Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق
هلك الناس، وإِذا أصاب الناسَ موتٌ وأنت فيهم، فاثبت، وأنفِقْ على عيالك من طَوْلِكَ،
ولا ترفع عنهم عصاك أدباً وأخِفهم في الله)). رواه أحمد.
are،
٦٢. (١٤) وعن حُذيفة رضي الله عنه، قال: إِنما النفاقُ كان على عهد رسول الله
هلك الناس) أي بالفرار أو القتل وأن وصلية. قال ابن حجر: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل
أيضاً وإلا فقد علم من قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية [الأنفال: ٦٦] إن الكفار
حيث زادوا على المثلين جاز الانصراف (وإذا أصاب الناس موت) أي طاعون ووباء (وأنت
فيهم) الجملة حالية (فاثبت) لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا وقع الطاعون ببلد وأنتم فيه فلا
تخرجوا منه وإذا وقع ببلد ولستم فيه فلا تدخلوا إليه))(١). وحكمة الأول أن أهل البلد لو مكنوا
من ذلك لذهبوا وتركوا المرضى فيضيعوا، والثاني أن من قدم ربما أصابه فيسند ذلك إلى قدومه
فيزل قدمه. ومحل الأمرين حيث لا ضرورة إلى الخروج أو الدخول وإلا فلا إثم كما هو
الظاهر (وانفق على عيالك) بكسر العين، أي من تجب عليك نفقته شرعاً ومحل بسطه كتب
الفقه. (من طولك) بفتح أوّله، أي فضل مالك، وفي معناه الكسب بقدر الوسع والطاقة على
طريق الاقتصاد والوسط في المعتاد. (ولا ترفع (٢) عنهم عصاك أدباً) مفعول له، أي للتأديب لا
للتعذيب. والمعنى إذا استحقوا الأدب بالضرب فلا تسامحهم كقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون
نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ [النساء - ٣٤] على الترتيب الذكري
(وأخفهم في الله) أي أنذرهم في مخالفة أوامر الله ونواهيه بالنصيحة والتعليم وبالحمل على
مكارم الأخلاق من إطعام الفقير وإحسان اليتيم وبر الجيران وغير ذلك (رواه أحمد) وكذا
الطبراني في الكبير وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع، فإن عبد الرحمن بن جبير بن
نفير لم يسمع من معاذ.
٦٢ - (وعن حذيفة) [رضي الله عنه] موقوفاً هو حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسيل
بالتصغير واليمان لقبه وكنية حذيفة أبو عبد الله العبسي بفتح العين وسكون الباء، هو صاحب
سر رسول الله ◌َ و روى عنه عمر وعلي وأبو الدرداء وغيرهم من الصحابة والتابعين، ومات
بالمدائن وبها قبره سنة خمس وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة. (قال: إنما النفاق كان على
عهد رسول الله (وَ) يعني أن حكم المنافقين من إبقاء أرواحهم وإجراء أحكام المسلمين عليهم
إنما كان على عهد رسول الله وَلقر بناء على مصالح منها أن المؤمنين إذا ستروا على المنافقين
أحوالهم خفي على المخالفين حالهم وحسبوا أنهم من جملة المسلمين فيجتنبوا عن مخاشنتهم
لكثرتهم بل أدى ذلك إلى أن يخافوا(٣) وتقل شوكتهم ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله
(١) البخاري ١٧٨/١٠ حديث رقم ٥٧٢٨.
(٢) في المخطوطة ((ترجع)).
الحديث رقم ٦٢ : أخرجه البخاري في صحيحه ٦٩/١٣ حديث ٧١١٤.
(٣) في المخطوطة ((يخافون)) والصواب ما ذكر لعمل ان.

٢٢٢
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
فأما اليوم، فإِنما هو الكفر، أو الإِيمان. رواه البخاري.
(٢) باب الوسوسة
الفصل الأول
٦٣. (١) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله [ تعالى ]
تجاوَزَ عن أُمَّتِي ما وَسْوَسَتْ به صُدورُهَا،
ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاف لهم))(١)، ومنها أن الكفار إذا سمعوا [مخاشنة] المسلمين مع
من يصحبهم كان ذلك سبباً لنفرتهم منه، ومنها أن من شاهد حسن خلقه عليه الصلاة والسلام
مع مخالفة رغب في صحبته ووافق معه سراً وعلانية ودخل في دين الله بوفور ونشاط (فأما
اليوم) أي بعد وفاة النبي ◌َّر (فإنما هو) أي الأمر والحكم يدل عليه سياق الكلام، أي الشأن
الذي استقر عليه الشرع [(الكفر أو الإيمان)] والضمير مبهم يفسره ما بعده، أي ليس الكائن
اليوم إلا الكفر أو الإِيمان ولا ثالث لهما يعني الكفر الصريح والقتل أو الإِيمان سراً وعلانية،
وأو للتنويع كما في قوله تعالى: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ [الفتح - ١٦] (رواه البخاري) في
كتاب الفتن.
(باب في الوسوسة)
الخواطر إن كانت تدعو إلى الرذائل فهي وسوسة، وإن كانت إلى الفضائل فهي إلهام
والأصح أنه ليس بحجة من غير المعصوم لأنه لائقة بخواطره.
(الفصل الأول)
٦٣ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاير: ((إن الله تجاوز) أي عفا
(عن أمتي) أي أمة الإِجابة، وفي رواية: ((تجاوز لي عن أمتي)) أي لم يؤاخذهم بذلك لأجلي
فله المنة العظمى التي لا منتهى لها علينا (ما وسوست به صدورها) بالرفع فاعلاً، أي ما خطر
في قلوبهم من الخواطر الرديئة، فهو من مجاز المجاورة ويجوز نصبه مفعولاً به، قيل: فيه نظر
(١) الطبراني.
الحديث رقم ٦٣: أخرجه البخاري في صحيحه ١٦٠/٥ حديث رقم ٢٥٢٨. وأخرجه مسلم ١١٦/١
حديث (١٢٧.٢٠٢) وأخرجه أبو داود في السنن ٦٥٧/٢ حديث رقم ٢٢٠٩. وأخرجه النسائي
في سننه ١٥٦/٦ حديث رقم ٣٤٣٤. وأخرجه الترمذي في السنن ٤٨٩/٣ حديث رقم ١١٨٣.
وابن ماجة في السنن ٦٥٨/١ حديث رقم ٢٠٤٠ وأحمد في مسنده ٣٩٣/٢.

٢٢٣
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
ما لم تَعمل به أو تَتَكَلِّمْ)).
لأن الوسوسة لازم، نعم وجه النصب الظرفية إن ساعدته الرواية ورُوي: ((ما حدثت به أنفسها)»
بالرفع والنصب بدله (ما لم تعمل به) أي ما دام لم يتعلق [به] العمل إن كان فعلياً (أو تتكلم)))
به أي ما لم تتكلم به إن كان قولياً، كذا في الأزهار قال صاحب الروضة في شرح صحيح
البخاري: المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ
بها، فقوله وَطّر: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها)) محمول على ما إذا لم تستقر
ذلك معفو بلا شك لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار. ثم نقل صاحب الأزهار عن
الأحياء ما حاصله أن لأعمال القلب أربع مراتب: الأول الخاطر كما لو خطر له صورة أمرأة
مثلاً خلف ظهره في الطريق لو التفت إليها يراها، والثاني: هيجان الرغبة إلى الالتفات إليها
ونسميه ميل الطبع والأول حديث النفس، والثالث: حكم القلب بأن يفعل أي ينظر إليها فإن
الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف وهي الحياء والخوف من الله تعالى
أو من عباده ونسميه اعتقاداً، والرابع: تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه ونسميه عزماً
بالقلب. أما الخاطر فلا يؤاخذ به وكذا الميل وهيجان الرغبة لأنهما لا يدخلان تحت الاختيار
وهما المرادان بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تجاوز عن أمتي)) الحديث، وأما الثالث وهو
الاعتقاد فهو مردد بين أن يكون اختياراً لا ينكره واضطراراً ينكره؛ فالاختياري يؤاخذ
والاضطراري لا يؤاخذ، وأما الرابع وهو العزم والهم بالفعل فإنه يؤاخذ به وعليه تنزل الآيات
التي دلت على مؤاخذة أعمال القلوب، إلا أنه إن ترك خوفاً من الله تعالى كتبت له حسنة لأن
همه سيئة وامتناعه عنها مجاهدة مع نفسه فتكون حسنة تزيد عليها، وإن تركها لعائق أوقاتها
ذلك لعدم الحصول كتبت عليه سيئة للعزم والهمة الجازمة(١)، والدليل القاطع على ذلك قول
رسول الله 8ّ في الحديث الصحيح المتفق على صحته: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل
والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل
صاحبه))(٢) وهذا صريح في أنه صار إلى النار ووقع فيها بمجرد العزم والنية وإن مات ولم يعمل
وقتل مظلوماً، وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب الجازمة؟(٣) والكبر والعجب والنفاق والحسد
وغيرها من الأوصاف الذميمة يؤاخذ بها، وقال رسول الله وَطير: ((الإِثم ما حاك في الصدر)) (٤)
وقال: ((البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإِثم ما حاك في نفسك وتردد في
صدرك وإن أفتاك الناس))(٥) ١ هـ. أقول الاستدلال بالحديث الأخير فيه نظر لأنه جعل الإثم
عين ما تردد في الصدر، وتقدم إن ما لم يستقر لا يكون إثماً، فمعنى الحديث إن ما تردد في
الصدر أنه إثم أو غير إثم ففعله، أثم احتياطاً، كما إذا تعارض دليل التحريم والتحليل في شيء
(١) في المخطوطة ((الجارية)).
(٢) البخاري في صحيحه ١٨٤/١٠ حديث رقم ٣١. ومسلم ٢٢١٤/٤.
(٣) في المخطوطة ((فإن)).
(٥) أحمد في المسند ٢٢٨/٤.
(٤) مسلم ٤/ ١٩٨٠ حديث رقم ٢٥٥٣.

٢٢٤
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
فيحرم، قيل: الحديث يدل على أن التجاوز المذكور خاصية هذه الأمة، وعلى التوجيه الذي
نقله صاحب الأزهار من الروضة والأحياء يلزم أنه يكون عاماً لجميع الأمم لأن ما لا يدخل
تحت الاختيار لا يؤاخذ به شخص من الأشخاص لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا
وسعها﴾ [البقرة - ٢٨٦] فالصواب ما قاله الطيبي: من أن الوسوسة ضرورية واختيارية؛
فالضرورية ما يجري في الصدور من الخواطر ابتداء ولا يقدر الإِنسان على دفعه فهو معفو عن
جميع الأمم، والاختيارية هي التي تجري في القلب وتستمر وهو يقصد ويعمل به ويتلذذ منه
كما يجري في قلبه حب امرأة ويدوم عليه ويقصد الوصول إليها وما أشبه ذلك من المعاصي،
فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة خاصة تعظيماً وتكريماً لنبينا عليه الصلاة والسلام وأمته إليه
ينظر قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ [البقرة - ٢٨٦]
وأما العقائد الفاسدة ومساوىء الأخلاق وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن (١) الدخول في
جملة ما وسوست به الصدور | هـ. وهو كلام حسن ولهذا قيده النبي وَّل بقوله: ((ما لم تعمل
أو تتكلم)) إشارة إلى أن وسوسة الأعمال والأقوال معفوة قبل ارتكابها، وأما الوسوسة التي لا
تعلق لها بالعمل والكلام من الأخلاق والعقائد فهي ذنوب بالاستقرار. وذكر الإمام النووي أن
مذهب القاضي أبي بكر بن الطيب إن من عزم على المعصية ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده
وعزمه، ويحمل ما وقع في أمثال قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوا
عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة))(٢) الحديث فيمن لم يوطن نفسه على المعصية وإنما مر ذلك
بفكره من غير استقرار ويسمى هذا هماً، ويفرق بين الهم والعزم وهذا مذهب القاضي أبي بكر
وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين وأخذوا بظاهر الحديث. وقال القاضي عياض: عامة السلف
وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على
المؤاخذة بأعمال القلوب لكنهم قالوا إن هذا العزم يكتب سيئة وليست السيئة التي هم بها
لكونها لم يعملها وقطع عنها قاطع غير خوف الله تعالى والإِنابة، لكن الإصرار والعزم معصية
فصار تركه لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة حسنة؛ فأما الهم الذي لا يكتب فهي
الخواطر التي لا يوطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم، وذكر بعض المتكلمين
خلافاً فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف الناس هل تكتب حسنة؟ قال: لا، لأنه
إنما حمله على تركها الحياء. وهذا الخلاف ضعيف لا وجه له هذا آخر كلام القاضي وهو
ظاهر حسن لا مزيد عليه. وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر من
ذلك قوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم﴾ [النور -
١٩] وقوله: ﴿اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات - ١٢] والآيات في هذا
كثيرة، وقد تظاهرت نصوص الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين
وإرادة المكروه بهم وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها، وقد تقدم الفرق بين ماله تعلق
(١) في المخطوطة ((من)).
(٢) مسلم ١١٧/١ حديث رقم ١٢٨.

٢٢٥
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
متفق عليه .
٦٤. (٢) وعنه، قال: جاء ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَ لهَ إِلى النبي وَلّر، فسألوه:
إِنَا نَجِدُ في أنفسنا ما يتعاظَمُ أحدُنا أن يتكلّمَ به! قال: ((أَوَ قَدْ وجدتموه؟)) قالوا: نعم.
قال: ((ذاك صريح الإيمان)).
بالعمل وبين ما ليس له تعلق به والله تعالى أعلم. وقيل: يؤاخذ بالهم بالمعصية في حرم مكة
دون غيرها، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن مسعود لقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بالحاد
بظلم﴾ الآية [الحج - ٢٥] ويرد بأن الإرادة هي القصد وهو العزم الذي هو أخص من الهم.
(متفق عليه) في الجامع الصغير رواه الجماعة عن أبي هريرة بلفظ: ((إن الله تجاوز لأمتي عما
حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به))(١) .
٦٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: جاء ناس) أي جماعة (من أصحاب
رسول الله وَيقر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسألوه: إنا نجد) واقع موقع الحال، أي سألوه
مخبرين أنا نجد، أو قائلين على احتمال فتح الهمزة والكسر، وقيل: على الفتح مفعول ثان
لسألوه، ثم الكسر أوجه حتى يكون بياناً للمسؤول عنه وهو مجمل يفسره الحديثان الآتيان (في
أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحة نحو من خلق الله؟ وكيف
هو؟ ومن أي شيء؟ وما أشبه ذلك مما يتعاظم [النطق] به لعلمنا أنه قبيح لا يليق شيء منها أن
نعتقده، ونعلم أنه قديم خالق الأشياء غير مخلوق، فما حكم جريان ذلك في خواطرنا؟
وتعاظم تفاعل بمعنى المبالغة لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى فإن الفعل الواحد إذا جرى بين
اثنين يكون مزاولته أشق من مزاولته وحده، ولذا قيل: المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي
للمبالغة، أي نستعظم غاية الاستعظام، وقوله: ((أحدنا)) رُوي برفع الدال، ومعناه يجد أحدنا
التكلم به عظيماً لقبحه، ويجوز النصب على نزع الخافض، أي يعظم ويشق التكلم به على
أحدنا (قال: أو قد وجدتموه؟) الهمزة للاستفهام التقريري، والواو المقرونة بها للعطف على
مقدر، أي أحصل ذلك وقد وجدتموه؟ والضمير لما يتعاظم، أي ذلك الخاطر في أنفسكم
تقريراً وتأكيداً، فالوجدان بمعنى المصادفة، أو المعنى أحصل ذلك الخاطر القبيح وعلمتم أن
ذلك مذموم غير مرضي؟ فالوجدان بمعنى العلم (قالوا: نعم، قال: ذاك (٢)) إشارة إلى مصدر
وجد، أي وجدانكم قبح ذلك الخاطر، أو مصدر يتعاظم، أي علمكم بفساد تلك الوساوس
وامتناع نفوسكم وتجافيها عن التفوّه بها (صريح الإيمان) أي خالصه يعني أنه إمارته الدالة
صريحاً على رسوخه في قلوبكم وخلوصها من التشبيه والتعطيل، لأن الكافر يصر على ما في
قلبه من تشبيه الله سبحانه بالمخلوقات ويعتقده حسناً. ومن استقبحها وتعاظمها لعلمه بقبحها
(١) الجامع الصغير ١٠٦/١ حديث رقم ١٧٠٤.
الحديث رقم ٦٤: أخرجه مسلم في صحيحه ١١٩/١ حديث رقم (١٣٢.٢٠٩).
(٢) في المخطوطة ((ذلك)).
4-28. 5

٢٢٦
کتاب الإيمان / باب الوسوسة
رواه مسلم.
٦٥. (٣) وعنه، قال: قال رسولَ الله وَلَهُ: ((يأتي الشيطانُ أحَدَكُم، فيقول: من خَلَقَ
كَذَا؟ منْ خلقَ كذا؟ حتى يقول: مَنْ خَلَقَ ربَّك؟ فإذا بلغه؛ فليستعِذْ باللّهِ ولينتهِ)).
وأنها لا تليق به تعالى كان مؤمناً حقاً وموقناً صدقاً فلا تزعزعه شبهة وإن قويت، ولا تحل عقد
قلبه ريبة وإن موّهت، ولأن من كان إيمانه مشوباً يقبل الوسوسة ولا يردها، وقيل: المعنى أن
الوسوسة أمارة الإِيمان لأن اللص لا يدخل البيت الخالي، ولذا روي عن علي [رضي الله عنه]
وكرم الله وجهه: ((إن الصلاة التي لا وسوسة فيها إنما هي صلاة اليهود والنصارى)) (رواه مسلم).
٦٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلاتي: يأتي الشيطان)
أي يوسوس إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الأنس والجن على طريق التلبيس (أحدكم
فيقول: من خلق كذا) يعني السماء مثلاً (من خلق كذا؟) يعني الأرض، وغرضه أن يوقعه في
الغلط والكفر ويكثر السؤال على هذا المنوال (حتى يقول: من خلق ربك؟) وهو قديم خالق
كل شيء (فإذا بلغه) ضمير الفاعل لأحدكم، وضمير المفعول راجع إلى مصدر ((يقول)) أي إذا
بلغ أحدكم هذا القول يعني من خلق ربك، أو التقدير بلغ الشيطان هذا القول (فليستعذ بالله)
طرداً للشيطان إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر - ٤٠] وإيماء إلى
قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا حول ولا قوّة إلا بالله)) فإن العبد بحوله وقوّته ليس له قوّة
المغالبة مع الشيطان ومجادلته، فيجب عليه أن يلتجىء إلى مولاه يعتصم بالله من الشيطان الذي
أوقعه في هذا الخاطر الذي لا أقبح منه فيقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويلوذ
بجنانه إلى جنابه أن يدفع عنه شره وكيده فإنه مع اللطف الإلهي لا أضعف منه ولا أذل، فإنه
مشبه بالكلب الواقف على الباب، ولذا قال تعالى: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفاً﴾ [النساء -
٧٦] أي بالنسبة إلى القوّة الإلهية فلا ينافي قوله تعالى حكاية: ﴿إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف -
٢٨] (ولينته) بسكون اللام وتكسر، أي ليترك التفكر في هذا الخاطر وليشتغل بأمر آخر لئلا
يستحوذ عليه الشيطان فإنه إنما أوقعه فيه رجاء أن يقف معه ويتمكن في نفسه فيحصل لها شك
وريب في تنزيهه تعالى عن سمات الحدوث وإن دقت وخفيت، فمن تنبه وكف عن الاسترسال
مع ذلك الخاطر وأشغل نفسه حتى انصرفت عنه فقد خلص ومن لا فقد ارتبك فيخشى عليه
مزلة القدم في قعر جهنم، وإنما أمر بذينك دون الاحتجاج والتأمل لأمرين: أحدهما أن العلم
باستغناء الله تعالى عن المؤثر والموجد ضروري لا يقبل احتجاجاً، وإنما ذلك شيء يلقيه
الشيطان إما ليحجك إن جادلته لأنه مسلط على القلوب بإلقاء الوساوس عليها ليختبر إيمانها
ووساوسه غير متناهية فمتى عارضته بمسلك وجد مسلكاً آخر إلى ما يريده من المغالطة
والتشكيك، وإما ليضيع وقتك ويكدر عيشك إن استرسلت معه، وإن حججته فلا أخلص لك
الحديث رقم ٦٥: البخاري في صحيحه ٣٣٦/٦ حديث رقم ٣٢٧٦. ومسلم في صحيحه ١/ ١٢٠ حديث
(٢١٤ . ١٣٤).
57

٢٢٧
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
متفق عليه .
٦٦ . (٤) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يزالُ الناسُ يَتساءلونَ حتى يُقَالَ: هذا
خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فمن خَلَقَ اللَّهَ؟ فمن وجدَ من ذلك شيئاً؛ فليقل: آمنتُ باللهِ ورُسُلِهِ)).
من الإعراض عنه جملة والالتجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة منه كما قال عز من قائل: ﴿وإما
ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ [الأعراف - ٢٠٠] ثانيهما أن الغالب في موارد هذه
الخواطر أنه إنما ينشأ من ركود النفس وعدم اشتغالها بالمهمات المطلوبة منها؛ فهذا لا يزيده فكره
في ذلك إلا الزيغ عن الحق فلا علاج له إلا الالتجاء بحول الله وقوّته والاعتصام بكتاب الله وسنة
رسوله. قال الخطابي: لو أذن رسول الله وَلقر في محاججته لكان الجواب سهلاً على كل موحد
أي بإثبات البراهين القاطعة على أن لا خالق له تعالى بإبطال التسلسل ونحوه، كاستحضار أن
جميع المخلوقات داخله تحت اسم الخلق، فلو جاز أن يقال: ((من خلق الخالق)) لأدى إلى ما لا
يتناهى وهو باطل قطعاً، وفيه إشعار بمذمة علم الكلام ودلالة على حرمة المراء والمجادلة فيما
يتعلق بذات الله وصفاته وإيماء إلى صحة إيمان المقلد (متفق عليه).
٦٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا يزال
الناس يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضاً عن العلوم والموجودات والتساؤل جريان السؤال بين
الاثنين فصاعداً، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان أو النفس أو إنسان آخر أي يجري بينهما
السؤال في كل نوع (حتى) يبلغ السؤال إلى أن (يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟)
قيل: لفظ ((هذا)) مع عطف بيانه المحذوف وهو المقول مفعول ((يقال)) أقيم مقام الفاعل وخلق
الله تفسير لهذا، أو بيان، أو بدل، وقيل: مبتدأ حذف خبره، أي هذا القول، أو قولك هذا
خلق الله الخلق معلوم مشهور فمن خلق الله؟ والجملة أقيمت مقام فاعل ((يقال)) (فمن وجد من
ذلك شيئاً) إشارة إلى القول المذكور ومن ذلك حال من شيئاً أي من صادف شيئاً من ذلك
القول والسؤال، أو وجد في خاطره شيئاً من جنس ذلك المقال (فليقل) أي فوراً من حينه
(آمنت بالله ورسله))) أي آمنت بالذي قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم وقوله
سبحانه وإجماع الرسل هو الصدق والحق: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾. ثم هذا القول
يحتمل أن يكون على وجه العلم والتحقيق، ويحتمل أن يكون على طريق التقليد، هذا الذي
ظهر لي في هذا المقام، وأما ما ذكره الطيبي وتبعه ابن حجر من أن هذا القول كفر فمن تكلم
به فليتداركه بكلمة الإِيمان ففي كونه مراداً نظر ظاهر، لأنه لا يصح بالنسبة إلى السائل المجادل
الذي هو من جملة شياطين الأنس أو الجن على التغليب كما ينصره الحديث السابق ولا من
الحديث رقم ٦٦: الحديث ليس موجود في صحيح البخاري إنما الموجود رواية أنس ((لن يبرح الناس
يتساءلون حتى يقولوا، هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله)). حديث رقم ٧٢٩٦. وأخرجه مسلم
في صحيحه ١١٩/١ حديث رقم (٢١٢ .١٣٤). وأبو داود في سننه ٩١/٥ حديث رقم ٤٧٢١
وأحمد في المسند ٢/ ٢٨٢.

٢٢٨
٣-٠٠٠٠٠
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
متفق عليه .
٦٧. (٥) وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلّر: ((ما منكُم منْ
أحدٍ إِلا وقد وكُلَ به قرينُهُ من الجِنّ وقرينُهُ من الملائكةِ)). قالوا: وإِياكَ يا رسولَ الله؟ قال:
«وإِيَّايَ،
المسؤول [لأنه مؤمن صريح الإيمان، ولأن قوله في هذا الحديث ((فليقل)) إنما هو بالنسبة إلى
المسؤول]، كقوله: [((فليستعذ))] في الحديث الذي تقدم والله أعلم. ولذا قيل: يسن له أن
يستعيذ ثم يقول: آمنت بالله ورسله، ورواه ابن أبي الدنيا عن ابن عمر(١) وزاد في آخره: ((فإن
ذلك يذهب عنه)) (متفق عليه) روى مسلم هذا الحديث على هذا السياق عن أبي هريرة ورواه
أيضاً عن أنس، وفي روايته: ((حتى يقال هذا الله خلق الخلق))، وكذلك رواه البخاري في كتابه
عن أبي هريرة والحديث على هذا السياق محتمل لغير ما ذكر وهو أن يكون ((هذا الله)) مبتدأ
وخبراً، أو هذا مبتدأ والله عطف بيان وخلق الخلق خبره، وأكثر رواة هذا الحديث يروونه على
هذا السياق فيرجح إذن على السياق المذكور في المصابيح وإن كلاهما من الصحاح.
٦٧ - (وعن ابن مسعود) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَلقر: ما منكم من أحد)
ما نافية ومن زائدة لاستغراق النفي لجميع الأفراد، ومن في ((منكم)) تبعيضية، أي ما أحد منكم
(إلا وقد وكل به) على بناء المجهول لأن فاعله معلوم من التوكيل بمعنى التسليط (قرينه من
الجن) أي صاحبه منهم ليأمره بالشر واسمه الوسواس وهو ولد يولد لإبليس حين يولد لبني آدم
ولد وقوله (وقرينه من الملائكة) أي ليأمره بالخير واسمه الملهم، وليس هذا في المصابيح لكن
ذكره الحميدي في كتابه، والصغاني في المشارق عن مسلم، كذا نقله الطيبي وذكر ابن الملك
في شرح المصابيح: وفي رواية: ((قد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة))(٢) رواه ابن
مسعود. اهـ. فصاحب المشكاة اختار هذه الرواية الجامعة والله أعلم. ثم الحكمة في ذلك
ظهور خسة العاصي وشرف الطائع (قالوا: وإياك يا رسول الله؟) أي لك قرين من الجن
والقياس وأنت يا رسول الله بصيغة المرفوع المنفصل، وكذا في الجواب يعني (قال: وإياي) أي
ولي ذلك، والقياس أن يقول: وأنا فأقام الضمير المنصوب مقام المرفوع المنفصل وهو سائغ
شائع، ويحتمل أن يكون المعنى: وإياك نعني في هذا الخطاب فقال [نعم] وإياي، لأن
الخطاب في ((منكم)) عام لا يخص المخاطبين من الصحابة بل كل من يصح أن يخاطب داخل
فيه كأنه قيل: ما منكم يا بني آدم من أحد، وهذا إن قلنا إن المتكلم لا يدخل في عموم
الخطاب، وقيل: عطف على محل الضمير المجرور المقدّر تقديره قالوا: قد وكل به وإياك
(١) في المخطوطة ((عمرو).
الحديث رقم ٦٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٦٧/٤ حديث ٦٩. والدارمي في سننه ٣٩٦/٢ حديث
رقم ٢٧٣٤ وأحمد في المسند ٣٨٥/١.
(٢) مسلم في صحيحه ٢١٦٨/٤ حديث رقم ٢٨١٤.

٢٢٩
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
ولكنَّ اللَّهَ أعانَني عليه فأسْلَم، فلا يَأْمُرني إلا بخيرٍ)). رواهُ مسلم.
٦٨. (٦) وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ الشيطانَ يجري
من الإِنسانِ مجرَی الدمِ)).
قال: وكل به وإياي (ولكن الله) بالتشديد ويخفف (أعانني عليه) أي بالعصمة، أو بالخصوصية
(فأسلم) بضم الميم أو فتحها في جامع الترمذي، قال ابن عيينة: فأسلم بالضم، أي أسلم أنا
منه والشيطان لا يسلم، وفي جامع الدارمي(١) قال أبو محمد: أسلم بالفتح أي استسلم وذل
وانقاد، والخطابي ذهب إلى الأوّل والقاضي عياض إلى الثاني، وهما روايتان مشهورتان، قال
التوربشتي: الله تعالى قادر على كل شيء فلا يستبعد من فضله أن يخص نبيه بهذه الكرامة،
أعني إسلام قرينه وبما فوقها، قيل: ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (فلا يأمرني إلا بخير)
قلت: الأظهر أنه مؤيد للأوّل فتأمل، وقيل: أسلم أفعل تفضيل خبر مبتدأ محذوف، أي فأنا
أسلم منكم لأن النبي وس* كان يجري بعض الزلات في بعض الساعات بوسوسة، فيكون المراد
بقوله: ((فلا يأمرني إلا بخير)) في أعم الأوقات كذا قيل، وفيه نظر إذ يحتمل كون الوسوسة من
النفس دون الشيطان، وعن بعض المشايخ أن القرين من الجن ربما يدعوه إلى الخير وقصده في
ذلك الشر بأن يدعوه إلى المفضول فيمنعه عن الفاضل، أو أن يدعوه إلى الخير ليجره إلى ذنب
عظيم لا يفي خيره بذلك الشر من عجب أو غيره، ولذا قيل: معصية أو ورثت ذلاً واستحقاراً
خير من طاعة أورثت عجباً واستكباراً، قال ابن حجر: الظاهر أن استبعاد سفيان لإسلامه إنما
هو لكونه عفريتاً لا لكونه من ذرية إبليس لما في حديث حسن أن هامة بن إبليس جاء للنبي وَل
وذكر أنه حضر قتل هابيل وأنه اجتمع بنوح فمن بعده، ثم طلب من النبي وَلّر بعد أن نقل
السلام من عيسى فرد عليه الصلاة والسلام، وطلب أن يعلمه شيئاً من القرآن فعلمه الواقعة
والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كوّرت والمعوذتين وقل هو الله أحد (رواه مسلم).
٠٠ ١٠٫٥٢٠٠٠
٦٨ - (وعن أنس) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلاير: إن الشيطان) أي كيده
ووسواسه (يجري) أي يسري (من الإِنسان) أي فيه، وقيل عدي يجري بمن على تضمين معنى
التمكن، أي يتمكن من الإِنسان في جريانه (مجرى الدم) أي في جميع عروقه، والمجرى إما
مصدر ميمي أي يجري مثل جريان الدم فإنه لا يحس بجريه كالدم في الأعضاء، شبه سريان
كيده وجريان وساوسه في الإنسان بجريان دمه في عروقه وجميع اعضائه فهو كناية عن تمكنه
من إغواء الإِنسان وإضلاله تمكناً تاماً وتصرفه فيه تصرفاً كاملاً بواسطة نفسه الأمارة بالسوء
(١) في المخطوطة ((الترمذي)). والصواب الدارمي والله أعلم.
الحديث رقم ٦٨: البخاري أخرجه عن صفية بنت حيي زوجة الرسول وير ٣٣٦/٦ حديث ٣٢٨١ وهي
الرواية التي اتفق عليها الشيخان. ورواية أنس أخرجه مسلم ١٧١٢/٤ حديث رقم ٢٣. وأخرجه
أبو داود في سننه ٨٣٤/٢ حديث ٢٤٧٠. وأخرجه ابن ماجة في سننه ٥٦٦/١ حديث رقم ١٧٧٩
وأحمد في مسنده ١٥٦/٣.
٠٨٨٠١
تت جمد

٢٣٠
کتاب الإيمان / باب الوسوسة
متفق عليه .
٦٩. (٧) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلّ: ((ما منْ بَني آدمَ
مولودٌ إِلا يَمَسُّهُ الشيطانُ حين يولدُ، فيَستهِلُّ صارخاً من مَسُّ الشيطانِ،
الناشىء قواها من الدم. ولقد صدق يحيى بن معاذ حيث قال: الشيطان فارغ وأنت مشغول،
وهو يراك وأنت لا تراه، وأنت تنسى الشيطان وهو لا ينساك، ومن نفسك للشيطان عليك عون
وقد قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب
السعير﴾ [فاطر - ٦] وقال عزَّ وجلّ: ﴿إلا إن حزب الله هم المفلحون﴾ [المجادلة - ٢٢]، أو
اسم مكان ظرف ليجري ومن الإنسان حال منه، أي يجري في الإِنسان مجرى الدم كائناً من
الإِنسان، أو بدل البعض من الإِنسان، أي يجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم، أو معناه أن
الشيطان لا ينفك عن الإِنسان ما جرى دمه في عروقه أي ما دام حياً، وقيل: يجوز إرادة
الحقيقة فإن الشياطين أجسام لطيفة قادرة بإقدار الله تعالى على كمال التصرف ابتلاء للبشر (متفق
عليه) وفي الجامع الصغير: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) (١) رواه أحمد
والشيخان وأبو داود عن أنس، ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة عن صفية.
٦٩ - (وعن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَير: ((ما من بني آدم) أي ما
من أولاده والمراد هذا الجنس (مولود إلا يمسه الشيطان) رفع مولود على أنه فاعل الظرف
لاعتماده على حرف النفي والمستثنى منه أعم عام الوصف فالاستثناء مفرغ، يعني: ما وجد من
بني آدم مولود متصف بشيء من الأوصاف حال ولادته إلا بهذا الوصف، أي مس الشيطان له،
كأنه عليه الصلاة والسلام يرد على من زعم أن الأنبياء والأولياء لا يمسهم الشيطان، فهو من
قصر القلب الذي يلقي لمعتقد العكس، وقيل: ما هي غير عاملة هنا حتى عند الحجازية لتقدم
الخبر وهو من بني آدم على مبتدئه وهو مولود (حين يولد) قالوا: المراد بالمس الحسي لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد))(٢). وقال ابن الملك(٣)
الوجه أن يراد من المس الطمع في الإغواء فيرده ظاهر قوله (فيستهل) أي يصيح (صارخاً) رافعاً
صوته بالبكاء، وهو حال مؤكدة أو مؤسسة، أي مبالغة في رفعه، أو المراد بالاستهلال مجرد
رفع الصوت بالصراخ البكاء (من مس الشيطان) أي لأجله قال الطيبي: وفي التصريح
بالصراخح إشارة إلى أن المس عبارة عن الإصابة بما يؤذيه لا كما قالت المعتزلة من أن مس
الشيطان تخييل واستهلاله صارخاً من مسه تصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه
ويقول هذا ممن أغويه، وأما قول ابن الرومي:
(١) الجامع الصغير ١٢٥/١ حديث رقم ٢٠٣٦.
الحديث رقم ٦٩ : أخرجه البخاري في صحيحه ٤٦٩/٦ حديث رقم ٣٤٣١. ومسلم في صحيحه ٤/
١٨٣٨ حديث رقم ١٤٦. وأحمد في المسند ٢٣٣/٢.
(٢) البخاري.
(٣) في المخطوطة ابن ملك.

٢٣١
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
غيرَ مريمَ وابنها)). متفق عليه.
٧٠. (٨) وعنه، قال: قال رسول الله وَليقول: ((صياح المولودِ حينَ يَقعُ نَزْغَةٌ مِنَ
الشيطان».
يكون بكاء الطفل ساعة يولد
لأن يؤذن الدنيا بها من صروفها *
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه * بما هو لاق من أذاها يهدّد
وإلا فما يبكيه منها وإنه * لأوسع مما كان فيه وأرغد
فمن باب حسن التعليل فلا يستقيم تنزيل الحديث عليه مع أنه لا ينافيه (غير مريم
وابنها))) حال من مفعول يمس، قال ابن حجر واستثناؤهما لاستعاذة أمها حيث قالت: ﴿إني
أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ وتفرد عيسى وأمه بالعصمة عن المس لا يدل على
فضلهما على نبينا وَّر، إذ له فضائل ومعجزات لم تكن لأحد، ولا يلزم أن يكون في الفاضل
جميع صفات المفضول كذا قاله الطيبي. ونظيره خبر الطبراني: ((ما أحد من بني آدم إلا وقد
أخطأ أوهم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا))(١)، قلت: وأبلغ من هذا أن شيطانه أسلم (متفق عليه)
قال ابن حجر وفي رواية للبخاري: ((كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعيه حين يولد
غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب))، وفي أخرى للحاكم(٢) وغيره: ((كل وليد
الشيطان نائل منه تلك الطعنة ولها يستهل المولود صارخاً إلا ما كان من مريم وابنها فإن أمها
حين وضعتها قالت: إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فضرب دونها حجاب فطعن))
[١ هـ] ولعل الله تعالى ألهمها بأن دعت هذا الدعاء حال الوضع لا بعده فقوله: ((حين
وضعتها))، أي أرادت وضعها فلا يشكل أن المس يكون حال الوضع فكيف امتنع لأجل ذلك
الدعاء وقوله في الآية: ﴿وإني أعيذها﴾ [آل عمران - ٣٦] بمعنى أعذتها وعدل إلى المضارع
لإرادة الاستمرار، أو لحكاية الحال الماضية والله أعلم. والمفهوم من الجامع الصغير أن
الحديث باللفظ المذكور سابقاً هو من أفراد البخاري فقوله: ((متفق عليه)) محل نظر إلا أن يقال
مراده أنه متفق عليه معنى واللفظ للبخاري، لكن ذكر أن لفظ: ((كل بني آدم)) الخ أيضاً من أفراد
البخاري فتأمل.
٧٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَلير: ((صباح
المولود) أي سبب صيحته في بكائه (حين يقع) أي يسقط وينفصل عن أمه (نزغة(٣) من
الشيطان))) أي إصابة بما يؤذيه، وقيل: النزغ طعنة خفيفة، أو وسوسة فإن النزع(٤) هو الدخول
في أمر الفساد، والشيطان إنما يبغي بلمته فساد ما ولد المولود عليه من الفطرة. اهـ. والمعوّل
(١) ابن أبي شيبة ٣٤٦/٦ حديث رقم ٣١٩٠٩.
(٢) الحاكم ٢/ ٥٩٤.
الحديث رقم ٧٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٣٨/٤ حديث ١٤٨.
(٣) في المخطوطة ((نزعه)) والصواب نزغة.
(٤) في المخطوطة ((النزع)).
قود

٢٣٢
: هو!
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
.4-
متفق عليه .
٧١. (٩) وعن جابرٍ، قال: قال رسول الله وَّر: ((إِن إِبليسَ يضعُ عرشَهُ على الماءِ،
ثم يبعثُ سَراياه يَقْتِنونَ الناسَ، فأدناهم منه مَنْزِلةً أعظمُهم فِتْنَةً يجيءُ أَحدُهُم فيقولُ: فعلتُ
كذا وكذا. فيقولُ: ما صنَعتَّ شيئاً. قال: ثمَّ يجيءُ أحدُهُم فيقولُ: ما تركتُه حتى فرَّقتُ
بينَه وبينَ امرأتِهِ. قال: فيدنیه منه،
هو الأوّل إذ لا إفساد عند الولادة (متفق عليه) المذكور في الجامع الصغير أنه من أفراد
البخاري(١).
١١٣٠٠/١/ :٦٥٥
.٧١ - (وعن جابر) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن إبليس يضع عرشه)
أي سريره (على الماء) وفي رواية: ((على البحر))، والصحيح حمله على ظاهره ويكون من
جملة تمرده وطغيانه وضع عرشه على الماء، يعني جعله الله تعالى قادراً عليه استدراجاً ليغتر
بأن له عرشاً على هيئة عرش الرحمن كما في قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود -
٧٠] ويغر بعض السالكين الجاهلين بالله أنه الرحمن كما وقع لبعض الصوفية على ما ذكر في
النفحات الأنسية في الحضرات القدسية، ويؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول الله وعليه :
((أرى عرشاً على الماء، فقال له عليه الصلاة والسلام: ترى عرش إبليس))، وقيل: عبر عن
استيلائه على الخلق وتسلطه على إضلالهم بهذه العبارة. (ثم يبعث) أي يرسل سراياه جمع
سرية وهي قطعة من الجيش توجه نحو العدوّ لتنال منه وفي النهاية هي طائفة من الجيش يبلغ
أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدوّ، وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من
الشيء السري وهو النفيس، وقيل: لأنهم يبعثون سراً، ورد بأن لامه راء ولامها ياء (يفتنون
الناس) بفتح الياء وكسر التاء، أي يضلونهم أو يمتحنونهم بتزيين المعاصي إليهم حتى يقعوا
فيها (فأدناهم) أي أقربهم (منه) أي من إبليس (منزلة) مرتبة (أعظمهم فتنة) أي أكبرهم إضلالاً،
أو أشدهم ابتلاء. (يجيء أحدهم) جملة مبينة لقوله: ((أعظمهم فتنة)) (فيقول) أي أحدهم
(فعلت كذا وكذا) أي أمرت بالسرقة وشرب الخمر مثلاً (فيقول) أي إبليس (ما صنعت شيئاً)
أي أمراً كبيراً، أو شيئاً معتداً به (قال) أي النبي ◌َّلتر (ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته) أي
فلاناً (حتى فرقت بينه وبين امرأته) هذا وإن كان بحسب الظاهر أمراً مباحاً وظاهره خير، ولذا
قال تعالى: ﴿وأن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته﴾ [النساء - ١٣٠] ولكنه من حيث إنه قد يجر
إلى المفاسد يصير مذموماً ويحث عليه الشياطين ويفرح به كبيرهم، ولذا قال عليه الصلاة
والسلام: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق))(٢)، وقال تعالى: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين
المرء وزوجه﴾ [البقرة - ١٠٢] (قال) عليه الصلاة والسلام (فيدنيه منه) أي فيقرب إبليس ذلك
(١) في الجامع الصغير من أفراد مسلم وليس من أفراد البخاري ٣١٥/٢ حديث رقم ٥١١٣.
الحديث رقم ٧١: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٦٧/٤ حديث ٦٧ وأحمد في مسنده ٣١٤/٣.
(٢) أخرجه أبو داود ٦٣١/٢ حديث رقم ٢١٧٨.
صبيـ
* يوجد عداد الم مبانقدية -- ------

٢٣٣
کتاب الإيمان / باب الوسوسة
ويقول: نعم أنت)). قال الأعمشُ: أراه قال ((فيلتزُمهُ)). رواه مسلم.
٧٢. (١٠) وعنه، قال رسول الله وَّ: ((إِن الشيطانَ قد أيسَ من أن يعبدَهُ المصلُّونَ
في جزيرةِ العَرَبِ،
المغوي من نفسه من الإِدناء وهو التقريب (فيقول) وفي نسخة صحيحة: ((ويقول)) أي إبليس
للمغوي (نعم أنت) أي نعم الولد، أو العون أنت على أنه فعل مدح وفاعله مضمر على خلاف
القياس، وقيل: حرف إيجاب وأنت مبتدأ خبره محذوف، أي أنت صنعت شيئاً عظيماً، وقول
ابن الملك: هو الصواب هو الخطأ لأنه مخالف للنسخ المصححة الدالة على الرواية ومع
احتياجه إلى التكلف والتعسف في توجيه صحة الدراية. (قال الأعمش) وهو أحد رواة هذا
الحديث (أراه) بضم أوّله، أي أظن أبا سفيان طلحة بن نافع المكي وهو الراوي عن جابر كذا
في الأزهار نقله السيد جمال الدين، وقال الطيبي: ضمير الفاعل للأعمش وضمير المفعول
الجابر، وقيل: أظن النبي عليه الصلاة والسلام وهو الظاهر من قوله (قال: فيلتزمه))) فإنه إما
عطف على ((فيدنيه))، أو بدل منه كذا قيل، والأقرب أنه عطف على ((فيقول)) والله أعلم.
والمعنى فيعانقه من غاية حبه التفريق بين الزوجين، وذلك لأنه يحب كثرة الزنا وغلبة أولاد
الزنا ليفسدوا في الأرض ويهتكوا حدود الشرع، ومن ثم ورد عن النبي ◌َّار: ((لا يدخل الجنة
ولد زانية)) رواه الدارمي في سننه لأن ولد الزنا يعسر عليه اكتساب الفضائل ويتيسر له أخلاق
الرذائل (رواه مسلم) وكذا أحمد.
٧٢ - (وعنه) أي عن جابر (رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَله: ((إن الشيطان)
يحتمل الجنس والأظهر أن المراد به إبليس رئيسهم (قد أيس) أي صار محروماً ويئس (من أن
يعبده المصلون) اختصر القاضي كلام الشراح وقال: عبادة الشيطان عبادة الصنم لأنه الآمر به
والداعي إليه بدليل قوله: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ [مريم - ٤٤] والمراد بالمصلين المؤمنون
كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ((نهيتكم عن قتل المصلين))، سموا بذلك لأن الصلاة أشرف
الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الإِيمان، ومعنى الحديث: أيس من أن يعود أحد من
المؤمنين إلى عبادة الصنم ويرتد إلى شركه (في جزيرة العرب) ولا يرد على ذلك ارتداد
أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتدوا بعد النبي وقّ لأنهم لم يعبدوا الصنم. اهـ.
وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة الصنم فالأولى أن يقال: المراد
أن المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى. ثم الجزيرة
هي كل أرض حولها الماء فعيلة بمعنى مفعولة من جزر عنها الماء، أي ذهب وقد اكتنفت تلك
الجزيرة البحار والأنهار كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله فرعون
بها وبحر الشام والنيل ودجلة والفرات أضيفت إلى العرب لأنها مسكنهم، ونقل عن الإِمام
الحديث رقم ٧٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٦٦/٤ حديث ٦٥. والترمذي ٢٩١/٤ حديث رقم ١٩٣٧
وأحمد في المسند ٣١٣/٣.
-
٨٨٠٠٠

٢٣٤
5907
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
ولكن في التحريشٍ بينهم)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٧٣. (١١) عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي ◌َّ جاءه رجلٌ، فقال: إِني
أحدّثُ نفسي بالشيء لأن أكون حُمَّمةً أحبُّ إِليَّ من أن أتكلّم به. قال: «الحمدُ للَّهِ الذي
ردَّ أمرَهُ إِلى الوسوسَةِ)) .
مالك [رضى الله عنه] أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن، قيل: إنما خص جزيرة العرب
لأن الدين يومئذ لم يتعد عنها، وقيل: لأنها معدن العبادة ومهبط الوحي. (ولكن في التحريش)
خبر لمبتدأ محذوف، أي هو في التحريش، أو ظرف لمقدر أي يسعى في التحريش (بينهم)))
أي في إغراء بعضهم على بعض، والتحريض بالشر بين الناس من قتل وخصومة. والمعنى لكن
الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين وحملهم على الفتن، بل له مطمع في ذلك، قيل: ولعله
وَلّ أخبر عما يجري فيما بعده من التحريش الذي وقع بين أصحابه، أي أيس الشيطان أن يعبد
فيها لكن طمع في التحريش بين ساكنيها وكان كما أخبر فكان معجزة له عليه الصلاة والسلام
(رواه مسلم) وكذا أحمد والترمذي.
(الفصل الثاني)
٧٣ - (عن ابن عباس) [رضي الله عنهما] (أن النبي وهو جاءه رجل فقال:) أي الرجل
((إني أحدث نفسي) أي أكلمها بالسر، يعني توسوسني فإنه غير اختياري، أو معناه أرد عليها
(بالشيء) هو في قوّة النكرة معنى وإن كان معرفة لفظاً لأن أل فيه للجنس والجملة الاسمية
بعده صفة له وهي قوله (لأن أكون حممة) بضم ففتح أي فحماً (أحبُّ إلي من أن أتكلم به) أي
بشيء لكوني حممة أحب إليّ من التكلم بذلك الشيء من غاية قبحه لتعلقه بالخوض في ذات
الله تعالى وما لا يليق به سبحانه من تجسم وتشبيه أو تعطيل ونحوها، واللام للقسم أو
للابتداء، وأما قول ابن الملك: اللام موطئة للقسم فغير صحيح لأنها إنما تدخل على أداة
الشرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط، ومن ثم تسمى لام
المؤذنة وتسمى الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهدته له نحو ﴿لئن أخرجوا لا
يخرجون معهم﴾ الآية [الحشر - ١٢] كذا ذكره في مغني اللبيب(١) (قال) عليه الصلاة والسلام:
(الحمد لله) شكراً لما أنعم عليه على أمته (الذي رد أمره إلى الوسوسة))) الضمير فيه يحتمل أن
الحديث رقم ٧٣: أخرجه أبو داود في سننه ٣٣٦/٥ حديث رقم ٥١١٢ وفيه زيادة ثلاث تكبيرات قبل
((الحمد لله)) وأحمد في المسند ٣٤٠/١.
(١) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لجمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف المعروف بابن هشام
النحوي ت (٧٦٢). وهو كتاب في النحو.
٠ هراء

٢٣٥
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
رواه أبو داود.
٧٤. (١٢) وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((إِن للشيطانَ
لَمَّةً بابن آدم، وللملَكِ لَمَّةً: فأما لَمَّةُ الشيطان فإِعادٌ بالشر، وتكذيبٌ بالحقِّ. وأما لمَّةُ
الملَكِ فإِيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ. فمن وجد ذلك؛ فليعلم أنه من الله، فليحمدِ الله،
يكون للشيطان وإن لم يجر له ذكر لدلالة السياق عليه، ويحتمل أن يكون للرجل، والأمر
يحتمل أن يكون واحد الأوامر، وأن يكون بمعنى الشأن يعني كان الشيطان يأمر الناس بالكفر
قبل هذا وأما الآن فلا سبيل إليهم سوى الوسوسة ولا بأس بها مع العلم بأنها قبيحة والتعوّذ بالله
منها، أو المعنى الحمد لله الذي رد شأن هذا الرجل من الكفر إلى الوسوسة وهي معفوّة. (رواه
أبو داود).
٧٤ _ (وعن ابن مسعود [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله وَلفيه: ((إن للشيطان) أي
إبليس أو بعض جنده (لمة) اللمة بالفتح من الإلمام، ومعناه النزول والقرب والإِصابة، والمراد
بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو الملك. (بابن آدم) أي بهذا الجنس فالمراد به الإِنسان
(وللملك لمة) فلمة الشيطان تسمى وسوسة ولمة الملك إلهاماً (فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر)
كالكفر والفسق والظلم (وتكذيب بالحق) أي في حق الله، أو حق الخلق، أو بالأمر الثابت
كالتوحيد والنبوّة والبعث والقيامة والنار والجنة (وأما لمة الملك فإيعاد بالخير) كالصلاة والصوم
(وتصديق بالحق) ككتب الله ورسوله والإيعاد في اللمتين من باب الأفعال والوعيد في الاشتقاق
كالوعد إلا أن الإِيعاد اختص بالشر عرفاً يقال أو وعد إذا وعد بشر إلا أنه استعمله في الخير
للازدواج والأمن عن الاشتباه بذكر الخير بعده كذا قالوا، والظاهر أن هذا التفصيل عند
الإِطلاق كما قال الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وأما عند التقييد فالأولى أن يقال بالتجريد فيهما، أو بأصل اللغة واختيار الزيادة لاختيار
المبالغة (فمن وجد) أي في نفسه أو أدرك وعرف (ذلك) أي لمة الملك على تأويل الإلمام أو
المذكور (فليعلم أنه من الله) أي منة جسيمة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه إذ أمر الملك
بأن يلهمه (فليحمد الله) أي على هذه النعمة الجليلة حيث أهله لهداية الملك ودلالته على ذلك
الخير تصديقاً وتحصيلاً.
ثم معرفة الخواطر والتمييز بينها محل بسطها كتب الصوفية وقيد بينها الغزالي في منهاج
العابدين(١) تبييناً لطيفاً، واتفق المشايخ على أن من كان مأكله من الحرام لا يميز بين الوسوسة
والإلهام، بل قال الدقاق: من كان قوته معلوماً، أي بأن لم يتوكل على الله حق توكله لا يفرق
الحديث رقم ٧٤: أخرجه الترمذي ٢٠٤/٥ حديث رقم ٢٩٨٨.
(١) منهاج العابدين للإمام أبي حامد الغزالي ت (٥٠٥) ويقال إنه آخر تأليفه.

وقتواء
٢٣٦
کتاب الإيمان / باب الوسوسة
ومن وجد الأخرى؛ فليتعوذُ بالله من الشيطان الرجيم)). ثم قرأ: ﴿الشيطانُ يعِدَكُم الفقرَ
ويأمُرُكُمْ بالفَخْشاءِ ﴾. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
٧٥. (١٣) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله وَلير قال: ((لا يزال الناسُ
يتساءلونَ، حتى يقال: هذا خلَقَ اللَّهُ الخلقَ، فمن خَلَقَ اللَّهَ؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: اللَّهُ
أحدٌ، الله الصمدُ، لم يلد ولم
٦٧٢٢ ٦/ ١٧٢٢
١٣٥/٠
بينها وبين الإِلهام وإن كان غير معتبر في حق الأحكام لكنه معتبر في معرفة وساوس النفس
ومكائد الشيطان، وإنما قدمها هنا وأخرها أوّلاً لأن لمة الشيطان شر والابتلاء بها أكثر فكانت
الحاجة ببيانها أمس. ولما فرغ منه قدم لمة الملك تعظيماً لشأنها وإشعاراً بأن رحمته سبقت
غضبه (ومن وجد الأخرى) أي لمة الشيطان (فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم) وليخالفه، وفيه
إيماء إلى أن الكل من الله تعالى وإنما الشيطان عبد مسخر أعطي له التسليط على بعض أفراد
الإِنسان كما قال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر - ٤٢] وإنما لم يقل
هنا: فليعلم أنه من الله تأدباً معه إذ لا يضاف إليه إلا الخير (ثم قرأ) وَ* استشهاداً ﴿الشيطان
يعدكم الفقر﴾ أي يخوفكم به ﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ أي بالبخل والحرص وسائر المعاصي؛
فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة، أو معناه الشيطان يعدكم الفقر ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه
الخيرات ويخوفكم الحاجة لكم أو لأولادكم في ثاني الحال سيما في كبر السن وكثرة العيال
ويأمركم بالفحشاء أي المعاصي. وهذا الوعد (١) والأمر هما المرادان بالشر في الحديث وتتمة
الآية (والله يعدكم مغفرة) أي لذنوبكم على الصبر في الفقر والطاعة (منه) أي من عنده عدلاً
(وفضلاً) أي يعدكم زيادة الخير على المغفرة وثواب الطاعة بالأضعاف المضاعفة، أو خلفاً في
الدنيا وعوضاً في العقبى (والله واسع عليم)))(٢) تذييل للكلام السابق، إشارة إلى سعة مغفرته
ورحمته ووفور علمه بأحوال العباد ومصالحهم (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب)
وتعريف الغرابة وتفصيلها متناً وإسناداً مذكور في أصول الحديث.
٧٥ - (وعن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن رسول الله وَلاير قال: لا يزال الناس يتساءلون)
أي لا ينقطعون عن سؤال(٣) بعضهم بعضاً في أشياء (حتى يقال: هذا خلق الله الخلق) مر البيان
فيه (فمن خلق الله؟) فلما جر كثرة السؤال إلى الجرأة على(٤) الملك المتعال نهى رسول الله وَلقوله
عن كثرة السؤال وعن قيل وقال: أو المراد بالتساؤل حكاية النفس وحديثها ووسوستها وهذا هو
الظاهر من التفل والاستعاذة ويؤيد الأوّل قوله (فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد) يعني قولوا في
رد هذه المقالة أو الوسوسة الله تعالى ليس مخلوقاً بل هو أحد والأحد هو الذي لا ثاني له في
الذات ولا في الصفات (الله الصمد) المرجع في الحوائج المستغني عن كل أحد (لم يلد ولم
(١) في المخطوطة ((الوعيد)).
(٢) سورة البقرة آية ٢٦٨.
الحديث رقم ٧٥: أخرجه أبو داود في سننه ٩٢/٥ حديث رقم ٤٧٢٢.
(٣) في المخطوطة ((السؤال)).
(٤) في المخطوطة ((إلى)).
/٢٢

٢٣٧
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
يولَد، ولم يكن له كفواً أحدٌ، ثم ليَتَفُلْ عن يسارِهِ ثلاثاً، وليستعذ باللهِ من الشيطانِ
الرَّجيم)). رواه أبو داود. وسنذكر حديث عمرو بن الأحوص في باب خطبة يوم النحر إِن
شاء الله تعالى.
الفصل الثالث
٧٠٣٧.٠٨١٣
٧٦. (١٤) عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّر: ((لن يبرحَ الناسُ
يتساءلون، حتى يقولوا: هذا الله خَلَقَ كلَّ شيء، فمن خلقَ اللَّهَ عزَّ وجل؟)) رواه البخاري.
ولمسلم: ((قال: قال الله عزَّ وجل: إِنَّ أمتك لا يزالون يقولون: ما
يولد ولم يكن له كفواً أحد) تقدم (ثم ليتفل) بسكون اللام الأولى وتكسر وبضم الفاء وتكسر،
أي ليبصق أحدكم أو هذا الرجل يعني الموسوس (عن يساره) كرامة لليمين، وقيل: اللمة
الشيطانية عن يسار القلب والرحمانية عن يمينه(١) (ثلاثاً) أي ليلق البزاق من الفم ثلاث مرات،
وهو عبارة عن كراهة الشيء والنفور عنه كمن يجد جيفة، والتكرار مراغمة للشيطان وتبعيد له
لينفر منه ويعلم أنه لا يطيعه فيه ويكره الكلام المذكور منه. (وليستعذ) ضبط بالوجهين (بالله من
الشيطان الرجيم) والاستعاذة طلب المعاونة على دفع الشيطان (رواه أبو داود وسنذكر حديث
عمرو بن الأحوص): ((ألا لا يجني جان إلا على نفسه)) (في باب خطبة يوم النحر إن شاء الله
تعالى).
(الفصل الثالث)
٧٦ - (عن أنس) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَليون: ((لن يبرح الناس) أي لن
يزالوا ولن ينقطعوا، وإفادته الإثبات لأنه كزال يفيد معنى النفي وإذا دخل عليه نفي آخر أثبته
لأن نفي النفي إثبات (يتساءلون) أي متسائلين يسأل بعضهم بعضاً، أو تحدثهم أنفسهم
بالوسوسة (حتى يقولوا: هذا الله) مبتدأ وخبره (خلق كل شيء) استئناف أو حال وقد مقدرة
والعامل معنى اسم الإِشارة، أو هذا مبتدأ والله عطف بيان وخلق كل شيء خبره كذا قاله
الطيبي، والثاني هو الظاهر. (فمن خلق الله عزَّ وجلّ؟))) قاسوا القديم على الحادث فإنه يحتاج
إلى محدث ويتسلسل إلى أن ينتهي إلى خالق قديم واجب الوجود لذاته، ومحل تحقيق هذا
المرام كتب الكلام. (رواه البخاري ولمسلم قال:) أي النبي ◌َّ (قال الله عزَّ وجلّ:) فيكون
الحديث قدسياً (إن أمتك) أي أمة الدعوة أو بعض أمة الإجابة بطريق الجهالة أو الوسوسة من
الأمور العامة (لا يزالون يقولون) أي بعضهم لبعض، أو في خواطرهم من غير اختيارهم (ما
(١) في المخطوطة ((يساره)).
الحديث رقم ٧٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٦٥/١٣ حديث رقم ٧٢٩٦. ومسلم ١٢١/١ حديث
(٢١٧ .١٣٦).
+v. s:
بالد حديبر
1 ***
ذهبى

٢٣٨
كتاب الإيمان / باب الوسوسة
كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا اللَّهُ خلَقَ الخلقَ، فمن خلق اللَّهَ عزَّ وجل؟)).
٧٧. (١٥) وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله! إِن
الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يُلَبّسُها عليَّ، فقال رسول الله وٍَّ: ((ذاك
شيطان يقالُ له خِئْزَب، فإذا أحسَستَه فتعوذ بالله منه،
كذا ما كذا؟) كناية عن كثرة السؤال وقيل وقال، أي ما شأنه ومن خلقه (حتى يقولوا:) أي
حتى يتجاوزوا الحد وينتهوا إلى أن يقولوا (هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله عزَّ وجلّ؟)
والمقصود من الحديث إعلامه تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بما سيقع من أمته ليحذرهم
منه .
٧٧ - (وعن عثمان بن أبي العاص) هو الثقفي استعمله النبي ◌ّر على الطائف فلم يزل
عليها حياة رسول الله وَلخر وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ثم عزله عمر وولاه عمان
والبحرين. وكان وفد على النبي و 18 في وفد ثقيف وهو أحدثهم سناً وله تسع وعشرون سنة
وذلك سنة عشر. وسكن البصرة ومات بها سنة إحدى وخمسين(١)، ولما مات النبي وَل
وعزمت ثقيف على الردة قال لهم: يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلاماً فلا تكونوا أوّل
الناس ردة، فامتنعوا عن الردة روى عنه جماعة من التابعين رضي الله عنه (قال: ((قلت: يا
رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي) أي يمنعني من الدخول في
الصلاة، أو من الشروع في القراءة بدليل تثليث التفل وإن كان في الصلاة وليتفل ثلاث مرات
غير متواليات، ويمكن حمل التفل والتعوّذ على ما بعد الصلاة، والمعنى جعل بيني وبين
كمالهما حاجزاً من وسوسته المانعة من روح العبادة وسرها وهو الخشوع والخضوع (يلبسها
عليّ) بالتشديد للمبالغة، وفي نسخة صحيحة ظاهرة بفتح أوّله وكسر ثالثه، أي يخلطني
ويشككني فيها، أي في الصلاة أو القراءة أو كل واحدة والجملة بيان لقوله حال وما يتصل به
(فقال رسول الله ◌َّلتر: ذاك شيطان)(٢) أي الملبس، أي خاص من الشياطين لا رئيسهم (يقال له
خنزب) بخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم زاي مكسورة أو مفتوحة كذا في النسخ
المصححة، وهو (٣) من الأوزان الرباعية كزبرج ودرهم، ويقال أيضاً بفتح الخاء والزاي حكاه
القاضي عياض، ونظيره جعفر ويقال أيضاً بضم الخاء وفتح الزاي على ما في النهاية، قال ابن
حجر: ويصح فتح الخاء مع ضم الزاي وفيه أنه لم يوجد هذا الوزن في الرباعي المجرد وليس
في النسخ المصححة وهو في اللغة الجريء على الفجور على ما يفهم من القاموس (فإذا
أحسسته) أي أدركته وعلمته (فتعوّذ بالله منه) فإنه لإخلاص من وسوسته إلا بحول الله وقوّته
الحديث رقم ٧٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٢٨/٤ حديث ٦٨. وأحمد في المسند ٢١٦/٤.
(٢) في المخطوطة ((الشيطان)).
(١) في المخطوطة ((خمسون)).
(٣) في المخطوطة ((هما)).

٢٣٩
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
واتفلْ على يسارك ثلاثاً) ففعلتُ ذلك فأذهبه الله عني. رواه مسلم.
٧٨. (١٦) وعن القاسم بن محمد: أن رجلاً سأله فقال: إِني أهِمُ في صلاتي فيكثرُ
ذلك عليَّ، فقال له: امضٍ في صلاتك، فإنه لن يذهبَ ذلك عنك حتى تنصرفَ وأنت
تقول: ما أتممتُ صلاتي. رواه مالك.
(٣) باب الإيمان بالقدر
وحفظه ومعونته (واتفل) بضم الفاء ويكسر (على يسارك) أي عن يسارك كما في نسخة إشارة
إلى التنفر والتبعد عن الوسوسة التي تجر إلى كتابة صاحب اليسار، أو إلى طريقة أصحاب
الشمال (ثلاثاً) أي ثلاث مرات لزيادة المبالغة في المباعدة (ففعلت ذلك) أي ما ذكر من التعوّذ
والتفل (فاذهبه الله) أي الوسواس (عني))) ببركته عليه الصلاة والسلام (رواه مسلم).
٧٨ - (وعن القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة المشهورين
بالمدينة من أكابر التابعين، وكان أفضل أهل زمانه. قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا بالمدينة
أحداً نفضله على القاسم بن محمد. روى عن جماعة من الصحابة منهم عائشة ومعاوية وعنه
خلق كثير، مات سنة إحدى ومائة وله سبعون سنة. ((أن رجلاً سأله فقال: إني أهم) بكسر
الهاء وتخفيف الميم (في صلاتي) يقال وهمت في الشيء بالفتح أهم وهما إذا ذهب وهمك إليه
وأنت تريد غيره، ويقال وهمت في الحساب أو هم وهما إذا غلطت فيه وسهوت. (فيكبر)
بالموحدة المضمومة أي يعظم (ذلك) أي الوهم (علي) وروي بالمثلثة من الكثرة، أي يقع كثيراً
هذا الوهم علي (فقال له: امض في صلاتك) سواء كانت الوسوسة خارج الصلاة أو داخلها ولا
تلتفت إلى موانعها (فإنه لن يذهب ذلك عنك) فإنه ضمير للشأن والجملة تفسير له، وذلك
إشارة إلى الوهم المعني به الوسوسة. والمعنى لا يذهب عنك تلك الخطرات الشيطانية (حتى
تنصرف) أي تفرغ من الصلاة (وأنت تقول (١)) للشيطان صدقت (ما أتممت صلاتي))) لكن ما
أقبل قولك ولا أتمها إرغاماً لك ونقضاً لما أردته مني، وهذا أصل عظيم لدفع الوساوس وقمع
هواجس الشيطان في سائر الطاعات. والحاصل أن الخلاص من الشيطان إنما هو بعون الرحمن
والإِعتصام بظواهر الشريعة وعدم الالتفات إلى الخطرات والوساوس الذميمة ولا حول ولا قوّة
إلا بالله [العلي العظيم] (رواه مالك).
(باب الإيمان بالقدر)
هذا نوع تخصيص بعد تعميم، أو ذكر جزئي بعد الكلي اهتماماً به واعتناء باتصافه لما
وقع فيه من الاختلاف الناشىء عن التحير في هذا الأمر الذي هو عظيم الشأن بين أهل
الحديث رقم ٧٨: أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٠٠ حديث رقم ٣ من كتاب السهو.
(١) في المخطوطة ((تقولها)).

٢٤٠
٠٫٠
كتاب الإيمان باب الإيمان بالقدر
الفصل الأول
٧٩. (١) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((كتبَ اللَّهُ
مقاديرَ الخلائقِ قبل أن يخلُقَ السمواتِ والأرضَ
الإِيمان. والقدر بالفتح ويسكن ما يقدره الله تعالى من القضايا، قال في شرح السنة: الإِيمان
بالقدر فرض لازم وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها وكتبها في اللوح
المحفوظ قبل أن خلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه يرضى الإِيمان والطاعة
ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب. والقدر سر من أسرار
الله تعالى لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق
العقل، بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم فرقتين فرقة خلقهم للنعيم فضلاً
وفرقة للجحيم عدلاً. وسأل [رجل] علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أخبرني عن
القدر، قال: طريق مظلم لا تسلكه، وأعاد السؤال، فقال: بحر عميق لا تلجه، فأعاد السؤال
فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه. ولله در من قال:
تبارك من أجرى الأمور بحكمه * كما شاء لا ظلماً أراد ولا هضما
فمالك شيء غير ما الله شاءه * فإن شئت طب نفساً وإن شئت مت كظما
(الفصل الأوّل)
٧٩ - (عن عبد الله بن عمرو) [رضي الله عنهما] (قال: قال رسول الله وَلفيه: ((كتب الله
مقادير الخلائق) جمع مقدار، وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء وكميته كالمكيال
والميزان، وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه وهو الكمية والكيفية (قبل أن يخلق السموات
والأرض) ومعنى كتب الله أجرى الله القلم على اللوح المحفوظ بإيجاد ما بينهما من التعلق،
وأثبت فيه مقادير الخلق ما كان وما هو كائن إلى الأبد على وفق ما تعلقت به إرادته أزلاً،
كإثبات الكاتب ما في ذهنه بقلمه على لوحه، وقيل: أمر الله القلم أن يثبت في اللوح ما سيوجد
من الخلائق ذاتاً وصفة وفعلاً وخيراً وشراً على ما تعلقت به إرادته. وحكمة ذلك إطلاع
الملائكة على ما سيقع ليزدادوا بوقوعه إيماناً وتصديقاً ويعلموا من يستحق المدح والذم فيعرفوا
لكل مرتبته، أو قدر وعين مقاديرهم تعييناً بتاً لا يتأتى خلافه بالنسبة لما في علمه القديم المعبر
عنه بأم الكتاب، أو معلقاً كأن يكتب في اللوح المحفوظ فلان يعيش عشرين سنة إن حج
وخمسة عشر إن لم يحج وهذا هو الذي يقبل المحو والإِثبات المذكورين في قوله تعالى:
﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد - ٣٩] أي التي لا محو فيها ولا إثبات فلا
يقع فيهما إلا ما يوافق ما أبرم فيها كذا ذكره ابن حجر. وفي كلامه خفاء إذ المعلق والمبرم كل
منهما مثبت في اللوح غير قابل للمحو، نعم المعلق في الحقيقة مبرم بالنسبة إلى علمه تعالى
الحديث رقم ٧٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٤٤/٤ حديث ١٦. من غير ((كان)).
33٥٠