Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
وفيه: موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف. ومن حديث عقبة بن عامر عند
الترمذي وأبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم والبزار. ومن حديث مسعود بن
الحكم الزرقي عن أمه عند الطحاوي (ج١ ص٤٢٩). ومن حديث أم الحارث بنت
عياش عند الطبراني في ((الكبير)) بإسناد ضعيف. ومن حديث عبد الله بن حذافة عند
الدار قطني والطبراني وفيه الواقدي. ومن حديث مسعود بن الحكم عن رجل من
أصحاب النبي عند الطحاوي (ج ١ ص٤٢٩). وقد ذهب إلى منع الصوم في هذه
الأيام وتحريمه مطلقًا جماعة من السلف منهم: علي بن أبي طالب وعبد الله بن
عمرو بن العاص والحسن وعطاء، وهو قول الشافعي في الجديد وعليه العمل
والفتوى عند أصحابه، وهو قول الليث بن سعد وابن علية وأبي حنيفة وابن المنذر
وهي رواية عن أحمد، وإليه ذهب ابن حزم، وهؤلاء قالوا: لا يجوز صيامها
مطلقًا، وإنَّها ليست قابلة للصوم لا للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولا لغيره،
وجعلوا هذه الأحاديث مخصصة لقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْخَحْ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ لأَنَّ
الآية عامة فيما قبل يوم النحر وما بعده، والأحاديث المذكورة خاصة بأيام
التشريق، وإن كان فيها عموم بالنظرٍ إلى الحج وغيره، فيرجح خصوصها لكونه
مقصودًا بالدلالة على أنها ليست محلًّا للصوم، وإنَّ ذاتها باعتبار ما هي غير مؤهلة
له كأنها منافية للصوم. وقال الطحاوي، بعد أن أخرجٍ أحاديث النهي عن ستة عشر
صحابيًّا: فلما ثبت بهذه الأحاديث عن رسول اللّه وَّل النهي عن صيام أيام
التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى، والحاج مقيمون بها وفيهم المتمتعون
والقارنون، ولم يستثن منهم متمتعًا ولا قارنًا، دخل المتمتعون والقارنون في
ذلك، انتهى. وذهب جماعة: إلى جواز الصيام فيها مطلقًا، وبه قال أبو إسحاق
المروزي من الشافعية والأسود بن يزيد، وحكاه ابن عبد البر في ((التمهيد)) عن
بعض أهل العلم، وحكاه ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من
الصحابة .
قال ابن قدامة (ج ٣ص٦٤) بعد حكاية هذا القول عن الأسود بن يزيد وابن الزبير
وأبي طلحة ما لفظه: والظاهر أنَّ هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول اللَّه وَلّل عن صيامها
ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره، انتهى. وقيل: يمكن أنهم حملوا النهي على التنزيه.
قال الأمير اليماني: وهو قول لا ينهض عليه دليل. وقال الشوكاني: أحاديث
٤٤١
كِتّابُ الضَّؤْمِ
بَابُ صِيام التّطوّع
الباب جميعها ترد عليه. وذهب إلى منعه إلّا للمتمتع الذي لم يجد الهدي، ولم
يصم الثلاث في أيام العشر وهو قول عائشة وابن عمر وعروة بن الزبير وإسحاق بن
راهويه وعبيد بن عمير والزهري، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وأحمد في
الرواية المشهورة عنه.
قال الزركشي الحنبلي: وهي التي ذهب إليها أحمد أخيرًا. قال في ((المبهج)):
وهي الصحيحة وهو مختار البخاري فإنه ذكر في باب صيام أيام التشريق حديثي
عائشة وابن عمر في جواز ذلك ولم يورد غيره، واستدل لهذا القول بقوله تعالى :
﴿فَصِيَامُ ثَةٍ أَيَّامٍ فِ الْحَمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وبحديث عائشة وابن عمر الآتي وسيأتي الجواب
عنه. وذهب آخرون ومنهم الأوزاعي إلى أنه يصومها المتمتع ومن تعذر عليه
الهدي من المحصر والقارن لعموم الآية، ولما روى البخاريُّ وغيره عن عائشة
وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أنْ يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، فإنه
أفاد أن صوم أيام التشريق جائز رخصة لمن لم يجد الهدي وكان متمتعًا أو قارنًا أو
محصرًا لإطلاق الحديث، بناء على أنَّ فاعل قوله: يرخص المجهول هو رسول
اللَّه وأنه مرفوع حكمًا، وإن لم يضيفاه إلى عهد النبي كما قال الحاكم أبو عبد الله
في نحوه.
وقال النووي في ((شرح المهذب)): وهو القوي، يعني: من حيث المعنى وهو
ظاهر استعمال كثير من المحدثين، واعتمده الشيخان في ((صحيحيهما)) وأكثر منه
البخاري. وقال التَّاج بن السبكي: أنه الأظهر وإليه ذهب الإمام فخر الدين. قلت:
وقد ورد التصريح بالفاعل في رواية للدار قطني والطحاوي، إلا أنَّ في إسنادها
يحيى بن سلام، وقد ضعَّفه الدار قطني والطحاوي، ولفظها عند الدار قطني: رخص
رسول اللَّه وَّل للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق، ولم يذكر
الطحاوي طريق عائشة، ولفظها عنده من رواية ابن عمر، قال: إنَّ رسول اللَّه وَله
قال في المتمتع: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدي وَلَمْ يَصُمْ فِي الْعَشْرِ أَنَّه يَصومُ أيَّامِ التَّشريق،
وهذا كما ترى قد خص المتمتع بذلك فلا يكون حجة لأهل هذا القول. وأمَّا الآية
وحديث عائشة وابن عمر عند البخاري.
فأجاب المانعون عنه مطلقًا: بأنَّا لا نسلم أنَّ أيام التشريق من أيام الحج، ولو
٤٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سلمنا فهي مخصوصة بأحاديث النهي كما سبق، قال الجصاص: قد ثبت عن
النبي ◌َّ النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق في أخبار متواترة
مستفيضة. واتَّفق الفقهاء على استعمالها وأنه غير جائز لأحدٍ أن يصوم هذه الأيام
عن غير صوم المتعة، لا من فرض ولا من نفل، فلم يجز صومها عن المتعة لعموم
النهي عن الجميع، ولما اتَّفقوا على أنه لا يجوز أن يصوم يوم النحر وهو من أيام
الحج للنهي الوارد فيه، كذلك لا يجوز الصوم أيام منى ولمَّا لم يجز أن يصومهن
عن قضاء رمضان لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤] وكان الحظر
المذكور في هذه الأخبار قاضيًا على إطلاق الآية موجبًا لتخصيص القضاء في
غيرها، وجب أن يكون ذلك حكم صوم التمتع، وأنْ يكون قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةٍ
أَيَّامٍ فِ الْحَ﴾ [البقرة: ١٩٦] في غير هذه الأيام، قال الجصاص: وأيضا لما قال: ﴿فَصِيَامُ
ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الَّْ﴾، ولم يكن صوم هذه الأيام في الحج؛ لأنَّ الحج فائت في هذا
الوقت لم يجز أن يصومها. فإن قيل: لما قال: ﴿فَصِيَامُ ثَثَةٍ أَيَّامٍ فِى الْحَّ﴾ وهذه من
أيام الحج وجب أن يجوز صومهن فيها، قيل له: لا يجب ذلك من وجوه:
أحدها: أنَّ نهي النبي عن صوم هذه الأيام قاضٍ عليه ومخصص له، كما خصَّ
قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ نهيه عن صيام هذه الأيام. والثاني: أنه لو كان
جائزًا؛ لأنه من أيام الحج لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز؛ لأنَّه أخص
بأفعال الحج من هذه الأيام. والثالث: أنَّ النبي خصَّ يوم عرفة بالحج بقوله:
((الْحَجُّ عَرَفَةُ))، فقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَةِ أَيَّامٍ فِ اَلَّْ﴾ يقتضي أن يكون آخرها يوم عرفة.
والرابع: أنه روي أنَّ يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وروي أنه يوم النحر، وقد
اتَّفقوا أنه لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج، فما لم يسم يوم الحج من الأيام
المنهي عن صومها أحرى أن لا يصوم فيها، وأيضًا فإن الذي يبقى بعد يوم النحر،
إنما هو من توابع الحج، وهو رمي الجمار فلا اعتبار به في ذلك، فليس هو إذًّا من
أيام الحج فلا يكون صومها صومًا في الحج، انتهى.
قال المانعون: وحديث عائشة وابن عمر موقوف؛ لأنهما لم يضيفاه إلى الزمن
النبوي فيكون موقوفًا على ما جزم به ابن الصلاح في نحوه مما لم يضف، والمعنى
حينئذٍ لم يرخص من له مقام الفتوى، ويؤيد ذلك ما روي عنهما موقوفًا عليهما على
كِتّابُ الصَّوْم
*:
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
٤٤٣
سبيل الجزم، وروي أيضًا من فعل أبي بكر وفتيا لعلي رَوُّه.
وقال الطحاوي (ج١ ص ٤٣٠): فقولهما ذلك يجوز أنْ يكونا عنيا بهذه الرخصة
ما قال اللَّه رَ في كتابه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَكَةِ أَيَّامٍ فِ الَّْ﴾ فعدَّاها أيامَ التَّشريق من أيام الحج
فقالا: رخّص للحاج المتمتع والمحصر في صوم أيام التشريق لهذه الآية؛ ولأنَّ
هذه الأيام - عندهما - من أيام الحج، وخفي عليهما ما كان من توقيف رسول الله
وَّه الناس مِنْ بَعْدُ على أنَّ هذه الأيام ليست بداخلة فيما أباح اللّه صومه من ذلك،
انتهى. هذا وقد جعل الشوكاني القول بجوازه للمتمتع أقوى المذاهب ورجحه
أيضًا الحافظ، وذكر شيخنا في ((شرح الترمذيِّ)) كلام الشوكاني وسكت عليه.
والراجح عندي هو: المنع مطلقًا، لأحاديث النهي وهي مخصصة للآية، ولم
يثبت عن النبي وَّ الرخصة للمتمتع صريحًا بسند صحيح. وأمَّا حديث ابن عمر
وعائشة عند البخاريِّ ففي كونه مرفوعًا كلام، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص٧٥، ٧٦) والنسائي في ((الكبرى))
والطحاوي (ج ١ ص٤٢٨) والبيهقي (ج٤ ص٢٩٧) وفي الباب عن جماعة من
الصحابة غير من تقدم ذكرهم منهم عليٌّ عند أحمد (ج١ ص٧٦) والطحاوي وبشر
ابن سحم عند النسائي والطحاوي والبيهقي وابن حزم، وعبد الله بن عمر عند
البزار، وزيد بن خالد عند أبي يعلى، وكعب بن مالك عند أحمد، ومسلم وحمزة
ابن عمر والأسلمي عند الطبراني، وعائشة عند الطحاوي، وأم الفضل عند
الطحاوي أيضًا، وقد بسط العيني والطحاوي والحافظ في ((التلخيص)) (ص١٩١)
والهيثمي طرق هذه الأحاديث.
BACK
٤٤٤
wine9
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٧١ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: ((لَا يَصُومُ
أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ، أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٧١ - قوله: (لَا يَصُومُ) كذا في جميع النسخ، وهكذا وقع في ((المصابيح))
وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١ص٢٣٧) عن مسلم بلفظ النفي،
والمراد به النهي، والذي في ((صحيح مسلم)): ((لَا يَصُمْ)) بلفظ النهي، وكذا نقله
الحافظ في ((الفتح)) والبيهقي في ((السنن)) (ج ٤ ص٣٠٢) ولفظ البخاري: (لَا
يَصُومُ). قال الحافظ: كذا للأكثر وهو بلفظ النفي والمراد به: النهي، وفي رواية
الكشميهني: ((لَا يَصُومَنَّ))، بلفظ النهي المؤكد.
(أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)، أي: مفردًا. (إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ)، أي: يومًا. (أَوْ يَصُومَ
بَعْدَهُ)، أي: يومًا، كما في رواية النسائي وللبخاري: ((إِلَّا يَوْمًّا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ))، أي :
إلّا أن يصوم يومًا قبله، أو يصوم يومًا بعده، وللإسماعيلي: ((إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا
قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ))، و((أَوْ)) لمنع الخلو، والمعنى: أنه يكفي صوم أحدهما ولو صامهما
جاز أيضًا، والحديث دليل على تحريم النفل بصوم يوم الجمعة منفردًا، وعلى
جواز صوم يومها لمن صام قبله أو بعده، فلو أفرده بالصوم وجب فطره كما يفيده،
ما أخرجه أحمد والبخاري وأَبُو دَاوُدَ من حديث جويرية أنَّ النبي ◌َّدخل عليها في
يوم جمعة وهي صائمة، فقال لها: ((أَصُمْتِ أَمْسٍ؟))، قالت: لا، قال: «تَصُومِيْنَ
غَدًّا؟))، قالت: لا، قال: ((فَأَفْطِرِي))، والأصل في الأمر الوجوب، والرواية تدلّ
على جواز صومه لمن اتَّفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض،
أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة، فوافق يوم الجمعة أو له عادة بصوم يوم
وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة. واختلف الأئمة في إفراد يوم الجمعة
بالصيام، فذهب ابن حزم إلى تحريمه لظواهر الأحاديث الواردة في النهي عن
تخصيصه بالصوم، ونقله أبوالطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض
(٢٠٧١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٨٥)، ومُسْلِم (١١٤٤/١٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.
٤٤٥
بَابُ صِيام التّطوّع
كِتّابُ الصَّوْمِ
الشافعية، وكأنه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما
ثبت عن صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد أفراده بالصوم، فهذا
يشعر بأنه يرى بتحريمه. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي
هريرة وسلمان وأبي ذر.
قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفًا من الصَّحابة. وذهب الجمهور ومنهم
الشافعي وأحمد وأبويوسف وبعض الحنفية: إلى أن النهي فيها للتنزيه. وقال مالك
وأبو حنيفة ومحمد بالإباحة مطلقًا من غير كراهة، ذكره العيني وابن قدامة
والحافظ وابن الهمام. قال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه، ومن
يقتدى به نهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم
يصومه وأراه كان يتحراه. قال النووي: السنة مقدمة على ما رآه مالك وغيره، وقد
ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به، ومالك معذور؛ فإنه لم يبلغه،
قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه،
انتھی .
قلت: ونصُّ فروع المالكية كـ((الشرح الكبير)) للدردير وغيره أنه یندب إفراد يوم
الجمعة بالصوم، وبه قال عامة الحنفية. وقال بعضهم بالكراهة كما في ((البدايع))
و((النهر)) و((البحر)) و(الدر المختار)) و((حاشية رد المختار)). قال عبد الوهاب
المالكي: يوم الجمعة يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، وردَّ بأنَّ هذا
قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه منصوب في مقابلة النصوص الصحيحة. قال الحافظ :
والمشهور عند الشافعية وجهان: أحدهما: ونقله المزني عن الشافعي، أنه لا يكره
إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة، التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر. قلت:
وإليه ذهب البيهقي والماوردي وابن الصباغ والعمراني.
والثاني: وهو الذي صححه المتأخرون كقول الجمهور. قلت: وبه جزم
الرافعي والنووي في ((الروضة)). وقال في ((شرح مسلم)): أنه قال به جمهور
أصحاب الشافعي وممن صححه من المالكية ابن العربي إذ قال: وبكراهته يقول
الشافعيُّ، وهو الصحيح. واستدل لمن قال بندبه عمَّا سيأتي من حديث ابن
مسعود، وفيه: قلَّما كان يفطر يوم الجمعة، وبما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن
عمر قال: ما رأيت رسول اللَّه وَ ليل مفطرًا يوم الجمعة قطّ. وبما رواه أيضًا من
٤٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حديث ابن عبّاس قال: ما رأيته مفطرًا يوم جمعة قطّ، وفي سندهما ليث بن أبي
سلیم، وقد تقدم الكلام فيه.
وأمَّا حديث ابن مسعود فقال الحافظ في ((الفتح)): ليس فيه حجَّة؛ لأنه يحتمل أن
يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها ولا يضاد ذلك كراهة
إفراده بالصوم؛ جمعًا بين الحديثين. وقال في ((التلخيص)) (ص١٩٩): قال ابن
عبد البر: لا مخالفة بينه وبين أحاديث النهي؛ فإنَّه محمول على أنه كان يصله بيوم
الخميس. وقال العيني: لا دلالة في حديث ابن مسعود وما في معناه: أنه رَّ صام
يوم الجمعة وحده فنهيه عن صوم يوم الجمعة في أحاديث النهي يدلّ على أن صومه
يوم الجمعة لم يكن في يوم الجمعة وحده، بل إنما كان بيوم قبله أو بيوم بعده،
وذلك لأنَّه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلا بنص صحيح صريح،
فحينئذٍ یکون نسخا أو تخصیصًا و کل واحد منهما منتف، انتهى.
وقال ابن القيم: يتعين حمل حديث ابن مسعود - إنْ كان صحيحًا - على صومه
مع ما قبله أو بعده.
قلت: وأرجح الأقوال عندي: قول من ذهب إلى تحريم إفراد يوم الجمعة
بالصيام لما قد صح النهي عنه، والأصل في النهي التحريم، والله تعالى أعلم.
واختلف في وجه تحريم تخصيصه بالصوم. قال الشاه ولي الله: السِّرُّ فيه: أي: في
النهي عن شيئين :
أحدهما: سد التعمق؛ لأنَّ الشارع لما خصَّه - أي: من بين الأيام - بطاعات
وبيَّن فضله، كان مظنة أنْ يتعمق المتعمقون فيلحقون بها صوم ذلك اليوم، أي:
ابتداعًا من عند أنفسهم فمنعوا سدًّا للباب.
قال: وثانيهما: تحقيق معنى العيد، فإنَّ العيد يشعر بالفرح واستيفاء اللذة،
والسِّرُّ في جعله عيدًا أنْ يتصور عندهم أنها من الاجتماعات التي يرغبون فيها من
طبائعهم من غير قسر، انتهى. وقال الحافظ: اختلف في سبب النهي عن إفراده
على أقوال :
أحدها: لكونه يوم عيد، والعيد لا يصام ففي الحديث الصحيح أنَّ النبي
صَلى لّه
وَسلم
٤٤٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُّعِ
قال: ((إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيْدًا))، وروى النسائي من حديث أبي سعيد الخدري
أن النبي ◌ِّه قال: ((لَا صِيَامَ يَوْمَ عِيْدٍ))، واستشكل التعليل بذلك بوقوع الإذن من
الشارع بصومه مع غيره.
وأجاب ابن القيم وغيره: بأنَّ شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كلِّ جهة،
ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التَّحري بالصوم.
ثانيها: لئلا يضعف عن إقامة وظائف الجمعة من الغسل والتبكير إلى الصلاة
وانتظارها، واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها وهذا اختاره النووي. وتعقب ببقاء
المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وأجاب: بأنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي
قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب
صومه .
قال الحافظ: وفيه نظر؛ فإنَّ الجبر لا ينحصر في الصوم، بل يحصل بجميع
أفعال الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرًا كثيرًا يقوم مقام صيام يوم
قبله أو بعده كمن أعتق فيه رقبة مثلًا، ولا قائل بذلك، وأيضًا فكان النھيُّ يختص
بمن يخشى عليه الضعف، لا من يتحقق القوة، ويمكن الجواب عن هذا بأنَّ المظنة
أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه.
ثالثها: خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت، قال
الحافظ: وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام، وأيضًا فاليهود لا يعظمون
السبت بالصيام، فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه؛ لأنهم لا
يصومونه، وقد روى النسائيُّ وأَبُو دَاوُدَ وصححه ابن حبَّان من حديث أم سلمة: أن
النبي ◌َّ﴾ كان يصوم من الأيام السبت والأحد، وكان يقول: ((إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيْدٍ
لِلْمُشْرِكِيْنَ فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ)) .
رابعها: خوف اعتقاد وجوبه. قال الحافظ: وهو منتقض بصوم الاثنين
والخميس وسيأتي ذكر ما ورد فيهما. خامسها: خشية أن يفرض عليهم كما
خشى وَلّ من قيامهم اللَّيْل ذلك. قال المهلب: وهو منتقض بإجازة صومه مع
غيره، وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده لارتفاع السبب .
سادسها: مخالفة النَّصارى؛ لأنه يجب عليهم صومه، ونحن مأمورون
٤٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
بمخالفتهم. قال الحافظ: وهو ضعيف ولم يبين وجه الضعف، قال: وأقوى
الأقوال وأولاها بالصواب: أوَّلها، وورد فیه صريحًا حدیثان:
أحدهما: رواه أحمد (ج٢ ص٢٠٣) وابن خزيمة والبخاري في ((التاريخ الكبير))
والبزار والحاكم (ج١ ص٤٣٧) من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعًا:
(يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيْدٍ، فَلاَ تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيْدِكُمْ يَوْمِ صِيَامِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ
بَعْدَهُ)) .
والثاني: رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن عليَّ قال: مَنْ كان منكم متطوعًا
من الشَّهر فليصمْ يوم الخميس، ولا يصمْ يوم الجمعة؛ فإنه یوم طعام وشراپٍ
وذکرٍ، انتھی.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذيُّ وأَبُو دَاوُدَ والنسائيُّ
في ((الكبرى)) وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم (ج١ ص٤٣٧) والبيهقي
(ج ٤ ص ٣٠٢) وفي الباب عن جابر عند الشيخين والنسائي وابن ماجه، وعن
ابن عباس عند أحمد وعن بشير بن الخصاصية عند أحمد والطبراني، وعن جنادة
الأزدي عند أحمد والنسائي والحاكم، وعن أبي الدرداء عند النسائيِّ والطبراني،
وعن عبد الله بن عمرو عند النسائيِّ، وعن جويرية عند أحمد والبخاري وأبي داود.
٢٠٧٢ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: (لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ
الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ
إِلَّا أَنْ يَكُونَّ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٠٧٢- قوله: (لَا تَخْتَصُوا) من الاختصاص. (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ)، (لَيْلَةَ)
منصوب على أنه مفعول به. قال الطيبي: الاختصاص لازم ومتعد، وفي الحديث
متعد. قال المالكي: المشهور في اختصَّ أنْ يكون موافقًّا لِخَصَّ في التَّعدي إلى
(٢٠٧٢) مُسْلِم (١٤٨ / ١١٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.
٤٤٩
بَابُ صِيام التّطوّع
كِتّابُ الصَّوْمِ
مفعول، وبذلك جاء قوله تعالى: ﴿يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءٌ﴾ [البقرة: ١٠٥) و قول عمر
ابن عبد العزيز ولا يختص قومًا، وقد يكون اختصَّ مطاوع خصَّ فلا يتعدى
کقولك : خصصتك بالشيء فاختصصت به، انتهى.
(بِقِيَام) قال ابن حجر: أي: بصلاة، والظاهر: أنَّ القيام أعمُّ في المعنى المراد.
(مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي) فيه: دليل على تحريم تخصيص ليلة الجمعة بعبادة بصلاة وتلاوة
غير معتادة، إلا ما ورد به النص الصحيح كقراءة سورة الكهف، فإنَّه ورد تخصيص
ليلة الجمعة بقرائتها، وقد دلّ هذا بعمومه على عدم مشروعية صلاة الرغائب في
أوَّل ليلة الجمعة من رجب.
قال النووي: في هذا الحديث النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة
من بين اللَّالِي، وهذا متفق على كراهته، واحتجَّ به العلماء على كراهة هذه الصلاة
المبتدعة الّتي تسمَّى الرغائب، قاتل الله واضعها ومخترعها؛ فإنَّها بدعةٌ منكرة من
البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة. وقد صنف جماعة من الأئمة
مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلالة قبحها وبطلانها
وتضليل فاعلها أكثر من أنْ تحصرَ، انتهى.
(وَلَا تَخْتَصُوا) كذا في جميع النسخ، وهكذا في ((المصابيح)) و((المنتقى)) للمجد
ابن تيمية والسنن للبيهقي، والذي في ((صحيح مسلم)): ((وَلَا تَخُصُّو)).
قال النووي: هكذا وقع في الأصول: ((لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَلَا تَخُصُوا يَوْمَ
الْجُمُعَةِ)) بإثبات تاء في الأول بين الخاء والصاد، وبحذفها في الثاني وهما
صحیحان، انتهى. وذكره المنذري في ((الترغيب)) والجزري في ((جامع الأصول))
(ج٧ ص ٢٣٧) والحافظ في ((الفتح))، وفي ((بلوغ المرام)) بحذف التاء في
الموضعين. (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) مفعول به کقوله: ویوم شهدناه.
(بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْم) تقديره: إلَّا أن يكون يوم الجمعة
واقعًا فيَ يوم صوم. (يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ) أي: مَّن نذر أو ورد وعادة، والظاهر: أنَّ
الاستثناء من ليلة الجمعة كذلك، ولعلَّ ترك ذكره للمقايسة قاله القاري. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائيُّ والبيهقيُّ (ج٤ ص ٣٠٢).
٤٥٠
Bow
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٢٠٧٣ - [١٨] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ:
(مَنْ صَامَ يَوْمًّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
الشرح
٢٠٧٣- قوله: (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، قال في ((النهاية)): سبيل الله
عام يقع على كلٍّ عملٍ خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض
والتَّوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتَّى صار
لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه، انتهى. قيل: المراد به هاهنا: مجرد إخلاص
النية، أي: من صام يومًا ابتغاء لوجه الله تعالى؛ وذلك لئلا يعارض أولوية الفطر
في الجهاد عن الصوم؛ لأنه يضعف عن اللقاء، وقيل: المراد به الغزو والجهاد،
أي: من صام يومًا حال كونه غازيًا. قلت: والثاني هو المتبادر، ويؤيده ما في
((فوائد أبي الطاهر الذهلي)) من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثي عن المقبري عن
أبي هريرة بلفظ: ((مَا مِنْ مُرَابِطٍ يُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيْلِ اللهِ ... )).
الحديث. وحينئذٍ فالأولوية المذكورة محمولة على من يُضعِفه الصوم عن
الجهاد. أمَّا من لم يُضعِفه فالصوم في حقِّه أفضل؛ لأنه يجمع بين الفضيلتين.
قال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإن حمل عليه كانت
الفضيلة؛ لاجتماع العبادتين. قال: ويحتمل أن يراد بسبيل الله: طاعته كيف
كانت، والمراد من صام قاصدًا وجه الله، والأول أقرب، ولا يعارض ذلك أن
الفطر في الجهاد أولى؛ لأنَّ الصائم يضعف عن اللقاء؛ لأنَّ الفضل المذكور
محمول على من لم يخش ضعفًا ولا سيما من اعتاد به، فصار ذلك من الأمور
النسبية فمن لم يُضِعِفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقّه أفضل؛ ليجمع بين
الفضيلتين. (بَعَّدَ اللَّهُ) بتشديد العين هذا لفظ البخاري، وفي مسلم: ((بَاعَدَ))، أي:
(٢٠٧٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢٨٤٠)، ومُسْلِم (١٦٨ / ١١٥٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهِ، والتِّرْمِذي
(١٦٢٣)، والنَّسَائِي (١٧٢/٤)، وابْنُ مَاجِهْ (١٧١٧).
٤٥١
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوَّعِ
من المباعدة. (وَجْهَهُ)، أي: ذاته كلها. (عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) أي: مقدار
مسافة سبعين عامًا، يعني: أنَّها مسافة لا تقع إلا بسير سبعين عامًا، وهو كناية عن
حصول البعد العظيم.
قال في ((النهاية)): الخريف الزمان المعروف ما بين الصيف والشتاء، ويراد به
السنة؛ لأنَّ الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى الخريف
انقضى السنة. قال الطيبي: وإنما خصَّ بالذكر دون سائر الفصول؛ لأنه زمان بلوغ
حصول الثمار وحصاد الزرع وسعة العيش. وقال الحافظ: الخريف، زمان معلوم
من السَّنة، والمراد به هنا: العام وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول
الصيف والشتاء والربيع؛ لأنَّ الخريف أزكى الفصول؛ لكونه يجنى فيه الثمار،
انتهى. وعند أبي يعلى من طريق زبان بن فائد عن معاذ بن أنس: ((بَعُدَ مِنَ النَّارِ مِئَةً
عَامِ سَيْرَ المُضْمَرِ الجَوَادِ»، وعند الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) بإسناد لا بأس
به عن عمرو بن عبسة: ((بَعُدَتْ مِنْهُ النَّارُ مَسِيْرَةَ مِئَةٍ عَام))، ورواه في ((الكبير)) من
حديث أبي أمامة إلا أنه قال فيه: ((بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ مَسِيرَةَ مِئَةٍ عَامِ رَكْضَ
الْفَرَسِ الْجَوَادِ الْمُضْمَرِ))، ورواه النسائي من حديث عقبة لم يقل فيه: (رَكْضَ
الفَرَسِ ... )) إلى آخره، وفي ((كامل)) ابن عدي عن أنس: ((تَبَاعَدَتْ مِنْهُ جَهَنَّمُ خَمْسٍ
مِنَّةِ عَام))، وفي حديث أبي أمامة عند الترمذيِّ: ((جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقَّا كَمَا
بَيْنَ الَسَّمَاءِ وَالأَرْضِ))، وفي حديث سلامة بن قيصر عند الطبراني في ((الكبير)):
((كَبُعْدِ غُرَابٍ طَارَ وَهُو فَرْخٌ حَتَّى مَاتَ هَرَمًّا)).
قيل: ظاهر هذه الأحاديث التعارض، وأجيب: بأنَّ الاعتماد على رواية سبعين
فإنها أصحُّ الروايات لاتفاق الشيخين عليها فما في الصحيح أولى، أو أنَّ اللَّه تعالى
أعلم نبيه وَّرَ بالأدنى، ثُمَّ بما بعده على التدريج، أو أنَّ ذلك بحسب اختلاف
أحوال الصَّائمين في كمال الصوم ونقصانه، أو ورد ذكر السبعين لإرادة التكثير، أو
المراد بالتبعيد كما قال النووي وغيره: المعافاة عن النار وسلامته من عذابها، لا
البعد بهذه المسافة .
وفي الحديث: دلالة على فضيلة الصوم في الجهاد ما لم يضعف بسببه عن قتال
عدوه، وكأن فضيلة ذلك؛ لأنه جمع بين جهاد نفسه في طعامه وشرابه وشهوته
٤٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وجهاد عدوه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاريِّ أخرجه في الجهاد، وأخرجه مسلم في
الصوم، وفي رواية له: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ
وَجْهَهُ عَنِ الَّارِ سَبْعِينَ خَرِيقًا))، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في الجهاد والنسائي
وابن ماجه والبيهقي في الصوم.
٢٠٧٤ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصَّومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟)).
فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ
لِجَسَدَِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ
لِزَوْرَِ عَلَيْكَ حَقًّا، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ
الدَّهْرِ كُلِّهِ، صُمْ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ)) . قُلْتُ: إِنِّي
أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَّ: ((صُمْ أَفَضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ: صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ
[مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]
يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً، وَلَا تَزِدْ عَلَّى ذَلِكَ)).
الشرح
٢٠٧٤ - قوله: (أَلَمْ أُخْبَرْ) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة
مبنيًّا للمفعول، وهمزة ((أَلَمْ)) للاستفهام ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقي، فمعناه
هنا: حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده ثبوته، والذي أخبره هو والده
عمرو بن العاص كما يدل عليه رواية البخاريٍّ في فضائل القرآن. (أَنَّكَ تَصُومُ
النَّهَارَ)، أي: ولا تفطر، وفي رواية: ((تَصُومُ الدَّهْرَ)).
(وَتَقُومُ اللَّيْلَ) أي: جميعه ولا تنام، وفي رواية: (وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ))،
(فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ،) زاد مسلم: ((ولم أرد بذلك إلا الخير))، وفي رواية
للبخاري: ((أخبر رسول اللّه وَ له أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل
ماعشت))، وللنسائي من طريق أبي سلمة قال: قال لي عبد الله بن عمرو: ((يا بن
(٢٠٧٤) البُخَارِي (١٩٧٥) (١٩٧٦) (١٩٧٩)، ومُسْلِم (١١٥٩/١٨١) (١١٥٩/١٨٢)، وأَبُو دَاوُد
(١٣٨٨)، والنَّسَائِي (٢١١/٤) عَنْهُ فِيهِ.
٤٥٣
كِتّاب الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
أخي، إني قد كنت أجمعت على أنْ أجتهد اجتهادًا شديدًا حتى قلت: لأصومن
الدهر ولأقرأن القرآن في كل ليلة. (قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ) زاد في رواية للبخاريِّ: ((فَإِنَّكَ
إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ - أي: غارت ودخلت في نقرتها من الضعف -
وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ. أي: أعيت وتعبت وكلت))، وزاد في رواية ابن خزيمة: ((إِنَّ لِكُلِّ
عَامِلِ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ».
(صُمْ)، أي: في بعض الأيَّام. (وَأَفْطِرْ) بهمزة قطع، أي: في بعضها. (وَقُمْ
وَنَمْ) بفتح النون، أي: اجمع بين القيام والنوم في الليل. (فَإِنَّ لِجَسَدَِ عَلَيْكَ حَقًّا)
بأنْ ترعاه وترفق به ولا تضره حتَّى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها، وقد ذمَّ الله
قومًا أكثروا من العبادة ثم تركوا، بقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا
رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. (وَإِنَّ لِعَيْنِكَ) بالأفراد، وفي رواية: ((لِعَيْنَيْكَ))
بالتثنية. (عَلَيْكَ حَقًّا) في ((الموطأ)): ((فَإِذَا سَرَدَ الزَّوْجُ الصَّوْمَ وَوَالَى قِيَامَ اللَّيْلِ
ضَعُفَ عَنْ حَقِّها))، أي: فلا ينبغي لأحد أن يجهد بنفسه في العبادة حتى يضعف عن
القيام بحقها من جماع واكتساب.
(وَإِنَّ لِزَوْرِكَ) بفتح الزاي وسكون الواو، أي: لضيفك، والزور في الأصل
مصدر وضع موضع الاسم، كصوم في موضع صائم، ونوم في موضع نائم،
وعدل في موضع عادل، والواحد والاثنان والثلاثة والمذكر والمؤنث في ذلك
بلفظ واحد، يقول: هذا رجل زور، ورجلان زور، وقوم زور، وامرأة زور،
ويحتمل أن يكون زور جمع زائر، كركب جمع راكب، وتجر جمع تاجر. (عَلَيْكَ
حَقًّا)، أي: في البسط والمؤانسة وغيرهما فيفطر لأجله؛ إيناسًا له وبسطًا، وفيه:
أنَّ رب المنزل إذا نزل به ضيف يفطر لأجله. وقال القاري: أي: وتعجز بالصيام
والقيام عن حسن معاشرته، والقيام بخدمته ومجالسته، إمّا لضعف البدن أو لقوة
سوء الخلق، انتهى. وزاد مسلم: ((وَإِنَّ لِوَلَدَِ عَلَيْكَ حَقًّا))، أي: ومن حقِّ الأولاد
الرفق بهم والإنفاق عليهم وشبه ذلك من التأديب والتعليم، وزاد النسائي: ((وَإِنَّهُ
عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ))، وفيه: إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو بعد ذلك من
الكبر والضعف والعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند
رسول اللَّه ◌َله .
٤٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن دقيق العيد: كره جماعة قيام كلِّ الليل لردِّ النبي ◌َّ ذلك على من أراده،
ولما يتعلق به من الاجحاف بوظائف عديدة، وفعله جماعة من المتعبدين من
السلف وغيرهم، ولعلهم حملوا الرد على طلب الرفق بالخلق لا غير، وهذا
الاستدلال على الكراهة بالرد المذكور عليه سؤال هو أنه يقال: إن الردَّ لمجموع
أمرين، وهو صيام النهار وقيام الليل، فلا يلزمه ترتبه على أحدهما، انتهى.
وقال النووي: نهيه ◌ّ عن صلاة الليل كله هو على إطلاقه غير مختص بعبد الله
ابن عمرو بل قال أصحابنا: يكره صلاة كل الليل دائمًا لكلِّ أحد؛ لأنَّ صلاة الليل
کله لا بد فيها من الإضرار بنفسه و تفویت بعض الحقوق، فإنّ إن لم ینم بالنهار فهو
ضرر ظاهر، وإن نام نومًا ينجبر به سهره وفوت بعض الحقوق بخلاف من يصلِّي
بعض الليل، فإنه يستغني بنوم باقيه، وإن نام معه شيئًا في النهار كان يسيرًا لا يفوت
به حق، وكذا من قام ليلة كاملة كليلة العيد أو غيرها لا دائمًا لا كراهة فيه لعدم
الضرر، والله أعلم. (لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ) يحتمل أن يكون خبرًا وأنْ يكون دعاء
كما مر، والأول هو الأظهر وقد تقدم البسط في مسألة صوم الدهر في شرح حديث
أبي قتادة.
(صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) مبتدأ خبره (صَوْمُ الدَّهْرِ)؛ لأنَّ الحسنة بعشر
أمثالها. (كُلِّهِ) بالجّر تأكيد للدهر، وفيه: دليل على استحباب صيام ثلاثة أيام من
كل شهر. واختلف في تعيينها من الشهر اختلافًا في تعيين الأحب والأفضل لا
غير، وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك. (صُمْ)، أي: أنت بالخصوص
ومن هو في المعنى مثلك، وبهذا يندفع توهم التكرار المستفاد مما قبله، قاله
القاري .
قلت: وقع في رواية بعد قوله: ((صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ)) ((صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّام،
فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ))، وهذا يدل على أن قوله هاهناً.
((صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ). بِمَنْزِلَةِ العِلَّةِ لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ:
((صُمْ)) ويدل أيضًا على هذا ما وقع في رواية أخرىٍ بعد قوله: ((وَإِنَّ لِزَوْرَِ عَلَيْكَ
حَقًّا))، (وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا،
فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلُّمِ)). (كُلَّ شَهْرٍ) منصوب بنزع الخافض، أي: من كل شهر.
(ثَلَاثَةَ أَيَّام) ظرف، قيل: هي أيام البيض، وقيل غير ذلك. (وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ)، أي:
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوَّعِ
@Sar
٤٥٥
جميعه. (فِي كُلِّ شَهْرٍ)، أي: مرة. (إِنِّي أَطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك) أي: مما ذكر صيام
الثلاثة وختم الشهر .
(قَالَ: صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ) نصبه على البدل أو البيان أو بتقدير: أعني،
ويجوز رفعه دون جره؛ لفساد المعنى. (صِيَامُ يَوْم وَإِفْطَارُ يَوْم) برفعهما على أنهما
خبر مبتدأ محذوف هو: هو. قال القاري: وفي نَسِّخة بالنصب، وهو ظاهر، وزاد
في رواية: ((وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ))، وفي أخرى: قلت: إنِّي أطيق أفضل من ذلك، فقال
النبيِوَ لّ: (لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ))، وفي الرواية المذكورة هنا اختصار، فإنَّ للبخاري
في ((الأدب)): ((فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّام))، وفي رواية له في الصوم: ((فَصُمْ يَوْمًا
وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنٍ))، وفي أخرى له : ((أَمَا يَكْفِيكَّ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّام))، قلت: يا رسول
الله، قال: ((خَمْسًا))، قلت: يا رسول الله، قال: ((سَبَعًا))، قلت: يا رسول الله،
قال: (تِسْعًا))، قلت: يا رسول الله! قال: (إِحْدَى عَشْرَةَ)).
وفي رواية لمسلم: ((صُمْ يَوْمًا - يعني: من كلِّ عشرة أيام - وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِي)).
قال: إنِّي أطيق أكثر من ذلك، قال: ((صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ))، قال: إني أطيق
أكثر من ذلك، قال: ((صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ))، قال: إنِّي أطيق أكثر من
ذلك، قال: ((صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامِ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ))، قال: إني أطيق أكثر من ذلك؟
قال: ((صُمْ صَوْمَ دَاوُدَ))، وهذا يقتضي أنه يَّر أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ثم
بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر ثم بخمسة عشر، فالظاهر من مجموع الروايات
الواردة في الباب أنَّه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كلِّ شهر، فلما قال: إنَّه
يطيق أكثر من ذلك زاده بالتَّدريج إلى أنه وصَّله إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض
الرواة عنه ما لم يذكر الآخر، ويدلَّ على ذلك رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن
عبد الله بن عمر وعند أبي داود: ((فلم يزلْ يناقصني وأناقصه)). ووقع للنسائي في
رواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة: ((صُمِ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ مِنْ كُلُّ جُمُعَةٍ)) وهو
فرد من أفراد ما تقدم ذكره. وقد استشكل قوله: ((صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ
مَا بَقِيَ)) مع قوله: ((صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمَيْنٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ ... )) إلخ. لأنه
يقتضي الزيادة في العمل والنقص في الأجَّر، وبذلك ترجمَ له النسائيُّ .
وأجيب: بأنَّ المراد: لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التَّضعيف، قال عياض: قال
٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بعضهم: معنى: ((صُمْ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ))، أي: من العشرة، وقوله: ((صُمْ
يَوْمَيْنٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ))، أي: من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر،
وحمله على ذلك؛ استبعاد كثرة العمل وقلة الأجر.
وتعقبه عياض: بأن الأجر إنما اتحد في كل ذلك؛ لأنه كان نيته أن يصوم جميع
الشهر، فلمَّا منعه ◌ّ من ذلك إبقاء عليه لما ذكر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام
منه قليلاً أو كثيرًا، كما تأولوه في حديث: ((نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ))، أي: أنَّ
أجره في نيته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله، انتهى.
والحديث المذكور ضعيف، وهو في ((مسند الشهاب)) والتأويل المذكور لا بأس
به. ويحتمل أيضًا إجراء الحديث على ظاهره، والسَّبب فيه أنَّه كلما ازداد من
الصوم ازداد من المشقة الحاصلة بسببهِ المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من
العبادات، الّتي قد يفوتها مشقة الصوم فينقص الأجر باعتبار ذلك، على أن قوله في
نفس الخبر: ((صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ)) يرد الحمل الأول، فإنه يلزم منه على
سياق التأويل المذكور أنْ يَكونَ التقدير: ولك أجرُ أربعين. وقد قيده في نفس
الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين.
وكذلك قوله في رواية أخرى للنسائي بلفظ: ((صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ
أَجْرُ تِلْكَ التِّسْعَةِ))، ثمَّ قال فيه: ((مِنْ كُلِّ تِسْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ الثَّمَانِيَةِ))، ثمَّ
قال: ((مِنْ كُلِّ ثَمَانِيَةِ أَيَّامِ يَوْمًّا وَلَكَ أَجْرُ السَّبْعَةِ)، فلم يزل حتى قال: ((صُمْ يَوْمًا
وَأَفْطِرْ يَوْمًا)) .
وله من طريق آخر بلفظ: ((صُمْ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ عَشْرَةٍ))، قلت: زدني، قال: ((صُمْ
يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ))، قلت: زدني، قال: ((صُمْ ثَلَاثَةً وَلَكَ أَجْرُ ثَمَانِيَةٍ))، فهذا
يدفع في صدر ذلك التَّأويل الأول كذا في ((الفتح)).
(وَاقْرَأْ)، أي: كل القرآن. قال القسطلاني: أي: ما نزل منه إذ ذاك وما سينزل.
(فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً)، أي: مرة من الختم. (وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ)، أي: على ما ذكر
من الصوم والختم، أو المراد: لا تزد على ما ذكر من السبع. قال الحافظ: أي: لا
تغير الحال المذكورة إلى حالة أُخرى فأطلق الزيادة، والمراد: النقص والزيادة هنا
بطريق التَّدلِّى، أي: لا تقرأه في أقل من سبع.
٤٥٧
كِتّابُ الضَّوْم
بَابُ صِيام التّطوّع
ولمسلم قال: ((اقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرِ))، قال: قلت: يا نبي الله، إني أطيق
أفضل من ذلك، قال: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينٍ))، قال قلت: يا نبي الله، إني أطيق
أفضل من ذلك، قال: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ))، قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من
ذلك، قال: ((فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَّا تَزِدْ عَلَىَّ ذَلِكَ)) . ولأبي داود والترمذي والنسائي
من طريق وهب بن منبه، عَّ عبد الله بن عمرو: أنه سأل رسول اللَّه ◌َثّل في كم يُقرأ
القرآن؟ قال: ((فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا))، ثم قال: ((فِي شَهْرٍ))، ثم قال: ((فِي عِشْرِينَ))، ثم
قال: ((فِي خَمْسِّ عَشْرَةَ))، ثم قال: ((فِي عَشْرَةَ))، ثم قال: ((فِي سَبْعٍ))، ثم لم ينزل عن
سبع .
قال الحافظ: وهذا إنْ كان محفوظًا احتمل في الجمع بينه وبين رواية أبي فروة
الآتية تعدد القصة، فلا مانع أنْ يتعددَ قول النبي وَلّ لعبد الله بن عمر، وفي ذلك
تأكيدًا، ويؤيده الاختلاف الواقع في السياقِ. وفي ((مسند الدارمي)) من طريق أبي
فروة عروة بن الحارث الجهني، عن عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله،
في كم أختم القرآن؟ قال: ((اخْتِمْهُ فْي شَهْرٍ))، قلت: إني أطيق، قال: ((اخْتِمْهُ فِي
خَمْسٍ وَعِشْرَينَ))، قلت: إني أطيق، قال: ((اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ))، قلت: إني أطيق،
قال: ((اخْتِمْهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ))، قلت: إني أطيق، قال: ((اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ))، قلت:
إني أطيق، قال: ((لا)).
وفي رواية هشيم عن مغيرة، وحصين عن مجاهد عن عبد الله بن عمر، وعند
أحمد (ج٢: ص١٥٨): قال: (فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ شَهْرِ))، قلت: إني أجدني أقوى من
ذلك، قال: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرَةٍ أَيَّام))، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال
أحدهما - إمَّا حصين وإمّا مغيرة - وقال: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ))، وفِي رواية
للبخاري في الصوم قال: ((اقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ))، قال - أي: عبد الله - إني
أطيق أكثر من ذلك، فما زال حتى قال: ((فِي ثَلَاثٍ)) عند أحمد (ج٢: ص١٦٥)
وأبي داود والترمذي وابن ماجه مصححًا من طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير،
عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ))، ولفظ ابن
ماجه: ((لَمْ يَفْقَهْ ... )» إلخ.
قال السنديُّ: إخبار بأنه لا يحصل الفهم والفقه المقصود من قراءة القرآن فيما
٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
دون ثلاث - أو دعاء عليه بأنْ لا يعطيه الله تعالى الفهم، وعلى التقديرين فظاهر
الحديث كراهة الختم فيما دون ثلاث، انتهى. وعند سعيد بن منصور بإسناد
صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود: اقرؤا القرآن في سبع ولا تقرؤه في أقل من
ثلاثٍ، ولأبي عبيد في ((فضائل القرآن)) من طريق عمرة عَنَّ عائشة: أن النبي وَّ
كان لا يختم القرآن في أقلّ من ثلاثٍ، وهذا اختيار أحمد كما في ((المغني))
(ج٢: ص١٧٤) وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه، وثبت عن كثير من السلف أنَّهم
قرأوا القرآن في دون ذلك.
قال الحافظ: وكأنَّ النهى عن الزيادة ليس على التحريم، كما أنَّ الأمر في جميع
ما مر في الحديث ليس للوجوب، وعرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها
السِّياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال أو في المآل. وأغرب بعض
الظاهرية فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث.
وقال النوويُّ: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط
والقوة. قال: والاختيار أنَّ ذلك يختلف بالأشخاص؛ فمنْ كان من أهل الفهم
وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من
التدبر، واستخراج المعاني. وكذا من كانَ له شغل بالعلم أو غيره من مهمات
الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يخل بما
هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى
الملل ولا يقرؤه هذرمة.
قلت: والراجح عندنا هو ما ذهب إليه أحمد: أنه يكره أنْ يقرأه في أَقلَّ من
ثلاثٍ؛ لما مر من حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو، عند
أبي داود والترمذي، ومن حديث ابن مسعود عند سعيد بن منصور، ومن حديث
عائشة عند أبي عبيده، فهذه الأحاديث ظاهرة في التقدير والتحديد، فالصواب: أنْ
يتوقف عندها ولا يلتفت إلى ما يخالف ظاهرها من أقوال العلماء وعملهم؛ والله
تعالى أعلم.
G تنبيه:
المراد بالقرآن في حديث الباب: جميعه ولا يرد على هذا أنَّ القصة وقعت قبل
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيامِ التَّطوُّعِ
٤٥٩
بمدة، وذلك قبلَّ أنْ ينزل بعض القرآن الذي تأخر نزوله، لأنَّا
عَلَى الْـ
موت النبي
نقول: سلمنا ذلك، لكن العبرة بما دلَّ عليه الإطلاق، وهو الذي فهم الصَّحابي
فكان يقول: ليتني لو قبلت الرخصة، ولا شك أنه بعد النبي وَلّ كان قد أضاف
الذي نزل آخرًا إلى ما نزل أولًا، فالمراد بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك وهو
معظمه، ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه، قاله الحافظ.
(مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في التهجد والصوم والأنبياء وفضائل القرآن
والنكاح والأدب والاستيذان، ومسلم في الصوم بألفاظ متقاربة، والسياق
المذكور هاهنا ليس لأحد منهما ولا لغيرهما ممن خرجه من الأئمة كما لا يخفى
على من نظر في طرق هذا الحديث وألفاظه. وأخرجه أحمد اثنتين وعشرين مرة
مطولاً ومختصرًا، وأَبُو دَاوُدَ والنسائي والبيهقي في الصوم، وقد أطال النسائي في
تخریجه طرقه .
قال الحافظ في ((الفتح)): رواه جماعة من الكوفيين والبصريين والشاميين عن
عبد الله بن عمرو مطولًا ومختصرًا، فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة، ومنهم
من اقتصر على قصة الصيام، ومنهم من ساق القصة كلها، ولم أره من رواية أحد
من المصريين عنه مع كثرة روايتهم عنه.