Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٠٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َه
أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامَ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِ: ((أَرَى
رُؤْيَاكُمْ، قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَّاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّبِهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي
السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١٠٤ - قوله: (إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وََِّّ)، قال الحافظ: لم أقف
على تسمية أحد من هؤلاء. (أَرُوا) بضم الهمزة على بناء المفعول من الإرادة
وأصله أُرِيُوا. (لَيْلَةَ الْقَدْرِ)، أي: أراهم اللَّه ذلك في المنام. (فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)
جمع آخره بكسر الخاء.
قال الحافظ: أي: قيل لهم في المنام: إنها في السبع الأواخر. وقال
القسطلاني: ظاهر الحديث: أن رؤياهم كانت قبل دخول السبع الأواخر لقوله:
(فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)، ثم يحتمل أنهم رأوا ليلة القدر وعظمتها وأنوارها
ونزول الملائكة فيها، وإن ذلك كان في ليلة من السبع الأواخر، ويحتمل أنَّ قائلًا
قال لهم: هي في كذا وعيَّن ليلة من السبع الأواخر ونسيت، أو قال: إنَّ ليلة القدر
في السبع فهي ثلاث احتمالات. (أَرَى) بفتحتين، أي: أعلم. (رُؤْيَاكُمْ) كذا جاء
بالإِفراد، والمراد: الجمع، أي رؤاكم؛ لأنها لم تكن رؤيا واحدة، فهو مما عاقب
الإفراد فيه الجمع لا من اللبس.
وقول السفاقسي: إن المحدثين يروونه بالتوحيد وهو جائز، وأفصح منه رؤاكم
جمع رؤيا ليكون جمعًا في مقابلة جمع، فيه نظر؛ لأنه بإضافته إلى ضمير الجمع
علم منه التعدد بالضرورة، وإنما عبر بـ((أرى)) لتجانس رؤياكم، ومفعول ((أرى))
الأول رؤياكم والثاني قوله: (قَدْ تَوَاطَأَتْ) بالهمزة، أي: توافقت وزنًا ومعنى. قال
القاري: وفي نسخة صحيحة: ((قَدْ تَوَاطَتْ)) بلا همزة. قيل: أصله توطأت بالهمزة
(٢١٠٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٠١٥)، ومُسْلِم (١١٦٥/٢٠٥) عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ، وَأَبُو دَاوُد
(١٣٨٥).
كِتّاب الصَّوْمِ
بَابِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥٢١
. فقلبت ألفا وحذفت. وقال ابن التين: روي بغير همز، والصواب بالهمز وأصله أن
يطأ الرجل برجله مكان وطء صاحبه. وقد رواه بعضهم بالهمزة وهو الأصل.
وقال النووي: قوله: ((تَوَاطَتْ))، أي: توافقت وهكذا هو في النسخ بطاء ثم تاء
وهو مهموز، وكان ينبغي أن يكتب بألف بين الطاء والتاء صورة للهمزة ولا بد من
قراءته مهموزًا. قال الله تعالى: ﴿لَيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، انتهى. وقال
في ((المصابيح)): يجوز ترك الهمز (فِي) رؤيتها في ليالي. (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ
مُتَحَرِّيهَا)، أي: طالبها وقاصدها. (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان من
غير تعيين يحتمل أن يكون المراد بها أواخر الشهر، أي: السبع التي تلي آخر
الشهر، فيكون مبدؤها من ليلة أربع وعشرين على كون الشهر ثلاثين وهو الأصل،
ويحتمل أن يكون المراد: السبع بعد العشرين. قيل: وهذا أولى وأمثل لتناوله
إحدى وعشرين وثلاثًا وعشرين ولتحقق هذا السبع يقينًا وابتداء بخلاف الأول، وإن
كان بحسب الظاهر هو المتبادر، ولا يدخل ليلة التاسع والعشرين على الثاني،
وتدخل على الأول. وقيل: المراد بها السبع الرابع من الشهر فيكون أولها ليلة
الثانية والعشرين، وآخرها ليلة الثامن والعشرين فإن الحادية والعشرين آخر السبع
الثالث من الشهر، وأول السبع الرابع إنما هو الثانية والعشرون، وعلى هذا فتدخل
ليلة الثالث والعشرين، ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين. وقيل: المراد بها: السبع
التي أولها ليلة الثالث والعشرين؛ لكون المحقق في الشهر تسعًا وعشرين يومًا.
وقد رواه البخاري في كتاب التعبير من ((صحيحه)) من طريق آخر: إن ناسًا أروا ليلة
القدر في السبع الأواخر، وإن ناسًا أروا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي ◌َّ:
(الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)).
قال الحافظ في الصوم: كأنه ◌َله نظر إلى المتفق عليه من الرؤيتين فأمر به، وقال
في التعبير: أفراد السبع داخلة في أفراد العشر، فلما رأى قوم أنها في العشر، وقوم
أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع، فأمرهم بالتماسها في السبع؛
لتوافق الطائفتين عليها؛ ولأنه أيسر عليهم. وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن
الزهري عن سالم بلفظ: رأى رجل أنَّ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا،
فقال النبي ◌َّه: (الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي فِي الْوِتْرِ مِنْهَا))، ولمسلم عن جبلة بن
سحيم عن ابن عمر بلفظ: ((مَنْ كَانَ يَلْتَمِسُهَا فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ))، وجمع
٥٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بين روايتي العشر والسبع بأنَّ العشر للاحتياط منها، أو يحمل على تعدد الأمرين
في عامين بأنه أعلم أنها في العشر. ثمَّ أعْلم أنها في السبع، أو حض على العشر من
به بعض القوة، وعلى السبع من لا يقدر على العشر، ويؤيد هذا ما روى أحمد من
حديث علي مرفوعًا: ((إِنْ غُلِيْتُمْ فَلَا تُغْلَبُوا فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي))، ولمسلم من طريق
عقبة بن حريث عن ابن عمر: ((الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ
عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِيٍ)) .
قال الحافظ: وهذا السياق يرجح الاحتمال الأول من تفسير السبع الأواخر،
أي: كون المراد به أواخر الشهر، وفي هذا الحديث: دلالة على عظم قدر الرؤيا،
وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف
القواعد الشرعية، ويستفاد منه: أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها
وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الإخبار من جماعة. قال
القسطلاني: ظاهر الحديث: أن طلبها في السبع مستنده الرؤيا، وهو مشكل؛ لأنه
إن كان المعنى: أنه قيل لكل واحد: هي في السبع فشرط التحمل التمييز، وهم
كانوا نيامًا، وإن كان معناه: أنَّ كل واحد رأى الحوادث التي تكون فيها في منامه
في السبع فلا يلزم منه أن تكون هي في السبع كما لو رؤيت حوادث القيامة في
المنام في ليلة، فإنه لا تكون تلك الليلة محلًا لقيامها.
وأجيب: بأنَّ الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث الاستدلال بها على أمر
وجودي غير مخالف لقاعدة الاستدلال. والحاصل: أنَّ الاستناد إلى الرؤيا هنا في
أمر ثبت استحبابه مطلقًا، وهو طلب ليلة القدر. وإنما ترجح السبع الأواخر بسبب
الرؤى الدالة على كونها في السبع الأواخر، وهو الاستدلال على أمر وجودي لزمه
استحباب شرعي مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي لا أنها ثبت بها حكم،
أو أن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث إقراره وقّي كأحد ما قيل في رؤيا الأذان،
انتھی .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصوم وفي التعبير ومسلم في الصوم، وأخرجه
أيضًا أحمد مطولًا ومختصرًا في مواضع، ومالك بلاغًا مطولًا ومسندًا مختصرًا
والبيهقي (ج٤ ص٣١١) مطولًا وأَبُو دَاوُدَ والدارمي مختصرًا.
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ ليْلَةِ الْقَدْرِ
٥٢٣
٢١٠٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((الْتَمِسُوهَا فِي
الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِّ : فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى فِي
خَامِسَةٍ تَبْقَى)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢١٠٥- قوله: (الْتَمِسُوهَا) الضمير المنصوب مبهم يفسره قوله: (لَيْلَةَ
الْقَدْرِ) كقوله تعالى: ﴿فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وهو غير ضمير الشأن، إذ
مفسره لا بد أن يكون جملة وهذا مفرد. (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) بالنصب على البدل من
الضمير في قوله: (الْتَمِسُوهَا)) ويجوز رفعه خبرٍ مبتدأ محذوف، أي: هي ليلة
القدر. (فِي تَاسِعَةٍ) بدل من قوله: (فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ)، (تَبْقَى) صفة التاسعة.
(فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى) اختلف في معناه على أقوال: فقال القاري:
قوله: (تَبْقَى)، أي: يرجى بقاؤها، أي: بعد العشرين، والظاهر: أنه أراد بالتاسع:
التاسعة والعشرين، وبالسابعة السابعة والعشرين، وبالخامسة: الخامسة
والعشرين، انتهى. قال الحافظ: يرجح هذا قوله في رواية البخاري في كتاب
الإِيمان بلفظ: ((الْتَمِسُوهَا فِي التَّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ))، أي: في تسع وعشرين
وسبع وعشرين وخمس وعشرين، انتهى. وقال الطيبي: قوله: (فِي تَاسِعَةٍ) تبقى
الليلة الثانية والعشرون تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون سابعة منها،
والسادسة والعشرون خامسة منها، انتهى. وهذا مبنى على كون الشهر ثلاثين
يومًا، وعلى كون العدد من آخره فتكون الليالي الثلاثة كلها إشفاعًا لا أوتارًا.
ويكون معنى الحديث: التمسوها في ليلة تاسعة من الليالي الباقية، ويؤيد هذا
ما رواه مسلم وأَبُو دَاوُدَ عن أبي نضرة عن أبي سعيد: ((التمسوها في التاسعة
والسابعة والخامسة)). قال: قلت: يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا، قال: أجل
نحن أحق بذلك منكم، قال: قلت: ما التاسعة، والسابعة، والخامسة؟ قال: إذا
مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين فهي التاسعة، فإذا مضى ثلاث
(٢١٠٥) البُخَارِي (٢٠٢١)، وَأَبُو دَاوُد (١٣٨١) عَنْهُ فِيهِ.
٥٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة،
انتهى. لكن هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على كونها منحصرة في
الأوتار، ومخالف لرواية نفسه أيضًا كما سيأتي فلا بد من تأويله.
قال السندي: هذا التفسير - أي: المروي عن أبي سعيد - لا يناسب ما ورد من
التماسها في الأوتار، وكذا ما ظهر أنها كانت في تلك السنة ليلة إحدى وعشرين،
وما سيجيء أنها في سنة ليلة ثلاث وعشرين، وما سيجيء من قول أبي: إنَّها ليلة
سبع وعشرين، وهذا ظاهر قال الأبي: التاسعة لما احتملت هاهنا أن تكون تاسعة ما
مضى أو تاسعة ما بقي سأله، وقال: أنتم أعلم بهذا العدد، ثم قال: قال في
((المدونة)): التاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين،
والخامسة ليلة خمس وعشرين، والمعنى على هذا: تسع بقين أو سبع بقين، وإن
ذلك على اعتبار شهر رمضان ناقصًا كما سيأتي.
وذكر الباجي (ج٢ ص٨٩): أن ابن القاسم حكى عن مالك أنه رجع عن هذا،
وقال: هو حديث مشرقي لا أعلمه، انتهى. وقيل: المعنى: التمسوها في الليلة
التي تبقى التاسعة بعدها، وفي الليلة التي تبقى السابعة بعدها وفي ليلة التي تبقى
الخامسة بعدها، على اعتبار كون الشهر ثلاثين فتأمل. وقال الزركشي: قوله: ((فِي
تَاسِعَةٍ تَبْقَى)) ليلة إحدى وعشرين؛ لأن المحقق المقطوع بوجوده بعد العشرين
تسعة أيام؛ لاحتمال أن يكون الشهر تسعة وعشرين يومًا، وليوافق الأحاديث الدالة
على أنها في الأوتار، وقوله: (سَابِعَةٍ تَبْقَى) ليلة ثلاث وعشرين، و(فِي خَامِسَةٍ
تَبْقَى) ليلة خمس وعشرين. وإنما يصح معنى الحديث ويوافق ليلة القدر وترًا من
الليالي على ما ذكر في الأحاديث؛ إذا كان الشهر ناقصًا، فأمّا إذا كان كاملًا فلا
تكون إلا في شفع؛ لأنَّ الذي يبقى بعدها ثمان فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين
وعشرين، والسابعة الباقية بعد ست ليلة أربع وعشرين، والخامسة الباقية بعد أربع
ليالي ليلة السادس والعشرين، فلا يصادف واحدة منهن وترًا، وهذا على طريقة
العرب في التأريخ إذا جاوزوا نصف الشهر فإنما يؤرخون بالباقي منه لا بالماضي
منه .
والظاهر: أنه خاطبهم النبي وَله بنقص الشهر وذلك؛ لأنه ليس على تمام شهر
على يقين والله أعلم. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٣١، ٢٧٩،
٣٦٠، ٣٦٥) وأَبُو دَاوُدَ في الصلاة والبيهقي (ج٤ ص٣٠٨ - ٣٠٩).
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥٢٥
٢١٠٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَةِ اعْتَكَفَ
الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ
رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ
الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنٍ كان
اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَقَدْ
رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ
وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرِ)). قَلَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَّةَ وَكَانَ الْمَسْجِدَ
عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَّسْجِدُ فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ
الْمَاءِ وَالطَّيْنِ مِنْ صَبِيحَةٍ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ فِي الْمُعْنَى، وَالْلَفْظُ
لِمِسْلِم إلى قَوْلِهِ: فَقِيلَ لِي: ((إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ)). وَالْبَاقِي لِلْبُخَارِيِّ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١٠٦ - قوله: (اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ) بتشديد الواو كذا في النسخ، والظاهر
بضم الهمزة وتخفيف الواو، ولعلَّ إفراده باعتبار لفظ العشر قاله القاري. (ثُمَّ
اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ)، هكذا وقع في أكثر الروايات، والمراد: من العشر
الليالي، وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث، ويقال: العشر الوسطى؛ لأن
المشهور في الاستعمال تأنيث العشر كما قال في أكثر الأحاديث: ((العشر الأواخر))
لكن وصفت هنا بالمذكر، إمّا باعتبار لفظ العشر فإنه لفظ مذكر فيصح وصفه
بالأوسط، وإمَّا باعتبار إرادة الوقت أو الزمان أو التقدير الثلث، كأنه قال: الليالي
العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر، ووقع في ((الموطأ)) العشر الوسط بضم
الواو والسين جمع واسط، كبازل وبزل.
قال صاحب ((العين)): واسط الرحل ما بين قادمته وآخرته. وقال أبوعبيد: وسط
البيوت يسطها إذا نزل وسطها واسم الفاعل من ذلك واسط ويقال في جمعه: وُسُط
(٢١٠٦) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢٠١٨)، ومُسْلِم (١١٦٧) عَنْهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.
٥٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
كنازل ونزل، وبازل وبزل، ورواه بعضهم بضم الواو وفتح السين جمع وسطى
ككبر وكبرى. (فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ)، أي: قبة صغيرة من لبود قاله النووي، ضربت في
المسجد يقال لها بالفارسية: خركاه، وكان على سدة القبة حصير فأخذ الحصير
بيده فنحاها في ناحية القبة. (ثُمَّ أَطْلَعَ رَأَسَهُ) بفتح الهمزة وسكون الطاء، أي:
أخرجه من القبة. (اعْتَكَفْتُ) بصيغة المتكلم الماضي. (أَلْتَمِسُ) حال، أي:
أطلب. (هَذِهِ اللَّيْلَةَ)، يعني: ليلة القدر.
(ثُمَّ اعْتَكَفْتُ) بصيغة الماضي المتكلم أيضًا. (الْعَشْرَ الأَوْسَطَ)، قال النووي:
هكذا هو في جميع نسخ مسلم، والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر وتذكيره
أيضًا لغة صحيحة باعتبار الوقت والزمان، ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في
هذا الحديث من النبي ◌ِِّ. (ثُمَّ أُتِيْتُ) على بناء المجهول، وفي رواية البخاري في
كتاب الصلاة: أن جبريل أتاه في المرتين فقال له: ((إن الذي تطلب أمامك))، بفتح
الهمزة، أي: قدامك. (فَقِيلَ لِي)، أي: قال لي الملك. (إِنَّهَا)، أي: ليلة القدر.
(فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ)، قال الطيبي: وصف العشر الأول والأوسط بالمفرد، والأخير
بالجمع إشارة إلى تصور ليلة القدر في كل ليلة من ليالي العشر الأخير دون
الأولين .
(فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ)، أي: أراد الاعتكاف. (مَعِي)، وقال ابن الملك: أي: من
أراد موافقتي. وقال الطيبي: وإنما أمر بالاعتكاف من كان معه في العشر الأول
والأوسط؛ لئلا يضيع سعيهم في الاعتكاف والتحري. وقال ابن حجر: ليس للتقييد
بل لإفهامه أن من لم يكن معه معتكفًا أولى. قلت: هذا لفظ البخاري، ولمسلم في
الرواية التي ذكرها المصنف: ((فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ)).
(فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ)، قال الطيبي: الأمر بالاعتكاف للدوام والثبات،
وفي رواية: ((فَلْيَتْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ)) من الثبات، وفي أخرى: (فَلْيَلْبَثْ)) من اللبث،
وفي رواية لمسلم: ((فَلْيَبِتْ)) من المبيت، وكله صحيح. (فَقَدْ أُرِيتُ) بضم الهمزة
على بناء المجهول المتكلم، أي: أعلمت. (هَذِهِ اللَّيْلَةَ) مفعول به لا ظرف أي:
أريت ليلة القدر معينة. (ثُمَّ أَنْسِيْتُهَا) بضم الهمزة من الإنساء، والمراد: أنه أنسي
علم تعيينها في تلك السنة لا رفع وجودها؛ لأنه أمر بالتماسها حيث قال:
كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْر
٥٢٧
BAODE
(فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ)، قال ابن حجر: المراد: أنه أخبر بأنها ليلة كذا، ثم
أنسي ما أخبر به والمخبر بذلك جبريل.
وقال القفال في ((العدة)) فيما حكاه الطبري: ليس معناه أنه رأى الليلة أو الأنوار
عيانًا، ثم نسي في أي ليلة رأى ذلك؛ لأنَّ مثل هذا قلَّ أنْ ينسى، أي: في صبيحتها
وإنما رأى أنه قيل له: ليلة القدر، ليلة كذا وكذا ثم نسي كيف قيل له؟ وسيأتي
سبب النسيان في هذه القصة في حديث عبادة بن الصامت في الفصل الثالث من
هذا الباب. وفي الحديث: أن النسيان جائز على النبي وَّ ولا نقص في ذلك، لا
سيما في ما لم يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع كما
في قصة السهو في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة كما في هذه القصة، لأنه لو
عينت ليلة القدر في ليلة بعينها اقتصر الناس على العبادة فيها ففاتت العبادة في
غيرها، وكأن هذا هو المراد بقوله: ((عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمَ))، كما سيأتي في
حديث عبادة. (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضم التاء للمتكلم، وفيه: عمل الفعل في ضميري
الفاعل والمفعول، وهو المتكلم وهو من خصائص أفعال القلوب، أي: رأيت
نفسي. (أَسْجُدُ) بالرفع حال، وقيل: تقديره: أن أسجد. (فِي مَاءٍ وَطِينٍ)؛ علامة
جعلت له يستدل بها عليها، والمراد بذلك: الأرض الرطبة ولعلَّ أصَّله في ماء
وتراب وسمي طينًا؛ لمخالطته به مالًا؛ وللإيماء إلى غلبة الماء عليه.
(مِنْ صَبِيْحَتِهَا)، ((مِنْ)) بمعنى فِي كما في قوله: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ
اُلْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أو هي لابتداء الغاية الزمانية. (فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ)،
أي: من رمضان. (وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ)، أي: من ذلك العشر، يعني: في أوتار
ليالي العشر وأولها ليلة الحادي والعشرين إلى آخر ليلة التاسع والعشرين لا ليلة
أشفاعها، ولا منافاة بينه وبين قوله: ((الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ))، إذ ليس في
أحدهما حصر، بل في خبر الوتر زيادة تقييد السبع بالوتر.
(فَمَطَرَتِ) بفتحات. (تِلْكَ اللَّيْلَةَ)، أي: التي أربها رسول اللّه وَلَهَ، قال
القسطلاني: يقال في الليلة الماضية: الليلة إلى أنْ تزول الشمس، فيقال حينئذٍ :
البارحة، وفي رواية: ((وما نرى في السماء قزعة فجاءت سحابة، فمطرت حتَّى
سال سقف المسجد)). (وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ) بفتح العين وسكون الياء بعد
٥٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الراء المهملة المكسورة سقف من خشب وحشيش ونحو ذلك مما يستظل به.
((وَعَلَى)) بمعنى الباء كما في قوله تعالى: ﴿حَقِيقُ عَلَى أَن لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾
[الأعراف: ١٠٥] أو بمعنى: من، كما في رواية نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ
يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢].
قال الحافظ: ((كَانَ عَلَى عَرِيشٍ))، أي: مثل العريش، وإلا فالعريش هو نفس
سقفه، والمراد: أنه كان مظللا بالجريد والخوص ولم يكن محكم البناء بحيث
يكن من المطر الكثير، يعني: أنه لم يكن له سقف يكن من المطر ويمنعه. وقيل:
أي: بني على صوغ عريش وهيئته، وفي رواية للبخاري: وكان - أي: السقف -
من جريد النخل. (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ)، أي: قطر وسال ماء المطر من سقف
المسجد، فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال. (فَبَصُرَتْ) بفتح الموحدة وضم
الصاد المهملة. (عَيْنَايَ) زاده تأكيدًا كقوله: أخذت بيدي. وإنما يقال ذلك في أمر
مستغرب؛ إظهارًا للتعجب من حصوله.
(وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثْرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ) جملة حالية وفي رواية للبخاري: ((انصرف من
الصبح ووجهه ممتلىء طينًا وماء))، وهذا يشعر بأنَّ قوله: ((أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ)) لم يرد
به محض الأثر وهو ما يبقى بعد إزالة العين. قال الطيبي: قوله: ((فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ))
مثل قولك: أخذت بيدي ونظرت بعيني، وإنما يقال في أمر يعز الوصول إليه؛
إظهارًا للتعجب من حصول تلك الحال الغريبة، ومن ثم أوقع رسول اللَّه وَّ
مفعولًا وعلى جبهته حالاً منه، وكان الظاهر أن يقال: رأيت على جبهة رسول الله
وَ لخير أثر الماء والطين، انتهى. قال الحافظ: فيه: استحباب ترك الإسراع إلى إزالة
ما يصيب جبهة الساجد من غبار الأرض، وقال أيضًا: فيه: ترك مسح جبهة
المصلي والسجود على الحائل، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف لكن يعكر
عليه قوله في بعض طرقه: ((ووجهه ممتلىء طينًا وماء))، أو أجاب النووي: بأنَّ
الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وفيه: جواز السجود في الطين،
انتھی .
قال الزين بن المنير: ويحتمل أن يكون ترك مسح الجبهة عامدًا لتصديق رؤياه .
وقال العيني والقاري وغيرهما: هذا محمول على أنه كان شيئًا يسيرًا لا يمنع مباشرة
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥٢٩
بشرة الجبهة للأرض، ولو کان کثیرًا لم تصح صلاته، وهذا قول الجمهور. وفي
((شرح السنة))، فيه: دليل على وجوب السجود على الجبهة ولولا ذلك لصانها عن
الطين. (مِنْ صَبِيحَةٍ إِحْدَى وَعِشْرِينَ)، أي: تصديق رؤياه كما في رواية البخاري
في الصلاة و((مِنْ)) بمعنى في، وهي متعلقة بقوله: (فَبَصُرَتْ)، وقوله: ((مِنْ
صَبِيحَةٍ))، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، والذي في البخاري ((من صبح))،
والحديث ظاهر: في أن خطبته كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر كان
في ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق لأكثر الطرق، ووقع في رواية عند البخاري
وغيره ما يقتضي: أن الخطبة وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين. وعلى هذا
يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين، وهذا مخالف لما وقع في بقية
الطرق. وقد تأوله الحافظ بحيث يزول الإشكال وتتفق الروايات، من أحب
الوقوف عليه فليرجع إلى ((الفتح)).
وفي الحديث: أنَّ ما رآه النبي ◌َّ في المنام قد يكون تأويله: أنه يرى مثله في
اليقظة. واستدل به من ذهب إلى أن ليلة القدر إحدى وعشرين دائمًا، ولا حجة لهم
فيه؛ لأنه محمول على تلك السنة، وقد تقرر أنها تنتقل وتتقدم، وتتأخر في أوتار
ليالي العشر في السنين المختلفة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى) للحديث طرق وألفاظ، والمذكور أحدها. وأخرجه
البخاري في الصلاة في ثلاثة أبواب، وفي الصوم في خمسة أبواب. وأخرجه
مسلم في الصوم من طرق، وأخرجه أيضًا أحمد بألفاظ وطرق، ومالك،
وأَبُو دَاوُدَ، وابن ماجه، والبيهقي (ج ٤ ص٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٥). (وَالْبَاقِي)، أي:
من قوله: (فَمَنْ كَانَ اعْتَكِفَ مَعِي ... ) إلخ. (لِلْبُخَارِيِّ)، أي: لفظًا في باب
الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها.
٥٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٠٧ - [٥] وَفِي رُوَايةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: ((لَيْلَةَ ثَلَاثٍ
وَعِشْرِينَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٠٧- قوله: (وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَيْسٍ) مصغرًا كذا في الأصول
الصحيحة في رواية عبد الله. ووقع في أصل الطيبي فيّ حديث عبد الله ولذا قال:
ولو قال: في رواته لكان أولى، لأنه ليس بحديث آخر بل رواية أخرى،
والاختلاف في زيادة ليلة، واختلاف العدد بأنه ثلاث أو إحدى وعشرون ذكره
القاري. قلت: وعندي أنَّ ما وقع في أصل الطيبي هو الأولى؛ لأنَّ الظاهر أنهما
واقعتان رواهما صحابيان، ولو سلم أنهما قصة واحدة فالحديث يتعدد، ويختلف
باختلاف المخرج، أي: الصحابي كما لا يخفى، وهذا هو الذي راعيناه في رقم
أحاديث ((المشكاة)) وحصرها. وعبد الله بن أنيس هو أبويحيى الجهني المدني
حليف بني سلمة من الأنصار.
وقال ابن الكلبي والواقدي: هو من ولد البرك بن وبرة من قضاعة، وقد دخل
ولد البرك في جهينة، فقيل له: الجهني، والقضاعي، والأنصاري، والسلمي
بفتحتين صحابي، روى عن النبي وَلّ وروى عنه أبناؤه ضمرة وعبد اللَّه وعطية
وعمرو وبسر بن سعيد، وجابر بن عبد الله، رحل إليه إلى مصر في حديث واحد
وشهد العقبة الثانية وأحدًا، وما بعدهما. وكان أحد من يكسر أصنام بني سلمة من
الأنصار. وهو الذي بعثه النبي ◌َّ إلى خالد بن نبيح العنزي وحده فقتله.
وقال ابن يونس: صلى القبلتين ودخل مصر وخرج إلى أفريقية، له أربعة
وعشرون حديثًا انفرد له مسلم بحديث، وأخرج له البخاري تعليقًا، مات بالشام في
خلافة معاوية سنة (٥٤) ووهم من قال: سنة (٨٠) فرق علي بن المديني وخليفة
وغيرهما بينه وبين عبد الله بن أنيس الأنصاري الذي روى عنه ابنه عيسى، أنَّ
(٢١٠٧) مُسْلِم (١٧٩/ ٧٦٢) (٧٦٢/٢٢٠) عَنْهُ فِيهِ.
كِتّابُ الضَّؤْمِ
بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥٣١
النبي ◌ِّدعا يوم أحد بإدارة فقال: ((أَخْنِثْ فَمَ الْإِدَاوَةِ ... )) الحديث. وجزم البغوي
وابن السكن وغيرهما بأنهما واحد.
قال في ((الإصابة)): وهو الراجح، بأنه جهني حليف بني سلمة من الأنصار.
وقال في ((تهذيب التهذيب)): وهو - أي: جعلهما واحدًا - المعتمد فإنَّ كونه
أنصاريًا لا ينافي كونه جهنيًا لما تقدم أنَّ الجهني حليف الأنصار. (قَالَ: لَيْلَةَ ثَلَاثٍ
وَعِشْرِينَ)، يعني: روى عبد الله بن أنيس نحو حديث أبي سعيد لكنه قال فيه: ليلة
ثلاث وعشرين بدل إحدى وعشرين ولفظه عند مسلم: أن رسول اللَّهُ وَّل قال:
((أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَأَرَانِي صَبِيحَتَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ))، قال: فمطرنا
ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول اللّه وَّله فانصرف، وإنَّ أثر الماء والطين على
جبهته وأنفه قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين، انتهى. قال
النووي: هكذا في معظم النسخ من ((صحيح مسلم))، وفي بعضها: ثلاث
وعشرون، وهذا ظاهر والأول جاء على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف، ويبقى
المضاف إليه مجرورًا، أي: ليلة ثلاث وعشرين، انتهى. ولا يخفى أن حديث
عبد الله بن أنيس مخالف لحديث أبي سعيد في تعيين الليلة.
فقيل: الترجيح لحديث أبي سعيد؛ لأنه مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وقيل: يحمل على تعدد
القصة، واستدل بحديث عبد الله بن أنيس هذا، وبحديثه الآتي في الفصل الثاني
من قال: إن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، والظاهر: أنَّ هذا كان لتلك السنة
خاصة، فحمله عبد الله بن أنيس ومن وافقه من الصحابة والتابعين على العموم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، أي: تلك الرواية وأخرجها أحمد (ج٣ص٤٩٥) والبيهقي
(ج ٤ ص٣٠٩) أيضًا كلهم من رواية بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس.
BENE
٥٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٠٨ - [٦] وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ:
إِنَّ أَخَالَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْخَّوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَلَ رَحْذَتْهُ:
أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَدَّ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ
الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ
وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِأَِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ، أَوَّ
بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢١٠٨ - قوله: (وَعَنْ زِرِّ) بكسر الزاي وتشديد الراء. (بْنِ حُبَيْشٍ) بضم حاء
مهملة وفتح موحدة وسكون تحتية وبشين معجمة، ابن حباشة بضم مهملة وخفة
موحدة، وإعجام شين الأسدي الكوفي أبو مريم، ثقة جليل مخضرم أدرك الجاهلية
كان من أصحاب علي وعبد الله بن مسعود. قال عاصم: كان زر من أعراب الناس
وكان عبد الله يسأله عن العربية.
وقال ابن عبد البر: كان عالمًا بالقرآن قارئًا فاضلاً مات سنة إحدى، أو اثنتين،
أو ثلاث وثمانين، وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة. (سَأَلْتُ أَبَّي بْنَ كَعْبٍ)، أي:
أردت أن أسأله قاله الطيبي، أو يفسره قوله: (فَقُلْتُ إِنَّ أَخَاَكَ)، أي: في الدين
والصحبة. (ابْنَ مَسْعُودٍ) بدل أو بيان. (مَنْ يَقُمُ الْحَوْلَ)، أي: جميع ليالي السنة.
(يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ)، أي: يدركها يقينًا للإبهام في تبيينها وللاختلاف في تعيينها؛ أو
لأنَّها تدور في تمام السنة، وهذا يؤيد الرواية المشهورة عن أبي حنيفة إذ قضيته أنها
لا تختص برمضان. (فَقَالَ)، أي: أُبي. (رَحِمَهُ اللهُ) دعاء لابن مسعود. وفي
رواية: يغفر الله له.
(٢١٠٨) مُسْلِم (٧٦٢/١٧٩) (٧٦٢/٢٢٠)، وَأَبُو دَاوُد (١٣٧٨)، والترمذيُّ (٧٩٣)، والنَّسَائِي
«الكبرى» (٣٤٠٦) عَنْهُ فِیهِ.
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥٣٣
(أَرَادَ أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ)، أي: لا يعتمدوا على قول واحد، وإن كان هو الصحيح
الغالب على الظن الذي مبنى الفتوى عليه، فلا يقوموا إلا في تلك الليلة ويتركوا
قيام سائر الليالي؛ فيفوت حكمة الإبهام الذي نسي بسببها عليه الصلاة والسلام.
(أَمَا) بالتخفيف للتنبيه. (إِنَّهُ)، أي: ابن مسعود. (قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا)، أي: ليلة القدر.
(فِي رَمَضَانَ وَإِنَّها فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ)، وفي رواية: لقد علم أنها في العشر الأواخر
من رمضان. (ثُمَّ حَلَفَ)، أي: أبي بن كعب بناء على غلبة الظن. (لَا يَسْتَثْنِي)
حال، أي: حلف حلفًا جازمًا من غير أن يقول عقيبه: إن شاء الله تعالى.
قال الطيبي: هو قول الرجل: إن شاء الله، يقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثني
ولا ثنو ولا ثنية ولا استثناء كلها واحد، وأصله من الثني، وهو الكف والرد، وذلك
أن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد انعقاد ذلك
اليمين، انتهى. (أَنَّهَا) مفعول حلف، أي: حلف إن ليلة القدر. (لَيْلَةُ سَبْع
وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ) أي: لأبي بن كعب. (بَأَيِّ شَيْءٍ) من الأدلة. (تَقُولُ ذَلِكَ)، أيّ
القول. (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) كنية أبي بن كعب. (أَوْ بِالآيَةِ) كلمة (أَوْ) للشك، أي:
بالأمارة. (أَنَّهَا) بفتح الهمزة ويحتمل الكسر، أي: أن الشمس. (تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ)،
أي: يوم إذ تكون تلك الليلة ليلة القدر، وفي رواية: «تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةٍ
يَوْمِهَا))، وفي أخرى: ((صُبْحَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)) .
(لَا شُعَاعَ لَهَا) زاد في رواية: «كَأَنَّهَا طَسْتٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ)) ، قال القاري: هذا دليل
على أن علمه ظني لا قطعي حيث بنى اجتهاده على هذا الاستدلال. قال ابن حجر:
أي: لا شعاع لها، وقد رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين طلعت كذلك؛ إذ لا يكون
ذلك دليلاً إلا بانضمامه إلى كلامه، انتهى. والشعاع، بضم الشين. قال أهل
اللغة: هو ما يرى من ضوء الشمس عند ذرورها، أي: طلوعها مثل الحبال،
والقضبان مقبلة إليك إذا نظرت إليها، وجمعه أشعة وشعع بضم الشين والعين
أشعت الشمس نشرت شعاعها .
قال القاضي عياض: قيل: معنى لا شعاع لها: أنها علامة جعلها الله تعالى لها،
قال: وقيل: بل لكثرة اختلاف الملائكة وترددها في ليلتها، ونزولها إلى الأرض،
وصعودها بما تنزل به، سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس
٥٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وشعاعها، انتهى. قيل: فائدة كونه علامة مع أنه إنما يوجد بعد انقضاء الليلة، أن
يشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليلة، وإلا فيتأسف على ما فاته من
الكرامة ويتدارك في السنة الآتية. وإنما لم يجعل علامة في أول ليلها إبقاءً لها على
إبهامها. وقد ورد لليلة القدر علامات أخرى أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي
ذكرها العيني (ج١١ ص٣٤) وغيره.
وقال الحافظ: اختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا؟ فقيل: يرى كل
شيء ساجدًا، وقيل: يرى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة .
وقيل: يسمع سلامًا أو خطابًا من الملائكة. وقيل: علامتها استجابة دعاء من
وفقت له، واختيار الطبري أن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية
شيء ولا سماعه، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في أواخر الصلاة وفي الصوم، وأخرجه أيضًا أحمد
(ج ٥ص ١٣٠، ١٣١) والترمذي في الصوم والتفسير، وأَبُو دَاوُدَ في أواخر
الصلاة والبيهقي (ج٤ ص٣١٢) وذكر صاحب ((التنقيح)) النسائي وابن خزيمة وابن
حبان وأبا عوانة وابن الجارود والطحاوي والدار قطني والحميدي أيضًا فيمن أخرج
هذا الحدیث.
٢١٠٩ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَجْتَهِدُ فِي
الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٠٩- قوله: (يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ)، قيل: أي: يبالغ في طلب ليلة
القدر فيها. قال القاري: والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة، يعني: يبالغ
في أنواع الخيرات وأصناف المبرات والعبادات. (مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ)، أي: في
(٢١٠٩) مُسْلِم (١١٧٥/٨)، وَالتِّرْمِذِي (٧٩٦)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣٣٩٠)، وَابن مَاجَهْ
(١٧٦٧) عَنْهَا فِیهِ.
كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥٣٥
غير العشر الأخير. فيه: استحباب الاجتهاد في العبادة، والحرص على مداومة
القيام في العشر الأخير من رمضان، إشارة إلى تحسين الخاتمة وتجويدها.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وابن ماجه، والحديث ذكره
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ص٧٨) عزوًا لمسلم بلفظ: قالت: ((كَانَ
رَسُولُ اللهِ بَلّهِيَجْتَهِدُ فِي رَمَضَانَ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ وفي العشر الأخير منه مالا
يجتهد في غيره)). ولم أجده بهذا السياق في ((صحيح مسلم))، ورواه البيهقي
(ج ٤ ص ٣١٤) بلفظ: ((كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان مالا يجتهد في
غيرها)).
٢١١٠ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ
مِثْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١١٠ - قوله: (إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ)، وفي رواية للبيهقي: ((إذا دخلت العشر
الأواخر من رمضان)). قال الحافظ: قوله: (إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ)، أي: الأخير وصرح
به في حديث علي عند ابن أبي شيبة والبيهقي. (شَدَّ مِثْزَرَهُ) ولمسلم: ((وشَدَّ المئزر)»
بكسر الميم وسكون الهمزة، أي: إزاره كقولهم: ملحفة ولحاف. قال في
((التلويح)): المئزر، والإزار، ما يأتزر به الرجل من أسفله وهو يذكر ويؤنث.
واختلفوا في معنى شد مئزره، فقيل: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة
زيادة على عادته ويّخلال في غيره، ومعناه: التشمير في العبادة يقال: شددت لهذا الأمر
مئزري، أي: تشمرت له وتفرغت.
قال القسطلاني: وفي هذا نظر، فإنها قالت: جد وشد المئزر فعطفت شد المئزر
على الجد، والعطف يقتضي التغاير، والصحيح: أن المراد به اعتزاله للنساء
(٢١١٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٠٢٤)، ومُسْلِم (٧/ ١١٧٤) عَنْهَا فِيهِ، وأَبُو دَاوُد (١٣٧٦)، والنَّسَائِي
(٢١٧/٣)، وابْنُ مَاجِهْ (١٧٦٨).
٥٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للاشتغال بالعبادات، وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون، وجزم به الثوري
واستشهد بقول الشاعر :
عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَظْهَارِ
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ
ويحتمل أن يراد: التشمير للعبادة والاعتزال عن النساء معًا، ويحتمل أن يراد:
الحقيقة والمجاز كمن يقول: طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة
فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحلله، واعتزل النساء وشمر للعبادة. قال
الطيبي: قد تقرَّر عند علماء البيان أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة كما إذا قلت :
فلان طويل النجاد، وأردت طول نجاده مع طول قامته كذلك وَل لا يستبعد أن
يكون قد شد مئزره ظاهرًا، وتفرَّغ للعبادة واشتغل بها عن غيرها، انتهى.
قلت: وقع عند ابن أبي عاصم بإسناد مقارب عن عائشة: ((شد المئزر واجتنب
النساء))، وفي حديث علي المذكور: ((شد مئزره واعتزل النساء)) فعطفه بالواو،
وهذا يقوي الاحتمال الأول. (وَأَحْيَا لَيْلَهُ)، أي: استغرقه بالسهر في الصلاة
وغيرها، أو أحيا معظمه لقولها في الصحيح: ((ما علمته قام ليلة حتى الصباح))،
وقوله: (أَحْيَا لَيْلَهُ)، أي: بالقيام والقراءة والذكر كأن الزمان الخالي عن العبادة
بمنزلة الميت، وبالعبادة فيه يصير حيًّا.
قال القسطلاني: هو من باب الاستعارة شبه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع
التام، أي: أحيا ليله بالطاعة، أوْ أحيا نفسه بالسهر فيه؛ لأن النوم أخو الموت.
وأضافه إلى الليل اتساعًا؛ لأن النائم إذا حيي باليقظة حيي ليله بحياته وهو نحو
قوله: ((لَا تَجْعَلُوا بِيُوتگُمْ قُبُورًا)، أي : لا تناموا فتكونوا کالأموات فتكون بیوتكم
کالقبور، انتهى.
وقال الطيبي في ((أحياء الليل)): وجهان: أحدهما: راجع إلى نفس العابد، فإن
العابد إذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت فكأنما أحيا نفسه كما قال
تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٣].
وثانيهما: أنه راجع إلى نفس الليل فإن ليله لما صار بمنزلة نهاره في القيام فيه
كان أحياه وزينه بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ
كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠] فمن اجتهد فيه وأحياه كله وفر نصيبه منها،
كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥٣٧
ومن قام في بعضه أخذ نصيبه بقدر ما قام منها.
(وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ)، أي: للصلاة والعبادة. وإنما خص بذلك مِّ آخر رمضان لقرب
خروج وقت العبادة فيجتهد فيه؛ لأنه خاتمة العمل، والأعمال بخواتيمها. وروى
الترمذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة: ((لم يكن النبي ◌َّ، إذا
بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه)). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
واللفظ للبخاري وأخرجه أيضًا أحمد وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه والبيهقي
(ج ٤ ص٣١٣).
٥٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
I Nese
الفصل الثاني
٢١١١ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ
عَلِمْتُ أَُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: ((قَوْلِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ] {صحيح}
الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي)).
الشرح
٢١١١- قولها: (أَرَأَيْتَ)، أي: أخبرني. (إِنْ عَلِمْتُ) جوابه محذوف يدل
عليه ما قبله. (أَيُّ لَيْلَةٍ) مبتدأ خبره. (لَيْلَةُ الْقَدْرِ) والجملة سدت مسد المفعولين
((عَلِمْتُ)) تعليقًا. قيل: القياس أية ليلة فذكر باعتبار الزمان كما ذكر في قوله ◌َّه :
((أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟»، باعتبار الكلام واللفظ. (مَا أَقُولُ) متعلق
ب(أَرَأَيْتَ)، (فِيْهَا)، أي: في تلك الليلة.
وِقال الطيبي: ((ما أقول فيها)) جواب الشرط، وكان حق الجواب أن يؤتى بالفاء،
ولعلّه سقط من قلم الناسخ، وتعقب عليه القاري: بأنّ دعوى السقوط من قلم
الناسخ ليست بصحيحة. وقد جاء حذف الفاء على القلة. (إِنَّكَ عَفُوٌ) بفتحِ العين
المهملة وضم الفاء، وتشديد الواو صيغة مبالغة، أي: كثير العفو. (تُحِبُّ الْعَقْوَ)،
أي: ظهور هذه الصفة. (فَاعْفُ عَنِّي) فإني كثير التقصير، وأنت أولى بالعفو
الكثير، وفيه: دليل على استحباب الدعاء في هذه الليلة بهذه الكلمات.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) في الدعوات وأخرجه أيضًا النسائي في
((الكبرى)) والحاكم (ج ١ ص ٥٣٠) والبزار، وفي رواية أحمد وابن ماجه والحاكم:
((إن وافقت ليلة القدر)). (وَصَحَّحَهُ)، أي: الترمذي. وقال الحاكم: صحيح على
شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٢١١١) التِّرْمِذِي (٣٥١٣)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٧٠٨)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٥٠) عَنْهَا، وَقَالَ
الترمذي: صَحِيحٌ.
كِتّابُ الصَّوْمِ
X :
بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥٣٩
٢١١٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللّهِ وَلَه يقول:
((الْتَمِسُوهَا - يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فِي تِسْعِ يَبْقَيْنَ، أَوْ فِي سَبْعِ يَبْقَيْنَ، أَوْ فِي
خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ آخِرٍ لَيْلَةٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢١١٢ - قوله: (الْتَمِسُوهَا - يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ) تفسير للضمير من الراوي.
(فِي تِسْع)، أي: تسع ليال. (يَبْقَيْنَ) بفتح الياء والقاف وهي التاسعة والعشرون.
(أَوْ فِي سُبْعٍ يَبْقَيْنَ) وهي السابعة والعشرون. (أَوْ فِي خَمْسٍ يَبْقَيْنَ) وهي الخامسة
والعشرونً (أَوْ ثَلَاثٍ)، أي: يبقين وهي الثالثة والعشرون. (أَوْ آخِرٍ لَيْلَةٍ) من
رمضان، أي: سلخ الشهر.
قال الطيبي: يحتمل التسع أو السلخ، رجحنا الأول بقرينة الأوتار كذا في
((المرقاة)). وقال في ((اللمعات)): قيل: قوله: ((فِي تِسْع يَبْقَيْنَ)) محمول على الثانية
والعشرين، و((فِي سَبْعِ يَبْقَيْنَ)) محمول على الرابعة والعشرين، و((فِي خَمْسٍ يَبْقَيْنَ))
على السادسة والعشرِّين، و((أَوْ ثَلَاثٍ)) على الثامن والعشرين، و((أَوْ آَخِرِ لَيْلَةٍ))
محمول على التاسع والعشرون. وقيل: على السلخ أقول، هذا إذا كان الشهر
ثلاثين يومًا. وأمّا إذا كان تسعًا وعشرين فالأولى: على الحادية والعشرين،
والثّانية: على الثالثة والعشرين، والثَّالثة: على الخامسة والعشرين، والرابعة:
على السابعة والعشرين، وهذا أولى لكثرة الأحاديث الواردة في الأوتار، بل
نقول: لا دليل على كونها أولى هذه الأعداد، فالظاهر أن المراد من كونها في تسع
يبقين ... إلخ. ترديد ما في الليالي الخمس أو الأربع أو الثلاث أو الاثنين أو
((الواحدة))، انتهى ما في اللمعات.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وصححه، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص٣٦ - ٣٩) والحاكم
(ج ١ ص٤٣٨) وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) وأحمد من
حديث عبادة بن الصامت (ج٥ص٣١٨ - ٣٢١ - ٣٢٤).
(٢١١٢) التِّرْمِذِي (٧٩٤)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣٤٠٣) عَنْهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: صَحِيحٌ.