Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
﴿حَمّ﴾)، فإن أقصر ذوات حم أقصر من ذوات ((الرا))، وفي ((المسند)): ((مِنْ ذَاتٍ
حم))، أي: من السور التي تبدأ بهذين الحرفين حا، ميم، وهي في القرآن سبع
سور: ٤٠ غافر، ٤١ فصلت، ٤٢ الشورى، ٤٣ الزخرف، ٤٤ الدخان، ٤٥
الجاثية، ٤٦ الأحقاف. (فَقَالَ) الرجل. (مِثْلَ مَقَالَتِهِ) الأولى، ووقع عند أحمد
وأبي داود وغيرهما بعد ذلك، فقال: ((اقْرَ أْ ثَلَاثًا مِنَ الْمُسَبِّحَاتِ))، فقال مثل مقالته،
والمراد من المسبحات: السورة التي تبدأ بمادة التسبيح، وهي سبع سور: ١٧
الإسراء ٥٧ الحديد، ٥٩ الحشر، ٦١ الصف، ٦٢ الجمعة، ٦٤ التغابن، ٨٧
الأعلى.
(أَقْرِثْنِي سُورَةً جَامِعَةً)، أي: بين وجازة المباني وغزارة المعاني، أو للمطالب
الدنيوية والأخروية، والثواب والعقاب على سبيل الإيجاز. (فَاقْرَأَهُ رَسُولُ اللهِ وِه
إِذَا زُلْزِلَتِ)، كأنه طلبه لما يحصل به الفلاح إذا عمل به، فلذلك قال: ((سُورَةً
جَامِعَةً))، وفي هذه السورة آية زائدة لا مزيد عليها ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ ﴾﴾ الآية والزلزال: ٢٨، ولأجل هذا الجمع الذي لا حد له، قال رَالل حين سئل عن
الحمر الأهلية: ((لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٍ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
﴾﴾ [الزلزلة: ٧، ٢٨)» ،
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَؤُ
وبيان ذلك أنَّها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها، كقوله
تعالى: ﴿وََضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَّوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ
حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ (﴾﴾ [الأنبياء: ٤٧].
(حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا)، أي: النبي أو الرجل. (فَقَالَ الرَّجُلُ)، هذا لفظ أبي داود،
وعند أحمد: حتى إذا فرغ منها قال الرجل. (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِ
أَبَدًا)، أي: على العمل بما دل عليه ما أقرأتنيه من فعل الخير وترك الشر، ولعلَّ
القصد بالحلف تأكيد العزم، لا سيما بحضوره وَ ل# الذي بمنزلة المبايعة والعهد.
قال الطيبي: فكأنه قال: حسبي ما سمعت، ولا أبالي أن لا أسمع غيرها وقوله: (لَا
أَزِيدُ عَلَيْهِ)، كذا في النسخ الحاضرة من ((المشكاة))، والذي في ((مسند الإمام
أحمد)) و((سنن أبي داود)): ((لا أزيد عليها)). وهكذا وقع في رواية الحاكم وابن
السني، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول))، وفي ((الحصن)) والحافظ بن كثير
١٤١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
في (تفسيره)) والشوكاني في ((فتح القدير)).
(ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ)، أي: ولَّى دبره وذهب. (أَفْلَحَ)، أي: فاز وظفر بالمطلوب.
(الرُّوَيْجِلُ) تصغير رجل. قال في ((اللسان)): وتصغيره: رجيل ورويجل، على غير
قياس حكاه سيبويه، وفي ((التهذيب)): تصغير الرجل رجيل، وعامتهم يقولون:
رويجل صدق، ورويجل سوء، على غير قياس يرجعون، أي: الرَّاجل، كذا حكاه
الشيخ أحمد محمد شاكر في ((شرح مسند الإمام أحمد)). قال الطيبي: هو تصغير
تعظیم لبعد غوره، وقوة إدراكه، وهو تصغير شاذ؛ إذ قياسه رجیل .
(مَرَّتَيْنٍ) إمَّا للتأكيد، أو مرة للدنيا ومرة للآخرة. وقيل: لشدة إعجابه عليه
الصلاة والسلام منه، وقوله: (قَالَ: أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ مَرَّتَيْنٍ))، كذا في ((سنن أبي
داود))، وعند أحمد وكذا ابن السني: قال: ((أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ))، أي:
وقع مكررًا وهكذا ذكره الشوكاني.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص١٦٩). (وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة، وأخرجه أيضًا
الحاكم (ج٢ ص٥٣٦) وابن السني (ص٢١٩) وابن عبد الحكم في فتوح مصر
(ص٢٥٨ - ٢٥٩) وابن حبان في ((صحيحه))، كما ذكره الشيخ أحمد محمد شاكر
في ((شرح المسند)) ونسبه المنذري في ((مختصر السنن)) والحافظ ابن كثير في
((تفسيره)) والجزري في ((الحصن)) والشوكاني في ((فتح القدير)) (ج٥ص ٤٦٥)
للنسائي أيضًا ونسبه أيضًا الشوكاني لمحمد بن نصر، والطبراني وابن مردويه،
والبيهقي. والحديث إسناده صحيح سكت عليه أَبُو دَاوُدَ والمنذري. وقال الحاكم:
صحيح على شرط الشيخين واستدرك عليه الذهبي فقال: بل صحيح.
قال الشيخ أحمد شاكر: يريد أنه صحيح ولكن ليس على شرطهما، وهو كما
قال، فإن عياش بن عباس روی له مسلم فقط وعیسی بن هلال راوي الحديث عن
عبد الله بن عمرو لم يرو له واحد منهما.
١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٠٦ - [٧٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((أَلَا يَسْتَطِيعُ
أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِيَ كُلِّ يَوْمٍ؟)) قَالُوا: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ
فِي كُلِّ يَوْم؟ قَالَ: ((أَمَا يَسْتَطِيعُ أَخَّدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ: ﴿أَلْهَنَّكُمُ الْتَّكَافِرُ﴾؟)).
[رَوَاهُ البَيْهَقْيُّ فِي شُعَبِ اْإِيمَانِ]
الشرح
٢٢٠٦ - قوله: (قَالُوا: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي كُلِّ يَوْم)، أي: لا
يستطيع كل أحد هذه القراءة على طريق المواظبة. (قَالَ: أَمَا يَسْتَطِيعُ أَحَدِّكُمْ أَنْ يَقْرَأَ
أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ)، أي: إلى آخرها، أو هذه السورة فإنها كقراءة ألف آية في
الثواب، أو في التزهيد عن الدنيا والترغيب في علم اليقين بالعقبى.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيْمَانِ)، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج ١ ص ٥٦٦ - ٥٦٧)
من طريق حفص بن ميسرة، عن عقبة بن محمد بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال
الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات، وعقبة هذا غير مشهور، وذكر الذهبي في
((تلخيص المستدرك)) والحافظ في ((اللسان)) (ج ٤ ص١٧٩) كلام الحاكم هذا
وأقواه، والحديث ذكره المنذري في ((الترغيب)) ونسبه للحاكم، وقال: رجال
إسناده ثقات إلا أن عقبة لا أعرفه.
(٢٢٠٦) البَيْهَقِي (٢٥١٨) في ((الشُّعَب)) عن ابن عمر رَو ◌َّهُ .
١٤٣
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
٢٢٠٧ - [٧٩] وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ:
((مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ عَشْرَ مَرَّاتٍ بُنِيَ لَّهُ بِهَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ
قَرَأَ عِشْرِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَّهُ بِهَا قَصْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلاثِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا
ثَلاَثَةُ قُصُورٍ فِي الْجَنَّةِ)). فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَوَتَهُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولُ اللَّهِ،
إِذَا لَنْكَثِّرِنَّ قُصُورَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: ((اللَّهُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢٢٠٧ - قوله: (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) التابعي الكبير المشهور. (مُرْسَلًا)
بحذف الصحابي، وقد تقدم أن مراسيل سعيد بن المسيب أصح المرسلات على ما
ذكره السيوطي عن الإمام أحمد. وقال الحاكم في ((علوم الحديث)) (ص٢٥ -
٢٦): أصحُّ المراسيل كما قال ابن معين مراسيل ابن المسيب؛ لأنه من أولاد
الصحابة وأدرك العشرة، وفقيه أهل الحجاز، وأول الفقهاء السبعة الذين يعتد
مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله
فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره.
(وَمَنْ قَرَأَهَا)، أي: السورة.
(ثَلَاثِينَ مَرَّةً بُنِى لَهُ ثَلَاثَةُ قُصُورٍ فِي الْجَنَّةِ)، لعلَّه كور ليعلم إن كل ما زاد من
الأعداد زيد له من الإمداد. (إِذَّا) بالتنوين جواب وجزاء فيه معنى التعجب.
(لَنْكَثِّرَنَّ) من الإكثار. (قُصُورَنَا)، قال الطيبي: أي: إذا كان الأمر على ما ذكرت
من أن جزاء عشر مرات قصر في الجنة، فأنا نكثر قصورنا بكثرة قراءة هذه السورة
فلا حد للقصور حينئذٍ ولا أوسع من الجنة شيء.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: اللهُ أَوْسَعُ)، أي: أكثر عطاء. (مِنْ ذَلِكَ)، أو قدرته
ورحمته أوسع، فلا تعجب. وقال في ((اللمعات)): الظاهر: أن يكون غرض
(٢٢٠٧) الدَّارِمِي (٣٤٢٩) من مُرْسَل سعيدِ بنِ المسيبِ.
٠،
١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عمر رَضِي ◌ُّهُ إظهار الميل والرغبة في تكثير الثواب، كما يظهر من قوله: ((إذا لنكثرن))
مع تضمنه شيئًا من الاستبعاد، فيكون الجواب: أنَّ ثواب الله وفضله ورحمته
أوسع، فارغبوا فيه ولا تستعبدوه. وكلام الطيبي منحصر في التعجب والاستبعاد،
وما ذكرنا أظهر فتدبر، انتهى.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) عن عبد الله بن يزيد عن حيوة عن أبي عقيل زهرة بن معبد. قال
الدارمي: وكان من الأبدال أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إنَّ نبي الله وَ لِّ قال:
((مَنْ قَرَأَ ... )) إلخ. قال الحافظ بن کثیر بعد ذكره: وهذا مرسل جید، انتهى. وروى
الإمام أحمد (ج ٣ ص ٤٣٧) وابن السني (ص٢٢١) من طريق ابن لهيعة عن زبان بن
فائد عن سهل بن معاذ، عن أبيه عن رسول اللّه وَ ل﴿ه قال: ((مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ
حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ))، فقال عمر: إذًا نستكثر يا
رسول الله، فقال رسول اللَّه وَله: ((أَكْثَرَ وَأَطْيَبَ))، وابن لهيعة فيه كلام وزبان
ضعيف، فالحديث ضعيف، ولهذا صدره المنذري في ((الترغيب)) بلفظة: روى.
٢٢٠٨ - [٨٠] وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: أَنَّ النَّبِيَّ نَ قَالَ: (مَنْ قَرَأَ فِي
لَيْلَةٍ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ الْقُرْآنُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَنَيْ آيَةٍ كُتِبَ
لَهُ قُوتُ لَيْلَةٍ، وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ خَمْسُمِائَةٍ إِلَى الأَلْفِ أَصْبَحَ وَلَّهُ قِنْطَارٌ مِنَ
الْأَجْرِ)). قَالُوا: وَمَا الْقِنْطَارُ؟ قَالَ: ((اثْنَا عَشَرَ أَلْفًّا)).
[رَوَاهُ الدَّرِامِيُّ ]
الشرح
٢٢٠٨ - قوله: (وَعَنِ الْحَسَنِ)، أي: البصري. (مُرْسَلًا)؛ لأنه تابعي حذف
الصحابي. (مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَةَ آيَةٍ يُحَاجَّهُ الْقُرْآنُ) بتشديد الجيم من المحاجة،
وهي المخاصمة، أي: لم يخاصمه في تقصيره. (تِلْكَ اللَّيْلَةَ)، أي: من جهتها.
وقال في ((اللمعات)): أي: لم يأخذه اللَّه ولم يسأله عن أداء حق القرآن في تلك
الليلة، يعني: أن قراءة هذا القدر من القرآن في ليلة تكفي في دفع مخاصمة
القرآن، وأداء حقه في تلك الليلة. وقيل: المراد به: الحث على قيام الليل. وعليه
(٢٢٠٨) الدَّارِمِي (٣٤٥٩) من مرسل الحسن.
١٤٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
يدل صنيع المنذري في ((الترغيب)) والهيثمي في ((مجمع الزوائد))، حيث أوردا
أمثال هذا الحديث في باب صلاة الليل، وتقدم حديث عبد الله بن عمرو مختصرًا
بنحو ذلك في الفصل الثاني من باب صلاة الليل.
(قُنُوتُ لَيْلَةٍ)، أي: طاعتها أو قيامها. (أَصْبَحَ وَلَهُ قِنْطَارٌ)، أي: ثواب بعدده أو
بوزنه. (مِنَ الأَجْرِ)، قال في ((اللمعات)): القنطار وزن أربعين أوقية من ذهب أو
ألف ومائتا دينار، أو ملأ مسك الثور ذهبًا أو فضة، كذا في ((القاموس))،
والمقصود: المبالغة في كثرة الثواب والمناسب حمله على المعنى الأخير. قلت:
ويؤيده ما وقع في حديث أبي سعيد الخدري عند الدارمي من قوله: القنطار ملء
مسك الثور ذهبًا. (قَالُوا)، أي: الصحابة. (وَمَا الْقِنْطَارُ؟ قَالَ)، أي: النبي ◌َّ،
ويحتمل أن يكون ضمير ((قالوا)) لأصحاب الحسن وضمير قال للحسن.
(اثْنَا عَشَرَ أَلْفًّا)، أي: دينارًا، وروى ابن حبان في ((صحيحه)) عن أبي هريرة
مرفوعًا: ((الْقِتَطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أَوْقِيَة، وَالْأَوْقِيةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))،
وروى الطبراني عن أبي أمامة مثله. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ)، عن أبي النعمان عن وهب عن
يونس عن الحسن أن نبي اللَّهُ وَّل قال: ((مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ ... )) إلخ. وقد سبق الكلام
في مراسيل الحسن البصري وذكرنا هناك أن الإمام أحمد قال: إنها من أضعف
المراسيل. وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح. وقال ابن المديني:
مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها.
وقال أبوزرعة: كل شيء. قال الحسن: قال رسول اللَّه وَ له، وجدت له أصلًا ثابتًا
ما خلا أربعة أحاديث. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما قال الحسن في حديثه، قال
رسول اللَّه ◌َلَه، إلا وجدنا له أصلًا إلا حديثًا أو حديثين. قال الحافظ: ولعله أراد ما
جزم به الحسن. قلت: والحديث المذكور هاهنا مما رواه عنه الثقة وأيضًا قد جزم
به الحسن حيث قال: قال نبي الله وَلّ، فالظاهر أن مرسله هذا ليس من مراسيله
التي لا أصل لها. ويؤيده ما ورد في الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي
أمامة وأبي هريرة وأنس وأبي الدرداء، وتميم الداري، وفضالة بن عبيد، وعبد الله
ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا بنحو ذلك بألفاظ وطرق مختصرًا ومطولًا من شاء
الوقوف عليها رجع إلى ((الترغيب)) للمنذري و((مجمع الزوائد)) و((عمل اليوم
والليلة)) لابن السني و((السنن)) للدارمي.
١٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١ - بَابُ
(بَابٌ) بالتنوين ويسكن وهو في توابع فضائل القرآن من الأحكام التي مراعاتها
من الفواضل وغير ذلك، ووقع في بعض النسخ باب آداب التلاوة ودروس
القرآن.
الفصل الأول
٢٢٠٩ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّه : «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَّهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيَا مِنَ الْإِبِلِ فِي
عُقُلِهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢٠٩- قوله: (تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ) مثل تعهدوه، أي: تفقدوه، وراعوه
بالمحافظة، وواظبوا على قراءته، وداوموا على تكرار دراسته؛ لئلا ينسى. قال
التوربشتي: العهد والتعاهد هو التحفظ بالشيء، وتجدید العهد به، ومعناه هاهنا :
التوصية بتجديد العهد بقراءته؛ لئلا يذهب عنه. (لَهُوَ) اللام لتوكيد القسم، أي:
القرآن. (أَشَدُّ تَفَصِّيًا) بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة المشددة، وتخفيف التحتية
بعدها منصوب على التمييز، أي: أسرع تفلتًا وتخلصًا وذهابًا وخروجًا. قال
التوربشتي: التفصى من الشيء: التخلص منه، تقول: تَفَصَّيت من الديون إذا
خرجت منها .
(٢٢٠٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٠٣٣) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، مُسْلِمٍ (٢٣١/ ٧٩١) فِي الصَّلاَةِ عَنْ أَبِي
مُوسَى.
١٤٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَابِ التلَّّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
(مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا)، وفي رواية: ((بِعُقُلِهَا))، وفي أخرى: ((مِنْ عُقُلِهَا))، وهي
بضمتین، ويجوز سكون القاف جمع عقال بكسر أوله، ككتب وكتاب، وهو الحبل
الذي يشد به ذراع البعير، يقال: عقلت البعير أعقله عقلًا إذا ثنيت وظيفه إلى ذراعه
فتشدهما جميعًا في وسط الذراع، وذلك الحبل هو العقال، والمعنى: أن صاحب
القرآن إذا لم يتعهده بتلاوته والتحفظ به والتذكر حالًا فحالًا، كان أشد ذهابًا من
الإبل، إذا تخلصت من العقال؛ فإنها تنفلت حتى لا تكاد تلحق. قال القرطبي: من
رواه ((مِنْ عُقُلِهَا))، فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفصي، ومن
رواه بالباء أو بكلمة. ((فِي)) يحتمل أن يكون بمعنى. ((مِنْ))، أو بمعنى الظرف أو
بمعنى المصاحبة، يعني: مع عقلها.
والحاصل: تشبيه من يتفلت منه القرآن بالناقة التي تفلتت من عقالها، وبقيت
متعلقة به، كذا قال، والتحرير: إن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة، فحامل القرآن
شبه بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة والحفظ بالربط. قال الطيبي: ليس بين القرآن
والناقة مناسبة؛ لأنه قديم وهي حادثة لكن وقع التشبيه في المعنى. وفي هذا
الحديث، وكذا في الحديث الذي يليه زيادة على حديث ابن عمر الآتي بعدهما؛
لأن في حديث ابن عمر تشبيه أحد الأمرين بالآخر وفي هذا إن هذا أبلغ في النفور
من الإبل؛ لأن من شأن الإبل تطلب التفلت ما أمكنها، فمتى لم يتعاهدها صاحبها
برباطها تفلتت، فكذلك حافظ القرآن إذا لم يتعاهده تفلت بل هو أشد في ذلك.
وقال ابن بطال: هذا الحديث يوافق الآيتين، قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلِّقِى عَلَيْكَ قَوْلًا
(٥)﴾ [المزمل: ٥] وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسِّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ [القمر: ١٧] فمن أقبل عليه
تَقِيلًا
بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تفلت منه. قال الطيبي: وإنما كان
كذلك؛ لأن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو من كلام خالق القوى والقدر،
وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة؛ لأنه حادث وهو قديم لكن اللَّه رَاةَ بلطفه
العميم وكرمه القديم من عليهم، ومنحهم هذه النعمة العظيمة، فينبغي له أن
يتعاهده بالحفظ والمواظبة عليه ما أمكنه، فقد يسره تعالى للذكر، وإلا فالطاقة
البشرية تعجز قواها عن حفظه. وفيه: وفي حديثي ابن مسعود وابن عمر، الحض
على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته وضرب الأمثال؛ لإيضاح
المقاصد. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٣٩٧، ٤١١).
١٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢١٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((بِتْسَ مَا
لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ
أَشَدُّ تَفَصِّيَّا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ)».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وَزَادَ مُسْلِمُ: ((بِعُقُلِهَا» .
الشرح
٢٢١٠ - قوله: (بِئْسَ مَا)، ((مَا)) نكرة موصوفة مفسرة لفاعل ((بِئْسَ))،
(لِأَحَدِهِمْ)، أي: لأحد الناس. (أَنْ يَقُولَ)، هو المخصوص بالذم، كقوله تعالى:
﴿بِسَمَا أَشْتَّرَوْاْ بِهِةٍ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠]، أي: بئس الشيء
شيئًا كائنًا لأحدهم، قوله: (نَسِيتُ) بفتح النون وكسر السين مخففة. (آيَةً كَيْتَ
وَكَيْتَ)، أي: آية كذا وكذا، وهو بفتح التاء على المشهور وحكى الجوهري فتحها
وكسرها عن أبي عبيدة. قال القرطبي: (كَيْتَ وَكَيْت) يعبِّرُ بهما عن الجمل الكثيرة،
والحديث الطويل. وأطلق هاهنا باعتبار كون الآية مشتملة على مضمون جملة وإلا
فالظاهر آية كذا وكذا. (بَلْ نُسِّيَ) بضم النون وتشديد المهملة المكسورة.
قال القرطبي: رواه بعض رواة مسلم مخففًا.
قال الحافظ: وكذا هو في ((مسند أبي يعلى))، وكذا أخرجه ابن أبي داود في
كتاب الشريعة من طرق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على كل سين علامة
التخفيف. قلت : - قائله الحافظ - والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في
البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في
الغريب بعد قوله: ((كيت وكيت)) ليس هو نَسِيَ ولكنه نُسَِّ الأول بفتح النون
وتخفيف السين، والثاني بضم النون وتثقيل السين. قال الخطابي: (نُسِّيَ)، يعني:
عوقب بالنسيان على ذنب كان منه، أو على سوء تعهده بالقرآن حتى نسيه.
وقال القرطبي: التثقيل معناه: أنَّه عوقب بوقوع النسيان عليه؛ لتفريطه في
(٢٢١٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٠٣٢)، ومُسْلِم (٢٨٨/ ٧٩٠) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رََْهُ، كَالَّذِي قَبْلَهُ.
١٤٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
معاهدته واستذكاره، قال: ومعنى التخفيف: أنَّ الرجل ترك غير ملتفت إليه وهو
كقوله: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من
الرحمة. وقال في ((اللمعات)): (بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ ... ) إلخ. أي: بئس شيئًا كائنًا
لأحدهم قوله: (نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ) فإنه يشعر بتركه وعدم مبالاته بها، بل
يقول: (نُسِّيَ) بلفظ المجهول من التفعيل؛ تحسُّرًا، أو إظهارًا للخذلان على
تقصيره في إحراز هذه السعادة وحفظها، أو تحرزًا عن التصريح بارتكاب المعصية
وتأدبًا مع القرآن العظيم، انتهى.
واعلم: أنه اختلف في متعلق الذم من قوله: (بِئْسَ) على أوجه ذكرها الحافظ
في ((الفتح)) وأرجحها عنده: أنَّ سبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن؛
إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بالتلاوة والقيام به في
الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان: نسيت الآية الفلانية، فكأنه شهد
على نفسه بالتفريط، فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد؛ لأنه الذي يورث
النسيان. وقال عياض: أولى ما يتأول عليه الحديث ذم الحال لا ذم القول، أي:
بئست الحالة حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه. وقد عقد البخاري في
((صحيحه) باب: نسيان القرآن، وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا؟ ثم أورد فيه
حديث عائشة قالت: سمع رسول اللّه وَ له رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال:
((يَرْحَمُهُ اللهُ لَقْدَ أَذْكَرَنِي - كذا وكذا - آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةٍ كذا وكذا)). قال
الحافظ: وفي رواية معمر عن هشام عند الإسماعيلي: ((كُنْتُ نَسِيتُهَا)) بفتح النون
ليس قبلها همزة. ثم ذكر البخاري حديث ابن مسعود هذا الذي نحن في شرحه.
قال الحافظ: كأنه يريد، أي: بهذه الترجمة أنَّ النهي عن قول: نسيت آية كذا
وكذا ليس للزجر عن هذا اللفظ، بل للزجر عن تعاطي أسباب النسيان المقتضية
لقول هذا اللفظ. ويحتمل أن ينزل المنع والإباحة عن حالتين، فمن نشأ نسيانه عن
اشتغاله بأمر ديني كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك؛ لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال
أمر ديني، وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي وَله من نسبة النسيان إلى
نفسه، ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي ولا سيَّما إن كان محظورًا؛ امتنع
علیه لتعاطیه أسباب النسيان، انتهى.
١٥٠
*8
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال النووي: في حديث ابن مسعود كراهة قوله: نسيت آية كذا، وهي كراهة
تنزيه وإنه لا يكره قوله: ((أَنْسِيتُهَا))، وإنما نهى عن ((نسيتها))؛ لأنه يتضمن التساهل
فيها والتغافل عنها، وقال الله تعالى: ﴿أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَسِيَهَا﴾ [طه: ١٢٦].
(وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ) السين للمبالغة، أي: واظبوا على تلاوته، واطلبوا من
أنفسكم المذاكرة والمحافظة به. قال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى على
قوله: ((بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ))، أي: لا تقصروا في معاهدته، واستذكروه. وفي رواية
مسلم: (اسْتَذْكِرُوا)) بغير واو. (فَإِنَّهُ)) وفي رواية مسلم: ((فَهُوَ))، (أَشَدُّ تَفَصِّيًّا)،
أي: تفلًُّا وتشُّدًا.
(مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ) ((مِنْ)) متعلق بـ((تفصِّيًّا)) وتخصيص الرجال بالذكر؛ لأن
حفظ القرآن من شأنهم. (مِنَ النَّعَم) بفتحتين. قال النووي: النعم أصلها الإبل
والبقرة والغنم، والمراد هنا: الإبل خاصة؛ لأنها التي تعقل، انتهى. وهو متعلق
ـ((أَشَدُّ»، أي: أشد من تفصي النعم المعقلة.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٣٨١ - ٤١٧ - ٤٢٣ - ٤٢٩، ٤٣٨ -
٤٤٩ - ٤٦٣) والترمذي في القراءات والنسائي وغيرهم. (وَزَادَ مُسْلِمٌ بِعُقُلِهَا)
بضمتين، ووقعت هذه الزيادة عند أحمد والترمذي أيضًا، لكن عند الترمذي
بلفظ: ((مِنْ عُقُلِهِ))، وكذا عند مسلم في الموقوف، ولأحمد في رواية: ((مِنْ
عُقُلِهَا))، وفي أخرى: ((بِعُقُلِهِ أو مِنْ عُقُلِهِ)).
قال النووي: المراد برواية الباء ((مِنْ)) كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ
الهِ﴾ [الإنسان: ٦] على أحد القولين في معناها، وقوله: ((عُقُلِهِ)) صحيح أيضًا، أي؛ لأن
النعم تذكر وتؤنث.
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّّوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٥١
ESSE
٢٢١١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبٍ
الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا
ذَهَبَتْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢١١- قوله: (إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ)، أي: مع القرآن، والمراد
بالصاحب: الذي ألفه. قال عياض: المؤالفة: المصاحبة، وهو كقوله: ﴿أَصْحَبُ
اُلْجَنَّةِ﴾ [الفرقان: ٢٤] وقوله: أَلِفَه، أي: ألف تلاوته، وهو أعم من أن يألفها نظرًا من
المصحف، أو عن ظهر قلب، فإن الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه ويسهل عليه
قراءته، فإذا هجره ثقلت عليه القراءة وشقت عليه، وقوله: ((إِنَّمَا)) يقتضي الحصر
على الراجح، لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك.
(كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ)، أي: مع إبله المعقلة. و(الْمُعَقَّلَةِ) بضم الميم
وفتح العين المهملة وتشديد القاف المفتوحة، أي: المشدودة بالعقال، شبه درس
القرآن، واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد والهروب، فما زال
التعاهد موجودًا، فالحفظ موجود، كما أن البعير ما دام مشدودًا بالعقال، فهو
محفوظ، وخص الإبل بالذكر؛ لأنها أشد الحيوان الأنسي نفورًا وفي تحصيلها بعد
استمكان نفورها صعوبة .
(إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا)، أي: تعهدها ولازمها. (أَمْسَكَهَا)، أي: استمر إمساكه لها،
يعني: أبقاها على نفسه. (وَإِنْ أَطْلَقَهَا)، أي: أرسلها وحلها من عقلها.
(ذَهَبَتْ) أي: انفلتت، وفي رواية ابن ماجه: ((إِنْ تَعَاهَدَهَا صَاحِبُهَا بِعُقُلِهَا
أَمْسَكَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ عُقُلَهَا ذَهَبَتْ))، وفي رواية لمسلم: ((وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ
فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِیَه))، وفي الحديث: حض علی درس
القرآن وتعاهده. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص١٧ - ٢٣ - ٣٠ - ٣٦ -
٦٤ - ١١٢) ومالك في أواخر الصلاة، والنسائي وابن ماجه في ثواب القرآن.
(٢٢١١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٠٣١)، ومُسْلِم (٧٨٩/٢٢٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رََّهُ، كَذَلِكَ.
١٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢١٢ - [٤] وَعَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ :
((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢١٢- قوله: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ)، أي: داوموا على قراءته. (مَا انْتَلَفَتْ)،
أي: اجتمعت. (عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ)، أي: ما دامت قلوبكم تألف القراءة. (فَإِذَا
اخْتَلَفْتُمْ) بأنْ صارت قلوبكم في فكرة شيء سوى قراءتكم، وصارت القراءة
باللسان مع غيبة الجنان، يعنى: صار القلب مخالفًا للسان.
(فَقُومُوا عَنْهُ)، أي: اتركوا قراءته حتى ترجع قلوبكم. قال الطيبي: قوله:
((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا اثْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ ... )) إلخ. يعني: اقرؤوا على نشاط منكم
وخواطركم مجموعة، فإذا حصل لكم ملالة وتفرق القلوب، فاتركوه، فإنه أسلم
من أن يقرأ أحد من غير حضور القلب، يقال. قام بالأمر: إذا جدَّ فيه وداوم عليه،
وقام عن الأمر: إذا تركه وتجاوز عنه. ويحتمل كما في ((الفتح)) أن يكون المعنى:
اقرؤوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف، أي: أو
عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق، فاتركوا القراءة،
وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة،
قال: وهو كقوله وَله: ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَِّعُونَ الْمُتَشَابِهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ))، قال:
ويحتمل أنه نهى عن القراءة، إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء بأن يتفرقوا عند
الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته، ومثله ما تقدم عن ابن مسعود لما وقع بينه
وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف في الأداء، فترافعوا إلى النبي وَلِلّ فقال:
((كُلَّكُمْ مُحْسِنٌ))، انتھی.
قال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات، فأمروا
بالقيام عند الاختلاف؛ لئلا يجحد أحدهم ما يقرؤه الآخر، فيكون جاحدا لما
(٢٢١٢) البُخَارِي (٥٠٦٠)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٠٩٨) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ جُنْدُبٍ.
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
CRE
بَابُ آدَابِ التلّأَوَةِ وَدُرُوس القُرآن
١٥٣
أنزل اللَّه رَ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في ((فضائل القرآن)) وفي ((الاعتصام))، ومسلم في
القدر وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٣١٣) والنسائي.
٢٢١٣ - [٥] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسرٌ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةٌ
النَّبِيِّ ◌َِّ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدَّا مَدَّا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يِسْمِ اللَّهِ الرَّْرِ
الرَّحَيَةِ﴾ يَمُدُّ بِ«بِسْمِ اللَّهِ))، وَيَمُدُّ بِ((الرَّحْمَنِ))، وَيَمُدُّ بِ((الرَّحِيم)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢١٣- قوله: (وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ) بضم السين مبنيًّا للمفعول
والسائل هو قتادة، كما يدل عليه رواية البخاري عن قتادة قال: سألت أنس بن
مالك عن قراءة النبي ◌َّلّ فقال: كان يمد مدًّا، أي: يمد الحرف الذي يستحق
المد. (كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ وََّ)، أي: على أي صفته كانت، هل كانت
ممدودة، أو مقصورة، أو متوسطة؟ (فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا) بالتنوين من غير همز، أي:
ممدودة أو ذات مد لكن لما يستحق المد، والمراد بالمد هنا: المد الطبيعي الذي
يقال له: المد الذاتي والأصلي؛ لكونه لازمًا لذوات حروف المد وطبائعها، وهو
إشباع الحروف الذي بعد ألف أو واو أو ياء، كالألف والواو في قالوا، والياء في
قيل. ويحصل هذا المد بإتمام الحركة أو أشباع الحروف بقدر ألف؛ لأنه إن لم
يقرأ كذلك لم يتم النطق بذلك الحرف. وأمَّا المد المعروف الذي يبحث عنه
أصحاب علم التجويد، فهو المد الفرعي، وله سببان، وقوع السكون والهمزة بعد
حروف المد، والسكون إمَّا أن يكون لازميًّا سواء كان من جهة الإدغام، كما في
﴿وَدَآبَةٍ﴾ ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾، أو من غير إدغام، كما في حروف المد التي وقعت في
أوائل السور مثل ألف، لام، ميم، كاف، صاد، نون، قاف، أو يكون السكون
(٢٢١٣) البُخَارِي (٥٠٤٦) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَأَبُو دَاوُد (١٤٦٥)، والتِّرْمِذِي في ((الشمائل)) (٣١٥)،
والنَّسَائِي (١٧٩/٢)، وابنُ ماجه (١٣٥٣) فِي الصَّلَاةِ سِوَى التِّرْمِذِي فِي ((الشَّمَائِلِ)) عَنْ أَنَسٍ.
١٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عارضيًّا كما في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ و﴿اَلْمُفْلِحُونَ﴾ و((أُولِي الْأَلْبَبِ)). وأمَّا الهمزة فهي إمَّا
أن تكون في نفس الكلمة، مثل ﴿السَّمَاءِ﴾ و﴿السُّوءَ﴾ ﴿وَجِاْىَّ﴾ أو في كلمة أخرى
نحو ﴿مَا أَنْزَلَ﴾ و﴿قَالُواْ ءَامَنَا﴾ ﴿وَفِيَّ أَنْفُسِهِمْ﴾. واختلف القراء في مقدار هذا
المد، فقال بعضهم: يمد بقدر ألِفٍ ونصف، وقال بعضهم: يمد بقدر أَلِفَيْنِ
ونصف أَلِفٍ إلى ثلاث أَلِفَاتٍ أو أربع ألفات وتفصيل ذلك في كتب التجويد كذا في
((أشعة اللمعات)). وقال الحافظ: المد عند القراء على ضربين: أصلي: وهو إشباع
الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي: وهو ما إذا أعقب الحرف الذي
هذه صفته همزة وهو متصل ومنفصل، فالمتصل: ما كان من نفس الكلمة،
والمنفصل: ما كان بكلمة أخرى، فالأول: يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات
من غير زيادة، والثاني: يزاد في تمكين الألف والواو والياء زيادة على المد الذي لا
يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل: أنه يمد كل حرف منها
ضعفي ما كان يمده أولًا. وقد يزاد على ذلك قليلًا، وما أفرط فهو غير محمود،
والمراد هنا: الضرب الأول، انتهى. وقال القاري: إذا وجد حرف المد الذي هو
شرط المد ولم يوجد أحد السببين الموجبين للزيادة، وهما الهمز والسكون، فلا بد
من المد بقدر ألف اتفاقًّا، وقدر بمقدار قولك أو كتابتك ألف أو عقد أصبع ويسمى
طبيعيًّا وذاتيًّا وأصليًّا، وإذا وجد أحد السببين فلا بد من الزيادة ويسمى فرعيًّا، ثم إن
كان السبب الهمز ففي مقدار الزيادة على الأصل خلاف كثير بين القراء في مراتب
المتصل والمنفصل مع اتفاقهم على مطلق المد هو في المتصل، وخلاف بعضهم
في المنفصل، وأقل الزيادة ألف ونصف، وأكثرها أربع، وإن كان السبب هو
السكون، فإن كان لازميًّا سواء كان يكون مشددًا أو مخففًا نحو ﴿دَآبَةٍ﴾ و﴿صَّ﴾
فكلهم يقرؤون على نهج واحد وهو مقدار ثلاث ألفات، وإن كان عارضيًّا نحو
يَعْمَلُونَ﴾ فيجوز فيه القصر، وهو قدر ألف والتوسط وهو ألفان والمد وهو
ثلاثة، وللمسألة تفصيل طويل يجر بسطها إلى ملالة وتثقيل.
(ثُمَّ قَرَأَ)، أي: أنس. (يَمُدُّ بِ بِسْم اللهِ))، أي: اللام التي قبل الهاء من الجلالة
الشريفة. وقال القاري: أي: في ألف الجلالة مدًّا أصليًّا بقدر ألف. (وَيَمُدُّ
بِ((الرَّحْمَنِ)))، أي: بالميم التي قبل النون. (وَيَمُدُّ بِ((الرَّحِيم)))، أي: بالحاء المد
الطبيعي الذي لا يمكن النطق بالحرف إلا به من غير زيادة عليه، لا كما يفعله
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّوَةِ وَدُرُوس القرآن
١٥٥
a
بعضهم من الزیادة علیه، نعم، إذا کان بعد حرف المد همز متصل بكلمته أو سكون
لازم ك﴿ أَوْلَئِكَ﴾ و﴿الْحَاقَّةُ﴾ وجب زيادة المد أو منفصل عنها، أو سكون عارض
ك﴿ يَأَيُهَا﴾ أو الوقف على ﴿الرَّحِيمُ﴾ جاز، قاله القسطلاني. وقال القاري: قوله:
((وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ))، أي: في يائه مدَّا أصليًّا أو عارضيًّا، فإنه يجوز في نحوه حالة
الوقف ثلاثة أوجه: الطول والتوسط والقصر مع الإسكان، ووجه آخر بالقصر
والرَّوْمِ: وهو إتيان بعض الحركة بصوت خفي، وقوله: بِ(بِسْمِ اللهِ)) بموحدة قبل
الموحدة التي في ﴿يِسْمِ اللَّه﴾ كأنه حكى لفظ ﴿إِسْمِ اللَّهِ﴾ كما حكى لفظ
اٌلََّ﴾ في قوله: وَيَمُدُّ بِ((الرَّحْمَنِ))، أو جعله كالكلمة الواحدة علمًا لذلك،
ووقع عند أبي نعيم: يمدُّ ﴿إِسْمِ اللَّهِ﴾ ويمدُّ ﴿الََّنِ﴾ ويمدُّ ﴿الََّيِ
ويمدُّ ﴿الرَّحِيمُ﴾ من غير موحدة في الثلاثة.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في فضائل القرآن، وأخرجه أيضًا أَبُو دَاوُدَ والنسائي وابن ماجه
في الصلاة، والترمذي في ((الشمائل)). وأخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن
مالك سمعت رسول اللَّه ◌َ له قرأ في الفجر ﴿قَ﴾ فمرَّ بهذا الحرف ﴿لَّا طَلَعٌ
نَضِيدٌ﴾ فمد ﴿نَضِيدٌ﴾ وهو شاهد جید لحديث أنس.
٢٢١٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ
لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢١٤- قوله: (مَا أَذِنَ اللهُ) بكسر الذال المعجمة من الأذن بفتحتين،
ومعناه: الاستماع والإصغاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا﴾ [الانشقاق: ٢].
وقال الشاعر :
وَإِنْ ذُكِرْتُ بِشَرِّ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا
ضُمِّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ
(٢٢١٤) البُخَاري (٥٠٢٣).
١٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
وأمَّا الإِذْن بمعنى الإطلاق والإباحة، فهو بكسر الهمزة وسكون الذال وليس
ذلك مرادًا هنا، وكلاهما مشترك في أن الماضي بكسر الذال والمضارع بفتحها
كفرح يفرح. (لِشَيْءٍ) بالشين المعجمة. (مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ)، ((مَا)) الأولى نافية، والثانية
مصدرية، أي: ما استمع لشي كاستماعه لصوت نبي. قال السندي: ((مَا أَذِنَ اللهُ))،
إلخ. أي: ما استمعٍ لشي مسموع كاستماعه لنبيٌّ، والمراد: جنس النبي والقرآن
القراءة، أو كلام اللّه مطلقًا، ولما كان الاستماع بمعنى الإصغاء على اللّه تعالى
محالًا؛ لأنه من شأن من يختلف سماعه بكثرة التوجه وقلته وسماعه تعالى لا
يختلف. قالوا: هذا كناية عن تقريبه القارئ وإجزال ثوابه، أي؛ لأنَّ ذلك ثمرة
الإصغاء، انتهى. قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل، فإنه يفضي ويؤديٍ إلى نفي
صفة الاستماع، بل نحمله على ظاهره، ونفوض حقيقة معناه إلى اللّه تعالى.
(يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) هو من التغني، بمعنى: الترنم والتطريب، أي: يحسن صوته
ويرققه ويحزنه. قال في ((اللمعات)): المراد بالتغني: تحسين الصوت وتطييبه
وتزيينه، وترقيقة وتحزينة، بحيث يورث الخشية ويجمع الهمم، ويزيد الحضور،
ويبعث الشوق ويرق القلب، ويؤثر في السامعين مع رعاية قوانين التجويد،
ومراعاة النظم في الكلمات والحروف، كما جاء في الحديث: أيُّ الناس أحسن
صوتًا للقرآن؟ قال: ((مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ))، وهو الصوت
الطبيعي للعرب بحسن غاية الطبيعية المراد بلحن العرب، وإليه الإشارة بقول أبي
موسى الأشعري: لحبرته تحبيرًا. وأمَّا التكلف برعاية قوانين الموسيقى فمكروه،
وإذا أدى إلى تغير القرآن فحرام بلا شبهة، وسيأتي من الأحاديث ما يدل على
ذلك، انتھی .
قلت: اختلف في معنى التغني على أقوال كما سيأتي؛ ومعناه عند الشافعي
وأصحابه وأكثر العلماء هو: تحسين الصوت به. قال ابن بطال: وبذلك فسره ابن
أبي مليكة وعبد الله بن المبارك، والنضر بن شميل، ويؤيده في الرواية الأخرى
قوله: (يَجْهَرُ بِهِ)). قال الطيبي: لأنها جملة مبينة بيان لقوله: ((يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ))، فلم
يكن المبين على خلاف البيان، كذلك (يَتَغَنَى بِالْقُرْآنِ)) في هذه الرواية بيان لقوله :
((مَا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيِّ))، أي: صوته فكيف يحمل على غير حسن الصوت؟ وقال
الحافظ: ظواهر الإخبار ترجح أن المراد: تحسين الصوت ويؤيده قوله: ((يَجْهَرُ
بِهِ))، فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة، فالرواي
١٥٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلّأَّوَةِ وَدُرُوس القرآن
أعرف بمعنى الخبر من غيره، ولا سيَّما إذا كان فقيهًا. وقد جزم الحليمي: بأنها من
قول أبي هريرة والعرب تقول: سمعت فلانًا يتغنى بكذا أي: يجهر به، ويشهد أيضًا
لما قال الشافعي الحديث الآخر: ((زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْواتِكُمْ))، ويؤيده أيضًا رواية
الطبراني لحديث الباب بلفظ: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيِّ فِي التَّرَتُّم فِي الْقُرْآنِ)»، وعنده في
رواية أخرى: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوتِ))، وهذا اللفظ عند مسلم أيضًا كما
سيأتي. وعند ابن أبي داود والطحاوي: ((حَسَنِ الثََّنَّم بِالْقُرْآنِ)). قال الطبري:
والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حَسَّنَهُ القارئ وطربَ به، قال: ولو كان معناه
الاستغناء كما قيل لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى، وأخرج ابن ماجه
والكجى وصححه ابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعًا: ((لَلَّهُ أُشَدُّ
أذنًّا - أي: استماعًا - لِلرَّجُلِ الحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ القَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِةِ»،
والقينة: المغنية. وروى عمر بن شبة، عن عبيد بن عمير قال: كان داودفَلَّلُ
يتغنى، يعني: حين يقرأ يَبْكي ويُبْكِي، وعن ابن عباس: إن داود كان يقرأ الزبور
بسبعين لحنًا، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم يبق
دابة في بَرِّ ولا بَحْرٍ إلا أنصتت له واستمعت وبكت. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري
في فضائل القرآن وفي التوحيد، ومسلم في فضائل القرآن، وأخرجه أيضًا أحمد
في مواضع وأبو داود والنسائي في الصلاة، والدارمي وغيرهم.
٢٢١٥ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا
أَذِنَ لِنِّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢١٥- قوله: (مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ)، أي: ما استمع الله لشيء. (مَا أَذِنَ)،
أي: ما استمع. (لِنِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ) صفة كاشفة، قاله القاري. وقال التوربشتي:
(٢٢١٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ((فَضَائِلِ القُرْآنِ))، مُسْلِم (٢٣٣/ ٧٩٢) فِي الصَّلَاةِ، والنَّسَائِي
فِيهِمَا .
١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
لا أرى هذه الزيادة وردت مورد الاشتراط لـ((أَذِنَ اللهُ))، بل ورد مورد البیان؛ لكون
كل نبي حسن الصوت، ومنه الحديث: ((مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ
الصَّوتِ)). (بِالْقُرْآنِ) حال كونه.
(يَجْھَرُ بِهِ)، أي: في صلاته، أو تلاوته، أو حین تبلیغ رسالته، ولا بد من تقدیر
مضاف عند قوله: (لِنَبِيِّ)، أي: لصوت نبي، والنبي جنس شائع في كل نبي،
فالمراد بالقرآن: القراءة، قاله القسطلاني، واللفظ المذكور للبخاري في باب قول
النبيِِّّ: ((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ» ورواه مسلم بلفظ: «مَا أَذِنَ اللهُ
لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ)» .
وفي رواية للبخاري: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيِّ مَا أَذِنَ لِنَبِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)) وقال صاحب
له: يريد يجهر به والضمير في ((لَهُ)) لأبي هريرة، والصاحب المذكور هو أبو سلمة
الراوي عن أبي هريرة، كما يدل عليه ما رواه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى
الذهلي في ((الزهريات)) بلفظ: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ يَتَغَنَى بِالْقُرْآنِ))، قال
ابن شهاب: وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة: ((يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ))
يجهر به، فالظاهر: أنَّ التفسير المذكور في تلك الرواية مدرج من قول أبي سلمة.
وقد تقدم في كلام الحافظِ أنَّ الحليمي جزم بأنه من قول أبي هريرة، وظاهر الرواية
التي نحن في شرحها، أنَّ قوله: ((يَجْهَرُ بِهِ)) من أصل الحديث، أي: مرفوع من
قول النبي ◌َّ لا مدرج من قول الراوي، والله أعلم. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري
كما تقدم وأخرجه أَبُو دَاوُدَ والنسائي بلفظ مسلم.
٢٢١٦ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ
بِالْقُرْآنِ».
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢١٦ - قوله: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ)، أي: لم يحسن صوته به،
فسر بذلك الشافعي كما تقدم. وقيل: أي: لم يجهر به، فسر بذلك راوي الحديث
(٢٢١٦) الْبُخَارِي (٧٥٢٧) فِي التَّوْحِيدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
١٥٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ آدَاب التلَّّوَةِ وَدُرُوس القرآن
كما سبق أيضًا، وقيل: أي: لم يستغن به عن الناس، أو عن غيره من أخبار الأمم
الماضية والكتب المتقدمة، فسر به وكيع وابن عيينة واختاره ابن حبان، حيث
ترجم في (صحيحه)) (ج١ ص٢٨٣) لحديث سعد بن أبي وقاص المروي بلفظ:
الحديث الذي نحن في شرحه ذكر الزجر عن أن لا يستغني المرء بما أوتي من كتاب
الله جل وعلا وارتضاه أبو عبيد، وقال: إنه جائز في كلام العرب، واستشهد لذلك
بقوله بَّ في الخيل: ((وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًّا تَعَفَّفَا))، ولا خلاف في هذا أنه مصدر تغنى
بمعنى استغنى، يعني: طلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله: ((تَعَفُّفًّا))، ورجحه
التوربشتي أيضًا. وقال المعنى: ليس من أهل سنتنا وممن تبعنا في أمرنا وهو
وعيد، ولا خلاف بين الأمة أنَّ قارئ القرآن مثاب على قراءته، مأجور من غير
تحسين صوته، فكيف يحمل على كونه مستحقًّا للوعيد وهو مثاب مأجور، انتهى.
وقيل: أي: لم يترنم به، وقيل: أي: لم يتحزن، ويؤيده ما رواه أبو يعلى
والطبراني في ((الأوسط)) وأبو نعيم في ((الحلية)) بسند ضعيف عن بريدة مرفوعًا:
((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْحُزْنِ))، وقيل: المراد بالتغني: التلذذ
والاستحلاء له، كما يستلذ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيًا من حيث أنه يفعل
عنده ما يفعل عند الغناء، قاله ابن الأنباري في ((الزاهر)). وقيل: معناه: التشاغل
به، تقول العرب: تغنى بالمكان أقام به، ويؤيده بيت الأعشى:
خَفِيفَ الْنَاخِ طَوِيلَ التَّغَنِّي
وَكُنْتُ امْرَأَ زَمَنًا بِالْعِرَاقِ
أي: طويل الإقامة، فيكون معنى الحديث: الحث على ملازمة القرآن، وأن لا
يتعدى إلى غيره. وقيل: هو أن يجعله هجيراه، كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه
الغناء. قال ابن الأعرابي: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى، وإذا جلست في
أفنيتها، وفي أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي ◌ّ أن يكون هجيراهم
القراءة مكان التغني، وقيل: المراد: من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه، ولم
يصدق بما فيه من وعد ووعيد. وقيل: معناه من لم يرتح لقراءته وسماعه.
وقيل: المعنى: من لم يطلب غنى النفس وهو الغنى المعنوي لا المحسوس
الذي هو ضد الفقر. وقيل: معناه: من لم يتطلب غنى اليد ولم يرجه بملازمة
تلاوته. قال الحافظ بعد بسط الكلام في سرد هذه الأقوال والتأويلات: وفي الجملة