقلبه، فإن لم يفعل ذلك فقد خرج عن دائرة الإيمان ودخل
فيمن استحل محارم الله واعتقد بطلان أحكامه. (رواه مسلم).
١٥٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َّار: من دعا إلى هدى) قال الطيبي: الهدى
إما الدلالة الموصلة أو مطلق الدلالة، والمراد هنا ما يهدى به من الأعمال الصالحة وهو
بحسب التنكير شائع في جنس ما يقال هدى، فأعظمه هدى من دعا إلى الله وعمل صالحاً،
وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين. (كان له) أي للداعي (من الأجر مثل
أجور من تبعه) فعمل بدلالته أو امتثل أمره (لا ينقص) بضم القاف (ذلك) إشارة إلى مصدر كان
كذا قيل، والأظهر أنه راجع إلى الأجر (من أجورهم شيئاً) قال ابن الملك: هو مفعول به، أو
تمييز بناء على أن النقص يأتي لازماً ومتعدياً. اهـ. والظاهر إن يقال إن شيئاً مفعول به، أي
شيئاً من أجورهم، أو مفعول مطلق، أي شيئاً من النقص (ومن دعا إلى ضلالة) أي من أرشد
الحديث رقم ١٥٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٦٠ حديث رقم (٢٦٧٤.١٦). وأخرجه أبو داود في
السنن ١٥/٥ حديث رقم ٤٦٠٩. وأخرجه الترمذي في السنن ٤٢/٥ حديث رقم ٢٦٧٤. وابن
ماجة ٧٥/١ حديث رقم ٢٠٦ والدارمي في مقدمة سننه ١٤١/١ حديث رقم ٥١٣ وأحمد في
المسند ٣٩٧/٢.
ـرهونا/كغب