Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١١٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْقُرْآنَ
كُلَّ عَامِ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنٍ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَام
عَشْرًا،ً فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُِّضَ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيحٌ}
الشرح
٢١١٩ - قوله: (كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّ) هو فعل لم يسم فاعله للعلم به،
أي: كان جبريل يعرض عليه. قال الحافظ: كذا لهم بضم أوله على البناء
للمجهول، وفي بعضها بفتح أوله بحذف الفاعل، فالمحذوف هو جبريل صرح به
في رواية الإسماعيلي، ولفظه: ((كان جبريل يعرض على النبي ◌َّ القرآن في كلِّ
رمضان))، ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم من أن النبي كان يعرض على جبريل؛
لأنه يحمل على أن كلَّ منهما كان يعرض على الآخر على سبيل المدارسة.
(الْقُرْآنَ)، أي: معظمه أو بعضه. (كُلَّ عَام مَرَّةً)، أي: ليالي رمضان من زمن
البعثة، أو من بعد فترة الوحي إلى رمضانَّ الذي توفي بعده. (فَعَرَضَ)، أي:
القرآن. (عَلَيْهِ)، أي: على النبي.
(مَرَّتَيْنِ)، في رواية إلا سماعيلي: ((عرضتين)). (فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ)، زاد في
رواية: ((فيه))، واختلف هل كانت العرضة الأخيرة بجميع الأحرف السبعة المأذون
في قراءتها أو بحرف واحد منها؟ وعلى الثاني فهل هو الحرف الذي جمع عليه
عثمان الناس أو غيره؟ وقد روى أحمد وابن أبي داود والطبري من طريق عبيدة
السلماني أنَّ الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة، ونحوه عند
الحاكم من حديث سمرة وإسناده حسن، وقد صححه هو ولفظه: ((عرض القرآن
على رسول اللّه وَ له عرضات))، ويقولون: إنَّ قراءتنا هي العرضة الأخيرة. وأخرج
أبو عبيد من طريق داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أما كان ينزل عليه في سائر السنة؟ قال: بلى،
ولكن جبريل كان يعارض النبي وّ في رمضان ما أنزل عليه فيحكم الله ما يشاء
(٢١١٩) الْبُخَارِي (٤٩٩٨)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٧٩٩٢)، وَابن مَاجَهْ (١٧٦٩) عَنْهُ فِيهِ.

٥٦١
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكافِ
وينسخ ما يشاء، فكان السر في عرضه مرتين في سنة الوفاة استقراره على ما كتب
في المصحف العثماني، والاقتصار عليه وترك ما عداه، ويحتمل أن يكون؛ لأنَّ
رمضان في السنة الأولى من نزول القرآن لم يقع فيه مدارسة؛ لوقوع ابتداء النزول
في رمضان، ثمَّ فتر الوحي، فوقعت المدارسة في السنة الأخيرة في رمضان
مرتين؛ ليستوي عدد السنين والعرض .
(وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَام عَشْرًا)، وفي رواية: ((يعتكف في كلٍّ رمضان عشرة
أيام))، وفي رواية النسائيّ: ((يعتكف العشر الأواخر من رمضان))، وهذا محمول
علىَّ الغالب؛ لأنه قد جاء أنه فاته سنة فقضى. (فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ) بكسر العين
والراء العقد الذي بعد العشر، أي: عشرين يومًا من رمضان، ويحتمل أن يكون
بفتحهما على التثنية، والمراد: العشر الأوسط والأخير؛ لأنَّ الظاهر من إطلاق
العشرين أنها متوالية، والعشر الأخير منها، فيلزم منه دخول العشر الأوسط فيها،
وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير، وإن كان هو فيه أفضل.
(فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ)، أي: توفي فيه، قيل: وجه التضعيف في العام الأخير من
الاعتكاف، أنه وَل علم بانقضاء أجله، فأراد أن يستكثر من أعمال الخير؛ ليبين
لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر؛ ليلقوا الله على خير أحوالهم.
وقيل: السبب فيه: أنَّ جبريل كان يعارضه بالقرآن في كلِّ رمضان مرة، فلما كان
العام الذي قبض فيه عارضه به مرتین؛ فلذلك اعتكف قدر ما کان یعتکف مرتین.
والحاصل: أنه فعل ذلك مناسبة لعرض القرآن مرتين، ولعلّه وقع كل عرض في
عشر.
وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون سبب ذلك، أنه لما ترك الاعتكاف في العشر
الأخير بسبب ما وقع من أزواجه واعتكف بدله عشرًا من شوال، اعتكف في العام
الذي يليه عشرين؛ ليتحقق قضاء العشر في رمضان، انتهى. قال الحافظ: وأقوى
من ذلك، أنه إنما اعتكف في ذلك العام عشرين؛ لأنه كان في العام الذي قبله
مسافرًا، ويدل لذلك ما أخرجه النسائي واللفظ له، وأَبُو دَاوُدَ وصححه ابن حبان
وغيره من حديث أَبيِّ بن كعب، أن النبي وَ ل وكان يعتكف العشر الأواخر من
رمضان فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام القابل اعتكف عشرين، ويحتمل
تعدد هذه القصة بتعدد السبب، فيكون مرة بسبب ترك الاعتكاف لعذر السفر،

٥٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومرة بسبب عرض القرآن مرتين، انتهى.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أي: بتمامه في فضائل القرآن وكذا النسائي في ((الكبرى))،
ورواه ابن ماجه في الصوم، وأخرج البخاري أيضًا وأَبُو دَاوُدَ والدارمي والبيهقي
في الصوم قصة الاعتكاف.
٢١٢٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى
إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الإِنْسَانِ.
الشرح
٢١٢٠ - قوله: (أَدْنَى) من الإدناء، أي: قرب. (إِليَّ) بتشديد الياء. (رَأْسَهُ)
بالنصب، يعني: أخرج إليَّ رأسه من المسجد، وأنا في حجرتي، ففي رواية
للبخاري أنَّها كانت ترجل النبي وَّ وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في
حجرتها يناولها رأسه، وفي رواية أحمد والنسائي: ((كان يأتيني وهو معتكف في
المسجد فيتكئ على باب حجرتي، فأغسل رأسه وسائره في المسجد)). (وَهُوَ فِي
الْمَسْجِدِ) حال مؤكده. (فَأَرَجِّلُهُ) من التَّرجيل بالجيم، وهو تسريح الشعر، أي:
استعمال المشط في الرأس وتنظيفه وتحسينه، أي: أصلح شعر رأسه بالمشط
وأنظفه وأحسنه، فهو من مجاز الحذف؛ لأنَّ الترجيل للشعر لا للرأس، أو من
إطلاق اسم المحل على الحال.
وفيه: دليل على استحباب تسريح شعر الرأس، وإذا لم يترك النبي ذلك في زمن
اعتكافه مع قصره واشتغاله بالعبادة ففي غيره أولى، وفيه: أنه يجوز للمعتكف
التنظيف والتطيب والغسل والحلق والتزين؛ إلحاقًا بالترجل. قال الخطابي في
الحديث من الفقه أنَّ ترجيل الشعر يجوز للمعتكف، وفي معناه: حلق الرأس
وتقليم الأظفار وتنظيف البدن من الشعث والدرن. وقال الحافظ: والجمهور على
(٢١٢٠) البُخَارِي (٢٠٢٩)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٦٨)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣٣٧٣)، وَابن مَاجَهْ (١٧٧٦)
عَنْهَا فِیهِ .

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكافِ
٥٦٣
أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد، وعن مالك تكره فيه الصنائع والحرف حتى
طلب العلم، انتهى. وفيه: أنَّ المعتكف إذا أخرج بعضه عن المسجد، كيده ورجله
ورأسه لم يبطل اعتكافه؛ لأنَّ إخراج البعض لا يجري مجرى الكل، وأن من حلف
أن لا يدخل دارًا أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعضه لا يحنث حتى يخرج رجليه
ويعتمد عليها، وفيه: أنَّ الاعتكاف لا يصحُّ في غير المسجد وإلا لكان يخرج منه
لترجيل الرأس، وفيه: أنَّ بدن الحائض طاهر إلا موضع الدم؛ إذ لو كان نجسًا لما
أمكنها رسول الله من ترجيل رأسه وغسله. وفيه: استخدام الزوجة في الغسل
والطبخ والخبز وغيرها برضاها.
قال النووي: وعلى هذا تظاهرت دلائل السنة وعمل السلف وإجماع الأمة.
وأمَّا بغير رضاها فلا يجوز؛ لأنَّ الواجب عليها تمكين زوجها من نفسها وملازمة
بيته فقط، انتهى. قال الولي العراقي في ((شرح التقريب)) (ج٤ ص١٧٦): وهذا
الذي ذكره إنما هو بطريق القياس؛ فإنه ليس منصوصًا، وشرط القياس مساواة
الفرع للأصل، وفي الفرع هنا زيادة مانعة من الإلحاق، وهي المشقة الحاصلة من
الغسل والطبخ ونحوهما، فلا يلزم من استخدامها في الأمر الخفيف احتمال ذلك
في الثقيل الشديد، ولسنا ننكر هذا الحكم فإنه متفق عليه، وإنما الكلام في
الاستدلال من الحديث، والله أعلم.
(وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ)، أي: بيته وهو معتكف. (إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسِانِ)، قال
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١ ص٣٢٤): حوائج الإنسان كثيرة، والمراد منها
هاهنا كل ما يضطر إليه مما لا يجوز له فعله في معتكفعه، انتهى. وفسرها الزهري
بالبول والغائط، وقد وقع الإجماع على استثنائهما واختلفوا في غيرهما من
الحاجات كالأكل والشرب وعيادة المريض وشهود الجنازة والجمعة، ويلتحق
بالبول والغائط والقيء والفصد والحجامة وغسل الجنابة لمن احتاج إلى ذلك. قال
الباجي: تريد عائشة لا يدخل بيته إلا لضرورة قضاء الحاجة، وأفعال النبي وَئيّ على
الوجوب، وهذا يقتضي أن المعتكف لا يدخل بيته إلا لضرورة حاجة الإنسان وما
يجري مجراه من طهارة الحدث وغسل الجنابة والجمعة مما تدعوا الضرورة إليه
ولا يُفْعَلُ في المسجد، ولا يدخله لأكل أو نوم ولا غيره من الأفعال التي يباح فعلها
في المسجد، انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص١٩١): إنّ المعتكف ليس له الخروج

٥٦٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من معتكفه إلّا لما لابد منه، ثم ذكر حديث عائشة هذا وحديثها الآتي في الفصل
الثاني بلفظ: السنة للمعتكف أنْ لا يخرج إلا لما لابد له منه، ثم قال: ولا خلاف
في أن له الخروج لما لا بد له منه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط
والبول؛ ولأنَّ هذا مما لابد منه ولا يمكن فعله في المسجد، قال: والمراد بحاجة
الإنسان: البول والغائط، كَتَّى بذلك عنهما؛ لأنَّ كلَّ إنسان يحتاج إلى فعلهما وفي
معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا
احتاج إليه، وإن بغته القيء فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لابد له منه
ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه، وكذلك له
الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه،
فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزم السعي إليها فله الخروج إليها ولا يبطل
اعتكافه، وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا يعتكف في غیر الجامع إذا كان اعتكافه یتخلله جمعة فإن نذر
اعتكافًا فخرج منه لصلاة الجمعة بطل اعتكافه، وعليه الاستئناف، ولنا أنه خرج
لواجب فلم يبطل اعتكافه كالمعتدة تخرج لقضاء العدة، وكالخارج لإنقاذ غريقٍ،
أو إطفاء حريقٍ، أو أداء شهادة تعينت عليه، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام على ذلك
في الفصل الثاني.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، وفي الصوم وفي اللباس،
ومسلم في الطهارة واللفظ له، إلا قوله: ((أَدْنَى)) فإنه للترمذي، والذي في ((صحيح
مسلم)): ((يدني))، أي: بلفظ المضارع، وكذا وقع عند مالك وأبي داود وابن
ماجه، والبيهقي (ج٤ ص٣١٥).

كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ الإِعْتِكَافِ
٥٦٥
٢١٢١ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َلِّ قَالَ: كُنْتُ
نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَّ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: «فَأَوْفٍ
بِنَذْرِكَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١٢١ - قوله: (أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌ََّ)، أي: بالجعرانه لما رجعوا من
حنين، كما في رواية البخاري في النذر، ويستفاد منه: الردُّ على من زعم أنَّ
اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصيام في الليل؛ لأنَّ غزوة حنين متأخرة عن
ذلك. (كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِليَّةِ) زاد مسلم: ((فلما أسلمت سألت)». وفيه: ردٌّ على
من زعم أنَّ المراد بالجاهلية: ما قبل فتح مكة وأنه إنما نذر في الإسلام، وأصرح
من ذلك ما أخرجه الدار قطني ثم البيهقي من طريق سعيد بن بشير عن عبيد الله
بلفظ: ((نذر عمر في الشِّرْكِ أنْ يعتكف)). (أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً)، استدل به على جواز
الاعتكاف بغير صوم؛ لأنَّ الليل ليس بوقت صوم، وقد أمره ◌َّل أن يفي بنذره على
الصفة التي أوجبها .
قال الحافظ: لو كان الصوم شرطاً لصحة الاعتكاف لأمره النبي وَلّ به،
وتعقب: بأنَّ في رواية للشيخين ((يومًّا)) بدل لَيْلَةً وقد جمع ابن حبان وغيره بين
الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ((ليلة)) أراد بيومها، ومن أطلق
((يومًا)) أراد بليلته، وأجاب ابن الجوزي عن رواية اليوم بجوابين: أحدهما: احتمال
أنْ يكون نذر نذرين، فيكون كل لفظ منهما حديثًا مستقلًا. والثاني: أنَّه ليس فيه
حجة؛ إذ لا ذكر للصوم فيه، انتهى. قيل: قد ورد الأمر بالصوم برواية الثقة، وهو
عبد الله بن بديل عند أبي داود والنسائي صريحًا بلفظ: أنَّ النبي ◌َّ قال له:
((اعْتَكِفْ وَصُمْ))، وابن بدیل، قال فيه ابن معين: مکيُّ صالح، وذكره ابن حبان
(٢١٢١) البُخَارِي (٢٠٣٢)، ومُسْلِم (٢٧ / ١٦٥٦)، وأَبُو دَاوُد (٣٣٢٥)، والتِّرْمِذِي (١٥٣٩)،
والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣٣٤٩)، وابن مَاجَهْ (٢١٢٩) عَنْهُ فِيهِ .

٥٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وابن شاهين في ((الثقات))، وزيادة الثقة مقبولة، ومن لم يذكر الشئ ليس بحجة
على من ذكره، كذا قال ابن التركماني.
قلت: هذه الرواية أخرجها أَبُو دَاوُدَ والنسائي والدار قطني (ص ٢٤٧) والبيهقي
(ج٤ ص٣١٦) والحاكم (ج١ ص٤٣٩) كلهم من طريق عبد الله بن بديل بن ورقاء
المكي الخزاعي. قال الحافظ: وهو ضعيف، وذكر ابن عدي والدار قطني أنه تفرد
بذلك عن عمرو بن دينار، انتهى. قلت: قال الدار قطني: تفرَّد به عبد الله بن بدیل
الخزاعي عن عمرو، وهو ضعيف الحديث، وقال: سمعت أبا بكر النيسابوري
يقول: هذا حديث منكر؛ لأنَّ الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروا فيه الصوم،
منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم، وابن بديل
ضعیف الحدیث، انتھی.
وقال ابن عدي: له أحاديث تنكر عليه فيها زيادة في المتن أو في الإسناد ثم يروي
له هذا الحديث، وقال: لا أعلم ذكر فيه الصوم مع الاعتكاف إلا من روايته،
انتهى. وقال في ((التقريب)) في ترجمته: صدوق يخطئ، انتهى. فالظاهر: أنَّ زيادة
الأمر بالصوم في روايته من خطئه. قال الحافظ: ورواية من روى ((يومًا)) شاذة.
وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عند البخاري في
الاعتكاف: ((فاعتكف ليلة))، فدلَّ على أنه لم يزد على نذره شيئًا وأنَّ الاعتكاف لا
صوم فيه، وأنه لا يشترط له حد معين. قال: وباشتراط الصيام قال ابن عمر وابن
عباس، أخرجه عبد الرزاق عنهما بإسناد صحيح، وعن عائشة نحوه، وبه قال مالك
والأوزاعي والحنفية. واختلف عن أحمد وإسحاق، انتهى.
وقال القسطلاني: هذا - أي: عدم اشتراط الصوم - مذهب الشافعية
والحنابلة، وعن أحمد أيضًا لا يصحُّ إلا بصوم، والأول هو الصحيح عندهم،
وعليه أصحابهم، وقالت المالكية والحنفية: لا يصحُّ إلا بصوم، انتهى. قلت:
ذهبت الشافعية إلى عدم اشتراط الصوم مطلقًا، سواءً كان الاعتكاف واجبًا أو نفاًا،
وهو مذهب الحنابلة إلا أن يكون نذر الاعتكاف بصوم، فيجب حينئذٍ بالنذر لا
بالاعتكاف. قال الخرقي: ويجوز بلا صوم إلا أن يقول في نذره: بصوم. قال ابن
قدامة: المشهور في المذهب أن الاعتكاف يصحُّ بغير صوم، روي ذلك عن علي

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكَافِ
٥٦٧
وابن مسعود وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاوس
والشافعي وإسحاق، وعن أحمد رواية أخرى إن الصوم شرط في الاعتكاف، قال:
إذا اعتكف يجب عليه الصوم، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وبه
قال الزهري ومالك وأبو حنيفة والليث والثوري والحسن بن حي، انتهى.
قلت: وذهبت المالكية إلى اشتراط الصوم مطلقًا سواءً كان الاعتكاف مندوبًا أو
واجبًا، فالكل عندهم سواء في ذلك، وعند الحنفية فيه تفصيل. قَالَ الشُّمُنِّي:
الصوم شرطٌ لصحة الاعتكاف الواجب روايةٌ واحدة، ولصحة التطوع - أي:
المندوب - رواية الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنَّ التطوع في روايته مقدر بيوم، وأمَّا
في رواية الأصل وهو قول محمد بل قيل: إنه ظاهر الرواية عن الفقهاء الثلاثة فليس
بشرط - بناءً على أن التطوع غير مقدر بيوم في رواية الأصل - لأن مبنى النفل على
المساهلة، انتهى. وهذا هو المرجح عندهم. وأمَّا القسم الثالث من الاعتكاف
وهو المسنون المؤكد، فالمتون ساكتة عن بيان حكمه، ومال ابن عابدين إلى
اشتراط الصوم فيه قال: لأنه مقدر بالعشر الأخير حتَّى لو اعتكفه بلا صوم لمرضٍ أو
سفرٍ ينبغي أن لا يصح عنه، بل يكون نفلاً فلا تحصل به إقامة سنة الكفاية، ورجح
ابن نجيم في ((البحر)) عدم اشتراط الصوم في هذا القسم، قلت: واحتج من ذهب
إلى اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف مطلقًا بأنه وَ لّ لم يعتكف إلا بصوم وفيه نظر
لما صح عن عائشة أنَّ النبي ◌َلّ اعتكف في العشر الأول من شوال ومن جملتها يوم
الفطر .
قال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأنَّ أول شوال هو
يوم الفطر وصومه حرام، وأجاب العيني عن ذلك: بأنه ليس فيه دليل لما قاله؛ لأنَّ
المراد من قوله: اعتكف في العشر الأول، أي: كان ابتداؤه في العشر الأول فإذا
اعتكف من اليوم الثاني من شوال يصدق عليه أنه ابتدأ في العشر الأول، واليوم
الأول منه يوم أكلٍ وشربٍ وبعال كما ورد في الحديث، والاعتكاف هو التخلِّي
للعبادة، فلا يكون اليوم الأول محلًّا له بالحديث.
وقال ابن التركماني: من اعتكف الأيام التسعة من شوال يصدق عليه أنه اعتكف
في العشر، وفي ((الصحيحين)) أنه ◌ُالَّا: كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان

٥٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
ولم يكن يستغرق العشر كلها، انتهى. ولا يخفى ما في كلامهما من التكلف
وارتكاب المجاز. واحتجُّوا أيضًا لذلك بحديث عائشة، آخر أحاديث الفصل
الثاني، وسيأتي الجواب عنه هناك. واحتجَّ بعض المالكية لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ
أَتِّقُواْ الْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال: فذكر
الاعتكاف عقب الصوم. وتعقب: بأنه ليس فيه ما يدل على تلازمهما وإلا لزم أن لا
صوم إلا بالاعتكاف ولا قائل به، كذا. قال الحافظ وتبعه الشوكاني ورُدَّ ذلك:
بأنهم لم يدعوا التلازم بل مفاد كلامهم ملزومية الاعتكاف للصائم؛ واللازم إذا
كان أعم كالصوم هنا ينفرد عن الملزوم، أي: يوجد بدونه فسقط قوله، وإلّا لزم أنْ
لا صوم إلا باعتکاف بخلاف الملزوم الذي هو الاعتكاف، لا يوجد إلا بلازمه وهو
الصوم. وفيه: أنَّ مجرد ذكر الاعتكاف مع الصوم أو خطاب الصائمين في قوله:
﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ﴾ لا يدل على أن الصوم لازم للاعتكاف وأن الاعتكاف لا يصح بغير
صوم، فعدم اشتراط الصوم هو الحق، لا ، كما قال ابن القيم: إنَّ الرَّاجح الذي
عليه جمهور السلف: إن الصوم شرط في الاعتكاف. وقد روي عن علي وابن
مسعود أنَّه ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه، ويدل على ذلك
حديث ابن عباس، أن النبي وَ لّ قال: ((لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى
نَفْسِهِ)) رواه الدار قطني، وقال: رفعه أبو بكر السوسى وغيره لا يرفعه، وأخرجه
الحاكم مرفوعًا، وقال: صحيح الإسناد.
وفي الحديث: ردٌّ على من قال: أقل الاعتكاف عشرة أيام أو أكثر من يوم. قال
الحافظ: اتفقوا على أنه لا حَدَّ لأكثره واختلفوا في أقلُّه فمن شرط فيه الصيام قال:
أقله يوم، ومنهم من قال: يصحُّ مع شرط الصيام في دون اليوم حكاه ابن قدامة
(ج ٣ ص ١٨٧). وعن مالك: يشترط عشرة أيام، وعنه يوم أو يومان ومن لم يشترط
الصوم، قالوا: أقله ما يطلق عليه اسم لبث، ولا يشترط القعود. وقيل: يكفي
المرور مع النية كوقوع عرفة، وروى عبد الرزاق عن يعلى بن أمية الصحابي، إني
لأمكث في المسجد الساعة، ومَا أمكث إلا لأعتكف، انتهى.
وقال العيني: أقل الاعتكاف نفلًا يوم عند أبي حنيفة، وبه قال مالك، وعند أبي
يوسف: أكثر اليوم، وعند محمد ساعة، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية،
وحكى أبو بكر الرازي عن مالك: أنَّ مدة الاعتكاف عشرة أيام فيلزم بالشروع ذلك

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكَافِ
٥٦٩
وفي الجلاب أقله يوم والاختيار عشرة أيام، وفي ((الإكمال)): استحب مالك أن
يكون أكثره عشرة أيام، وهذا يرد نقل الرازي عنه، انتهى. وقال في ((الدر
المختار)): وأقله نفلا ساعة من ليل أو نهارٍ عند محمد، وهو ظاهر الرواية عن
الإمام لبناء النفل على المسامحة وبه يفتي، والساعة في عرف الفقهاء جزء من
الزمان لا جزء من أربعة وعشرين كما يقوله المنجمون، انتهى.
(فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام)، أي: حول الكعبة، ففي رواية عمرو بن دينار: ((عند
الكعبة))، ولم يكن في عهده ◌َّليّله ولا أبي بكر جدار بل الدور حول البيت وبينها
أبواب لدخول الناس، فوسعه عمر رَوَّهُ بدور اشتراها وهدمها، واتخذ للمسجد
جدارًا قصيرًا دون القامة، ثمَّ تتابع الناس على عمارته وتوسيعه. (قَالَ) وََّ (فَأَوْفٍ
بِنَذْرِلَكَ)، قال الشوكاني: في حديث عمر دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من
الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي وعند الجمهور لا
ينعقد نذر الكافر، وحديث عمر حجة عليهم. وقد أجابوا عنه بأنَّ النبي ◌َّ لما
عرف بأن عمر قد تبرع بفعل ذلك أذن له به؛ لأنَّ الاعتكاف طاعة، ولا يخفى ما في
هذا الجواب من المخالفة للصواب. وأجاب بعضهم: بأنه وقّ أمره بالوفاء؛
استحبابًا لا وجوبًا، ويرد بأنَّ هذا الجواب لا يصلح لمن ادعى عدم الانعقاد،
انتھی .
وقال السندي: لا مانع من القول بأن نذر الكافر ينعقد موقوفًا على إسلامه، فإن
أسلم لزمه الوفاء به في الخير والكفر، وإن كان يمنع عن انعقاده منجزًا لكن لا نسلم
أن يمنع عنه موقوفًا، وحديث: ((الإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الخَطَايَا)) لا ينافيه؛ لأنه
في الخطايا لا في النذور وليس النذر منها، انتهى. وقال القسطلاني: وعند
الحنابلة يصح نذر الكافر، وعبارة المرداوي في ((تنقيح المقنع)): النذر مكروه،
وهو إِلْزَامُ مكلفٍ مختارٍ ولو كافرًا بِعِبَادَةٍ نَصَّا نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الاعتكاف والخمس والمغازي والنذور ومسلم
في النذور وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٣٧ وج٢ ص ١٠ - ٢٠ - ٣٥ - ٨٢)
وأخرجه مالك في الصيام والترمذي وأَبُو دَاوُدَ و النسائي في النذور وابن ماجه في
الصيام وفي الكفارات والبيهقي في الصيام.

٥٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثاني
٢١٢٢ - [٦] عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ
مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامَّاً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢١٢٢ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)، أي:
يديم على الاعتكاف فيها. (فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا)، أي: لعذر السفر، يدل عليه رواية
البيهقي بلفظ: كان رسول اللَّه ◌َلّل إذا كان مقيمًا اعتكف العشر الأواخر، وإذا سافر
اعتكف العام المقبل عشرين يومًا، ويدل عليه أيضًا حديث أبي بن كعب الذي أشار
إليه المصنف كما سيأتي.
(فَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ) اسم فاعل، من الإقبال. (اعْتَكَفَ عِشْرِينَ) بكسر العين
والراء. وقيل: بفتحهما على التثنية. قال في ((اللمعات)): أي: اهتمامًا ودلالة على
التأكيد، لا لأنَّ ما فات من النوافل المؤقتة يقضى، انتهى. وقال الطيبي: دل
الحديث على أن النوافل المؤقتة تُقضى إذا فاتت كما تُقضى الفرائض، انتهى. قال
القاري: والظاهر: أنَّ التشبيه لمجرد القضاء بعد الفوت وإلا فقضاء الفرائض فرض
وقضاء النوافل نفل، انتهى. قلت: في الحديث دليل على أنَّ من اعتاد اعتكاف أيام
ثُمَّ لم يمكنه أن يعتكفها أنه يستحب له قضاؤها فكان قضاؤه وَّ له على طريق
الاستحباب، وقد بوب الترمذي على هذا الحديث باب ما جاء في الاعتكاف إذا
خرج منه .
قيل: وجه المناسبة بالترجمة، أنه ◌ّليل لما قضى الاعتكاف لمجرد النية، وكان
لم يشرع فيه بعد فقضائه بعد الشروع أولى بالثبوت، انتهى. قال الترمذي بعد
(٢١٢٢) أَبُو دَاوُد (٢٤٦٣ و٢٤٦٦)، وابن مَاجَهْ (١٧٧٠ و١٧٦٩)، والَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٣٣٤٤)،
والتِّرْمِذِي (٨٠٣).

٥٧١
كِتَّابُ الصَّؤْم
بَابُ الإِعْتِكافِ
إخراج هذا الحديث: واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه
على ما نوى. فقال بعض أهل العلم: إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء،
واحتجُّوا بالحديث أنَّ النبي مَل# خرج من اعتكافه فاعتكف عشرًا من شوال، وهو
قول مالك، وبه قال الحنفية.
وقال بعضهم: إن لم يكن نذر اعتكافًا أو شيئًا أوجبه على نفسه، وكان متطوعًا
فخرج، فليس عليه شيء أن يقضي إلا أن يحب ذلك اختيارًا منه، ولا يجب ذلك
عليه وهو قول الشافعي، وبه قال أحمد كما سيأتي. قال الشافعي: وكل عمل لك
أن لا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه فخرجت منه، فليس عليك أن تقضي إلا الحج
والعمرة، انتهى. قلت: أراد الترمذي بالحديث الذي أشار إليه في قوله: واحتجُّوا
بالحديث ... إلخ، حديث الأخبية، وقد تقدم لفظه في شرح الحديث الأول من
هذا الباب وفيه رواية للبخاري: ((فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرًا من
شوال)). وأمّا لفظ: ((خرج من اعتكافه))، فلم أجده في الكتب الستة ولا ذكره
الجزري في جامع الأصول ولم أقف على من أخرج الحديث بهذا اللفظ.
قال ابن قدامة: (ج٣ص١٨٤): وإن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها
فله إتمامها وله الخروج منها متى شاء، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: تلزمه
بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه لزمه قضاؤه. قال ابن عبد البر: وإن لم يدخل فيه
فالقضاء مستحب، ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بحديث
الأخبية. قال ابن قدامة: الحديث حجة عليه لا له، فإن النبي ◌ُّ ل ﴾ ترك اعتكافه، ولو
کان واجبًا لما تركه، وأزواجه تر کن الاعتكاف بعد نیته وضرب أخبیتهن له، ولم
يوجد عذر يمنع فعل الواجب ولا أمرن بالقضاء، وقضاء النبي وَلّه لم يكن واجبًا
عليه، وإنما فعله تطوعًا؛ لأنه كان إذا عمل عملًا أثبته، وكان فعله لقضائه كفعله
لأدائه على سبيل التطوع به، لا على سبيل الإيجاد، كما قضى السنة التي فاتته بعد
الظهر وقبل الفجر فتركه له دليل على عدم الوجوب لتحريم ترك الواجب، وفعله
للقضاء لا يدل على الوجوب؛ لأن قضاء السنن مشروع. فإن قيل: إنما جاز تركه
ولم يؤمر من تركه من النساء بقضائه لتركهن إياه قبل الشروع، قلنا: فقد سقط
الاحتجاج لاتفاقنا على أنه لا يلزم قبل شروعه فيه، فلم يكن القضاء دليلًا على

٥٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الوجوب مع الاتفاق على انتفائه، قال: وليس في ترك الاعتكاف بعد الشروع فيه
عمل يبطل فإن ما مضى من اعتكافه لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل، انتهى
مختصرًا .
وقال الحافظ تحت حديث الأخبية: فيه: جواز الخروج من الاعتكاف بعد
الدخول فيه، وأنَّه لا يلزم بالنية ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات،
خلافًا لمن قال باللزوم، وفيه: أنَّ أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة
الصبح - لما وقع في رواية للبخاري: ((فإذا صلى الغداة حل مكانه الذي اعتكف
فيه)) - وهو قول الأوزاعي والليث والثوري.
وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على
أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد
صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول
فيها، وأجاب عن هذا الحديث: بأنه ◌َّ لم يدخل المعتكف ولا شرع في
الاعتكاف، وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد
الأمرين: إمّا أن يكون شرع في الاعتكاف، فيدخل على جواز الخروج منه، وإمّا
أن لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح، قال: وفيه: أنَّ
الاعتكاف لا يجب بالنية. وأمَّا قضاؤه ◌َّلّ فعلى طريق الاستحباب؛ لأنه كان إذا
عمل عملاً أثبته، ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال، انتهى.
قال بعض الحنفية بعد ذكر الإشكال المذكور: إنَّ الحنفية صرَّحوا بأن من شرع
في الاعتكاف النفل ثم تركه لا يلزم قضاؤه، لأنه لا يشترط له الصوم على الظاهر
من المذهب، انتهى. وفيه: أن البحث هاهنا إنما هو في الاعتكاف في العشر
الأخير من رمضان وهي سنة مؤكدة، والصوم شرط فيه عندهم، فيلزم قضاؤه إذا
خرج منه، ولا يجوز الخروج منه بعد الشروع فيه، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك
في شرح الحديث الذي يليه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم (ج ١ ص٤٣٩) والبيهقي
(ج ٤ ص٣١٤) وصححه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين
ووافقه الذهبي .

كِتَابُ الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكافِ
٥٧٣
٢١٢٣ - [٧] وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبَيِّ بْنِ کَعْبٍ.
الشرح
٢١٢٣ - قوله: (وَرَوَى) وفي بعض النسخ: و((رواه)). (أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ)
وكذا أحمد (ج٥ص١٤١) والحاكم (ج١ ص٤٣٩) والبيهقي (ج٤ ص٤١٣)
والنسائي وابن حبان وغيرهم. (عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أن النبي ◌َّكان يعتكف العشر
الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف، فلمَّا كان من العام المقبل اعتكف
عشرين يومًا. لفظ ابن ماجه.
قال السنديُّ: قوله: ((فسافر عامًا))، الظاهر: أنه عام الفتح، وكان ◌َّلر يهتم بأمر
الاعتكاف، فيقضي إن فاته. وقال الخطابي: فيه من الفقه: أنَّ النوافل المعتادة
تُقضى إذا فاتت كما تُقُضى الفرائض، ومن هذا قضاء رسول اللّه وَ ل بعد العصر
الركعتين اللتين فاتتاه؛ لقدوم الوفد عليه واشتغاله بهم، انتهى. والحديث سكت
عليه أَبُو دَاوُدَ والمنذري وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي.
٢١٢٤ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ رِه ◌َا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ بِ إِذَا أَرَادَ أَنْ
يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَ ابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢١٢٤ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ
فِي مُعْتَكَفِهِ)، هذا لفظ الترمذي، ولمسلم وأبي داود: ((ثم دخل معتكفه))، أي:
(٢١٢٣) رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١٧٧٠).
(٢١٢٤) البخاري (٢٠٣٣)، ومُسْلِم (١١٧٣)، وأَبُو دَاوُد (٢٤٦٤)، والتِّرْ مِذِي (٧٩١)، وابن مَاجَهْ
(١٧٧١)، والنَّسَائِي (٢/ ٤٤) عَنْ عَائِشَةَ فِيهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يذْكُرَهُ فِي الأَوَّلِ.

٥٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بحذف لفظة ((في)) ولابن ماجه: ((ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فیه))،
وللبخاري: ((فإذا صلَّى الغداة حلَّ مكانه الذي اعتكف فيه))، وقوله: (مُعْتَكَفِهِ))
بصيغة المفعول، أي: مكان اعتكافه وقوله: ((دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ))، أي: انقطع فيه
وتخلَّی بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء اعتكافه، بل كان يعتكف
من الغروب ليلة الحادي والعشرين، وإلّا لما كان معتكفًا العشر بتمامه الذي ورد
في عدة أخبار أنه كان يعتكف العشر بتمامه، وهذا هو المعتبر عند الجمهور لمريد
اعتكاف عشر أو شهر، وبه قال الأئمة الأربعة، ذكره الحافظ العراقي، كذا في
((شرح الجامع الصغير)) للمناوي.
قلت: تأول الجمهور حديث عائشة هذا كما تقدم على أنَّه دخل المسجد بنية
الاعتكاف من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد
صلاة الصبح، فكان يطلع الفجر وهو رَّ في المسجد، ومن بعد صلاة الفجر يخلو
بنفسه في المحل الذي أعده لاعتكافه. قال أبو الطيب السندي في ((شرح الترمذي)):
وإنما جنح الجمهور إلى التأويل المذكور للعمل بالحديثين الأول: ما روى
البخاري عن عائشة قالت: كان النبي ◌ُّمِ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان.
والثاني: ما رواه عن أبي هريرة قال: ((كان النبي ◌َّ يعتكف في كلِّ رمضان عشرة
أيام ... )) الحديث. فاستفيد من الحديث الأول عشر ليال، ومن الآخر عشرة أيام
فأولوا بما تقدم جمعًا بين الحدیثین، انتهى.
وقال أبو الحسن السندي في حاشية ابن ماجه: ظاهر الحديث: أنَّ المعتكف
يشرع في الاعتكاف بعد صلاة الصبح، ومذهب الجمهور: أنه يشرع من ليلة
الحادي والعشرين، وقد أخذ بظاهر الحديث قوم إلا أنهم حملوه على أنه يشرع من
صبح الحادي والعشرين فرد عليه الجمهور، بأنَّ المعلوم أنَّه كان يعتكف العشر
الأواخر، ويحث الصحابة عليه وعدد العشر عدد الليالي، فتدخل فيه الليلة الأولى
وإلا لا يتم هذا العدد أصلاً، وأيضًا من أعظم ما يطلب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر
وهي قد تكون ليلة الحادي والعشرين، كما جاء في حديث أبي داود، فينبغي له أن
يكون معتكفًا فيها، لا أن يعتكف بعدها.
وأجاب النووي عن الجمهور بتأويل الحديث: أنَّه دخل معتكفه وانقطع فيه
وتخلَّى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أنَّ ذلك وقت ابتداء الاعتكاف بل كان قبل

٥٧٥
كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابُ الإِعْتِكافِ
المغرب معتكفًّا لابثًّا في جملة المسجد، فلمَّا أصبح انفرد، انتهى. ولا يخفى أن
قولها: ((كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ)» يفيد أنه كان يدخل المعتكف حين يريد الاعتكاف
لا أنه يدخل في الشروع في الاعتكاف في الليل، وأيضًا المتبادر من لفظ الحديث
أنَّه بيان لكيفية الشروع، ثمَّ لازم هذا التأويل أن يقال: السُّنَّة للمعتكف أن يلبث أول
ليلة في المسجد ولا يدخل في المعتكف. وإنما يدخل فيه من الصبح وإلا يلزم ترك
العمل بالحديث، وعند تركه لا حاجة إلى التَّأويل والجمهور لا يقول بهذه السنة
فيلزم عليهم ترك العمل بالحديث.
وأجاب القاضي أبو يعلى من الحنابلة بحمل الحديث على أنه كان يفعل ذلك في
يوم العشرين ليستظهروا ببياض يوم زيادة قبل العشر. قلت - قائله السندي: وهذا
الجواب هو الذي يفيده النظر في أحاديث الباب فهو أولى، وبالاعتماد أحرى، بقي
أنه يلزم منه أن تكون السنة الشروع في الاعتكاف من صبح العشرين، استظهارًا
باليوم الأول، ولا بعد في التزامه، وكلام الجمهور لا ينافيه فإنهم ما تعرضوا له لا
إثباتًا ولا نفيًّا. وإنما تعرضوا لدخوله ليلة الحادي والعشرين وهو حاصل، غاية
الأمر: أن قواعدهم تقتضي أن يكون هذا الأمر سنة عندهم، فلنقل وعدم التعرض
ليس دليلاً على العدم، ومثل هذا الإيراد يرد على جواب النووي مع ظهور مخالفة
الحدیث، انتھی.
كلام السندي: اعلم أنَّ القول بدخول المسجد قبيل غروب الشمس لمريد
الاعتكاف عشر أو شهر هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقد حكي عنه رواية
أخرى أنه يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر في اعتكاف التطوع، وقبل طلوع الفجر
في اعتكاف النذر. قال الخرقي: من نذر أن يعتكف شهرًا بعينه دخل المسجد قبل
غروب الشمس. قال ابن قدامة: وهذا قول مالك والشافعي، وحكى ابن أبي
موسى عن أحمد رواية أخرى أنه يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله وهو قول
الليث وزفر؛ لأنَّ النبي ◌َ ل ( كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح، ثم دخل معتكفه،
ولنا أنه نذر الشهر وأوله غروب الشمس، ووجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي
جميع الشهر؛ فإنه لا يمكن إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأما
الحديث فقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به، على أن الخبر إنما في
التطوع، فمتى شاء دخل، وفي مسألتنا نذر شهرًا فيلزمه اعتكاف شهر كامل، ولا

٥٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يحصل إلا أن يدخل فيه قبل غروب الشمس من أوله، ويخرج بعد غروبها من آخره
فأشبه ما لو نذر اعتكاف يوم، فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره، ويخرج بعد
غروب شمسه .
قال ابن قدامة: وإن أحب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان تطوعًا، ففيه
روايتان: إحداهما: يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين؛ لأن العشر
(٣)﴾ [الفجر: ٢]
بغير هاء عدد الليالي، فإنها عدد المؤنث قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ
وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين، والرواية الثانية: يدخل بعد صلاة
الصبح، قال حنبل: قال أحمد: أحب إليَّ أن يدخل قبل الليل، ولكن حديث عائشة
أنَّ النبي ◌َّ كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه، وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق وإن
نذر اعتكاف العشر ففي وقت دخوله الروايتان جميعًا، انتهى ملخصًا مختصرًا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) كلاهما في حديث طويل، وكذا البخاري ومسلم
وأحمد والبيهقي (ج٤ ص٣١٥) بألفاظ متقاربة، وأخرجه الترمذي مختصرًا، فكان
حق المصنف أن يذكره في الفصل الأول، ويقول: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قال الجزري: مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. ورواه الأربعة أيضًا مطولًا، فكان ينبغي أن يذكر في الصحاح. وقال ميرك:
رواه الشيخان والترمذي والنسائي أيضًا، وفات هذا الاعتراض من صاحب
((المشكاة)). قلت: بل وقع هذا الاعتراض على صاحب ((المشكاة))؛ حيث عزا
الحديث إلى أبي داود وابن ماجه وذكره في الفصل الثاني، مع أنه متفق عليه.
٢١٢٥ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ بَّه يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ]
مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ فَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ.
الشرح
٢١٢٥- قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َّ)، أي: إذا خرج لحاجة الإنسان، كما يدل
عليه بقية الحديث. (يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ)، أي: والمريض خارج عن
(٢١٢٥) أَبُو دَاوُد (٢٤٧٢) عَنْهَا فِيهِ .

كِتّاب الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكافِ
٥٧٧
المسجد لقوله: (فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ)، قال الطيبي: الكاف صفة لمصدر محذوف و ((مَا))
موصولة ولفظ ((هُوَ)) مبتدأ والخبر محذوف والجملة صلة ((مَا))، أي: يمر مرورًا
مثل الهيئة التي هو عليها، فلا يلتفت ولا يميل إلى الجوانب ولا يقف، وقولها:
(فَلَا يُعَرِّجُ)، أي: لا يمكث، بيان للمجمل؛ لأنَّ التعريج: الإقامة والميل عن
الطريق إلى جانب وقولها: (يَسْأَلُ عَنْهُ) بيان لقولها: ((يَعُودُ)) على سبيل الاستيناف.
وفيه: دليل على أنه إذا خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الإنسان فعاد مريضًا
أو صلى على جنازة من غير أن كان خروجه لذلك قصدًا لم يضره ذلك، ولم يبطل
اعتكافه، وهذا مما اتفق عليه الأئمة الأربعة. واختلفوا فيما إذا خرج لذلك قصدًا،
وسيأتي الكلام فيه في شرح الحديث التالي. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه من طريقه
البيهقي (ج ٤ ص ٣٢١) وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، والصحيح عن عائشة
من فعلها، وكذلك أخرجه مسلم وغيره.
وقال ابن حزم: صحَّ ذلك عن علي، ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٠١)
والحديث سكت عنه أَبُو دَاوُدَ. وقال المنذري: في إسناده ليث بن أبي سليم، وفيه
مقال. وقال ابن حجر: في سنده من اختلفوا في توثيقه وبتقدير ضعفه هو منجبر بما
في مسلم في كتاب الطهارة عن عائشة: ((إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض
فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة))، انتهى.
واعلم: أنَّ الحديث رواه أَبُو دَاوُدَ عن شيخين: أحدهما: عبد الله بن محمد
النفيلي ولفظه: قالت: ((كان النبي ◌َ ل يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو
ولا يعرج يسأل عنه)). والثاني: محمد بن عيسى، وقال هو في روايته: قالت: إنْ
كان النبي ◌َّل يعود المريض وهو معتكف، هكذا بيَّن أَبُو دَاوُدَ لفظهما والبغوي ذكر
في المصابيح لفظ ابن عيسى، وهكذا فعل الخطابي في ((المعالم)) وتبعهما
المصنف. واعلم: أيضًا أنه وقع في بعض النسخ من ((المشكاة)) لفظ ابن ماجه بعد
قوله: أَبُو دَاوُدَ وهو خطأ من النسخ، فإن النسخ الصحيحة خالية عن ذلك ولم يعزه
الحافظ في ((التلخيص)) والمجد بن تيمية في ((المنتقى)) والمنذري في ((مختصر
السنن)) والجزري في ((جامع الأصول)) إلى غير أبي داود.

ESIGNE
٥٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٢٦ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتِ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا،
وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وْلَا يَمَسَّ الْمَرْأَةَ وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلَّ لِمَا لَا
بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْم، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِع.
[َزَّوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢١٢٦- قوله: (السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا)، أي: بالقصد
والوقوف. قال الخطابي (ج٢ص١٤١): قولها: ((السُّنَّةُ)) إن كانت أرادت بذلك
إضافة هذه الأمور إلى النبي وقَالَر قولًا أو فعلًا، فهي نصوص لا يجوز خلافها، وإن
كانت أرادت به الفتيا على معاني ما عقلت من السنة، فقد خالفها بعض الصحابة
في بعض هذه الأمور، والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر، على أن
أبا داود قد ذكر على أثر هذا الحديث أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه :
أنَّها قالت: السنة، فدل ذلك على احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها، وليس
برواية عن النبي بَّ، ويشبه أن يكون أرادت بقولها: ((لَا يَعُودُ مَرِيضًا))، أي: لا
يخرج من معتكفه قاصدًا عيادته، وأنه لا يضيق عليه أن يمر به، فيسأله غير معرج
عليه، كما ذكرته عن النبي ◌َّر في الحديث السابق، انتهى.
قلت: القاعدة المقررة عند المحدثين تأبى الاحتمال الثاني؛ لأنَّ مذهبهم أنَّ
قول الصحابي: ((السنة)) كذا في حكم المرفوع إلى النبي وَّ، فإن الظاهر أنه أراد
بذلك سنة النبي وَلّ لا سنة غيره، وعلى هذا، فحديث عائشة هذا مرفوع حكمًا.
قال ابن التركماني: مذهب المحدثين: إن الصحابي إذا قال: السنة كذا، فهو
مرفوع، والسنة: السيرة والطريقة، وذلك قدر مشترك بين الواجب والسنة
المصطلح عليها، ومثله حديث: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ))، ولم تكن السنة
المصطلح عليها معروفة في ذلك الوقت، وذكر سنة الصوم للمعتكف مع ترك
المس، والخروج دليل على أن المراد الوجوب لا السنة المصطلح عليها، انتهى.
(٢١٢٦) أَبُو دَاوُد (٢٤٧٣) فِيهِ عَنْهَا .

٥٧٩
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكَافِ
(وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً)، أي: خارج مسجده. فيه: دليل على أنه لا يخرج المعتكف
العيادة المريض وشهود الجنازة، وفيه خلاف بين العلماء، قال الخرقي: ولا يعود
مريضًا ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط ذلك. قال ابن قدامة (ج ٣ص ١٩٥): الكلام
في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: في الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة
مع عدم الاشتراط، واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، فروي عنه ليس له فعله،
وهو قول عروة وعطاء ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي،
وروى عنه الأثرم ومحمد بن عبد الحكم: أنَّ له أن يعود المريض ويشهد الجنازة،
ويعود إلى معتكفه، وهو قول علي رَواشْتَهُ، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والحسن
لما روى عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وَلْيَعُدِ
المريض، وليحضر الجنازة، وليأت أهله، وليأمرهم بالحاجة وهو قائم، رواه
الإمام أحمد والأثرم، وقال أحمد: عاصم بن ضمرة عندي حجة.
قال أحمد: يشهد الجنازة ويعود المريض ولا يجلس، ويقضي الحاجة ويعود
إلى معتكفه، وجه الأول: ما روي عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّه وَل إذا
اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان))، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثم ذكر حديثها الذي نحن
في شرحه وحديثها الذي قبل هذا، ثم قال: ولأنَّ هذا ليس بواجب، فلا يجوز ترك
الاعتكاف الواجب لأجله كالمشي مع أخيه في حاجة ليقضيها له، وإن تعينت عليه
صلاة الجنازة وأمكنه فعلها في المسجد لم يجز الخروج إليها، فإن لم يمكنه ذلك
فله الخروج إليها، وإنْ تعين عليه دفن الميت أو تغسيله جاز أن يخرج له؛ لأنَّ هذا
واجب متعين، فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة، فأمَّا إن كان الاعتكاف
تطوعًا، وأحبَّ الخروج منه لعيادة مريض، أو شهود جنازة جاز؛ لأنَّ كل واحد
منهما تطوع، فلا يتحتم واحد منهما لكن الأفضل المقام على اعتكافه؛ لأنَّ
النبي ◌َّه لم يكن يعرج المريض ولم يكن واجبًا عليه. فأمّا إن خرج لما لا بد منه
فسأل عن المريض في طريقه ولم يعرج جاز؛ لأنَّ النبي ◌َّ فعل ذلك. الفصل
الثاني: إذا اشترط فعل ذلك في اعتكافه فله فعله واجبًا كان الاعتكاف أو غير
واجب، وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله، أو رجل صالح، أو عالم أو شهود
جنازة، وكذلك ما كان مباحًا مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله والمبيت فيه فله
فعله .