Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٢٢٦٦ - [٢٢] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ رَبَّكُمْ
حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْبِي مِنْ عَبْدِهِ، إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ]
الشرح
٢٢٦٦ - قوله: (إِنَّ رَبَّكُمْ)، هذا لفظ أبي داود، والترمذي والبيهقي: ((إِنَّ
اللهَ))، (حَيِيٍّ) بكسر الياء الأولى وتشديد الثانية فعيل من الحياء، أي: كثير الحياء
ووصفه تعالى بالحياء يحمل على ما يليق له كسائر صفاته نؤمن بها ولا نكيفها.
(كَرِيمٌ)، هو الذي يعطي من غير سؤال فكيف بعده. وقيل: الكريم هو الجواد
المعطي الذي لا ينفد عطاؤه وهو الكريم المطلق.
(يَسْتَحْيِي) عينه ولامه حرفا علة. (مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ)، ولفظ الترمذي
والبيهقي: ((يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ))، (أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا) بكسر الصاد
المهملة وسكون الفاء، أي: خاليتين فارغتين يقال: صِفر الشيء بكسر الفاء، أي:
خلا، والمصدر الصفر بالتحريك ولا يدخلون فيه تاء التأنيث، بل يستعملونه على
صيغته هذه في المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، وزاد في رواية الترمذي
والبيهقي: ((خَائِبَتَيْنِ))، من الخيبة وهو الحرمان. وفي الحديث: دلالة على
استحباب رفع اليدين في الدعاء ويكونان مضمومتين، لما روى الطبراني في
((الكبير)) عن ابن عباس: كان رسول اللّه ◌َ له إذا دعا ضمَّ كفَّيه وجعل بطونهما مما
يلي وجهه. ذكره ابن رسلان، كذا في ((السراج المنير)). وقال في هامش (تحفة
الذاكرين)) نقلا عن ((عدة الحصن الحصين)) بعد ذكر حديث ابن عباس هذا: وسنده
ضعيف، انتهى. وقد ورد في رفع الأيدي عند الدعاء أحاديث كثيرة صحيحة
صريحة كما ذكرها شيخنا في ((شرح الترمذي)) في باب: ما يقول إذا سلم،
والحافظ في الفتح في باب: رفع الأيدي في الدعاء من كتاب الدعوات، والجمع
(٢٢٦٦) أَبُو دَاوُد (١٤٨٨) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٥٦)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٦٥) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ
سَلْمَانَ.
٣٠١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بين هذه الأحاديث وبين ما تقدم من حديث أنس أنَّه لم يكن النبي وَّه يرفع يديه في
شيء من دعاؤه إلا في الاستسقاء رواه الشيخان بأنَّ المنفي صفة خاصة لا أصل
الرفع .
قال الحافظ: ما حاصله: إن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إمَّا بالمبالغة إلى
أن تصير اليدان حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على
ذلك إنه ثبت في كل منهما حتى يرى بياض إبطيه بل يجمع بأن تكون رؤية البياض
في الاستسقاء أبلغ منها في غيره. وأما إنَّ الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي
الدعاء يليان السماء. قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح،
انتھی .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة. (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي
الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)، وكذا في ((السنن الكبرى)) (ج٢ ص٢١١) وأخرجه أيضًا أحمد
(ج٥ص٤٣٨) وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٤٩٧ - ٥٣٥) قال الترمذي:
حديث حسن غريب. وروى بعضهم ولم يرفعه. وقال البيهقي: رفعه جعفر بن
ميمون بياع الأنماط عن أبي عثمان النهدي عن سلمان هكذا، ووقفه سليمان التيمي
عن أبي عثمان في إحدى الروايتين عنه. قلت: رواه أحمد والحاكم موقوفًا
ومرفوعًا، وقال الحاكم: إسناد صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي
وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ.
وقال الحافظ في (الفتح)): سنده جید. قال الحاكم: وله شاهد بإسناد صحيح من
حديث أنس بن مالك ثم رواه نحو حديث سلمان. قال المنذري: في تصحيح سنده
نظر. وقال الذهبي: عامر بن يساف - أحد رواة حديث أنس - ذو مناکیر، انتهى.
قلت: ونسب في ((الكنز)) (ج ١ ص١٦٩) حديث أنس إلى عبد الرزاق وأبي يعلى
أيضًا.
٣٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
٢٢٦٧ - [٢٣] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا، حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ.
الشرح
٢٢٦٧ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّلّهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ)، قيل: حكمة
الرفع إلى السماء: إنَّها قبلة الدعاء، ومهبط الرزق والوحي، وموضع الرحمة
والبركة. (لَمْ يَحُطَّهُمَا) بضم الحاء المهملة ونصب الطاء المشددة، أي: لم
يضعهما. (حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ)، وذلك على طريق التيمن والتفاؤل فكأنه یشیر
إلى أن كفيه ملئتا من البركات السماوية والأنوار الإلهية فهو يفيض منها على وجهه
الذي هو أولى الأعضاء بالكرامة قاله التوربشتي. وقال في ((السبل)): في الحديث:
دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء. وقيل: وكأن
المناسبة أنه تعالى لما كان لا يردهما صفرًا، فكان الرحمة أصابتهما فناسب إفاضة
ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج ١ ص٥٣٦) كلاهما من طريق حماد بن
عيسى الجهني عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن
عمر. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد
به وهو قليل الحديث. وقد حدث عنه الناس وحنظلة ابن أبي سفيان ثقة، وثقه
يحيى القطان، انتهى. قلت: حماد هذا ضعيف ضعفه أبوحاتم وأَبُو دَاوُدَ
والدار قطني. وقال ابن ماكولا: ضعفوا أحاديثه، كذا في ((تهذيب التهذيب))،
والحديث سكت عنه الحاكم والذهبي. وقال النووي في ((الأذكار)) (ص٢٩٤): في
إسناده ضعف، وأمَّا قول الحافظ عبد الحق، إن الترمذي قال فيه: إنه حديث
صحيح فليس في النسخ المعتمدة من الترمذي أنه صحیح بل قال : حديث غريب،
انتھی .
(٢٢٦٧) التِّرْمِذِي (٣٣٨٦) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عُمَرَ دَوَّهُ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٣٠٣
Jh ' -
٢٢٦٨ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ رَضُّنَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَسْتَحِبُّ
الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٢٦٨ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَسْتَحِبُّ)، أي: يحب. (الْجَوَامِعَ مِنَ
الدُّعَاءِ)، أي: الجامعة لخير الدنيا والآخرة، وقيل: هي ما كان لفظه قليلًا،
ومعناه: كثيرًا شاملًا لأمور الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى
الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ومثل: الدعاء
بالعافية في الدنيا والآخرة. وقيل: هي الجامعة للتحميد والصلاة وجميع آداب
الدعاء. وقيل: هي ما يجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة.
(وَيَدَعُ) أي: يترك. (مَا سِوَى ذَلِك)، أي: من الأدعية في غالب الأحيان. (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ) في آخر الصلاة، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه الحاكم
(ج ١ ص٥٣٩)، وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٢٦٩ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّ
أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً، دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٢٦٩ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو) بالواو. (إِنَّ أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً)
تمييز، وهذا لفظ أبي داود والترمذي: ((مَاَّ دَعْوَةٌ أَسْرَعَ إِجَابَةً مِنْ دَعْوَةِ غَائِبٍ
لِغَائِبٍ))، (دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ)، معناه: في غيبة المدعو له، أو في سره كأنه من
وراء معرفته، أو معرفة الناس. روى الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) عن يوسف
(٢٢٦٨) أَبُو دَاوُد (١٤٨٢) فِي الصلاةِ عَنْ عَائِشَةً.
(٢٢٦٩) أَبُو دَاوُدَ (١٥٣٥) فِي الصلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (١٩٨٠) فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو.
٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن أسباط قال: مكثت دهرًا وأنا أظن هذا الحديث، إذا كان غائبًا عن شخصه ثم
نظرت فيه، فإذا هو لو كان على المائدة وهو لا يسمع كان غائبًا، وخص حالة الغيبة
بالذكر؛ للبعد عن الرياء والأغراض الفاسدة المنقصة من الأجر، فإنه في حالة
الغيبة يتمحض الإخلاص ويصح قصد وجه الله تعالى بذلك فيوافقه الملك فيدعو
له بمثل ذلك، ويؤمن على دعائه، كما تقدم دعاؤه أقرب إلى الإجابة؛ لأنَّ الملك
معصوم. وفي الحديث: الحث على الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في البر والصلة. (وَأَبُو دَاوُدَ)، في أواخر الصلاة كلاهما من
طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن
عمرو بن العاص. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
والإفريقي يضعف في الحديث، انتهى. وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ، ونقل المنذري كلام
الترمذي وأقره. قلت: والحديث أخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد))
والطبراني في ((الكبير))، وفي الباب أحاديث كثيرة؛ منها: حديث أبي الدرداء، وقد
تقدم، ومنها: حديث عمران بن حصين أخرجه البزار، ومنها: حديث ابن عباس
الآتي في آخر الباب، ومنها: حديث واثلة عند أبي نعيم في ((الحلية)).
٢٢٧٠ - [٢٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ وَّهِ فِي
الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ: ((أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ، وَلَا تَنْسَنَا)). فَقَالَ:
كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالِّرْمِذِيُّ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ((وَلَا تَنْسَنَا))] {ضعيف}
الشرح
٢٢٧٠ - قوله: (اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ وَ فِي الْعُمْرَةِ)، أي: من المدينة. قال ابن
حجر: في قضاء عمرة كان نذرها في الجاهلية ذكره القاري. (فَأَذِنَ لِي)، أي:
فيها. (أَشْرِكْنَا) يحتمل نون العظمة، وأن يريد نحن وأتباعنا. (يَا أُخَيَّ) بالتصغير أو
(٢٢٧٠) أَبُو دَاوُد (١٤٩٨) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْمِذِي (٣٥٦٢) فِي الدَّعَوَاتِ، وَابن مَاجَهْ (٢٨٩٤) فِي
الحَجِّ عَنْ عُمَرَ .
٣٠٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بدونه، والمراد بالتصغير: الاختصاص بالتلطف والتعطف لا التحقير. (فِي
دُعَائِك)، في إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن
عرف له الهداية، وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة، وتنبيه
لهم أن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء، ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم لا سيما في
مظان الإجابة، وتفخيم لشأن عمر، وإشاذة بذكره في السامعين، وإرشاد إلى ما
يحمي دعاءه من الرد .
(وَلَا تَنْسَنَا)، تأكيد، أو أراد به في سائر أحواله. (فَقَالَ)، قال القاري: عطف
على (قَالَ: أَشْرِكْنَا)؛ لتعقيب المبين بالمبين، أي: قال عمر: (فَقَالَ)، بمعنى:
تكلم النبيِ وَِّ. (كَلِمَةً)، وهي (أَشْرِكْنَا) أو (يَا أُخَيَّ) بالإضافة إلى نفسه الشريفة أو
(لَا تَنْسَنَا)، أو غير ما ذكر ولم يذكره توقيًا عن التفاخر ونحوه من آفات النفوس.
(مَا يَسُرُّنِي) بضم السين. (أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا) الباء للبدلية و (مَا) نافية، وإنَّ مع اسمه
وخبره فاعل (يَسُرُنِي)، أي: لا يعجبني ولا يفرحني كون جميع الدنيا لي بدلها قاله
القاري. قلت: وفي رواية أحمد: فقال عمر: ما أحب أنَّ لي بها ما طلعت عليه
الشمس لقوله: ((يَا أُخَيَّ)) .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة. (وَالتِّرْمِذِيُّ) في الدعوات وأخرجه أيضًا
أحمد (ج ١ ص٢٩) (ج ٢ ص٥٩) وابن ماجه في فضل دعاء الحاج من كتاب الحج
ونسبة في ((التنقيح)) لأبي داود الطيالسي، والبيهقي في ((الشعب)) أيضًا. (وَانْتَهَتْ
رِوَايَتُهُ)، أي: الترمذي، وكذا رواية ابن ماجه. (عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَا تَنْسَنَا). والحديث
صححه الترمذي وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ. قلت: في سنده عندهم عاصم بن عبيدالله
ابن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي وهو ضعيف، كما ستعرف. فالحديث
ضعيف الإسناد.
قال المنذري بعد نقل تصحيح الترمذي: وفي إسناده عاصم بن عبيدالله بن
عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، انتهى. قلت:
ضعفه ابن معين والنسائي وابن خراش وغيرهم. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث
ولا يحتج به. وقال ابن نمير وأبوحاتم والبخاري: منكر الحديث. وقال شعبة:
كان عاصم لو قيل له: من بنى مسجد البصرة؟ لقال: فلان عن فلان عن النبي وَل .
٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الدارقطني: مديني يترك وهو مغفل. وقال ابن حبان: كان سيء الحفظ كثير
الوهم فاحش الخطأ، فترك من أجل كثرة خطئه كذا في ((تهذيب التهذيب)).
٢٢٧١ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ثَلَاثَةٌ لَا
تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُقْطِرُ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ
فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَّهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لَأَنَّصُرَنَّكِ وَلَوْ
بَعْدَ حِینٍ».
[رَوَاهُ التَّرْمِذِىُّ] {ضعيف}
الشرح
٢٢٧١ - قوله: (ثَلَاثَةٌ)، أي: أشخاص أو ثلاثة رجال. (الصَّائِمُ)، أي:
منهم أو أحدهم الصائم. (حِيْنَ يُفْطِرُ)؛ لأنه بعد عبادة وحال تضرع ومسكنة.
(وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ) بين رعيته. (وَدَعْوَةُ الْمَظْلُوم) كان مقتضى الظاهر أن يقول:
والمظلوم، ولعلَّه لما كانت المظلومية ليست بذَاتها مطلوبة عدل عنه قاله القاري.
وقال الطيبي: أي: دعوة الصائم ودعوة الإمام بدليل قوله: (وَدَعْوَةُ الْمَظْلُوم)،
ويكون بدلا من (دَعْوَتُهُمْ)، وقوله: (يَرْفَعُهَا) حال كذا قيل، والأولى أن يكون أي:
يرفعها خبرًا لقوله: (وَدَعْوَةُ الْمَظْلُوم)، وقطع هذا القسم عن أخويه؛ لشدة الاعتناء
بشأن دعوة المظلوم ولو فاجرًا أو كافرًا، وينصر هذا الوجه عطف قوله: (وَيَقُولُ
الرَّبُّ) على قوله: ويفتح فإنه لا يلائم الوجه الأول؛ لأن ضمير يرفعها للدعوة
حينئذ، لا لدعوة المظلوم كما في الوجه الأول. قال القاري: والظاهر: أن الضمير
على الوجهين لدعوة المظلوم، وإنما بولغ في حقها؛ لأنه لما لحقته نار الظلم
واحترقت أحشاؤه خرج منه بالتضرع والانكسار، وحصل له حالة الاضطرار فيقبل
دعاؤه، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوْءَ﴾ [النمل: ٦٢].
(يَرْفَعُهَا اللهُ فَوْقَ الْغَمَامِ)، أي: تجاوز الغمام، أي: السحاب. (وَتُفَتَّحُ)، أي:
الله. (لَهَا)، أي: لدعوتهَ. (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) بالنصب على أن يفتح مذكر معلوم
وبالرفع على أنه مؤنث مجهول. قيل: رفعها فوق الغمام وفتح أبواب السماء لها
(٢٢٧١) التِّرْمِذِي (٣٥٩٨) فِي الدَّعَوَاتِ، وَابن مَاجَهْ (١٧٥٢) فِي الصَّوْمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَهُ .
A LI RABAING JHINIA ZA And InAnam InUI nO'
٣٠٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
كناية عن سرعة القبول والوصول إلى مصعد الإجابة. (لأَنْصُرَنَّك) بفتح الكاف،
أي: أيها المظلوم. (وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) الحين يستعمل لمطلق الوقت ولستة أشهر
ولأربعين سنة، والمعنى: لا أضيعَ حقَّك ولا أرد دعاءك ولو مضي زمان طويل؛
لأني حليم لا أعجل عقوبة العباد لعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى إرضاء
الخصوم والتوبة، وفيه: إيماء إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمله. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في
موضعين: الأول: في باب صفة الجنة ونعيمها من طريق حمزة الزيات عن زياد
الطائي عن أبي هريرة. وقال بعد روايته: هذا حديث ليس إسناده بذلك القوي،
وليس هو عندي بمتصل، انتهى. قلت: زياد الطائي. قال الذهبي في ((الميزان)):
فيه لا يعرف. وقال الحافظ في ((التقريب)): مجهول أرسل عن أبي هريرة، والثاني:
في الدعوات في باب بعد باب، أي الكلام أحب إلى الله، من طريق سعدان القمي
وهو صدوق عن أبي مجاهد سعد الطائي، وهو لا بأس به عن أبي مدلة بضم الميم
وكسر المهملة وتشديد اللام، وهو مقبول عن أبي هريرة، قال الترمذي: حديث
حسن. ونسبه السيوطي في ((الجامع الصغير)) لأحمد أيضًا والشوكاني في ((تحفة
الذاكرين)» لابن خزيمة وابن حبَّان أيضًا.
٢٢٧٢ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ
مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَكَ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٢٧٢- قوله: (ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ) مبتدأ، خبره. (مُسْتَجَابَاتٌ)، قال الطيبي:
الحديث السابق ثلاثة، وفي هذا ثلاث دعوات؛ لأن الكلام على الأول في شأن
الداعي وتحريه في طريق الاستجابة وما هي منوطة به من الصوم والعدل بخلاف
الوالد والمسافر؛ إذ ليس عليهما الاجتهاد في العمل. (لَا شَكَ فِيهِنَّ)، أي: في
(٢٢٧٢) أَبُو دَاوُد (١٥٣٦) فِي الصَلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (١٩٠٢) فِي البِرِّ، وَابن مَاجَهْ (٣٨٦٢) فِي الدَّعَوَاتِ
عَنْ أَبِي هريرة.
٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
استجابتهن وهو آكد من حديث ((لا ترد)). وإنما أكد به لالتجاء هؤلاء الثلاثة إلى الله
تعالى بصدق الطلب ورقة القلب وانكسار الخاطر، قاله القاري.
(دَعْوَةُ الْوَالِدِ) أي: لولده أو عليه، ولم يذكر الوالدة؛ لأنَّ حقها آكد فدعاؤها
أولى بالإجابة، وقوله: ((دَعْوَةُ الْوَالِدِ)) هذه رواية أبي داود، وكذا وقع في رواية
لأحمد، ولفظ الترمذي: ((دَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ))، وهكذا وقع في أكثر روايات
أحمد، وفي رواية «الأدب المفرد)): ((دَعْوَةُ الْوَالِدَينِ عَلَى وَلَدِهِمَا))، وفي رواية ابن
ماجه: ((دَعْوَةُ الَوْالِدِ لِوَلَدِهِ))، وكذا وقع في رواية أبي داود الطيالسي.
(وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرٍ) يحتمل أن تكون دعوته لمن أحسن إليه، وبالشر لمن آذاه وأساء
إليه؛ لأن دعاءه لا يخلو عن الرقة. (وَدَعْوَةُ الْمَظْلُوم)، أي: لمن ينصره ويعينه أو
يسليه ويهون عليه، أو على من ظلمه بأي نوع من أنواع الظلم. وقال السندي:
قوله: ((دَعْوَةُ الْمَظْلُوم)) أي: في حق الظالم، وأثر الاستجابة قد لا يظهر في الحال؛
لكون المجيب تعالى حكيمًا، انتهى. قال التوربشتي: اختص هؤلاء الثلاثة بإجابة
الدعوة لانقطاعهم إلى اللَّه؛ لصدق الطلب، ورقة القلب وانكسار البال ورثاثة
الحال. أمَّا المسافر؛ فلأنه منقطع عن الوطن المألوف مفارق عمَّا كان يستأنس به،
مستشعر في سفره من طوارق الحدثان، فلا يخلو ساعتئذ عن الرقة والرجوع إلى
اللَّه بالباطن. وأمَّا المظلوم، فإنه منقلب إلى ربه على صفة الاضطرار. وأمَّا الوالد
فإنه يدعو لولده على نعت الحنو والرقة، وإيثار الولد على نفسه بما يستطيع،
فیخلص في دعائه مبلغ جهده.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في باب دعاء الوالدين في أوائل البر والصلة، وفي باب دعوة
المسافر من أبواب الدعوات. وقال: حديث حسن. (وَأَبُو دَاوُدَ)، في أواخر
الصلاة وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (وَابْنُ مَاجَهْ)، في
الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد في مواضع، والبخاري في ((الأدب المفرد)) وأَبُو دَاوُدَ
الطيالسي، وفي الباب عن عقبة بن عامر الجهني عند الطبراني بإسناد جيد.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
EXDE ***
٣٠٩
الفصل الثالث
٢٢٧٣ - [٢٩] عَنْ أَنَس ◌َوِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِ: ((لِيَسْأَلْ
أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ)).
{حسن}
الشرح
٢٢٧٣- قوله: (حَاجَتَهُ) مفعول ثان. (كُلَّهَا)، تأكيد لها، أي: جميع
مقصوداته؛ إشعارًا بالافتقار إلى الاستعانة في كل لحظة ولمحة؛ ولأن خزائن
الجود بيده، وأَزِمَّتَهُ إليه ولا معطي إلا هو. (حَتَّى يَسْأَلَ)، أي: ربه، وفي بعض
النسخ: ((حَتَّى يَسْأَلَهُ)). (شِسْعَ نَعْلِهِ) بكسر المعجمة وسكون المهملة، أي:
شراكها. قال في المجمع: هو من سيور النعل ما يدخل بين الإصبعين، ويدخل
طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام سير يعقد فيه
الشسع. وقال الجزري: شسع النعل: سير من سيورها التي تكون على وجهها
يدخل بين الإصبعين، انتهى. قال الطيبي: وهذا من باب التتميم؛ لأن ما قبله جيء
في المهمات وما بعده في المتمات.
٢٢٧٤ - [٣٠] زَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ مُرْسَلًا: ((حَتَّى يَسْأَلَهُ
الْمِلْحَ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَهُ إِذَا انْقَطَعَ)).
[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشرح
٢٢٧٤- قوله: (زَادَ فِي رِوَايَةٍ) حق المصنف أن يقول: وفي رواية، أو
يقول: رواه الترمذي، زاد في رواية قاله القاري. (عَنْ ثَابِتٍ) بن أسلم. (الْبُنَانِيّ)
(٢٢٧٣) التّرْمِذِي (٣٦٨٢) عن أنس وفي رواية مرسلة: ((حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ)).
(٢٢٧٤) التِّرْمِذِي (٣٦٨٢).
٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بضم الموحدة وخفة النون الأولى وكسر الثانية منسوب إلى ((بنانة))، اسم أم سعد
ابن لؤي، وثابت هذا من ثقات التابعين وحكي عنه قال: صحبت أنسًا أربعين سنة.
(مُرْسَلًا)، أي: مرفوعًا بحذف الصحابي. (حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ)، ونحوه من الأشياء
التافهة، وهذا هو القدر الزائد، وأمَّا قوله: ((حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ ... )) إلخ. فهو
موجود في الروايتين، وإنما ذكره تنبيهًا على موضع الزائد. (حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَهُ)،
فإنه لم ييسره لم يتيسر، ودفع به وبما قبله ما قد يتوهم من أن الدقائق لا ينبغي أن
تطلب منه لحقارتها .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) الحديث الموصول رواه الترمذي عن أبي داود صاحب ((السنن))
عن قطن بن نسير البصري وهو صدوق يخطئ، كما في ((التقريب)) عن جعفر بن
سليمان عن ثابت عن أنس. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وروى غير واحد
هذا الحديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن النبي وَّ ولم يذكروا فيه
عن أنس، حدثنا صالح بن عبد الله، نا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، أنَّ
رسول اللَّه ◌ِوَ لَه قال: ((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ
نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ))، وهذا أصح من حديث قطن عن جعفر بن سليمان، انتهى. يعني:
أن حديث صالح بن عبد الله عن جعفر بن سليمان مرسلاً أصح من حديث قطن عن
جعفر متصلًا؛ لأن صالح بن عبد الله أوثق من قطن، ومع ذلك قد تابع صالح بن
عبد الله غير واحد. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة قطن ما لفظه:
قال ابن عدي: حدثنا البغوي، ثنا القواريري، ثنا جعفر عن ثابت بحديث: ((لِيَسْأَلْ
أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا))، فقال رجل للقواريري: إنَّ شيخًا يحدث به عن جعفر عن
ثابت عن أنس. فقال القواريري: باطل. قال ابن عدي: وهو كما قال، انتهى.
قلت: حديث أنس نسبه السيوطي وغيره لابن حبان أيضًا ونسبه الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج١٠ ص١٥٠) للبزار وفيه زيادة قوله: ((حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ))، قال
الهيثمي: رواه الترمذي غير قوله: ((وَحَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ))، ورجاله، أي: عند البزار
رجال الصحيح غير سيار بن حاتم وهو ثقة. وفي الباب عن عائشة بلفظ: ((سَلُوا اللهَ
كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الشَّسْعِ، فَإِنَّ اللهَ إِنْ لَمْ يُبِسِّرْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ))، قال الهيثمي: رواه أبو يعلى
ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبيد الله بن المنادي وهو ثقة.
٣١١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٢٧٥ - [٣١] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّه يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ،
حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
الشرح
٢٢٧٥ - قوله: (وَعَنْهُ)، أي: عن أنس. (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي
الدُّعَاءِ)، أي: في مواضع مخصوصة قاله القاري. (حَتَّى يُرَى) بصيغة المجهول،
أي: يبصر. (بَيَاضُ إِبْطَيْهِ)، قال القاري: لعلَّ المراد: بياض طرفي إبطيه، ولا
ينافيه حديث أبي داود: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، فإنه يحمل على
الأقل في الرفع أو على أكثر الأوقات، والأول على بيان الجواز وفي الاستسقاء
ونحوه من شدة البلاء والمبالغة في الدعاء، انتهى.
قلت: قد ثبت في كلَّ من الاستسقاء وغيره حتى يرى بياض إبطيه، أمَّا الاستسقاء
ففي الصحيحين من حديث أنس قال: كان النبي ◌ُّ لا يرفع يديه في شيء من دعاء
إلا في الاستسقاء، وإنَّه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، وأمَّا غير في الاستسقاء،
ففي البخاري عن أبي موسى، في قصة قتل عمه أبي عامر الأشعري قال: فدعا
النبي ◌َِّ بماء فتوضأ ثم رفع يديه، فقال: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرَ))، ورأيت
بياض إبطيه، وفي الصحيحين من حديث أبي عبيد في قصة ابن اللتبية: ((ثم رفع
يديه حتى رأيت عفرتي إبطيه)) يقول: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ))، قال الحافظ: في ذلك رد
على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء.
قلت: ويدل على رفع اليدين كذلك مطلقًا ما روى البخاري معلقًا في الاستسقاء
والدعوات عن أنس، أن النبي وَل رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وما روى
مسلم من وجه آخر عنه، قال: رأيت رسول اللّه وَ له يرفع يديه في الدعاء حتى يُرى
بياض إبطيه، ويجمعُ بين ذلك بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في
غيره وفي الباب عن أبي برزة عند أبي يعلى، وعن عائشة عند البزار ذكرهما الهيثمي
في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠ ص١٦٨) مع الكلام عليهما.
(٢٢٧٥) البَيْهَقِي في الدَّعَوات (١٨٢).
Beex:
٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٧٦ - [٣٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ وََّ، قَالَ: كَانَ يَجْعَلُ
إِصْبُعَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَيَدْعُو.
الشرح
٢٢٧٦- قوله: (كَانَ يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ)، أي: أصابع يديه مرتفعة. (حِذَاءَ
مَنْكِبَيْهِ)، دلَّ الحديث على القصد والتوسط في رفع اليدين، وهو الأكثر والحديث
السابق على الزيادة، وهي حالة المبالغة والإلحاح في الدعاء والمسألة قاله
القاري. (وَيَدْعُو)، أي: بعد ذلك.
٢٢٧٧ - [٣٣] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيِّ نَّهَ كَانَ إِذَا
دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ.
[رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي الدَّعَوِاتِ الْكَبِيرِ] {ضعيف}
الشرح
٢٢٧٧ - قوله: (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ)، تقدم ترجمته في باب أحكام المياه.
(عَنْ أَبِيهِ)، هو يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي، والد السائب بن يزيد -
المعروف بابن أخت النمر - صحابي، أسلم يوم الفتح. قال الزهري: عن سعيد بن
المسيب قال: ما اتخذ النبي وَلّ قاضيًا ولا أبوبكر ولا عمر حتى كان في وسط
خلافة عمر فإنه قال ليزيد ابن أخت النمر: اكفني بعض الأمر، يعني: صغارها.
وقال ابن سعد: استعمله عمر على السوق.
(فَرَفَعَ يَدَيْهِ) عطف على. ((دَعَا))، (مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ)، قال ابن حجر: جواب
((إِذَا))، والصواب: إنه خبر كان، وإذا ظرف له. قال الطيبي: دلَّ على أنه إذا لم يرفع
(٢٢٧٦) البَيْهَقِي في الدَّعَوات (١٨٥).
(٢٢٧٧) البَيْهَقِي في الدَّعَوات (١٨٤).
٣١٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
at **** sa*
يديه في الدعاء لم يمسح وهو قيد حسن؛ لأنه ◌َ الجيل كان يدعوا كثيرًا، كما في الصلاة
والطواف وغيرهما من الدعوات المأثورة دبر الصلوات وعند النوم وبعد الأكل
وأمثال ذلك، ولم يرفع يديه لم يمسح بهما وجهه.
(رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ)، حديث أنس قد أخرجه أيضًا البخاري ومسلم
كما تقدم. وأمَّا حديث سهل بن سعد، فأخرجه أحمد (ج٥ ص٣٣٧) والحاكم
(ج ١ ص ٥٣٦) من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن معاوية، عن
ابن أبي ذباب عن سهل بن سعد، قال: ما رأيت رسول اللّه ◌َ ل﴾ شاهرًا يديه قطُّ يدعو
على منبرٍ ولا غيره ما كان يدعو إلا يضع يديه حذو منكبيه، ويشير بإصبعه، إشارة
لفظ أحمد، وفي رواية الحاكم: كان يجعل إصبعيه بحذاء منكبيه ويدعو .
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي
(ج١٠ ص١٦٧): فيه عبد الرحمن بن إسحاق الزرقي المدني وثقه ابن حبان،
وضعفه مالك وجمهور الأئمة، وبقية رجاله ثقات، انتهى. وأمَّا حديث السائب بن
يزيد عن أبيه، فأخرجه أيضًا أَبُو دَاوُدَ في أواخر الصلاة من طريق حفص بن هاشم
ابن عتبة بن أبي وقاص عن السائب بن يزيد عن أبيه. وقد سكت عنه أَبُو دَاوُدَ. وقال
المنذري: في إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف.
وقال الحافظ في ((الإصابة)) (ج ٣ ص٦٥٦): في ترجمة يزيد والد السائب بن
يزيد بعد ذكر هذا الحديث من رواية أبي داود وفي السند ابن لهيعة، واختلف عليه
في سنده، انتهى. قلت: ذكر الحافظ هذا الاختلاف في ((تهذيب التهذيب)) في
ترجمة حفص بن هاشم بن عتبة من شاء الوقوف عليه رجع إلى ((تهذيبه)) وحفص
هذا، قال الحافظ: مجهول. وقال الذهبي: لا يدرى من هو. انتهى. ويؤيده
حديث عمر المتقدم في الفصل الثاني.
٣١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٧٨ - [٣٤] وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عِلَّا قَالَ: الْمَسْأَلَةُ أَنْ
تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَحْوَهُمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ،
وَالِإِبْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا.
- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: وَالِبْتِهَالُ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي
وَجْهَهُ(*).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٢٧٨ - قوله: (الْمَسْأَلَةُ) مصدر بمعنى السؤال، والمضاف مقدر ليصح
الحمل، أي: أدبها. (أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَحْوَهُمَا) أي: قريبًا منهما.
(وَالِسْتِغْفَارُ) أي: أدبه. (أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُع وَاحِدَةٍ) وهي السبابة سبًّا للنفس الأمارة
والشيطان، والتعوذ منهما إلى اللَّه تعالَّى، وقيده بواحدة؛ لأنه يكره الإشارة
بالإصبعين، قاله الطيبي.
(وَالِإِبْتِهَالُ) أي: التضرع والاجتهاد، والمبالغة في الدعاء في دفع المكروه عن
النفس، أدبه (أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا)، أي: حتى يرى بياض إبطيك. (وَفِي رِوَايَةٍ :
قَالَ: وَالِإِبْتِهَالُ هَكَذَا) تعليم فِعْلِيٍّ والمشار إليه قوله: (وَرَفَعَ)، أي: ابن عباس.
(يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَا يَلِي وَجْهَهُ)، أي: رفع يديه رفعًا كليًّا حتى ظهر بياض
الإبطين جميعًا وصارت كَفَّاه محاذیین لرأسه.
قال الطيبي: ولعلَّه أراد بالابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب، فيجعل
يديه كالترس يستره من المكروه، انتهى. والفرق بين الروايتين: أنَّ في الرواية
الأولى بيان الابتهال بالقول، وفي الثانية: بالفعل. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر
الصلاة وسكت عليه هو والمنذري، ونسبه الحافظ في ((الفتح)) للحاكم أيضًا،
وسکت عنه .
(٢٢٧٨) أَبُو دَاوُد (١٤٨٩) عنه.
(*) أَبُو دَاوُد (١٤٩٠).
٣١٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٢٧٩ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيْدِيَكُمْ بِدْعَةٌ، مَا
زَادَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ عَلَى هَذَا - يَعْنِي: إِلَى الصَّدْرِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشرح
٢٢٧٩ - قوله: (إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيْدِيَكُمْ)، أي: مبالغتكم في الرفع في الدعاء.
(بِدْعَةٌ مَا زَادَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ)، أي: غالبًا. (عَلَى هَذَا - يَعْنِي)، أي: يريد بالمشار
إليه. (إِلَى الصَّدْرِ)، قال الطيبي: يعني: تفسير لما فعله ابن عمر من رفع اليدين إلى
الصدر، وأنكر عليهم غالب أحوالهم في الدعاء وعدم تمييزهم بين الحالات من
الرفع إلى الصدر لأمر وفوقه إلى المنكبين لأمر آخر، وفوقهما لغير ذلك، انتهى.
وقال في ((اللمعات)): قوله: (إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيْدِيَكُمْ بِدْعَةٌ)، يعني: رفعكم فوق
صدوركم دائمًا، أو في أكثر الأحوال من غير تمييز بين الأحوال المذكورة في
الحديث السابق بدعة، لم يفعله رسول اللَّه وَله، بل كان حاله وَ ل مختلفًا تارة،
كما ذكر قوله على هذا قد رفعهما ابن عمر إلى الصدر، فأراهم إياه بقوله وفعله،
ولذلك فسر الراوي بقوله: (يَعْنِي: إِلَى الصَّدْرِ)، انتهى. وقال ابن حجر: استند
ابن عمر في قوله: ((مَا زَادَ)) إلى علمه، فهو ناف وغيره أثبت عنه ◌َّ الرفع إلى حذو
المنكبين تارة، وإلى أعلى من ذلك أخرى والحجة للمثبت.
وقال الحافظ: وما نقل عن ابن عمر من إنكار رفع اليدين في الدعاء، فإنما أنكر
رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبري
عنه قال: وقد صحَّ عن ابن عمر خلاف ذلك، أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))
من طريق القاسم بن محمد، رأيت ابن عمر يدعو عند القَاصِّ يرفع يديه حتى
يحاذي بهما منکبیه .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ)، قال الهيثمي (ج ١٠ : ص١٦٨): فيه بشر بن حرب، وهو ضعيف
وفي الباب عن أبي سعيد قال: كان رسول اللَّه وَ له واقفًا بعرفة يدعو هكذا ورفع
(٢٢٧٩) أَحْمَد (٦١/٢) عنه .
٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يديه وجعل يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض، وفي رواية :
جعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ورفعهما فوق ثندوته وأسفل من منكبيه، رواه أحمد
وفيه أيضًا بشر بن حرب، وعن ابن عباس قال: رأيت رسول اللّه وَل يدعو بعرفة
ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين، رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه: الحسين
ابن عبد الله بن عبيدالله وهو ضعيف، كذا في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠: ص ١٦٧).
٢٢٨٠ - [٣٦] وَعَنْ أُبَّيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا ذَكَرَ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ]
أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ.
الشرح
٢٢٨٠ - قوله: (فَدَعَا لَهُ) عطف على ((ذَكَرَ))، أي: فأراد أن يدعو له. (بَدَأَ
بِنَفْسِهِ) جزاء إذا ذكر، وفيه تعليم للأمة وأنه يندب للداعي أن يبدأ بنفسه، ثم يثني
بمن أراد الدعاء له، وقد عقد البخاري في (صحيحه)) باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ
عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومن خصَّ أخاه بالدعاء دون نفسه، ثم ذكر فيه ثمانية أحاديث تدل
على ذلك.
قال الحافظ: في هذه الترجمة إشارة إلى رد ما جاء عن ابن عمر أخرجه ابن أبي
شيبة والطبري من طريق سعيد بن يسار قال: ذكرت رجلًا عند ابن عمر، فترحمت
عليه، فلهز في صدري، وقال لي: ابدأ بنفسك. وعن إبراهيم النخعي: كان يقال:
إذا دعوت فابدأ بنفسك، فإنك لا تدري في أيِّ دعاء يستجاب لك، وأحاديث الباب
ترد على ذلك، قال: وأمَّا ما أخرجه الترمذي من حديث أبي بن كعب، رفعه: أن
النبي ◌َ ﴿ كان إذا ذكر أحدًا، فدعا له بدأ بنفسه، وهو عند مسلم في أول قصة موسى
والخضر، ولفظه: وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه.
قال: ويؤيد هذا القيد أن النبي وّ دعا لغير نبي، فلم يبدأ بنفسه، كقوله في قصة
هاجر: ((يَرْحَمُ اللهُ أَمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْتَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكَانَتْ عَيْنَا مَعِينًا)).
(٢٢٨٠) التِّرْمِذِي (٣٣٨٥) وقال: حسنٌ صحيحٌ.
٣١٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
وحديث أبي هريرة: ((اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوح الْقُدُسِ))، يريد حسان بن ثابت، وحديث
ابن عباس: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ))، وَغَيرِه ذلك من الأمثلة مع أن الذي جاء في
حديث أبي لم يطرد، فقد ثبت أنه دعا لبعض الأنبياء، فلم يبدأ بنفسه، كحديث أبي
هريرة: ((يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ))، انتهى كلام الحافظ.
قلت: فظهر أن بَدْأَهُ وَالّ بنفسه عند ذكر أحد والدعاء له لم يكن من عادته المستمرة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص١٢١) وأَبُو دَاوُدَ في
الحروف والنسائي، ونسبه في ((الجامع الصغير)) لابن حبان والحاكم أيضًا، وفي
الباب عن أبي أيوب: أن النبي والخيول كان إذا دعا بدأ بنفسه رواه الطبراني. قال
الهيثمي: إسناده حسن. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وسكت عنه أَبُو
دَاوُدَ والمنذري، وقد تقدم أنَّ أصل الحديث عند مسلم .
٢٢٨١ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: إِنَّ النَّبِيَّ وَلَ قَالَ: «مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِم إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى
ثَلَاثٍّ: إِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا)) قَالُوا: إِذَنْ نُكْثِرُ قَالَ: ((اللَّهُ أَكْثَرُ)).
الشرح
٢٢٨١ - قوله: (لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ)، أي: معصية. (وَلَا تَطِيعَةُ رَحِم) تخصيصٍ
بعد تعميم والقطيعة الهجران والصَّدَ، أي: ترك البر إلى الأهل والأقارب. (إِلَّا
أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا)، أي: بتلك الدعوة. (إِحْدَى ثَلَاثٍ)، أي: من الخصال. (إِمَّا أَنْ
يُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ)، أي: بخصوصها أو من جنسها في الدنيا في وقت إرادة إن قدر
وقوعها في الدنيا، يعني: يعجل له دعوته في الدنيا في أحوج أوقاته، وأوفقها لا
على أوقات تمنيه. (وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا)، أي: تلك المطلوبة أو مثلها، أو أحسن منها
أو ثوابها وبدلها، يعني: يجعلها ذخيرة بأن يعطيه جزيل ثوابها. (لَهُ)، أي:
(٢٢٨١) رَوَاهُ أَحْمَد (١٨/٣).
٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Be
للداعي. (فِي الآخِرَةِ) إن لم يقدر وقوعها في الدنيا. (وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ)، أي:
يدفع. (مِنَ السُّوْءِ)، أي: البلاء النازل أو غيره في أمر دينه أو دنياه أو بدنه.
(مِثْلَهَا)، أي: مثل تلك الدعوة كمية وكيفية إن لم يقدر له وقوعها في الدنيا.
والحاصل: إن ما لم يقدر له فيها أحد الأمرين؛ إمَّا الثواب المدخر، وإمَّا دفع
قدرها من السوء. (قَالُوا)، أي: بعض الصحابة. (إِذَّا)، أي: إذا كان الدعاء لا يرد
منه شيء، ولا يخيب الداعي في شيء منه. (نُكْثِرُ)، أي: من الدعاء لعظيم فوائده.
(قَالَ) النبيِ وَ. (اللهُ أَكْثَرُ)، قال الطيبي: أي: اللَّه أكثر إجابة من دعائكم.
وقيل: إن معناه فضل الله أكثر، أي: ما يعطيه من فضله، وسعة كرمه أكثر مما
يعطيكم في مقابلة دعائكم. وقيل: الله أغلب في الكثرة، يعني: فلا تعجزونه في
الاستكثار، فإن خزائنه لا تنفد، وعطاياه لا تفنى. وقيل: اللَّه أكثر ثوابًا وعطاء مما
في نفوسكم، فأكثروا ما شئتم، فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٣ص١٨) وأخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد))
والطحاوي في ((مشكل الآثار)) وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ ص١٤٨)
وعزاه لأحمد ثم قال: ورواه أبويعلى بنحوه والبزار والطبراني في ((الأوسط))
ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن
علي الرفاعي وهو ثقة، انتهى. وقال المنذري : رواه أحمد وأبويعلى والبزار
بأسانيد جيدة، والحاكم (ج١ ص٤٩٣)، وقال: صحيح الإسناد. قلت: ووافقه
الذهبي ونسبه في ((الكنز)) (ج١ ص١٧٩) لابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي في
((الشعب)) أيضًا، وفي الباب عن جابر. وقد تقدم في الفصل الثاني وعن عبادة بن
الصامت وأبي هريرة وقد سبق تخريجهما هناك.
٣١٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٢٨٢ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿َّ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((خَمْسُ
دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُوَّمَ حَتَّى يَنْتَصِرَ، وَدَعْوَةُ الْحَاجِّ حَتَّى
يَصْدُرَ، وَدَعْوَةُ الْمُجَاهِدِ حَتَّى يَفْقِدَ، وَدَعَّوَةُ الْمَرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَدَعْوَةُ الأَخِ
لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)). ثُمَّ قَالَ: ((وَأَسْرَعُ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ: إِجَابَةُ دَعْوَةِ الْأَخَ
لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ]
الشرح
٢٢٨٢- قوله: (خَمْسُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ) مبتدأ وخبره. (دَعْوَةُ
الْمَظْلُومِ)، وإن كان كافرًا أو فاجرًا. (حَتَّى يَنْتَصِرَ)، أي: إلى أن ينتقم من الظالم
بلسانه أَو يده. قال القاري: لأنه إن انتقم بمثل حقه شرعًا فقد استوفى، أو أنقص
فواضح أولًا بمثله شرعًا، أو بأزيد صار ظالمًا. قال الطيبي: حتى في القرائن الأربع
بمعنى إلى كقولك: سرت حتى تغيب الشمس؛ لأن ما بعدها غير داخل فيما قبلها .
(وَدَعْوَةُ الْحَاجِّ) حجًّا مبرورًا. (حَتَّى يُصْدِرَ) بضم الدال، أي: إلى أن يرجع إلى
بلده وأهله. وقيل: أي: يرجع من الحج ويدخل بيته. (وَدَعْوَةُ الْمُجَاهِدِ)، وفي
((الجامع الصغير)) و((الكنز)) (ج١ ص١٧٤): ((الْغَازِي)) بدل (الْمُجَاهِدِ)، أي:
الغازي في سبيل اللَّه لإعلاء كلمة الله. (حَتَّى يَفْقِدَ) بسكون الفاء وكسر القاف من
الفقدان، من باب ضرب، أي: إلى أن يفرغ من الجهاد ويفقد أسبابه. قال الطيبي:
أي: يفقد ما يستتب له من مجاهدته، أي: حتى يفرغ منها، انتهى. واستتب له
الأمر، أي: تهيأ واستقام على ما في ((الصحاح)) وفي بعض النسخ حتى يقعد
بسكون القاف وضم العين من القعود، أي: عن الجهاد وفي بعضها يقفل بسكون
القاف وضم الفاء من القفول بمعنى يرجع، أي: إلى وطنه، ومنه القافلة تفاؤلًا.
قلت: والظاهر هي النسخة الأخيرة، ويؤيدها إنه هكذا، نقلها السيوطي في
((الجامع الصغير)) وعلي المتقي في ((الكنز)) عن ((الشعب)) للبيهقي.
(٢٢٨٢) البَيْهَقِي في شعب الإيمان (١١٢٥) عنه.