Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٧٤ - [٤٦] وَعَنْ جَابِرِ: أنَّ النَّبِيَّ نََّ كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ :
﴿الَّمّ ﴿﴿ نَزِيلٌ﴾ وَ﴿تَبَكَ الَّذِى بِّدِهِ الْمُلَُّ﴾.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ،
وَفِي المِصَابِيحَ غَرِيبٌ]
الشرح
نَزِيلٌ﴾) بالرفع على
٢١٧٤ - قوله: (كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ ﴿الَّمَ (
الحكاية، وفي رواية: حتى يقرأ تنزيل السجدة، والمراد: سورة السجدة. (وَتَبَارََ
الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك)، أي: سورة الملك. قال الطيبي: حتى غاية لا ينام، ويحتمل أن
يكون المعنى: إذا دخل وقت النوم لا ينام حتى يقرأهما، وأن يكون لا ينام مطلقًا
حتى يقرأهما، والمعنى: لم يكن من عادته النوم قبل القراءة فتقع القراءة قبل دخول
وقت النوم، أي وقت كان، ولو قيل: كان النبي ◌َّ يقرؤهما بالليل لم يفد هذه
الفائدة، انتهى.
قال القاري: والفائدة هي إفادة القبلية ولا يشك أن الاحتمال الثاني أظهر؛ لعدم
احتياجه إلى تقدير يفضي إلى تضييق. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٣ص ٣٤٠). (وَالتِّرْمِذِيُّ)
في فضائل القرآن وفي الدعوات. (وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب
المفرد)) والنسائي وابن السني في ((اليوم والليلة)) (ص٢١٧) كلهم من حديث أبي
الزبير عن جابر. وذكر السيوطي هذا الحديث في الدر. وقال: أخرجه أبوعبيد في
فضائله وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي والنسائي والحاكم وصححه
وابن مردویه.
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ)، كذا وقع في جميع النسخ من ((المشكاة))
لكن ليس في ((جامع الترمذي)) تصحيح هذا الحديث ولا تحسينه، بل كلام
الترمذي يدلّ على أنه حديث مضطرب الإسناد، ولذا قال المناوي بعد تخريجه:
وفيه اضطرب، انتهى. قلت: قال الترمذيُّ: هكذا روى الثوري وغير واحد هذا
(٢١٧٤) التِّرْمِذِي (٢٨٩٢) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٥٤٤) فِي عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
عَنْ جَابِرٍ .
١٠١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
الحديث عن ليث بن أبي سليم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي وَلجلال نحوه، وروى
زهير هذا الحديث عن أبي الزبير قال: قلت له: أسمعته من جابر؟ قال: لم أسمعه
من جابر، إنما سمعته من صفوان أو ابن صفوان، وكأن زهيرًا أنكر أن يكون هذا
الحديث عن أبي الزبير عن جابر.
قال الترمذيُّ: وقد روى شبابة عن مغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر نحو
حدیث لیث، انتھی. قلت: روایة زهیر أخرجها الحاکم (ج٢ ص٤١٢) قال: حدثنا
جعفر بن محمد نا الحارث بن أبي أسامة نا أبو النصر نا أبو خيثمة زهير بن معاوية.
قال: قلت لأبي الزبير: أسمعت أنَّ جابرًا يذكر أن النبي وَلّ كان لا ينام حتى يقرأ
﴿الَّ ا نَزِيلٌ﴾ السجدة وَ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾؟ فقال أبو الزبير: حدثنيه
صفوان، أو أبوصفوان هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه؛ لأن
مداره على حديث ليث بن أبي سليم عن أبي الزبير. (وَكَذَا)، أي: هو. (فِي ((شَرْحِ
السُّنَّةِ)) وَفِي ((الْمَصَابِيحِ)) غَرِيبٌ)، أي: هو غريب.
قال الطيبي: هذا لا ينافي كونه صحيحًا؛ لأنَّ الغريب قد يكون صحيحًا،
انتهى. قلت: نعم الغرابة لا تنافي الصحة لكن في كون هذا الحديث صحيحًا
نظر؛ لأن مداره على ليث بن أبي سليم ولا يبعد أن يكون صحيحًا لغيره، أي:
لتعدد طرقه .
٢١٧٥، ٢١٧٦ - [٤٧، ٤٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِك
قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تَعْدِلُ نِصْفَ أَلْقُرْآنِ، وَ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَ﴿قُلٌ بَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنٍ)).
[رَوَاهُ الِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢١٧٥، ٢١٧٦ - قوله: (إِذَا زُلْزِلَتْ)، أي: سورة إذا زلزلت.
(تَعْدِلُ)، أي: تساوي وتماثل. (نِصْفَ الْقُرْآنِ ... ) إلخ. قيل: يحتمل أن سورة
(٢١٧٥)، (٢١٧٦) التِّرْمِذِي (٢٨٩٤) فِيهِ، وَالحَاكِمُ (١ /٥٦٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
١٠٢
see
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الزلزلة تعدل نصف القرآن؛ لأنَّ أحكام القرآن تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام
الآخرة، وهذه السورة تشمل على أحكام الآخرة كلها إجمالًا وزادت على القارعة
بإخراج الأثقال وتحديث الأخبار. وأمَّا تسميتها في حديث أنس عند الترمذي وابن
أبي شيبة وأبي الشيخ: ((ربع القرآن))، فلأن الإيمان بالبعث ربع الإيمان في
الحديث الذي رواه الترمذي: ((لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ بَعَثَّنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ،
وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ)) فاقتضى هذا الحديث أنَّ الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع
الإيمان الكامل الذي دعا إليه القرآن فهي ربع من وجه ونصف من وجه.
وقال الطيبي: يحتمل أن يقال: المقصود الأعظم بالذات من القرآن بيان المبدأ
والمعاد. وإذا زلزلت مقصورة على ذكر المعاد مستقلة ببيان أحواله، فيعادل من
طريق المعنى نصفه، وما جاء أنها ربع القرآن فتقريره أن يقال: القرآن يشتمل على
تقرير التوحيد والنبوات وبيان أحكام المعاش وأحوال المعاد، وذلك إتمام أربعة.
وهذه السورة إجمالًا مشتملة على القسم الأخير من الأربع، و﴿قُلْ يَأَتُهاَ الْكَافِرُونَ
محتوية على القسم الأول منها؛ لأن البراءة عن الشرك والتدين بدين الحق
إثبات للتوحيد، فتكون كل واحدة منها كأنها ربع القرآن. وهذا تلخيص كلام
التوربشتي. فإن قلت: هلًا حملوا المعادلة على التسوية في الثواب على المقدار
المنصوص عليه؟ قلت: منعهم من ذلك لزوم فضل ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ على سورة
إخلاص .
والقول الجامع ما ذكره الشيخ التوربشتي من قوله: ونحن وإن سلكنا هذا
المسلك بمبلغ علمنا نعتقد ونعترف أن بيان ذلك على الحقيقة، إنما يتلقى من قبل
الرسول وَله فإنه هو الذي ينتهي إليه في معرفة حقائق الأشياء والكشف عن
خفيات العلوم. فأمَّا القول الذي نحن بصدده ونحوم حوله على مقدار فهمنا، وإنْ
سلم من الخلل والزلل لا يتعدى عن ضرب من الاحتمال، انتهى.
(وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)؛ لأن علوم القرآن ثلاثة: علم التوحيد،
وعلم الشرائع والأحكام، وعلم الأخبار والقصص. وهذه السورة مشتملة على
القسم الأول فكانت ثلثًا بهذا الاعتبار، وقيل في بيان وجهه غير ذلك. (وَ﴿قُلٌ يَأَيُها
١٠٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
اَلْكَفِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ)، قيل: السر في كون سورة الكافرون ربعًا، وسورة
الإخلاصِ ثلثًا، مع أن كلا منهما يسمى الإخلاص إن سورة الإخلاص اشتملت من
صفات الله ما لم تشتمل عليه الكافرون، وأيضًا فالتوحيد إثبات إلهية المعبود
وتقديسه ونفي إلهية ما سواه. وقد صرحت الإخلاص بالإثبات والتقديس ولوحت
إلى نفي عبادة غيره، والكافرون صرحت بالنفي ولوحت بالإثبات والتقديس،
فكان بين الرتبتين من التصريحتين والتلويحين ما بين الثلث والربع.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في فضائل القرآن واللفظ المذكور لحديث ابن عباس رواه
الترمذي، وكذا ابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم (ج١ ص ٥٦٦) وأبو الشيخ
والبيهقي في ((الشعب)) كلهم من رواية يمان بن المغيرة العنزي عن عطاء عن ابن
عباس. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه المناوي: فقال: ليس كذلك فإن
مداره على يمان، ويمان ضعيف. وقال الذهبي في ((تلخيصه)) بعد نقل تصحيح
الحاكم: بل يمان، ضعفوه. وقال الشوكاني بعد ذكر جروح الأئمة في يمان:
فالعجب من الحاكم حيث صحح حديثه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا
نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة، انتهى.
قلت: قال البخاري وأبو حاتم عن يمان: هذا هو منكر الحديث يروي المناكير
التي لا أصول لها فاستحق الترك. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو
زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وأمَّا ابن عدي فقال: لا أرى به بأسا كذا في
((تهذيب التهذيب)) و((الميزان)). وأمَّا حديث أنس فأخرجه الترمذي، وكذا ابن
مردويه والبيهقي من طريق الحسن بن سلم بن صالح العجلي عن ثابت البناني عنه
بلفظ: ((مَنْ قَرَأَ إِذَا زُلْزِلَتْ عُدِلَتْ لَهُ بِنِصْفِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ
عُدِلَتْ لَهُ بِرُبُعِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ عُدِلَتْ لَهُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ)) .
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن سلم،
انتهى. والحسن هذا مجهول. قال في (تهذيب التهذيب)): هو شيخ مجهول له
حديث واحد في فضل إذا زلزلت، رواه عن ثابت وعنه محمد بن موسى الحرشي
أخرجه الترمذي واستغربه وكذا فعله الحاكم أبوأحمد، انتهى. وفي الباب عن
أبي هريرة أخرجه ابن السني.
١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٧٧ - [٤٩] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَِّيِّ وَِّهِ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ
يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ اَلْعَلَيِم مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم، فَقَرَأَ
ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ((الْحَشْرِ) وَكُلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكِ يُصَلَّونَ
عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ
يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَ الدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢١٧٧ - قوله: (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ)، أي: يدخل في الصباح. (ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيم مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم) التكرار للإلحاح في الدعاء،
فإنه خبر لفظًا دعاء معنى، أو التثليث لمناسبة الآيات الثلاث حتى لا يمنع القاري
عن قراءتها والتدبر في معانيها والتخلق بأخلاق ما فيها .
(فَقَرَأَ)، قال القاري: أي: بعد التعوذ المذكور وبه يندفع أخذ الظاهرية بظاهر
قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. قال الطيبي: هذه الفاء مقابلة لما في
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ لأن الآية توجب تقديم القراءة على الاستعاذة
ظاهرًا، والحديث بخلافه فاقتضى ذلك أن يقال: فإذا أردت القراءة فاستعذ، ولا
يحسن هذا التأويل في الحديث، انتهى.
قلت: قوله: (فَقَرَأَ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة من ((المشكاة)) بالفاء،
والذي في ((جامع الترمذي)): ((وَقَرَأ))، بالواو وهكذا في ((جامع الأصول))
(ج٩ ص٣٥٦) و((تحفة الذاكرين)) (ص٦٠) نقلًا عن الترمذي، وكذا وقع عند أحمد
(ج٥ص٢٦) وابن السني (ص٢١٨).
(ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ)، أي: من قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوٌّ عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة فإنها مشتملة على الاسم الأعظم عند
(٢١٧٧) التِّرْمِذِي (٢٩٢٢) عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ .
١٠٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
كثيرين. (يُصَلَّونَ عَلَيْهِ)، أي: يدعون له بتوفيق الخير ودفع الشر أو يستغفرون له.
(وَمَنْ قَالَهَا)، أي: الكلمات المذكورة. (كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ)، أي: بالمرتبة
المسطورة والظاهر: أن هذا نقل بالمعنى اقتصارًا من بعض الرواة، وهذا لفظ
الترمذي، وللدارمي: (وَإِنْ قَالَها مَسَاءً فَمِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) في فضائل القرآن وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص٢٦)
وابن السني (ص٢١٨) كلهم من طريق خالد بن طهمان عن نافع بن أبي نافع عن
معقل بن يسار وخالد بن طهمان صدوق وكان قد خلط قبل موته بعشر سنين.
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة ووقع في
نسخ الترمذي الموجودة عندنا: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا
الوجه. وكذا نقله الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)). وقال: وأخرجه أيضًا الدارمي
وابن السني، قال النووي في ((الأذكار)): بإسناد فيه ضعف. وقال المنذري في
((الترغيب)): رواه الترمذي من رواية خالد بن طهمان وقال: حديث غريب وفي
بعض النسخ حسن غريب.
٢١٧٨ - [٥٠] وَعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ قَرَأَ كُلَّ بَوْمٍ مِائَتَيْ
مَرَّةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ مُحِيَّ عَنْهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَّةً إِلَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَتِهِ: (َخْسِينَ مَرَّةً)) وَلَمْ يَذْكُرْ: (إِلَّ
دَیْنٌ)).
أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ))] {ضَعِيفَ}
الشرح
٢١٧٨ - قوله: (مَنْ قَرَأَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَتَيْ مَرَّةٍ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، أي: إلى آخره أو
هذه السورة. (مُحِيَ عَنْهُ)، أي: عنَّ كتاب أعماله. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ)، قال
الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات)) ما محصله: إن لهذا الاستثناء
معنيين : أحدهما: أنَّ هذا الذنب، أي: الدين لا يمحى عنه ولا يغفر، وجعل الدين
(٢١٧٨) التِّرْ مِذِي (٢٨٩٨) فِيهِ عَنْ أَنَسٍ.
١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
Be
من جنس الذنوب تهويلا لأمره وتشديدًا. والثاني: إنه لا يمحى عنه ذنوبه إذا كان
عليه الدين ولا تؤثر قراءة هذه السورة في محوها، والله أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في فضائل القرآن عن محمد بن مرزوق البصري عن حاتم بن
ميمون أبي سهل عن ثابت البناني عن أنس، وأخرجه أيضًا محمد بن نصر من هذا
الطريق كما في ((اللآلئ)) (ج١ ص١٢٤). قال الترمذي: هذا حديث غريب. قلت:
حاتم بن ميمون ضعيف. قال البخاري: روى منكرًا كانوا يتقون مثل هؤلاء
المشائخ. وقال ابن حبان: منكر الحديث، على قلته يروي عن ثابت ما لا يشبه
حديثه، لا يجوز الاحتجاج به كذا في ((تهذيب التهذيب)). (وَالدَّارِمِيُّ) من طريق أم
كثير الأنصارية عن أنس وأخرجه أيضًا أبويعلى ومحمد بن نصر كما في ((اللآلي))
(ج١ ص١٢٤) وابن السني (ص٢٢١). (وَفِي رِوَايَتِهِ)، أي: الدارمي، وكذا في
رواية ابن السني. (خَمْسِينَ مَرَّةً)، أي: بدل. (مِثَتَيْ مَرَّةٍ)، قال القاري: وهي أظهر
في المناسبة بين الثواب والعمل المترتب عليه، ووجه الرواية الأولى مفوض إليه
حَ. (وَلَمْ يَذْكُرْ)، أي: الدارمي في روايته. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) للحديث طرق
وألفاظ عند ابن عدي وابن عساكر والإسماعيلي والخطيب وابن الضريس والبيهقي
والبزار وغيرهم ذكرها علي المتقي في ((الكنز)) والسيوطي في ((اللآلي)) وفي تعقباته
على ابن الجوزي وفي كلها مقال من شاء الوقوف عليها رجع إلى ((اللآلي)).
٢١٧٩ - [٥١] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَّه قال: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ،
فَنَامَ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَرَأَ مِائَةَ مَرَّةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
يَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: يَا عَبْدِيَ! ادْخُلْ عَلَى يَمِينِكَ الْجَنَّةَ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢١٧٩°- قوله: (فَنَامَ) عطف على ((أراد)) والفاء للتعقيب. (عَلَى يَمِيْنِهِ)، أي:
على وجه السنة. (ثُمَّ قَرَأَ مِائَةَ مَرَّةٍ)، ثم للتراخي في الرتبة. (إِذَا كَانَ)، كذا في
(٢١٧٩) التِّرْمِذِي (٢٨٩٨) عَنْ أَنَسٍ، وَهُوَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
١٠٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
جميع النسخ من ((المشكاة))، وكذا نقله الجزري في ((الحصن)) وفي الترمذي فإذا
كان. (يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ لَهُ الرَّبُّ) الشرط مع جزاءه الذي هو ((يقول)) جزاء للشرط
الأول الذي هو ((من))، ولم يعمل الشرط الثاني في جزائه أعني: ((يقول))؛ لأن
الشرط ماض فلم يعمل فيه إذا فلا يعمل في الجزاء كما في قول الشاعر:
وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لَا غَائِبٌّ مَالِي وَلَا حَرَمُ
(ادْخُلْ عَلَى يَمِينِكَ الْجَنَّةَ)، قال الطيبي: قوله: (عَلَى يَمِينِكَ) حال من فاعل
((ادخل)) فطابق هذا قوله: (فَنَامَ عَلَى يَمِينِهِ)، يعني: إذا أطعت رسولي واضطجعت
على يمينك، وقرأت السورة التي فيها صفاتي، فأنت اليوم من أصحاب اليمين
فاذهب من جانب يمينك إلى الجنة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، في فضائل القرآن بإسناد الحديث السابق، فهو ضعيف أيضًا
كالأول. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ)، كذا في أكثر النسخ من ((المشكاة))،
وفي بعضها حديث غريب كما في نسخ الترمذي الحاضرة، ويمكن أن يوجه ما في
أكثر نسخ المشكاة إن كان صوابًا بأنه حسنه لتعدد طرقه، فقد قال الترمذي بعد
ذلك: وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه أيضًا عن ثابت.
٢١٨٠ - [٥٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَِّيَّ وَلَ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)). قُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: ((الْجَنَّةُ)).
[ْرَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ]
الشرح
٢١٨٠ - قوله: (سَمِعَ رَجُلًا) لم يعرف اسمه. (يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، أي:
السورة بتمامها. (وَجَبَتْ)، أي: له. (قُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ)، أي: وما معنى قولك:
جزاء لقراءته وجبت، أو ما فاعل وجبت، وفي رواية مالك والحاكم فسألته ماذا يا
(٢١٨٠) التِّرْ مِذِي (٢٨٩٧) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٧١) فِي الصَّلَاةِ
وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
١٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول الله أي: ماذا أردت بقولك: ((وَجَبَتْ)).
(قَالَ: الْجَنَّةُ)، أي: بمقتضى وعد الله وفضله الذي لا يخلفه كما قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] قال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك تنبيه أبي
هريرة، ومن كان معه على كثرة فضل هذه السورة وكثرة الثواب لقاريها، وزاد في
رواية مالك قال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره، ثم فرقت أن
يفوتني الغداء مع رسول اللَّه ◌َ لَ فآثرت الغداء مع رسول اللَّه وَ ل ثم ذهبت إلى
الرجل فوجدته قد ذهب.
(رَوَاهُ مَالِك) في أواخر الصلاة عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن حنين
عن أبي هريرة قال: أقبلت مع رسول اللَّه وَلّفسمع رجلاً ... إلخ. (وَالتِّرْمِذِيُّ)
في فضائل القرآن. (وَالنَّسَائِيُّ) في عمل ((اليوم والليلة)) وأخرجه أيضًا ابن السني
(ص٢٢١) والحاكم (ج١ ص٥٦٦) كلهم من طريق مالك بن أنس. قال الحاكم:
حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس، يعني: وهو إمام حافظ فلا يضره
التفرد .
٢١٨١ - [٥٣] وَعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ، إِذَا أَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي، فَّقَالَ: ((اقْرَأْ ﴿قُلْ بَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ﴾،
فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ ]
الشرح
٢١٨١ - قوله: (وَعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ) الأشجعي الكوفي مختلف في صحبته،
والصواب: أنَّ الصحبة لأبيه وهو منَ الطبقة الواسطى من التابعين قاله في
((التقريب)). وقال في ((تهذيب التهذيب)): ذكره ابن حبان في ثقات التابعين قتل في
(٢١٨١) عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَبُو دَاوُد (٥٠٥٥) فِي الأدَبِ، والتِّرْ مِذِي (٣٤٠٣) فِي الدَّعَوَاتِ،
والنَّسَائي في الكبرى (١٠٦٣٨) فِي التَّفْسِيرِ.
١٠٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
خلافة معاوية سنة خمس وأربعين. (عَنْ أَبِيهِ) نوفل بن فروة الأشجعي صحابي نزل
الكوفة روى عنه بنوه فروة وعبد الرحمن وسحيم. (إِذَا أَوَيْتُ) بالقصر. (إِلَى
فِرَاشِي) بكسر الفاء، وهذا لفظ الترمذي، وفي رواية الدارمي وكذا أحمد وابن
السني والحاكم: عند منامي. (اقْرَأ)، أي: إذا أخذت مضجعك كما في رواية
الدارمي .
(﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾)، أي: إلى آخرها، زاد في رواية أبي داود وأحمد
والدارمي وابن السني: ((ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا»، (فَإِنَّهَا)، أي: هذه السورة. (بَرَاءَةٌ
مِنَ الشِّرْكِ)، أي: ومفيدة للتوحيد. قال الشوكاني: وإنما كانت براءة من الشرك
لما فيها من التبري من عبادة ما يعبده المشركون.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في فضائل القرآن. (وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الأدب. (وَالدَّارِمِيُّ)،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص٤٥٦) وابن حبان والحاكم (ج١ ص٥٦٥و
ج٢ ص ٥٣٨) وابن السني (ص ٢٢٠) كلهم من طريق أبي إسحاق عن فروة بن
نوفل عن أبيه. واختلف فيه على أبي إسحاق في وصله وإرساله، فروى بعض
أصحابه عنه عن فروة بن نوفل: أنه أتى النبي وَ لَّ، كما عند الترمذي وابن حبان
والنسائي، وروى بعضهم عنه عن فروة بن نوفل عن أبيه، أي: موصولًا.
قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): حديث نوفل في ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾
مختلف فيه مضطرب الإسناد لا يثبت، وتعقبه الحافظ في ((الإصابة)) فقال في
ترجمته: نوفل زعم ابن عبد البر بأنه حديث مضطرب وليس كما قال، بل الرواية
التي فيها عن أبيه أرجح وهي الموصولة رواته ثقات فلا يضره مخالفة من أرسله،
وشرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه في الاختلاف، وأمَّا إذا تفاوتت فالحكم
للراجح بلا خلاف. وقد أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي مالك الأشجعي عن
عبد الرحمن بن نوفل الأشجعي عن أبيه، انتهى. وقد ذكر الترمذي هذا الاختلاف
ثم رجح الرواية الموصولة حيث قال: هذا، أي: الموصول، يعني: بذكر عن أبيه
أشبه وأصح، وفي الباب أحاديث ذكرها الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) (ص٨٦)
والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠ ص١٢١).
١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٨٢ - [٥٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
وَلَ بَيْنَ الْجُحْفَةِ، وَالْأَبْوَاءِ، إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌّ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَّ رَسُولُ اللَّهِ
وَةِ، يَتَعَوَّذُ بِ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وَيَقُولُ: ((يَا عُقْبَةُ
تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوَّذٌ بِمِثْلِهِمَا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشرح
٢١٨٢ - قوله: (بَيْنَ الْجُحْفَةِ) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة قرية خربة
قريبة من البحر بينها وبين مكة خمس مراحل، أو ستة، وفي و((فاء الوفاء)): هي
قرية كانت كبيرة ذات منبر على نحو خمس مراحل وثلثي مرحلة من المدينة،
وعلى نحو أربع مراحل ونصف من مكة، وفي ((المحلى)): قرية جامعة على اثنين
وثمانين ميلًا من مكة، وكان اسمها مهيعة - كمرحلة وقيل: كمعيشة - فأجحف
السيل بأهلها فسميت الجحفة. قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون يثرب فوقع
بينهم وبين بني عبيل، وهم إخوة عاد حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا الجحفة،
وكان اسمها يومئذ مهيعة فجاءهم سيل واجتحفهم، أي: استأصلهم فسميت
الجحفة كذا في ((الفتح))، وهي التي دعا النبي بَّ بنقل حمى المدينة إليها فانتقلت
إليها فلا يمر بها أحد إلا حم وهي ميقات أهل الشام قديمًا ومصر والمغرب،
والموضع الذي يحرم المصريون الآن، رابغ بوزن فاعل، قريب من الجحفة.
قيل: بينها وبينه نحو ستة أميال.
(وَالْأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد كحلواء جبل بين مكة والمدينة
وعنده بلد ينسب إليه. وقيل: قرية من أعمال الفرع وبه توفيت أم النبي وَل بينها
وبين الجحفة عشرون أو ثلاثون ميلًا. قيل: سميت بذلك؛ لأن السيول تتبوؤها أي
تحلها. وقيل: لما كان فيها من الوباء وهي على القلب وإلا لقيل الوباء وارجع إلى
و((فاء الوفاء)) (ص١٠١٦، ١٠١٧ - ١١١٨، ١١١٩).
(٢١٨٢) النَّسَائِي (رقم: ٨٨) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامٍِ .
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
(فَجَعَلَ)، أي: طفق وشرع. (يَتَعَوَّذُ بِأَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، أي، الصبح. وقيل:
الخلق. وقيل: سجن أو واد أو جبُّ في جهنم. وقيل: الفلق كل ما انفلق، أي:
انشق عن شيء من الحيوان والصبح والحب والنوى، وكل شيء من نبات وغيره.
قيل: تفسيره بالصبح أولى؛ لأن مقصود العائذ من الاستعاذة أن يتغير حاله
بالخروج من الخوف إلى الأمن وبالتخلص عن وحشة الهم والحزن إلى الفرح
والسرور والصبح أدل على هذا لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنوار الصبح وتغير
وحشة الليل وثقله بسرور الصبح وخفته .
(وَأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، أي: بهاتين السورتين المشتملتين على ذلك. (فَمَا تَعَوَّذَ
مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا)، أي: بل هما أفضل التعاويذ، ومن ثم لما سحر عليه الصلاة
والسلام مكث مسحورًا سنة حتى أنزل الله عليه ملكين يعلمانه أنه يتعوذ بهما ففعل
فزال ما يجده من السحر. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة وفيه محمد بن إسحاق
وهو مدلس وقد عنعن.
٢١٨٣ - [٥٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرِ،
وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، فَأَدْرَ كْنَاهُ،َفَقَالَ: ((قُلْ))، قُلْتُ: مَا أَقُولَّ؟
قَالَ: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، حِينَ تُصْبِحُ وَحِينَ تُمْسِيَ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)).
[رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ]
الشرح
٢١٨٣- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ) بمعجمة وموحدتين مصغرًا
الجهني حليف الأنصار صحابي. (فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ)، وفي رواية: في ليلة مطيرة، أو
ذات مطر. (وَظُلْمَةٍ)، أي: وفي ظلمة. (نَطْلُبُّ رَسُولَ اللهِ وَله)، أي: ليصلي لنا
كما في رواية أبي داود والترمذي، وعند عبد الله بن أحمد والنسائي: قال : - أي:
عبد الله بن خبيب - أصابنا طشرٌّ وظلمة فانتظرنا رسول اللّه ◌َله ليصلي بنا،
(٢١٨٣) أَبُو دَاوُد (٥٠٨٢) فِي الأَدَبِ، وَالتِّرْمِذِي (٣٥٧٥) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي (٨/ ٢٥٠) فِي
الاسْتِعَاذَةِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ خُبْبٍ.
١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وللنسائي أيضًا: قال: كنت مع رسول اللَّه ◌َله في طريق مكة فأصبت خلوة من
رسول اللَّهُ وَ لَ فدنوت منه فقال: ((قُلْ)).
(فَأَدْرَ كْنَاهُ)، أي: لحقناه. (فَقَالَ: قُلْ)، أي: اقرأ. (قُلْتُ: مَا أَقُولُ؟)، أي: ما
أقرأ؟ (قَالَ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، محل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ نصب باقرأ مقدرًا
وقوله: (وَالْمَعَوِّذَتَينِ) بكسر الواو وتفتح عطف عليه، والمراد بهما: ﴿قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ السورتان. قال السندي: جملة (قُلْ هُوَ اللهُ
أَحَدٌ) أريد بها السورة المعهودة على أنها مفعول لفعل مقدر مثل قل: أي: قل هذه
السورة المصدرة ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ المعوذتين عطف عليها .
(حِينَ تُصْبِحُ) من الإصباح ظرف للفعل المقدر. (وَحِينَ تُمْسِي) من الإمساء.
(تَكْفِيكَ) بالتأنيث، أي: السور الثلاث. (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)، قال الطيبي: أي: تدفع
عنك كل سوء فـ((مِنْ)) زائدة في الإثبات على مذهب جماعة، وعلى مذهب الجمهور
أيضًا؛ لأن (تَكْفِيك) متضمنة للنفي كما يعلم من تفسيرها بتدفع. ويصح أن تكون
لابتداء الغاية، أي: تدفع عنك من أول مراتب السوء إلى آخرها، أو تبعيضية،
أي: بعض كل نوع من أنواع السوء، ويحتمل أن يكون المعنى تغنيك عمَّا سواها،
أي: مما يتعلق بالتعوذ من الأوراد. قلت: وقع في رواية النسائي: ((تَكْفِيكَ كُلَّ
شَيْءٍ))، أي: بحذف ((من)). وفي الحديث: دليل على أن تلاوة هذه السور عند
المساء وعند الصباح تكفي التالي من كل شيء يخشى منه كائنًا ما كان.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعواتِ. (وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الأدب. (وَالنَّسَائِيُّ) في
الاستعاذة وأخرجه أيضًا عبد الله بن أحمد في ((زياداته على المسند)) (ج٥ ص ٣٦٢)
كلهم من طريق أبي سعيد أسيد بن أبي أسيد البراد عن معاذ بن عبد الله عن أبيه،
وأخرجه البخاري في ((التاريخ)) والنسائي أيضًا من طريق زيد بن أسلم عن معاذ.
وأورده من وجهين عن معاذ بن عبد الله عن أبيه عن عقبة بن عامر وله عن عقبة طرق
أخرى عند النسائي وغيره مطولاً ومختصرًا.
قال الحافظ في ((الإصابة)) (ج٢ص٣٠٣): ولا يبعد أن يكون الحديث محفوظًا
من الوجهين، فإنه جاء أيضًا من حديث ابن عابس الجهني، ومن حديث جابر بن
عبد الله الأنصاري انتهى. والحديث صححه الترمذي ونقل المنذري في ((مختصر
السنن)) و((الترغيب)) تصحيح الترمذي وأقره.
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
axE
ee
١١٣
٢١٨٤ - [٥٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أقْرَأُ
سُورَةَ هُودٍ أَوْ سُورَةَ يُوسُفَ؟ قَالَ: ((لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ﴿قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢١٨٤- قوله: (أَقْرَأْ) بحذف همزة الاستفهام، أي: أأقرأ ويحتمل أن يقرأ
المرسوم بالمد فيفيد الاستفهام من غير حذف. (سُورَةَ هُودٍ أَوْ سُورَةَ يُوسُفَ)، أي:
أَقْرَأْ إحداهما؛ لدفع السوء عني وقوله: ((أَقْرَأ))، كذا في النسخ الحاضرة، وهكذا
هو في رواية الحاكم، لكن الذي عند أحمد والنسائي والدارمي: أقرئني سورة هود
وسورة يوسف. وكذا عند ابن حبان وابن السني، وهكذا نقله الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج٩ ص٣٧٠). (لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدِ اللهِ)، أي: أتم وأعظم في باب
التعوذ؛ لدفع السوء وغيره، وهذا لفظ النسائي وأحمد في رواية. وللدارمي وأحمد
في رواية أخرى: ((لَنْ تَقْرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةً أَحَبَّ إِلَى اللهِ وَلَا أَبْلَغَ عِنْدَهُ))، وكذا عند
ابن حبان والحاكم. (مِنْ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، أي: من هذه السورة.
وقال الطيبي: أي: من هاتين السورتين على طريقة قوله: (تَعَوَّذْ بِهِمَا ... )) إلخ.
وقال ابن الملك: والمراد: التحريض على التعوذ بهاتين السورتين، انتهى.
وكأنهما أرادا أن الحديث من باب الاكتفاء بإحدى القرينتين عن الأخرى، وليتفق
الحديثان ويطابقا ما في حديث مسلم في المعوذتين لم ير مثلهن.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص١٤٩، ١٥٥). (وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة. (وَالدَّارِمِيُّ)
وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه)) وابن السني (ص٢٢٢) والحاكم
(ج ٢ ص ٥٤٠)، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والحديث عزاه في ((الكنز))
للبيهقي والطبراني أيضًا.
(٢١٨٤) أخرجَهُ أحمدُ (١٤٩/٤ و١٥٥ و١٥٩)، والدَّارِمِي (٣٤٤٢)، والنَّسَائي (١٥٨/٢)(٨/
٢٥٤)، وقد صحَّحه ابنُ حِيان (١٧٧٦ .١٧٧٨)، والحاكمُ (٢/ ٥٤٠) ووافقه الذهبيُّ.
١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
:4
٢١٨٥ - [٥٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وسلم
((أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ، وَاتَّبِعُوا غَرَائِبَهُ، وَغَرَائِبُهُ فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ)) .
{ضعيف}
الشرح
٢١٨٥- قوله: (أَعْرِبُوا) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وكسر الراء.
(الْقُرْآنَ)، المراد بإعراب القرآن: معرفة معاني ألفاظه وتبيينها، وليس المراد:
الإعراب المصطلح عليه عند النحاة وهو ما يقابل اللحن. قال في ((اللمعات)): أي:
بينوا معانيه وأظهروها، والإعراب: الإبانة والإفصاح، وهذا يشترك فيه جميع من
يعرف لسان العرب، ثم ذكر ما يخص بأهل الشريعة من المسلمين بقوله: (وَاتَّبِعُوا
غَرَائِبَهُ) وفسر الغرائب بالفرائض من الأحكام الواجبة والحدود الشاملة لها
ولغيرها حتى السنن والآداب، وسماها غرائب لاختصاصها بأهل الدين أو؛ لأن
الإيمان غريب فأحكامه تكون غرائب، انتهى. وقيل المعنى: أعربوا القرآن، أي:
بينوا ما في القرآن من غرائب اللغة وبدائع الإعراب وقوله: (وَاتَّبِعُوا غَرَائِبَهُ) لم يرد
به غرائب اللغة؛ لئلا يلزم التكرار ولهذا فسره بقوله: (وَغَرَائِبُهُ فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ)،
والمراد بالفرائض: المأمورات وبالحدود المنهيات.
وقال الطيبي: يجوز أن يراد بالفرائض فرائض المواريث وبالحدود حدود
الأحكام، أو يراد بالفرائض: ما يجب على المكلف اتباعه وبالحدود ما يطلع به
على الأسرار الخفية والرموز الدقيقة. قال: وهذا التأويل قريب من معنى خبر:
((أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ... )) الحديث فقوله: ((أَعْرِبُوا
الْقُرْآنَ)) إشارة إلى ما ظهر منه وفرائضه وحدوده إلى ما بطن منه، انتهى.
وقال القاري: وحاصل المعنى: بينوا ما دلت عليه آياته من غرائب الأحكام
(٢١٨٥) البَيْهَقِي (٢٢٩٣) في الشُّعَب عن أبي هريرة.
١١٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
وبدائع الحكم وخوارق المعجزات، ومحاسن الآداب وأماكن المواعظ من الوعد
والوعيد، وما يترتب عليه من الترغيب والترهيب، أو بينوا إعراب مشكل ألفاظه
وعباراته ومحامل مجملاته ومكنونات إشاراته، وما يرتبط بتلك الإعرابات من
المعاني المختلفة باختلافها؛ لأن المعنى تبع للإعراب.
٢١٨٦ - [٥٨] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿ُّ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ
فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ
الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ ، وَالتَّسْبِيحُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ
أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ)).
{ضعيف}
الشرح
٢١٨٦ - قوله: (قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ) فرضًا كانت أو نفلًا. (أَفْضَلُ مِنْ
قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ)؛ لكونها منضمنة إلى عبادة أخرى؛ ولأن الصلاة
محل مناجاة الرب، وأفضل عبادات البدن الظاهرة، ولكون القراءة فيها بالحضور
أقرب وأحری.
(وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ)، أي: وإن كانا في
الصلاة، والمراد: التسبيح والتكبير وأمثالهما من سائر الأذكار؛ لكون القرآن كلام
اللَّه وفيه حكمه وأحكامه. وقيل؛ لأن التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل بعض
القرآن، ولذلك فضلوا القيام في الصلاة على الركوع والسجود من جهة أن القيام
فيها محل قراءة القرآن، وهذه الأفضلية إنما هي فيما لم يرد فيه ذكر بخصوصه،
أي: هذا الحكم إنما هو في غير الأوقات التي يطلب فيها التسبيح ونحوه، فهو
عقب الصلاة أفضل من قراءة القرآن، وأمَّا ذات القرآن، فهي أفضل من غيرها
مطلقًا والكلام إنما هو في الاشتغال.
(وَالتَّسْبِيحُ)، أي: ونحوه وترك التكبير اكتفاء. (أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ)، وقد اشتهر
(٢١٨٦) البَيْهَقِي (٢٢٤٣) في الشُّعَب عنها.
١١٦
GERE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أنَّ العبادة المتعدية أفضل من اللازمة، لكن ينبغي أن يخص هذا الحكم بما عدا
ذكر اللَّه فيستثنى الذكر منه قاله في ((اللمعات)). وقال القاري: قوله: (مِنَ
الصَّدَقَةِ)، أي: من الصدقة المالية المجردة عن الذكر؛ لأن المقصود من جميع
العبادات والخير ذكر الله.
(وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْم)، أي: صوم التطوع، قيل: أي: في بعض الأحيان
وإلا فصدقة بتمرة على غير مضطر لا تساوي صوم يوم لما يترتب عليه من المشقة.
وقيل؛ لأن الصدقة نفع متعد والصوم قاصر. وقال في ((اللمعات)): جعلها أفضل
منه من جهة أن الصوم إمساك المال عن نفسه، ثم إنفاقه عليها وفي الصدقة إنفاق
على الغير وجهة أفضلية الصوم المشار إليها بقوله مَ له: (كُلَّ عَمَلِ بَنِي آدَمَ يُضَاعفُ،
الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَّ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) باقية ولا شك أن اختلاف
الجهات يعتبر في أمثال هذه المسائل وإلى هذا أشار بقوله: (وَالصَّومُ جُنَّةٌ)،
انتھی .
وقال الطيبي: قيل: ما تقدم من أن ((كل عمل بني آدم يضاعف الحسنة بعشر
أمثالها ... )) الحديث: يدل على أن الصوم أفضل، ووجه الجمع أنه إذا نظر إلى نفس
العبادة كانت الصلاة أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم. وإذا نظر إلى
كل واحد منها وما يؤول إليه من الخاصة التي لم يشاركها غيره فيها كان الصوم
أفضل، انتهى.
(وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ)، أي: وقاية من النار، أي: مما يجر إليها في الدنيا ومن
عذاب الله في العقبى، وإذا كان هذا من فوائد الصوم للفضول فما بالك بالصدقة
التي هي أفضل منه.
١١٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
٢١٨٧ - [٥٩] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ أَوْسِ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: ((قِرَاءَةُ الرَّجُلِ الْقُرْآنَ فِي غَيّْرِ الْمُصْحَفِ أَلْفُ
دَرَجَةٍ، وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ تُضَعَّفُ عَلَّى ذَلِكَ إِلَى أَلْفَيْ دَرَجَةٍ)).
{ضعيف}
الشرح
٢١٨٧- قوله: (وَعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَوْسٍ) بن أبي أوس الثقفي
الطائفي. قال في ((التقريب)): مقبول من أوساط التابعين. وقال في تهذيب
التهذيب: ذكره ابن حبان في ((الثقات)). (عَنْ جَدِّهِ)، أي: أوس بن أبي أوس الثقفي
الصحابي، وهو غير أوس بن أوس الثقفي الصحابي الذي تقدم حديثه في الفصل
الثاني من باب الجمعة (ج٢ص ٢٨٠). قال في ((التقريب)): أوس بن أبي أوس
واسم أبي أوس حذيفة الثقفي صحابي وهو غير الذي قبله - يعني: أوس بن أوس -
على الصحيح.
وقال في (تهذيب التهذيب)) (ج٥ص٥٤١) و((الإصابة)) (ج١ ص٨٩): في ترجمة
أوس بن أوس الثقفي نقل عباس الدوري عن ابن معين أن أوس بن أوس الثقفي
وأوس بن أبي أوس واحد. وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك، وأن الصواب أنهما
اثنان وقد تبع ابن معين جماعة على ذلك منهم أَبُو دَاوُدَ، والتحقيق: أنهما اثنان،
ومن قال في أوس بن أوس، أوس بن أبي أوس أخطأ كما قيل في أوس بن أبي أوس
أوس بن أوس وهو خطأ. وأمَّا أوس بن أبي أوس فاسم والده حذيفة كما سيأتي.
وقال في (ج١ ص٨٢) من ((الإصابة)): أوس بن حذيفة بن ربيعة الثقفي هو أوس بن
أبي أوس وهو والد عمر بن أوس وجد عثمان بن عبد الله بن أوس. قال أحمد في
((مسنده)) (ج٤ ص٨) : أوس بن أبي أوس هو أوس بن حذيفة.
وقال البخاري في ((تاريخه)): (ج ١ ص١٦، ١٧) أوس بن حذيفة الثقفي والد
عمرو بن أوس، ويقال: أوس بن أبي أوس، ويقال: أوس بن أوس له صحبة،
(٢١٨٧) البَيْهَقِي (٢٢١٨) في الشُّعَب عنه.
١١٨
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وكذا قال ابن حبان في الصحابة. وقال أبونعيم في ((معرفة الصحابة)): اختلف
المتقدمون في أوس هذا، فمنهم من قال: أوس بن حذيفة، ومنهم من قال : أوس
ابن أبي أوس، وكنى أباه، ومنهم من قال: أوس بن أوس. وأمَّا أوس بن أوس
الثقفي - الذي تقدم حديثه في الجمعة - فروى عنه الشاميون. وقيل: فيه أوس بن
أبي أوس أيضًا، قال: وتوفي أوس بن حذيفة سنة تسع وخمسين، انتهى.
(قِرَاءَةُ الرَّجُلِ) المراد بالرجل: الشخص، فيشمل الأنثى والخنثى فهو وصف
طردي. (الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ)، أي: من حفظه. (أَلْفُ دَرَجَةٍ)، أي: ذات
ألف درجة. قال الطيبي: ألف درجة خبر لقوله: (قِرَاءَةُ الرَّجُلِ) على تقدير
مضاف، أي: ذات ألف درجة ليصح الحمل كما في قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجٌَ﴾،
أي: ذوو درجات. (تُضَعَّفُ) بتشديد العين، أي: تزاد، وفي ((الجامع الصغير))
و((مجمع الزوائد)): ((تُضَاعَفُ))، أي: تتضاعف في الثواب. (عَلَى ذَلِكَ)، أي:
على ما ذكر من القراءة في غير المصحف.
(إِلَى أَلْفَيْ دَرَجَةٍ)؛ لحظ النظر في المصحف وحمله ومسه. قيل: ومحل ذلك
إذا كانت قراءته في المصحف أخشع كما هو الغالب، فإن كان عن ظهر قلب أخشع
كان أفضل. قال النووي في ((الأذكار)): قال أصحابنا: قراءة القرآن في المصحف
أفضل من القراءة من حفظه، وهو المشهور عن السلف رؤيته، وهذا ليس على
إطلاقه بل إن كان القاري من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب
والبصر أكبر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل وإن استويا فمن
المصحف أفضل، أي؛ لأنه ضم إلى عبادة القراءة عبادة النظر في المصحف
فلاشتمال هذه على عبادتين كان أفضل.
قال: وهذا مراد السلف. وقيل: إن زاد خشوعه وتدبره وإخلاصه في أحدهما
فهو الأفضل وإلا فالنظر، ويدل كلام الطيبي على أن التمكن من التفكر والتدبر
واستنباط المعاني في صورة القراءة من المصحف أكثر. قال في ((اللمعات)): وفي
کلیته نظر.
١١٩
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
٢١٨٨ - [٦٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَِّا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلّهِ: ((إنَّ
هَذِهِ الْقُلُوبُ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ إِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
وَمَا جِلَاؤُهَا؟ قَالَ: ((كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ)).
[رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
الشرح
٢١٨٨- قوله: (تصدأ) بالهمز، أي: يعرض لها دنس ووسخ بتراكم
الغفلات وتزاحم الشهوات. (كَمَا يَصْدَأ)، أي: يتوسخ من صدى الحديد كسمع
وصدؤككرم علاه الصدأ، وهو مادة لونها يأخذ من الحمرة والشقرة تتكون على
وجه الحديد ونحوه بسبب رطوبة الهواء.
(وَمَا جِلَاؤُهَا؟) بكسر الجيم، أي: آلة جلاء صدأ القلوب من وسخ العيوب.
(كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ)، وهو الواعظ الصامت ويوافقه الحديث المشهور ((أکثر ذکر
هادم اللذات)) بالمهملة والمعجمة، أي: قاطعها أو مزيلها من أصلها. (وَتِلَاوَةُ
الْقُرْآنِ) بالرفع ويجوز جره وهو الواعظ الناطق فهما بلسان الحال وبيان القال
يبردان عن قلوب الرجال أوساخ محبة الغير من الجاه والمال.
(رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ ... ) إلخ. الحديث الأول، أي: حديث أبي
هريرة أخرجه الحاكم أيضًا (ج٢ ص٤٣٩) بلفظ: ((أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ وَالْتَمِسُوا
غَرَائِيَهُ))، وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري، ونسبه السيوطي في (الجامع
الصغير))، وعلى المتقي في ((كنز العمال)) لابن أبي شيبة أيضًا، ونسبه الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج٧ص ١٦٣) إلى أبي يعلى، وقال: فيه عبد الله بن سعيد بن أبي
سعيد المقبري وهو متروك. وقد ذكره الثلاثة بلفظ: ((الْتَمِسُوا غَرَائِبَهُ))، بدل قوله :
((اتَّبِعُوا غَرَائِبَهُ))، ورواه أيضًا البيهقي في ((الشعب)) والديلمي بأطول من هذا كما في
((الكنز)). وفي الباب عن ابن مسعود عند الطبراني في ((الأوسط)) ذكره الهيثمي،
(٢١٨٨) البَيْهَقِي (٢٠١٤) في الشُّعَب عنه.