Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في دون هذه المدة لا بد أن يسرع في التلاوة فيغفل عن التدبر فيه، ولا يكون له هَمٌ
إلا أداء الألفاظ. قال في ((المجمع)): ((لَمْ يَفْقَهْ ... )» إلخ. أي: لم يفهم ظاهر معانيه
من قرأه في أقل من هذه المدة، وأمَّا فهم دقائقه فلا يفي به الأعمار، والمراد: نفي
الفهم لا نفي الثواب، انتهى.
قال السندي: قوله: ((لَمْ يَفْقَهْ)) أخبار بأنه لا يحصل الفهم والفقه المقصود من
قراءة القرآن فيما دون ثلاث، أو دعاء عليه بأن لا يعطيه الله تعالى الفهم، وعلى
التقديرين فظاهر الحديث كراهة الختم في ما دون ثلاث، وكثير منهم أراد ذلك في
الأعم الأغلب. وأمَّا من غلبه الشغل فيجوز له ذلك، انتهى. قلت: لا شك في أن
ظاهر الحديث كراهة ختم القرآن في أقل من الثلاث، ويؤيده ما روي عن عائشة
أنها قالت: ((ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة)). رواه مسلم. وعنها قالت:
((كان رسول اللَّه وَ ل لا يختم القرآن في أقل من ثلاث)) رواه أبو عبيد في ((فضائل
القرآن))، ويؤيده أيضًا ما روى ابن أبي داود وسعيد بن منصور، عن عبد الله بن
مسعود موقوفًا: ((لا تَقْرَؤُوا القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ)). ورواه الطبراني في ((الكبير))
بلفظ: ((لَا يُقْرَأُ القُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، اقْرَؤوهُ فِي سَبْعٍ)).
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وروى أبوعبيد عن معاذ بن جبل: أنه كان
يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، وقد اختلف السلف في مدة الختم. قال
الترمذي: قال بعض أهل العلم: لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ للحديث الذي
روي عن النبي وَلّل، ورخص فيه بعض أهل العلم، وروي عن عثمان بن عفان أنه
كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها، وروي عن سعيد بن جبير: أنه قرأ القرآن في
ركعة في الكعبة، انتهى.
قلت: ذهب أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة إلى كراهة ختم القرآن فيما دون
الثلاث. وذهب جماعة على جواز ذلك، منهم عثمان وتميم الداري وعبد الله بن
الزبير، وسعيد بن المسيب، وثابت البناني وسعيد بن جبير وعطاء بن السائب
وغيرهم ذكرهم محمد بن نصر في قيام الليل. قال الحافظ بعد ذكر حديث عبد الله
ابن عمر، والذي نحن في شرحه: وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن
ابن مسعود: ((اقْرُوا القُرْآنَ فِي سَبْع وَلَا تَقْرَؤُوهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ))، ولأبي عبيد من
طريق الطيب بن سليمان عن عمرة معّن عائشة: ((أن النبي ◌ّ كان لا يختم القرآن في

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٨١
EX29E
أقل من ثلاث))، وهذا اختيار أحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهم. وثبت
عن كثير من السلف: اقرؤوا القرآن في دون ذلك، قال: وَأَغْرَبَ بعض الظاهرية
فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.
وقال النووي: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط
والقوة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم، انتهى
كلام الحافظ. قلت: قال النووي في (الأذكار)) بعد ذكر عادات السلف المختلفة في
القدر الذي كانوا يختمون فيه القرآن: والمختار أن ذلك يختلف باختلاف
الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر
يحصل له معه كمال فهم ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم أو فصل
الحكومات ما بين المسلمين، أو غير ذلك من مهمات الدين، والمصالح العامة
للمسلمين؛ فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له ولا فوات
کماله، من لم يكن من هؤلاء المذكورين؛ فليستكثر ما أمكنه من غیر خروج إلى
حَدِّ الملل أو الهَذْرَمَةِ في القراءة. وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم
وليلة، ويدل عليه ما روينا بالأسانيد الصحيحة في ((سنن أبي داود)) والترمذي
والنسائي وغيرها عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: ((لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ
فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ»، انتهى.
وقال القاري: جرى على ظاهر الحديث جماعة من السلف، فكانوا يختمون
القرآن في ثلاث دائمًا. وكرهوا الختم في أقل من ثلاث ولم يأخذ به آخرون؛ نظرًا
إلى أن مفهوم العدد ليس بحجة، فختمه جماعة في يوم وليلة مرة، وآخرون مرتين
وآخرون ثلاث مرات، وختمه في ركعة من لا يحصون كثرة، وزاد آخرون على
الثلاث، انتهى. قلت: والمختار عندي: ما اختاره الإمام أحمد وإسحاق بن
راهويه وأبو عبيد وغيرهم وذلك لحديث عبد الله بن عمرو، وحديث عائشة
والنبي ◌َّ أحق أن يتبع.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر القراءات. (وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) في الصلاة، وكذا
ابن ماجه، وأخرجه أحمد (ج٢ص١٦٤ - ١٦٥ - ١٨٩، ١٩٣، ١٩٥) وأَبُو دَاوُدَ
الطيالسي والنسائي في ((فضائل القرآن))، وصححه الترمذي، ونقل المنذري
والحافظ والنووي تصحیح الترمذي، وسكتوا عليه.

١٨٢
ESRE
ers *cess
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٢٤ - [١٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِ:
((الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٢٢٤ - قوله: (الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ)، أي: بقراءته. (كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ)، أي:
كالمعلن بإعطائها. (وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) وقد قال الله تعالى: ﴿إِن
[البقرة: ٢٧١]
تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
فالظاهر من الحديث: أنَّ السرَّ أفضل من الجهر، كما أشار إليه النسائي، حيث عقد
على هذا الحديث باب: فضل السر على الجهر، لكن الذي يقتضيه أمره ولو لأبي
بكر: ((ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ)) أنَّ الاعتدال في القراءة أفضل، فإمَّا أن يحمل الجهر في
الحديث على المبالغة والسر على الاعتدال، أو على أن هذا الحديث محمول على
ما إذا كان الحال تقتضي السر، وإلا فالاعتدال في ذاته أفضل، قاله السندي.
وقال الترمذي: معنى هذا الحديث: أن الذي يسر بقراءة القرآن أفضل من الذي
يجهر بقراءة القرآن؛ لأن صدقة السِّرِّ أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية،
وإنما معنى هذا عند أهل العلم؛ لكي يأمن الرجل من العجب؛ لأن الذي يُسِرُّ
بالعمل لا يُخَافُ عليه بالعجب ما يُخَافُ عليه في العلانية، انتهى. قلت: وردت
أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة، وأحاديث تقتضي الإسرار وخفض
الصوت، فمن الأول: ما تقدم من حديث أبي هريرة عند الشيخين: «مَا أَذِنَ اللهُ
◌ِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»، ومن الثاني: حديث عقبة هذا
وحديث معاذ بن جبل، أخرجه الحاكم (ج ١ ص ٥٥٥) بلفظ حديث عقبة وصححه
على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
قال النووي في ((الأذكار)): والجمع بينهما: أنَّ الإسرار أبعد من الرياء، فهو
أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل، بشرط أن لا
(٢٢٢٤) أَبُو دَاوُد (١٣٣٣)، والتِّرْمِذِي (٢٩١٩)، والنَّسَائِي (٢٢٥/٣) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ .

١٨٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَابِ التلّأَّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
يؤذي غيره من مصلٍّ أو نائمٍ أو غيرهما، يعني: أن الإخفاء أفضل حيث خاف
الرياء، أو تأذي مصلون أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه
أكبر؛ ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره، أي: من استماع أو تعلم، أو اقتداء، أو انزجار،
أو كونه شعارًا للدين؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر ويصرف
سمعه إليه؛ ولأنه يطرد النوم عنه ويزيد في النشاط ويوقظ غيره من نائم وغافل
وينشطه، فمتى حضره شيء من هذه النيات، فالجهر أفضل، انتهى.
قال السيوطي: ويدل لهذا الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن أبي سعيد:
اعتكف رسول اللّه ◌َل في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر،
وقال: ((أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجِ رَبَّهُ فَلاَ يُؤْذِينَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ
فِي الْقِرَاءَةِ»، قلت: ويدَّل له أيضًا ما روى الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر
مرفوعًا: ((السِّرُّ أَفْضَلُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ، وَالْعَلَانِيَةُ أَفْضَلُ لِمَنْ أَرَادَ الإِقْتِدَاءَ بِهِ))، ذكره
الذهبي في ترجمة عبد الملك بن مهران عن عثمان بن زائدة عن نافع عن ابن عمر.
قال السيوطي: وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها؛ لأن
المسرَّ قد يَمَلَّ فيأنس بالجهر، والجاهر قد بكل فيستريح بالأسرار.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرِمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)
الحديث أخرجه الترمذي في فضائل القرآن وأَبُو دَاوُدَ في الصلاة، كلاهما من
طريق إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة
الحضرمي عن عقبة وحسنه الترمذي وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ. وقال المنذري: في
إسناده إسماعيل بن عياش، وفيه مقال، ومنهم من يصحح حديثه عن الشاميين
وهذا الحديث شامي الإسناد، انتهى. وأخرجه النسائي في الزكاة من طريق معاوية
ابن صالح عن بحير بن سعد، وكذا عبد الله بن أحمد (ج٤ ص١٥١ - ١٥٨)
وأخرجه النسائي أيضًا في الصلاة من طريق زيد بن واقد عن كثير بن مرة وعبد الله
ابن أحمد (ج٤ ص٢٠١) من طريق زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن
مرة،، فالحديث حسن بل صحيح، وفي الباب عن معاذ بن جبل، أخرجه الحاكم
وصححه، وعن أبي أمامة، رواه الطبراني في ((الكبير)) من طريقين في أحدهما بشير
ابن نمير، وهو متروك وفي الأخرى إسحاق بن مالك، ضعفه الأزدي، كذا في
((مجمع الزوائد)).

ECOKE
١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٢٥ - [١٧] وَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «مَا آمَنَ
بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ)).
[رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ]
الشرح
٢٢٢٥ - قوله: (وَعَنْ صُهَيْبٍ) بالتصغير. (مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ
مَحَارِمَهُ)، جمع محرم بمعنى الحرام الذي هو المحرم والضمير للقرآن، والمراد:
فردًا من هذا الجنس، يعني: هو كافر؛ لاستحلاله الحرام المنصوص عليه في
القرآن، وخص القرآن لعظمته، وإلا فمن استحل المجمع على تحريمه المعلوم
ضرورة كافر أيضًا. قال الطيبي: من استحل ما حرمه الله فقد كفر مطلقًا، وخص
ذكر القرآن لعظمته وجلالته.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في فضائل القرآن عن محمد بن إسماعيل الواسطي، نا وكيع،
نا أبو فروة يزيد بن سنان، عن أبي المبارك عن صهيب. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ
إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ)، في نسخ الترمذي الموجودة عندنا: ليس إسناده بذاك، يعني:
ليس بالقوي، فكأن المصنف ذكره بالمعنى. وقال الترمذي أيضًا بعد ذكر
الاختلاف في سنده، وأبو المبارك رجل مجهول. قلت: ولم يدرك صهيبًا،
فالحديث منقطع أيضًا. قال الحافظ في ((التقريب)): أبو المبارك عن عطاء مجهول،
وروایته عن صهيب مرسلة.
وقال في ((التهذيب)): أبو المبارك روى عن عطاء بن أبي رباح وأرسل عن
صهيب. قال الترمذي: مجهول. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن أبي
حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو شبيه بالمجهول. وقال الذهبي في ((الميزان)) في أبي
المبارك: هذا لا يدرى من هو وخبره منكر. وقال بعد ذكر الحديث من طريق
(٢٢٢٥) التِّرْ مِذِي (٢٩١٨) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ صُهَيْبٍ، وَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِي في ((شعب الإيمان)) (١٧٣) مِنْ
وَجْهٍ آخَرَ .

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّوَةِ وَدُرُوس القرآن
١٨٥
الترمذي المذكورة هو: منقطع. قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي. قال الذهبي
وأبو المبارك: لا تقوم به حجة لجهالته، انتهى.
قال الترمذي: وقد خولف و کیع في روايته، فروی محمد بن یزید بن سنان عن
أبيه فزاد في الإسناد عن مجاهد عن سعيد المسيب عن صهيب ولا يتابع محمد بن
يزيد على روايته. وقال البخاري: يزيد بن سنان ليس بحديثه بأس إلا رواية ابنه
محمد عنه، فإنه يروي عنه مناكير، انتهى. قلت: رواه من هذا الطريق الذهبي في
((الميزان)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)). قال الذهبي: محمد بن يزيد الذي جود
سنده ليس بعمدة كأبيه، انتهى. قلت: يزيد بن سنان والد محمد بن يزيد ضعفه
أحمد وابن المديني وأبو داود والدار قطني والنسائي. وقال ابن معين: ليس
بشيء. وقال أبوحاتم: محله الصدق، وكان الغالب عليه الغفلة يكتب حديثه ولا
يحتج به فالحديث بطريقيه ضعيف. قال في ((تنقيح الرواة)) وفي الباب عن أنس عند
أبي نعيم وعن جابر عند الخطيب في ((تاريخه)).
٢٢٢٦ - [١٨] وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْن
مَمْلَكِ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ نَّهِ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ] {ضعيف}
حَرْفًا.
الشرح
٢٢٢٦ - قوله: (وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الفهمي، يكنى أبا
الحارث، فقيه أهل مصر. قال في ((التقريب)): ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور ولد في
قرية في أسفل مصر يوم الخميس لأربع عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين، روى
عن ابن أبي مليكة وعطاء والزهري وغيرهم، وحدث عنه خلق كثير، منهم ابن
المبارك، قدم بغداد سنة إحدى وستين ومائة، وعرض عليه المنصور ولاية مصر
فأبى واستعفاه. قال يحيى بن بكير: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، وفي
(٢٢٢٦) أَبُو دَاوُد (١٤٦٦)، والنَّسَائِي (١/ ١٨١) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، والتِّرْمِذِي (٢٩٢٣) فِي فَضَائِلٍ
القُرْآنِ .

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رواية: ما رأيت أكمل من الليث، وقال أيضًا: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت
الحظوة لمالك، وقال نحو ذلك الشافعي.
قال ابن حبان في ((الثقات)): كان من سادات أهل زمانه فقهًا وورعًا وعلمًا وفضاًا
وسخاء، كان دخله كل سنة ثمانين ألف دينار ما وجبت عليه زكاة، مات في يوم
الجمعة نصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وقد أفرد الحافظ ترجمة رسالة
سماها ((الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية))، طبعت ببولاق مصر مع ((الخلاصة في
أسماء الرجال)) للخزرجي. (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بالتصغير. (عَنِ يَعْلَى) بفتح التحتية
وسكون المهملة وفتح اللام والقصر كيرضى. (بْنِ مَمْلَكِ) بفتح الميم الأولى
واللام بعدها كاف، عن قراءة النبي ◌ُّ، أي: عن صفتها.
(فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ)، أي: تصف وتبين بالقول أو بالفعل بأن تقرأ كقراءته وقلت . .
(قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً) بفتح السين المشددة من الفسر وهو البيان، أي: مبينة. (حَرْفًا
حَرْفًا)، أي: مرتلة، مجردة مميزة غير مخالطة، بل كان يقرأ بحيث يمكن عد
حروف ما يقرأ، والمراد: حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد و(حَرْفًا
حَرْفًا)، حال، أي: حال كونها مفصولة الحروف نحو أدخلتهم رجلًا رجلًا، أي:
منفردين. قال الطيبي: نعتها لقراءته وَ له يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن تقول: كانت
قراءته كيت وكيت. والثاني: أن تقرأ قراءة مرتلة مبينة، وتقول: كان النبي يقرأ
مثل هذه القراءة. والحديث: يدل على استحباب قراءة القرآن مرتلة مبينة.
قال في ((شرح المهذب)): قد اتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع. قالوا:
وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزئين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل، قالوا:
واستحباب الترتيل للتدبر؛ لأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير وأشد تأثيرًا في القلب،
ولهذا يستحب للأعجمي الذي لا يفهم معناه. وقال الجزري في ((النشر)): اختلف
هل الأفضل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرتها؟ وأحسن بعض أئمتنا،
فقال: إن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرًا، وثواب الكثرة أكثر عددًا؛ لأن بكل حرف
عشر حسنات، انتهى.
قال القاري: ولا شك أن اعتبار الكيفية أولى من اعتبار الكمية، وقد بسط الكلام
في ذلك ابن القيم في ((زاد المعاد)) (ج ١ ص ٩٠) فأجاد فعليك أن تراجعه.

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَابِ التلَّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٨٧
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر فضائل القرآن وأخرجه أيضًا في ((الشمائل)). (وَأَبُو
دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) في الصلاة وأخرجه أيضًا عبد الله بن أحمد (ج ٦ ص ٢٩٤ - ٣٠٠)
والحاكم (ج ١ ص٣١٠) والحديث سكت عنه أَبُو دَاوُدَ. وقال الترمذي: هذا حديث
حسن صحيح، ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. وقال الحاكم: صحيح
على شرط مسلم، وأقره الذهبي والحديث قطعة من حديث طويل تقدم في آخر
باب صلاة الليل.
٢٢٢٧ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يُقَطِّعُ قِّرَّاءَتَهُ، يَقُولُ: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الرّحَةِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ.
الْعَلَمِينَ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ:
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍٍ لأن اللَّيْثَ رَوَيٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةً
عَنْ يَغْلَى بْنِ تَمْلَكٍ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ]
الشرح
٢٢٢٧ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ جُرَيْج) بالتصغير. (يُقَطَّعُ) من التقطيع، وهو جعل
الشيء قِطَعًا قِطَعًا. (قِرَاءَتَهُ)، زاد في رَّواية أحمد وأبي داود والحاكم: آية آية يقف
عند رأس كل آية، وإن تعلقت بما بعدها فيسن الوقف على رؤوس الآي، وإن
تعلقت بما بعدها كما صرح به البيهقي وغيره خلافًا لبعض القراء، حيث منع الوقف
إذا تعلقت بما بعدها وجعله بعضهم خلاف الأولى. وقال القاري: قوله: ((يُقَطَّعُ
قِرَاءَتَهُ))، أي: يقرأ بالوقف على رؤوس الآيات.
(يَقُولُ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالِمَينَ، ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ
يَقِفُ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا وقع في ((الشمائل)) للترمذي وَلفظه
﴿ اَلَّمَنِ الرّحَةِ﴾،
في ((جامعه)): يقرأ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، ثم يقف
ثم يقف، وذكر في ((جامع الأصول)) (ج ٣ص١٧) بلفظ: ((يَقُولُ)) بدل يقرأ، وقوله:
(٢٢٢٧) أَبُو دَاوُد (٤٠٠١) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْمِذِي (٢٩٢٧) فِي القِرَاءَاتِ عَنْ أُمَّ سَلَمَةً.

١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ثُمَّ يَقِفُ)، أي: يمسك عن القراءة قليلًا، ثم يقرأ الآية التي بعدها، وهكذا إلى
آخر السورة، وهذا بيان لقوله: ((يُقَطَّعُ)) بدل أو حال أو استئناف.
واعلم: أن الوقف عند القراء: عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمنا يتنفس فيه
عادة بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض، ويكون في رؤوس الآي وأوسطها، ولا
يأتي في وسط الكلمة ولا فيما اتصل رَسْمًا. ثم إنهم اختلفوا في أنواع الوقف
والابتداء. فقال ابن الأنباري: الوقف على ثلاثة أوجه: تام، وحسن، وقبيح. وقال
غيره: الوقف ینقسم إلى أربعة أقسام: تام مختار، و کاف جائز، وحسن مفهوم،
وقبيح متروك. وقال السجاوندي: الوقف على خمس مراتب: لازم، ومطلق،
وجائز، ومجوز بوجه، ومرخص ضرورة. وقال ابن الجزري: أكثر ما ذكر الناس
في أقسام الوقف غير منضبط ولا منحصر، ثم بين ما هو أقرب إلى الضبط عنده،
وقال في ما ذكر لضبطه: وإن كان التعلق بما بعده من جهة اللفظ، أي: لا من جهة
المعنى فهو المسمى بالحسن؛ لأنه في نفسه حسن مفيد يجوز الوقف عليه دون
الابتداء مما بعده للتعلق اللفظي إلا أن يكون رأس آية، فإنه يجوز في اختيار أكثر
أهل الأداء؛ لمجيئة عن النبي ◌ّ في حديث أم سلمة، يعني: الذي نحن في
شرحه .
وقال القاري: الوقف المستحسن على أنواع ثلاثة، الحسن، والكافي، والتام.
فيجوز الوقف على كل نوع عند القراء. وقد أشار إليها الجزري بقوله:
تَعَلُّقٌ أَوْ كَانَ مَغْنَى فَابْتِدٍ
وَهِيَ لِمَ تَمَّ فَإِنْ لَمْ يُؤْجَدِ
إِلَّ رُؤُوسَ الْآَي جَوِّزْ فَالْحَسَنْ
فَالتَّامُّ فَالْكَافِي وَلَفْظًا فَامْنَعَنْ
وشرحه يطول، قال: وهذا الوقف، يعني: المذكور في حديث أم سلمة، يسمى
حسنًا، انتهى. ومن أحب الوقوف على تعريفات أنواع الوقف والابتداء وما فيها
من الاختلاف رجع إلى ((الإتقان)) وغيره من كتب هذا الفن. قال القاري: اختلف
أرباب الفن في الوقف على رأس الآية، إذا كان هناك تعلق لفظي كما نحن فيه من
تعلق الصفة والموصوف واستدل له بهذا الحديث وعليه الشافعي، وأجاب
الجمهور عنه: بأن وقفه كان لبيان للسامعين رؤوس الآي، فالجمهور: على أن
الوصل أولى فيها والجزري على أنه يستحب الوقف عليها بالانفصال، انتهى.

١٨٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّوَةِ وَدُرُوس القرآن
قلت: وإليه ذهب أبوعمرو من القراء. قال السيوطي في ((الإتقان)) (ص٨٧) بعد ذكر
مذاهب القراء في الوقف والابتداء: وكان أبو عمرو يتعمد رؤوس الآي، ويقول:
هو أحب إلي، فقد قال بعضهم: إن الوقف عليه سنة.
وقال البيهقي في ((الشعب)) وآخرون: الأفضل الوقف على رؤوس الآيات، وإن
تعلقت بما بعدها؛ اتباعًا لهدي رسول اللَّه وَ ليل وسنته. ثم ذكر السيوطي حديث أم
سلمة. وقال ابن القيم في ((زاد المعاد)) (ج١ ص ٩٠): كان رسول اللّه ◌َالل يقف عند
كل آية، وذكر الزهري: أنَّ قراءة رسول اللَّه وَاله كانت آية آية، وهذا هو الأفضل
الوقوف على رؤوس الآيات، وإن تعلقت بما بعدها. وذهب بعض القراء إلى تتبع
الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها واتِّاع هدي النبي ◌َّ وسنته أولى،
وممن ذكر ذلك البيهقي في ((شعب الإيمان)) وغيره. ورجح الوقوف على رؤوس
الآي، وإن تعلقت بما بعدها، انتهى.
قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات)) (ج٢ ص١٦٤): وعلى
القواعد المقررة عند أرباب القراءة، الوصل في أمثال هذه الآيات أرجح؛ لكن إذا
كان على رؤوس الآي، فالوقف عليها والابتداء بما بعدها سنة، انتهى. قلت: لا
شك في كون هذا سنه، فيكون هو الأرجح والأولى؛ لأن الفضل والكمال في
متابعة في كل حال، وما تفوه به التوربشتي والطيبي هاهنا ليس مما يلتفت إليه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أول القراءات من ((جامعه))، ورواه أيضًا في ((شمائله))
وأخرجه أيضًا عبد الله بن أحمد (ج٦ ص٣٠٢) وأَبُو دَاوُدَ في الحروف والحاكم
(ج ٢ ص ٢٣١ - ٢٣٢) كلهم من طريق يحيى بن سعيد الأموي، وهو ثقة عن ابن
جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة. (لِأَنَّ اللَّيْثَ) بن سعد. (رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ
عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ)، إنها وصفت قراءة النبي وَل
حرفًا حرفًا، يعني: فزاد الليث بين ابن أبي مليكة وأم سلمة يعلى بن مملك، فعلم
أن إسناد حديث يحيى بن سعيد الأموي بدون ذكر يعلى بن مملك بينهما منقطع.
(وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَخُ)، أي: من حديث يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن
جريج عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، يعني: فيحمل على أن يحيى بن سعيد
الأموي، أو ابن جريج ترك ذكر يعلى بن مملك، فصار سند حديثه منقطعًا. قلت:

١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث سكت عنه أَبُو دَاوُدَ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، وأقره الذهبي ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره، وقد تعقبه الشيخ في
شرح الترمذي بما توضيحه: أن في البخاري قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من
الصحابة. وقال ابن حبان في ((الثقات)): رأى ثمانين من الصحابة، وتوفي سنة سبع
عشرة ومائة وتوفيت أم سلمة اثنتين وستين أو في آخر إحدى وستين.
وصرح الحافظ في ((تهذيبه)): أن ابن أبي مليكة روى عن أسماء وعائشة وأم سلمة
وعلى هذا فلا يبعد سماعه من أم سلمة، فيجوز أن يكون ابن أبي مليكة سمع حديث
التقطيع من أم سلمة مباشرة بلا واسطة، وحدث به ابن جريج كما سمعه وسمع
حديث وصف القراءة حرفًا حرفًا بواسطة يعلى بن مملك، وحدث به الليث بن
سعد كما سمعه. والحاصل: أنهما حديثان مختلفا السياق والمعنى مرويان عن أم
سلمة، أحدهما: حديث نعت القراءة حرفًا حرفًا، حدثت به أم سلمة يعلى بن
مملك وهو حدث به ابن أبي مليكة، ورواه عنه الليث. والثاني: حديث التقطيع
حدثت به ابن أبي مليكة، وهو حدث به ابن جريج، وعلى هذا فالحديثان متصلان
صحيحان ثابتان. وقيل: رواية الليث بن سعد من المزيد في متصل الأسانيد لتحقق
سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة عند علماء الرجال. وقيل: رواية ابن جريج
أصح؛ لأنه تابعه على إسناده نافع بن عمر الجمحي وهو ثقة ثبت. وقد صحح
حديث ابن جريج الدار قطني وغيره، والله أعلم.

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
**
بَابُ آدَاب التلَّّوَةِ وَدُرُوس القرآن
١٩١
الفصل الثالث
٢٢٢٨ - [٢٠] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بَلَهِ وَنَحْنُ نَقْرَأُ
الْقُرْآنَ، وَفِينَا الْأَعْرَابِيُّ وَالْعَجَمِيُّ، قَالَ: ((اقْرَؤُوا فَكُلٌ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ
يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ اْإِيمَانِ]
الشرح
٢٢٢٨ - قوله: (وَنَحْنُ نَقْرَأُ) جملة حالية. (وَفِينَا)، أي: معشر القراء، أو
في جماعة الصحابة الموجودين. (الأَعْرَابِيُّ) بفتح الهمزة، أي: البدوي ويجمع
على الأعراب، والأعاريب، والنسبة إلى الأعراب أعرابي. وإنما قيل في النسب
إلى الأعراب: أعرابي؛ لأنه لا واحد له على هذا المعنى؛ ألا ترى أنَّك تقول:
العرب فلا يكون على هذا المعنى، وحكى الأزهري: رجل عربي إذا كان نسبه في
العرب ثابتًا، وإن لم يكن فصيحًا، وجمعه العرب، كما تقول: رجل مجوسي
ويهودي، والجمع بحذف ياء النسبة المجوس واليهود، ورجل معرب إذا كان
فصيحًا، وإن كان عجمي النسب، ورجل أعرابي بالألف، إذا كان بدويًّا سواء كان
من العرب، أو من مواليهم، والأعرابي إذا قيل له: يا عربي، هش له، والعربي إذا
قيل: يا أعرابي، غضب له، فمن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم،
وانتوى بانتوائهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى
العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء.
(وَالْعَجَمِيُّ) نسبة إلى العجم، أي: غير العربي من الفارسي والرومي والحبشي
كسلمان وصهيب وبلال قاله الطيبي. قال الطيبي: وقوله: ((فِینَا)) يحتمل احتمالين؛
أحدهما: أنَّ كلهم منحصرون في هذين الصنفين، وثانيهما: إنَّ فينا معشر العرب
أصحاب النبي وَلّ، أو فيما بيننا تانك الطائفتان، وهذا الوجه أظهر؛ لأنه عليه
(٢٢٢٨) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٨٣٠)

١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ken
الصلاة والسلام فرق بين الأعرابي والعربي بمثل ما في خطبته مهاجر ليس بأعرابي
حيث جعل المهاجر ضد الأعرابي، والأعراب ساكن البادية من العرب الذين لا
يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف
من الناس ولا واحد له من لفظه، سواء أقام بالبادية أو المدن، انتهى.
وحاصله: أن العرب أعم من الأعراب وهم أخص ومنه قوله تعالى: ﴿اَلْأَعْرَابُ
أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] ، (فَقَالَ:
اقْرَؤُوا)، أي: القرآن كما تقرؤون، وفي رواية أحمد (ج٣ص٣٩٧) قال : - أي:
جابر - فاستمع، فقال: ((اقْرَؤُوا)).
(فَكُلٌ حَسَنٌ)، أي: فكل قراءة من قراءتكم حسنة مرجوة، أو محصلة للثواب
إذا آثرتم الآجلة على العاجلة، ولا عليكم أن لا تقيموا ألسنتكم إقامة القدح، وهو
السهم قبل أن يعمل له ريش ولا نصل، والمقصود: أنَّ قراءة الأعرابي والعجمي،
وإن كانت بالنظر إلى خروج الألفاظ عن مخارجها، ورعاية صفاتها وقواعد لسان
العرب غير مستقيمة، ولكن باعتبار ترتب الثواب عليها والقبول عند الله معتبرة.
(وَسَيَجِي ءُ أَقْوَاْم يُقِيمُونَهُ)، أي: حروفه وألفاظه ويجودونها بتفخيم المخارج
وتمطيط الأصوات. وقال القاري: أي: يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في
مراعاة مخارجه وصفاته. (كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ) بكسر القاف وسكون الدال، أي:
يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة؛ لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة.
والحاصل: أنهم يبالغون في التحسين والتطريب، ويجهدون غاية جهدهم في
إصلاح الألفاظ ومراعاة صفاتها، ومراعاة قواعد الفن رياء وسمعة ومباهاة
وشهرة، فليس غرضهم بهذا إلا طلب الدنيا. وفي الحديث: رفع الحرج وبناء
الأمر على المساهلة فيما يتعلق بقراءة الألفاظ، والحروف على السجية والفطرة
والحرص كل الحرص على فهم المعاني والعلم بالمقاصد، والاتباع لشرائعه
وأحكامه .
قال الطيبي: فيه: رفع الحرج وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر، وتحري
الحسبة، والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن، والغوص في عجائب
أمره. (يَتَعَجَّلُونَهُ)، أي: يطلبون جزاءه وثوابه في الدنيا، فهو على حذف مضاف،

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّّوَةِ وَدُرُوس القرآن
١٩٣
وقيل: أي: يشترون بآياته ثمنًا قليلًا. (وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ)، قال الجزري: التأجل تفعل
من الأجل، أي: لا يؤخرونه إلى أجل والأجل مدة معينة، انتهى. قال القاري: ((لا
يَتَأَجَّلُونَهُ))، أي: بطلب الأجر في العقبي، بل يؤثرون العاجلة على الآجلة
ويتأكلون ولا يتوكلون. والحديث رواه عبد الله بن أحمد (ج٣ ص ٣٥٧) بلفظ:
دخل النبي ◌َّ المسجد، فإذا فيه قوم يقرؤون القرآن قال: ((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ وَابْتَغُوا
بِهِ اللهَ رَ)) .
قال العزيزي: أي: اقرؤوه على الكيفية التي يسهل على ألسنتكم النطق بها مع
اختلاف ألسنتكم فصاحة ولثغة، ولكنة من غير تكلف ولا مشقة في مخارج
الحروف، ولا مبالغة، ولا إفراط في المد والهمز والإشباع، فقد كانت قراءة
رسول اللَّهِ وَّه والتابعين له سهلة. ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يُقِيمُونَهُ إِقَامَةَ الْقِدْحِ،
يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ))، أي: يطلبون بقراءته العاجلة، أي: عرض الدنيا والرفَعَة
فيها ولا يلتفتون إلى الأجر في الدار الآخرة، وهذا من معجزاته وَّر، فإنه إخبار عن
غيب قبل مجيئه. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الصلاة. (وَالْبَيْهَقِيُّ)، وأخرجه أيضًا عبد الله
ابن أحمد (ج٣ص ٣٥٧ - ٣٩٧) وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ والمنذري وفي الباب عن
سهل بن سعد عند أحمد (ج٥ص٣٣٨) وأبي داود وغيرهما.
٢٢٢٩ - [٢١] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((اقْرَؤُوا
الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصَوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْعِشْقِ، وَلِحُونَ أَهْلِ
الْكِتَابَيْنِ، وَسَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، لَّا
يُجَاوِزُ حَتَاجِرَهُمْ، مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأَنُهُمْ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ اْإِيمَانِ وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ]
الشرح
٢٢٢٩- قوله: (اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بِلِحُونِ الْعَرَبِ)، قال الجزري: اللحون
والإلحان جمع لحن، وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسين قراءة القرآن، أو
(٢٢٢٩) أخرجه أبو عبيد في ((الفضائل)) (ق٢.١/٣٤)، وغيره.

١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشعر، أو الغناء. (وَأَصَوَاتِهَا)، أي: ترنماتها الحسنة التي لا يختل معها شيء من
الحروف عن مخرجه؛ لأن ذلك يضاعف النشاط. قال القاري: وأصواتها عطف
تفسيري، أي: بلا تكلف النغمات من المدات والحركات الطبيعة الساذجة عن
التكلفات .
(وَإِيَّاكُمْ وَلِحُونَ أَهْلِ الْعِشْقِ)، أي: أصحاب الفسق من المسلمين، الذين
يخرجون القرآن عن موضعه بالتمطيط بحيث يزيد أو ينقص حرفًا، فإنه حرام
إجماعًا، وراجع ((الفتح)) من باب: من لم يتغنَّ بالقرآن، و((زاد المعاد)) (ص ١٣٧)
فإنهما بَسَطًا الكلام في ذكر اختلاف العلماء في القراءة بالألحان. قيل: المراد
بلحون أهل العشق: ما يقرأ بها الرجل في مغازلة النساء في الأشعار برعاية القواعد
الموسيقية والتكلف بها، ووقع في ((مجمع الزوائد)) و((الجامع الصغير)) و((الإتقان))
و ((الكنز)): ((أهل الفسق))، أي: بالفاء ثم السين المهملة بدل العشق، وهو تصحيف
والصحيح: ((أهل العشق)).
(وَلِحُونَ أَهْلِ الْكِتَابَينِ)، أي: التوراة والإنجيل، وهم اليهود والنصارى،
وكانوا يقرؤون كتبهم نحوًّا من ذلك، ويتكلفون لذلك ومن تشبه بقوم فهو منهم.
قال في ((جامع الأصول)) (ج ٣ص١٦٤): ويشبه أن يكون ما يفعله القراء في زماننا
بين يدي الوعاظ، وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرؤون بها نهى عنه
رسول اللَّه وَلَهُ. (يُرَجّعُونَ) بالتشديد، أي: يرددون أصواتهم. (بِالْقُرْآنِ)، قال
الجزري: الترجيع ترديد الحروف كقراءة النصارى. (تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ) بالكسر والمد
بمعنى النغمة، أي: كترجيع أهل الغناء. (وَالنَّوْح) بفتح النون، أي: وأهل
النياحة. قال القاري: المراد ترديدًا مخرجًا لها عن موضوعها؛ إذ لم يتأت تلحينهم
على أصول النغمات إلا بذلك، وقد عقد البخاري في ((صحيحه)) باب الترجيع،
وذكر فيه حديث عبد الله بن مغفل، قال: رأيت النبي ◌َّل يقرأ وهو على ناقته، أو
جمله وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة يقرأ وهو يرجع.
قال الحافظ: الترجيع هو: تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد
وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره في حديث عبد الله بن مغفل في
كتاب التوحيد بقوله: أا أ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى، وهو
محمول على إشباع المد في محله، وكان هذا الترجيع منه ◌َّ اختيارًا لا اضطرارًا

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَابِ التَّوَةِ وَدُرُوس القُرآنِ
١٩٥
لهز الناقة له، فإنه لو كان لهز الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار فلم يكن عبد الله
ابن مغفل يفعله ویحکیه اختيارًا؛ ليتأسى به وهو يراه من هز الناقة له، ثم يقول:
كان يرجع في قراءته، فنسب الترجيع إلى فعله. وقد ثبت في رواية الإسماعيلي
فقال: لولا أن يجتمع الناس علينا لقرأت ذلك اللحن، أي: النغم، وفي حديث أم
هانئ المروي في ((شمائل الترمذي)) و((سنن النسائي)) وابن ماجه وابن أبي داود
واللفظ له: كنت أسمع صوت النبي ◌َّ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع
القرآن. وقال ابن أبي جمرة: معنى الترجيع: تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء؛ لأن
القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة. (لَا يُجَاوِزُ)، أي:
قراءتهم. (حَنَاجِرَهُمْ) جمع حنجرة، وهي الحلقوم مجرى النفس وهو كناية عن
عدم القبول. قال الطيبي: التجاوز يحتمل الصعود والحدور، أي: لا يصعد عنها
إلى السماء ولا يرفعها اللَّه بالقبول أو لا يصل، ولا ينحدر قراءتهم إلى قلوبهم؛
ليدبروا آياته ويتفكروا فيها، ويعملوا بمقتضاه. (مَقْتُونَةً) بالنصب على الحالية
ويرفع على أنه صفة أخرى لـ(قُوْمٌ))، أي: مبتلى بحب الدنيا وتحسين الناس لهم.
(قُلُوبُهُمْ) بالرفع على الفاعلية وعطف عليه قوله: (وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْتُهُمْ)،
أي: يستحسنون قراءتهم ويستمعون تلاوتهم. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ)،
وكذا الطبراني في ((الأوسط)). قال الهيثمي: وفيه راو لم يسم. (وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ)،
أي: بلا سند ولا يوجد في شيء من أصوله.
٢٢٣٠ - [٢٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَوَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَ- يَقُولُ: ((حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ
حُسْنًا)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] (صحيح)
الشرح
٢٢٣٠- قوله: (حَسِّنُوا الْقُرْآنَ)، أي: زينوه، ففي رواية الحاكم: ((زَيِّنُوا
الْقُرْآنَ))، (بِأَصْوَاتِكُمْ)، قال الطيبي: وذلك بالترتيل وتحسين الصوت بالتليين
(٢٢٣٠) روَاهُ الدارميُّ (٣٥٠١) وإسناده صحيح.

١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والتحزين، وهذا الحديث لا يحتمل القلب كما احتمله الحديث السابق لقوله:
(فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا)، وفيه: طلب الجهر بالقراءة، وتحسين
الصوت ومحله فيمن أمن من الرياء، ولم يُؤْذِ نحو مصلٍّ أو نائمٍ.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) من طريق محمد بن بكر عن صدقة بن أبي عمران عن علقمة بن
مرثد عن زاذان عن البراء، وكذا الحاكم (ج١ ٥٧٥) ونسبه في ((الجامع الصغير))
و((الكنز)) لمحمد بن نصر أيضًا.
٢٢٣١ - [٢٣] وَعَنْ طَاؤؤُسِ مُرْسَلًا قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ: أَمِّ النَّاسِ
أَحْسَنُ صَوْنًا لِلْقُرْآنِ؟ وأَحْسَنُ قِرَاءَّةً؟ قَالَ: ((مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيْتَ أَنَّهُ
يَخْشَى اللَّهَ)). قَالَ طَاوُسٌ: وَكَانَ طَلْقٌ كَذَلِكَ.
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢٣١ - قوله: (مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيتَ) بصيغة المجهول من الإراءة، أي:
حسبته وظننته. (أَنَّهُ يَخْشَى اللهَ)، أي: إذا قرأ حصل له الخوف لما يتدبره من
المواعظ ولما فيه من الوعيد. قال السندي: أي: المطلوب من تحسين الصوت
بالقرآن أن تنتج قراءته خشية الله، فمن رأيتم فيه الخشية فقد حسن الصوت بالقرآن
المطلوب شرعًا، فيعد من أحسن الناس صوتًا، انتهى. وقال في ((اللمعات)):
حاصل الجواب: أنَّه يظهر في حسن صوته آثار الخشية والتحزن، فالخشية إنما
يفهم من صوته وقراءته على الصفة المخصوصة، فمن يوجد في صوته هذه الصفة
فهو أحسن صوتًا، فليس الجواب على الأسلوب الحكيم، كما قال الطيبي حيث
اشتغل بالجواب عن الصوت الحسن بما يظهر الخشية في القاري والمستمع .
(وَكَانَ طَلْقٌ) بسكون اللام. (كَذَلِك)، أي: بهذا الوصف، وطلق هذا هو طلق
ابن حبيب العنزي البصري صدوق من أوساط التابعين، روى عن ابن عباس وابن
الزبير وابن عمرو بن العاص وجابر وأنس وغيرهم وعنه طاوس، وهو من أقرانه
(٢٢٣١) رَوَاه الدارميُّ (٣٤٨٩)

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّوَةِ وَدُرُوس القرآن
١٩٧
والأعمش ومنصور وغيرهم. قال مالك بن أنس: بلغني أن طلق بن حبيب كان من
العباد، وإنه هو وسعيد بن جبير وقراء كانوا معهم طلبهم الحجاج وقتلهم، وذكره
ابن حبان في ((الثقات)) وقال: كان مرجيًّا عابدًا.
وقال العجلي: مكي تابعي ثقة، كان من أعبد أهل زمانه. وقال طاوس: كان
طلق ممن يخشى الله تعالى كذا في تهذيب التهذيب.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) من طريق جعفر بن عون عن مسعر عن عبد الكريم عن طاوس
قال: سئل النبي ◌َّيّ، قال في ((تنقيح الرواة)): وأخرجه أيضًا عبد الرزاق مرسلًا.
قال: وأخرجه محمد بن نصر في كتاب ((الصلاة)) والبيهقي في ((الشعب)) والخطيب
متصلاً عن ابن عباس، وقال: أي: الخطيب تفرد بوصله عن مسعر إسماعيل بن
عمرو البجلي نزيل أصبهان، ورواه غيره عن مسعر عن طاوس مرسلًا لم يذكر فيه
ابن عباس، انتهى. وإسماعيل المذكور ضعفه أبوحاتم والدارقطني وابن عقدة
والعقيلي والأزدي. وقال الخطيب: صاحب غرائب ومناكير عن الثوري، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، فقال: يغرب كثيرًا. وقال أبوالشيخ في ((طبقات
الأصبهانيين)): غرائب حديثه تكثره وذكره إبراهيم بن أرومة، فأثنى عليه كذا في
((تهذيب التهذيب)) و((اللسان)). وفي الباب عن جابر عند ابن ماجه.
قال في ((الزوائد)): إسناده ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع
والراوي عنه، وعن ابن عمر عند السجزي والخطيب كما في ((جامع الصغير))
و(الكنز)) ونسبه الهيثمي للطبراني في ((الأوسط)). وقال: فيه حميد بن حماد وثقه
ابن حبان وربما أخطأ، وعن عائشة عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) فالحديث
حسن لشواهده.

ECON
١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٣٢ - [٢٤] وَعَنْ عَبِيدَةَ الْمُلَيْكِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، لَا تَتَوَسَّدُوا الْقُرْآنَ، وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ مِنْ
آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَفْشُوْهُ وَتَغَنَّوَهُ، وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَلَا
تَعَجَّلُوا ثَوَّابَهُ، فَإِنَّ لَهُ ثَوَابًا».
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ]
الشرح
٢٢٣٢ - قوله: (وَعَنْ عَبِيدَةَ) بفتح المهملة وكسر الموحدة وبعدها ياء تحتها
نقطتان وآخرها هاء. (الْمُلَيْكِيِّ) بالتصغير. (وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ)، أي: بالنبي ◌َّ
والجملة معترضة من كلام البيهقي أو غيره ولم يذكره المصنف في أسمائه. قال
الحافظ في ((الإصابة)) (ج ٢ ص ٤٥٠): عبيدة بفتح أوله الأملوكي. وقيل: المليكي
روى عنه المهاجر بن حبيب. قال ابن السكن: يقال له صحبة، وأخرج البخاري في
((التاريخ)) (ج ٣ص ٨٣) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن المهاجر عن عبيدة
المليكي صاحب النبي ◌َّ قال: ((لا توسدوا القرآن)) لم يرفعه، وأخرجه الطبراني
من هذا الوجه، فقال: عن عبيدة المليكي، عن رسول اللَّه وَ له أنه كان يقول: ((مُرْ
أَهْلَ الْقُرْآنِ لَا تَوسَّدُوا الْقُرَآَنَ))، فرفعه، ولم يقل صاحب النبي ◌ََّ، وأبو بكر بن
أبي مريم: ضعيف، انتهى.
(يَا أَهَلَ الْقُرْآنِ) خصوا بالخطاب؛ لأنهم يجب عليهم المبالغة في أداء حقوقه
أكثر من غيرهم؛ لاختلاطه بلحمهم ودمهم، ويحتمل أن يراد بهم المؤمنون كلهم؛
لأنهم ما يخلوا عن بعض القرآن، أو المراد: بأهل القرآن: المؤمنون به كما في
قوله: ((يَا أَهْلَ الْبَقَرَةِ)). (لَا تَتَوسَّدُوا الْقُرْآنَ)، يقال: توسد فلان ذراعه إذا نام عليها
وجعلها كالوسادة له، وهو كناية عن التكاسل والنوم عن تلاوة القرآن والتغافل عن
القيام بحقوقه، أي: لا تهملوا تلاوة القرآن والانتفاع بهداه، فإن الذي يجعل
القرآن وسادة، أو يضعه تحت وسادته للنوم؛ فإنما يعرض عن الانتفاع بمعانيه،
(٢٢٣٢) رَوَاه البيهقيُّ في الشُّعَبِ.

١٩٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابْ - آدَاب التلَّّوَةِ وَدُرُوس القرآن
وعن الاهتداء بهداه، فإن الوسادة ممتهنة جعلت للاتكاء عليها، ووضع الرأس في
النوم عليها .
قال القاري: أي: لا تجعلوه وسادة لكم تنامون علیه وتغفلون عنه، وعن القيام
بحقوقه وتتكاسلون في ذلك بل قوموا بحقه لفظًا وفهمًا وعملًا وعلمًا. (وَاتْلُوهُ حَقَّ
تِلَاوَتِهِ)، أي: اقرؤُوه حق قراءته، واتبعوه حق متابعته. (مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)،
أي: اتلوه تلاوة كثيرة مستوفية لحقوقها في ساعات الليل والنهار، أو اتلوه حق
تلاوته حال كونها في ساعات هذا وهذا. قال الطيبي: (لَا تَتَوسَّدُوا) يحتمل
وجهين؛ أحدهما: أن يكون كناية رمزية عن التكاسل، أي: لا تجعلوه وسادة
تنامون عنه بل قوموا به، واتلوه آناء الليل وأطراف النهار. وثانيهما: أن يكون كناية
تلويحية عن التغافل، فإن من جعل القرآن وسادة يلزم منه النوم فيلزم منه الغفلة،
يعني: لا تغفلوا عن تدبر معانيه وكشف أسراره، ولا تتوانوا في العمل بمقتضاه
والإخلاص فيه. (وَأَفْشَوَهُ)، أي: بالإسماع والتعليم والكتابة والتفسير والمدارسة
والعمل.
(وَتَغَنَّوهُ) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وذكره في ((الكنز)) بلفظ: (تَغَنَّوْا بِهِ))،
أي: حسنوا الصوت، وترنموا به أو استغنوا به، عن غيره. (تَدَبَّرُوا مَا فِیهِ)، أي:
من الآيات الباهرة، والزواجر البالغة، والمواعيد الكاملة. (وَلَا تُعَجِّلُوا)، قال
القاري: بتشديد الجيم المكسورة وفي نسخة بفتح التاء والجيم المشددة
المفتوحة، أي: لا تستعجلوا. (ثَوَابَهُ)، قال الطيبي: أي: لا تجعلوه من الحظوظ
العاجلة .
(فَإِنَّ لَهُ ثَوَابًا)، أي: مثوبة عظيمة آجلة.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ) أي: مرفوعًا، ورواه موقوفًا أيضًا، كما في ((الإتقان)) وقد تقدم
أنه أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) موقوفًا، والطبراني مرفوعًا وسنده
ضعيف، وعزاه في ((الكنز)) لأبي نعيم وابن عساكر أيضًا.