Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم
ينوَّر له فيه، ثم يقال له: نَمْ. فيقول: أرجِعُ إِلى أهلي فأُخبِرَهُم. فيقولان: نَمْ كنومة
العروس الذي لا يوقظه إِلا أحبُّ أهله إليه حتى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مضجَعِهِ ذلك. وإِن كان منافقاً
قال: سمعت الناس يقولون قولاً فقلت مثله، لا أدري.
يدعي الإِيمان لكن من غير دراية وبرهان. (فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا) أي الإقرار
بالوحدانية والرسالة، وعلمهما بذلك إما بإخبار الله تعالى إياهما بذلك، أو بمشاهدتهما في
جبينه أثر السعادة وشعاع نور الإيمان والعبادة، (ثم يفسح)(١) مجهول مخفف، وقیل مشدد،
أي يوسع (له في قبره سبعون ذراعاً) يحتمل أنه بذراع الدنيا المعروف عند المخاطبين وهو
الظاهر، ويحتمل أنه بذراع الملك الأكبر من ذلك بكثير، قال الطيبي: أصله يفسح قبره مقدار
سبعين ذراعاً فجعل القبر ظرفاً للسبعين وأسند الفعل إلى السبعين مبالغة في السعة. (في
سبعين) أي ذراعاً، كما في نسخة، أي في عرض سبعين، يعني طوله وعرضه كذلك، قيل:
لأنه غالب أعمار أمته عليه الصلاة والسلام فيفسح له في مقابلة كل سنة عبد الله فيها ذراعاً،
والأظهر أن المراد به الكثرة، ولذا ورد في بعض الروايات: «مد بصره)) ويمكن أن يختلف
باختلاف الأشخاص والله أعلم. (ثم ينوّر له فيه) أي يجعل النور له في قبره الذي وسع عليه
(ثم يقال له: نم) أمر من نام ينام (فيقول:) أي الميت لعظيم ما رأى من السرور (أرجع) أي
أريد الرجوع كذا قيل، والأظهر أن الاستفهام مقدر (إلى أهلي فأخبرهم) أي بأن حالي طيب ولا
حزن لي ليفرحوا بذلك ﴿قال يا ليت﴾ [قومي] ﴿يعلمون﴾ (فيقولان) أي له معرضين عن
الجواب لاستحالته كذا قاله العسقلاني، وأقول: قوله: (نم) متضمن للجواب ومغن عن
الإطناب (كنومة العروس) هو يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما، وقد يقال للذكر
العريس. (الذي لا يوقظه) الجملة صفة العروس، وإنما شبه نومه بنومة العروس لأنه يكون في
طيب العيش، وقيل: المراد في تمام طيب العيش (إلا أحب أهله إليه) قال المظهر: عبارة عن
عزته وتعظيمه عند أهله يأتيه غداة ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه على الرفق واللطف
(حتى يبعثه الله) هذا ليس من مقول الملكين بل من كلامه عليه الصلاة والسلام إعلاماً لأمته بأن
هذا النعيم يدوم له ما دام في قبره، و ((حتى)) متعلق بمحذوف، أي ينام طيب العيش حتى يبعثه
الله (من مضجعه ذلك) بفتح الميم والجيم موضع الضجع وهو النوم، وقيل: يحتمل أن يتعلق
(حتى)) بنم على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إشارة إلى غيبته عنهما بانصرافه عنهما.
(وإن كان منافقاً قال:) وفي نسخة فقال (سمعت الناس) أي المسلمين أو الكفار فإنهم أكثر
الناس، قال تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ [يوسف - ١٠٣] والأول أظهر
(يقولون قولاً) هو أن محمداً رسول الله (فقلت مثله) أي مثل قولهم (لا أدري) أي أنه نبي في
الحقيقة أم لا، وهو استئناف أي ما شعرت غير ذلك القول، قال ابن الملك: محله النصب
(١) في المخطوطة ((يفسخ)) والصواب ((يفسح)) كذا في متن الحديث.

٣٢٢
: بـ:
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التنمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلفُ
أضلاعَهُ، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجَعِهِ ذلك)). رواه الترمذي.
١٣١ - (٧) وعن البراء بن عازب، عن رسول الله ◌َلتر، قال: ((یأتیه ملكان فیُجْلِسانه،
فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام.
فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما يدريك؟
فيقول: قرأت كتاب الله فآمنتُ به وصدقتُ؛
على الحال، أو صفة لمثله، وفي الثاني نظر (فيقولان: قد كنا نعلم) أي بالوحي، أو برؤيتنا في
وجهك أثراً لشقاوة وظلمة الكفر (إنك تقول ذلك) أي القول (فيقال للأرض:) أي للقبر من
قبلهما، أو من قبل ملك آخر (التنمي) أي انضمي واجتمعي (عليه) ضاغطة له، يعني ضيقي
عليه وهو على حقيقة الخطاب لا أنه تخييل لتعذيبه وعصره (فتلتئم عليه) أي يجتمع أجزاؤها
عليه بأن يقرب كل جانب من قبره إلى الجانب الآخر فيضمه ويعصره (فتختلف أضلاعه) بفتح
الهمزة جمع ضلع وهو عظم الجنب، أي تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة
التئامها عليه وشدة الضغطة وانعصار أعضائه وتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنب [آخر] (فلا
يزال فيها) أي في الأرض، أو في تلك الحالة، أو في تربته (معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه
ذلك))) وهذه الجملة من قوله عليه الصلاة والسلام لانقطاع الحكاية من الملكين (رواه الترمذي)
وقال : حسن غريب.
١٣١ - (وعن البراء) بالتخفيف والمد على المشهور، وقيل: بالقصر نقله الكرماني (ابن
عازب) رضي الله عنهما (عن رسول الله وَ لقال قال: ((يأتيه ملكان) قال ابن الملك: روى هذا
الحديث البراء كما رواه أبو هريرة إلا أن ألفاظهما مختلفة، قال في رواية البراء: ((يأتيه)) أي
المؤمن ((ملكان)» (فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله) بفتح الياء وتسكن ولو كان
الميت أعجمياً صار عربياً (فيقولان له: ما دينك؟) أي الذي اخترته من بين الأديان (فيقول:
ديني الإسلام، فيقولان:) أي له كما في نسخة (ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟) أي ما وصفه
لأن ما يسأل به عن الوصف كذا قاله الطيبي: وتبعه ابن حجر وقال: أي ما وصفه أرسول هو
أو ما اعتقادك فيه؟ والأظهر أن ما بمعنى من ليوافق بقية الروايات بلفظ من نبيك (فيقول: هو
رسول الله) وفي نسخة وَّر (فيقولان له:) أي للميت (وما يدريك) أي أي شيء أعلمك وأخبرك
بما تقول من الربوبية والإِسلام والرسالة؟ وقيل: إنما وصل بالواو العاطفة هنا لإتصاله بما قبله
بخلاف ما دينك؟ وما هذا الرجل؟ فإن كلا منهما مستقل منقطع عما قبله (فيقول: قرأت كتاب
الله) أي القرآن (فآمنت به) أي بالقرآن، فإن الإِيمان به مستلزم للإيمان بمحمد بَّر، أو آمنت
بالنبي أنَّه حق (وصدقت) أي صدقته بما قال، أو صدقت بما في القرآن، فوجدت فيه ﴿فاعلم
الحديث رقم ١٣١ : أخرجه أحمد في المسند ٢٨٧/٤. وأخرجه أبو داود في السنن ١١٤/٥ حديث رقم
٤٧٥٣.

٣٢٣
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ الآية. قال: فينادي مُنَادٍ من السماءِ:
أن صَدَق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، ويفتح.
قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها،
أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد - ١٩] و﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء﴾ [غافر - ١٢٠] وغير ذلك
من الآيات الدالة على أن ربي ورب المخلوقات واحد وهو الله تعالى، وفيه أيضاً ﴿إن الدين
عند الله الإِسلام﴾ [آل عمران - ١٩٠] ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ [آل عمران -
٨٥] فعلمت أنه لا دين مرضياً عنده غير الإِسلام، وفيه أيضاً ﴿محمد رسول الله﴾ [الفتح - ٢٩]
﴿وقل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ [الأعراف - ١٥٨] وغير ذلك كذا قاله ابن
الملك، وقال الطيبي: قرأت كتاب الله ورأيت فيه من الفصاحة والبلاغة فعرفت أنه معجز
فآمنت به، أو تفكرت فيما فيه من البعث على مكارم الأخلاق وفواضل الأعمال ومن ذكر
الغيوب وأخبار الأمم السالفة من غير أن يسمع من أحد فعرفت أنه من عند الله فآمنت به.
(فذلك) أي مصداق هذا (قوله) أي جريان لسانه بالجواب المذكور هو التثبيت الذي تضمنه قوله
تعالى (﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ الآية قال:)(١) أي النبي ◌ّ (فينادي مناد) أي
للملكين (من السماء) أي من جهتها (أن صدق عبدي) أن مفسرة للنداء لأنه في معنى القول،
وجوز أن تكون مصدرية مجروراً بتقدير اللام وهو غير صحيح معنى ألا أن يتعلق بقوله:
(فأفرشوه) والمعنى: صدق عبدي فيما يقول، فإنه كان في الدنيا على هذا الاعتقاد فهو مستحق
للإكرام، ولذا سماه عبداً وأضافه إلى نفسه تشريفاً فأفرشوه بهمزة القطع (من الجنة) والفاء فيه
جواب شرط مقدر، أي إذا صدق عبدي فاجعلوا له فرشاً من فرش الجنة فيكون أفرش بمعنى
فرش كذا قيل، وقال الطيبي: ليس في المصادر الإِفراش بهذا المعنى إنما هو أفرش أي أقلع
عنه فهذا اللفظ بهذا المعنى من باب القياس بإلحاق الألف في الثلاثي، فلو كان من الثلاثي
لكان حقه الوصل ولم نجد الرواية إلا بالقطع. اهـ. لكن قال في القاموس أفرش عنه أقلعه
وأفرشه أعطاه فرشاً من الإبل، أي صغاراً وأفرش فلاناً بساطاً بسطه له كفرشه فرشاً وفرشه
تفريشاً، وقال السيد جمال الدين: أصله أفرشوا له فحذف لام الجر ووصل الضمير بالفعل
اتساعاً، وقيل: معناه أعطوه فراشاً منها، وقيل: معناه اجعلوه ذا فرش من الجنة، وقال ابن
حجر: يغني عن سماعه صحة الرواية. اهـ. وكله تكلف مستغنى عنه بما ذكر في القاموس
(وألبسوه) بقطع الهمزة، أي اكسوه أو أعطوه لباساً (من الجنة) أي من حللها (وافتحوا له باباً
إلى الجنة) أي حقيقة أو مكاشفة كذا في الأزهار، والأظهر هو الأوّل لما يأتي. (فيفتح) وفي
نسخة، ويفسح، أي له كما في نسخة (قال) بَ لّ: (فيأتيه) أي المؤمن (من روحها) أي بعض
روحها، والروح بالفتح الراحة ونسيم الريح (وطيبها) أي بعض تلك الرائحة والطيب، أي شيء
منها، ولم يؤت بهذا التعبير إلا ليفيد أنه مما لا يقادر قدره ولا يوصف كنهه وكل طيب روح
(١) آية ٢٧ من سورة إبراهيم.

٣٢٤
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
ويفسح له فيها مد بصره. وأما الكافر فذكر موته، قال: ويعاد روحه في جسده، ويأتيه
ملكان، فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟
فيقول: هَاه هَاه، لا أدري! فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هَاه هَاه، لا
أدري! فينادي منادٍ من السماءِ: أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له
باباً إلى النار. قال: فيأتيه من حَرّها وسمومها. قال: ويُضيق عليه قبره حتى يختلف فيه
أضلاعه، ثم يُقیض له
ولا عكس، وقيل: من زائدة على مذهب الأخفش. (ويفسح) وفي نسخة يفتح، وهو غير
ملائم لمد البصر (له فيها) أي في تربته، وهي قبره ويدل عليه مقابلة الآتي: ((ويضيق عليه قبره))
وقال ابن الملك: أي في الجنة وهو بعيد، وقال ابن حجر: أي في رؤيته وهو لا يخلو عن
تكلف. (مد بصره) المعنى أنه يرفع عنه الحجاب فيرى ما يمكنه أن يراه، قيل: نصب مد على
الظرف، أي مداه وهي الغاية التي ينتهي إليها البصر، والأصوب أن نصبه على المصدر، أي
فسحا(١) قدر مد بصره، وقيل: في التوفيق بين هذا وبين قوله: ((سبعون ذراعاً في سبعين)) إن
هذه الفسحة عبارة عما يعرض عليه من الجنة وتلك عن توسيع مرقده عليه، أو كلاهما كناية
عن التوسعة من غير تحديد. ويحتمل أن يكون بحسب اختلاف أحوال الأشخاص في الأعمال
والدرجات، وقال ابن حجر: مد بصره بالفتح في نسخة معتمدة، فله نائب الفاعل وبرفعه في
نسخ، ويؤيده: ((سبعون ذراعاً)) السابق. (وأما الكافر فذكر) أي ◌َّ كما في نسخة (موته) أي
حال موت الكافر وشدته (قال:) أي النبي وَّر (ويعاد) بالتذكير، وقيل: بالتأنيث (روحه) أي
بعد الدفن (في جسده) أي بعضه أو كله (ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان:) أي له (من ربك؟
فيقول: هاه هاه) بسكون الهاء فيهما بعد الألف، كلمة يقولها المتحير الذي لا يقدر من حيرته
للخوف، أو لعدم الفصاحة أن يستعمل لسانه في فيه. (لا أدري) هذا كأنه بيان وتفسير لقوله:
((هاه هاه)) [فالمعنى] لا أدري شيئاً مّا، أو لا أدري ما أجيب به (فيقولان له:) أي للكافر (ما
دينك؟) من الأديان (فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان:) أي له (ما هذا الرجل الذي بعث
فيكم؟) يعني ما تقول في حقه أنبي أم لا (فيقول: هاه هاه لا أدري) قال تعالى: ﴿ومن كان في
هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى﴾ [الإسراء - ٧٢] (فينادي مناد من السماء أن كذب) أن مفسرة
للنداء أيضاً، أي كذب هذا الكافر في قوله: لا أدري لأن دين الله تعالى ونبوّة محمد بَ لو كان
ظاهراً في مشارق الأرض ومغاربها بل جحد نبوّته بالقول، أو بالاعتقاد بناء على أن كفره جهل
أو عناد. (فأفرشوه من النار والبسوه من النار) قال تعالى: ﴿سرابيلهم من قطران﴾ [إبراهيم -
٥٠] (وافتحوا له باباً إلى النار، قال) وَّر: (فيأتيه) أي الكافر (من حرها) أي حر النار، وهو
تأثيرها (وسمومها) وهي الريح الحارة (قال: ويضيق) بتشديد الياء المفتوحة (عليه قبره حتى
تختلف فيه أضلاعه ثم يقيض) أي يسلط ويوكل ويقدر (له) فيستولي عليه استيلاء القيض على
(١) في المخطوطة فتحاً.

٣٢٥
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
أعمى أصم، معه مرزبةٌ من حديد، لو ضُرب بها جبل لصار تراباً، فيضربه بها ضربةً يسمعها ما
بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير تراباً، ثم يعاد فيه الروح)) رواه أحمد، وأبو داود.
البيض، وأصله من القيض وهو القشر الأعلى من البيض (أعمى) أي زبانية لا عين له كيلا
يرحم عليه، وهو يحتمل أن لا يكون له عين لأجله، أو كناية عن عدم نظره إليه. (أصم) أي لا
يسمع صوت بكائه واستغاثته فيروّ له (معه مرزبة من حديد) المسموع في الحديث تشديد الباء،
وأهل اللغة يخففونها، وهي التي يدق بها المدر ويكسر، قال ابن حجر: المرزبة بفتح الموحدة
المشددة عند المحدثين واعترضوا بأن الصواب تخفيفها. اهـ. ولعل وجهه أن مفعلة بتشديد
اللام لا يعرف في أنواع الميزان الصرفي، وقال الطيبي: أما المرزبة فالمحدثون يشددون الباء
والصواب تخفيفه، وإنما تشدد الباء إذا أبدلت الهمزة من الميم وهي الأرزبة وأنشد الفراء:
* ضربك بالمرزبة العود النخر *
اهـ. أقول أخطأ الطيبي رحمه الله في تخطئة المحدثين وتصويب اللغويين؛ إذ نقل
الأوّلين من طرق العدول على وجه الرواية، ونقل الآخرين من سبيل الفضول على جهة
الحكاية. وأما استشهاده بإنشاد الفراء فضعيف إذ يحتمل تخفيفه ضرورة أو لغة أخرى، وقد
ذكرهما صاحب القاموس روّح الله روحه أبداً فقال: الأرزية والمرزبة مشددتان، أو الأولى فقط
عصية من حديد. اهـ. فظهر أن التشديد فيهما لغة مشهورة عند أكثر أهل اللغة، فلو وافق
بعض اللغويين جميع المحدثين لا شك ولا ريب أنه هو الصواب فكيف بالأكثر مع أنه عند
التعارض أيضاً يرجح جانب المحدثين لما تقدم، وأغرب من هذا طعن بعض علماء العربية في
القرآآت المتواترة حيث لم تكن على وفق مسموعهم وهو كفر ظاهر والله ولي دينه وحافظ كتابه
وقادر على ثوابه وعقابه. (لو ضرب بها) أي بالمرزبة (جبل لصار تراباً) أي اندق أجزؤه
كالتراب (فيضربه بها) وفي نسخة بها ساقط (ضربة يسمعها) أي صوتها وحسها (ما بين المشرق
والمغرب) الظاهر أن ما بمعنى من (إلا الثقلين) أي الجن والإِنس وهل الأموات منهما مستثنى
أم لا الله أعلم بهما؟ فظاهر الإِطلاق يؤيد الأوّل، والعلة التي ذكروها يؤيد الثاني. (فيصير تراباً
ثم يعاد فيه الروح») كرر إعادة الروح في الكافر بياناً لشدة العذاب، ولأنه كان ينكر الإعادة
فيقال له: ذق هذا جزاء ما كنت تنكره، ولا يبعد أن يتمسك به من يقول: إن في القبر إماتتين
وإحياءتين في تفسير قوله تعالى: ﴿ربنا أمتنا اثنتين واحييتنا اثنتين﴾ [غافر - ١١] على أن المراد
بالتثنية التكرير والتكثير نحو قوله تعالى: ﴿ثم ارجع البصر كرتين﴾ [الملك - ٤] وقولهم: لبيك
وسعديك، ويحتمل أن يراد به حقيقة التثنية وهو ظاهر الحديث. وهذا معنى قول ابن حجر:
ومعلوم استمرار العذاب عليه في قبره فيحتمل أنها إذا أعيدت تضرب أخرى فيصير تراباً، ثم
تعاد فيه الروح وهكذا، ويحتمل أن تلك الإعادة لا تتكرر وأن عذابه يكون بغير ذلك وهو ظاهر
الحديث، وقال ابن الملك: يعني لا ينقطع عنهم العذاب بموتهم بل تعاد فيهم الروح بعد
موتهم ليزدادوا عذاباً، ويمكن والله أعلم أن تكون إعادة الروح كناية عن رجوعهم إلى حالتهم
الأولى ولا يلزم من صيرورتهم تراباً خروج الروح منهم لأن أمور الآخرة مبنية على خرق
العادة. (رواه أحمد وأبو داود).
15 -12-20
:١٣٩

٣٢٦
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
١٣٢ - (٨) وعن عثمان، رضي الله عنه، أنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبُلَّ
لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال: إِن رسول الله وَلّر
قال: ((إِن القبر أولُ منزل من منازل الآخرة، فإِن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإِن لم ينجُ
منه فما بعده أشد منه)). قال: وقال رسول الله وَ له: ((ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع
منه»
١٣٢ - (وعن عثمان) رضي الله عنه (أنه كان) أي دائماً أو غالباً (إذا وقف على قبر) أي
على رأس قبر أو عنده (بكى حتى يبل) بضم الموحدة، أي بكاؤه يعني دموعه (لحيته) أي
يجعلها مبلولة من الدموع (فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي) أي من خوف النار واشتياق
الجنة، يعني لا تبكي منهما دائماً (وتبكي من هذا) أي من القبر، يعني من أجل خوفه.
قيل: إنما كان يبكي عثمان وإن كان من جملة المشهود لهم بالجنة إما لاحتمال أن
شهادته عليه الصلاة والسلام بذلك كانت في غيبته ولم تصل إليه، أو وصلت إليه آحاداً فلم يفد
اليقين، أو كان يبكي ليعلم أنه إذا كان يخاف مع عظم شأنه وشهادة النبي ◌ّ له بالجنة فغيره
أولى بأن يخاف من ذلك ويحترز منه قاله ابن الملك، والأظهر في الجواب والله أعلم بالصواب
أنه لا يلزم من التبشير بالجنة عدم عذاب القبر بل ولا عدم عذاب النار مطلقاً مع احتمال أن
يكون التبشير مقيداً بقيد معلوم أو مبهم، ويمكن أن ينسى البشارة حينئذ لشدة الفظاعة، أو
بكاؤه لفقد النبي وَالر وأصحابه، أو لابتلائه بزمن الجور وأربابه، ويمكن أن يكون خوفاً من
ضغطة القبر كما سيأتي في حديث سعد الدال على أنه لم يخلص منه كل سعيد إلا الأنبياء،
ويمكن أن يكون بكاؤه رحمة للمؤمنين. (فقال: إن رسول الله وَّار، قال: إن القبر أوّل منزل من
منازل الآخرة) ومنها عرصة القيامة عند العرض، ومنها الوقوف عند الميزان، ومنها المرور على
الصراط، ومنها الجنة أو النار، وفى بعض الروايات: ((وآخر منزل من منازل الدنيا)) ولذا يسمى
البرزخ (فإن نجا) أي خلص المقبور (منه) أي من عذاب القبر (فما بعده) أي من المنازل (أيسر
منه) وأسهل، لأنه لو كان عليه ذنب لكفر بعذاب القبر (وإن لم ينج منه) أي لم يتخلص من
عذاب القبر ولم يكفر ذنوبه به وبقي عليه شيء مما يستحق العذاب به (فما بعده أشد منه) لأن
النار أشد العذاب والقبر حفرة من حفر النيران، وقال ابن حجر: فما بعده أيسر لتحقق إيمانه
المنقذ له من أليم العذاب وما بعده أشد لتحقق كفره الموجب لتوالي الشدائد المتزائدة عليه وفيه
بحث ظاهر. (قال:) أي عثمان (وقال رسول الله وَله: ما رأيت منظراً) بفتح الميم والظاء، أي
موضعاً ينظر إليه، وعبر عن الموضع بالمنظر مبالغة لأنه إذا نفى الشيء مع لازمه ينتفي بالطريق
البرهاني، (قط) بفتح القاف وتشديد المضمومة، أي أبدا، وهو لا يستعمل إلا في الماضي (إلا
والقبر أفظع منه))) من فظع بالضم، أي صار منكراً يعني أشد وأفزع وأنكر من ذلك المنظر،
الحديث رقم ١٣٢ : أخرجه أحمد في المسند ٦٣/١. وأخرجه الترمذي ٤٧٩/٤ حديث رقم ٢٣٠٨ وقال
حسن غريب وأخرجه ابن ماجة ١٤٤٦/٢/٢ حديث رقم ٤٢٦٧.

٣٢٧
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
رواه الترمذي، وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
١٣٣ - (٩) وعنه، قال: كان النبي ◌َّ إِذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال:
((استغفروا لأخيكم، ثم سلوا له بالتثبيتِ، فإِنه الآن يسأل))
قيل: المستثنى جملة حالية من منظر وهو موصوف حذفت صفته، أي ما رأيت منظراً فظيعاً
على حالة من أحوال الفظاعة قط إلا في حالة كون القبر أقبح منه؛ فالاستثناء مفرغ وإنما كان
أفظع لأنه مقدمة العقاب ونهاية التعلق بالمال والولد والأصحاب، وغاية الرجوع إلى موضع
الذل والظلمة والدهشة والحيرة والوحشة والغربة والدود والتراب ومطالعة ملائكة العذاب
ومشاهدة الحساب ومراقبة الحجاب [حيث] لا ينفعه إلا رب الأرباب. (رواه الترمذي وابن
ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث غريب).
١٣٣ - (وعنه) أي عن عثمان (قال: كان النبي ربَّر: إذا فرغ) معلوم، وقيل: مجهول (من
دفن الميت) المراد منه الجنس وهو قريب من النكرة (وقف عليه) أي على رأس القبر (فقال:)
أي لأصحابه (استغفروا لأخيكم) أي اطلبوا المغفرة الذنوب أخيكم المؤمن، وذكر الأخ للعطف
عليه واستكثار الدعاء له، وفيه دليل على أن دعاء الأحياء ينفع الأموات خلافاً للمعتزلة. (ثم
سلوا له بالتثبيت) ضمن السؤال معنى الدعاء ولذا عدى بالباء كقوله تعالى: ﴿سأل سائل
بعذاب﴾ [المعارج: ١] أي ادعو له بدعاء التثبيت، يعني قولوا ثبته الله بالقول الثابت، أو اللهم
ثبته بالقول الثابت وهو كلمة الشهادة عند منكر ونكير وهذا أفضل من التلقين فيه ولكن أكثر
الناس عنه غافلون. (فإنه الآن يسأل))) قال الخطابي: وليس فيه دلالة على التلقين عند الدفن
كما هو العادة ولا نجد فيه حديثاً مشهوراً ولا بأس به إذ ليس فيه إلا ذكر الله تعالى وعرض
الاعتقاد(١) على الميت والحاضرين والدعاء له وللمسلمين والإِرغام لمنكري الحشر وكل ذلك
حسن. وأورد الغزالي في الأحياء والطبراني في كتاب الأدعية حديثاً في تلقين الميت عند الدفن
ولم يصححه بعض المحدثين، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((لقنوا موتاكم قول لا إله إلا
الله))(٢) فالمراد عند الموت لا عند دفن الميت، وقال ابن حجر: وفيه إيماء إلى تلقين الميت
بعد تمام دفنه وكيفيته مشهورة وهو سنة على المعتمد من مذهبنا خلافاً لمن زعم أنه بدعة كيف
وفيه حديث صريح يعمل به في الفضائل اتفاقاً، بل اعتضد بشواهد يرتقي بها إلى درجة
الحسن. وذكر في الأذكار عن الشافعي وأصحابه أنه يستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن،
قالوا: وإن ختموا القرآن كله كان حسناً، وفي سنن البيهقي أن ابن عمر استحب أن يقرأ على
القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمها(٣) قاله الطيبي، وفي رواية: «يقرأ أوّل البقرة عند
الحديث رقم ١٣٣: أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ٥٥٠ حديث رقم ٣٢٢١.
(١) في المخطوطة الاعتياد.
(٢) مسلم في صحيحه ٢/ ٦٣١ حديث رقم ٩١٦.
(٣) راجع الأذكار ص ٢٧٤ حديث رقم ٤١٩. ٤٢٠.

٣٢٨
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
رواه أبو داود.
١٣٤ - (١٠) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَله: ((لَيُسلَّطُ على الكافر في قبره
تسعة وتسعون تِنِّناً، تَنْهَسُهُ وتَلدغه حتى تقوم الساعة، لو أن تِنيناً منها نَفَخ في الأرض ما
أنبتت خَضِراً)).
رأس الميت وخاتمتها عند رجله)). (رواه أبو داود) وقال ميرك شاه: بإسناد حسن.
١٣٤ - (وعن أبي سعيد) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَلقول: ليسلط) بفتح
اللامين وتشديد الثانية (على الكافر في قبره) أي والله ليجعل موكلاً عليه للتعذيب والأذى (تسعة
وتسعون تنيناً) بكسر التاء والنون المشددة، وهي حية عظيمة كثيرة السم، ووجه تخصيص العدد
لا يعلم إلا بالوحي، ويحتمل أن يقال: إن الله تعالى تسعة وتسعين اسماً فالكافر أشرك بمن له
هذه الأسماء فسلط عليه بعدد كل اسم تنيناً، أو يقال قد رُوي: ((إن الله تعالى مائة رحمة أنزل
منها واحدة في الدنيا بين الإِنس والجن والبهائم والهوام فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها
تعطف الوحش على ولدها، وأخر تسعة وتسعين إلى الآخرة لعبادة المؤمنين(١) فيسلط على
الكافر بمقابلة كل رحمة للمؤمنين تنيناً)) كذا قاله ابن الملك. وقال حجة الإِسلام: عدد التنين
بعدد الأخلاق الذميمة التي فيه فإنها تنقلب في الآخرة إلى الحياة، لأن الدنيا عالم الصورة
والآخرة عالم المعنى. قال الطيبي: وإن أوّل التنينات بما ينزل بالشخص من التبعات
والمكروهات، ففيه من طريق العربية مساغ ولكن الأخذ بالظواهر أولى بأولي الألباب. وأما
استحالة ذلك بطريق العقول فإنها سبيل من لا خلاق له في الدين عصمنا الله تعالى من عثرة
العقل وفتنة الصدر. (تنهسه) بالتأنيث، وقيل: بالتذكير وهو بالمهملة. ورُوي بالمعجمة، ففي
النهاية النهس أخذ اللحم بأطراف الأسنان، والنهش الأخذ بجميعها، وفي القاموس: نهس
أخذه بمقدم أسنانه ونتفه ونهشه كمنعه نهسه ولسعه وعضه، أو أخذه
بأضراسه وبالسين أخذه بأطراف الأسنان. (وتلدغه) بفتح الدال المهملة، قيل: نهس ولدغ
بمعنى واحد جمع بينهما تأكيداً أو لبيان أنواع العذاب، وقيل: النس القطع بالسن من غير
إرسال السم فيه واللدغ ضرب السن بلا قطع لكن مع إرسال السم فيه كذا ذكره الأبهري. (حتى
تقوم الساعة لو أن تنيناً منها نفخ) بالمعجمة، وقيل: بالمهملة (في الأرض) أي لو وصل ريح
فمه وحرارته إليها (ما أنبتت) أي الأرض (خضراً) بفتح الخاء وكسر الضاد، أي نباتاً أخضر،
ورُوي بسكون الضاد ممدوداً على فعلاء كحمراء والمراد بها الأخضر كذا قيل، والأظهر أن
الحديث رقم ١٣٤: أخرجه الدارمي في السنن ٤٢٦/٢ حديث رقم ٢٨١٥. وأخرجه أحمد في المسند ٣/
٣٨ والترمذي بنحوه من حديث طويل وذكر ((سبعين)) بدل ((تسعة وتسعون)) ٥٥١/٤ حديث رقم
٢٤٦٠.
(١) مسلم في صحيحه ٢١٠٨/٤ حديث (٢٧٥٢.١٩).

٣٢٩
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
رواه الدارمي، وروى الترمذي نحوه، وقال: ((سبعون)) بدل ((تسعة وتسعون)).
الفصل الثالث
١٣٥ - (١١) عن جابر، قال: خرجنا مع رسول الله وَّ﴿ إِلى سعد بن مُعاذٍ حين
توفي، فلما صلى عليه رسول الله وَ له وَوُضع في قبره وسُويَ عليه، سبَّح رسول الله وَّل،
فسبَّحنا طويلاً، ثم كبّر، فکبرنا. فقيل: يا
يكون التقدير حبة خضراء (رواه الدارمي) أي بهذا اللفظ (وروى الترمذي نحوه) أي بالمعنى
(وقال: ((سبعون بدل) بالنصب ظرف (تسعة وتسعون))) بالرفع على الحكاية، قال العيني: هذه
الرواية الأخيرة ضعيفة على ما في الأزهار، قال ابن حجر: وبتقدير ورودهما يجمع بأن الأوّل
للمتبوعين من الكفار، والثاني للتابعين، أو بأن سبعين يعبر بها في لسان العرب عن العدد
الكثير جداً فحينئذ هي لا تنافي الأولى لأنها مجملة وتلك مبينة لها. قلت: ويحتمل أن يكون
باختلاف أحوالهم فإن الإمام الغزالي رحمه الله صرح بأن عذاب الكافر الفقير في النار أهون من
عذاب الكافر الغني.
(الفصل الثالث)
١٣٥ - (عن جابر قال: ((خرجنا مع رسول الله وَّ إلى سعد بن معاذ) أي جنازته، وهو
سيد الأوس من الأنصار، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، وأسلم بإسلامه بنو عبد
الأشهل ودارهم أوّل دار أسلمت من الأنصار، وسماه رسول الله وَّل ◌َر سيد الأنصار، وكان مقدماً
مطاعاً شريفاً في قومه من أجلّة الصحابة وأكابرهم؛ شهد بدراً وأحداً وثبت مع النبي وَّ يومئذ
ورمي يوم الخندق في أكحله فلم يرق الدم حتى مات بعد شهر، وذلك في ذي القعدة [الحرام]
سنة خمس وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع روى عنه نفر من الصحابة. (حين توفي)
بضمتين وحكي بفتحهما، وهو قراءة شاذة أي مات (فلما صلى عليه رسول الله وَالر ووضع في
قبره وسي عليه) أي التراب ودفن والفعلان مجهولان (سبح رسول الله وَّة) ولعل التسبيح كان
للتعجب أو للتنزيه لإرادة تنزيهه تعالى أن يظلم أحداً، ثم رأيت ابن حجر قال: ومناسبة تسبيحه
لمشاهدة التضييق على هذا العبد الصالح ظاهرة إذ بشهود ذلك يستحضر الإِنسان مقام جلال الله
وعظمته وإنه يفعل ما يشاء بمن يشاء وهذا المقام يناسبه التنزيه لأنه مقام العزة الكبرى المقتضية
لذلك التنزه فتأمل. (فسبحنا) أي تبعاً له (طويلاً) قيد للفعلين أي زماناً طويلاً، أو تسبيحاً طويلاً
يعني كثيراً (ثم كبر) ولعل التكبير كان بعد التفريج (فكبرنا) أي عقيب تكبيره اقتداء به، قال ابن
حجر: ولم يقل طويلاً إما للاكتفاء بذكره أوّلاً، أو لأنه هنا لم يطوّل لأنه إنما كبر عند وقوع
التفريج عن سعد وهذا هو الظاهر لأن التكبير يغلب ذكره عند مشاهدة الأمر الباهر (فقيل: يا
الحديث رقم ١٣٥: أخرجه أحمد فى المسند ٣٦٠/٣.

٣٣٠
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
رسول الله! لم سبحتَ ثم كَبَّرْت؟ قال: «لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه
الله عنه)) رواه أحمد.
١٣٦ - (١٢) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((هذا الذي تحرك له
العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمةً ثم فُرج
عنه)). رواه النسائي.
رسول الله لم سبحت ثم كبرت؟) أي مع أن المقام لا يستدعي ذلك (قال: لقد تضايق
على هذا العبد الصالح قبره) هذا إشارة إلى كمال تمييزه ورفع منزلته، ثم وصفه بالعبد
ونعته بالصلاح لمزيد التخويف والحث على الالتجاء إلى الله سبحانه من هذا المنزل
الفظيع، أي إذا كان حاله كذا فما حال غيره؟ (حتى فرجه الله) بالتشديد ويخفف، أي ما
زلت واقفاً للتسبيح حتى فرجه الله، أي كشفه وأزاله (عنه) قال الطيبي: و ((حتى)) متعلقة
بمحذوف، أي ما زلت أكبر وتكبرون وأسبح وتسبحون حتى فرجه الله. اهـ. والأنسب
تقديم التسبيح والتكبير على هذا لإطفاء الغضب الإلهي، ولهذا ورد استحباب التكبير عند
رؤية التحريق والله أعلم (رواه أحمد).
١٣٦ - (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ له: هذا) إشارة إلى سعد المذكور وهو
للتعظيم كما في الحديث الأوّل (الذي تحرك) وفي رواية ((اهتز)) (له العرش) في النهاية أصل
الهز الحركة واهتز إذا تحرك، واستعمله في معنى الارتياح، [أي] ارتاح بصعوده واستبشر
لكرامته على ربه وكل من خف لأمر وارتاح فقد اهتز، قال ابن حجر: لأن العرش وإن كان
جماداً فغير بعيد أن الله يجعل فيه إدراكاً يميز به بين الأرواح وكمالاتها، وهذا أمر ممكن ذكره
الشارع بياناً لمزيد فضل سعد وترهيباً للناس من ضغطة القبر، فتعين الحمل على ظاهره حتى
يرد ما يصرفه عنه، وقيل: أراد فرح أهل العرش بموته لصعود روحه وأقام العرش مقام من
حمله، أو على تقدير مضاف. وقال السيوطي في مختصر النهاية. اهتز العرش لموت سعد
وهو سرير الميت واهتزازه فرحه لحمل سعد عليه إلى مدفنه. (وفتحت) بالتخفيف، وقيل:
بالتشديد للتكثير (له أبواب السماء) لإنزال الرحمة ونزول الملائكة، أو تزييناً لقدومه وطلوع
روحه لأن محل أرواح المؤمنين الجنة وهي فوق السماء السابعة، أو عرضاً للأبواب بأن يدخل
من أي باب شاء لعظم كماله كفتح أبواب الجنة الثمانية لبعض المؤمنين (وشهده) أي حضر
جنازته (سبعون ألفاً من الملائكة) أي تعظيماً له (لقد) جواب قسم مقدر (ضم) بالضم، أي
عصر سعد في قبره (ضمة) أي واحدة، والتنوين يحتمل التفخيم والتقليل، والأوّل أظهر لتطويل
تسبيح رسول الله وَطير. (ثم فرج عنه))) أي فرج الله عنه ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام (رواه
النسائي).
٧١٠٠
الحديث رقم ١٣٦: أخرجه النسائي في السنن ١٠٠/٤ حديث رقم ٢٠٥٥.

٣٣١
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
١٣٧ - (١٣) وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قام رسول الله وَ ل خطيباً، فذكر فتنةً
القبر التي يُفْتَنُ فيها المرءُ، فلما ذكر ذلك، ضج المسلمون ضجَّةً. رواه البخاري هكذا،
وزاد النسائي: حالت بيني وبين أن أفهم كلامَ رسول الله بََّ، فلما سكنَتْ ضَجَّتُهم قلت
لرجلٍ قريبٍ مني: أي بارك الله فيك! ماذا قال رسول الله ﴿ ﴿ في آخر قوله؟ قال: ((قد
أُوحي إِليَّ أنكم تُفْتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال».
١٣٨ - (١٤) وعن جابر، عن النبي وَّ قال: إِذا أُدْخل الميْتُ القبرَ
١٣٧ - (وعن أسماء) غير منصرف بالعلمية والتأنيث المعنوي، وقيل: أصله وسماء فهو
فعلاء. (بنت أبي بكر) رضي الله عنهما أم عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وتسمى ذات
النطاقين لأنها شقت نطاقها ليلة خرج النبي وَ لهر مهاجراً فجعلت واحداً شداداً لسفرته والآخر
عصاماً لقربته، وقيل: جعلت النصف الثاني نطاقاً لها. أسلمت بمكة قديماً، قيل: أسلمت بعد
سبعة عشر إنساناً وهي أكبر من أختها عائشة بعشر سنين وماتت بعد قتل ابنها بعشرة أيام،
وقيل: بعشرين يوماً بعدما أنزل ابنها من الخشبة ولها مائة سنة ولم يقع لها سن ولم ينكر من
عقلها شيء، وذلك سنة ثلاث وسبعين بمكة، روى عنها خلق كثير. (قالت: ((قام رسول الله
وَل# خطيباً) حال أي واعظاً (فذكر فتنة القبر) أي وعذابه، أو ابتلاءه والامتحان فيه (التي يفتن)
بصيغة المفعول، أي يبتلي (فيها المرء) صفة لفتنة، يعني ذكر الفتنة بتفاصيلها كما يجري على
المرء في قبره ومن ثم (فلما ذكر ذلك) أي ما ذكر أو الفتنة بمعنى الافتتان (ضج المسلمون) أي
صاحوا وجزعوا (ضجة))) التنوين للتعظيم (رواه البخاري هكذا) أي من غير زيادة (وزاد النسائي)
أي بعد ضجة (حالت) [صفة ضجة] (بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله (وَل قر) أي بعد هذا
(فلما سكنت ضجتهم) أي صيحتهم وارتفاع صوتهم (قلت لرجل قريب مني:) أي مكاناً أو
نسباً، وهو الأنسب بالنسبة إلى المرأة (أي) المنادى محذوف، أي فلان (بارك الله فيك) أو
زادك الله علماً وحلماً، وهذا من جملة آداب المتعلم. (ماذا قال رسول الله وَّر في آخر قوله؟)
أي بعد الصياح (قال:) أي الرجل (قال) عليه الصلاة والسلام (قد أوحي إلي) أي وحياً جلياً أو
خفياً (أنكم) أيها الأمة (تفتنون) بصيغة المجهول، أي تمتحنون (في القبور قريباً) أي افتتاناً قريباً
(من فتنة الدجال))) وقال الطيبي: أي فتنة قريبة وذكر كما في قوله تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب
من المحسنين﴾ [الأعراف - ٥٦] أي فتنة عظيمة إذ ليس فيها، أي في الفتن أعظم من فتنة
الدجال .
١٣٨ - (وعن جابر رضي الله عنه عن النبي (وَّفي قال: إذا أدخل الميت القبر)(١) بالنصب
الحديث رقم ١٣٧ : أخرجه البخاري ٢٣٢/٣ حديث رقم ١٣٧٣. والنسائي مع زيادة ١٠٣/٤ حديث رقم
٢٠٦٢.
الحديث رقم ١٣٨ : أخرجه ابن ماجة ١٤٢٨/٢ حديث رقم ٤٢٧٢.
(١) في المخطوطة ادخل: ((القبر الميت)) بدل ادخل ((الميت القبر)).

٣٣٢
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
مُثّلَتْ له الشمس عند غروبها، فيجلس يمسح عينيه، ويقول: دَعُوني أَصْلِي)) رواه ابن
ماجة .
١٣٩ - (١٥) وعن أبي هريرة، عن النبي وَّ قال: ((إِن الميت يصير إِلى القبر،
فيُجلس الرجل في قبره من غير فزعٍ
على الظرفية (مثلت له الشمس) أي صوّرت وخيلت (عند غروبها) حال من الشمس، أي حال
كونها قريبة الغروب، وقال ابن حجر: حال كونها غاربة لا ظرف لمثلت لاقتضائه أن التمثيل لا
يكون إلا ذلك الوقت وليس كذلك لما سيتقرر [أنه] عند نزول الملكين أو بعد السؤال
والجواب، وهذا لا يقيد بذلك الوقت بل هو عام في سائر أجزاء الليل والنهار، فتعين أن
التمثيل بها حالة كونها غاربة عام في سائر الأزمنة أيضاً وذلك لا يكون إلا في حق المؤمن،
ولعل ذلك عند نزول الملكين إشارة إلى مسارعته إلى الخيرات، وإيماء إلى قولهم: ((كما
تعيشون تموتون وكما تموتون تحشرون»، ويمكن أن يكون هذا بعد السؤال والجواب تنبيهاً
على رفاهيته وقياماً بشكر نعمته، هذا حاصل كلام الطيبي، والأوّل هو الظاهر لقوله: (فيجلس)
وهو معلوم، وقيل: مجهول (يمسح) أي حال كونه ماسحاً (عينيه) على هيئة المستيقظ لأن
النوم أخو الموت وورد: ((الحمد لله الذي أحياناً بعدما أماتنا» (ويقول: دعوني) أي اتركوا
كلامي والسؤال عني (أصلي) أي أنا أريد أن أصلي خوف الفوت قبل الموت كأنه يظن أنه بعد
في الدنيا ويؤدي ما عليه من الفرض ويشغله من قيامه بعض الأصحاب وذلك من رسوخه في
أدائه ومداومته عليه فى الدنيا، وأما تخصيص ذكر الغروب فإنه يناسب الغريب فإنه أوّل منزل
ينزله عند الغروب قاله الطيبي: وقال ابن حجر: لأن الغالب أن ابتداء السفر يكون أوّل النهار
فآخر أوّل مرحلة يكون عند الغروب، ويمكن أن يقال: إن وجهه الإشارة إلى تأكد صلاة العصر
وإنها الوسطى فمثل له آخر وقتها ليطلب صلاتها إعلاماً بمزيد فضلها وتأكدها، أو إلى
الاحتراس عن أحوال المنافقين فإنهم يجلسون يراقبون الغروب حتى إذا دنت الشمس إليه نقروا
أربع ركعات لا يذكرون الله فيها إلا قليلاً كما في الحديث فبادر الميت إذا زال مانعه ومثل له
هذا الوقت إلى الصلاة ليسلم من وصمتهم. اهـ. والأظهر أن الغروب إشارة إلى ارتحاله من
الدنيا وزواله وغروبه(١) عنها فإن القبر آخر منزل من منازل الدنيا، والبرزخ مشبه بالليل الفاصل
بين اليوم السابق واليوم الآخر اللاحق. وقد يقال: إن ذلك التمثيل يناسب ظلمة القبر وظهور
نور المؤمن الكامل المؤدي للصلاة(٢) في أوقاتها والله سبحانه وتعالى أعلم. (رواه ابن ماجة).
١٣٩ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (عن النبي) وفي نسخة: ((عن رسول الله)) (اَله
قال: ((إن الميت) اللام للجنس (يصير إلى القبر) وكل ما استقر فيه بعد الموت فهو قبره
(فيجلس) قيل: مجهول (الرجل) أي الصالح كما في نسخة (في قبره غير فزع) بكسر الزاي
(١) في المخطوطة ((غربه)).
(٢) في المخطوطة ((الصلوات)).
الحديث رقم ١٣٩ : أخرجه ابن ماجة ١٤٢٦/٢ حديث رقم ٤٢٦٨.

٠٫٤٠
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
٣٣٣
ولا مشغوبٍ، ثم يقال: فيم كنت؟ فيقول: كنت في الإِسلام. فيقال: ما هذا الرجل؟
فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات من عند الله، فصدقناه. فيقال له: هل رأيت الله؟
فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها يحَطم بعضها
بعضاً، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله، ثم يُفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إِلى زَهْرَتِها وما
فيها، فيقال له: هذا مقعدك،
ونصب غير على الحالية وقوله: (ولا مشغوب) تأكيد من الشغب وهو تهييج الشر والفتنة، قال
ابن حجر: فزع صفة مشبهة يدل على المبالغة كذا قيل: وفيه نظر لإيهامه هنا إذ سلب ما هو
كذلك لا يدل على سلب أصل الفعل كما رواه في ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت - ٤٦]
فتعين أن المراد غير ذي فزع كما أن تقدير الآية: بذي ظلم، أقول: تقدير الآية مسلم، وأما
الحديث فلا يحتاج إلى تأويل؛ فإن بقاء أصل الفزع غير منفي كما يدل عليه الأحاديث بل النفي
منصب على شدة الفزع، ولا دلالة في قوله: ((ولا مشغوب)) على ما ذكره في مدعاه (ثم
يقال:) أي له كما في نسخة (فيم كنت؟) أي في أي دين عشت (فيقول: كنت في الإسلام)
هذا يدل على غاية تمكنه من الإسلام خلاف المنافق لأن الجواب الظاهر أن يقول: ((في
الإسلام)) (فيقال:) أي له (ما هذا الرجل؟) ما استفهام مبتدأ أو هذا الرجل خبره، أي ما وصفه
ونعته أو ما اعتقادك فيه. (فيقول: محمد) أي صاحب هذا الاسم المفخم المشتهر الذي لا
يخفى على أحد، ثم وصفه بقوله (رسول الله) وهو يحتمل أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أو
خبراً بعد خبر، والأظهر أنه خبر لمحمد والجملة مقول وهو متضمن للجواب عن وصفه،
وقوله: (جاءنا بالبينات) أي الآيات الظاهرات، أو المعجزات الباهرات جملة استئنافية مبينة
للجملة الأولى، ويحتمل أن يكون رسول الله صفة ((وجاءنا)) خبراً والأوّل أوجه. (من عند الله)
متعلق بجاء، أو صفة، أو حال (فصدقناه) أي بجميع ما جاء من عند الله (فيقال له: هل رأيت
الله؟) قيل: نشأ هذا السؤال من قوله: ((من عند الله))، أي كيف تقول من عند الله فهل رأيت الله
في الدنيا؟ (فيقول: ما ينبغي) أي لا يصح (الأحد) جواب بالأعم فإنه للمقصود أتم (أن يرى
الله) أي يبصره ببصره (في الدنيا) أو يحيط بكنهه مطلقاً (فيفرج له) بالتشديد، وقيل: بالتخفيف
وكلاهما على بناء المفعول، أي يكشف ويفتح له (فرجة) بضم الفاء وقيل: بفتحها، وهو
مرفوع على نيابة الفاعل، وفي بعض النسخ بالنصب على تقدير أعني (قبل النار) بكسر القاف
وفتح الباء، أي جهتها منصوب على الظرف، أي يرفع الحجب بينه وبينها حتى يراها (فينظر)
أي المؤمن (إليه) ذكر ضمير النار بتأويل العذاب وأنث في قوله: (يحطم بعضها بعضاً) نظراً
إلى اللفظ والحطم الحبس في الموضع المتضايق الذي يتحطم فيه الخيل، أي يدوس بعضها
بعضاً، والمعنى يكسر ويغلب ويأكل بعضها بعضاً لشدة تلهبها وكثرة وقودها (فيقال له: انظر
إلى ما وقاك الله) أي حفظك بحفظه تعالى إياك من الكفر والمعاصي التي تجر إلى النار (ثم
يفرج له فرجة قبل الجنة) وفي تقديم فرجة النار لأن المسرة بعد المضرة أنفع وفي النفس أوقع،
وإشارة إلى فضله بعد ظهور عدله. (فينظر إلى زهرتها) بفتح الزاي، أي حسنها وبهجتها (وما
فيها) من الحور والقصور وغيرها من الخير الكثير والملك الكبير (فيقال له: هذا مقعدك) أي

٣٣٤
كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر
على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تُبعث إِن شاء الله تعالى. ويُجلس الرجل السوء في
قبره فزعاً مشغوباً، فيقال: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري! فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول:
سمعت الناس يقولون قولاً فقلتُه، فيفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال
له: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة إلى النار، فينظر إليها يحطم بعضُها
بعضاً، فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تُبْعَثُ إن شاء الله
تعالی)). رواه ابن ماجة.
في العقبى (على اليقين) حال والعامل ما في حرف التنبيه من معنى الفعل المتضمن لصاحب
الحال، والتعريف في اليقين للجنس، وقوله: (كنت) صفة له، وعلى هذا ينزل قوله على
الشك، والتقدير أنبهتك حال كونك ثابتاً أو مثبتاً على يقينك، ويمكن أن يقال على الوجوب
في الموضعين، أي هذا مقعدك حال كونه واجباً على الله تعالى وعداً أو وعيداً على اليقين، أو
الشك كذا حققه الطيبي. وفيه تكلف بل تعسف والظاهر أن قوله: ((على اليقين كنت)) جملة
مستأنفة متضمنة للتعليل، أي هذا مقعدك لأنك كنت في الدنيا على اليقين في أمر الدين،
وتقديم الخبر للاهتمام والاختصاص التام. ثم رأيت ابن حجر قدم قولي على قول الطيبي،
ويدل أيضاً على انفصال قوله: ((على اليقين)) عما قبله قوله: (وعليه مت) بضم الميم وكسرها
(وعليه تبعث) يعني كما تعيش تموت وكما تموت تحشر. (إن شاء الله تعالى) للتبرك أو
للتحقيق كقوله تعالى: ﴿إن شاء الله آمنين﴾ [يوسف - ٩٩] (ويجلس الرجل) بالوجهين كما
تقدم (السوء) بفتح السين وتضم ضد الصالح (في قبره فزعاً) أي خائفاً غاية الفزع (مشغوباً) أي
مرعوباً (فيقال له:) أي للرجل السوء (فيم كنت؟) أي من [أمر] الدين (فيقول: لا أدري) ما
الدين، أو للهيبة نسي دينه، وقال ابن حجر: أي ما الذي كنت فيه؟ وهو كذب منه وتمويه عن
أن يجيب بالجواب المطابق، وهو أنه كان في الكفر أو النفاق. ا هـ. وقد تقدم أن هذا كلام
الرجل المدهوش المتحير الذي لا يدري الجواب المطلق مطابقاً، أو غير مطابق صواباً أو غير
صواب. (فيقال له: ما هذا الرجل؟) أي الذي رأيته أو سمعته (فيقول: سمعت الناس) أي
المؤمنين أو الكفار أو أعم منهما (يقولون) أي في حقه (قولاً) بالحق أو بالباطل على زعمه
(فقلته) أي تقليداً لا تحقيقاً واعتقاداً (فيفرّج له) أي فرجة كما في نسخة (قبل الجنة) قبل النار
لأن المحنة بعد النعمة أقوى وأشد (فينظر إلى زهرتها وما فيها) كما كان ينظر في الدنيا إلى
الآيات الإلهية من الأنفسية والآفاقية من غير أن ينتفع بها (فيقال له: انظر إلى ما صرف الله
عنك) حيث خذلك ولم يهدك ولم يوفقك إلى ما يجرك إلى الجنة اخترت من الأعمال والأوزار
ما يفضي إلى النار ولهذا (ثم يفرّج) أي له كما في نسخة صحيحة (فرجة إلى النار فينظر إليها)
هنا بتأنيث الضمير (يحطم) بكسر الطاء (بعضها بعضاً) إشارة إلى عظمة النار (فيقال له: هذا
مقعدك) أي مكانك اللازم ومحلك الدائم (على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله
تعالى))) والكل بقضائه وبقدره وبهذا تحصل المناسبة بين هذا الباب وما قبله (رواه ابن ماجة).

٣٣٥
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
الفصل الأول
١٤٠ - (١) عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: ((من أحدث في أمرنا هذا
(باب الاعتصام بالكتاب والسنة)
العصمة المنع والعاصم المانع الحامي والاعتصام الاستمساك بالشيء افتعال منه، قال
تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ [آل عمران - ١٠٣] أي تمسكوا بالقرآن والسنة على
سبيل الاستعارة كذا قيل. والمشهور أن المراد بحبل الله هو القرآن كما ورد في بعض
الأحاديث، والاعتصام به مستلزم للاعتصام بالسنة لقوله تعالى: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما
نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر - ٧] والمراد بالسنة هنا أقواله وأفعاله وأحواله المعبر عنها بالشريعة
والطريقة والحقيقة، ولذا قال: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، وفي نظم الباب بالنسبة إلى ما
قبله إشارة إلى أن بحث القضاء والقدر لا يتم إلا بالدليل النقلي، فإن الدليل العقلي هو الذي
ورط القدرية والجبرية في بيداء الظلمة والحيرة، غاية ما في الباب أن يكون من الحكم
المجهولة عندنا قال تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء - ٨٥] والتعبد المحض
هو من كمال العبودية المقتضي للقيام بحقوق الربوبية.
(الفصل الأوّل)
١٤٠ - (عن عائشة رضي الله عنها) بالهمز وأما بالياء فلحن عامي (قالت:) أي روي عنها
أنها قالت (قال رسول الله وَلجر: ((من أحدث) أي جدد وابتدع، أو أظهر واخترع (في أمرنا هذا)
أي في دين الإسلام، وفي إيراد اسم الإشارة بدلاً أو صفة إفادة التعظيم وإشارة إلى تمييز الدين
أكمل تمييز، وعبر عنه بالأمر تنبيهاً على أن هذا الدين هو أمرنا الذي تهتم له وتشتغل به بحيث
لا يخلو عنه شيء من أقوالنا وأفعالنا. قال القاضي: الأمر حقيقة في القول الطالب للفعل مجاز
الحديث رقم ١٤٠ : أخرجه البخاري في الصحيح ٣٠١/٥ حديث رقم ٢٦٩٧. وأخرجه مسلم في صحيحه
١٣٤٣/٣ حديث رقم (١٧ .١٧١٨) وأخرجه أبو داود في السنن ١٢/٥ حديث رقم ٤٦٠٦.
وأخرجه ابن ماجة في السنن ٧/١ حديث رقم ١٤ وأخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٧٠.

٣٣٦
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
ما ليس منه فهو ردِ)). متفق عليه.
في الفعل والشأن. والطريق أطلق هنا على الدين من حيث إنه طريقه وشأنه الذي يتعلق به (ما
ليس منه) كذا في الصحيحين والحميدي وجامع الأصول وشرح السنة وفي المشارق، وبعض
نسخ المصابيح: ((ما ليس فيه)). (فهو) أي الذي أحدثه (رد) أي مردود عليه، قال ابن حجر:
ويصح الكسر. اهـ. والصواب أنه غير مراد لأنه على ما في القاموس بمعنى العماد، قال
القاضي: المعنى من أحدث في الإسلام رأياً لم يكن له من الكتاب والسنة سند ظاهر أو خفي
ملفوظ أو مستنبط فهو مردود عليه، قيل: في وصف الأمر بهذا إشارة إلى أن أمر الإسلام كمل
وانتهى وشاع وظهر ظهور المحسوس بحيث لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة، فمن حاول
الزيادة فقد حاول أمراً غير مرضي لأنه من قصور فهمه رآه ناقصاً، فعلى هذا يناسب أن يقال:
إن هو راجع إلى من أي فذلك الشخص ناقص مردود عن جنابنا مطرود عن بابنا، فإن الدين
اتباع آثار الآيات والأخبار واستنباط الأحكام منها، فالضمير إلى الشخص أبلغ وإلى الأمر أظهر
وفي قوله: ((ما ليس منه)) إشارة إلى أن إحداث ما لا ينازع الكتاب والسنة كما سنقرره بعد ليس
بمذموم. (متفق عليه) ورواه أبو داود وابن ماجة وذكر في الأربعين النووية، وفي رواية لمسلم:
((من عمل عملاً أي من أتى بشيء من الطاعات، أو بشيء من الأعمال الدنيوية والأخروية سواء
كان محدثاً أو سابقاً على الأمر ليس عليه أمرنا، أي وكان من صفته أنه ليس عليه إذننا بل أتى
به على حسب هواه فهو رد، أي مردود غير مقبول. فهذه الرواية أعم وهذا الحديث عماد في
التمسك بالعروة الوثقى وأصل في الاعتصام بحبل الله الأعلى ورد للمحدثات والبدع والهوى
وقد أنشد في هذا المعنى :
* إلماذاـ
إذا ما دجا الليل البهيم وأظلما * بأمر فظيع شق أسود أدهما
فأعلى البرايا من إلى السنن اعتزى * وأعمى البرايا من إلى البدع انتمى
ومن ترك القرآن قد ضل سعيه * وهل يترك القرآن من كان مسلما
قال بعض العارفين: اعلم أن الإنسان له روح نوراني من عالم الملكوت، ونفس
ظلمانية، ولكل منهما نزاع وشوق(١) إلى عالمه، فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس(٢) عن ظلمة
أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح حتى ينجلي فيها أن الموجود الحقيقي ذات الله وصفاته
وأفعاله، فالواجب على العبد أن يدق بمطرقة كلمة(٣) التوحيد تمرد النفس إلى أن تؤمن بذلك
وتكفر بطاغوت وجوده ووجود ما سوى الله. هذا هو الدين الحنيفي فمن أحدث فيه بتسويل
الشيطان غير ذلك بأن أيس عن الحق وشك في مواعيده وتعلق قلبه بغيره ولم ينسلخ عن صفاته
وأفعاله ولم تنطمس ظلمات ذاته في أنواره فهو مردود لم يتبع إلا شيطاناً مريداً لعنه الله، وبهذا
يتعين لك وجه قول أبي عبيدة أنه عليه الصلاة والسلام جمع جميع أمر الآخرة في هذه الكلمة
١٢٠٠٠٠
(١) في المخطوطة ((سوق)).
(٣) في المخطوطة ((علم)).
٠٠٠٠٠
(٢) في المخطوطة ((النفس)).

٣٣٧
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٤١ - (٢) وعن جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((أما بعد، فإن خير الحديث كتابُ
الله، وخيرَ الهَذْي هَذْيُ محمدٍ، وشر الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة)»
وجميع أمر الدنيا في كلمة: ((إنما الأعمال بالنيات)) وكأنه حمل الأعمال على الأفعال المباحة
فإنها تختلف باختلاف النيات والله أعلم.
١٤١ - (وعن جابر [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله وَلاير: ((أما بعد) المفهوم من
قوله: ((أما بعد)) أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك في أثناء خطبته أو موعظته لأنه فصل
الخطاب، وأكثر استعماله بعد تقدم قصة، أو حمد الله سبحانه والصلاة على النبي وَّر فقوله:
(بعد)) مبني على الضم بحذف المضاف إليه مع نية معناه، أي بعد ما تقدم من الحمد والصلاة
(فإن خير الحديث) أي ما يتحدث به ويتكلم، فالفاء لما في إمّا من معنى الشرط، أي مهما
يكن من شيء بعد ما ذكر فإن خير الحديث، أي الكلام (كتاب الله) لاشتماله على ما تميز به
من دقائق علوم الفصاحة والبلاغة واشتمل عليه من بيان كل شيء تصريحاً أو تلويحاً، قال
تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ [النحل - ٨٩] أي مما يحتاج إليه من أمر الدين
والدنيا والعقبى كالعلوم الاعتقادية والأعمال الشرعية والأخلاق البهية والأحوال السنية وغيرها،
وقد ورد: ((فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه))، وفيه إشارة واضحة إلى أن
كلام الله تعالى غير مخلوق. (وخير الهدي) بالنصب عطفاً على اسم إن، ورُوي بالرفع عطفاً
على محل إن واسمها (هدي محمد) والهدي بفتح الهاء وسكون الدال السيرة، ويقال: هدي
هديه إذا سار سيرته، ولا تكاد تطلق إلا على طريقة حسنة، ولذا حسن إضافة الخير إليه والشر
إلى الأمور، قال ابن حجر: ويصح ضم الهاء وفتح الدال. اهـ. واللام في الهدي للاستغراق،
لأن اسم التفضيل يضاف إلى ما هو بعض منه، وأيضاً المقصود تفضيل دينه على سائر الأديان،
وهذا توطئة لقوله: (وشر الأمور) بالنصب، وقيل: بالرفع (محدثاتها) بفتح الدال، يعني البدع
الاعتقادية والقولية والفعلية وكل محدث بدعة (وكل بدعة) بالرفع، وقيل: بالنصب (ضلالة)))
قال في الأزهار: أي كل بدعة سيئة ضلالة لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من سن في الإسلام
سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)). وجمع أبو بكر وعمر القرآن، وكتبه زيد في
المصحف، وجدد في عهد عثمان رضي الله عنهم. قال النووي: البدعة كل شيء عمل على
غير مثال سبق، وفي الشرع إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله وَّر، وقوله: ((كل بدعة
ضلالة)) عام مخصوص، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في آخر كتاب القواعد: البدعة إما
واجبة كتعلم النحو لفهم كلام الله ورسوله، وكتدوين أصول الفقه، والكلام في الجرح
والتعديل، وإما محرمة كمذهب الجبرية والقدرية والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من
البدع الواجبة لأن حفظ الشريعة من هذه البدع فرض كفاية، وإما مندوبة كإحداث الربط
والمدارس وكل إحسان لم يعهد في الصدر الأوّل وكالتراويح أي بالجماعة العامة. والكلام في
دقائق الصوفية، وإما مكروهة كزخرفة المساجد وتزويق(١) المصاحف يعني عند الشافعية وأما
(١) في المخطوطة ((ترويق)).

٣٣٨
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
رواه مسلم.
١٤٢ - (٣) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله بَله: «أبغضُ الناس إلى الله ثلاثة:
مُلْحدٌ في الحرم، ومُبْتَغِ في الإِسلام سنّة الجاهليّة، ومُطَّلبٌ دمَ امرىءٍ
عند الحنفية فمباح، وأما مباحة كالمصافحة عقيب الصبح والعصر أي عند الشافعية أيضاً وإلا
فعند الحنفية مكروه، والتوسع في لذائذ المآكل والمشارب والمساكن وتوسيع الأكمام وقد
اختلف في كراهة بعض ذلك، أي كما قدمنا. قال الشافعي [رحمه الله]: ما أحدث مما يخالف
الكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع فهو ضلالة، وما أحدث من الخير مما لا يخالف شيئاً من
ذلك فليس بمذموم. وقال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان: ((نعمت البدعة))(١). هذا هو
آخر كلام الشيخ(٢) في تهذيب الأسماء واللغات. ورُوي عن ابن مسعود: ((ما رأوه المسلمون
حسناً فهو عند الله حسن))، وفي حديث مرفوع: ((لا يجتمع أمتي على الضلالة))(٣). (رواه
مسلم) وكذا أحمد والنسائي وابن ماجة بلفظ: ((أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن
أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل
ضلالة في النار)) الحديث.
١٤٢ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلاغير: ((أبغض الناس) هو
أفعل تفضيل من المفعول على الشذوذ واللام في الناس للعهد، والمراد منه عصاة المسلمين،
وما قاله بعض من أنها للجنس فبعيد إذ لا معصية أعظم من الكفر اللهم إلا أن يحمل على
التهديد. (إلى الله) أي وإن كان أحبهم إلى غيره (ثلاثة) أي أشخاص أحدهم أو منهم (ملحد في
الحرم) أي ظالم أو عاص فيه، فإنه عاص لله تعالى وهاتك حرمة الحرم. والإلحاد الميل عن
الصواب ومنه اللحد، قال الأبهري: فإن قلت فاعل الصغيرة فيه مائل عن الحق فيكون أبغض
من صاحب الكبيرة المفعولة في غيره، قلت: نعم مقتضاه ذلك بل مريدها كذلك، قال تعالى:
﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج - ٢٥] والظلم فسره هنا بعض السلف
بشتم الخادم. (ومبتغ) أي طالب (في الإسلام سنة الجاهلية) إطلاق السنة على فعل الجاهلية إما
على أصل اللغة، أو على التهكم. وهي مثل النياحة والميسر والنيروز وقتل الأولاد وبغض
البنات وجزاء شخص بجناية من هو من قبيلته. (ومطلب) بالتنوين (دم امرىء) بالنصب، وقيل:
بالإضافة وهو بتشديد الطاء من الإطلاب، أي متكلف في الطلب. قال السيد جمال الدين: أي
(١) البخاري ٢٥٠/٤ حديث ٢٠١٠.
(٢) أي الإِمام محيي الدين النووي. وتهذيب الأسماء واللغات جمع فيه الإمام النووي الألفاظ الموجودة
في مختصر المزني والمهذب والوسيط والتنبيه والوجيز. وضم أيضاً مما فيهما من أسماء الرجال
والملائكة والجن وهو على قسمين قسم في اللغة وقسم في الأسماء.
(٣) ابن ماجة ١٣٠٣/٢ حديث ١٩٥٠. ولأبي داود معناه.
الحديث رقم ١٤٢ : أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٠/١٢ حديث رقم ٦٨٨٢.

م
٣٣٩
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
بغير حق ليُهريقَ دمه)). رواه البخاري.
١٤٣ - (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّر: ((كلُّ أَمتي يدخلون الجنة إِلا
من أَبى)). قيل: ومن أبى؟ قال: ((من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)). رواه
البخاري.
مجتهد في الطلب. وأصله متطلب فحذف التاء وشدد الطاء إيذاناً بالتاء وأدغم فيها كذا في زين
العرب والأزهار، وهذا يقتضي أن تكون اللام مشددة يعني كالمزمل لكن المسموع من أفواه
المشايخ تشديد الطاء دون اللام. اهـ. فيكون كالمذكر ووجهه: أن مطلب أصله متطلب على
مفتعل فأبدلت التاء طاء وأدغمت وهذا موافق للقياس دون الأوّل والله أعلم. (مسلم) كذا في
نسخة صحيحة صفة امرىء (بغير حق) فالقاتل ارتكب ما كرهه الله من وجهين أحدهما ظلم،
والثاني أنه يسوء العبد والله يكره مساءته (ليهريق) بفتح الهاء ويسكن (دمه) من هراق الماء إذا
صبه، والأصل أراق قلبت الهمزة هاء، وفيه لغة أخرى وهي إهراق بفتح الهمزة وسكون الهاء،
والحاصل أن أبغض عصاة المسلمين هذه الثلاثة لأنهم جمعوا بين الذنب وما يزيد به قبحاً من
الإلحاد وكونه في الحرم وإحداث البدعة في الإسلام وكونه من أمر الجاهلية وقتل النفس لا
لغرض صحيح بل لكونه قتلاً كما يفعل شطار زماننا، وإليه أشار بقوله: ((ليهريق دمه)) ومزيد
القبح في الأول باعتبار المحل، وفي الثاني باعتبار الفاعل، وفي الثالث باعتبار الفعل، وفي كل
من لفظي المبتغي والمطلب مبالغة، وذلك أن هذا الوعيد إذا ترتب على الطالب والمتمني
فكيف بالمباشر. (رواه البخاري).
١٤٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ((كل أمتي يدخلون
الجنة) على صيغة الفاعل، وقيل: على بناء المفعول (إلا من أبى) أي امتنع عن قبول ما جئت
به، قال ابن الملك: إن أريد من الأمة أمة الإجابة فالاستثناء منقطع، وإن أريد أمة الدعوة
فالاستثناء متصل. وقال الطيبي: المراد إما أمة الدعوة فالآبي هو الكافر، أو أمة الإجابة فالآبي
هو العاصي استثناء زجراً وتغليظاً. (قيل: ومن أبى؟) هذه عطف على محذوف عطف جملة
على جملة، أي عرفنا الذين يدخلون الجنة ومن الذي أبى، أي الذي أبى لا نعرفه. وحق
الجواب اختصاراً أن يقول: من عصاني فعدل عنه وص له إلى ما سيأتي لإرادة التفصيل. (قال: من
أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى))) تنبيهاً على أنهم ما عرفوا هذا ولا ذاك، أو التقدير
من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة ومن اتبع هواه وزل عن الصواب وضل عن
الطريق فقد دخل النار ووضع ((أبى)) موضع هذا وضعاً للسبب موضع المسبب، ولهذا أورد
الحديث في باب الاعتصام بالكتاب والسنة. (رواه البخاري).
الحديث رقم ١٤٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٤٩/١٣ حديث رقم ٧٢٨٠. وأحمد في المسند ٢/
٣٦١.

٢٨٠=
٣٤٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٤٤ _ (٥) وعن جابر، قال: جاءت ملائكة إِلى النبيِّ وَّرَ وهو نائمٌ، فقالوا: إِن
لصاحبكم هذا مثلاً، فاضربوا له مثلاً. قال بعضُهُمْ: إِنه نائم، وقال بعضهم: إِن العينَ نائمةٌ
والقلبَ يقظانٌ.
١٤٤ - (وعن جابر) رضي الله عنه (قال: جاءت ملائكة) أي جماعة من الملائكة (إلى
النبي ◌َّ وهو نائم) الجملة حالية (١). قال السيد جمال الدين: هذا الحديث يحتمل أن يكون
حكاية سمعها جابر عن النبي ﴿ فحكاه. وأن يكون إخباراً عما شاهد هو بنفسه وانكشف له،
قال ميرك شاه: والاحتمال الأوّل متعين لما في رواية الترمذي عن حديث جابر أيضاً قال:
(خرج علينا النبي ◌َّير يوماً، فقال: إني رأيت في المنام كان جبريل عند رأسي وميكائيل عند
رجلي)) الخ قال الترمذي بعد تخريجه من طريق قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد عن خالد بن
يزيد المصري، أحد الثقات عن سعيد بن أبي هلال عن جابر: هذا حديث مرسل سعيد بن أبي
[هلال] لم يدرك جابر بن عبد الله، أشار البخاري في صحيحه إلى رواية سعيد بن أبي هلال
تعليقاً وجاء من غير وجه عن النبي ◌َّر من إسناد أصح من هذا قال: وفي الباب عن ابن مسعود
أن النبي ◌ّ توسد فخذه فرقد وكان إذا نام نفخ فبينا أنا قاعد إذا أتا برجال عليهم ثياب بيض الله
أعلم بما لهم من الجمال، فجلست طائفة منهم عند رأس رسول الله وَلّر وطائفة منهم عند
رجليه، ثم ذكر نحو حديث جابر، ثم قال: هذا حديث صحيح. اهـ. قال الشيخ ابن حجر
العسقلاني: ووصف الترمذي لحديث سعيد بن أبي هلال بأنه مرسل يريد أنه منقطع بين سعيد
وجابر وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي، يعني الآتي في أوّل الفصل الثاني،
قال: وهو عند الطبراني بسند جيد، وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد وابن خزيمة أيضاً
وصححه والظاهر أنهما واقعتان والله أعلم. اهـ. كلام ميرك شاه رحمه الله تعالى (فقالوا:) أي
بعض الملائكة لبعض (إن لصاحبكم) أي لمحمد (هذا) إشارة إلى محمد والمخاطب بعض
الملائكة (مثلاً) بفتحتين، أي صفة كمال تبهر العقول إذ المثل هو الصفة العجيبة الشأن
(فاضربوا) أي بينوا واجعلوا له (مثلاً) أي تمثيلاً وتصويراً للمعنى المعقول في صورة الأمر
المحسوس ليكون أوقع تأثيراً في النفوس (قال) بغير الفاء (بعضهم: إنه نائم) أي فلا يسمع فلا
يفيد ضرب المثل شيئاً (وقال بعضهم:) وهم الأكملون لمعرفتهم به ما لم يعرفه الأوّلون (إن
العين نائمة والقلب) بالنصب، وقيل: بالرفع (يقظان) غير منصرف، وقيل: منصرف لمجيء
فعلانة منه، قال زين العرب: يقظان منصرف لمجيء فعلانة، لكنه قد صح في كثير من نسخ
المصابيح على أنه غير منصرف يعني فلا يفوته شيء مما تقولون، فإن المدار على المدارك
الباطنية دون الحواس الظاهرية. قال الطيبي: هذه مناظرة جرت بينهم بياناً وتحقيقاً لما أن
الحديث رقم ١٤٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٤٩/١٣ حديث رقم ٧٢٨١. وأخرج الترمذي بمعناه
١٣٤/٥ حديث رقم ٢٨٦٠.
(١) في المخطوطة حالية.