Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البخاري والحاكم (ج ١: ص٤٢٩) والبيهقي (ج٤: ص٢٦٧) عن علي بن المديني
من وجه الجمع لرفع الاضطراب، فهو مما لا يتعلق بالاختلاف الذي سنذكره كما
لا يخفى على من تأمل في طرق هذا الحديث، ثم في كلام البخاري وابن المديني،
فأما الاضطراب في سنده على ما وقفت عليه، فهو أنه اختلف أصحاب أبي قلابة
عليه. فقال أيوب: في رواية معمر عنه عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء
عن شداد وهي عند أحمد (ج٤: ص١٢٣) وهكذا قال عاصم الأحول في رواية يزيد
ابن هارون عنه عن أبي قلابة عند أحمد أيضًا (ج٤: ص١٢٣) والدارمي والبيهقي
(ج٤: ص ٢٦٥) وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عنه عن أبي قلابة عند أحمد
(ج٤: ص١٢٤) وكذا قال داود بن أبي هند عن أبي قلابة وهذه أيضًا عند أحمد
(ج٤: ص ١٢٤) وقال أيوب: في رواية حماد بن زيد ووهيب عنه عن أبي قلابة عن
أبي الأشعث عن شداد، ورواية حماد عند أحمد (ج٤ : ص١٢٤) ورواية وهيب عند
أبي داود والحاكم (ج١: ص٤٢٨) والبيهقي (ج ٤: ص٢٦٥) وهكذا قال خالد
الحذاء عن أبي قلابة عند أحمد (ج٤: ص١٢٢) والبيهقي (ج٤ : ص٢٦٨) وخالد
ومنصور جميعًا عند الطحاوي (ج١: ص ٣٤٩) وقد وافق الثلاثة أي: أيوب وخالدًا
ومنصورًا على ذلك عاصم الأحول في رواية شعبة عنه عن أبي قلابة عند أحمد
(ج ٤: ص١٢٤) والحاكم (ج١: ص٤٢٩) وفي رواية سفيان عنه عند الحاكم
(ج ١: ص٤٢٨ - ٤٢٩) والطحاوي (ج١: ص٣٤٩).
وقال أيوب أيضًا: في رواية إسماعيل عنه عن أبي قلابة عمن حدثه عن شداد
وهذه عند أحمد (ج٤: ص ١٢٥) وقال قتادة: عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن شداد
وهي عند أحمد أيضًا (ج٤: ص١٢٤) وقال يحيى بن أبي كثير: عن أبي قلابة أنه
أخبره أن شداد بينما هو يمشي مع رسول اللّه وَليل ... وهذه عند أبي داود وابن
ماجه، وأما الاضطراب في متنه ففي أكثر الروايات أن شدادًا كان يمشي مع
رسول اللَّه ◌َلّه، فمر على رجل يحتجم، وفي رواية داود بن أبي هند عن أبي قلابة
عند أحمد (ج٤: ص١٢٤) أنه قال: مرَّ رسول اللَّه ◌َ له عليَّ وأنا أحتجم في ثمان
عشرة، الحديث. وفي رواية للحاكم في سبع عشرة.
(قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ) أي: صاحب ((المصابيح)) و((شرح السنة)).
(رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قال القاري: وفي نسخة صحيحة: رحمه الله. (وَتَأَوَّلَهُ) أي: هذا

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
٣٢١
الحديث. (بَعْضُ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ) للصائم وهم الجمهور فبعضهم قالوا.
(أَنْ: تَعَرَّضَا لِلْإِفْطَارِ) كما يقال: هلك فلان أي: تعرض للهلاك. (الْمَحْجُومُ
لِلضَّعْفِ) أي: لحصول الضعف له بالحجامة فيحمله على الفطر.
(وَالْحَاجِمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ شَيْءٌ) أي: من الدم. (إِلَى جَوْفِهِ بِمَصِّ
الْمَلَازِم) بإضافة المصدر إلى مفعوله وهو بفتح الميم جمع الملزمة بكسر الميم
قارورة الحجام التي يجتمع فيها الدم، وسميت بذلك؛ لأنها تلزم على المحل
وتقبضه. وقد ذكرنا مثل هذا التأويل عن الخطابي مع ما فيه من الخدشة، وذكرنا
أيضًا وجوهًا أُخر في تأويل هذا الحديث.
٢٠٣٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ شَةِ: ((مَنْ
أَقْطَرَ يَوْمًّا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ، وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضٍ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ
كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وِالدَّارِمِيُّ والْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَغْنِي: الْبُخَارِيُّ - يَقُولُ: أَبُو المَطْوِّس الرَّاوِي لَ أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ]
{ضعيف }
الشرح
٢٠٣٣- قوله: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ) أطلق الإفطار وهو لا يخلو إما أن
يكون بجماع أو غيره ناسيًّا، أو عامدًا، لكن المراد منه: الإفطار بالأكل أو الشرب
عامدًا، وأما ناسيًّا أو بالجماع فقد تقدم ذكرهما. (مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ) كسفر. (وَلَا
مَرَضٍ) أي: مبيح للإفطار من عطف الخاص على العام؛ لأن المرض داخل في
الرِخَصة. (لَمْ يَقْضٍ عَنْهُ) أي: عن ثواب ذلك اليوم وفضله وبركته (صَوْمُ الدَّهْرِ
كُلِّهِ) أي: صومه فيه فالإضافة فيه بمعنى في نحو مكر الليل وكله للتأكيد. (وَإِنْ
صَامَهُ) أي: ولو صام الدهر كله. قال المظهر: أي: لم يجد فضيلة الصوم
(٢٠٣٣) أبُو دَاوُد (٢٣٩٦)، والتِّرْ مِذِي (٧٢٣)، والنَّسَائِي في الكُبرى (٣٢٨١)، وابن مَاجَهْ (١٦٧٢)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً فِیهِ.

٣٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المفروض بصوم النافلة، وليس معناه: لو صام الدهر بنية قضاء يوم من رمضان لا
يسقط عنه قضاء ذلك اليوم، بل يجزيه قضاء يوم بدلاً من يوم.
وقال الطيبي: هو من باب التشديد والتغليظ ولذا أكده بقوله: (وَإِنْ صَامَهُ)،
أي: وإن صامه حق الصيام ولم يقصر فيه وبذل جهده وطاقته. وزاد في المبالغة،
حيث أسند القضاء إلى الصوم إسنادًا مجازيًا، وأضاف الصوم إلى الدهر أجزاء
للظرف مجرى المفعول به، إذ الأصل لم يقض هو في الدهر كله إذا صامه. وقال
ابن المنير: يعني: أن القضاء لا يقوم مقام الأداء ولو صام عوض اليوم دهرًا، ويقال
بموجبه، فإن الإثم لا يسقط بالقضاء، ولا سبيل إلى اشتراك القضاء والأداء في
كمال الفضيلة فقوله: ((لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ»، أي: في وصفه الخاص به وهو
الكمال، وإن كان يقضي عنه وصفه العام المنحط عن كمال الأداء هذا هو اللائق
بمعنى الحديث، ولا يحمل على نفي القضاء بالكلية، ولا نعهد عبادة واجبة مؤقتة
لا تقبل القضاء إلا الجمعة؛ لأنها لا تجتمع بشروطها إلا في يومها وقد فات، أو في
مثله. وقد اشتغلت بالحاضرة فلا تسع الماضية، انتهى.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه وسياق أثر ابن مسعود الآتي يرد هذا التأويل،
انتهى. وفي رواية ابن ماجه: ((لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ»، قال السندي: أي: لم يكف
عنه، ولا يكون مثلًا له من كل وجه البقاء إثم التعمد، ولا يحصل به فضيلة صوم
يوم رمضان ولا يلزم منه عند الجمهور، أنه لا قضاء عليه، انتهى. قلت: ظاهر
الحديث يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل، بل يبقى ذلك في
ذمته زيادة في عقوبته؛ لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم، وبه قال ابن مسعود
وعلي. وروي نحوه عن أبي هريرة كما سيأتي، وإليه ذهب ابن حزم. قال ابن
حجر: وما اقتضاه ظاهره أن صوم الدهر كله بنية القضاء عما أفطره من رمضان لا
يجزئه قال به علي وابن مسعود، والذي عليه أكثر العلماء أنه يجزئه يوم بدل یوم،
وإن كان ما أفطره في غاية الطول والحر، وما صامه بدله في غاية القصر والبرد،
انتھی .
وذكر البخاري حديث أبي هريرة هذا تعليقًا غير مجزوم فقال: ويذكر عن
أبي هريرة رفعه: ((مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ

٣٢٣
كِتَّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الضَّؤْم
الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ)) وبه قال ابن مسعود، وقال سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير
وإبراهيم وقتادة وحماد: يقتضى يومًا مكانه، انتهى. قلت: أثر ابن مسعود وصله
البيهقي (ج٤: ص٢٢٨) من طريقٍ منصور عن واصل عن المغيرة بن عبد الله
اليشكري. قال: حدثت أن عبد الله بن مسعود قال: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ
غَيْرِ عِلَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ، حَتَّى يَلَقَى اللـهَ رَ، فَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)
والمغيرة هذا من ثقات التابعين، ولكنه منقطع، فإنه قال: حدثت عنه، ووصله
عبد الرزاق وابن أبي شيبة من وجه آخر عن واصل عن المغيرة عن فلان بن
الحارث عن بن مسعود، ووصله الطبراني والبيهقي أيضًا من طريق عبد الملك عن
أبي المغيرة الثقفي عن عِرفجة قال: قال عبد الله بن مسعود: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي
رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ قَضَى طُولَ الدَّهْرِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ). وأخرج ابن أبي شيبة
عن أبي معاوية عن عمر بن يعلى الثقفي عن عرفجة عن علي مثله قال البيهقي :
عبد الملك هذا أظنه ابن حسين النخعي ليس بالقوى.
قلت: بل هو متروك، وعن عمر بن يعلى هو عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي
وهو أيضًا ضعيف متروك. (رَوَاهُ أَحْمَدُ). (والتِّرْمِذِيُّ) واللفظ له. (وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ
مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا النسائي في ((السنن الكبرى)) وأبو داود الطيالسي
(ص٣٣١) وابن خزيمة في ((صحيحه)) والبيهقي (ج٤ ص٢٢٨) والدار قطني
(ص٢٥٢) وابن حزم (ج ٦ ص ١٨٢ - ١٨٣) كلهم من رواية ابن المطوس. وقيل:
أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة. (والْبُخَارِيُّ) أي: تعليقًا بصيغة التمريض كما
عرفت.
(فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ) أي: في تفسيره كما يقال: باب الصلاة، الصوم ذكره الطيبي
كذا في ((المرقاة))، والمراد: أنه لم يورده. مسندًا بطريق التحديث، والرواية كما
يورد الأحاديث المسندة في الأصول المترجمة لها بل جعله مترجمًا به. قال
الترمذي: حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال العراقي: يريد
الحديث المرفوع، ومع هذا فقد روي مرفوعًا من غير طريق أبي المطوس رواه
الدار قطني (ص٢٥٢) من طريق عمار بن مطر عن قيس عن عمرو بن مرة عن
عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مالك عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ◌َيه
((مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا رُخْصَةٍ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ))، قلت:

٣٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عمار بن مطر هالك.
قال أبو حاتم الرازي: كان يكذب. وقال ابن عدي: أحاديثه بواطيل. وقال
الدار قطني: ضعيف، ووثقه بعضهم كذا في ((اللسان)) (ج ٤ ص ٢٧٥ - ٢٧٦) وقد
روي موقوفًا على أبي هريرة من غير طريق أبي المطوس رواه النسائي من طريق
العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مثله موقوفًا من قوله. (وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ : سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي: الْبُخَارِيُّ - يَقُولُ : أَبُوالمطوِّس) بتشديد الواو
المكسورة كذا ضبطه في ((التقريب)) و((الخلاصة)). وقال الذهبي والعيني
والقسطلاني: بتشديد الواو المفتوحة وهو من أفراد الكنى ويقال: ابن المطوس
وكل صحيح فهو أبو المطوس وأبوه اسمه المطوس أيضًا. قال الحافظ في ((تهذيبه))
(ج١٢ ص٢٣٩): وقال يزيد بن أبي أنيسة عن حبيب، عن أبي المطوس، عن
المطوس، عن أبي هريرة. فعلى هذا من قال أبوالمطوس أو ابن المطوس فقد
أصاب، انتھی.
وقد اختلف في اسم أبي المطوس: فقال البخاري وابن حبان: اسمه يزيد. وقال
يحيى بن معين: اسمه عبد الله. وقال أبو حاتم وأبو داود: لا يسمى. وقد اختلف
فيه، فقال ابن معين: ثقة. وقال أحمد: لا أعرفه، ولا أعرف حديثه عن غيره. وقال
الذهبي في ((الميزان)): ضعف، قال: ولا يعرف هو ولا أبوه. وقال في ((التقريب)):
إنه لين الحديث وقال ابن حبان: يروي عن أبيه ما لا يتابع عليه، لا يجوز الاحتجاج
بأفراده، انتهى. قال الحافظ في ((تهذيبه)): إذا لم يكن له إلا هذا الحديث فلا معنى
لهذا الكلام.
(لا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ) وقال البخاري في ((التاريخ)) أيضًا: تفرد
أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا، انتهى. قلت:
أبوه المطوس ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال أحمد: لا أعرف المطوس ولا ابن
المطوس، وتقدم قول الذهبي: لا يعرف هو - أي: أبو المطوس - ولا أبوه. وقال
في التقريب: مجهول. وقال ابن عبد البر: حديث ضعيف، لا يحتج به، وضعفه
أيضًا ابن حزم. وقال: لا نعتمد عليه؛ لأن أبا المطوس غير مشهور بالعدالة. وقد
نقل الحافظ في ((الفتح)) عن ابن خزيمة تصحيحه، ثم ذكر كلام البخاري المتقدم ثم

كِتّابُ الصَّوْم
بَابَ تَنْزِيهِ الصَّوْم
٣٢٥
قال: واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافًا كثيرًا فحصلت فيه ثلاث
علل: الاضطراب، والجهل بحال أبي المطوس، والشك في سماع أبيه من أبي
هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء، انتهى.
قلت: ومثل هذا الحديث لا يكفى مع انفراده للاحتجاج به، ويحمل إن ثبت
على التشديد والتغليظ كما سبق والله تعالى أعلم.
٢٠٣٤ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((كَمْ مِنْ صَائِم لَيْسَ لَهُ
مِنْ صِيَامِهِ إِلَّ الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّ السَّهَرَّ)). رَوَاهُ
[وَذُكِرَ حَدِيثُ لِّقِيْطِ بْنِ صَبِرَةَ فِي بَابِ سُنَنِ الْوُضُوءِ] (صحيح}
الدَّارِمِيُّ.
الشرح
٢٠٣٤ - قوله: (كَمْ مِنْ صَائِم لَيْسَ لَهُ) أي: حاصل أو حظ. (مِنْ صِيَامِهِ)
أي: من أجله. (إِلاَّ الظَّمَأُ) بالرفعَّ أي: العطش ونحوه من الجوع يعني: ليس
لصومه قبول عند الله فلا ثواب له، نعم سقوط التكليف عن الذمة حاصل عند
العلماء. (وَكَمْ مِنْ قَائِم) أي: في الليل. (لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ) إلا أثر. (إِلَّ السَّهَرُ)
بفتحتين أي: ونحوه مَّن تعب الرجل وصفار الوجه وضعف البدن، يعني: أنه لا
ثواب له؛ لفقد شرط حصوله من نحو إخلاص أو خشوع.
قال الطيبي: إن الصائم إذا لم يكن محتسبًا، أو لم يكن مجتنبا عن الفواحش من
الزور والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي، فلا حاصل له إلا الجوع والعطش،
وإن سقط القضاء، وكذا جميع العبادات إذا لم تكن خالصة، بل رياء وسمعة، فإنها
تسقط القضاء ولا يترتب عليها الثواب. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) في الرقاق من طريق
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي عمر وميسرة، عن سعيد المقبري عن
أبي هريرة وهذا إسناد جيد. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٣٧٣ و ٤٤١) والنسائي
في ((السنن الكبرى)) وابن خزيمة في (صحيحه)) كما في ((الترغيب))، والبغوي في
(٢٠٣٤) أخْرَجَهُ الحَاكِمُ (١ /٤٣١) عَنْ أبِي هُرَيْرَةً.

٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(شرح السنة)) كما في ((التنقيح)) وابن ماجه، ولفظه: ((رُبَّ صَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ
إِلَّ الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّ السَّهَرُ))، ونقل السنديَّ عن البوصيري أنه
قال في الزوائد: إسناده ضعيف .
وقال العزيزي في ((شرح الجامع الصغير)): هو حديث حسن. ورواه الحاكم
(ج١ ص٤٣١) ولفظه: ((رُبَّ صَائِم حَظَّةُ مِنَ الصِّيَامِ الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِم حَظَّهُ مِنْ
قِيَامِهِ السَّهَرُ))، قال الحاكم: حديث صحيح على شرِطَ البخاري، ووافقهً الذهبي.
ورواه البيهقي (ج٤ ص ٢٧٠) ولفظه: ((رُبَّ قَائِم حَظّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ، وَرُبَّ صَائِم
حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشرُ))، ورواه الطبرَّاني في ((الكبير)) عن ابن عمر. قالَّ
الهيثمي (ج٣ ص٢٠٢): رجاله موثقون. وقال المنذري: إسناده لا بأس به.
(وَذُكِرَ) بصيغة المجهول. (حَدِيثُ لَقِيْطِ بْنِ صَبِرَةَ) بفتح الصاد وكسر الموحدة.
(فِي بَابٍ سُنَنِ الْوُضُوءِ) والحديث قوله: ((بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
صَائِمًا))، وهذا اعتراض من صاحب ((المشكاة)) على صاحب ((المصابيح))، وهو في
محله كما لا يخفى؛ لأن إيراد الحديث في الباب الموضوع للحكم السابق منه
أولى، كذا قال القاري. واختلف في المضمضة والاستنشاق إذا غلبه الماء، فدخل
حلقه عن غیر تعمد .
فقال أبو حنيفة: إن کان ذاکرًا لصومه فقد أفطر وعليه القضاء، وإن کان ناسيًا فلا
شيء عليه وهو قول إبراهيم. وقال مالك: عليه القضاء في كل ذلك.
وقال ابن أبي ليلى: لا قضاء عليه ذاكرًا كان أو غير ذاكر. وروي عن الشعبي
وحماد والحسن بن حي: إن كان ذلك في وضوء لصلاة فلا شيء عليه، وإن كان
لغير وضوء فعليه القضاء، كذا في ((المحلى)). وقال الشوكاني: يكره للصائم
المبالغة في المضمضة والاستنشاق لحديث لقيط بن صبرة، واختلف إذا دخل من
ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ. فقالت الحنفية ومالك والشافعي - في
أحد قوليه - والمزني: أنه يفسد الصوم. وقال أحمد وإسحاق والأوزاعي وأصحاب
الشافعي: إنه لا يفسد الصوم كالناسي. وقيل: يفسد الصوم بعد الثلاث مرات.
وقيل: يفسد إذا كان التمضمض لغير قربة.
وقيل: يفسد إن لم يكن لفريضة، انتهى.

٣٢٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
وقال ابن قدامة (ج ٣ ص١٠٨): ولنا أي: لأحمد ومن وافقه أنه وصل إلى حلقه
من غير إسراف ولا قصد، فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه، وبهذا فارق
المتعمد، فأما إن أسرف فزاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق، فقد فعل مكروها
لحديث لقيط بن صبرة؛ ولأنه يتعرض بذلك لإيصال المال إلى حلقه، فإن وصل
إلى حلقه، فقال أحمد: يعجبني أن يعيد الصوم، وهل يفطر بذلك؟ على وجهين:
أحدهما: يفطر؛ لأن النبي وَلّ نهى عن المبالغة حفظًا للصوم، فدل ذلك على
أنه يفطر به؛ ولأنه وصل بفعل منهي عنه فأشبهه التعمد.
والثاني: لا يفطر به؛ لأنه وصل من غير قصد فأشبه غبار الدقيق إذا نخله،
انتهى. قلت: الراجح عندي: هو الوجه الأول فيجب عليه القضاء والله تعالى
أعلم .

٣٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٠٣٥ - [١٧] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ ((ثَلَاثٌ لَا
يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ، وَالْقَيْءُ، وَالِإِحْتِلاَمُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ تَحْفُوظٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ في
الْحَدِيثِ]
الشرح
٢٠٣٥- قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي: الخدري. (ثَلَاثٌ) أي: خصال. (لَا
يُفَطِّرْنَ) بتشديد الطاء. (الصَّائِمَ) بالنصب على المفعولية. (الْحِجَامَةُ) بكسر الحاء
أي: الاحتجام وقد عرفت الخلاف في ذلك فيما سبق من الكلام. (وَالْقَيْءُ) أي:
إذا ذرعه لما تقدم في الحديث. قال البيهقي في ((المعرفة)): هو محمول على ما لو
ذرعه القيء جمعًا بين الأخبار.
(وَالِإِحْتِلامُ) أي: ولو تذكر الجماع ورأى المني، لأنه وإن كان في معنى
الجماع. لكن حيث إنه ليس باختياره لا يضره بالإجماع، فمن احتلم في منامه نهارًا
في رمضان فأنزل فلا فطر ولا قضاء. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وكذا البيهقي في ((المعرفة))
وفي ((السنن)) (ج ٤ ص ٢٦٤) وابن حبان في ((الضعفاء)) كلهم من رواية عبد الرحمن
ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ) وقال: أيضًا قد رواه عبد الله بن زيد بن أسلم
وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وغير واحد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار
مرسلًا. ولم يذكروا فيه عن أبي سعيد. قلت: رواه مرسلًا ابن أبي شيبة من طريق
يحيى بن سعيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي وَل.
(وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ) بن أسلم. (يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ) وقال الترمذي أيضًا:
سمعت محمدًا يذكر عن علي بن المديني. قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة.
(٢٠٣٥) التِّرْ مِذِي (٧١٩) وقال: غير محفوظٍ.

٣٢٩
بَابَ تَنْزِيهِ الصَّوْمِ
كِتّابُ الضَّوْم
*******<<<<<<<<<<<**<< > <<<<<<<< > <<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<< > <<<<<<< > <<<<<<< > << > <<<****
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف. قال محمد: ولا أروي عنه شيئًا،
انتھی . وقال البيهقي في ((السنن)) (ج٤ ص٢٦٤): هكذا رواه عبد الرحمن بن زيد
وليس بالقوى. وقال في (ج٤ ص٢٢٠) عبد الرحمن: ضعيف.
وقال في ((المعرفة)): عبد الرحمن ضعيف في الحديث، لا يحتج بما يتفرد به،
وقال ابن حبان: عبد الرحمن كان يقلب الأخبار، وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في
روايته من رفع الموقوفات وإسناد المرسلات، فاستحق الترك، انتهى. ورواه
البزار من طريق أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه به مسندًا موصولًا. قال البزار: هذا
الحديث إنما يعرف عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه وعبد الرحمن ضَعِيف جِدًّا
فذكرناه عن أخيه أسامة؛ لأنه أحد الأخوة - الذين حدثوا بهذا الحديث - وهم
عبد الله وعبد الرحمن وأسامة، انتهى. قلت: وأسامة هذا ضعيف من قبل حفظه،
وسأل ابن أبي حاتم أباه وأبازرعة عن حديث أبي سعيد رواه عبد الرحمن وأسامة
ابْنا زيد عن أبيهما موصولًا فقالا: هذا خطأ ورواه الدار قطني في سننه (ص٢٣٩)
من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء به موصولًا، وهشام صدوق،
وقد تكلموا في حفظه. وقد قال الدارقطني في ((العلل)): إنه لا يصح عن هشام بن
سعد كذا في ((التلخيص)) (ص ١٩٠).
وقال الزيلعي (ج٢ ص ٤٤٧): وهشام بن سعد، وإن تكلم فيه غير واحد فقد
احتج به مسلم، واستشهد به البخاري، ورواه ابن عدي في ((الكامل))، وأسند
تضعيف هشام بن سعد عن النسائي وأحمد وابن معين ولينه هو، وقال: ومع ضعفه
یکتب حديثه - وقال عبد الحق في ((أحكامه)): هشام بن سعد یکتب حديثه ولا يحتج
به -، انتھی .
قال الدار قطني: ورواه كامل بن طلحة عن مالك عن زيد موصولًا، ثم رجع عنه
وليس هو من حديث مالك، ورواه أبو داود من حديث الثوري عن زيد بن أسلم عن
رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي وَّل عن النبي ◌ِّ قال: ((لَا يُفْطِرُ مَنْ
قَاءَ، وَلَا مَنِ احْتَجَمَ، وَلَا مَنِ احْتَلَمَ))، ورجحه أبو حاتم وأبو زرعة. وقالا: أنه أصح
وأشبه بالصواب وتبعهما البيهقي، ثم قال: هو محمول إن صح على من ذرعه
القيء، وصوب أيضًا الدارقطني رواية الثوري كما في ((نصب الراية)) (ج٢
ص٤٤٨) و((التلخيص)) (ص ١٩٠).

٣٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال صاحب ((التنقيح)): المحفوظ فيه ما رواه أبو داود. وقال المنذري: هذا لا
يثبت أي: لأن في سنده رجلًا لا يعرف. وقد روي من وجه آخر ولا يثبت أيضًا.
وفي الباب عن ابن عباس أخرجه البزار، وابن عدي من حديث هشام بن سعد عن
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس. قال الحافظ في ((التلخيص))
(ص١٩٠): هو حديث معلول.
وقال الهيثمي (ج٣ ص ١٧٠): رواه البزار بإسنادين، وصحح أحدهما وظاهر
الصحة، انتهى. وفي الباب أيضًا عن ثوبان أخرجه الطبراني في ((الأوسط)). قال
الحافظ في ((التلخيص)): بسند ضعيف في ترجمة محمد بن الحسن بن قتيبة. وقال
الهيثمي : إسناده ضعيف .
٢٠٣٦ - [١٨] وَعَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: كُنْتُمْ
تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَسَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ
الضَّعْفِ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٠٣٦ - قوله: (وَعَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيّ) بضم الموحدة وخفة النون الأولى وكسر
الثانية، نسبة إلى بُنانة بضم الباء ونونين مخفيفين، وهي اسم أم سعد بن لوى،
وثابت هذا هو ثابت بن أسلم أبو محمد البصري ثقة تابعي مشهور من أعبد أهل
البصرة وأعلامها، حُكِي عنه أنه قال: صحبت أنس ابن مالك أربعين سنة، مات
سنة (١٢٧) وقيل سنة (١٢٣).
(قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) السائل هو ثابت نفسه يدل عليه رواية الإسماعيلي
وأبي نعيم والبيهقي (ج٤ ص٢٦٤) من طريق جعفر بن محمد القلانسي وأبي
قرصافة محمد بن عبد الوهاب وإبراهيم بن الحسين بن دريد كلهم عن آدم بن أبي
إياس شيخ البخاري فيه، فقال: عن شعبة عن حميد. قال: سمعت ثابتًا وهو يسأل
عن أنس بن مالك فذكر الحديث.
(٢٠٣٦) البُخَارِي (١٩٤٠) عنه.

٣٣١
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِیهِ الصَّوْم
(كُنْتُمْ) كذا في جميع النسخ الحاضرة وهكذا وقع في ((جامع الأصول)» (ج٧
ص١٩٢) ووقع في ((البخاري)): أكنتم. (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ) ذكره تأكيدًا
لرفعه، وهذا اللفظ أورده البخاري تعليقًا، فقال بعد رواية الحديث: عن آدم بن
قال الحافظ
صَلى الله
أبي إياس عن شعبة، وزاد شبابة ثنا شعبة: على عهد النبي
وَسْتَّ
والعيني: وهذه الزيادة أخرجها ابن منده في ((غرائب شعبة)).
(قَالَ: لَا) أي: ما كنا نكرهها. (إِلَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ) أي: لبدن المحجوم
وحينئذٍ فيندب تركها كالفصد ونحوه تحرزًّا عن إضعاف البدن، ويؤيده ما رواه
البيهقي (ج٤ ص ٢٦٤) بسنده عن أبي سعيد قال: إِنَّمَا كَرِهْتُ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ
مَخَافَةَ الضَّعْفٍ، وما رواه عبد الرزاق وأبو داود من طريق عبد الرحمن بن عابس
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من أصحاب رسول اللَّه وَ ل قال: نهى
النبي وَّر عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على
أصحابه. إسناده صحيح، وقوله: إبقاء على أصحابه يتعلق بقوله: نهى. وقد رواه
ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا ولفظه عن أصحاب محمد ◌َلّ قالوا:
إنما نهى النبي ◌ُّ عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف أي: لئلا يضعف كذا في
((الفتح)). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) عن آدم بن أبي أياس عن شعبة قال: سمعت ثابتًا البناني
قال: سُئل أنس بن مالك. قال الحافظ: كذا في أكثر أصول ((البخاري)): سُئل بضم
أوله على البناء للمجهول.
وفي رواية أبي الوقت: سمعت ثابتًا البناني يسأل أنس بن مالك وهذا غلط، فإن
شعبة ما حضر سؤال ثابت لأنس. وقد سقط منه رجل بين شعبة وثابت كما يدل
عليه رواية الإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي على ما تقدمت قال: وأشار الإسماعيلي
والبيهقي إلى أن الرواية التي وقعت للبخاري خطأ، وأنه سقط منه حميد، قال
الإسماعيلي: وكذلك رواه علي بن سهل عن أبي النضر عن شعبة عن حميد.
قال الحافظ: والخلل فيه من غير البخاري وبين وجه ذلك. قال القاري:
والحديث موقوف، لكنه في حكم المرفوع كما هو في الأصول على أن هذه الصيغة
ظاهرة في إجماع الصحابة، وهو لا يكون إلا عن سند فيكون حجة لما ذهب إليه
أكثر العلماء على ما تقدم، انتهى. وحديث أنس هذا رواه أبو داود بلفظ: قال: ما
كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد.

٣٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٣٧ - [١٩] وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَر يَحْتَجِمُ وَهُوَ
صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ.
الشرح
٢٠٣٧ - قوله: (وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيْقًّا قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ)
لما يرى من جوازه. (ثُمَّ تَرَكَهُ) أي: الاحتجام صائمًا احتياطًا، وكان من الورع
بمكان، أو تركه خوفًا من الضعف. (فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ) قال الباجي: يريد أنه لما
كبر وضعف كان يخاف على نفسه أن يفطر بالضعف من الحجامة، ولذا يكره لكل
من خاف الضعف على نفسه أن يحتجم حتى يفطر؛ لأن الحجامة ربما أدته إلى
فساد صومه، انتهى. وهذا التعليق وصله مالك في ((الموطأ)) عن نافع عن ابن عمر:
أنه كان يحتجم وهو صائم. قال: ثم ترك ذلك بعد، فكان إذا صام لم يحتجم حتى
يفطر قال الحافظ: ورويناه في نسخة أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس عن
الزهري: كان ابن عمر يحتجم وهو صائم في رمضان وغيره، ثم تركه لأجل
الضعف هكذا وجدته منقطعًا، ووصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم
عن أبيه، وكان ابن عمر كثير الاحتياط، فكأنه ترك الحجامة نهارًا لذلك، انتهى.
قلت: وروى البيهقي (ج٤ ص٢٦٩) من طريق أبي اليمان عن شعيب. قال: قال
نافع: كان ابن عمر يحتجم وهو صائم، ثم تركه بعد فكان يحتجم بالليل. فلا أدري
عن شيء ذكره، أو شيء سمعه. وروى ابن أبي شيبة من طريق يزيد عن عبد اللّه عن
نافع، وقال في آخره: فلا أدري لأي شيء تركه كرهه أو للضعف. وهذا التعليق
أورده البخاري في باب: الحجامة والقيء للصائم. كان حق إيراده هاهنا على ما
اصطلح عليه المصنف أن يقول أولًا: وعن ابن عمر أنه كان يحتجم، الخ. ثم
يقول: أورده، أو ذكره البخاري تعليقًا، وأمَّا على صنيع المصنف فيكون المعنى:
رواه البخاريُّ عن البخاريِّ تعليقًا، ولا يخفى ما فيه.
(٢٠٣٧) قلتُ: ووصلَهُ عبدُالرزاق (٧٥٣١) بسندٍ صحيحٍ.

كِتَابَ الصَّوْمِ
بَابٌ تَنْزِيهِ الصَّوْم
٣٣٣
٢٠٣٨ - [٢٠] وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إِنْ مَضْمَضَ، ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ
الْمَاءِ لَا يَضِيرُهُ أَنْ يَزْدَرِدَ رِيقَهُ وَمَا بَقِيَ فِي فِيهِ، وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنِ ازْدَرَدَ
رِيقَهُ الْعِلْكُ لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ.
[ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجِمَةِ الْبَابِ]
الشرح
٢٠٣٨ - قوله: (وَعَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح. (إِنْ مَضْمَضَ) أي: الصائم.
وفي بعض نسخ البخاري: تمضمض. (ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ) أي: صب جميع ما في
فمه. (مِنَ الْمَاءِ) بيان لما الموصولة. (لَا يَضِيرُهُ) بمثناة تحتية بعد الضاد المعجمة
المكسورة من ضاره يضيره ضيرًا بمعنى ضره، وهذا رواية المستملي. وفي رواية
غيره: لا يضرُّه من ضرَّه بالتشديد أي: لا يضرُّ صومه.
(أَنْ يَزْدَرِدَ رِيقَهُ) أي: يبتلعه. (وَمَا بَقِيَ فِي فِيهِ) أي: فمه وكلمة (مَا) موصولة
عطف على (رِيقَهُ) قال ابن بطال: ظاهره: إباحة الازدراد لما بقي في الفم من ماء
المضمضة، وليس كذلك؛ لأن عبد الرزاق رواه بلفظ: وماذا بقي في فيه. وكأن ذا
سقطت من رواية البخاري، انتهى. قلت: وقع في نسختي القسطلاني والعيني :
وماذا بقي في فيه. قال القسطلاني: أي: وأي شيء بقي في فمه بعد أن يمج الماء
إلا أثر الماء، فإذا بلغ ريقه لم يضره، ولأبي ذر وابن عساكر كما في ((الفرع)) وما
بقي، فأسقط لفظة (ذَا) وحينئذٍ فـ(مَا) موصولة. ثم ذكر كلام ابن بطال، ثم قال:
ولعله لم يقف على الرواية المثبتة لها، انتهى.
قال الحافظ: هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن ابن
جريج. قلت: لعطاء الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم قال: لا يضره،
وماذا بقي في فيه. وكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج. ووقع في أصل
(٢٠٣٨) البُخَارِي (١٥٩/٤) تعليقًا عنه من قوله. قلتُ: ووصلَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (١٦٨/٣ . تغليق
التعلیق) بسندٍ صحيح.

٣٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البخاري، وما بقي في فيه، ثم ذكر الحافظ كلام ابن بطال المتقدم، ثم قال: (وَمَا)
على ما أورده البخاري موصولة، وعلى ما وقع من رواية ابن جريج استفهامية،
وكأنه قال: وأي شيء يبقى في فيه بعد أن يمج الماء؟ إلا أثر الماء، فإذا بلغ ريقه لا
يضره، انتهى.
وقيل: يجوز أن تكون كلمة (مَا) على ما في أصل البخاري أيضًا استفهامية،
استفهام إنكار، وإن لم يكن معها (ذَا) ويتم المعنى: كما لا يخفى. وقيل: (مَا)
نافية والجملة حالية. قال ابن قدامة: ومالا يمكن التحرز منه كابتلاع الريق لا
يفطره؛ لأن اتقاء ذلك يشق فأشبه غبار الطريق وغربلة الدقيق، فإن جمعه ثم ابتلعه
قصدًا لم يفطره. وقال ابن الهمام وغيره من علماء الحنفية: لا يضر الصائم إن دخل
غبار أو دخان أو ذباب حلقه؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عن هذه الأشياء كما لا يمكن
الاحتراز عن البلل الباقي في المضمضة كذا في ((المرقاة)): (وَلَا يَمْضَغُ) أي: لا
يلوك الصائم يقال: مضغ الطعام يمضغه بفتح الضاد وضمها أي: لاكه بلسانه أو
سنه و(لا) نافية أو ناهية.
(الْعِلْكَ) بكسر المهملة وسكون اللام بعدها كاف كل ما يمضغ ويبقى في الفم
كالمصطكى. قال القاري: العلك صمغ الصنوبر، والأرزة، والفستق، والسَّرد،
والينبوت، والبطم، وهو أجودها مسخن مدر باهي، وفي نسخة: ويمضغ بحذف
كلمة لا، انتهى.
قلت: كذا وقع في رواية المستملى بإسقاط كلمة لا، ورواية الأكثرين: لا
يمضغ بإثبات كلمة لا، وهي أولى وكذلك أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج قلت
لعطاء: يمضغ الصائم العلك قال: لا، قلت: إنَّه يمج ريق العلك، ولا يزدرده،
ولا يمصه؟ قال: نعم، قلت له: أيتسوك الصائم؟ قال: نعم، قلت: أيزدرد ريقه؟
قال: لا، قلت: ففعل أيضره قال: لا ولكن ينهي عن ذلك. (فَإِنْ ازْدَرَدَ رِيقَ
الْعِلْكِ) قال ابن حجر: يصح هنا كسر العين وفتحها أي: الريق المتولد من
العلوك، أو من مضغه. (لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ) بالتشديد فالضمير راجع إلى الازدراد،
وفي نسخة بالتخفيف فالضمير إلى الصائم. قال ابن حجر: وإنما لم يفطر؛ لأنه لم
ينزل إلى الجوف عين أجنبية. وإنما النازل إليه محض الريق لا غير.

٣٣٥
كِتّابَ الصَّوْمِ
بَابٌ تَنْزِيهِ الصَّوْم
(وَلَكِنْ يُنْهَى) نهي تنزيه. (عَنْهُ) أي: عن الازدراد. قال ابن المنذر: رخص في
مضغ العلك أكثر العلماء، إن كان لا يتحلب منه شيء، فإن تحلب منه شيء فازدرده
فالجمهور على أنه يفطر، انتهى. قال الحافظ: والعلك كل ما يمضغ ويبقى في
الفم كالمصطكى واللبان، فإن كان يتحلب منه شيء في الفم، فيدخل الجوف فهو
مفطر، وإلا فهو مجفف ومعطش فيكره من هذه الحيثية، انتهى.
قلت: وكرهه الشافعي من هذه الجهة، وكرهه أيضًا إبراهيم والشعبي وروي
عنه أنه لم ير به بأسًا. قال ابن حزم: وروي من طريق لا يصح عن أم حبيبة أم
المؤمنين أنها كرهت العلك للصائم. قلت: روى البيهقي (ج ٤ ص٢٦٩) من طريق
سعيد بن عيسى عن جدته أنها سمعت أم حبيبة تقول: لا يمضغ العلك الصائم. قال
البيهقي: جدته أم الربيع والحديث موقوف، انتهى.
وقال ابن قدامة (ج٣ ص١٠٩): قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: الصائم
يمضغ العلك؟ قال: لا، قال أصحابنا: العلك ضربان: أحدهما: ما يتحلل منه
أجزاء وهو الرديء الذي إذا مضغه يتحلل، فلا يجوز مضغه، إلا أن لا يبلع ريقه،
فإن فعل فنزل إلى حلقه منه شيء أفطر به كما لو تعمد أكله. والثاني: العلك الذي
كلما مضغه صلب وقوي، فهذا يكره مضغه ولا يحرم، وممن كرهه الشعبي
والنخعي ومحمد بن علي وقتادة والشافعي وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنه لا يحلب
الفم ويجمع الريق ويورث العطش، ورخصت عائشة في مضغه؛ لأنه لا يصل إلى
الجوف فهو كالحصاة يمضغها في فيه، انتهى. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ)
أثر عطاء هذا ذكره البخاري في باب: قول النبي ◌ََّ ((إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ
الْمَاءَ))، ولم يميز بين الصائم وغيره.
قال الحافظ: قول المصنف : - يعني: البخاري - ولم يميز بين الصائم وغيره
قاله تفقهًا، وهو كذلك في أصل الاستنشاق، لكن ورد تميز الصائم من غيره في
المبالغة في ذلك، كما رواه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره من طريق
عاصم عن لقيط بن صبرة عن أبيه أن النبي ◌ُّ قال له: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ
تَكُونَ صَائِمًا))، انتهى.

٣٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤ - بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ
(باب صوم المسافر) أي في بيان حكم الصوم للمسافر من جواز فعله وتركه
وبيان الأفضل منهما، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ
أَيَّامٍ أَخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
الفصل الأول
٢٠٣٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ ﴿ُهَا قَالَتْ: إِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرِو الْأَسْلَمِنَّ قَالَ
لِلنَّبِيِّ وَّهِ: أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ - وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ - فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ،
وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
0
٢٠٣٩- قوله: (إِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرِو) بفتح العين وسكون الميم وبالواو في
آخره ابن عويمر. (الأَسْلَمِيِّ) من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمر بن عامر
يكنى أبا صالح، ويقال: أبو محمد المدني، صحابي جليل، له تسعة أحاديث
استنارت أصابعه في ليلة ظلماء مع رسول اللّه وَّل، وكان يسرد الصوم، مات سنة
إحدى وستين، وله إحدى وسبعون، وقيل: ثمانون.
(أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟) أي: أأصوم وبتقدير همزة الاستفهام. وقال القاري: أي:
فما حكمه؟ أي: فهل عليَّ جناح في الصوم أو ضده؟ أو يقدر الاستفهام،
انتهى. قلت: كذا وقع في بعض نسخ البخاري: ((أصوم)). وهي رواية النَّسائي
أيضًا، ووقع في نسخ القسطلاني والعيني والحافظ: ((أأصوم؟)) بهمزتين، الأولى
(٢٠٣٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٤٣)، ومُسْلِم (١١٢١/١٠٣) عَنْهُ فِيهِ (٤/ ١٨٧).

٣٣٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ
همزة الاستفهام، والأخرى همزة المتكلم. وهكذا وقع في ((جامع الأصول))
(ج٧ص ٢٦١) و((شرح العمدة)) لابن دقيق العيد (ج٢ ص٢٢٣)، وفي رواية
لمسلم: ((إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ))، أي: من عادتي ذلك، أفأصوم في السفر؟ وفي أخرى
لهما: ((إنِّي أسرد الصوم))، بضم الرَّاء أي: أتابعه. واستدل به: على أنَّ لا كراهية
في صيام الدَّهر؛ لأنه أخبره بسرده فلم ينكرْ عليه بل أقره عليه وهو في السفر ففي
الحضر بالأولى.
قال الحافظ: ولا دلالة فيه؛ لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، فإن ثبت
النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح،
انتهى، وقال شيخنا في شرح الترمذي: في الاستدلال بقوله: أسرد على عدم كراهة
صوم الدَّهر نظر؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المراد به: أي: أكثر الصيام كما يدل عليه
قوله: (وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَام) فما لم ينتف هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال، انتهى.
(وَكَانَ) أي: حمزة. (كَثِيَرَ الصِّيَام) الجملة معترضة؛ لبيان الحال الحامل له على
هذا السؤال .
(فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ) بهمزة قطع. وفيه: دليل على التخيير
بين الصوم والفطر واستوائهما في السفر. قال الخطابي: هذا نص في إثبات الخيار
للمسافر في الصوم والإفطار، وفيه: بيان جواز صوم الفرض للمسافر إذا صامه،
وهو قول عامة أهل العلم إلا ما روي عن ابن عمر أنه قال: إِنّ صام في السفر قضى
في الحضر. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا يجزيه، وذهب إلى هذا داود بن
علي، انتهى.
قلت: قال ابن حزم (ج٦ ص٢٥٣): حديث حمزة بيان جلي في أنه إنَّما
سأله ◌َلَّا عن التطوع لقوله في الخبر: ((إِنِّي امْرُؤْ أَسْرُدُ الصَّوْمَ)).
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٩٤): لكن ينتقض عليه بأنَّ عند أبي داود في
رواية صحيحة من طريق حمزة بن محمد عن أبيه عن جده ما يقتضي أنه سأله عن
الفرض، وصحَّحها الحاكم، انتهى. وقال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢٢٣): ليس في
حديث الباب تصريح بأنه صوم رمضان، فلا يكون فيه حجّة على من منع صيام
رمضان في السفر .

٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ في ((الفتح)): هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في
رواية أبي مرواح عن حمزة عند مسلم أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوةً على
الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح فقال رسول الله: ((هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ ... ))،
الحديث. وسيأتي في الفصل الثالث، وهذا يشعر بأنَّه سأل عن صيام الفريضة،
وذلك أنَّ الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب، وأصرحُ من ذلك ما أخرجه
أَبُو دَاوُدَ والحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، إني
صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني :
رمضان - وأنا أجد القوةً وأجدني أنْ أصوم أهون عليَّ مِنْ أنْ أؤخره، فيكون دينًا
عليَّ فقال: ((أَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ))، انتهى.
وقيل: الظاهر: أنَّ حمزة سأله مرتين: مرة عن صيام التطوع، وهو مذكور في
حديث عائشة عند الشيخين. ومرة عن صوم رمضان، وهذا مذكور في رواية أبي
مرواح عن حمزة عند مسلم، وفي رواية محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه عند أبي
داود. وقال الباجي (ج٢ص ٥٠): سؤال حمزة عام، فإذا خرج الجواب مطلقًا حمل
على عمومه فحمل على جواز الصوم للفرض والنفل في السفر، ولا يخص صوم إلا
بدليل. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن ذلك محمول على التطوع، وهذا
تخصيص بغير دليل، فوجب أن يكون باطلًا، انتهى. واختلف السلف في صوم
رمضان في السفر: فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم عن الفرض، بل من صام في
السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر وهو قول بعض الظاهرية .
قال في ((الفتح)): وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم
النخعي وغيرهم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قالوا: ظاهره فعليه عدة، أو فالواجب عدة. وتأوله
الجمهور بأن التقدير: فأفطر فعدة، واحتجوا أيضًا بما في حديث ابن عباس عند
الشيخين، أنَّ النبي وَّل خرج من المدينة على رأس ثمان سنين ونصف، ومعه عشرة
آلاف إلى مكة يصوم ويصومون، حتى إذا بلغ الكديد أفطر وأفطروا. وإنما يؤخذ
من أمر رسول اللَّه وَله بالآخر فالآخر، ففيه: أنَّ الإفطار في السفر كان آخر
الأمرين، وأنَّ الصحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله، فدل على أن
صومه وَّر في السفر منسوخ.

كِتّاب الصَّوْمِ
بابٌ ضؤْمِ المُسَافِرِ
٣٣٩
وأجاب الجمهور عن ذلك: بأنَّ هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري، كما جزم
بذلك البخاري في الجهاد، وكذلك وقعت عند مسلم مدرجة، وبأنّ النبي ◌ُّ صام
بعد هذه القصة، كما في حديث أبي سعيد عند أحمد ومسلم: أنه مَثّ صام بعد هذه
القصة في السفر، ولفظه: سافرنا مع رسول اللَّه ◌ِ لّه إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا
منزلا، فقال النبي وَّرَ: ((إِنَّكُمْ قَدْ دَنَّوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا))،
فكانت رخصة فمنًّا من صام، ومنًّا من أفطر فنزلنا منزلًا، فقال رسول اللّه ◌َله :
(إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوَّكُمْ فَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا))، فكانت عزيمة فأفطرنا، ثم لقد
رأيتنا نصوم مع رسول اللَّه ◌َل بعد ذلك في السفر. واحتجوا أيضًا بقوله وَل :
((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّومُ فِي السَّفَرِ))، ومقابل البر الإثم وإذا كان آثمًا بصومه لم
يجز ئه .
وأجاب عنه الجمهور: بأنه ◌َّ إنما قال ذلك: في حقِّ من شق عليه الصوم كما
سيأتي بيانه ولا شك أن الإفطار مع المشقة الزائدة أفضل، وأيضًا نفي البر لا يستلزم
عدم صحة الصوم.
وقال الشافعي: يحتمل أن يكون المراد: ليس من البر المفروض الذي من خالفه
أثم.
وقال الطحاوي: المراد بالبرِّهنا: البرُّ الكاملُ الذي هو أعلى المراتب، وليس
المراد به: إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًّا؛ لأنَّ الإفطار قد يكون أبرَّ من
الصوم إذا كان للتقوي على لقاء العدو .
وقال الشافعي أيضًا: نفي البر المذكور في الحديث محمول على من أبى قبول
الرخصة، وقد روى النسائي الحديث بلفظ: ((لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ،
وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوا)) ، قال ابن القطان: إسنادها حسن
متصل يعني: الزيادة ورجح ابن خزيمة الأول. واحتجوا أيضًا بقوله مَّل في حديث
جابر في الفصل الثالث: ((أُولَئِكَ الْعُصَاة، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ)) ، وأجاب عنه الجمهور:
بأنه إنما نسبهم إلى العصيان؛ لأنه عزم عليه فخالفوا، واحتجوا أيضًا بحديث عبد
الرحمن بن عوف الآتي في الفصل الثالث، وأجيب عنه: بأنه حديث ضعيف.
والراجح: أنَّه موقوف كما سيأتي، وعلى تقدير صحته فهو محمول على
الحالة، التي يكون الفطر فيها أولى من الصوم، كحالة المشقة جمعًا بين الأدلة،