Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الدارقطني: أنا أقف فيه لا يزال عندي فيه لين.
وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صالح الحديث وإلى اللين ما هو.
قال الساجي: كان من أهل الصدق، ويحتمل لرواية الجلة - قتادة،
والسفيانين، والحمادين وشعبة، وغيرهم - عنه، وقال الترمذي: صدوق إلا أنه
ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره. والحديث ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير))
وعلي المتقي في ((الكنز)) (ج٢: ص١١٣) ورمزا له ابن ماجه والبيهقي في
((الشعب)) وذكره في ((الكنز)) (ج٢ ص١٢٨) أيضًا وزاد في نسبته الخطيب، وابن
عساكر وذكره ابن رجب في ((شرح الأربعين)) (ص١٦٣) وعزاه لأحمد فقط.
٢٣٨١ - [٣٦] وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، وَالْآخَرُ: عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: إِنَّ
الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَل يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى
ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَّذَا - أَنْ: بِيَدِهِ - فَذَبَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: (لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلِ نَزَلَ فِي
أَرْضِ دَوِّيَّةٍ مَهْلَكَةٍ ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَّامَ نَوْمَةً،
فَاسْتَّقَظَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتْهُ، فَطَلَبَهَا حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطشُّ، أَوْ
مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ
رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ، عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ،
فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ).
[َرَوَى مُسْلِمُ الْمَزْفُوعَ إِلَى رَسُولِ عَّهُ مِنْهُ فَحَسْبٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْمَوَقُوفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُود
أَيْضًا] {صحيح}
الشرح
٢٣٨١ - قوله: (وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) بالتصغير، التيمي من بني تيم
الرباب الكوفي أبو عائشة. قال المؤلف: من كبار التابعين وثقاتهم. وقال
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البخاري (٦٣٠٨) في الرقائق، مُسْلِم (٢٧٤٤) في التوبةِ.
(٢٣٨١) مُيَّـ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٨١
الحافظ: ثقة ثبت من كبار التابعين. وقال ابن عيينة: كان الحارث من علية
أصحاب ابن مسعود توفى آخر خلافة ابن الزبير وأرخه ابن أبي خيثمة سنة إحدى أو
اثنتين وسبعين. (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنٍ) نصبه على المفعول
الثاني، وفي رواية لمسلم قال: دخلت على عبد الله أعوده، وهو مريض فحدثنا
بحديثين. (أَحَدُهُمَا: عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ)، أي: يروى عنه. (وَالْآخَرُ: عَنْ نَفْسِهِ)،
أي: نفس ابن مسعود، يعني: مروي من قوله: (قَالَ) وهو الحديث الموقوف. قال
الحافظ: لم يقع التصريح برفعه إلى النبي ◌ُّ في شيء من نسخ كتب الحديث إلا
ما قرأت في شرح مغلطائي، إنه روي مرفوعًا من طريق وهاها أبو أحمد
الجرجاني، يعني: ابن عدي، انتهى. (إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ)، قال الطيبي:
((ذُنُوبَهُ)) المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، أي: كالجبال، بدليل قوله
في الآخِر: (كَذُبَابٍ مَرَّ)، أي: عظيمة ثقيلة، أو هو قوله: (كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَل
يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ)، قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك: أن قلب المؤمن منور،
فإذا رأى من نفسه ما يخاف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل
بالجبل: أن غيره من المهلكات قد يحصل التَّسَبُّبُ إلى النجاة منه بخلاف الجبل،
إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة.
وحاصله: أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن
العقوبة بسببها، وهذا شأن المؤمن أنه دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله
الصالح ويخشى من صغير عمله السيئ كذا في ((الفتح)). وقال القاري: وهو تشبيه
تمثيل، شبه حاله بالقياس إلى ذنبه، وأنه يرى أنها مهلكة بحاله إذا كان تحت جبل
يخافه، فدل الحديث على أن المؤمن في غاية الخوف، والاحتراز من الذنوب،
ولا ينافيه الاعتدال المطلوب بين الخوف والرجاء في المحبوب؛ لأن رجاء المؤمن
وحسن ظنه بربه في غاية ونهاية، انتهى.
(وَإِنَّ الْفَاجِرَ)، أي: العاصي الفاسق. (يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُّبَابٍ) بضم المعجمة
وموحدتين الأولى خفيفة بينهما ألف الطير المعروف، وفي رواية الإسماعيلي:
((يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهَا ذُبَابٌ))، (مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ) أراد أن ذنبه سهل عنده فلا يبالي به لاعتقاده
عدم حصول ضرر كبير بسببه، كما أن ضرر الذباب عنده سهل. (فَقَالَ بِهِ)، أي :
أشار إلى الذباب أو فعل به. (هَكَذَا)، يعني: نحاه بيده، أو دفعه وذبه وهو من
٥٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إطلاق القول على الفعل قالوا: وهو أبلغ.
(أَيْ: بِيَدِهِ) تفسير للإشارة، أي: دفع الذباب بيده، وقوله: (أَيْ: بِيَدِهِ)، كذا
في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا في ((جامع الأصول)) (ج ٣: ص ٦٥) والذي في
البخاري قال أبو شهاب - راوي الحديث عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن
الحارث بن سويد عن ابن مسعود وهو موصول بهذا السند -: ((بيده فوق أنفه))،
وهو تفسير منه لقوله: ((فقال به))، وعند أحمد، والترمذي: «كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ
فَقَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارَ)). قال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة
خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة،
والفاجر قليل المعرفة بالله فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية .
وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم فوقوع الذنب خفيف
عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية منهم، إذا وعظ يقول: هذا سهل، قال:
والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب؛ كون الذباب أخف الطير وأحقره، وهو
مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء، قال: وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة
الذباب عنده؛ لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالبًا العين قال:
وإشارته بيده تأكيد للخفة أيضًا؛ لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره.
(فَذَبَّهُ عَنْهُ)، تفسیر لما قبله، أي: دفع الذباب عن نفسه وبه سمي الذباب ذبابًا؛
لأنه كلما ذُبَّ آب، أي: كلما دُفِعَ رجع، وليست هذه الجملة في البخاري.
والظاهر: أن المؤلف ذكرها تبعًا للجزري في ((جامع الأصول))، وقد تم الحديث
الموصول على هذا. (ثُمَّ قَالَ)، أي: ابن مسعود. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهَ)، كذا
في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا في ((جامع الأصول)) و((الترغيب)) ولم يقع
التصريح برفعه عند البخاري، نعم وقع بيان ذلك في رواية مسلم مع كونه لم يسق
حديث ابن مسعود الموقوف ولفظه: من طريق جرير عن الأعمش عن عمارة عن
الحارث، قال: دخلت على ابن مسعود أعوده وهو مريض، فحدثنا بحدیثین حديثًا
عن نفسه وحديثًا عن رسول اللّه وَله، قال: سمعت رسول اللّهِوَ له يقول: ((للهُ أَشَدُّ
فَرَحًا ... )) الحديث.
(للهُ) بلام التأكيد المفتوحة. (أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ)، أي: من المعصية إلى الطاعة.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٨٣
قال الطيبي: لما صور حال المذنب بتلك الصورة الفظيعة، أشار إلى أن الملجأ هو
التوبة والرجوع إلى الله تعالى، انتهى. يعني: فحصلت المناسبة بين الحديثين من
الموقوف والمرفوع، وهذا لفظ البخاري، ولمسلم: ((للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ).
(الْمُؤْمِنِ)، هذا من زيادات مسلم وليس عند البخاري. (مِنْ رَجُلٍ) متعلق
بـ(أَفْرَحُ)، (نَزَلَ)، هذا من زيادات البخاري، وليس عند مسلم. (فِي أَرَّضٍ دَوِّيَّةٍ
مَهْلَكَةٍ) بفتح الدال وتشديد الواو المكسورة وتشديد الياء المفتوحة بعدها هاء
التأنيث نسبة إلى الدَّوِّ، بفتح الدال وتشديد الواو، وهي الأرض القفر والفلاة
الخالية، أي: البرية والصحراء التي لا نبات بها، قال ابن الأثير: الدَّوُّ الصحراء،
والدَّوية منسوبة إليها، ووقع في رواية: ((داوية))، وهي أيضًا بتشديد الياء. وقيل:
ذلك لإبدال الواو الأولى ألفًا، وقد يبدل في النسبة على غير قياس نحو طائي في
النسبة إلى طي، و(مَهْلَكَةٍ) بفتح الميم واللام بينهما هاء ساكنة، أي: موضع الهلاك
أو الهلاك نفسه. وقال النووي: وهي موضع خوف الهلاك، ويقال لها: مفازة،
انتهى. وتفتح لامها وتكسر وهما بمعنى، والمراد: يهلك سالكها، أو من حصل
فيها، ويُروى (مُهْلكَةٍ) بضم الميم وكسر اللام اسم فاعل من الثلاثي المزيد فيه،
أي: تهلك هي من يحصل بها، واللفظ المذكور لمسلم، ولفظ البخاري: ((نَزَلَ
مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ))، أي: بالمنزل، أي: فيه مهلكة.
قال الحافظ: كذا في الروايات التي وقفت عليها من ((صحيح البخاري)) بواو
مفتوحة ثم موحدة خفيفة مكسورة، ثم هاء ضمير ثم ذكر الحافظ لفظ مسلم مع
ضبطه وشرحه. (عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ)، زاد الترمذي: ((وَمَا يُصْلِحُهُ))، (فَوَضَعَ رَأْسَهُ
فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ)، أي: فخرج في طلبها واستمر على ذلك،
وهذا لفظ البخاري، ولمسلم: ((فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ فَطَلَبَهَا))، وفي رواية
أحمد، والترمذي: ((فَأَضَلَّهَا فَخَرَجَ فِي طَلَبِهَا)).
(حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشرُ)، هذا لفظ البخاري، ولمسلم: ((حَتَّى أَدْرَكَهُ
الْعَطَشرُ))، ولأحمد، والترمذي: ((حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ))، (أَوْ مَا شَاءَ اللهُ)، قال
الحافظ والعيني والقسطلاني: شك من أبي شهاب راوي الحديث عن الأعمش.
وقال الطيبي: إمَّا شك من الراوي والتقدير، قال رسول اللَّه ◌َّ ذلك (- أَوْ - قَالَ:
٥٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مَا شَاءَ اللهُ)، أو تنويع، أي: اشتد الحر والعطش، أو ما شاء الله من العذاب
والبلاء غير الحر والعطش. قال القاري: والأظهر أن (أَوْ) بمعنى الواو، وهو تعميم
بعد تخصيص، أي: وما شاء اللّه بعد ذلك. (قَالَ)، أي: في نفسه وهو جواب إذا.
(أَرْجِعُ) بفتح الهمزة بلفظ المتكلم، وهذا للبخاري، وعند مسلم ثم قال: ((ارْجَعْ)).
(إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ)؛ لاحتمال أن تعود الراحلة إليه لإلفها له أولاً. (فَأَنَامُ
حَتَّى أَمُوتَ)، أي: أو حتى ترجع إليّ راحلتي. وإنما اقتصر على ما ذكر استبعادًا
الجانب الحياة، ويأسًا عن رجوع الراحلة. (فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ
فَاسْتَيْقَظَ)، أي: فنام فاستنبه. (فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ)، أي: حاضرة أو واقفة.
(فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا)، أي: من فرح هذا الرجل.
(بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ) هذا، فتلك القصة أعيدت لتأكيد القضية، وقوله: (الَّذِي كُنْتُ فِيهِ
فَأَنَامُ .. )، إلى آخر الحديث لفظ مسلم. وللبخاري: قال: ((أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِ فَرَجَعَ
فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ))، وللترمذي: قال: ((أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي
الَّذِي أَضْلَلْتُهَا فِيهِ فَأَمُوتُ فِيهِ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا، رَاحِلَتُهُ عِنْدَ
رَأْسِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَمَا يُصْلِحُهُ))، وهكذا وقع عند أحمد. والحديث: فيه
إشارة إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وأنهم بمكان عظيم عند رب
کریم رءوف رحيم.
G تنبيه:
ذكر مسلم من حديث البراء لهذا الحديث المرفوع سببًا، وأوله: ((كَيْفَ تَقُولُونَ
فِي رَجُلِ انْقَلَتَتْ عَنْهُ رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ قَفْرٍ لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ
وَشَرَابَّ فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ)) فَذَكر معناه، وأخرجه ابن حبان من حديث أبي
هريرة مختصرًا، ذكروا الفرح عند رسول اللَّه وَ لقوله والرجل يجد ضالته فقال: ((للهُ
أَشَدُّ فَرَحًا ... )) الحديث. ذكره الحافظ في ((الفتح)).
(رَوَى مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ)، أي: الحديث المرفوع. (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَهمِنْهُ) أي:
مما ذكر من الحديث المروي المركب من الموقوف والمرفوع. (فَحَسْبُ)، أي:
فقط. (وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْمَوقُوفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا)، وهو: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ ... )
إلخ. وحاصله: أن الحديث المرفوع مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والموقوف من أفراد البخاري،
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٨٥
وأخرج أحمد (ج١: ص٣٨٣)، والترمذي في الزهد الموقوف والمرفوع جميعًا،
وأخرج النسائي في ((الكبرى)) المرفوع فقط، وروي المرفوع أيضًا من حديث البراء
عند أحمد ومسلم، ومن حديث أنس، وقد تقدم، ومن حديث النعمان بن بشير
عند أحمد، ومسلم، ومن حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره، ومن حديث أبي
سعید عند أحمد، وابن ماجه.
٢٣٨٢ - [٣٧] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ)).
[رواه أحمد]
الشرح
٢٣٨٢ - قوله: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُفَتَّنَ) بتشديد التاء المفتوحة،
أي: الممتحن بالذنب. (التَّوَّابَ)، أي: الكثير التوبة، ومحبة اللَّه تعالى له إنما
هي من جهة التوبة. قال في ((النهاية)): المفتن: الممتحن، يمتحنه الله بالذنب، ثم
يتوب، ثم يعود إليه، ثم يتوب منه. قال المناوي: وهكذا؛ وذلك لأنه محل تنفيذ
إرادته، وإظهار عظمته، وسعة رحمته. وقال ابن القيم: ((الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ))، هو
الذي كلما فتن بالذنب تاب منه.
وقال القرطبي: معناه: الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في الذنب
عاد إلى التوبة. وقال القاري: (الْمُفَتَّنَ)، أي: المبتلى كثيرًا بالسيئات، أو
بالغفلات، أو بالحجب عن الحضرات؛ لئلا يبتلى بالعجب والغرور اللذين هما
من أعظم الذنوب وأكثر العيوب، انتهى. والحديث صريح في صحة التوبة مع
وقوع العودة، وفيه: رد على من اشترط لصحة التوبة أن لا يعود إلى ذلك الذنب،
وقال: فإن عاد إليه بان أن توبته باطلة، وقد عزي هذا القول للقاضي أبي بكر
الباقلاني ويرده أيضًا حديث (رقم ٢٢٥٨) المتقدم في الفصل الأول من هذا الباب.
قال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (ج١: ص١٥٢): ومن أحكام التوبة أنه
(٢٣٨٢) أَحْمَد (١/ ٨٠) عنه.
٥٨٦
*E
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هل يشترط في صحتها أن لا يعود إلى الذنب أبدًا أم ليس ذلك بشرط؟ فشرط بعض
الناس عدم معاودة الذنب، فقال: متى عاد تبيَّن أن التوبة كانت باطلة غير
صحيحة، والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط. وإنما صحة التوبة تتوقف على
الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم الجازم على ترك معاودته، فإن كانت في حق
آدمي، فهل يشترط تحلله؟ فيه: تفصيل؛ سنذكره إنْ شاء الله، فإذا عاوده مع عزمه
حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة،
والمسألة مبنية على أصل وهو أن العبد إذا تاب من الذنب، ثم عاوده فهل يعود إليه
إثم الذنب الذي قد تاب منه، ثم عاوده بحيث يستحق العقوبة على الأول والآخر
إن مات مصرًّا؟ أو إن ذلك قد بطل بالكلية فلا يعود إثمه، وإنما يعاقب على هذا
الأخير؟ وفي هذا الأصل قولان؛ ثم ذكرهما مع البسط (ج١: ص١٥٢، ١٥٦)
فارجع إليه إن شئت. والحديث عزاه المؤلف لأحمد، وكذا نسبه إليه السيوطي في
((الجامع الصغير))، وعلي المتقي في ((الكنز)) (ج٤: ص١٢١)، وفيه نظر؛ فإنه
ليس مما رواه أحمد بل هو من زيادات ابنه عبد الله، ومن طريقه رواه أبو نعيم في
((الحلية)) (ج٣: ص١٧٨، ١٧٩)، قال عبد الله: حدثني عبد الأعلى بن حماد
النرسي، حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، حدثنا أبو عبد الله مسلمة الرازي،
عن أبي عمرو البجلي، عن عبد الملك بن سفيان الثقفي، عن أبي جعفر محمد بن
علي، عن محمد ابن الحنيفة، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه وَ له. وهو في ((المسند))
في موضوعين بالسند المذكور (ج١: ص ٨٠، ١٠٣).
قال العلامة الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند)) (ج٢: ص٣٩): إسناده
ضعيف جدًّا. أبو عبد الله مسلمة الرازي لم أجد له ترجمة، وذكر في ((التعجيل))
عوضًا في ترجمة أبي عمرو البجلي، وأبو عمرو البجلي قال في ((التعجيل))
(ص٥٠٨) : - يقال: اسمه عبيدة، روى عنه حرمي بن حفص -، ثم نقل عن ابن
حبان قال : - لا يحلَّ الاحتجاج به -، وعبد الملك بن سفيان الثقفي قال في
((التعجيل)) (ص٢٦٥) : - قال الحسيني: مجهول، والحديث في ((مجمع الزوائد))
(ج ١٠: ص ٢٠٠).
وقال الهيثمي: رواه عبد الله، وأبو يعلى وفيه من لم أعرفه، وعزاه إليهما شيخه
العراقي في (تخريج الإحياء)) (ج٤: ص٥) وقال: سنده ضعيف. قلت: أبو عمرو
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
*
٥٨٧
البجلي قد جزم الحافظ في الكنى من ((لسان الميزان)) (ج٦: ص٤١٩)، بأنه هو
عبيدة بن عبد الرحمن ويؤيده؛ لأن الذهبي ثم الحافظ أورداه في الأسماء هكذا
عبيدة بن عبد الرحمن أبو عمرو البجلي ذكره ابن حبان فقال: روى عن يحيى بن
سعيد حدث عنه حرمي بن حفص يروي الموضوعات عن الثقات، والحديث ذكره
الحافظ في الفتح نقلاً عن القرطبي بلفظ: ((خِيَارُكُمْ كُلَّ مُفْتَنِ تَوَّابٍ))، ثم عزاه
((مسند الفردوس)) عن علي ولم يحكم عليه بشيء، وذكر السيوطي في ((الجامع
الصغير)) وعلي المتقي في (الكنز)) (ج٤: ص١٢٣) بهذا اللفظ، وعزاه للبيهقي في
((الشعب)) عن علي.
٢٣٨٣ - [٣٨] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُوْلُ: ((مَا
أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ﴾
الْآيَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَنْ أَشْرََكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ◌َ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا وَمَنْ أَشْرََ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)).
الشرح
٢٣٨٣- قوله: (مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا)، أي: جميع ما فيها بأن أتصدق
بخيراتها، أو أتلذذ بلذاتها. (بِهَذِهِ الآيَةِ)، أي: بدلها، أي: لو أعدمت هذه الآية،
وأعطيت بدلها جميع الدنيا ما أحببت ذلك وخصت؛ لكونها أرجى آية في القرآن،
حيث دلت على غفران جميع الذنوب، وإلا فغير هذه الآية مثلها في كونه وَالجيل لا
یرضى بجميع الدنيا بدلها .
(﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ﴾ الْآيَةَ) بالحركات الثلاث، وذكر
[الزمر: ٥٣].
في ((المسند)) الآية بتمامها أي: إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
قال الشوكاني: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه؛ لاشتمالها على أعظم
بشارة؛ فإنه أولًا: أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم
وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي
(٢٣٨٣) البَيْهَقِي (٧١٣٧) في ((الشُّعَب)) عنه.
٥٨٨
se
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط
للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب. ثم جاء بما لا يبقى بعده
شك، ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:
٥٣]، فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم
استغراق أفراده، فهو في قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنًا ما كان، إلا ما أخرجه
النص القرآني وهو الشرك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ،
ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله: ﴿حَمِيعًا﴾،
وما أحسن ما علل سبحانه به هذا الكلام قائلًا: ﴿إِنَُّ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾، أي:
كثير المغفرة والرحمة عظيمهما، بليغهما، واسعهما، انتهى.
وقال الطيبي: هي أرجى آية في القرآن؛ ولذلك اطمأن إليها وحشي قاتل حمزة
دون سائر الآيات، انتهى. وقد ذكر البغوي في ((المعالم)) أن عطاء بن أبي رباح
روى عن ابن عباس: أن رسول اللَّه وَسليل أرسل إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام،
فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو زنى أو أشرك ﴿يَلْقَ
﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، وأنا
(٦٩)
(٨) يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلٌُ فِيهِ، مُهَانًا
أَثَامًا
قد فعلت هذا كله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾
[الفرقان: ٧٠]، فقال وحشي : هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك؟ فأنزل
اللَّه رَتْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فقال:
أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أم لا؟ فأنزل اللَّه ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَّ
أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
٥٣
[الزمر: ٥٣]، قال وحشي: نِعْمَ هَذَا، وجاء فأسلم، فقال المسلمون: هذا له خاصة أم
للمسلمين عامة فقال: بل للمسلمين عامة؟ كذا في المرقاة. وذكر الهيثمي هذا
الحديث في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠: ص٢١٤، ٢١٥)، وقال: رواه الطبراني وفيه
أبين بن سليمان وهو ضعيف، انتهى.
(فَقَالَ رَجُلٌ) يا رسول الله. (فَمَنْ أَشْرََكَ)، أي: أهو داخل في الآية، أم خارج
عنها؟ (فَسَكَتَ النَّبِيُّ ◌ِّهِ)، أي: أدبًا مع الله تعالى وانتظارًا لأمره ووحيه. (ثُمَّ قَالَ:
أَلَا) بالتخفيف. (وَمَنْ أَشْرََكَ)، أي: بالتوبة، قال في ((اللمعات)): لولا الواو حملت
إلا على الاستثناء فهي حرف تنبيه، وغفران الإشراك يكون بالتوبة، وهذا لا ينافي
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٨٩
عموم الآية بأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعًا، انتهى.
وقال الطيبي: أجاب بأنه داخل فيكون منهيًا عن القنوط، والواو في و((من))
مانعه من حمل إلا على الاستثناء وموجبة لحملها على التنبيه، انتهى. أي:
والمعنى: إن المشرك داخل في هذه الآية، ومنهي عن القنوط ويغفر ذنبه لكن
بالتوبة. قلت: قوله: (أَلَا وَمَنْ أَشْرَلَكَ)، هكذا وقع في جميع نسخ المشكاة
الحاضر؛ وهكذا في تفسير ابن كثير والشوكاني، ووقع في المسند (ج٥ :
ص٢٧٥) طبعة الحلبي: ((إِلَّا مَنْ أَشْرََكَ))، أي: بسقوط الواو، وعلى هذا فيمكن
حمل إلا على الاستثناء والمعنى إلا المشرك فلا يغفر ذنبه إلا بالتوبة، كما قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] إن كل ذنب كائنًا ما كان ماعدا الشرك بالله مغفور لمن
يشاء الله، أي: يغفر له.
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظرف (قَالَ)) والتكرار لتأكيد الحكم. والحديث في ((المسند))
(ج٥: ص٢٧٥) قال أحمد: حدثنا حسن وحجاج قالا: ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو قبيل
قال: سمعت أبا عبد الرحمن المري، أنه سمع ثوبان - مولى رسول اللّه وَ ل يقول:
((مَا أُحِبُّ ... )) إلخ. وهو في ((مجمع الزوائد» (ج ١٠ : ص٢١٤) وليس فيه ذكر
السؤال والجواب.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وإسناده حسن وذكره ابن كثير في
((تفسيره) عن ((المسند)) مطولًا، وقال: تفرد الإمام أحمد، وزاد الشوكاني في نسبته
ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في ((الشعب))، وعزاه السيوطي
في ((الجامع الصغير)) لأحمد فقط، قال العزيزي: وإسناده صحيح ولا يخفى ما
فیه .
٥٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٨٤ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْحِجَابُ؟ قَالَ:
((أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ)).
[رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْآَخِيَرَ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالْنُّشُورِ]
الشرح
٢٣٨٤ - قوله: (إِنَّ اللهَ تعالى)، وفي ((المسند)): ((إِنَّ اللهَ رَتْ))، (لَيَغْفِرُ) بلام
مفتوحة للتأكيد. (لِعَبْدِهِ)، أي: ما شاء من الذنوب، وفي رواية لأحمد: ((إِنَّ اللهَ
يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ - أو - يَغْفِرُ لِعَبْدِهِ))، وهذا شك من الراوي. (مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ)،
أي: بينه وبين رحمة الله، وقال القاري: أي: الاثْنَيْنِيَّة، قال الله تعالىَ: ﴿لَا نَتَّخِذُواْ
إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]. (وَمَا الْحِجَابُ؟)، هكذا في رواية، ووقع
في أخرى: ((وما وقوع الحجاب؟)) أي: الذي يبعد العبد عن رحمة ربه ومغفرة
ذنبه .
(قَالَ: أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ)، وفي معنى الشرك كل نوع من أنواع
الكفر، والحديث في ((المسند)) (ج٥ : ص١٧٤)، وفي سنده عبد الرحمن بن ثابت
ابن ثوبان العنسي الدمشقي الزاهد. قال الحافظ: صدوق يخطئ ورمي بالقدر
وتغير بآخره، وهو في ((مجمع الزوائد)) (ج١: ص١٩٨).
قال الهيثمي: رواه أحمد، والبراز، وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقد
وثقه جماعة وضعفه آخرون، وبقية رجالهما ثقات، وأحد إسنادي البراز فيه إبراهيم
ابن هانئ وهو ضعيف، انتهى. وذكره في الكنز (ج١ : ص٦٦) ورمز له (حم، خ)
في التاريخ ع، حب، والبغوي في ((الجعديات)): ك، ص، عن أبي ذر رَوُقْلَهُ.
(رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ)، أي: جميعها. (أَحْمَدُ)، أي: في ((مسنده))، وتقدم
الكلام في كل منها. (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَخِيرَ)، أي: الحديث الأخير.
(٢٣٨٤) البَيْهَقِي عَنْه فيه.
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَار وَالتَّوْبَةِ
REXS
٥٩١
EXODE
meshkat almasabee7 nart 9 az eldin .2016 inh 10 B
٢٣٨٥ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يَعْدِلُ
بِهِ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلَ جِبَالٍ ذُنُوبٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالْنُّشُورِ]
الشرح
٢٣٨٥ - قوله: (مَنْ لَقِيَ اللهَ)، أي: من مات. (لَا يَعْدِلُ بِهِ شَيْئًا)، أي: لا
يوازي ولا يساوي بالله شيئًا. قال الطيبي: ويجوز أن المعنى لا يتجاوزه إلى شيء،
فـ(شيئًا) منصوب على نزع الخافض. (فِي الدُّنْيَا) بيان للواقع؛ إذ الإشراك إنما
يكون فيها، وأمَّا الآخرة فكل الناس فيها مؤمنون وإن لم ينفع الكفار إيمانهم.
(ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلَ جِبَالٍ) بالنصب على أنه خبر كان واسمه قوله: (ذُنُوبٌ غَفَرَ
اللهُ لَهُ)، أي: إياها، يعني: جميعها إن شاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَءُ﴾ [النساء: ٤٨]. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ... ) إلخ. وأخرجه ابن مردويه عن أبي الدرداء
بلفظ: ((مَنْ مَاتَ لَا يَعْدِلُ بِاللهِ شَيْئًا ثُمَّ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الذَّنُوبِ مِثْلِ الرِّمَالِ غُفِرَ لَهُ))،
ويؤيده حديث النواس بن سمعان: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا فَقَدْ حَلَّتْ لَهُ
مَغْفِرَتُهُ))، أخرجه الطبراني، وحسن، ويؤيده أيضًا ما روي في ((الصحيحين))
وغيرهما في فضل الإيمان، وكلمة الشهادة من يشاء الوقوف عليه رجع إلى ((الكنز))
(ج١ : ص٧٣ - ٧٥).
٥٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SCORE
٢٣٨٦ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ :
((التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ اْإِيمَانِ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّهْرَانِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَفِي شَرْح
السُّنَّةِ رَوَى عَنْهُ مَوْقُوفًا قَالَ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَالتَّائِبُ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ]
الشرح
٢٣٨٦ - قوله: (التَّائِبُّ مِنَ الذَّنْبِ)، أي: توبة صحيحة وإطلاق الذنب
يشمل الذنوب كلها، فيدل الحديث على أن التوبة مقبولة من أي ذنب كان، وظاهر
الحديث يدل على أن التوبة إذا صحت بشرائطها فهي مقبولة. (كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)،
أي: مثله في عدم تضرره. وقال السندي: ظاهره: أن الذنب يرفع من صحائف
أعماله، ويحتمل أن المراد: التشبيه في عدم العقاب فقط، والله أعلم.
وقال الطيبي: هذا من قبيل إلحاق الناقص بالكامل مبالغة، كما يقال: زيد
كالأسد، إذ لا شك أن المشرك التائب ليس كالنبي المعصوم، وتعقبه ابن حجر:
بأن المراد بـ((مَنْ لَا ذْنَبَ لَّهُ)): من هو عرضة له لكنه حفظ منه، فخرج الأنبياء
والملائكة فليسوا مقصودين بالتشبيه. قال القاري: فالخلاف لفظي. واختلفوا
فيمن عمل ذنوبًا وتاب منها، ومن لم يعملها أصلًا أيهما أفضل؟ قال في
((اللمعات)): والتحقيق إن الحيثية مختلفة.
وقال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (ج١: ص١٦٣): هل المطيع الذي لم
يَعْصٍ خير من العاصي الذي تاب إلى الله توبة نصوحًا، أو هذا التائب أفضل منه؟
اختلف في ذلك: فطائفة رجحت من لم يعص على من عصى وتاب توبة نصوحًا،
واحتجَّوا بوجوه، ثم ذكرها وبلغها إلى عشرة، ثم قال: وطائفة رجحت التائب،
وإن لم تنكر كون الأول أكثر حسنات منه، واحتجت بوجوه؛ ثم ذكرها إلى أن
بلغت أيضًا إلى عشرة وجوه؛ تركنا نقلها؛ لئلا يطول الكلام. والمسألة لطيفة
شريفة جدًّا فعليك أن تراجع ((المدارج))؛ لكي تتبين لك بها مسألة أخرى اختلفوا
(٢٣٨٦) ابن مَاجَهْ (٤٢٥٠) في التوبة، والبَيْهَقِي (٧٠٤٠) في ((الشُّعَب)) عن ابن مسعودٍ رَوَّةُ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٩٣
فيها أيضًا، وهي: أن العبد إذا تاب من الذنب، فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل
الذنب من الدرجة التي حطه عنها الذنب أو لا يرجع إليها؟
قال ابن القيم (ج١ ص١٦١): قالت طائفة: يرجع إلى درجته؛ لأن التوبة تَجُبُّ
الذنب بالكلية وتصيره كأنه لم يكن، والمقتضي لدرجته: ما معه من الإيمان
والعمل الصالح، فعاد إليها بالتوبة، قالوا: ولأن التوبة حسنة عظيمة وعمل
صالح، فإذا كان ذنبه قد حطه عن درجته فحسنته بالتوبة قد رقته إليها، وهذا كمن
سقط في بئر وله صاحب شفيق أدلی إلیه حبلا تمسك به حتى رقي منه إلى موضعه،
فهكذا التوبة العمل الصالح مثل هذا القرين الصالح والأخ الشفيق. وقالت طائفة:
لا يعود إلى درجته وحاله؛ لأنه لم يكن في وقوف، وإنما كان في صعود، فبالذنب
صار في نزول وهبوط، فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذي كان مستعدًّا له
للترقي، قالوا: ومثل هذا مثل رجلين سائرين على طريق سيرًا واحدًا، ثم عرض
لأحدهما ما رده على عقبه أو أوقفه وصاحبه سائر، فإذا استقال هدا رجوعه ووقفته
وسار بإثر صاحبه لم يلحقه أبدًا؛ لأنه كلما سار مرحلة تقدم ذاك أخرى، قالوا:
والأول يسيره بقوة أعماله وإيمانه، وكلما ازداد سيرًا ازدادت قوته، وذلك الواقف
الذي رجع قد ضعفت قوة سيره وإيمانه بالوقوف والرجوع، وسمعت شيخ الإسلام
ابن تيمية يحكي هذا الخلاف، ثم قال: والصحيح أن من التائبين من لا يعود إلى
درجته، ومنهم من يعود إليها، ومنهم من يعود إلى أعلى منها، فيصير خيرًا مما كان
قبل الذنب، وكان داود بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، قال: وهذا بحسب حال
التائب بعد توبته وجده وعزمه وحذره و تشمیره، فإن كان ذلك أعظم مما كان له قبل
الذنب عاد خيرًا مما كان وأعلى درجة، وإن كان مثله عاد إلى مثل حاله، وإن كان
دونه لم يعد إلى درجته وكان منحطًا عنها. وهذا الذي ذكره هو فصل النزاع في هذه
المسألة ويتبين هذا بمثلین مضروبین :
أحدهما: رجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن، فهو يعدو مرة ويمشي
أخرى ويستريح تارة، وينام أخرى، فبينا هو كذلك؛ إذ عرض له في طريق سيره ظل
ظليل، وماء بارد ومقيل، وروضة مزهرة، فدعته نفسه إلى النزول على تلك
الأماكن فنزل عليها، فوثب عليه منها عدو، فأخذه وقيده وكتفه ومنعه عن السير،
فعاين الهلاك، وظن أنه منقطع به وإنه رِزْقُ الوحوش والسباع، وأنه قد حيل بينه
٥٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وبين مقصده الذي يؤمه، فبينا هو على ذلك تتقاذف به الظنون إذ وقف على رأسه
والده الشفيق القادر، فحل كتافه وقيوده، وقال له: اركب الطريق واحذر هذا
العدو، فإنه على منازل الطريق بالمرصاد، واعلم: أنك ما دمت حاذرًا له متيقظًا لا
يقدر عليك، فإذا غفلت وَثَبَ عليك وأنا متقدمك إلى المنزل، وفرط لك فاتبعني
على الأثر. فإن كان هذا السائر كيسًا فطنًا لبيبًا حاضر الذهن والعقل، استقبل سيره
استقبالًا آخر أقوى من الأول وأتم، واشتد حذره وتأهب لهذا العدو وأعد له عدته،
فكان سيره الثاني أقوى من الأول وخيرًا منه، ووصوله إلى المنزل أسرع وإن غفل
عن عدوه، وعاد إلى مثل حاله الأول من غير زيادة ولا نقصان، ولا قوة حذر،
واستعداد؛ عاد كما كان وهو معرض لما عرض له أولًا، وإن أورثه ذلك توانيًا في
سيره وفتورًا، وتذكرًا لطيب مقيله وحسن ذلك الروض، وعذوبة مائه وتفيؤ ظلاله
وسكونًا بقلبه إليه؛ لم يعد إلى مثل سيره ونقص عمَّا كان. المثل الثاني: عبد في
صحة وعافية جسم عرض له مرض، أوجب له حمية وشرب دواء وتحفظًا من
التخليط، ونقص بذلك مادة ردية كانت منقصة لكمال قوته وصحته، فعاد بعد
المرض أقوى مما كان قبله كما قيل :
وَرُبَّا صَحَّتِ الْأَجْسَامُ بِالْعِلَلِ
لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ
وإن أوجب له ذلك المرض ضعفًا في القوة وتدار كه بمثل ما نقص من قوته؛ عاد
إلى مثل ما كان، وإن تدار كه بدون ما نقص من قوته؛ عاد إلى دون ما كان عليه من
القوة، وفي هذين المثلين كفاية لمن تدبرها.
وقد ضرب لذلك مثل آخر برجل خرج من بيته يريد الصلاة في الصف الأول
لا يلوي على شيء في طريقه، فعرض له رجل من خلفه جبذ ثوبه، وأوقفه قليلًا
يريد تعويقه عن الصلاة، فله معه حالان:
أحدهما: أن يشتغل به حتى تفوته الصلاة، فهذه حال غير التائب.
الثاني: أن يجاذبه على نفسه ويتفلت منه؛ لئلا تفوت الصلاة، ثم له بعد هذا
التفلت ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يكون سيره جمزًا ووثبًا؛ ليستدرك ما فاته بتلك
الوقفة، فربما استدركه وزاد عليه. الثاني: أن يعود إلى سيره.
الثالث: أن تورثه تلك الوقفة فتورًا وتهاونًا فيفوته فضيلة الصف الأول أو فضيلة
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٩٥
الجماعة، وأول الوقت، فهكذا حال التائبين السائرين سواء، انتهى كلام ابن
القيم .
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، في باب ذكر التوبة. (وَالْبَيْهَقِيُّ)، والحديث ذكره المنذري
في ((الترغيب))، وقال: رواه ابن ماجه والطبراني، كلاهما من رواية أبي عبيدة بن
عبد الله بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه، ورواه الطبراني رواةُ الصحيح، ورواه
ابنٍ أبي الدنيا والبيهقي مرفوعًا أيضًا من حديث ابن عباس وزاد: ((وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنَ
الذّتْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئٍ بِرَبَّهِ))، وقد روي بهذا الزيادة موقوفًا ولعله
أشبه، انتھی.
وقال الهيثمي (ج ١٠: ص٢٠٠) بعد ذكر حديث ابن مسعود: رواه الطبراني
ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، انتهى. وقال السخاوي
في ((المقاصد الحسنة)): رواه ابن ماجه، والطبراني في ((الكبير))، والبيهقي في
((الشعب)) من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رفعه، ورجاله ثقات،
بل حسنه شيخنا الحافظ ابن حجر، يعني: لشواهده، وإلا فأبو عبيدة جزم غير
واحد بأنه لم يسمع من أبيه، انتهى. وقال ابن الديبع الشيباني (ص٦٧) بعد ذكر
كلام السخاوي هذا: وللحديث شواهد ضعيفة.
(وَقَالَ)، أي: البيهقي. (تَفَرَّدَ بِهِ)، أي: بنقل هذا الحديث. (النَّهْرَانِيُّ) بفتح
النون وسكون الهاء. (وَهُوَ مَجْهُولٌ)، إمَّا عينه أو حاله، وقد تقدم أن رجال الطبراني
رجال الصحيح، وكذا رجال ابن ماجه ثقات، والعلة فيه إنما هي الانقطاع في
إسناده، ولم أجد للنهراني هذا في ما عندي من كتب الرجال ترجمة.
(وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ رَوَى)، أي: البغوي، ويحتمل أن يكون بصيغة المجهول.
(عَنْهُ)، أي: عن ابن مسعود. (مَوْقُوفًا)، لكنه في حكم المرفوع. (قَالَ: النَّدَمُ)،
أي: على المعصية، أي: لكونها معصية وإلا فإذا ندم عليها من جهة أخرى، كما
إذا ندم على شرب الخمر من جهة صرف المال عليه، فليس من التوبة في شيء.
(تَوْبَةٌ) معناه: إنه معظمها ومستلزم لبقية أجزائها عادة، فإن النادم ينقطع من الذنب
في الحال عادة، ويعزم على عدم العود إليه في الاستقبال، وبهذا القدر تتم التوبة
إلا في الفرائض التي يجب قضاؤها، فتحتاج التوبة فيها إلى القضاء، وإلا في
حقوق العباد فتحتاج فيها إلى الاستحلال، أي: الرد والندم، يعني: على كل ذلك
٥٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كما لا يخفى، قاله السندي. وقال القاري: ((الَّدَمُ تَوْبَةٌ))، أي: أعظم أركانها
الندامة؛ إذ يترتب عليها بقية الأركان من القلع والعزم على عدم العود، وتدارك
الحقوق ما أمكن، وهو نظير: ((الحَجُّ عَرَفَةَ)) إلا أنه عكس مبالغة. والمراد: الندامة
على فعل المعصية من حيث أنها معصية لا غير، انتهى.
قلت: اختلفوا في حد التوبة؛ فقال بعضهم: إنها الندم. وقال بعضهم: إنها
العزم على أن لا يعود. وقال بعضهم: هي الإقلاع عن الذنب، ومنهم من يجمع بين
الأمور الثلاثة وهي أكملها. قال الحافظ: وقال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق
الندم على وقوع الذنب منه؛ فإنه يستلزم الإقلاع عنه والعزم على عدم العود فهما
ناشئان عن الندم لا أصلان معه. ومن ثَمَّ جاء الحديث ((الندم توبة))، وهو حديث
حسن من حديث ابن مسعود، وأخرجه ابن ماجه، وصححه الحاكم، وأخرجه ابن
حبان من حديث أنس وصححه، وقال أيضًا: قد تمسك من فسر التوبة بالندم بما
أخرجه أحمد، وابن ماجه، وغيرهما من حديث ابن مسعود رفعه: ((النَّدَمُ تَوْبَةٌ)»،
ولا حجة فيه؛ لأن المعنى الحض عليه وإنه الركن الأعظم في التوبة لا أنه التوبة
نفسها، انتھی.
(وَالتَّائِبُ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)، أي: فإذا تاب توبة صحيحة خرج من ذنوبه كيوم
ولدته أمه، وحديث ابن مسعود هذا رواه أحمد (ج١: ص٢٧٦: ٤٢٣: ٦٣٣)،
والبخاري في ((تاريخه الكبير)) (٣٤١/١/٢ - ٣٤٣)، وابن ماجه في باب ذكر
التوبة، والحاكم (ج٤: ص ٢٤٣) مختصرًا، أي: بدون قوله: ((التَّائِبُ كَمَنْ لَا
ذَنْبَ لَهُ))، وحسنه الحافظ وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وانظر ((التهذيب))
(ج ٤: ص٣٨٤، ٣٨٥)، وذكر البخاري أسانيد كثيرة للحديث يظهر من بعضها أنه
رواه بعضهم موقوفًا من قول ابن مسعود، ولا يضر ذلك؛ لكثرة من رفعه؛ ولأن
الرفع زيادة من الثقة، وله شواهد من حديث أنس، أخرجه الحاكم (ج٤ :
ص٢٤٣)، والبزار، والبيهقي، وابن حبان، ومن حديث وائل بن حجر، أخرجه
الطبراني، ومن حديث ابن أبي سعيد عن أبيه أخرجه الطبراني، وأبو نعيم في
((الحلية))، ومن حديث أبي هريرة، أخرجه الطبراني في ((الصغير)) ذكرها في
((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص١٩٩) مع الكلام عليها.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحُمةِ اللَّهِ
SCHENSE **
٥٩٧
٥ - بَابُ [سِعَهُ رَحْمَةِ اللَّهِ]
(بَابٌ) بالرفع منونًا وبالوقوف مسكنًا، ولم يذكر العنوان وغالب أحاديثه في
رحمة الرحمن الباعثة على التوبة من العصيان والموجبة للرجاء وعدم اليأس من
الغفران، قاله القاري. وقلت: وقع في بعض النسخ: باب في سعة رحمة الله، ولا
يخفى مناسبته للأحاديث المذكورة فيه.
الفصل الأول
٢٣٨٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((لَمَّا قَضَى اللَّهُ
الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)).
فِي رِوَايةٍ ((غَلَبَتْ غَضَبِي))(*).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٨٧- قوله: (لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ)، أي: خلق المخلوقات كقوله:
﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن، وقضى يطلق بمعنى حكم وأتقن
وفرغ، وأتم وأمضى، وأنفذ، وكل صنعة محكمة متقنة فهي قضاء، وقال القاري:
(لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ))، أي: حين قدر الله خلق المخلوقات وحكم بظهور
الموجودات، أو حين خلق الخلق يوم الميثاق أو بدأ خلقهم، انتهى. قلت: وقع
(٢٣٨٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٧٥٥٣/ ٧٥٥٤) فِي التَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِ، مُسْلِم (١٥/
٢٧١٥) فِي التَّوْبَةِ، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٧٧٥٠) فِي النُّعُوتِ.
(#) هِيَ فِي البُخَارِي.
٥٩٨
eser #
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في رواية البخاري في باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] من
قلے
كتاب التوحيد: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ))، وهكذا وقع في رواية لأحمد، ومسلم،
وللترمذي: ((إِنَّ اللهَ حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ)) .
(كَتَبَ كِتَابًا)، وفي رواية لهما: ((كَتَبَ فِي كِتَابِهِ»، أي: في اللوح المحفوظ
بأمره للملائكة أن يكتبوا أو للقلم، ويؤيده حديث عبادة بن الصامت: ((أَوَّلُ مَا خَلَقَ
اللهُ الْقَلَمَ - أي: بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش - ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ
كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))، وحديث: ((جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))، أو
الكتابة كناية عن الإثبات والإبانة والإخبار به. ووقع عند الترمذي، وابن ماجه:
((كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ))، أي: موجبًا إياه على نفسه بمقتضى وعده، وليس الكتب
للاستعانة؛ لئلا ينساه تعالى، فإنه منزه عن ذلك لا يخفى عنه شيء، وإنما ذلك
لأجل الملائكة الموكلين بالمكلفين، فإن قيل: ما وجه تخصيص هذا بالذكر مع أن
القلم كتب كل شيء؟
قلت: لما فيه من الرجاء الكامل، وإظهار أن رحمته وسعت كل شيء بخلاف
غيره. (فَهُوَ)، أي: ذلك الكتابة بمعنى المكتوب، وقيل: عمله أو ذكره. (عِنْدَهُ)،
أي: عندية المكانة لا عندية المكان، لتنزهه عن سمات الحدثان. (فَوْقَ عَرْشِهِ)
مكنونًا عن سائر الخلق مرفوعًا عن حيز الإدراك. قال الحافظ: فلا تكون العندية
مكانية بل هي إشارة إلى كمال كونه مخفيًّا عن الخلق مرفوعًا عن حيز إدراكهم،
وفيه: تنبيه نبيه على تعظيم الأمور وجلالة القدر.
قال الخطابي: المراد بالكتاب أحد شيئين؛ أمَّا القضاء الذي قضاه كقوله تعالى:
وْكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]، أي: قضى ذلك، قال: ويكون معنى
قوله: فوق العرش، أي: عنده علم ذلك فهو لا ينساه ولا يبدله؛ كقوله تعالى: ﴿فِ
كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، وَأمَّا اللوح المحفوظ الذي فيه ذكر أصناف
الخلق وبيان أمورهم وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم، ويكون معنى فهو عنده فوق
العرش، أي: ذكره وعلمه، وكل ذلك جائز في التخريج. قيل: العندية المكانية
المعروفة مستحيلة في حقه تعالى، فهي محمولة على ما يليق به أو مفوضة إليه.
قلت: هي خبر جاء به التوقيف، فقلنا به ونفينا عنه التكييف إذ ليس كمثله شيء،
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحُمةِ اللَّهِ
٥٩٩
فالأولى بل المتعين إمراره على ظاهره كما جاء من غير تصرف فيه. (إِنَّ رَحْمَتِي)
بكسر الهمزة وتفتح. قال الحافظ: بفتح (أن)) على أنها بدل من الكتاب وبكسرها
على أنها ابتداء كلام يحكي مضمون الكتاب. قال القاري: ويؤيد الثاني رواية
للشيخين: ((إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)).
(سَبَقَتْ غَضَبِي، وَفِي رِوَايَةٍ: غَلَبَتْ غَضَبِي)، الرواية الثانية للبخاري فقط أوردها
في بدء الخلق، ولفظ مسلم: (تَغْلِبُ))، وكذا وقع عند البخاري في باب قوله:
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] قال القاري: (غَلَبَتْ غَضَبِي)، أي: غلبت آثار
رحمتي على آثار غضبي وهي مفسرة لما قبلها، والمراد: بيان سعة الرحمة وكثرتها
وشمولها الخلق، حتى كأنها السابق والغالب كما يقال: غلب على فلان الكرم، إذا
كان هو أكثر خصاله وإلا فرحمة الله وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادته الثواب
والعقاب، وصفاته لا توصف بغلبة إحداهما على الأخرى. وإنما هو على سبيل
المبالغة للمجاز.
وقيل: السبق والغلبة باعتبار التعلق، أي: تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق
الغضب؛ لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة. وأمَّا الغضب فإنه متوقف على سابقة
عمل من العبد الحادث، وبهذا التقرير يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل
الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين، ثم يخرج بالشفاعة
وغيرها. وقال التوربشتي: في سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق منها أكثر من
قسطهم من الغضب، وإنها تنالهم من غير استحقاق، وإن الغضب لا ينالهم إلا
باستحقاق، ألا ترى أن الرحمة تشمل الإنسان جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا من غير
أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب
ما يستحق معه ذلك.
وقال الطيبي: أي: لما خلق الخلق حكم حكمًا جازمًا، ووعد وعدًا لازمًا لا
خلف فيه، بأن رحمتي سبقت غضبي، فإن المبالغ في حكمه إذا أراد أحكامه عقد
عليه سجلاً وحفظه، ووجه المناسبة بين قضاء الخلق وسبق الرحمة؛ إنهم
مخلوقون للعبادة شكرًا للنعم الفائضة عليهم، ولا يقدر أحد على أداء حق الشكر،
وبعضھم یقصرون فيه فسبقت رحمته في حق الشاکر بأن وفی جزائه، وزاد عليه ما