Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَدَعْوَةُ الْمَرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ) من علَّته، أو يتعافى، أو يموت. (وَدَعْوَةُ الْأَخْ لِأَخِيهِ)
في الدين. (بِظَهْرِ الْغَيْبِ)، أي: بحيث لا يشعر، وإن كان حاضرًا في المجلس.
(وَأَسْرَعُ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ: إِجَابَةُ دَعْوَةِ الْأَخْ) لأخيه. (بِظَهْرِ الْغَيْبِ)؛ لدلالتها على
خلوص النية وصفاء الطوِيَّة والبقية لا تخلو دعوتهم عن حظوظهم النفسية
وأغراضهم الطبيعية، ولذا ورد: ((اللَّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه))
المسلم كذا في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)، وكذا في ((شعب الإيمان)) كما في ((الجامع
الصغير)) و((الكنز))، والله أعلم بحال إسناده.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٢١
١ - بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَدْ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
(بَابُ ذِكْرِ اللـهِ رَكَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ)، أي: فضل ذكر الله. (وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ)،
أي: التقرب بذكر الله إلى الله، المراد بالذكر هنا: الإتيان بالألفاظ التي ورد
الترغيب في قولها والإكثار منها، مثل الباقيات الصالحات وهي: سبحان الله
والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وما يلتحق بها من الحوقلة، والبسملة،
والحسبلة، والاستغفار، ونحو ذلك والدعاء بخير الدنيا والآخرة. ويطلق ذكر الله
أيضًا، ويراد به: المواظبة على العمل بما أوجبه، أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة
الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة. ثم الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر
عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه
وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار
معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالًا ،
فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالًا،
فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال، قاله الحافظ.
وقال الفخر الرازي: المراد بذكر اللسان: الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد
والتمجيد والذكر بالقلب: التفكر في أدلة الذات والصفات، وفي أدلة التكاليف
من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها وفي أسرار مخلوقات الله، والذكر
بالجوارح هو أن تصير مستغرقة في الطاعات ومن ثمَّ سمَّى اللَّه تعالى الصلاة
ذكرًا، فقال: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ونقل عن بعض العارفين. قال: الذكر
على سبعة أنحاء، فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان
بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلوب بالخوف والرجاء
وذكر الروح بالتسليم والرضا.
وقال القاضي عياض: ذكر القلب نوعان؛ أحدهما: وهو أرفع الأذكار وأجلها
الفكر في عظمة الله وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه، ومنه
حديث: ((خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ))، - أخرجه أحمد وأبويعلى من حديث سعد بن أبي
٣٢٢
HA
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقاص ذكره الهيثمي (ج ١٠ ص٨١) مع الكلام عليه - والمراد به هذا.
والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي، فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهى عنه،
ويقف عما أشكل عليه. وأمَّا ذكر اللسان مجردًا فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه
فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث، قال: وذكر ابن جرير الطبري وغيره اختلاف
السلف في ذكر القلب واللسان أيهما أفضل.
قال القاضي: والخلاف عندي إنما يتصور في مجرد ذكر القلب؛ تسبيحًا وتهليلًا
وشبههما، وعليه يدل كلامهم لا أنهم مختلفون في الذكر الخفي الذي ذكرناه أوَّلًا
فذلك لا يقاربه ذكر اللسان، فكيف يفاضله؟ وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح
المجرد ونحوه. والمراد بذکر اللسان مع حضور القلب، فإن کان لا هيًا فلا خلاف
في فضل الذكر بالقلب حينئذ، واحتجَّ من رجَّح ذكر القلب وحده بأن عمل السر
أفضل. ومن رجح ذكر اللسان، أي: مع حضور القلب.
قال: لأنَّ العمل فيه أكثر؛ لأنهُ زاد باستعمال اللسان فاقتضى زيادة أجر.
قال النووي: والصحيح أن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب
وحده .
وقال ابن القيم في ((الوابل الصيب)): الذكر يكون بالقلب واللسان تارة، وذلك
أفضل الذكر وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة وهي
الدرجة الثالثة، فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان. وإنما كان ذكر القلب
وحده أفضل من ذكر اللسان وحده؛ لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة
ويثير الحياء ويبعث على المخافة، ويدعوا إلى المراقبة ويزع عن التقصير في
الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئًا من
هذه الآثار، وإن أثمر شيئًا منها فثمرة ضعيفة، انتهى.
قال النووي في ((الأذكار)): فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل
والتحميد والتكبير ونحوها، بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله - تعالى -
كذا قاله سعيد بن جبير وغيره من العلماء.
وقال عطاء: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع،
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٢٣
BOE
وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلق، وتحج وأشباه هذا.
وقال ابن حجر: مجالس الذكر مجالس سائر الطاعات، ومن قال: هي مجالس
الحلال والحرام أراد التنصيص على أخص أنواعه.
وقال النووي: أيضًا الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبة كانت، أو
مستحبة لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحیث یسمع نفسه، إذا كان
صحیح السمع لا عارض له.
قال القاري: ومقصوده الحكم الفقهي، وهو أنه إذا قرأ في باطنه حال القراءة أو
سبح بلسان قلبه حال الركوع والسجود، لا يكون آتيًا بفرض القراءة وسنة التسبيح
لا أن الذكر في القلبي لا يترتب عليه الثواب الأخروي هذا، وقد ورد الذكر القرآن
على عشرة أوجه يدل كل واحد منها على أهميته وغاية عظمته، وقد سردها ابن
القيم في ((مدارج السالكين))، وقال في ((الوابل الصيب)) بعد سرد الأحاديث في
فضل الذكر: وفي الذكر أكثر من مائة فائدة، ثم ذكر منها تسعًا وسبعين فائدة مع
البسط من أحب الوقوف على ذلك رجع إلى هذين الكتابين .
٣٢٤
FETNt
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٢٢٨٣، ٢٢٨٤ - [١، ٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﴿ّا قَالَا:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ حَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ،
وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)).
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٢٨٣، ٢٢٨٤ - قوله: (لَا يَقْعَدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ)، قال ابن حجر:
التعبير بالقعود للغالب كما هو ظاهر؛ لأنَّ المقصود حبس النفس على ذكر الله مع
الدخول في عداد الذاكرين؛ لتعود عليه بركة أنفاسهم ولحظ إيناسهم، انتهى.
وقيل: فيه: إشارة إلى أن القعود أحسن هيئات الذكر؛ لدلالته على جميعة الحواس
الظاهرة والباطنة. وقيل: هو كناية عن الاستمرار ومداومة الأذكار. (إِلَّا حَفَّتْهُمُ)
بتشديد الفاء، أي: أحاطت بهم. (الْمَلَائِكَةُ)، أي: الذين يطوفون في الطرق
يلتمسون أهل الذكر. (وَغَشِيَتْهُمُ) بكسر الشين، أي: غطتهم. (الرَّحْمَةُ) الخاصة
بالذاكرين .
قال السندي: أي: غطتهم الرحمة من كل جانب؛ إذ الغشيان يستعمل فيما
يشمل المغشي من جميع جوانبه. وقال الشوكاني: قوله: ((حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ))،
أي: أحدقت بهم واستدارت عليهم، ومعنى: ((غشيتهم الرحمة)): سترتهم من
التغشي بالثواب. (وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ)، أي: الطمأنينة والوقار؛ لقوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ
فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِينَ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَانًّا مَعَ إِيمَِهِمْ﴾ [الفتح: ٤) وقيل: المراد بالسكينة الرحمة ويرد
ذلك عطفها على قوله: ((غشيتهم الرحمة)). وقيل: إنها الملائكة. وقيل: هي ما
(٢٢٨٣)، (٢٢٨٤) مُسْلِم (٣٩/ ٢٧٠٠)، وَالتِّرْ مِذِي فِي الدَّعَوَاتِ، وَابن مَاجَهْ فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةً.
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٢٥
يحصل به السكون وقوة القلب وذهاب الظلمة النفسانية. وقال ابن القيم في
((مدارج السالكين)): وقد ذكر الله تعالى السكينة في كتابه في ستة مواضع:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ: أَن يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ
فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨].
الثاني: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦].
الثالث: قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً فَأَنزَّلَ اللَّهُ
سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
الرابع: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ السَّكِنَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: ٤].
الخامس: قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
(*)﴾ [الفتح: ١٨].
فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
السادس: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ
فَأَنزَلَ اَللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٦]. وكان شيخ الإسلام ابن
تيمية أَخْتُهُ إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة، وقد جربت أنا أيضًا قراءة
هذه الآيات عند اضطراب القلب، فرأيت لها تأثيرًا عظيمًا في سكونه وطمأنينته.
وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله اللّه في قلب عبده عند
اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ويوجب له زيادة
الإيمان وقوة اليقين والثبات؛ ولهذا أخبر ◌َلَ عن إنزالها على رسوله وعلى
المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب كيوم الهجرة؛ إذ هو وصاحبه في الغار
والعدو فوق رؤوسهما لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين؛ إذ
ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية
حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار ودخولهم تحت شروطهم التي تحملها
النفوس، وحسبك بضعف عمر عن حملها وهو عمر حتى ثبته اللَّه بالصديق.
قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة. ثم
بين ابن القيم الفرق بين السكينة والطمأنينة، فقال الفرق بينهما: أنَّ السكينة صولة
٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تورث خمود الهيبة الحاصلة في القلب وذلك في بعض الأوقات، فليس حكمًا
دائمًا مستمرًّا، وهذا يكون لأهل الطمأنينة دائمًا ويصحبه الأمن والأنس
والاستراحة. والفرق الثاني: أنَّ السكينة تكون نعتًا لا تزول وقد تكون حينًا بعد
حين. وأمَّا الطمأنينة فهي لا تفارق صاحبها. والفرق الثالث: أنَّ السكينة بمنزلة من
واجهه عدو يريد هلاكه، فهرب منه عدوه فسكن روحه، والطمأنينة بمنزلة حصن
رآه مفتوحًا فدخله وأمن فيه و تقوی بصاحبه وعدته، انتهى.
(وَذَكَرَهُمُ اللهُ)، أي: مباهاة وافتخارًا بهم بما يعظم به شأنهم، ويرتفع به
مكانهم من الثناء الجميل عليهم، ووعد الجزاء الجزيل لهم. (فِيْمَنْ عِنْدَهُ)، أي:
من الملائكة المقربين الذين كانوا يدعون لأنفسهم التسبيح والتقديس ولبني آدم
الفساد وسفك الدماء، ووجه المفاخرة بهم: أنهم مع موانعهم من النفس والشيطان
وسائر العلائق والعوائق لا يغفلون عن ذكره ويقومون بوظيفة شكره.
وفي الحديث: ترغيب عظيم للاجتماع على الذكر، فإن هذه الخصائص الأربع
في كل واحدة منها على انفرادها ما يثير رغبة الراغبين، ويقوي عزم الصالحين على
ذكر رب العالمين، ووقع في حديث أبي هريرة عند مسلم من وجه آخر: «مَا اجْتَمَعَ
قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ
السَّكِينَةُ ... )) إلخ. قال النووي: في هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في
المسجد وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره. وتأوله بعض أصحابه
ويلتحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة ورباط ونحوهما إن
شاء الله، ويدل عليه الحديث الذي بعده - يعني: الذي نحن في شرحه - فإنه
مطلق يتناول جميع المواضع ويكون التقييد في هذا الحديث خرج على الغالب لا
سيَّما في ذلك الزمان، فلا يكون له مفهوم يعمل به، انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في
(الدعوات))، وكذا الترمذي وابن ماجه ونسبه الشوكاني في ((تحفة الذاكرين))
لأحمد وأبي داود الطيالسي، وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن حبان وابن أبي شيبة
وابن شاهين في ((الترغيب في الذكر)) أيضًا.
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٢٧
٢٢٨٥ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَسِيرُ فِي
طَرِيقٍ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَل يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: ((سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ
الْمُفَرِّدُونَ)). قَالُوا: وَمَا أَلْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّاكِرَاتُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٢٨٥ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَسِيرُ فِي طَرِيقٍ مَكَّةً)، يحتمل أن يكون
ذاهبًا إلى مكة، أو راجعًا إلى المدينة. (فَمَرَّ عَلَى جَبَلِ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانٌ)، بضم
الجيم وسكون الميم وفي آخره نون، جبل على ليلة منَ المدينة. (فَقَالَ: سِيرُوا)،
أي: سيرًا حسنًا مقرونًا بذكر وحضور وشكر وسرور. (هَذَا جُمْدَانُ)، ومع جماديته
يشعر بذكر الرحمن ويستبشر بمن مرَّ عليه من أرباب العرفان، كما ورد أن الجبل
ينادي الجبل باسمه، أي فلان: هل مرَّ بك أحد ذكر اللَّه؟ فإذا قال: نعم، استبشر،
رواه الطبراني عن ابن مسعود من قوله. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
(سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ) قال الجزري: هو بضم الميم وفتح الفاء وكسر الراء مشددة كذا
روينا وضبطنا عن شيوخنا. وقال النووي في ((شرح مسلم)): بفتح الفاء وكسر الراء
المشددة هكذا نقله القاضي عن متقني شيوخهم، وذكر غيره أنه روي بتخفيفها
وإسكان الفاء. وقال في ((الأذكار)): روي ((الْمُفَرِّدُونَ))، بتشديد الراء وتخفيفها
والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد، يقال: فَرَدَ الرجلُ في رأيه وأُفَرَدَ وفَرَّدَ
وأُستَقْرَدَ كله بمعنَّى، أي: استقل به وتخلى بتدبيره. والمراد به: الذين تفردوا
بذكر الله تعالى وانفردوا واعتزلوا عن الناس للتعبد. وقيل: هم الذين هلك أترابهم
من الناس، وذهب القرن الذين كانوا فيه وانفردوا عنهم وبقوا بعدهم يذكرون الله
تعالى. وقال ابن الأعرابي: يقال: فرد الرجل إذ تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة
الأمر والنهي. (قَالُوا)، أي: بعض الصحابة. (وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟)، أي: من هم؟
(٢٢٨٥) مُسْلِم (٤ / ٢٦٧٦) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٣٢٨
eCEi
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
E
[الشمس: ٥] والواو رابطة
(فَمَا) بمعنى من، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
بين السؤال والجواب. وقيل: الواو للعطف على محذوف، كأنهم قالوا: لا نعلم
المفردين ونقول: ما المفردون؟ وقيل: الواو زائدة للتحسين. قال التوربشتي: فإن
قيل: لِمَ قالوا: ما المفردون؟ ولم يقولوا: مَن المفردون؟ قلنا: لأنهم فتشوا عن
معرفة معنى هذا اللفظ عند الإطلاق ما هو المراد منه لا تعيين المتصفين به وتعريف
أشخاصهم، يعني: أن السؤال عن الصفة، أي: التفريد أو الإفراد، فأجاب ◌َ له بأن
التفريد الحقيقي المتعبد هو تفريد النفس بذكر اللَّه تعالى. وقيل: الأظهر أنَّ ((مَا))
هاهنا تغليب غير ذوي العقول؛ لكثرتهم على ذوي العقول لقلتهم لما حرر في محله
أن الأشياء كلها له حظ من الذكر والتسبيح ومعرفة الرب والخشية منه. (الذَّاكِرُونَ
اللهَ كَثِيرًا)، أي: ذكرًا كثيرًا. واختلف في تفسير الكثرة؛ فقال ابن عباس: كثرة
الذكر يحصل بالذكر في أدبار الصلاة والغدو والعشي وفي المضاجع، وكلما
استيقظ من نومه وكلما غدا أو راح من منزله. وقال مجاهد: يحصل بذكره قيامًا
وقعودًا واضطجاعًا. وقال عطاء: بإقامة الصلوات الخمس مع حقوقها، وسئل ابن
الصلاح عن ذلك، فقال: بالمواظبة على الأذكار المأثورة المثبتة صباحًا ومساءً في
الأوقات والأحوال المختلفة ليلًا ونهارًا، وهي مبينة في كتاب ((عمل اليوم
والليلة))، وهذه الأقوال ذكرها النووي في ((الأذكار)). (وَالذَّاكِرَاتِ)، قال النووي:
تقديره: والذاكراته، فحذفت الهاء هنا كما حذفت في القرآن لمناسبة رؤوس
الآي؛ ولأنه مفعول يجوز حذفه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي
والحاكم (ج ١ ص ٤٩٥)، ولفظ الترمذي في ((الجواب)): قال: المستهترون في
ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافًا، والمستهترون بضم
الميم وفتح التاءين. قال في ((جامع الأصول)): المستهتر بالشيء المولع به المواظب
عليه عن حب ورغبة فيه. وقال في ((النهاية)): يقال: أهتر فلان بكذا واستُهِر فهو
مُهتر به ومسْتهتَر، أي: مولع به لا يتحدث بغيره ولا يفعل غيره، انتهى. وقال
المنذري: المستهترون بذكر الله هم المولعون به المداومون عليه لا يبالون ما قيل
فيهم ولا ما فعل بهم. وقال ابن القيم في ((الوابل الصيب)): أهتر بالشيء يرفعه
وفيه: أولع به ولزمه وجعله دأبه، وكذا استهتر فيه وبه أي: الذين أولعوا بذكر
اللَّه، وفيه تفسير آخر: أن اهتروا في ذكر الله، أي: كبروا وهلك أقرانهم وهم في
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
=* B
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٢٩
ذكر الله يقال: أهتر الرجل، فهو مهتر، إذا سقط في كلامه من الكبر. والهتر:
السقط من الكلام كأنه بقي في ذكر اللَّه حتى خرف وأنكر عقله، والهتر: الباطل
أيضًا، ورجل مستهتر إذا كان كثير الأباطيل. وحقيقة اللفظ: أنَّ الاستهتار:
الاستكثار من الشيء والولوع به حقًّا كان أو باطلًا، وغلب استعماله على المبطل،
حتى إذا قيل: فلان مستهتر لا يفهم منه إلا الباطل. وإنما إذا قيد بشيء تقید به نحو :
هو مستهتر، وقد أهتر في ذكر الله، أي: أولع به وأغري به. ويقال: استهتر فيه
وبه، انتهى. والحديث رواه الطبراني في ((الكبير)) عن أبي الدرداء، وفيه ضعف.
٢٢٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَثَلُ الَّذِي
يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢٨٦- قوله: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ) زاد أبوذر بعد هذه:
((رَبَّهُ))، (مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) بفتح الميم والمثلثة في ((مثل)) في الموضعين. وهو لف
ونشر مرتب، شبه الذاكر بالحي الذي ظاهره متزين بنور الحياة وإشراقها فيه
وبالتصرف التام فيما يريده، وباطنه بنور العلم والفهم والإدراك، كذلك الذاكر
مزين ظاهره بنور العلم والطاعة، وباطنه بنور العلم والمعرفة فقلبه مستقرٌ في
حظيرة القدس، وسره في مخدع الوصل، وغير الذاكر عاطل ظاهره وباطل باطنه .
وقيل: موقع التشبيه بالحي والميت لما في الحي من النفع لمن يواليه والضرر
لمن يعاديه وليس ذلك في الميت، وفي هذا التمثيل منقبة للذاكر جليلة وفضيلة له
نبيلة وإنه بما يقع منه من ذكر الله رك في حياة ذاتية وروحية لما يغشاه من الأنوار،
ويصل إليه من الأجور، كما أن التارك للذكر، وإن كان في حياة ذاتية فليس لها
اعتبار، بل هو شبيه بالأموات الذين لا يفيض عليهم بشيء مما يفيض على الأحياء
(٢٢٨٦) الْبُخَارِي (٦٣٠٧) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَلِمُسْلِم (٧٧٩) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ: ((مَثَلُ
البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ تَعَالَى فِیهِ)».
٣٣٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المشغولين بطاعة الله رم ومثل ما في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْنًا
فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، والمعنى: تشبيه الكافر بالميت وتشبيه الهداية إلى الإسلام
بالحياة .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري أخرجه في كتاب الدعوات، ورواه مسلمٍ في كتاب
الصلاة - في باب استحباب صلاة النافلة في بيته - بلفظ: ((مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ
اللهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))، وكذا أخرجه
الإسماعيلي وابن حبان في ((صحيحه)) وأبوعوانة، فلعل البخاري رواه بالمعنى،
فإن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا المسكن، وإن إطلاق الحي
والميت في وصف البيت إنما يراد به ساكن البيت، فهو من باب ذكر المحل وإرادة
الحال. وقيل: معنى قوله: ((مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))، وفي رواية مسلم: أي: مثل
قلبهما، أو مثل مكانهما، ولذا ورد: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا))، أي: خالية عن
الذكر .
٢٢٨٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((يَقُولُ اللَّهُ
تعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ
ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِ فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢٨٧- قوله: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي) المؤمن. (بِي)، قال الطيبي أخذًا عن
التوربشتي: الظن لما كان واسطة بين الشك واليقين، استعمل تارة بمعنى: اليقين،
وذلك إنْ ظهرت إماراته، وتارة بمعنى: الشك إذا ضعفت علاماته، وعلى المعنى
الأول: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، أي: يوقنون، وعلى،
المعنى الثاني: قوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩]، أي:
(٢٢٨٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٧٤٠٥) فِي التَّوْحِيدِ، مسْلِم (٢/ ٢٦٧٥)، والتِّرْمِذِي
(٣٦٠٣) فِي الدَّعَوَاتِ، والنّسَائي في ((الكُبرى)) (٧٧٣٠) فِي النُّعوت، وابن مَاجَهْ (٣٨٢٢) فِي
ثَوَابِ التَّسْبِيحِ.
٣٣١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
توهموا، والظن في الحديث يجوز إجراؤه على ظاهره، ويكون المعنى: أنا أعامله
على حسب ظنه بي وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر. والمراد: الحث على
تغليب الرجاء على الخوف، وحسن الظن بالله، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((لَا
يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِاللهِ))، ويجوز أن يراد بالظن اليقين، والمعنى:
أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إليَّ، وحسابه عليَّ، وأن ما قضيت به له أو عليه
من خير أو شرِّ لا مرد له لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، انتهى.
وقال القرطبي في (المفهم)): قيل: معنى ((ظَنْ عَبْدِي بِي)): ظن الإجابة عند
الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند
فعل العبادة بشروطها، تمسكًا بصادق وعده، قال: ويؤيده في الحديث الآخر:
((ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوْقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ))، قال: ولذلك ينبغي للمرء أنْ يجتهد في القيام
بما عليه موقنًا بأن اللَّه يقبله ويغفر له؛ لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد، فإن
اعتقد أو ظنَّ أنَّ اللَّه لا يقبلها وأنها لا تنفعه، فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من
الكبائر، ومن مات على ذلك وُكِلَ إلى ما ظن كما في بعض طرق الحديث
المذكور: (فَلْيَظُنَّ بِي عَبْدِي مَا شَاءَ))، قال: وأمَّا ظن المغفرة مع الإصرار على
المعصية، فذلك محض الجهل والعزة وهو يجر إلى مذهب المرجئة، انتهى.
قلت: تغليب الرجاء وترجيحه على الخوف قيده بعض أهل التحقيق بالمحتضر.
قال الحافظ: ويؤيد ذلك حديث: (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»،
وهو عند مسلم من حديث جابر، وأمَّا قبل ذلك فأقول: ثالثها الاعتدال. وقال
الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) في شرح هذا الحديث: فعلى العبد أن يكون حسن
الظن بربه في جميع حالاته، ويستعين على تحصيل ذلك باستحضار ما ورد من
الأدلة الدالة على سعة رحمة اللّه وَالَ في الكتاب والسنة .
وقال ابن عباد: حسن الظن يطلب من العبد في أمر دنياه، وفي أمر آخرته. أمَّا
أمر دنياه، فأن يكون واثقًا بالله تعالى في إيصال المنافع والمرافق إليه من غير كدٍّ،
أو بسعي خفيف مأذون فيه ومأجور عليه، وبحيث لا يفوته ذلك شيئًا من فرض ولا
نفل، فيوجب له ذلك سكونًا وراحة في قلبه وبدنه، فلا يستفزه طلب ولا يزعجه
سبب. وأمَّا أمر آخرته فأن يكون قوي الرجاء في قبول أعماله الصالحة وتوفية
٣٣٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أجوره عليها في دار الجزء، فيوجب له ذلك المبادرة لامثتال الأمر والتكثير من
أعمال البر يوجد أن حلاوة ونشاط، ومن مواطن حسن الظن بالله تعالى التي لا
ينبغي للعبد أن يفارقه فيها أوقات الشدائد والمحن، وحلول المصائب في الأهل
والمال والبدن؛ لئلا يقع بعدم ذلك في الجزع والسخط.
وقيل: الظن: تغليب أحد المجوزين بسبب يقتضي التغليب، فلو خلا عن
السبب المغلب لم يكن ظنًّا بل غرة وتمنيًّا، والمعنى المشهور: أنا له كما يظن بي،
فإن ظنَّ أني أصنع به خيرًا صنعت به خيرًا، وإن ظنَّ أني أصنع به شرًّا صنعت به
شرًّا. ويشكل على هذا نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ وَيَقُولُونَ
سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]
وفي الحديث: ((الْكَيِّسُ مِنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْأَحْمَقُ مَنِ أَتْبَعَ نَفْسَهُ
هَوَاهُ وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ))، وقدٍ ورد في الأمن من مكر الله، وقد جاءت
نصوص كثيرة في مدح الخشية من الله وع والخوف منه، وجاء عن أكابر الصحابة
وخيار التابعين آثار كثيرة في شدة خوفهم، فمنهم من تمنى أنّ أمه لم تلده وإن كان
شجرة تعضد .
والقاعدة في هذا: أنَّ المحمود أن يكون العبد بين الخوف والرجاء، ولا يبلغ به
الخوف أن ييأس من رحمة الله ريك ولا يبلغ به الرجاء أن يأمن من مكره، وعلامة
ذلك أن يكون دائبًا في عمل الخير واجتناب الشر، فإن من أيس من رحمة الله، فلا
يبعد أن يدع ذلك قائلا: أنا معذب في الآخرة لا محالة لكثرة ذنوبي، فلماذا أمنع
نفسي هواها فأعذبها في الدنيا بترك شهواتها؟! ومن أمن مكر اللّه تعالى قال: إنه
ناج لا محالة فلا يضره أن يتبع نفسه هواها ولم يخلق الله شيئًا إلا للبشر ويقرأ: ﴿قُلْ
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وينسى أن قليله يدعوا
إلى كثيرة، والاسترسال إلى الحلال الكثير يعسر عليه الاجتناب من الحرام،
فيغلب فيجترئ على ما لم يكن له أن يجترئ عليه، ويقول: أنا مؤمن، وكل مؤمن
حبيب الله ومن شأن المحبوب أن لا يمنع مُحِبَّهُ ما تهواه نفسه، ولا يكلفه ما يشق
عليه، وأشباه ذلك. وقد أجيب: بأن الحديث خاص بحال الاحتضار، فالمؤمن
المحسن يبدو له من مبشرات تضطره إلى ظن الخير، وإن كان قبل ذلك من أشد
الخائفين، وغيره يبدو له من المنذرات ما يضطره إلى ظن سوء مصيره، وإن كان
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَتْ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٣٣
قبل ذلك آمنًا من مكر الله، وهذا كما حمل حديث: ((إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَيْتُ
لِقَاءَهُ)»، وفيه: إن لفظ الحديث عام، فالتخصيص بلا دليل لا يجوز، وقد يقال: إن
المراد بالعبد المؤمن: الصالح، كما تشعر الإضافة في قوله: (عَبْدِي)) فهو الذي
يكون اللَّه رَّك عند ظنه به؛ إذ لا يظن به إلا الخير والحق، وهو أهل أن لا يخيب
رجاءه، كما جاء في: ((مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ))، والله أعلم، كذا في ((شرح
الأدب المفرد)). (وَأَنَا مَعَهُ)، أي: عونًا ونصرًا وتأييدًا وتوفيقًا وتحصيلًا لمرامه،
وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَِّى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَرَى﴾ [طه: ٤٦] وهي معية خصوصية، أي:
معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، فهي أخص من المعية التي في
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿مَا يَكُنُ مِن تَّجْوَىْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا
هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فإن معناها: المعية بالعلم والإحاطة.
قال الشوكاني: هذه معية عامة وتلك معية خاصة حاصلة للذاكر على
الخصوص بعد دخوله مع أهل المعية العامة، وذلك يقتضي مزيد العناية ووفور
الإكرام له والتفضل عليه، ومن هذه المعية الخاصة ما ورد في الكتاب العزيز من
كونه مع الصابرين، وكونه مع الذين اتقوا، فلا منافاة بين إثبات المعية الخاصة،
وإثبات المعية العامة. (إِذَا ذَكَرَنِي) بلسانه، أو قلبه، أو بهما. (فَإِنْ ذَكَرَنِي) تفريع
يفيد أنه تعالى مع الذاكر، سواء ذكره في نفسه، أو مع غيره. (فِي نَفْسِهِ)، أي: سرًّا
وخفية وهو يحتمل أن يكون ذكرًا قلبيًّا أو لسانيًّا إخفائيًّا، أي: ذِكْرًا شفاهيًّا على
جهة السر دون الجهر. قال الشوكاني: ويدل على هذا الاحتمال الثاني قوله: ((وَإِنْ
ذَكَرَنِي فِي مَلَأَ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرِ مِنْهُ))، فإنه يدل على أن العبد قد جهر بذكره تَالنَّ بين
ذلك الملأ الذي هو فيهم، فيقابله الإسرار بالذكر باللسان لا مجرد الذكر القلبي،
فإنه لا يقابل الذكر الجهري بل يقابل مطلق الذكر اللساني أعم من أن يكون سرًّا أو
جهرًا .
(ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي) أي: في ذاتي من غير إطلاع أحد من مخلوقاتي، أو المراد:
في غيبي، أي: إذا ذكرني خاليًا أثبته وجازيته عما عمل بما لا يطلع عليه أحد،
وفيه: جواز إطلاق النفس على الله تعالى باعتبار معنى الذات خلافًا لمن منع
وحمله على المشاكلة كما في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى
٣٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EODES
نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] لكن يرد عليه قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]
وقوله وَله: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))، قال الحافظ: أي:
إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرًّا ذكرته بالثواب والرحمة سرًّا.
وقال التوربشتي: الذكر من الله تعالى: هو حسن قبوله والمجازاة له بالحسنى،
فالمراد من قوله هذا: أنَّ العبد إذا ذكره في السر آتاه الله ثواب ذلك سرًّا على
منوال عمله، أي: ويتولى بنفسه إثابته لا يَكِلُهُ إلى غيره. فإن قيل: قد عرفنا فائدة
الذكر الخفي من العبد، وذلك أنه يكون من الآفات الداخلة على الأعمال بمعزل،
ومن الإخلاص بمكان فما فائدة ذكر الله تعالى عبده في الغيب؟ قلنا: الاصطفاء
والاستئثار، فإن الله تعالى إنما يدع علم الشيء بمكان من الغيب استئثارًا به
واصطفاء له، وفيه أيضًا: صيانة سرِّ العبد عن إطلاع الملأ الأعلى عليه، وتوقي
عمله عن إحاطة علم الخلق بكنه ثوابه، وفيه أيضًا: تنبيه على كون العبد من الله
بمكان تُكثُّهُ الغيرة عن الأغيار.
(وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ) بفتح الميم واللام مهموز، أي: مع جماعة من المؤمنين،
أو في حضرتهم. قال الجزري: الملأ أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدموهم الذين
يرجع إلى أقوالهم. وفيه: دليل على جواز الذكر بالجهر. واختلفوا في ذلك؛
فمنهم: من منعه مطلقًا، ومنهم: من جوزه مطلقًا، ومنهم: من فصَّل كصاحب
الفتاوى الخيرية، فقال: إن كان الجهر مفرطًا منع عنه؛ وإلا جاز، نعم، السر
أفضل من الجهر لكنه أمر آخر، وهذا هو المعتمد عند محققي الحنفية.
(ذَكَرْتُهُ)، قال الشوكاني: معناه: أنَّ اللَّه يجعل ثواب ذلك الذكر بمرأى ومسمع
من ملائكته، أو يذكره عندهم بما يعظم به شأنه ويرتفع به مكانه، ولا مانع من أن
يجمع بين الأمرين. وقيل: المراد منه: مجازاة العبد بأحسن مما جاء به وأفضل
مما يقرب به إلى ربه. (فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)، أي: من ملأ الذاكرين، وهم الملأ
الأعلى، ولا يلزم منه تفضيل الملائكة على بني آدم كما ذهب إليه المعتزلة؛
لاحتمال أن يكون المراد بالملأ: الذين هم خير من ملأ الذاكرين الأنبياء
والشهداء، فلم ينحصر ذلك في الملائكة، وأيضًا فإن الخيرية إنما حصلت بالذاكر
٣٣٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَلِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
والملأ معًا، فالجانب الذي فيه رب العزة خير من الجانب الذي ليس هو فيه بلا
ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجوع على المجوع، وهذا قاله الحافظ
مبتكرًا، لكن قال: إنه سبقه إلى معناه الكمال بن الزملكاني في الجزء الذي جمعه
في الرفيق الأعلى.
وقال الطيبي: الملأ الموصوف بأنه خير منهم هم الملائكة المقربون وأرواح
المرسلين، فلا دلالة على كون الملائكة أفضل من البشر. قال في ((اللمعات)):
والأحسن أن يقال: الخيرية من جهة النزاهة والتقدس والعلو، وهي لا تنافي
أفضلية البشر من جهة كثرة الثواب على الطاعة مع وجود الموانع والعوارض
الجسمانية. وقال ابن الملك: اختلف هل البشر خير من الملائكة أم لا؛ رجح كُلَّا
مرجحون. قيل: والمختار: إنَّ خواص البشر كالأنبياء خير من خواص الملائكة
كجبريل. وأمَّا عوام البشر، فليسوا بخير من الملائكة أصلاً فقوله: ((فِي مَلَأٍ خَيْرِ
مِنْهُمْ))، أي: خير منهم حالًا، فإن حال الملائكة خير من حال الإنس في الجد
والطاعة، قال الله تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] وأحوال المؤمنين
مختلفة بين طاعة ومعصية وجد وفترة، انتهى. قلت: قد بسط الحافظ الكلام في
ذكر الاختلاف في ذلك مع سرد أدلة قول أهل السنة وقول المعتزلة من شاء الوقوف
على ذلك رجع إلى الفتح.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في التوحيد، ومسلم في الذكر والدعاء. وتمام
الحديث: ((وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ
بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))، وقد أخرجه أيضًا أحمد (ج ٢ ص٢٥١)
والترمذي في الزهد والنسائي في ((الكبرى)) وابن ماجه في ((ثواب التسبيح))، وروى
البزار عن ابن عباس. قال المنذري: بإسناد صحيح مرفوعًا قال: ((قَالَ اللهُ تبارك
وتعالى: يَا بْنَ آدَمَ، إِذَا ذَكَرْتَنِي خَالِيًّا ذَكَرْتُكَ خَالِيًّا، وَإِذَا ذَكَرْتَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ فِي
مَلَاٍ خَيْرٍ مِنَ الَّذِينَ تَذْكُرُنِي فِيْهِمْ)).
acc%:
٣٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٨٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَقُولُ اللَّهُ
تَعَالَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيَِّةِ فَجَزَاءُ
سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي
ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَتِي بِقُرَابٍ
الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٢٨٨- قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ)، أي: جاء بها يوم القيامة غير مبطلة،
ولذا لم يقل: من فعل الحسنة، والمراد: بفرد من أفرادها: أي فرد كان،
والمعنى: من جاء يوم القيامة متلبسًا بها متصفًا بأنه قد عملها في الدنيا.
(فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، أي: ثواب عشر حسنات أمثالها، حذف المميز الموصوف،
وأقيم الصفة مقامه، فلا يعترض بأن الأمثال جمع مثل وهو مذكر، فكان قياسه
عشرة بالتاء على القاعدة، والجواب: أن المعدود محذوف وهو موصوف أمثالها،
والحسنات مؤنث فناسب تذكير العدد، يعني: أنه روعي في ذلك الموصوف
المحذوف، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، ثم حذف الموصوف وأقيم صفته
مقامه، وترك العدد على حاله، ومثله: مررت بثلاثة نسايات ألحقت في عدد
المؤنث مرعاة للموصوف المحذوف؛ إذ الأصل بثلاثة رجال نسايات.
والحاصل: إن له عشر مثوبات كل منها مثل تلك الحسنة في الكيفية، وهذا أقل
المضاعفة بمقتضى الواعد؛ ولذا قال: ((وَأَزِيدُ)) بصيغة المتكلم، أي: لمن أريد
الزيادة من أهل السعادة على عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة.
قال النووي: معناه: إنَّ التضعيف بعشر أمثالها لا بد منه بفضل الله ورحمته،
ووعده الذي لا يخلف والزيادة بعد بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعف إلى
أضعاف كثيرة يحصل لبعض الناس دون بعض على حسب مشيئته تُعَلَّ .
(٢٢٨٨) مُسْلِمٍ (٢٢ / ٢٦٨٧) فِي الدُّعَاءِ، وَابن مَاجَهْ (٣٨٢١) فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
se
BE
٣٣٧
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَجَّلْ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
(وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ)، أي: غير مكفرة. (فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا)، أي: عدلًا. (أَوْ
أَغْفِرُ) فضلًا. قال الطيبي: اختص ذكر الجزاء بالثانية؛ لأن ما يقابل العمل الصالح
كله إفضال وإكرام من الله، وما يقابل السيئة فهو عدل وقصاص ، فلا يكون
مقصودًا بالذات كالثواب، فخص بالجزاء. وأمّا إعادة السيئة نكرة، فلتنصيص
معنى الوحدة المبهمة في السيئة المعرفة المطلقة وتقريرها. وأمَّا معنى الواو في
((وَأَزِيدٌ)) فلمطلق الجمع إن أريد بالزيادة الرؤية كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَ
وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦] وإن أريد بها الأضعاف، فالواو بمعنى ((أو)) التنويعية، كما هي في
قوله: ((أَوْ أَغْفِرُ)) قال القاري: والأظهر ما قاله ابن حجر من أن العشر والزيادة يمكن
اجتماعهما بخلاف جزاء مثل السيئة ومغفرتها، فإنه لا يمكن اجتماعهما، فوجب
ذكرًا، والدال على أن الواقع أحدهما فقط.
(وَمَنْ تَقَرَّبَ) أي: طلب القربة. (مِنِّي) أي: بالطاعة. (شِبْرًا)، أي: مقدارًا
قليلًا، قال الطيبي: شبرًا وذراعًا وباعًا في الشرط، والجزء منصوب على الظرفية،
أي: من تقرب إليَّ مقدار شبر. (وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا)، قال
الباجي: الباع طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، وذلك قدر أربعة
أذرع. وقيل: هو قدر مد اليدين وما بينهما من البدن.
(وَمَنْ أَتَانِي) حال كونه. (يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)، هي الإسراع في المشي دون
العَدْوِ. وقال الطيبي: هي حال، أي: مهرولا أو مفعول مطلق؛ لأن الهرولة نوع
من الإتيان، فهو كرجعت القهقرى، لكن الحمل على الحال أولى؛ لأن قرينه
يمشي حال لا محالة، قال النووي: هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل
إرادة ظاهره - أي: لأنه يقتضي قطع المسافات، وتداني الأجسام وذلك في حقه
تعالى محال - ومعناه: من تقرب إلى بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق
والإعانة، وإن زاد زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي:
صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى
المقصود، والمراد: أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه، انتهى. و كذا فسره
الأعمش والراغب والجزري وابن بطال وابن التين والتوربشتي والطيبي والحافظ
والعيني، وغيرهم من أهل العلم. قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل والتفسير،
٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
والصواب: أن يحمل هذا الحديث كأمثاله على ظاهره فنؤمن به على ما يليق بعظمة
الله تعالى كالمجيء والنزول ونحوهما، وربنا ليس كمثله شيء وهو السميع
البصير، والله اعلم.
(وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ) بضم القاف على المشهور وبكسر، أي: بمثلها
وقدرها. مأخوذ من القرب. وقال الجزري في ((النهاية)): أي: بما يقارب ملأها
وهو مصدر قارب يقارب. (خَطِيئَةً) تمييز. (لَا يُشْرِكُ بِي) حال من فاعل (لَقِيَنِي))
العائد إلى ((مَنْ)). (شَيْئًا) مفعول مطلق، أو مفعول به.
(لَقِيْتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً)، أي: إن أردت ذلك له؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] ونكته حذفه في الحديث استغناءً بعلمه منها، ومبالغة في سعة
باب الرحمة. قال الطيبي: المقصود من الحديث: دفع اليأس بكثرة الذنوب، فلا
ينبغي أن يغتر في الاستكثار من الخطايا. قال ابن الملك: فإنه يغفر لمن يشاء
ويعذب من يشاء ولا يعلم إنه من أيِّهِمْ، انتهى. وهذا المقصود من آخر الحديث.
وأمَّا أوله ففيه الترغيب والتحثيث على المجاهدة في الطاعة والعبادة؛ دفعًا
للتكاسل والقصور.
واعلم: أنه قلما يوجد في الأحاديث حديث أرجى من هذا الحديث، فإنه وَّة
رتب قوله: ((لَقِيْتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً)) على عدم الإشراك بالله فقط، ولم يذكر الأعمال
الصالحة لكن لا يجوز لأحد أن يغتر، ويقول: إذا كان كذلك فأكثر الخطيئة حتى
يكثر اللَّه المغفرة. وإنما قال تعالى ذلك؛ كيلا ييأس المذنبون من رحمته، ولا
شك أن لله مغفرة وعقوبة ومغفرته أكثر، ولكن لا يعلم إنه من المغفورين أو من
المعاقبين، فإذن ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء، كذا في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص١٤٨ - ١٥٣ - ١٥٥ - ١٦٩ - ١٨٠)
و ابن ماجه .
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٣٣٩
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
*****<<<<<<<<< > <*<<<<< > <<<<<<< >
٢٢٨٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ اللَّهَ
تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ
أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى
أَحْبَيْتُهُ، فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ فَكُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ
الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي
لَأَعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ
الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢٨٩ - قوله: (مَنْ عَادَى)، أي: آذى، ففي رواية لأحمد في ((الزهد)) من
حديث عائشة: ((مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا))، (لِي) هو في الأصل صفة لقوله: ((وَلِيًّا)) لكنه لما
تقدم صار حالًا. (وَلِيًّا) الولي المحب والناصر والحافظ، وكل من يتولى أمر
أحد. قال الحافظ والعيني: المراد بولي اللَّه: العالم باللّه، المواظب على طاعته،
المخلص في عبادته. وقال القسطلاني: فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله
تعالى أمره قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِحِينَ ﴾ ولا يكله إلى نفسه لحظة بل يتولى
الحق رعايته، أو هو فعيل، مبالغة من الفاعل، وهو الذي يتولى عبادة الله وطاعته،
فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخللها عصيان، وكلا الوصفين واجب حتى
يكون الولي وليًّ بحسب قيامه بحقوق اللَّه على الاستقضاء والاستبقاء، ودوام حفظ
اللَّه إياه في السرَّاء والضرّاء، ومن شرط الولي أن يكون محفوظًا، كما أن من شرط
النبي أن يكون معصومًا .
قال القشيري: والمراد بكون الولي محفوظًا: أن يحفظه الله تعالى عن تماديه
في الزلل والخطأ - إن وقع فيهما - بأن يلهمه التوبة فيتوب منهما، وإلا فهما لا
يقدحان في ولايته، انتهى. وقد استشكل وجود أحد يعادي الولي؛ لأن المعاداة
من باب المفاعلة التي تقع من الجانبين، ومن شأن الولي الحلم والاجتناب عن
(٢٢٨٩) البُخَارِي (٦٥٠٢) فِي الرِّقَاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.