Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْعَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
ما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح أنَّ المراد:
تحسين الصوت، ويؤيده قوله: ((يَجْهَرُ بِهِ)) إلى آخر ما ذكرنا من كلامه في شرح
الرواية الأولى.
ثم قال الحافظ: والحاصل: أنه يمكن الجمع بين أكثر هذه التأويلات
المذكورة، وهو أنه يحسن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزن، مستغنيًا به
عن غيره من الأخبار، طالبًا به غنى النفس، راجيًا به غنى اليد، ولا شك أن النفوس
تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيرًا في
رقة القلب وإجراء الدمع، وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان،
إما تحسين الصوت، وتقديم حسن الصوت على غيره، فلا نزاع في ذلك. قال:
والذي يتحصل من الأدلة أن حُسْنَ الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا
فليحسِّنْهُ ما استطاع، كما قال ابن مليكة أحد رواة حديث سعد بن أبي وقاص. وقد
أخرج ذلك عنه أَبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه: أن يراعي فيه قوانين
النغم، فإن الصوت الحسن يزداد حسنًا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه
وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل
القراءات، فإن خرج عنها لم يقف تحسين الصوت بقبح الأداء. ولعلَّ هذا مستند
من كره القراءة بالأنغام؛ لأنَّ الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن
وجد من يراعيهما معًا فلا شك أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين
الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء، والله أعلم، انتهى.
وقال ابن القيم بعد ذكر الاختلاف في تفسير التغني بالقرآن وفي مسألة تحسين
الصوت به وقراءته بالإلحان، وذكر احتجاج كل فريق ما لفظه: وفصل النزاع أن
يقال: التطريب والتغني على وجهين؛ أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من
غير تكلف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعتة جاءت بذلك
التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعته فضل تزيين وتحسين، كما قال
أبو موسى للنبي وَّر: رلو علمت إنك تسمع لحبرته تحبيرًا)) والحزين ومن هاجه
الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة،
ولكن النفوس تقلبه وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع، فهو مطبوع
لا متطبع وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه وهو
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَابِ التَّّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
*SeserK
١٦١
التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به السامع والتالي، وعلى هذا الوجه
تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها .
والوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع وليس في الطبع السماحة
به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الإلحان
البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا
بالتعليم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة
بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه
ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم براء من
القراءة بالألحان الموسيقية المتكلفة التي هي إيقاع وحركات موزونة معدودة
محدودة، وإنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها ويسوغوها، ويعلم قطعًا أنهم كانوا
يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن ويقرؤونه بشجي تارةً،
وبطرب تارةً، وبشوق تارة، وهذا أمر في الطبائع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع
شدة تقاضي الطبائع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ
به. وقال: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ))، وفيه وجهان؛ أحدهما: أنه إخبار
بالواقع الذي كلنا نفعله، والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه
وطريقته ۋچ، انتهى.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في باب قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بَِّ﴾ [الملك: ١٣]
من كتاب التوحيد. قال الحافظ في شرح هذا الحديث بعد ذكر الروايتين
المتقدمتين: الحديث واحد إلا أن بعضهم رواه بلفظ: ((مَا أَذِنَ اللهُ))، وبعضهم رواه
بلفظ: (لَيْسَ مِنَّ))، انتهى. وروي بلفظ: ((لَيْسَ مِنَّا)) عن سعد بن أبي وقاص
وأخرجه أحمد (ج١ ص١٧٢ - ١٧٥) وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه والدارمي وابن حبان
(ج ١ ص ٤٨٣) والحاكم (ج ١ ص ٥٦٩، ٥٧٠) وغيرهم وعن أبي لبابة بن عبد
المنذر أخرجه أَبُو دَاوُدَ من طريقه البيهقي (ج٢ ص ٥٤) وعن ابن عباس أخرجه
الحاكم (ج١ ص ٥٧٠) والبزار والطبراني، قال الهيثمي: رجال البزار رجال
الصحيح، وعن عائشة أخرجه أبويعلى والبزار بسند ضعيف، وعن ابن الزبير
أخرجه البزار أيضًا.
١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢١٧ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَ
وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((اقْرَأْ عَلَيَّ)). قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أَنْزِلَ؟ قَالَ: ((إِنِّي
أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)) فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قال:
((حَسْبُكَ الْآنَ)) فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانٍ.
[متفق عليه] {صحيح}
الشرح
٢٢١٧- قوله: (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حالية. (اقْرَأُ عَلَيْكَ)، أي: أأقرأ
عليك؟ (وَعَلَيْكَ أَنْزِلَ) بضم الهمزة، أي: القرآن والجملة حالية، أي: جريان
الحكمة على لسان الحكيم أحلى، وكلام المحبوب على لسان الحبيب أولى. (إِنِّي
أُحِبُّ)، أي: في بعض الأحوال. (أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)، قال ابن بطال: يحتمل أن
يكون أحب أن يسمعه من غيره؛ ليكون عرض القرآن سُنَّةً. ويحتمل أن يكون لكي
يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك
من القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو وَّر على أبيّ بن
كعب، فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة، ومخارج الحروف ونحو ذلك.
(فَقَرَأْتُ) عليهِ. (سُورَةَ النِّسَاءِ)، أي: من أولها كما في رواية لمسلم. (فَكَيْفَ
إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلُّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ)، أي: أحضرنا منهم شهيدًا يشهد عليهم بما فعلوا وهو
نبيهم، وهو استفهام توبيخ، أي: فكيف حال هؤلاء الكفار، أو صنيعهم إذا جئنا من
كلِّ أمة بنبيهم يشهد على كفرهم؟ كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمٌ﴾
[المائدة: ١١٧]، (فَكَيْفَ)) في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، والعامل في إذا هو هذا
المقدار، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي: فكيف يكونون أو يصنعون؟
ويجري فيها الوجهان النصب على التشبيه بالحال، كما هو مذهب سيبويه، أو على
(٢٢١٧) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ البُخَاري (٥٠٤٩) (٥٠٥٠) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، مُسْلِم (٢٤٧/ ١٠٠) فِي
الصَّلَاةِ، وَأَبُو دَاوُد (٣٦٦٨) فِي العِلْمِ،، والتِّرْمِذي (٣٠٢٥)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٠٧٧) في
التَّفْسِيرِ.
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَابِ التلَّّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٦٣
التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش وهو العامل في إذا أيضًا. و(مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ)
متعلق بـ(جِثْنَا))، والمعنى: أنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها.
(وَجِثْنَا بَِك) يا محمد. (عَلَى هَؤُلَاءِ)، أي: أمتك. (شَهِيدًا) حال، أي: شاهدًا
على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. وقيل: أي:
تشهد على صدق هؤلاء الشهداء؛ لحصول علمك بعقائدهم لدلالة كتابك وشرعك
على قواعدهم. قال أبوحيان: الأظهر: أنَّ هذه الجملة في موضع جر عطفًا على
((جِثْنَا)) الأول، أي: فكيف يصنعون في وقت المجيئين.
قال الحافظ: وقع في رواية محمد بن فضالة الظفري أنَّ ذلك كان وهو ◌َّ في
بني ظفر، أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن
فضالة عن أبيه، أن النبي ◌ّ أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه
فأمر قارئًا فقرأ، فأتى على هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا
بِكَ عَ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾﴾، فبكى حتى ضرب لحياه وجنباه(*) فقال: ((يَا رَبِّ، هَذَا
عَلَى مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ؟))، وأخرج ابن المبارك في الزهد من
طريق سعيد بن المسيب قال: لَيْسَ مِنْ يَوْم إِلَّا يُعْرَضُ عَلَى النَّبِّ وَّهِ أمته غدوةً
وعشيَّةً فَيَعْرِفَهُمْ بِسيمَاهُم وَأَعْمَالهم، فلذلك يشهد عليهم، ففي هذا المرسل ما
يرفع الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة، انتهى كلام الحافظ.
(قَالَ) رسول اللَّه ◌ِهِ. (حَسْبُك)، أي: يكفيك ما قرأته. قال الجزري: حسبك،
بمعنى: اسكت وحقيقته كافيك. (الآنَ)، أي: إذا وصلت إلى هذه الآية، فلا تقرأ
شيئًا آخر، فإني مشغولٌ بالتفكر في هذه الآية، وجاءني البكاء والحالة المانعة من
استماع القرآن. وفي رواية للبخاري: ((أَمْسِلْك))، وفي أخرى: قال لي: «كُفَّ - أو
- أَمْسِك)) على الشك.
(فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانٍ) بسكون الذال المعجمة وكسر الراء، أي: تطلقان دمعهما،
يعني: تسيلان دمعًا، يقال: ذرفت العين تذرف، إذا جرى دمعها، وهو خبر المبتدأ
وهو (عَيْنَاهُ))، و((إِذَا)) للمفاجأة، وهذا لفظ البخاري. ولمسلم: ((فرأيت دموعه
تسيل)). وبكاؤه وله لفرط رحمته على المفرطين، أو لعظم ما تضمنته الآية من هول
( ** ) هكذا بالمطبوع والصواب وجنتاه انظر فتح الباري.
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المطع وشدة الأمر.
وقال في ((فتوح الغيب)) عن الزمخشري: إن هذا كان بكاء فرح لا بكاء جزع؛ لأنه
تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم كما قال الشاعر:
طَفَحَ الشُّرورُ عَلَيَّ حَتَّى أَنَّهُ مِنْ عِظَمِ مَا قَدْ سَرَّنِي أَنْكَانِي
وقال ابن بطال: إنما بكى وَله عند تلاوة هذه الآية؛ لأنه مثل لنفسه أهوال يوم
القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل
الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء، انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته؛ لأنه علم أنه لا بد أن يشهد
عليهم بعلمهم(*)، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا، فقد يفضى إلى تعذيبهم، انتهى.
وفي الحديث: استحباب استماع القراءة والإصغاء إليها والبكاء عندها والتدبر فيها .
قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين قال الله
تعالى: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] والأحاديث
فيه كثيرة، قال: فإن عزَّ عليه البكاء تباكى لخبرٍ أحمد والبيهقي: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ
بِحُزْنٍ وَكَآبَةٍ ، فَإِذَا قَرَ أْتُمُوهُ فَابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا ... )) الحديث.
وقال الغزالي: يستحب البكاء مع القراءة وعندها. وطريق تحصيله أن يحضر
قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد، والوثائق والعهود،
ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فلييْك على فقد ذلك وإنه من أعظم
المصائب .
(مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب قول المقرئ للقارئ: حسبك، من فضائل
القرآن إلَّا قوله: ((فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)»، فإنه وقع عنده في رواية أخرى،
وإلا قوله: ((وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ))، فإنه لمسلم وحده. والحديث أخرجه أيضًا البخاري
في التفسير وأحمد (ج١ ص٣٧٤ - ٣٨٠) والترمذي في التفسير وأبو داود في آخر
العلم وابن ماجه في ((الزهد)).
(*) هكذا بالمطبوع والصواب: عملهم: انظر ((فتح الباري)).
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَابِ التلَّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
ECK=
١٦٥
٢٢١٨ - [١٠] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:
((إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ)) قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
قَالَ: وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ.
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمَّ يَكُنِ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾)) قَالَ:
وَسَمَّانِي؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). فَبَكَى(*).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢١٨ - قوله: (قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) الأنصاري الخزرجي النجاري الصحابي
الجليل ◌َوَّهُ. (إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَّيْكَ الْقُرْآنَ) مطلق فيتناول: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] وغيرها قوله: ((أَقْرَأُ عَلَيْكَ))، كذا وقع في عامة الروايات والسياق
المذكور هنا للبخاري في التفسير من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس،
لكن فيها: (إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِتَكَ الْقُرْآنَ))، أي: أعلمك بقراءتي عليك كيف
تقرأ، فلا منافاة بين قوله: ((أَقْرَأُ عَلَيْكَ)) و((أُقْرِتَكَ)). قال أبوعبيد: المراد بالعرض
على أبِّي ليتعلم أبيُّ منه القراءة ويتثبت فيها؛ وليكون عرض القرآن سنة وللتنبيه على
فضيلة أبي بن كعب وتقدمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يستذكر منه النبي وَّل
شيئًا بذلك العرض. قال القاري: ووجه تخصيصه بذلك أنَّه بذل جهده في حفظ
القرآن وما ينبغي له حتى قال ◌َله: (أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ))، ولما قيض له من الإمامة في هذا
الشأن أمر الله نبيه وَ له أن يقرأ عليه؛ ليأخذ عنه رسم التلاوة كما أخذه النبي ◌ُّ عن
جبريل، ثم يأخذه على هذا النمط الآخر عن الأول والخلف عن السلف، وقد أخذ
عن أَبَيِّ بَشَرٌ كثيرون من التابعين ثم عنهم من بعدهم وهكذا، فسرى سر تلك
القراءة عليه حتى سرى سره في الأمة إلى الساعة.
(قَالَ: آللَّهُ) بمد الهمزة وكان في الأصل أألله بهمزتين، وكان الأولى للاستفهام
(٢٢١٨) مُتَّفَق عَلَيْه عَنْ أنسٍ؛ البخاريُّ (٤٩٦٠ و٤٩٦١) في التَّفسيرِ، مُسلم (٧٩٩/٢٤٥) في
الصَّلاةِ .
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: فِيهِمَا عَنْهُ.
١٦٦
er
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
es
وقلبت الثانية ألفًا، ويجوز حذفها للعلم بها، وهذا معنى قول الطيبي: بالمد بلا
حذف وبالحذف بلا مد. (سَمَّانِي لَكَ)، أي: ذكرني باسمي لك. قال الحافظ :
أي: هل نصَّ عليَّ باسمي، أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك فاخترتني أنت.
قال القرطبي: تعجب أبي من ذلك؛ لأنَّ تسمية الله له ونصه عليه ليقرأ عليه
النبي وَّ تشريف عظيم، فلذلك بكى إمَّا فرحًا وإمَّا خشوعًا.
وقال الطيبي: والمقصود التعجب إمَّا هضمًا، أي: أنى لي هذه المرتبة، وإمَّا
استلذاذًا بهذه المنزلة الرفيعة. (قَالَ: نَعَمْ)، وفي رواية لهما: قال: ((اللَّهُ سَمَّاكَ
لي)). قال الحافظ: وفي رواية للطبراني من وجه آخر عن أبي بن كعب: قال: (نَعَمْ
بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى))، (قَالُّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ) بصيغة المجهول، أي: أوقع
ذلك والحال أني قد ذكرت على الخصوص، وبهذا الوجه المخصوص. قال
الطيبي: تقريب للتعجب. (عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، أي: مع عظمته وحقارتي.
(فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ) بفتح المعجمة والراء، أي: تساقطتا بالدموع إمَّا فرحًا وسرورًا
بذلك، وإمّا خشوعًا وخوفًا من التقصير في شكر تلك النعمة، وفي الحديث:
استحباب القراءة على أهل العلم، وإن كان القارئ أفضلٍ من المقروء عليه. (وَفِي
رِوَايَةٍ) للشيخين. (إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا)، كذا في هذه
الرواية وهي رواية شعبة عن قتادة عن أنس، وبين في رواية همام عن قتادة عند
البخاري: أنَّ تسمية السورة لم يحمله قتادة عن أنس، فإنه قال في آخر الحديث
بعد روايته بلفظ: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ)»، قَال: آلله سماني لك؟
قال: ((اللهُ سَمََّ)) فَجَعَلَ أُبَيِّ يَبْكِي، قال قتادة: فأُنبئت أنه قرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾. وسقط بيان ذلك من رواية سعيد بن أبي عروبة عند البخاري. قال
الحافظ: وقد أخرجه الحاكم وأحمد والترمذي من طريق زر بن حبيش عن أبي
نفسه مطولًا، ولفظه: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ))، قال: فقرأ عليه:
يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، والجمع بين الروايتين حمل المطلق على المقيد لقراءته
یگن﴾ دون غيرها، انتھی.
وقال القاري: يحتمل أن هذه الرواية مبينة للقرآن في الرواية الأولى، ويحتمل
أن يكون قضية أخرى، انتهى. قلت: الاحتمال الأول هو الظاهر.
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلّوَةِ وَدُرُوس القُرآنِ
١٦٧
قال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة
والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة والمعاد
وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها؛ ولتحقيق قوله تعالى فيها: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَغْلُواْ
﴾ (البينة: ٢] . قال الحافظ: في تخصيص أبي بن كعب: التنويه به في
صُحُفًا مُطَهَّرَةً
أنه أقرأ الصحابة، فإذا قرأ عليه النبي ◌َّ مع عظيم منزلته كان غيره بطريق التبع له.
(قَالَ: وَسَمَّانِي)، أي: لك كما في رواية. (فَبَكَى) سرورًا وفرحًا بتسمية الله إياه
في أمر القراءة، أو خوفًا من العجز عن قيام شكر تلك النعمة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) سياق
الرواية الأولى للبخاري كما تقدم، وسياق الرواية الثانية لكليهما. والحديث
أخرجه البخاري في المناقب وفي التفسير، ومسلم في فضائل القرآن وفي كتاب
الفضائل أي المناقب، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في المناقب والنسائي
وغيرهم، وفي الباب عن أبي حبة البدري، أخرجه أحمد (ج٣ص٤٨٩) وابن قانع
في ((معجم الصحابة)) والطبراني وابن مردويه ذكره الشوكاني في ((فتح القدير)).
٢٢١٩ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ أَنْ يُسَافَرَ
بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ.
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢١٩- قوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّلِ أَنْ يُسَافَرَ) بفتح الفاء، أي: يسافر أحد
والسفر اسم واقع للغزو وغيره. (بِالْقُرْآنِ)، قال الطيبي: الباء زائدة؛ لأنها دخلت
على المفعول به الذي ناب عن الفاعل، وليست هي كما في قوله: ((لَا تُسَافِرُوا))،
فإنها حال، أي: حال كونكم مصاحبين له، ذكره القاري. وقال في ((اللمعات)):
(٢٢١٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٩٩٠)، ومُسْلِم (١٨٦٩/٩٢) (١٨٦٩/٩٤) فِي الجِهَادِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وأَبُو دَاوُد (٢٦١٠)، وابن مَاجَهْ (٢٨٧٩).
١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قوله: ((بِالْقُرْآنِ))، أي: في الرواية الأولى حال والباء للمصاحبة، أي: مصاحبًا
بالقرآن. (إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ)، أي: الكفار، يعني: دار الحرب خوفًا من الاستهانة
به. قيل المراد بالقرآن بعض ما نسخ وكتب في عهده، وقد كان يكتب بعض
الصحابة لنفسه للحفظ أو للتلاوة، وإن لم يكن مجموعًا كله في مصحف واحد،
فالمراد بالقرآن: الصحف التي كتب عليها، أو كان هذا إخبارًا عن الغيب.
وقال الباجي: يريد المصحف لما كان القرآن مكتوبًا فيه سماه قرآنًا، ولم يرد ما
كان منه محفوظًا في الصدور؛ لأنه لا خلاف أنه يجوز لحافظ القرآن الغزو، وإنما
كان ذلك؛ لأنه لا إهانة للقرآن في قتل الغازي. وإنما الإهانة للقرآن بالعبث
بالمصحف والاستخفاف به، وقد روي مفسرًا: نھی أن یُسافر بالمصحف، رواه
عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، انتهى.
قال الأبي: لم يكن المصحف مكتوبًا حينئذٍ فلعله من الإخبار عن مغيب، أو
لعله كان مكتوبًا في رقاع فيصح، ويتقرر النهي عن السفر بالقليل والكثير منه لا
سيَّما على القول أنَّ القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير. وأمَّا على القول
بأنه اسم للجمع، فيتعلق النهي بالقليل؛ لمشاركته الكل في العلة، فإن حرمة
القليل منه كالكثير، انتهى.
قلت: روى مفسرًا - أي: بلفظ: المصحف - محمد بن إسحاق عن نافع عن
ابن عمر عند أحمد (ج٢ ص٧٦) وعقد البخاري في ((صحيحه)) باب كراهة السفر
بالمصاحف إلى أرض العدو، وقد سافر النبي ◌ّ وأصحابه إلى أرض العدو وهم
يعلمون القرآن .
قال الحافظ: أشار البخاري بذلك إلى أنَّ المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر
بالمصحف خشية أن يناله العدو ولا السفر بالقرآن نفسه، قال: وادعى المهلب أن
مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة،
فيجوز في تلك دون هذه، والله أعلم.
قال النووي: في الحديث النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة
المذكورة في الحديث الآتي: وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه
العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهر عليهم فلا كراهة ولا منع عنه حينئذٍ
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٦٩
EXABE
لعدم العلة، هذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون.
وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقًا .
وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة: الجواز مطلقًا، والصحيح عنه ما سبق.
واتفق العلماء على أنه يجوز أن يكتب إليهم كتابًا فيه آية أو آيات، والحجة فيه
كتاب النبي وَّل إلى هرقل، انتهى. وقال ابن عبد البر: اجمع الفقهاء أن لا يسافر
بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف علیه.
واختلفوا في الكبير المأمون عليه: فمنع مالك أيضًا مطلقًا وفصل أبو حنيفة وأدار
الشافعية الكراهة مع الخوف وجودًا وعدمًا. وقال بعضهم كالمالكية: واستدل به
على منع بيع المصحف من الكافر؛ لوجود المعنى المذكور فيه، وهو التمكن من
الاستهانة به ولا خلاف في تحريم ذلك وإنما وقع الاختلاف، هل يصح لو وقع
ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا؟ واستدل به على منع تعليم الكافر القرآن، وبه قال
مالك مطلقًا، وأجاز الحنفية مطلقًا، وعن الشافعي قولان، وفصل بعض المالكية:
بين القليل لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم، فأجازه، وبين الكثير فمنعه، ويؤيده
قصة هرقل حيث كتب إليه النبي ◌َّله بعض الآيات. ونقل النووي الاتفاق على جواز
الكتابة إليهم بمثل ذلك، كذا في ((الفتح)).
قال الباجي: لا يجوز أن يعلم أحدًا من ذراري الكفار القرآن؛ لأن ذلك سبب
لتمكنهم منه ولا بأس أن يقرأ عليهم احتجاجًا عليهم به، ولا بأس أن يكتب إليهم
بالآية ونحوها على سبيل الوعظ، كما كتب وَّ إلى ملك الروم: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ
تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ)، رواه البخاري عن القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ومسلم
من طريق يحيى بن يحيى عن مالك به، وأخرجه أحمد (ج٢ ص ٧ - ٦٣) وابن ماجه
من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك وزاد: ((مخافة أن يناله العدو)) ورواه ابن
وهب عن مالك فقال: ((خشية أن يناله العدو)). وأخرجه أَبُو دَاوُدَ عن القعنبي عن
مالك فقال: قال مالك: أراه مخافة، فذكره، قال أبو عمر: کذا قال یحیی بن يحيى
الأندلسي ويحيي بن بكير وأكثر الرواة عن مالك: جعلوا التعليل من كلامه ولم
يرفعوه. وأشار إلى أن ابن وهب تفرد برفعها وليس كذلك لما تقدم من رواية أحمد
١٧٠
egy
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وابن ماجه، وهذه الزيادة رفعها أيضًا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر
أخرجها إسحاق بن راهوية في ((مسنده)) عن محمد بن بشر، وأحمد في ((مسنده))
(ج ٢ ص ٥٥) عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله، وكذلك أخرجها مسلم والنسائي
وابن ماجه من طريق الليث عن نافع، ومسلم من طريق حماد عن أيوب عن نافع
بلفظ: ((فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ))، وأحمد (ج٢ ص٦) من طريق ابن علية
و(ج ٢ ص ١٠) من طريق سفيان عن أيوب بلفظ: ((فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ))، وكذا
رواها مسلم من طريق ابن علية والثقفي عن أيوب، ورفعها أيضًا عبد الله بن دينار،
عن ابن عمر أخرجها أحمد (ج٢ص١٢٨) من طريق سليمان بن بلال عن عبد الله
ابن دينار عن ابن عمر، قال: نهى رسول اللَّه ◌َ ل أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو
مخافة أن يناله العدو .
قال الحافظ بعد ذکر جملة من هذه الروایات: فصحَّ أنه مرفوع ولیس بمدرج،
ولعلَّ مالكًا كان يجزم به ثم صار يشك في رفعه، فجعله من تفسیر نفسه، انتهى.
قيل: ولم يذكر البخاري ومسلم التعليل المذكور في روايتهما عن مالك
للاختلاف عليه في رفعه ووقفه. وقد تقدم أن الحفاظ غير مالك اثبتوا رفعه، فيكون
هو الراجح المعتمد .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم) رواها من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر. (لَا تُسَافِرُوا
بِالْقُرْآنِ)، أي: المصَّحف لا القرآن نفسه، والمراد بالمصحف: ما كتب فيه
القرآن كله، أو بعضه متميزًا إلا في ضمن كلام آخر، فلا ينافيه ما كتبه ◌َّ في كتابه
إلى هرقل من قوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ الآية. (فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ)، أي: من
أن يصيبه الكافر فلا يراعي حرمته بل يحقره، أو يحرقه أو يلقيه في مكان غير لائق
به، وهذه الرواية أخرجها أيضًا أحمد (ج٢ ص٦، ١٠).
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّّوَةِ وَدُرُوس القرآن
١٧١
الفصل الثاني
٢٢٢٠ - [١٢] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ
ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ، وَقَارِئٌ يَقْرَأُ
عَلَيْنَا؛ إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ فَقَّامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّاً قَامَ رَسُولُ اللّهِ بَةِ سَكَتَ
الْقَارِئُ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟)) قُلْنَا: كُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ،
فَقَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ))
قَالَ: فَجَلَسَ وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ
وُجُوهُهُمْ لَهُ، فَقَالَ: ((أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْم، وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ».
[رَوَاه أُبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٢٢٠ - قوله: (جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ) بالكسر، أي: جماعة. قال الجزري:
العصابة الجماعة من الناس، وكذلك من الخيل والطير. (مِنْ ضُعَفَاءٍ
الْمُهَاجِرِينَ)، يعني: أصحاب الصفة. (لَيَسْتَتِرُ) بلام التأكيد المفتوحة من
الاستتار. (مِنَ الْعُرْي)، أي: من أجله، بضم العين وسكون الراء، أي: من كان
ثوبه أقل من ثوب صاحبه كان يجلس خلف صاحبه تسترًا به. والمقصود: بيان
فقرهم واحتياجهم وإنه لم يكن على أبدانهم ثياب تكفي للتستر، ومن أجل ذلك
كان يجلس بعضهم خلف بعض ليحصل الاستتار. وقيل: المراد: العري مما عدا
العورة، فالتستر لمكان المروءة، فإنها لا تسمح بانكشاف ما لا يعتاد كشفه.
(وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا) القرآن لنستمع ونتعلم. (إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَِّّ) إذ للمفاجأة.
(فَقَامَ عَلَيْنَا)، أي: وقف، يعني: كنَّا غافلين عن مجيئه فنظرنا، فإذا هو قائم فوق
(٢٢٢٠) أَبُو دَاوُد (٣٦٦٦) فِي العِلْمِ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الزُّهْدِ، وكذا أحمدُ (٣/ ٦٣، ٩٦).
١٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رؤوسنا يستمع إلى كتاب الله. (سَكَتَ الْقَارِئُ)، أي: تأدبًا لحضوره وانتظارًا لما
يقع من أموره. (فَسَلَّمَ)، أي: فلما سكت القارئ سلم الرسول، واستدل بذلك
على كراهة السلام على قارئ القرآن؛ لأنه وَّلّه لم يسلم عليهم إلا إذا سكت القارئ
فتأمل.
(مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟)، إنما سألهم مع علمه بهم ليجيبهم بما أجابهم مرتبًا على
حالهم. (قُلْنَا: كُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللهِ) في أبي داود. قلنا: يا رسول الله، إنه كان
قارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نستمع إلى كتاب الله، أي: إلى قراءته أو إلى قارئه.
(جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ) بصيغة المجهول. (أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ)، أي: أحبس
نفسي معهم؛ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوِةِ
وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ [الكهف: ٢٨] أراد به: زمرة الفقراء الملازمين لكتاب الله
المتوكلين على الله المقربين عند الله. (قَالَ)، أي: أبو سعيد. (فَجَلَسَ) رسول الله
وَلَه . (وَسْطَنَا) بسكون السين وقد يفتح، أي: بيننا لا بجنب أحدنا. (لِيَعْدِلَ) بكسر
الدال، أي: ليسوي. (بِنَفْسِهِ)، أي: نفسه الكريمة بجلوسه. (فِينَا)، أي: يسوي
نفسه ويجعلها عديلة مماثلة لنا بجلوسه فينا؛ تواضعًا ورغبة فيما نحن فيه.
قال الطيبي: أي: ليجعل نفسه عديلًا ممن جلس إليهم، ويسوى بينه وبين
أولئك الزمرة رغبة فيما كانوا فيه وتواضعًا لربه تُعَالَ، انتهى. وقيل: معناه: جلس
النبي وَل وسط الحلقة ليسوي بنفسه الشريفة جماعتنا؛ ليكون القرب من النبيمرَّل
لكل رجل منا سواءً أو قريبًا من السواء، يقال: عدل فلان بفلان سَوَّى بينهما. (ثُمَّ
قَالَ)، أي: أشار. (بِيَدِهِ هَكَذَا)، أي: اجلسوا حلقًا. (فَتَحَلَّقُوا)، أي: قبالة وجهه
عليه الصلاة والسلام، دل عليه قوله: (وَبَرَزَتْ)، أي: ظهرت. (وُجُوهُهُمْ لَهُ)
بحيث يرى عليه الصلاة والسلام وجه كل أحد منهم، قاله القاري. وقال الجزري:
تحلقوا، أي: صاروا حلقة مستديرة. (أَبْشِرُوا) أمر من الإبشار، أي: افرحوا.
(يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ) بفتح الصاد المهملة، أي: جماعة الفقراء من
المهاجرين الصابرين، جمع صعلوك بضم الصاد وهو الفقير. (بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ
لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]. (تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) استئناف فيه معنى التعليل. (قَبْلَ أَغْنِيَاءِ
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَابِ التلَّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٧٣
النَّاسِ)، أي: الشاكرين المؤدين حقوق أموالهم بعد تحصيلها مما أحل الله لهم،
فإنهم يوقفون في العرصات للحساب من أين حصلوا المال؟ وفي أين صرفوه؟
(وَذَلِكَ)، أي: نصف يوم القيامة.
(خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلِفِ سَنَةٍ مِّمَّا
تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وإمَّا في قوله تعالى: ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
[المعارج: ٤] فمخصوص بالكافرين ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ ﴾ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
١٠
[المدثر: ٩، ١٠] وروى أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((إِنَّ فُقُرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ
يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا))، أي: سنة. ووجه الجمع
بينه وبين حديث أبي سعيد، أن يقال المراد بكل من العددين إنما هو التكثير لا
التحديد، فتارة عبر به وأخرى بغيره؛ تفنًا ومآلهما واحد أو أخبر أولًا بأربعين كما
أوحى إليه ثم أخبر بخمسمائة عام زيادة من فضله على الفقراء ببركته وَل أو
التقدير: بأربعين خريفًا إشارة إلى أقل المراتب وبخمسمائة عام إلى أكثرها. ويدل
عليه ما رواه الطبراني عن مسلمة بن مخلد ولفظه: ((سَبَقَ الْمُهَاجِرُونَ النَّاسَ بِأَرْبَعِينَ
خَرِيفًا إِلَى الْجَنَّةِ ثُمَّ يَكُونُ الزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ مِائَةَ خَرِيفٍ))، فالمعنى: أن يكون الزمرة
الثالثة مائتين، وهلم جرًّا، وكأنهم محصورون في خمس زمر، أو الاختلاف
باختلاف مراتب أشخاص الفقراء في حال صبرهم ورضاهم وشكرهم وهو الأظهر
المطابق لما في ((جامع الأصول)) (ج٥ ص ٤٨٦) حيث قال: وجه الجمع بينهما أن
الأربعين أراد به تقدم الفقير الحريص على الغني الحريص، وأراد بخمسمائة تقدم
الفقير الزاهد على الغني الرغب، فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس
وعشرين درجة من الفقير الزاهد. وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة ولا تظنن أن
هذا التقدير وأمثاله يجري على لسان الرسول وَ ل﴿ جزافًا ولا بالاتفاق بل لسرٍّ أدركه
ونسبة أحاط بها علمه، فإنه لا ينطق عن الهوى، فإن فطن أحد من العلماء إلى شيءٍ
من هذه المناسبات وإلا فليس طعنًا في صحتها، انتهى.
وقال العلقمي: ويمكن الجمع بينهما: بأن سُبَّاقَ الفقراء يسبقون سُبَّاقَ الأغنياء
بأربعين عامًا وغير سُبَّاقِ الأغنياء بخمسمائة عام؛ إذ في كل صنف من الفريقين
سُبَّاقٌ. وقال بعض المتأخرين: يجمع بأن هذا السبق يختلف بحسب أحوال الفقراء
والأغنياء، فمنهم: من يسبق بأربع، ومنهم: من يسبق بخمسمائة، كما يتأخر
١٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب جرائمهم، ولا يلزم من سبقهم في
الدخول ارتفاع منازلهم، بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في
الدخول، فالمزية مزيتان: مزية سبق، ومزية رفعة. قد تجتمعان وقد تنفردان،
انتھی .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر العلم وفي إسناده المعلى بن زياد القردوسي البصري.
قال المنذري في ((مختصر السنن)): فيه مقال. قلت: قال الحافظ في ((التقريب)): هو
صدوق قليل الحديث زاهد اختلف قول ابن معين فيه. وقال في ((التهذيب))
(ج ١٠ ص ٢٣٧): قال إسحاق بن منصور عن ابن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال أحمد
ابن سعيد بن مريم: سألت ابن معين عن معلى بن زياد، فقال: ليس بشيء ولا
يكتب حديثه. وقال ابن عدي: هو معدود من زهاد أهل البصرة ولا أرى برواياته
بأسًا ولا أدري من أين. قال ابن معين: لا يكتب حديثه، انتهى.
وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبوبكر البزار: ثقة، انتهى.
والحديث أخرج الترمذي وابن ماجه منه، آخره من طريق عطية، عن أبي سعيد
قال: قال رسول اللَّه ◌َله: ((فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِمِائَةِ
عَام))، وفي الباب عن أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجه وابن حبان: ((يَدْخُلُ
الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامِ نِصْفِ يَوْم)) لفظ الترمذي، ولفظ ابن
ماجه: ((فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ))، قال الترمذي: حديث حسنَّ صحيح. وقال المنذري في
((الترغيب)) بعد ذكر تصحيح الترمذي: رواته محتج بهم في الصحيح.
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
*=
*ECO **
بَابُ آدَاب التلَّّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٧٥
٢٢٢١ - [١٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ٍِّ :
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِي] {صحيح}
((زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ)).
الشرح
٢٢٢١- قوله: (زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ)، أي: بتحسين أصواتكم عند
القراءة، فإن الكلام الحسن يزيد حسنًا وزينة بالصوت الحسن. وهذا أمر مشاهَد،
ولما رأى بعضهم أن القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت بل الصوت أحق بأن
يحسن بالقرآن، قال: معناه: زينوا أصواتكم بالقرآن. قال الخطابي: هكذا فسره
غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب المقلوب، كما يقال: عرضت
الناقة على الحوض؛ وإنما هو عرضت الحوض على الناقة، وكقولهم: إذا طلعت
الشعري واستوى العود على الحرباء، أي: استوى الحرباء على العود. ثم روى
بإسناده عن شعبة، قال: نهاني أيوب أن أحدِّث: ((زينوا القرآن بأصواتكم))، قال:
ورواه معمر عن منصور عن طلحة عن البراء، فقدم الأصوات على القرآن وهو
الصحيح، ثم أسنده الخطابي من طريق عبد الرزاق عن معمر بلفظ: ((زَيِّنُوا
أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ)»، وأخرج بهذا اللفظ الحاكم (ج ١ ص٥٧١، ٥٧٢) أيضًا.
قال الخطابي: والمعنى: أشغلوا أصواتكم بالقرآن والهجوا به، واتخذوه شعارًا
وزينة، يعنى: ارفعوا به أصواتكم واجعلوا ذلك هجيراكم؛ ليكون ذلك زينة لها،
قلت: لا حاجة إلى حمله على القلب بل هو محمول على ظاهره، لما يأتي من قوله
وَجَّ: ((فَإِنَّ الصَّوْتَ الحَسنَ يَزِيدُ القُرْآنَ حُسْنًا)). قال في ((اللمعات)): ولا محذور في
ذلك؛ لأن ما يزين الشيء يكون تابعًا له وملحقًّا به كالحلي بالنسبة إلى العروس،
وأيضًا المراد بالقرآن: قراءته وهو فعل العبد. وفيه: دليل على أن تحسين الصوت
بالقرآن مستحب، وذلك مقيد برعاية التجويد وعدم التغيير، انتهى.
(٢٢٢١) أَبُو دَاوُد (١٤٦٨)، وَالنَّسَائِي (١٨٠.١٧٩/٢)، وَابن مَاجَهْ (١٣٤٢) فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَّقَهُ
الْبُخَارِي (٩/ ١٩٣) فِي التَّوْحِيدِ، كُلُّهُمْ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَوَصَلَهُ الحَاكِمُ (١/ ٥٧٥) فِي فَضَائِلِ
القُرْآنِ وَزَادَ : ((فَإِنَّ الصَّوْتَ الحَسَنَ يَزِيدُ القُرْآنَ حُسْنًا».
aBelts
١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال المناوي: قيل: معنى الحديث: الحث على الترتيل الذي أمر به في قوله
تعالى: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، والمعنى: زينوا القرآن بالترتيل والتجويد
وتلين الصوت وتحزينه. وقيل: أراد بالقرآن: القراءة، والمعنى: زينوا قراءة
القرآن بأصواتكم الحسنة ويشهد لصحة هذا وإن القلب لا وجه له: حديث أبي
موسى، أنَّ النبي ◌َِّ استمع قراءته، فقال: (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرٍ آلِ دَاوُدَ))،
فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا، أي: حسنت قراءته تحسينًا
وزينتها، ويؤيد ذلك تأييدًا لا شبهة فيه حديث ابن مسعود مرفوعًا: ((إِنَّ حُسْنَ
الصَّوْتِ يُزَيِّنُ الْقُرْآنَ)) أخرجه البزار بسند ضعيف، ورواه الطبراني بلفظ: ((حُسْنُ
الصَّوْتِ زِينَةُ الْقُرْآنِ))، ويؤيده أيضًا حديث ابن عباس عند الطبراني بسند ضعيف:
(ِكُلِّ شَيْءٍ حِلْيِةٌ وَحِلْيَةُ الْقُرْآنِ حُسْنُ الصَّوْتِ))، حديث أنس: ((لِكُلِّ شَيْءٍ حِلْيَةٌ
وَحِلْيَةُ الْقُرْآنِ الصَّوْتُ الْحَسَنُ))، أخرجه البزار بإسناد ضعيف.
قال القاري: يعني: كما أنَّ الحلل والحلي يزيد الحسناء حسنًا، وهو أمر مشاهد
فدل على أن رواية العكس محمولة على القلب لا العكس، فتدبر ولا منع من
الجمع، انتھی.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤). (وَأَبُو دَاوُدَ) والنسائي.
(وَابْنُ مَاجَهْ) في الصلاة. (وَالدَّارِمِيُّ) في فضائل القرآن كلهم من طريق طلحة عن
عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء، وعلّقه البخاري في باب قول النبي ◌َّ:
((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ) من كتاب التوحيد، ووصله في خلق أفعال
العباد وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))، والحاكم وبسط
طرقه، والبيهقي (ج٢ ص٥٣) وفي الباب عن ابن عباس، أخرجه الطبراني في
((الكبير)) والدار قطني في الأفراد، وعن أبي هريرة أخرجه أبو نصر السجزي في
((الإبانة)) وعن عائشة عند أبي نعيم في ((الحلية)).
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
١٧٧
بَابُ آدَاب التلَّّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
٢٢٢٢ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنَ
امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢٢٢٢ - قوله: (مَا مِنِ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ)، أي: بالنظر أو بالغيب، يعني:
يحفظه على ظهر قلبه. (ثُمَّ يَنْسَاهُ)، أي: بالنظر أو بالغيب، أو المعنى: ثم يترك
قراءته نسي أو ما نسي. قال في ((اللمعات)): ظاهر الحديث نسيانه بعد حفظه فقد
عد ذلك من الكبائر. وقيل: المراد به: جهله بحيث لا يعرف القراءة. وقيل:
النسيان يكون بمعنى الذهول، وبمعنى الترك، وهو هاهنا بمعنى الترك، أي: ترك
العمل وقراءته. قلت: المتبادر من النسيان الواقع في هذا الحديث وأمثاله هو
النسيان بعد الحفظ عن ظهر القلب، فهو المراد منه.
(إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمُ) من الجزم بمعنى القطع، وذكر في تفسيره
أقوال. فقيل: مقطوع اليد، قاله أبوعبيد. وقيل: الأجذم هاهنا بمعنى المجذوم،
أي: مقطوع الأعضاء، يعني: الذي ذهبت أعضاءه كلها إذ ليست يد القاري أولى
من سائر أعضاءه يقال: رجل أجدم إذا تساقطت أعضاؤه من الجذام. وقيل: المراد
به: أجزم الحجة، أي: لا حجة له ولا لسان يتكلم به، يقال: ليس له يد، أي: لا
حجة له. وقيل: خالي الید من الخیر صفرها من الثواب کنی باليد عما تحويه اليد.
قال الحافظ: اختلف في معنى أجزم، فقيل: مقطوع اليد. وقيل: مقطوع
الحجة. وقيل: مقطوع السبب من الخير. وقيل: خالي اليد من الخير، وهي
متقاربة. وقيل: يحشر مجزومًا حقيقة، ويؤيده أن في رواية زائدة بن قدامة عند
عبد بن حميد: ((أَتَّى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مَجْذُوٌ))، انتهى. والحديث فيه وعيد
شديد لمن حفظ القرآن ثم نسيه، وقد عدَّ الرافعي وغيره نسيان القرآن من الكبائر.
(٢٢٢٢) أَبُو دَاوُد (١٤٧٤) فِي الصَّلَاةِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.
-
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ses
مجمـ
١٧٨
قال الحافظ: اختلف السلف في نسيان القرآن، فمنهم: من جعل ذلك من
الكبائر، وأخرج أبوعبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفًا، قال: ما من أحد
تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ونسيان القرآن من أعظم المصائب؛ واحتجوا أيضًا
بما أخرجه أَبُو دَاوُدَ والترمذي من حديث أنس مرفوعًا: ((عُرِضَتْ عَلَىَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي
فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةِ الْقُرَآنِ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيهَا))، وفي إسناده ضعف. وقد
أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه، ولفظه: ((أَعْظَمَ مِنْ حَامِلِ الْقُرْآنِ
وَتَارِكِهِ))، أي: بعد ما كان حامله ثم نسيه، ومن طريق أبي العالية موقوفًا: كنا نعد
من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه، وإسناده جيد،
ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن، كانوا يكرهونه
ويقولون فيه قولًا شديدًا، ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا: ((مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ
نَسِيهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ))، وفي إسناده أيضًا مقال، وقد قال به من الشافعية أبو
المكارم والرؤياني. واحتجَّ بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن،
ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره.
وقال القرطبي: من حفظ القرآن أو بعضه فقد عَلَتْ رتبته بالنسبة إلى من لم
يحفظه، فإذا أخل بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك،
فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد،
انتهى. قلت: حديث أنس عند أبي داود والتر مذي قد تقدم في باب المساجد. وقد
بينا هناك ما فيه من الكلام، ونزيد هاهنا أن الدار قطني بَيَّنَ أن فيه انقطاعًا آخر، وهو
أن ابن جريج راويه عن المطلب بن عبد الله لم يسمع من المطلب، كما أن المطلب
لم يسمع من أنس شيئًا، فلم يثبت الحديث بسبب ذلك، ذكره ابن حجر المكي في
((الزواجر)) (ج١ ص١١١).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة من طريق ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد
عن عيسى بن فائد عن سعد بن عبادة. (وَالدَّارِمِيُّ) في فضائل القرآن من طريق
شعبة عن يزيد عن عيسى عن رجل عن سعد بن عبادة، وكذا أخرجه أحمد
(ج ٥ص٢٨٤ - ٢٨٥) وقد سكت عليه أَبُو دَاوُدَ. وتقدم عن الحافظ أنه قال: إن في
إسناده مقالًا. وقال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد الهاشمي، مولاهم
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٧٩
الكوفي لا يحتج بحديثه. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: عيسى بن فائد رواه عن
من سمع سعد بن عبادة، ففي سند أبي داود انقطاع، وفي سند أحمد والدارمي
جهالة لكون الواسطة بين عيسى وسعد رجلًا مهمًّا لا يدري من هو، وأيضًا عيسى
هذا مجهول. قال الحافظ في ((التقريب)): عيسى بن فائد أمير الرقة مجهول وروايته
عن الصحابة مرسلة، وقال في ((تهذيب التهذيب)): عيسى بن فائد عن سعد بن عبادة
في الذي ينسى القرآن. وقيل: عن رجل عن سعد. وقيل: عن عبادة بن الصامت.
وقيل: غير ذلك. قال ابن المديني: لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد. وقال ابن عبد
البر: هذا إسناد روي في هذا المعنى، وعيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة
ولا أدركه، قلت - قائله الحافظ : - وقال ابن المديني: مجهول، انتهى. وقال في
((الميزان)): عيسى بن فائد لا يدرى من هو عن سعد بن عبادة حديث: ((مَنْ قَرَأَ
الْقُرْآنَ وَنَسِيهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ))، رواه ابن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عنه، وهذا
منقطع، وعيسى يتأمل حاله. ثم قد رواه شعبة وجرير وخالد بن عبد الله وابن
فضيل عن يزيد، فأدخلوا رجلًا بين ابن فائد وبين سعد. وقيل غير ذلك، انتهى.
وعلى هذا فسكوت أبي داود على هذا الحديث معترض، ورواية يزيد عن عيسى
عن عبادة بن الصامت أخرجها عبد الله بن أحمد (ج٥ص٣٢٢ - ٣٢٧ - ٣٢٨).
٢٢٢٣ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ قَالَ: ((لَمْ
يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢٢٣ - قوله: (لَمْ يَفْقَهْ) بفتح القاف، وهذا لفظ الترمذي وابن ماجه ورواه
أَبُو دَاوُدَ والدار مي بلفظ: ((لَا يَفْقَهُ))، (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ)؛ لأن من قرأ
(٢٢٢٣) أَحْمَد (١٦٤/٢، ١٦٥، ١٩٣، ١٩٥)، وَأَبُو دَاوُد (١٣٩٤)، وَابنِ مَاجَهْ (١٣٤٧) فِي
الصَّلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٢٩٤٩) فِ القِرَاءَاتِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٠٦٧) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.