Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
277 **
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
كقلبٍ واحدٍ، يُصَرِّفُهُ كيف يشاء)) ثم قال رسول اللهِ وَّهِ: ((اللهمَّ مصرفَ القلوب صَرِّفْ
قلوبَنا على طاعَتِكَ)). رواه مسلم.
٩٠. (١٢) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّلقول: ((ما من مولودٍ
إِلا يُولَّدُ على الفِطْرَةِ،
إشعاراً بأنه تعالى تولى بذاته أمر قلوبهم ولم يكله إلى أحد من ملائكته، وخص الرحمن بالذكر
إيذاناً بأن ذلك التولي محض رحمته كيلا يطلع أحد غيره على سرائرهم ولا يكتب عليهم ما في
ضمائرهم. وقوله (كقلب واحد) بالوصف يعني كما أن أحدكم يقدر على شيء واحد الله تعالى
يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة لا يشغله شأن عن شأن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ما خلقكم
ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾ [لقمان - ٢٨] قيل: ليس المراد أن التصرف في القلب الواحد
أسهل بالقياس إليه إذ لا صعوبة بالقياس إليه تعالى بل ذلك راجع إلى العباد وإلى ما عرفوه فيما
بينهم. (يصرفه) بالتشديد، أي يقلب القلب الواحد، أو جنس القلب. وفي بعض نسخ
المصابيح بتأنيث الضمير، أي القلوب كذا ذكره العيني وهو تحقيق لوجه الشبه. (كيف يشاء)
حال على تأويل هيناً سهلاً لا يمنعه مانع، أو مصدر أي تقليباً سريعاً سهلاً، وفي كتاب
الحميدي وفي مسلم: ((حيث يشاء)) قاله العيني. (ثم قال رسول الله ◌َلاير: اللهم) أصله يا ألله
فحذف حرف النداء وعوّض عنه الميم ولذا لا يجتمعان، وقيل: أصله يا ألله أمنا بخير، أي
اقصدنا فحذف ما حذف اختصاراً (مصرف القلوب) بالإضافة صفة اللهم عند المبرد والأخفش،
لأن يا لا يمنع من الوصف فكذا بدلها، ومنادى برأسه عند سيبويه وقد حذف منه النداء لأن
ضم الميم للجلالة منع وصفها. (صرف قلوبنا على طاعتك))) أي إليها، أو ضمن معنى التثبيت
ويؤيده ما ورد: ((اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك))(١)، قيل: وفيه إرشاد للأمة
والظاهر أن كل أحد من العباد كما أنه مفتقر إليه تعالى في الإيجاد لا يستغني عنه ساعة من
الإِمداد (رواه مسلم).
٩٠ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَلقر: ((ما من مولود) أي
من الثقلين (إلا يولد على الفطرة) قيل: مولود مبتدأ خبره يولد، أي ما من مولود يوجد على
أمر من الأمور إلا على هذا الأمر. والفطرة تدل على نوع من الابتداء والاختراع الذي هو معنى
الفطرة كالجلسة، واللام فيها إشارة إلى معهود وهو قوله: ﴿فطرة الله﴾ [الروم: ٣٠] وهي
الإِيمان إذ المراد بـ ﴿أقم وجهك للدين حنيفاً﴾ [الروم - ٣٠] اثبت على إيمانك القديم الواقع
منك في عالم الذر يوم ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف - ١٧٢] ويؤيد ذلك رواية الترمذي وغيره
الملة بدل الفطرة لأن ما صدقهما واحد، قال تعالى: ﴿ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً﴾ [الأنعام -
(١) أخرجه الترمذي ٣٩٠/٤ حديث ٢١٤٠.
الحديث رقم ٩٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٩/٣ حديث رقم ١٣٥٨ وأخرجه مسلم في الصحيح
٢٠٤٧/٤ حديث رقم ٢٢. وأحمد في المسند ٣٥١/٢.

٢٦٢
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
فأبواه يُهَودَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ، كما تُنْتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاءً، هل تُحِسُونَ فيها من
جَدْعاءَ؟ ثم يقول:
١٦١] [كذا] ذكره ابن حجر. والظاهر أن الملة أخص من الدين ولذا قيل: باتحاد دين الأنبياء
وهو الإِسلام والتوحيد واختلاف مللهم لاختلاف شرائعهم، وفي معنى هذا الحديث: ((خلقت
عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم)). والمعنى: ما أحد يولد إلا على
هذا الأمر الذي هو تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة والتهيؤ لقبول الدين فلو ترك على
تمكنه وتهيؤه المذكورين لاستمر على الهدى والدين ولم يفارقه إلى غيره، لأن حسنه ركز في
النفوس فلم يقع لها عدول عنه إلا لآفة بشرية أو تقليد للغير، ولذا قال تعالى: ﴿أولئك الذين
اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [البقرة - ١٦] فجعل الهدى رأس المال الحاصل عندهم ثم عرضوه
للزوال ببذله في أخذهم الضلالة البعيدة عنهم. (فأبواه يهودانه) بتشديد الواو، أي يعلمانه
اليهودية ويجعلانه يهودياً (أو ينصرانه أو يمجسانه) والفاء إما للتعقيب وهو ظاهر، وإما
للتسبب، أي إذا كان كذا فمن تغير كان بسبب أبويه غالباً (كما تنتج البهيمة) صفة لمصدر
محذوف وما مصدرية، أي يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة، أو يغيرانه تغييراً كتغيير
البهيمة، وقيل: حال أي مشبهاً، شبه ولادته على الفطرة بولادة البهيمة السليمة غير أن السلامة
حسية ومعنوية وعلى التقديرين الأفعال الثلاثة أي يهوّدانه وما عطف عليه تنازعت في كما تنتج
المفيد لتشبيه ذلك المعقول بهذا المحسوس المعاين ليتضح به أن ظهوره بلغ في الكشف
والبيان مبلغ هذا المحسوس المشاهد في العيان، وهو يُروى على البناء للفاعل وهو الأصح،
وعلى بناء المفعول يقال: نتج الناقة ينتجها إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج وهو للبهائم
كالقابلة للنساء، والأصل نتجها أهلها ولداً ولذا يتعدى إلى مفعولين فإذا بني للمفعول الأوّل،
قيل: نتجت ولداً إذا وضعت، وإذا بني للثاني، قيل: نتج الولد إذا وضعته. (بهيمة)(١) وقيل:
مصغرة ونصبها على أنه مفعول ثان لتنتج والأوّل أقيم مقام فاعله، وقيل: إنه منصوب على
الحال بتقدير كون تنتج مجهولاً أي ولدت في حال كونها بهيمة، أو على أنه مفعول إذا كان
معروفاً من نتج إذا ولد. وأغرب ابن حجر حيث قال: كما تنتج بالبناء للمفعول لا غير.
(جمعاء) أي سليمة الأعضاء كاملتها، سميت بذلك لاجتماع سلامة اعضائها من نحو جدع
وكي(٢) (هل تحسون فيها) أي في البهيمة الجمعاء، والمراد بها الجنس وتحسون بضم التاء
وكسر الحاء، وقيل: بفتح التاء وضم الحاء، أي هل تدركون؟ والجملة في موضع الحال أي
بهيمة سليمة مقولاً في حقها هذا القول، وفيه نوع من التأكيد يعني كل من نظر إليها قال هذا
القول لظهور سلامتها، وقيل: هو صفة أخرى بتقدير مقولاً في حقها (من جدعاء؟) بالمهملة،
أي مقطوعة الأذن. وفي المصابيح حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قيل: تخصيص الجدع إيماء
إلى أن تصميمهم على الكفر إنما كان لصمهم عن الحق (ثم يقول:) ظاهره أنه من بقية الحديث
المرفوع وليس كذلك بل هو من كلام أبى هريرة أدرجه في الحديث بينه مسلم من طريق
(١) في المخطوطة ((بهمة)).
(٢) في المخطوطة ((ولى)).

٢٦٣
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
﴿فِطْرَةَ اللَّهِ التِي فَطَرَ الناسَ عليها لا تبديل لخَلْقِ الله ذلكَ الدينُ القيّم﴾.
الترمذي عن الزهري. ولفظه: ((ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ﴿فطرة الله التي فطر الناس
عليها) الآية [الروم - ٣٠]) كذا قاله الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري. أقول: وكذا
وقع التصريح بذلك في رواية البخاري من طريق يونس عن الزهري عن أبي سلمة الرازي عن
أبي هريرة ولفظه: ((ثم يقول أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها)) أخرجه في كتاب الجنائز
كذا حققه ميرك شاه. قال الطيبي: الظاهر ((ثم قرأ)) فعدل إلى القول وأتى بالمضارع لحكاية
الحال استحضاراً كأنه يسمع منه عليه الصلاة والسلام الآن. اهـ. وفيه أن العلة المذكورة لا
تصلح أن تكون للعدول إلى القول فالأظهر ما قاله ابن حجر: إن ظاهر السياق ((ثم قرأ)) فعدل
عنه لفظاً إشارة فيما يظهر والله أعلم أن (١) اللفظ القرآني في مقام الاستدلال لا تجري عليه
أحكام القرآن لأن ذكره للاستدلال به صارف له عن القرآنية. اهـ. ويؤيده ترك الاستعاذة في
ابتدائه ثم قوله (فطرة الله) أي الزموها وهي ما ذكر من الاستعداد للمعرفة (التي فطر الناس
عليها) أي خلقهم ابتداء وجبلهم عليها (لا تبديل لخلق الله) أي فيكم من قبول الإِسلام. وهو
مؤوّل بأنه من شأنه، أو الغالب فيه أنه لا يبدل، أو يقال الخبر بمعنى النهي ولا يجوز أن يكون
إخباراً محضاً لحصول التبديل. قال حماد بن سلمة في معنى الحديث: هذا عندنا حيث أخذ
الله العهد في أصلاب آبائهم فقالوا: بلى، قال الخطابي: هذا معنى حسن وكأنه ذهب إلى أنه لا
عبرة بالإِيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإِيمان الشرعي المكتسب بالإرادة ألا ترى
أنه يقول فأبواه يهودانه في حكم الدنيا؛ فهو مع وجود الإِيمان الفطري فيه محكوم له بحكم
أبويه الكافرين، قيل: وتلخيصه أن العالم إما عالم الغيب وإما عالم الشهادة، فإذا نزل الحديث
على عالم الغيب أشكل معناه، وإذا صرف إلى عالم الشهادة الذي عليه مبنى ظاهر الشرع سهل
تعاطيه. وتحريره أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب، وإنه ولد على
الخلقة التي خلق الله [الناس] عليها من الاستعداد للمعرفة وقبول الحق والتأبي عن الباطل
والتمييز بين الخطأ والصواب حكم بأنه لو ترك على ما هو عليه ولم يعتوره من الخارج ما
يصده عن النظر الصحيح من التقليد والألف بالمحسوسات والانهماك في الشهوات استمر على
ما كان عليه من الفطرة السليمة ولم يختر عليه شيئاً، وينظر فيما نصب من الدلائل على التوحيد
وصدق الرسول وغير ذلك نظراً صحيحاً يوصله إلى الحق ويهديه إلى الرشد وعرف الصواب
واتبع الحق ودخل في الملة الحنيفية ولم يلتفت إلى ما سواها، لكن يصده عن ذلك أمثال هذه
العوائق؛ ونظير ذلك أم الغلام الذي قتله الخضر فإن موسى عليه الصلاة والسلام نظر إلى عالم
الشهادة وظاهر الشرع فانكر، والخضر عليه الصلاة والسلام نظر إلى عالم الغيب وأنه طبع كافراً
فقتله ولذلك لما اعتذر الخضر بالعلم الخفي الغائب أمسك موسى عليه الصلاة والسلام عن
الاعتراض كذا قالوه. ولعل معنى أنه طبع كافراً، أي خلق وقدر وجبل أنه لو عاش يصير كافراً
لئلا يناقضه هذا الحديث (ذلك) أي التوحيد الذي هو معنى الفطرة هو (الدين القيم))) أي
515%
(١) في المخطوطة ((إذ)).

٢٦٤
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
متفق عليه .
٩١. (١٣) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قام فينا رسول الله وَلهل
بخمسٍ كلماتٍ فقال: ((إِن اللَّهَ لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينام، يُخْفِضُ القِسْطَ ويرفعُهُ،
المستقيم الذي لا عوج له ولا ميل إلى تشبيه وتعطيل ولا قدر ولا جبر. (متفق عليه).
٩١ - (وعن أبي موسى) أي الأشعري رضي الله عنه كما في نسخة (قال: ((قام فينا رسول
الله (3) وكان إذا وعظ قام (بخمس كلمات) والكلمة الجملة المفيدة، أي متفوّهاً بخمس
فصول، وقيل: قام فينا كناية عن التذكير، أي خطبنا وذكرنا بخمس كلمات، وقال الطيبي:
قوله: ((فينا)) و((بخمس)) إما حالان مترادفان، أو متداخلان أي قام خطيباً مذكراً لنا، وإما أن
يتعلق ((فينا)) بقام على تضمين قام معنى خطب ويكون بخمس حالاً، وقام على الوجهين بمعنى
القيام، وهناك وجه ثالث وهو أن يتعلق ((بخمس)) ((بقام)) ويكون ((فينا)) بياناً كأنه لما قيل: قام
بخمس، قيل: في حق من؟ فقيل: في حقنا، وعلى هذا ((قام)) بمعنى قام بالأمر، أي تشمر له،
أي قام بحفظ تلك الكلمات فينا، قال ابن حجر: ويؤيد الحقيقة حديث ((كان عليه الصلاة
والسلام ينصرف إلينا بعد العشاء فيحدثنا قائماً على رجليه حتى يراوح بين قدميه من طول
القيام))(١)، وفيه أن كون القيام حقيقة في بعض المقام لا يستلزم استمراره في المرام (فقال: إن
الله لا ينام) قال تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة - ٢٥٥] والسنة النعاس وهو نوم
خفيف، أو مقدمة النوم (ولا ينبغي له أن ينام) نفي للجواز تأكيداً لنفي الوقوع على سبيل
التتميم، أي لا يكون ولا يصح ولا يستقيم ولا يمكن له النوم، لأن النوم أخو الموت(٢) ولأن
النوم لاستراحة القوي والله تعالى منزه عن ذلك، وهذه الثانية من الخمس وأغرب ابن حجر
بقوله: اعتراض فتأمل والثالثة هي قوله (يخفض القسط ويرفعه) قال التوربشتي: فسر بعضهم
القسط(٣) بالرزق، أي يقتره ويوسعه، وعبر به عن الرزق لأنه قسط كل مخلوق، أي نصيبه.
وفسره بعضهم بالميزان، ويُسمى الميزان قسطاً لما يقع به من المعدلة بالقسط، أي في القسمة
وغيرها. وهذا المعنى أولى لما في حديث أبي هريرة: ((يرفع الميزان ويخفضه))، والمراد من
الميزان ما يوزن من أرزاق العباد النازلة من عنده وأعمالهم المرتفعة إليه، يعني فيخفضه تارة
بتقتير الرزق والخذلان بالمعصية ويرفعه أخرى بتوسيع الرزق والتوفيق للطاعة. وفي الخفض
والرفع هنا وفيما بعده تضاد ومطابقة وهما مستعاران من المعاني من الأعيان، ويحتمل أنه أراد
الإشارة إلى أنه تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن - ٢٩]. وأنه يحكم في خلقه بميزان
العدل، وبين المعنى بما شوهد من وزن الميزان الذي يزن فيخفض يده ويرفعها، قيل: وهذا
٢٥٠
و٠,3
الحديث رقم ٩١: أخرجه مسلم في صحيحه ١٦١/١ حديث (٢٩٣ .١٧٩). وابن ماجة ١/ ٧٠ حديث
رقم ١٩٥ وأحمد في المسند ٤٠٥/٤.
(١) ابن ماجة ١/ ٤٢٧ حديث ١٣٤٥.
(٢) في المخطوطة ((اخ الموت)).
(٣) في المخطوطة ((القول)).

٢٦٥
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
يُرْفَعُ إِليه عملُ اللَّيلِ قبلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعملُ النهاءِ قبلَ عملِ الليلِ، حِجَابُهُ النَّورُ، لو كَشَفَهُ
لأحرقت سُبُحَاتٌ وجهِهِ
التأويل يناسب قوله: ((ولا ينبغي له أن ينام)) أي كيف يجوز عليه ذلك وهو الذي يتصرف أبداً
في ملكه بميزان العدل والرابعة (يرفع إليه) قال القاضي: أي إلى خزائنه كما يقال: حمل المال
إلى الملك (عمل الليل) أي المعمول فيه (قبل عمل النهار) أي قبل أن يؤتي بعمل النهار فيضبط
إلى يوم الجزاء، أو يعرض عليه وإن كان هو أعلم به ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاء
على فعله، وقيل: معناه يقبل الله أعمال المؤمنين فيكون عبارة عن سرعة الإِجابة (وعمل النهار)
عطف على عمل الليل (قبل عمل الليل) إشارة إلى السرعة في الرفع والعروج إلى ما فوق
السموات فإنه لا فاصل بين الليل والنهار، وقيل: قبل رفع عمل الليل والأوّل أبلغ، قال ابن
حجر: وهو بيان لمسارعة الملائكة الموكلين برفع أعمال النهار بعد العصر والليل بعد الصبح
وإنهم يقطعون في هذا الزمن القليل تلك المسافة الطويلة التي تزيد على سبعة آلاف سنة على ما
رُوي: ((أن مسيرة ما بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة، وما بين كل سماءين كذلك
وسمك كل سماء كذلك))(١) وتقدير رفع في الأوّل ورفع، أو فعل في الثاني هو الذي دل عليه
الحديث الآخر أن أعمال النهار ترفع بعد صلاة العصر، وأعمال الليل ترفع بعد صلاة الصبح،
فلا يقع رفع عمل الليل إلا بعد فعل من عمل النهار، وأما رفع عمل النهار فيقع قبل فعل، أو
رفع شيء من عمل الليل لأن بين ابتداء رفعها وعمل الليل فاصلاً يسع ذلك بالنسبة إلى القدرة
الباهرة. فالحاصل أن قوله: ((قبل عمل النهار)) يتعين فيه تقدير رفع ولا يصح تقدير فعل فيه،
وقوله: ((قبل عمل الليل)) يصح فيه كل منهما وتقدير الفعل أبلغ لأن الزمن أقصر فتأمل ذلك
لتعلم فساد ما أطلقه بعض الشارحين. اهـ. كلامه والخامسة (حجابه النور) أي المعنوي (لو
كشفه) استئناف جواباً عمن قال: لم لا نشاهده؟ أي لو أزال الحجاب ورفعه (لأحرقت سبحات
وجهه) بضم أوليه جمع سبحة بالضم، أي أنوار وجهه والوجه الذات وقد قال بعض أهل
التحقيق: هي الأنوار التي إذا رآها الراؤون من الملائكة سبحوا وهللوا لما يروعهم من جلال
الله وعظمته، لأن كلمة سبحان الله كلمة تعجب وتعجيب على ما قاله ابن الأثير. وقال
الكشاف: فيها معنى التعجب، والأصل في ذلك أن يسبح الله في رؤية العجب من صنائعه، ثم
كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، وقيل: حجابه النور، أي حجابه خلاف الحجب
المعهودة؛ فهو محتجب عن خلقه بأنوار عزه وجلاله ولو كشف ذلك الحجاب وتجلى لما
وراءه من حقائق الصفات وعظمة الذات لم يبق مخلوق إلا احترق. وأصل الحجاب الستر
الحائل بين الرائي والمرئي وهو ههنا يرجع إلى منع الأبصار من الإصابة بالرؤية، فهو كناية عن
منع رؤيته تعالى في الدنيا، أو عن الإحاطة بذاته في الدنيا والعقبى. وجملة: ((لو كشفه)) الخ
استئنافية مبينة للكلام السابق كأنه قيل: لم خص حجابه بالنور أو لم يكشف ذلك الحجاب؟
فأجيب: بأنه لو كان من غيره أو لو كشفه لأحترق العالم، وإنما أورد الجمل السابقة فعلية
:wn
(١) أخرج الترمذي نحوه ٣٧٤/٥ حديث رقم ٣٢٩٤.

:هور
١٠٠٠
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
٢٦٦
ما انتهى إليه بصرهُ من خلقه)). رواه مسلم.
٩٢. (١٤) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَالقول: ((يدُ الله ملأى
لا تُغيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتُمْ ما أنفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّماءَ والأرضَ؟ فإِنه لم
يَغِضْ ما في يَدِهِ،
مضارعية لإفادة التجدد مع الاستمرار، وأما هذه الجملة الاسمية فتدل على الثبات والدوام في
هذا العالم. وإذا صفت المؤمنون عن الكدورات البشرية في دار الثواب فيرونه بلا حجاب كما
أن النبي عليه الصلاة والسلام رآه في الدنيا لانقلابه نوراً كما قال في الدعاء: ((اللهم اجعل في
قلبي نوراً وفي بصري نوراً وفي بشري نوراً) إلى قوله: ((واجعلني نورا)) (١) (ما انتهى) أي وصل
(إليه) الضمير لما (بصره) تعالى، وقيل: الضمير في بصره راجع إلى ما، وهو موصول مفعول
به لأحرقت وضمير إليه راجع إلى وجهه تعالى و (ومن خلقه))) بيان لما، أو متعلق باحرقت،
والمراد من خلقه جميع الموجودات (رواه مسلم) قيل: معناه مسبوك من معنى آية الكرسي فهو
سيد الأحاديث كما أنها سيدة الأيات.
٩٢ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَليقول: ((يد الله) كناية عن
محل عطائه، أي خزائنه (ملأى) على زنة فعلى تأنيث ملآن، كناية عن كثرة تلك النعمة
وعمومها (لا تغيضها) بالتأنيث، وقيل: بالياء، أي لا تنقصها (نفقة) أي انفاق (سحاء)
بالمهملتين والمد من سح الماء إذا سال من فوق ومن سححت الماء أي صببته صفة لنفقة، أو
ليد وهو الأصح وقوله (الليل والنهار) [منصوبان على الظرف، أي دائمة الصب في الليل
والنهار]، وثبت في صحيح مسلم ((سحاً) بلفظ المصدر، وفي رواية لمسلم: ((سح الليل
والنهار))(٢) بفتح الحاء والإِضافة قاله الأبهري، وفيه إشارة إلى أنها المعطية عن ظهر غنى، لأن
الماء إذا أنصب من فوق أنصب بسهولة وإلى جزالة عطاياه، لأن السح يستعمل فيما بلغ وارتفع
عن القطر حد السيلان وإلى أنه لا مانع لاعطائه، لأن الماء إذا أخذ في الإنصباب لم يستطع
أحد أن يرده. (أرأيتم) أخبروني، وقيل: أعلمتم وأبصرتم (ما أنفق) ما مصدرية، أي انفاق
الله، وقيل: ما موصولة متضمنة معنى الشرط (مذ خلق السماء والأرض) أي من أوّل زمان خلق
أهلهما (فإنه) أي الإنفاق (لم يغض) [بفتح الياء] وكسر الغين لم ينقص (ما في يده) موصولة
مفعول، أي في خزائنه. وقال الطيبي: يد الله ملأى، أي نعمته غزيرة كقوله تعالى: ﴿بل يداه
مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] فإن بسط اليد مجاز عن الجود ولا قصد إلى إثبات يد ولا بسط كذا
رجمة
(١) البخاري ١١٦/١١ حديث ٦٣١٦.
الحديث رقم ٩٢: أخرجه البخاري في الصحيح ٣٥٢/٨ حديث ٤٦٨٤. ومسلم في الصحيح ٢/ ٦٩١
حديث ٣٧ والترمذي ٢٣٤/٤ حديث ٣٠٤٥ وابن ماجة ٧١/١ حديث رقم ١١٧ وأحمد في
المسند ٣١٣/٢.
4117
(٢) مسلم ١٤٥٨/٣ حديث رقم ١٨٢٧.

٢٦٧
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
وكان عرشُهُ على الماءِ، وبيدِهِ الميزانُ يُخفِضُ ويَرْفَعُ)). متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: ((يمين الله ملأى. قال ابن نُمَير ملآن. سحاء لا يَغيضُها شيء الليل
والنهار)).
٩٣. (١٥) وعنه، قال: سُئِلَ رسول الله وَله عن ذَرارِيِّ المشرِكينَ،
في الكشاف، وقال المظهر: يد الله أي خزائن الله، قيل: إطلاق اليد على الخزائن لتصرفها فيها
والمعنى بالخزائن قوله: ﴿كن فيكون﴾ [الأنعام - ٧٣] لأنه له القدرة على إيجاد المعدوم
ولذلك لا ينقص أبداً، وقوله: ((ملأى ولا تغيضها وسحاء وأرأيتم)) على تأويل القول، أي مقول
فيها أخبار مترادفة ليد الله، ويجوز أن تكون الثلاثة الأخيرة وصفاً لملأى وأن يكون أرأيتم
استئنافاً وقوله (وكان عرشه على الماء) حال من ضمير خلق وكذا قوله (وبيده الميزان) حال
منه، أو من خبر كان، أو من اسمه على رأي سيبويه وسيأتي تحقيق معنى قوله: ((وكان عرشه
على الماء)) في باب بدء الخلق، ومعنى قوله: ((بيده الميزان)) بقدرته وتصرفه ميزان الأعمال
والأرزاق. (يخفض ويرفع))) أي ينقص النصيب والرزق باعتبار ما كان يمنحه قبل ذلك ويزيد
بالنظر إليه بمقتضى قدره الذي هو تفصيل لقضائه الأوّل، أو يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد
المرتفعة إليه يقللها لمن يشاء ويكثرها لمن يشاء كمن بيده الميزان يخفض تارة ويرفع أخرى،
وقيل: المراد به العدل يعني ينقص العدل في الأرض تارة بغلبة الجور وأهله ويرفعه تارة بغلبة
العدل وأهله. (متفق عليه وفي رواية لمسلم: ((يمين الله ملأى) قيل: خص اليمين لأنها مظنة
العطاء، أو إشارة إلى يمن العطاء وبركته فمن تلقاه بالقبول والرضا بورك له في قليله حتى فاق
على كثير ليس كذلك على ما هو مشاهد، وورد في الحديث: ((وكلتا يديه يمين)) أي مباركة
قوية قادرة لا مزية لأحداهما على الأخرى، ولعله أراد باليدين التصرفين من إعطاء الجزيل
والقليل. (قال ابن نمير) بالتصغير أي عبد الله في روايته (ملآن) أي رواه كذا، قال النووي:
قالوا: هذا غلط منه وصوابه ملأى بالتأنيث كما في سائر الروايات، قال الطيبي: إن أرادوا رده
رواية ونقلاً فلا نزاع وإن أرادوا رده لعدم المطابقة فإن اليد مؤنثة فأمره سهل لأن معنى يد الله
إحسانه وإفضاله، قلت: وفيه أنه لا يلائمه قوله: ((سحاء)» (لا يغيضها شيء الليل والنهار).
٩٣ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: سئل رسول الله وَلقر عن ذراري
المشركين) جمع ذرية وهي نسل الأنس والجن ويقع على الصغار والكبار، إما من الذر بمعنى
التفريق لأن الله تعالى فرقهم في الأرض، أو من الذرء بمعنى الخلق فتركت الهمزة، أو أبدلت،
والمراد عن حكم أولادهم إذا ماتوا قبل البلوغ أنهم من أهل النار أو الجنة.
واعلم أن الولد تابع لأشرف الأبوين ديناً فيما يرجع إلى أمور الدنيا وهو معنى قوله وَ ل
الحديث رقم ٩٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٤٥/٣ حديث رقم ١٣٨٤. وأخرجه مسلم في الصحيح
٢٠٤٩/٤ حديث ٢٦ وأخرجه أبو داود ٨٤/٥ حديث رقم ٤٧١١ والنسائي ٥٨/٤ حديث رقم
١٩٥٠ وأحمد في المسند ٣٩٣/٢.
*****. 'T
mT

٢٦٨
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
قال: ((الله أعلمُ بما كانوا عاملين)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٩٤. (١٦) وعن عُبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن
أولَ ما خلق اللَّهُ القَلَمُ،
في بعض الروايات: ((هم من آبائهم))، وأما فيما يرجع إلى أمور الآخرة من الثواب والعقاب
فموقوف موكول إلى علم الله تعالى لأن السعادة والشقاوة ليستا معللتين عندنا بالأعمال، بل الله
تعالى خلق من شاء شقياً ومن شاء سعيداً. وجعل الأعمال دليلاً على السعادة والشقاوة. (قال:
الله أعلم بما كانوا عاملين))) أي الله أعلم بما هم صائرون إليه من دخول الجنة أو النار أو الترك
بين المنزلتين. وقد اختلفوا في ذلك فقيل: إنهم من أهل النار تبعاً للأبوين، وقيل: من أهل
الجنة نظراً إلى أصل الفطرة، وقيل: إنهم خدام أهل الجنة، وقيل: إنهم يكونون بين الجنة
والنار لا منعمين ولا معذبين، وقيل: من علم الله منه أنه يؤمن ويموت عليه إن عاش أدخل
الجنة ومن علم منه أنه يعجز ويكفر أدخله النار، وقيل: بالتوقف في أمرهم وعدم القطع بشيء
وهو الأولى لعدم التوقيف من جهة الرسول وّيقر فلم يقطع عليه الصلاة والسلام بكونهم من أهل
الجنة ولا من أهل النار بل أمرهم بالاعتقاد الذي عليه أكثر أهل السنة من التوقف في أمرهم كذا
ذكره ابن الملك في شرح المصابيح. وفيه أن الترك بين المنزلتين غير ثابت في الكتاب والسنة
وأهل الأعراف مآلهم الجنة، وقيل: إنهم يمتحنون بدخول النار في تلك الدار والله أعلم. وقال
ابن حجر: هذا قبل أن ينزل فيهم شيء فلا ينافي أن الأصح أنهم من أهل الجنة. (متفق عليه).
(الفصل الثاني)
٩٤ - (عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله وص له: ((إن أوّل ما خلق الله القلم) بالرفع
وهو ظاهر ورُوي بالنصب، قال بعض المغاربة: رفع القلم هو الرواية فإن صح النصب كان
على لغة من ينصب خبر إن، وقال المالكي: يجوز نصبه بتقدير كان على مذهب الكسائي
کقوله :
3.
* يا ليت أيام الصبار واجعا *
وقال المغربي: لا يجوز أن يكون القلم مفعول ((خلق)) لأن المراد أن القلم أوّل مخلوق،
وإذا جعل مفعولاً لخلق أوجب أن يقال: اسم إن ضمير الشأن، وأوّل ظرف فينبغي أن تسقط
الفاء من قوله: ((فقال)) إذ يرجع المعنى إلى أنه قال له: اكتب حين خلقه فلا أخبار بكونه أوّل
مخلوق. اهـ. وإنما أوجب ما ذكر لأنه بدونه يفسد أصل المعنى؛ إذ يصير التقدير إن أوّل
الحديث رقم ٩٤: أخرجه الترمذي في السنن ٣٩٨/٤ حديث رقم ٢١٥٥. وقال غريب من هذا الوجه.
وأخرجه أحمد في المسند ٣١٧/٥.
24:"
٠٠٠
٫٫٠٠٠

بيع.
areg
٠٫٠٠٩٢
٢٦٩
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
فقال له: اكتُب. فقال: ما أكتب؟ قال: اكتُب القدَر. فكتبَ ما كان وما هو كائنٌ إِلى
الأبدِ))(١).
شيء خلق الله القلم وهو غير صحيح، وقيل: لو صحت الرواية بالنصب لم تمنع الفاء ذلك إذ
يقدر قبل فقال: أمره. وهو العامل في الظرف كذا حققه الطيبي. وفيه أنه حينئذ لا يكون
تنصيص على أوّلية خلق القلم الذي يدل عليه رواية الرفع الصحيحة، وفي الأزهار: «أوّل ما
خلق الله القلم)) يعني بعد العرش والماء والريح لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كتب الله مقادير
الخلائق قبل أن يخلق السموات والأراضين بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء))(٢) رواه
مسلم، وعن ابن عباس سئل عن قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود - ٧] ((على أي
شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح)) رواه البيهقي ذكره الأبهري، فالأوّلية إضافية والأوّل
الحقيقي هو النور المحمدي على ما بينته في المورد للمولد (فقال) أي الله وفي نسخة صحيحة
(له) أي للقلم (اكتب) أمر بالكتابة (قال) وفي نسخة بالفاء (ما أكتب) ما استفهامية مفعول مقدم
على الفعل (قال: اكتب القدر) أي المقدر المقضي، وفي المصابيح قال: ((القدر ما كان)) الخ
قال شرّاحة، أي اكتب القدر فنصبه بفعل مقدر وما كان بدل من المقدر، أو عطف بيان.
(فكتب ما كان) المضي بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام قال الطيبي: ليس حكاية عما أمر به
القلم وإلا لقيل فكتب ما يكون، وإنما هو أخبار باعتبار حالة عليه الصلاة والسلام، أي قبل
تكلم النبي ◌ّو بذلك لا قبل القلم، لأن الغرض أنه أوّل مخلوق، نعم إذا كانت الأوّلية نسبية
صح أن يراد ما كان قبل [القلم] (وما هو كائن) ما موصولة (إلى الأبد))) قال الأبهري: ما كان
يعني العرش والماء والريح وذات الله وصفاته. اهـ. ويمكن أن يحمل ما كان على القضاء وما
هو كائن على القدر والله أعلم.
* ظهر لي * فيه إشكال والله أعلم بالحال وهو أن ما لا يتناهى في المآل كيف ينحصر
وينضبط تحت القلم في الاستقبال سيما مع قوله عليه الصلاة والسلام: ((جف القلم))(٣) اللهم
إلا أن يقال: المراد به كتابة الأمور الإجمالية الكلية لا الأحوال التفصيلية الجزئية وهو خلاف
ظواهر الأدلة المروية، ثم رأيت الأبهري نقل عن زين العرب أن الأبد هو الزمان المستمر غير
المنقطع، فالجمع بينه وبين إلى ممتنع لأنه لا يمكن وصول شيء إليه حتى ينتهي، قلت:
يحمل الأبد على الزمان الطويل. ا هـ. وفيه أن الزمان الطويل والله أعلم أنه انقراض العالم، أو
استقرار الفريقين في الموضعين، ويلزم منه أن لا تكون أحوال الدارين مكتوبة والله أعلم. ثم
رأيت في الدر المنثور(٤) نقلاً عن ابن عباس: ((إن أول شيء خلقه الله القلم، فقال له: اكتب،
فقال: يا رب وما أكتب، قال: اكتب القدر يجري من ذلك بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة،
(١) في المخطوطة إلى يوم القيامة بدل إلى الأبد.
(٢) راجع الحديث رقم ٧٩.
(٣) من حديث أخرجه الترمذي ٢٦/٥ حديث رقم ٢٦٤٢.
(٤) (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)) للإمام جلال الدين السيوطي.
خصم

٢٧٠
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ إِسناداً.
٩٥. (١٧) وعن مسلم بن يسار رضي الله عنه، قال: سُئِل عمرُ بن الخطاب ( رضي
الله عنه ] عن هذه الآية: ﴿وإِذْ أَخَذَ ربُّك مِنْ بني آدم من ظُهورِهِم ذُرْيَّتَهُمْ﴾ الآية، قال
عمرُ: سمعت رسولَ اللَّهِ وَ﴿ يُسْأل عنها فقال: ((إِن اللَّهَ خلقَ آدمَ، ثم مسَحَ ظهرَهُ بيمينِهِ،
ثم طوى الكتاب ورفع القلم)) رواه البيهقي وغيره والحاكم وصححه، وفي الدر أيضاً عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَالر يقول: ((إن أول شيء خلق الله القلم ثم النون
وهي الدواة))، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب، قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من
عمل أو أثر أو رزق أو أجل، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ختم على فم القلم
فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة)) أخرجه الحكيم الترمذي(١) هذا ورُوي ((أن أوّل ما خلق الله
العقل، وأن أوّل ما خلق الله نوري وأن أوّل ما خلق الله روحي، وأن أوّل ما خلق الله العرش))،
والأوّلية من الأمور الإضافية فيؤوّل أن كل واحد مما ذكر خلق قبل ما هو من جنسه؛ فالقلم خلق
قبل جنس الأقلام ونوره قبل الأنوار وإلا فقد ثبت أن العرش قبل خلق السموات والأرض، فتطلق
الأوّلية على كل واحد بشرط التقييد فيقال: أوّل المعاني كذا، وأوّل الأنوار كذا، ومنه قوله:
(أوّل ما خلق الله نوري))، وفي رواية: ((روحي)) ومعناهما واحد، فإن الأرواح نورانية، أي أوّل ما
خلق الله من الأرواح روحي (رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب إسناداً) أي لا متناً، والمراد به
حديث يعرف متنه عن جماعة من الصحابة، وانفرد واحد بروايته عن صحابي آخر، ومنه قول
الترمذي: غريب من هذا الوجه، واستيفاء هذا البحث في أصول الحديث.
٩٥ - (وعن مسلم بن يسار) أي الجهني قال الترمذي: حديثه حسن إلا أنه لم يسمع عمر
كذا ذكره المصنف في التابعين. (قال: سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذه الآية) أي
عن كيفية أخذ الله ذرية بني آدم من ظهورهم المذكور في الآية (﴿وإذ أخذ﴾) أي أخرج (﴿ربك
من بني آدم من ظهورهم﴾) بدل البعض قاله ابن الملك وكذا ذكره البيضاوي، وقال السيوطي:
إنه بدل الاشتمال ووافقه أبو البقاء وهو الأظهر معنى. وإن كان الأوّل أظهر لفظاً وقد حققته في
حاشيتي الجمالين على الجلالين(٢). (﴿ذريتهم)) الجمهور على الإفراد وبعضهم على الجمع
(الآية) بالحركات الثلاث (قال عمر: سمعت رسول الله وَّةٍ يُسأل) بصيغة المفعول (عنها) أي
عن هذه الآية (فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره) أي ظهر آدم (بيمينه) أي بقدرته وقوّته،
قال الطيبي ينسب الخير إلى اليمين، ففيه تنبيه على تخصيص آدم بالكرامة، وقيل: بيد بعض
(١) وفي المستدرك نحوه ٢/ ٤٩٨.
الحديث رقم ٩٥: أخرجه مالك في الموطأ ٨٩٨/٢ حديث رقم ٢ من كتاب القدر والترمذي ٢٤٨/٥
حديث رقم ٣٠٧٥ وقال حديث حسن وأبو داود في السنن ٧٩/٥ حديث ٤٧٠٣ وأحمد في
المسند ٤٤/١.
(٢) الجمالين على الجلالين لنور الدين علي بن سلطان محمد القاري ت (١٠١٠).

٢:٣٧٥
٢٧١
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
فاستخرَجَ منه ذُرِّيَّةً،
ملائكته وهو الملك الموكل على تصوير الأجنة أسند إليه تعالى للتشريف، أو لأنه الآمر
والمتصرف كما أسند إليه التوفي في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس﴾ [الزمر - ٤٢] وقال
تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ [النحل - ٢٨] ويحتمل أن يكون الماسح هو الله تعالى.
والمسح من باب التصوير والتمثيل. وقيل: هو من المساحة بمعنى التقدير كأنه قال: قدر وبين
ما في ظهره من الذرية، وقال البيضاوي في تفسيره: إن معنى الآية أنه نزل تمكين بني آدم من
العلم بربوبيته بنصب الدلائل وخلق الاستعداد فيهم وتمكنهم من معرفتها والإِقرار بها منزلة
الإشهاد والاعتراف تمثيلاً وتخييلاً فلا [قول] ثَمَّ ولا شهادة حقيقة. اهـ. وفيه أن هذا يرجع
إلى مذهب المعتزلة وإن كان أصله نقل عن الحسن البصري؛ وقال الإِمام الرازي: أطبقت
المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الحديث، لأن قوله ﴿من ظهورهم﴾ بدل من
﴿بني آدم﴾ فالمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً ولو
كان المراد الأخذ من ظهر آدم لقيل: من ظهره، وأجاب بأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى
أخرج الذرية من ظهور بني آدم، وأما أنه أخرج تلك الذرية من ظهر آدم فلا تدل الآية على
إثباته أو نفيه، والخبر قد دل على ثبوته فوجب القول بهما معاً بأن بعض الذر من ظهر بعض
الذر، والكل من ظهر آدم صوناً للآية، والحديث عن الاختلاف. قال بعض المحققين: إن بني
آدم من ظهره فكل ما أخرج من ظهورهم فيما لا يزال إلى يوم القيامة هم الذين أخرجهم الله
تعالى في الأزل من صلب آدم، وأخذ منهم الميثاق الأزلي ليعرف منه أن النسل المخرج فيما لا
يزال من أصلاب بنيه هو المخرج في الأزل من صلبه وأخذ منهم الميثاق الأوّل وهو المقالي
الأزلي، كما أخذ منهم فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني وهو الحالي الإنزالي.
والحاصل أن الله تعالى لما كان له ميثاقان مع بني آدم أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب
الأدلة الحاملة على الاعتراف الحالي، وثانيهما المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل بل يتوقف
على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أراد
عليه الصلاة والسلام أن يعلم الأمة ويخبرهم أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقاً
آخر أزلياً ما فقال ما قال من مسح ظهر آدم في الأزل وإخراج ذريته وأخذه الميثاق عليهم. اهـ.
وبهذا يزول كثير من الإشكالات فتأمل فيها حق التأمل، وقال القاضي في شرحه للمصابيح:
التوفيق بينهما أن يقال: المراد من بني آدم هو أولاده فكأنه صار اسماً للنوع كالإِنسان، والمراد
من الإِخراج توليد بعضهم من بعضهم على مر الزمان، واقتصر في الحديث على آدم لأنه
الأصل. اهـ. وفيه أن التوليد على [المر] الزماني ينافي الميثاقي الموصوف بالآتي فكيف يكون
الحديث تفسيراً للآية، ثم سنح لي بالبال [أنه يمكن] أن يقال: إنما اقتصر في الآية على الذرية
لظهور أمر آدم بالأدلة النقلية والعقلية خصوصاً من الإضافة الأبنية كما هو مقتضى الفصاحة
القرآنية والبلاغة الفرقانية الموصوفة بالإعجاز التي من جملة دلالاته صنعة الإطناب والإيجاز.
ولما فهم عليه الصلاة والسلام من السؤال بقرينة الحال موضع الإشكال لما وقع فيه من
الإجمال اقتصر على مقدار الحاجة من المقال فقال: (فاستخرج منه ذرية) قيل: قبل دخول آدم
أجود
تو؟
اجهزة

٢٧٢
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
فقال: خلقْتُ هؤلاءِ للجنَّةِ، وبعملِ أهل الجنةِ يعملون، ثُم مَسح ظهرهُ فاستخرَجَ منه ذريةً،
فقالَ: خلقتُ هؤلاءِ للنار، وبعملِ أهلِ النَّارِ يعملونَ)). فقال رجل: ففيمَ العَملُ؟ يا رسولَ
اللَّهِ! فقال رسولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِن اللَّهَ إِذا خلقَ العَبْدَ للجنَّةِ؛ استعملهُ بِعَمَلِ أهلِ الجنةِ حتى
يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنَّةِ فيدخِلُهُ بهِ الجنةَ، وإِذا خلق العبدَ للنار؛
........
الجنة بين مكة والطائف، وقيل: ببطن نعمان وأنه بقرب عرفة، وقيل: في الجنة وقيل: بعد
النزول منها بأرض الهند، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي وَلو أنه قال: «أخذ الله
الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنشرهم بين يديه
كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا﴾)). وسيجيء في الفصل الثالث
ما يدل على أن المراد من هذا الحديث هذا. ولما كان السائل بليغاً عارفاً بصناعة الكلام سكت
عند حصول المرام، ونقل السيد السند (١) عن الأزهار أنه قيل: شق ظهره واستخرجهم منه،
وقيل: إنه استخرجهم من ثقوب رأسه، والأقرب أنه استخرجهم من مسام شعرات ظهره.
(فقال: خلقت هؤلاء للجنة) وفي تقديمهم إشارة إلى معنى الحديث القدسي: ((سبقت رحمتي
غضبي)) (٢) (وبعمل أهل الجنة) أي من الطاعات (يعملون) إما في جميع عمرهم، أو في خاتمة
أمرهم (ثم مسح ظهره) أي بيده كما في نسخة، ولم يقل هنا بيمينه بخلافه فيما تقدم لأن اليمين
مظهر الخير وليظهر الفرق بين أهل الجنة والنار ولم يقل هنا بشمالة تأدباً، ومن ثم ورد: ((كلتا
يدي الرحمن يمين))(٣) لأن الشر المحض ليس له وجود في الكون. (فاستخرج منه ذرية.
فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار) أي من السيئات (يعملون) كما سبق، وفي الجمع
بين الخلق والعمل إشارة لطيفة إلى مذهب أهل السنة والجماعة المتوسطة بين الجبرية والقدرية
(فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟) الفاء دخل جواب الشرط المقدر وفي وقع موقع لام
الفرض(٤) أي إذا كان كما ذكرت يا رسول الله من سبق القدر ففي أي شيء يفيد العمل؟، أو
بأي شيء يتعلق العمل؟، أو فلأي شيء أمرنا بالعمل؟ يعني أنه حيث خلق له ولا يتصوّر تغييره
وتبديله يستوي عمله وتركه، ولما كان هذا جبراً محضاً مزجه بنوع من القدر المتعلق بالعمل
ليعتدل الأمر المستقيم والدين القويم الذي هو عبارة عن الجمع بين خلق الله وكسب العبد.
(فقال رسول الله وَله: ((إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله) أي جعله عاملاً ووفقه للعمل
(بعمل أهل الجنة) فيه إشارة إلى تقوية الجبر ولذا لا يذم إلا محض الجبر (حتى يموت على
عمل من أعمال أهل الجنة) إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن بالموت (فيدخله به الجنة)
الإدخال بالأفضال والدرجات بالأعمال والخلود بالنية في الأحوال. (وإذا خلق الله العبد للنار
=2+
(١) في المخطوطة ((سند)) من غير ال.
(٢) البخاري في صحيحه ٥٢٢/١٣ حديث ٧٥٥٣. ومسلم ٢١٠٨/٤ حديث ٢٧٥١.
(٣) مسلم ١٤٥٨/٣ حديث رقم ١٨٢٧.
(٤) في المخطوطة الغرض.

٢٧٣
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
استعملهُ بعملِ أهلِ النَّارِ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ النارِ فيدخِلُهُ به النَّارَ)). رواه
مالك، والترمذي، وأبو داود.
٩٦ . (١٨) وعن عبدِ اللهِ بن عمرو رضي الله عنه، قال: خرج رسولُ اللهِ وَّل، وفي
يديه كتابانٍ، فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان؟)) قلنا: لا، يا رسول الله! إِلا أن تخبرنا.
فقال للذي في يده اليمنى: ((هذا كتابٌ من ربِّ العالمينَ، فيه أسماءُ أهلِ الجنَّةِ،
٤٫٠٠
استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار)) الإدخال
بالعدل والدرجات بالعمل والخلود بالنية وطول الأمل، فلا يرد أن ظاهر العدل بالنسبة إلى من
كفر سبعين سنة أن لا يعذب زيادة عليها فإن نية الكافر أن لو عاش أبد الآباد لإصر على كفره
إما جهلاً وإما على وجه العناد. (رواه مالك والترمذي وأبو داود) وحسناه وأحمد وعبد الله بن
حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان(١) والآجري كذا
في الجامع الصغير، وفي الكبير فلذلك أقول: ((جف القلم على علم الله))(٢) رواه الطبراني وابن
جرير والبيهقي في السنن.
٩٦ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله وضّير وفي
يديه) وفي بعض النسخ: ((وفي يده)) كما في أكثر نسخ المصابيح فيراد بها الجنس (كتابان)
والواو للحال (فقال: أتدرون) أي أتعلمون (ما هذان الكتابان؟) الظاهر من الإشارة أنهما
حسيان، وقيل: تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه
رأي العين، فالنبي وَّ لما كوشف له بحقيقة هذا الأمر وأطلعه الله عليه اطلاعاً لم يبق معه
خفاء صوّر الشيء الحاصل في قلبه بصورة الشيء الحاصل في يده، وأشار إليه إشارة إلى
المحسوس (قلنا: لا) أي لا ندري (يا رسول الله إلا أن تخبرنا) استثناء مفرغ، أي لا نعلم
بسبب من الأسباب إلا بإخبارك إيانا، وقيل: الاستثناء منقطع، أي لكن إن أخبرتنا علمنا،
وكأنهم طلبوا بهذا الاستدراك إخباره إياهم. (فقال: للذي في يده اليمنى) أي لأجله وفي شأنه،
أو عنه، وقيل: ((قال)) بمعنى أشار فاللام بمعنى إلى (هذا كتاب من رب العالمين) خصه بالذكر
دلالة على أنه تعالى مالكهم وهم له مملوكون يتصرف فيهم كيف يشاء فيسعد من يشاء ويشقي
من يشاء وكل ذلك عدل وصواب فلا اعتراض لأحد عليه، وقيل: الظاهر أن هذا كلام صادر
على طريق التصوير والتمثيل مثل الثابت في علم الله تعالى، أو المثبت في اللوح بالمثبت
بالكتاب الذي كان في يده، ولا يستبعد اجراؤه على الحقيقة فإن الله تعالى قادر على كل شيء
والنبي ◌َّ مستعد لإدراك المعاني الغيبية ومشاهدة الصور المصوغة لها. (فيه أسماء أهل الجنة
(١) أخرجه ابن حبان ١٤/٨ حديث رقم ٦١٣٣.
(٢) وأخرجه الترمذي ٢٦/٥ حديث ٢٦٤٢ والبخاري تعليقاً ٤٩١/١١.
الحديث رقم ٩٦: أخرجه الترمذي ٣٩١/٤ حديث رقم ٢١٤١ وقال هذا حديث حسن غريب صحيح.
وأخرجه أحمد في المسند ١٦٧/٢.
د عبده

٢٧٤
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
وأسماءُ آبائِهِم وقبائِلِهِم، ثم أَجمِلَ على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبداً». ثم قال
للذي في شماله: ((هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماءُ أهلِ النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم،
وأسماء آبائهم وقبائلهم) الظاهر أن كل واحد من أهل الجنة وأهل النار يكتب أسماؤهم وأسماء
آبائهم وقبائلهم سواء كانوا من أهل الجنة أو النار للتمييز التام كما يكتب في الصكوك، قال.
الأشرف: أهل الجنة تكتب أسماؤهم وأسماء آبائهم وقبائلهم الذين هم أهل النار في الكتاب
الذي باليمين وبالعكس في أهل النار، وإلا فالآباء والأبناء إذا كانوا من جنس أهل الجنة أو من
جنس أهل النار فلا حاجة إلى إفراد ذكرهم لدخولهم تحت قوله: (فيه أسماء أهل الجنة وفيه
أسماء أهل النار)). (ثم أجمل على آخرهم) من قولهم: أجمل الحساب إذا تمم ورد التفصيل
إلى الإِجمال وأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته كما هو عادة المحاسبين أن يكتبوا
الأشياء مفصلة ثم يوقعوا في آخرها فذلكة ترد التفصيل إلى الإِجمال. وضمن ((أجمل)) معنى
أوقع فعدى بعلى، أي أوقع الإجمال على من انتهى إليه التفصيل، وقيل: ضرب بالإِجمال
على آخر التفصيل، أي كتب ويجوز أن يكون حالاً، أي أجمل في حال انتهاء التفصيل إلى
آخرهم فعلى بمعنى إلى (فلا يزاد فيهم) جزاء شرط، أي إذا كان الأمر على ما تقرر من
التفصيل والتعيين والإِجمال بعد التفصيل في الصك فلا يزاد فيهم (ولا ينقص) بصيغة المجهول
(منهم أبداً) لأن حكم الله لا يتغير، وأما قوله تعالى: ﴿لكل أجل كتاب * يمحو الله ما يشاء
ويثبت﴾ [الرعد - ٣٨ - ٣٩] فمعناه لكل انتهاء مدة وقت مضروب فمن انتهى أجله يمحوه ومن
بقي من أجله يبقيه على ما هو مثبت فيه، وكل ذلك مثبت عند الله في أم الكتاب وهو القدر كما
أن ما يمحو ويثبت هو القضاء، فيكون ذلك عين ما قدر وجرى في الأزل كذلك فلا يكون
تغيير، أو المراد منه محو المنسوخ من الأحكام وإثبات الناسخ، أو محو السيئات من التائب
وإثبات الحسنات بمكافأته وغير ذلك. ويمكن أن يقال: المحو والإثبات يتعلقان بالأمور
المعلقة دون الأشياء المحكمة والله أعلم. ففي الجامع الصغير برواية الطبراني عن ابن عباس
مرفوعاً: ((إن الله تعالى خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور
وكتابه نور الله في كل يوم ستون وثلثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل
ما يشاء))(١)، قال ابن حجر: ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم
الكتاب﴾ [الرعد - ٣٩] لما مر أن المحو والإثبات إنما هو بالنسبة لما في اللوح المحفوظ وعلم
الملائكة لأن الأشياء فيه قد تكون معلقة على أسباب يتغير بوجودها وفقدها لا لأم الكتاب
المراد بها علم الله تعالى القديم لأنه لا محو فيه ولا إثبات. وسر ذلك التعليق مع أنه لا يقطع
إلا الموافق للعلم القديم مزيد التعمية على الملائكة المطلعين على ذلك، وتحقيق انفراده تعالى
بعلمه القديم، وإنه لا يمكن أحداً أن يطلع عليه إلا بالنسبة لجزئيات معينة كإعلامه عليه الصلاة
والسلام لجماعة من أصحابه على التعيين أنهم من أهل الجنة. (ثم قال للذي في شماله: هذا
كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم) والفاسق مسكوت عنه كما
(١) ذكره في الجامع الصغير ١٠٨/١ حديث رقم ١٧٣٧.

٢٧٥
٠٫٤٥
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
ثم أجمل على آخرهم؛ فلا يزادُ فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبداً)). فقال أصحابه: فقيم العملُ يا
رسول الله إِن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: ((سَدّدوا وقاربوا؛ فإِن صاحبَ الجنة يُخْتَمُ له بعملٍ
أَهلِ الجنة وإِن عملَ أي عملٍ وإِن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإِن عمل أي
عمل)). ثم قال رسول الله وَّار بيديه فنبذهما، ثم قال: «فرغ ربُّكُم من العبادِ
هو دأب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في جميع الأحكام الوعدية والوعيدية ليكون بين
الخوف والرجاء راضياً بما جرى عليه من القضاء، والأظهر أنه مكتوب في أهل الجنة لأن مآله
إليها وإن دخل النار فإن الخاتمة هي المدار عليها. (ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا
ينقص منهم أبداً فقال أصحابه) رضي الله عنهم: (فقيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ
منه؟) بصيغة المجهول، يعني إذا كان المدار على كتابة الأزل فأي فائدة في اكتساب العمل؟
(فقال: سددوا) أي اجعلوا أعمالكم مستقيمة على طريق الحق (وقاربوا) أي اطلبوا قربة الله
تعالى بطاعته بقدر ما تطيقونه، والجواب من أسلوب الحكيم، أي فيم أنتم من ذكر القدر
والاحتجاج به وإنما خلقتم للعبادة فاعملوا وسددوا وقاربوا قاله الطيبي. وقال الشيخ ابن حجر
في شرح البخاري: سددوا، أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط وتفريط وقاربوا، أي
إن لم تستيطعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه. وقال الكرماني: وقاربوا في العبادة ولا
تباعدوا فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه، أو معناه ساعدوا. يقال: قاربت فلاناً إذا ساعدته،
أي ليساعد بعضكم بعضاً في الأمور. وحاصل الجواب والله أعلم بالصواب نفي الجبر والقدر
وإثبات الحكم باعتدال الأمرين كتابة الأزل وسراية العمل، أو لأن الأعمال أمارات وعلامات
فلا بد من وجودها إذ لا يعمل الله تعالى بمجرد علمه والله أعلم. ولذا قال ◌َ له: (فإن صاحب
الجنة يختم له) بصيغة المجهول (بعمل أهل الجنة) أي بعمل مشعر بإيمانه ومشير بإيقانه (وإن
عمل) أي ولو عمل قبل ذلك (أي عمل) من أعمال أهل النار (وإن صاحب النار يختم له بعمل
أهل النار) أعم من الكفر والمعاصي (وإن عمل أي عمل) أي قبل ذلك (من أعمال أهل الجنة،
ثم قال رسول الله ير:) أي أشار (بيديه) العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال فتطلقه
على غير الكلام واللسان فتقول: قال: بيده، أي أخذ وقال برجله، أي مشى:
وقالت له العينان: سمعاً وطاعة * وحذّرتا كالدر لما يثقب
أي أومأت، وقال بالماء على يده، أي قلب وقال بثوبه، أي رفعه (فنبذهما) أي طرح ما
فيهما من الكتابين قيل: وراء ظهره، وفي الأزهار: الضمير في نبذهما لليدين لأن نبذ الكتابين
بعيد من دأبه. اهـ. وفيه أن نبذهما ليس بطريق الإهانة، بل إشارة إلى أنه نبذهما إلى عالم
الغيب. ثم هذا كله إذا كان هناك كتاب حقيقي وأما على التمثيل فيكون المعنى نبذهما، أي
اليدين. قال بعضهم: قوله: قال بيديه فنبذهما بمنزلة قوله: ((جف القلم بما أنت لاق)) كناية
عن أن هذا الأمر قد فرغ منه فصار كما تخلفه وراء ظهرك فيكون معنى قوله: (ثم قال: فرغ
ربكم) تفسيراً لهذا الفعل ويكون نتيجة لهذا الكلام (من العباد) قال الأشرف أي من أمر العباد،
والمراد بالأمر الشأن، أي قدر أمرهم لما قسمهم قسمين وقدر لكل قسم على التعيين كونه من

٢٧٦
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
﴿فريقٌ في الجنة وفريق في السعير ﴾)) رواه الترمذي.
٩٧ . (١٩) وعن أبي خِزامة، عن أبيه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّهِ! أَرأَيْتَ رُقىّ
نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتُقَاةً نَتَّقِيها، هل تَرُدُّ من قَدَرِ الله شيئاً؟ قال: ((هي من قَدَر
الله))
أهل الجنة أو النار بحيث لا يقبل التغيير فكأنه فرغ من أمرهم وإلا فالفراغ لا يجوز عليه تعالى.
(﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾) يمكن أن يكون هذا استشهاداً من القرآن واعتضاداً
بالفرقان على أن أمر الفريقين مبهم عندنا ومجمل ومعلوم عنده تعالى ومفصل، ويمكن أن
يكون موافقة لفظية ومطابقة معنوية بنوع من الاقتباسات الحكمية والتضمنات بالكلمات الإلهية
والله تعالى أعلم. (رواه الترمذي).
٩٧ - (وعن أبي خزامة) بكسر الخاء وتخفيف الزاء (عن أبيه) وقد اختلف فيه فرُوي
هكذا، ورُوي عن ابن أبي خزامة عن أبيه، والأول أصح، وفي اسم الراوي أبي خزامة خلاف
للمحدثين، قال المصنف: هو أبو خزامة بن يعمر أحد بني الحرث بن سعد روى عن أبيه وعنه
الزهري وهو تابعي (قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها) جمع رقية كظلم جمع
ظلمة، وهي ما يقرأ لطلب لشفاء، والاسترقاء طلب الرقية. (ودواء) بالنصب (نتداوى به) أي
نستعمله (وتقاة) بضم أوله (نتقيها) أي نلتجىء بها، أو نحذر بسببها. وأصل تقاة وقاة من وقى
وهي: اسم ما يلتجىء به الناس من خوف الأعداء كالترس وهو ما يقي من العدوّ، أي يحفظ.
ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الإتقاء فالضمير في ((نتقيها))(١) للمصدر قيل: وهذه المنصوبات
أعني رقى وما عطف عليها موصوفات بالأفعال الواقعة بعدها، ومتعلقة بمعنى أرأيت أي
أخبرني عن رقى نسترقيها فنصبت على نزع الخافض، ويجوز أن يتعلق بلفظ ((أرأيت)) والمفعول
الأول الموصوف مع الصفة والثاني الاستفهام بتأويل مقولاً في حقها (هل ترد) أي هذه الأسباب
(من قدر الله شيئاً؟ قال: هي) أي المذكورات الثلاث (من قدر الله) أيضاً، يعني كما أن الله قدّر
الداء قدّر زواله بالدواء، ومن استعمله ولم ينفعه فليعلم أن الله تعالى ما قدّره. قال في النهاية:
جاء في بعض الأحاديث جواز الرقية كقوله عليه الصلاة والسلام: ((استرقوا لها فإن بها
النظرة))(٢)، أي اطلبوا لها من يرقيها، وفي بعضها النهي عنها كقوله عليه الصلاة والسلام في
باب التوكل: ((الذين لا يسترقون ولا يكتوون)) (٣) والأحاديث في القسمين كثيرة. ووجه الجمع
أن ما كان من الرقية بغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة، أو بغير اللسان
العربي وما يعتقد منها أنها نافعة لا محالة فيتكل عليها فإنها منهية وإياها أراد عليه الصلاة
الحديث رقم ٩٧ : أخرجه أحمد في المسند ٤٢١/٣. والترمذي ٣٤٩/٤ حديث رقم ٢٠٦٥ وقال حديث
حسن صحيح وابن ماجة في السنن ١١٣٧ حديث رقم ٣٤٣٧.
(١) في المخطوطة ((نتقي بها)).
(٢) البخاري ١٩٩/١٠ حديث ٥٧٣٩ ومسلم ١٧٢٥/٤ حديث ٢١٩٧.
(٣) البخاري ١٥٥/١٠ حديث رقم ٥٧٠٥. ومسلم ١٩٩/١ حديث ٢٢٠.

٢٧٧
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة.
٩٨. (٢٠) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله وَّر، ونحن
نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهُهُ، حتى كأنما فُقىء في وجنتيه حبُّ الرمان،
فقال: ((أبهذا أُمِرِتُمْ؟ أم بهذا أُرْسِلْتُ إِليكم؟! إنما هلك من كان قَبْلَكُم حين تنازعوا في هذا
الأمر، عَزَمْتُ عليكم، عَزَمْتُ عليكم ألا(١) تتنازَعُوا فيه)).
والسلام بقوله: ((ما توكل من استرقى))، وما كان على خلاف ذلك كالتعوّذ بالقرآن وأسماء الله
تعالى والرقى المروية فليست بمنهية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام للذي رقى بالقرآن وأخذ
عليه أجراً: ((من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق))، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا
رقية إلا من عين أو حمة))(٢) فمعناه لا رقية أولى وأنفع منهما، قال ابن حجر: وبتحريم الرقية
بغير العربي صرحت أئمة المذاهب الأربعة. (رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح
وصححه الحاكم(١) أيضاً) وابن ماجة.
٩٨ - (وعن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: ((خرج علينا رسول الله(وَّر ونحن نتنازع) أي
حال كوننا نتباحث (في القدر) أي في شأنه، فيقول بعضنا: إذا كان الكل بالقدر فلم الثواب
والعقاب كما قالت المعتزلة؟ والآخر يقول: فما الحكمة في تقدير بعض للجنة وبعض للنار؟
فيقول الآخر: لأن لهم فيه نوع اختيار كسبي، فيقول الآخر: فمن أوجد ذلك الاختيار والكسب
وأقدرهم عليه وما أشبه ذلك؟ (فغضب حتى احمر وجهه) أي نهاية الإِحمرار (حتى) أي حتى
صار من شدة حمرته (كأنما فقىء) بصيغة المفعول، أي شق أو عصر (في وجنتيه) أي خديه
(حب الرمان) فهو كناية عن مزيد حمرة وجهه المنبئة عن مزيد غضبه. وإنما غضب لأن القدر
سر من أسرار الله تعالى وطلب سر الله منهي، ولأن من يبحث فيه لا يأمن من أن يصير قدرياً
أو جبرياً، والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سر ما لا يجوز طلب سره
(فقال) عليه الصلاة والسلام: (أبهذا) أي أبالتنازع في القدر (أمرتم) وهمزة الاستفهام للإنكار،
وتقديم المجرور لمزيد الاهتمام (أم بهذا أرسلت إليكم؟) أم منقطعة بمعنى بل، والهمزة وهي
للإنكار أيضاً ترقياً من الأهون إلى الأغلظ وإنكاراً غب إنكار (إنما هلك من كان قبلكم) أي من
الأمم جملة مستأنفة جواباً عما اتجه لهم أن يقولوا: لم تنكر هذا الإنكار البليغ؟ (حين تنازعوا
في هذا الأمر) وهذا يدل على أن غضب الله وإهلاكهم كان من غير إمهال ففيه زيادة وعيد
(عزمت) أي أقسمت أو أوجبت (عليكم) قيل: أصله عزمت بإلقاء اليمين وإلزامها عليكم
([عزمت عليكم] أن لا تنازعوا) بحذف إحدى التاءين (فيه))) ولا تبحثوا في القدر بعد هذا، قال
٣٫٦*٠٫٠٠
(١) في المخطوطة أن لا.
(٢) البخاري ١٥٥/١٠ حديث رقم ٥٧٠٥. ومسلم ١٩٩/١ حديث ٢٢٠.
(٣) الحاكم في المستدرك ٤/ ٤٠٢.
الحديث رقم ٩٨: أخرجه الترمذي ٣٨٦/٤ حديث رقم ٢١٣٣.

٢٧٨
٠٠٠٠
٨٠.٠
/٩ ٠٠٠٠٢
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه الترمذي.
٩٩. (٢١) وروى ابن ماجة نحوَه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
١٠٠. (٢٢) وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إن
الله خلقَ آدَمَ من قبضةٍ
ابن الملك: أن هذه يمتنع كونها مصدرية وزائدة لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة، وأن لا
تزاد مع لا فهي إذا مفسرة كأقسمت أن لأضربت، وتنازعوا جزم بلا الناهية ويجوز أن تكون
مخففة من الثقيلة لأنها مع اسمها وخبرها سدت مسد الجملة كذا قاله زين العرب. (رواه
الترمذي) أي بهذا اللفظ عن أبي هريرة، وقال: لا نعرف الحديث إلا من رواية صالح المري
وله غرائب ينفرد بها. اهـ. وقال في ميزان الاعتدال: صالح بن بشير الزاهد المري الواعظ
ضعفه ابن معين وغيره.
٩٩ - (وروى ابن ماجة نحوه) أي بالمعنى (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده).
اعلم أن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو عبد الله على
الصحيح أحد علماء زمانه. روى عن البخاري أن أحمد وجماعة يحتجون بحديث عمر ولكن
البخاري ما احتج به في جامعة، قال أبو زرعة: إنما أنكروا حديثه لكثرة روايته وإنما سمع
أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عندها فرواها وشعيب لا نعرفه ولكن ما علمت أحداً وثقة،
بل ذكره ابن حبان في تاريخ الثقات، وقال ابن عدي: عمرو بن شعيب ثقة إلا أنه إذا روى عن
أبيه عن جده عن النبي وَ ل# يكون مرسلاً، قلت: قد ثبت سماعه عن عبد الله وهو الذي رباه
حتى قيل: إن محمداً مات في حياة أبيه عبد الله، وكفل شعيباً جده عبد الله كذا في الميزان
للذهبي. وقال بعض المحققين: الصحيح أن الضمير في ((جده)) راجع إلى شعيب، وكثيراً ما
وقع في رواية أبي داود والنسائي وغيرهما بلفظ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله
ابن عمرو بن العاص فحديثه لا طعن فيه، وقال الإمام النووي: أنكر بعضهم حديث عمرو عن
أبيه عن جده باعتبار أن شعيباً سمع من محمدٍ لا عن جده عبد الله فيكون حديثه مرسلاً، لكن
الصحيح أنه سمع من جده عبد الله فحديثه بهذا الطريق متصل لكن لاحتمال أن يراد بجده في
الإِسناد محمد لا عبد الله لم يدخل حديثه بهذا الإسناد في الصحاح وإن احتجوا به، وقال
الشيخ ابن حجر في شرح البخاري: ترجمة عمرو قوية على المختار حيث لا تعارض والله
أعلم، كذا حرره ميرك شاه [رحمه الله].
١٠٠ - (وعن أبي موسى قال: سمعت رسول الله وَلاير يقول: ((إن الله خلق آدم من قبضة)
الحديث رقم ٩٩: أخرجه ابن ماجة في المقدمة لسننه ٣٣/١ حديث رقم ٨٥. وأحمد في المسند ١٧٨/٢.
الحديث رقم ١٠٠ : أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٠٠. وأخرجه أبو داود في سننه ٥/ ٦٧ حديث رقم
٤٦٩٣. وأخرجه الترمذي ١٨٧/٥ حديث رقم ٢٩٥٥.

٢٧٩
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
قبَضها من جميعِ الأرضِ، فجاء بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، منهُم الأحمرُ والأبيضُ والأسودُ
وبين ذلك، والسَّهلُ والحَزْنُ، والخبيثُ والطَّبُ)).
بالضم ويفتح، ومن ابتدائية متعلقة بخلق، أو بيانية حال من آدم. (قبضها) أي أمر الملك
بقبضها، والقبضة بالضم ملء الكف، وربما جاء بفتح القاف كذا في الصحاح، وفي القاموس
القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شيء، وفي النهاية القبض الأخذ بجميع الكف والقبضة
المرة منه وبالضم الاسم منه. (من جميع الأرض) يعني وجهها أي من جميع ما قدر الله أن
يسكنه بنو آدم من الأرض وليس مراده من جميع الأرض لأن من الأرض ما لا يصل إليه قدم
آدمي؛ والقابض من جميع الأرض هو عزرائيل عليه الصلاة والسلام فنسب الفعل إليه تعالى
لأنه بأمره وإرادته، ولما كان عزرائيل متولي القبضة وُلي قبض الأرواح من أجسادها ليرد وديعة
الله التي قبضها من الأرض إليها كذا قاله زين العرب. وفيه إشارة إلى آية: ﴿منها خلقناكم وفيها
نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه - ٥٥] هذا وذكر السيوطي رحمه الله في الدر المنثور
عن أبي هريرة قال: خلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة، قالوا: كيف خلقت قبل وهي من
الأرض؟ قال: كانت خشفة على الماء، وهي بالخاء والشين المعجمتين والفاء، أي حجرة، أو
أكمة، أو جزيرة عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة؛ فلما أراد الله أن يخلق الأرض
دحاها منها فجعلها في وسط الأرض، فلما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكاً من حملة العرش
يأتي بتراب من الأرض، فلما هوى ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني
اليوم شيئاً يكون منه للنار نصيب غداً فتركها، فلما رجع إلى ربه قال: ما منعك أن تأتي بما
أمرتك، قال: سألتني بك فعظمت أن أرد شيئاً سألني بك، فأرسل آخر فقال: مثل ذلك حتى
أرسلهم كلهم، فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك، قال: ((إن الذي أرسلني أحق بالطاعة
منك، فأخذ من وجه الأرض كلها من طيبها وخبيثها حتى كانت قبضة عند موضع الكعبة، فجاء
به إلى ربه فصب عليه من ماء الجنة، فجاء حمأ مسنوناً فخلق منه آدم بيده)) الحديث. (فجاء
بنو آدم على قدر الأرض) أي مبلغها من الألوان والطباع (منهم الأحمر والأبيض والأسود)
بحسب ترابهم، وهذه الثلاثة هي أصول الألوان وما عداها مركب منها وهو المراد بقوله: (وبين
ذلك) أي بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه (والسهل) أي، ومنهم السهل، أي
اللين (والحزن) بفتح الحاء وسكون الزاي، أي الغليظ (والخبيث) أي خبيث الخصال
(والطيب))) على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير الله تعالى لوناً وطبعاً وخلقاً، قال الطيبي: ولما
كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإِنسان والأرض أجريت على حقيقتها، وأوّلت الأربعة
الأخيرة لأنها من الأخلاق الباطنة؛ فإن المعنى بالسهل الرفق واللين وبالحزن الخرق والعنف،
وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي هو نفع كله، وبالخبيث الذي يراد به
الأرض السبخة الكافر الذي هو ضر كله، والذي سيق له الحديث هو الأمور الباطنة لأنها داخلة
في حديث القدر بالخير والشر، وأما الأمور الظاهرة من الألوان وإن كانت مقدرة فلا اعتبار لها
فيه. اهـ. ويمكن أن يكون لها اعتبار إشارة إلى أن هذه الأوصاف والآثار بمنزلة هذه الألوان
في كونها تحت الأقدار، غايته أن الأوصاف قابلة للزيادة والنقصان بحسب الطاعة والإمكان
٠٠" احمر

٢٨٠
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه أحمد، والترمذي وأبو داود.
١٠١. (٢٣) وعن عبدِ اللهِ بن عمرو رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَهـ
يقول: ((إِن اللَّهَ خَلَقَ خلْقَةُ في ظُلْمَةٍ، فألقى عليهم من نورِهِ، فمن أصابَهُ من ذلك النُّورِ
اهتدى، ومن أَخطَأَهُ ضَلَّ، فلذلك أقولُ: جَفَّ القلمَ على علم الله)).
المجاهدة الإنسان بخلاف الألوان، وإن نظرت إلى الحقيقة فلا تبديل ولا تغيير لخلق الله، وهذا
٤٥٠
معنى قوله: ((جف القلم على علم الله)) (رواه أحمد والترمذي وأبو داود) وكذا الحاكم(١)
والبيهقي.
١٠١ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: سمعت رسول الله وَليل يقول: ((إن الله خلق
خلقه) أي الثقلين من الجن والإنس لا الملائكة (في ظلمة) أي كائنين في ظلمة النفس الأمارة
بالسوء المجبولة بالشهوات المردية والأهواء المضلة والركون إلى المحسوسات والغفلة عن
عالم الغيب (فألقى) أي رش (عليهم) شيئاً (من نوره) فمن نوره صفة محذوف، أي شيئاً منه،
ومن للتبيين، أو للتبعيض، أو زائدة. والمراد منه نور الإيمان والمعرفة والإيقان والطاعة
والإِحسان (فمن أصابه من ذلك النور) أي نوره المعنوي الواصل إليه. والنور مجرور ويجوز أن
يرفع على أنه فاعل أصابه ومن ذلك حال منه ذكره العيني. (اهتدى) أي إلى طريق الجنة (ومن
أخطأه) أي ذلك النور يعني جاوزه ولم يصل إليه (ضل) أي خرج عن طريق الحق، وقيل:
المراد بالنور الملقى إليهم ما نصب من الشواهد والحجج وما أنزل إليهم من الآيات والنذر، إذ
لولا ذلك لبقوا في ظلمات الضلالة في بيداء الجهالة، وقيل: المراد بالظلمة كالحرص والحسد
والكبر وغيرها من الأخلاق الذميمة وبالنور التوفيق والهداية بقلع ذلك، فمن وفقه لذلك اهتدى
ومن لم يوفقه ضل وغوى، وقيل: المراد بالظلمة الجهالة وبالنور المعرفة، يعني خلق الله
الخلق جاهلين به وبصفاته فعرفهم ذاته وصفاته ليعرفوه، وقيل: المراد أنه خلق أرواحهم في
ظلمة وحيرة فألقى عليهم نور الرحمة والهداية ولولا ذلك لم يهتد إليه أحد:
لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا
قيل: ويمكن أن يحمل الحديث على خلق الذر المستخرج في الأزل من صلب آدم،
فعبر بالنور عن الألطاف الإلهية التي هي تباشير صبح الهداية وإشراق لمعات برق العناية. ثم
أشار بقوله: ((أصاب وأخطأ)) إلى ظهور تلك العناية فيما لا يزال من هداية بعض وضلال بعض
(فلذلك) أي من أجل أن الاهتداء والضلال قد جرى (أقول: جف القلم على علم الله») أي
على ما علم الله وحكم به في الأزل لا يتغير ولا يتبدل وجفاف القلم عبارة عنه، وقيل: من
أجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره من الإِيمان والطاعة والكفر والمعصية. ((أقول: جف
(١) الحاكم في المستدرك ٢٦١/٢.
الحديث رقم١٠١ : أخرجه أحمد في المسند ١٧٦/٢ . والترمذي ٢٦/٥ حديث رقم ٢٦٤٢ وقال حديث حسن.
٤٠ زعبوات