Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك ويكفر إلا في الإِمذاء فيقضي فقط.
وروى عيسى بن دينار عن ابن القاسم، عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل
فأنعظ ولم يمذ ولا أنزل، وأنكره غيره عن مالك. وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل
أفطر بلا خلاف كذا قال، وفيه نظر. فقد حكى ابن حزم: أنه لا يفطر ولو أنزل
وقوى ذلك وذهب إليه كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي في ((الكبرى))
والدارمي والطحاوي والبيهقي والدار قطني بألفاظ، وفي الباب عن حفصة عند
مسلم، وأم سلمة عند الشيخين.
٢٠٢١ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي
رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُم، فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٢١- قوله: (يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ) أي: الصبح. (فِي رَمَضَانَ) أي: في بعض
الأحيان. (وَهُوَ) أي: والحال أنه (جُنُبٌ) بضمتين. (مِنْ غَيْرِ حُلُم) بضمتين ويجوز
سكون اللام. قال القاري: وهو صفة مميزة أي: من غير احتلام بَّل من جماع، فإن
الثاني أمر اختياري فيعرف حكم الأول بطريق الأولى، بل ولو وقع الاحتلام في
حال الصيام لا يضر، انتهى. وهذا لفظ مسلم، وللبخاري: ((يدركه الفجر جنبًا في
رمضان من غير حلم)). قال القسطلاني: أي: من جنابة غير حُلْمٍ، فأسقط
الموصوف وهو جنابة اكتفاء بالصفة عنه لظهوره، انتهى. وفي رواية لمسلم
و((الموطأ)): كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان. وفي حديث أم سلمة
عند النسائي: كان يصبح جنبًا مني فيصوم ويأمرني بالصيام. قال الحافظ: أرادت
بالتقييد بالجماع: المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر، وإذا
(٢٠٢١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٣٠)، ومُسْلِم (٧٦/ ١١٠٩) فِيهِ، والنَّسَائي في الكُبرى (٢٩٦٢) عَنْ
عَائِشَةَ .

٢٦١
كِتّابَ الصَّوْم
بَاب تَنْزِيهِ الصَّوْم
كان فاعل ذلك عمدًا لا يفطر، فالذي يَنْسى الاغتسال، أو ينام عنه أولى بذلك. قال
ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره، فقد يتمسك به من
يرخص لغير المتعمد الجماع، فبيَّن في هذا الحديث: أن ذلك كان من جماع لإزالة
هذا الاحتمال .
وقال القرطبي : في هذا فائدتان: إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخر
الغسل إلى بعد طلوع الفجر؛ بيانًا للجواز. والثاني: إن ذلك كان من جماع لا من
احتلام؛ لأنه كان لا يحتلم إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. وقال غيره:
في قولها: من غير احتلام؛ إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان للاستثناء
معنىَّ. ورُدَّ: بأن الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. وأجيب: بأن الاحتلام
يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام، انتهى.
وقال النووي: احتج به من أجاز الاحتلام على الأنبياء، وفيه خلاف والأشهر
امتناعه؛ لأنه من تلاعب الشيطان. وتأولوا الحديث: على أن المعنى يصبح جنبًا
من جماع، ولا يجنب من احتلام لامتناعه منه وهو قريب من قوله تعالى:
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ [آل عمران: ٢١) ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحق، انتهى.
وقال ابن حجر: النفي في قولهم: الأنبياء لا يحتلمون ليس على إطلاقه، بل
المراد: أنهم لا يحتلمون برؤية جماع؛ لأن ذلك من تلاعب الشيطان بالنائم وهم
معصومون عن ذلك، وأما الاحتلام بمعنى نزول المني في النوم من غير رؤية وقاع
فهو غير مستحيل عليهم؛ لأنه ينشأ عن نحو امتلاء البدن، فهو من الأمور الخلقية
والعادية التي يستوي فيها الأنبياء وغيرهم، انتهى.
(فَيَغْتَسِلُ) أي: بعد طلوع الفجر. (وَيَصُومُ) أي: يتم صومه. وفيه: دليل على
صحة صوم من دخل في الصباح وهو جنب من احتلام أو من جماع أهله وإلى هذا
ذهب الجمهور. قال ابن عبد البر: عليه جماعة فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز،
وأئمة الفتوى بالأمصار مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي والليث
وأصحابهم، وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن علية وأبوعبيد وداود وابن جرير
الطبري، وجماعة من أهل الحديث. وقال ابن قدامة: هو قول عامة أهل العلم،
منهم: علي وابن مسعود وزيد وأبو الدرداء وأبو ذر وابن عمر وابن عباس وعائشة

BeCK
٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأم سلمة، وبه قال مالك والشافعي في أهل الحجاز، وأبو حنيفة والثوري في أهل
العراق، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر، وإسحاق وأبوعبيد في
أهل الحديث، وداود في أهل الظاهر، وكان أبو هريرة يقول: ((لَا صَوْمَ لَهُ))،
ويروي ذلك عن النبي ێّ، ثم رجع عنه.
قال سعيد بن المسيب: رجع أبو هريرة عن فتياه، وحكى عن حسن وسالم بن
عبد الله قالا: يتم صومه ويقضي. وعن النخعي في رواية: يقضي في الفرض دون
التطوع، وعن عروة وطاوس: إن علم بجنابته في رمضان فلم يغتسل حتى أصبح
فهو مفطر، وإن لم يعلم فهو صائم، انتهى. وقال الحافظ: قد بقي على مقالة
أبي هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذي - من غير ذكر أسمائهم -، ثم ارتفع
ذلك الخلاف، واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي - والأبِّي في شرح
مسلم وأما ابن دقيق العيد فقال: صار ذلك إجماعًا أو كالإجماع، انتهى.
قلت: وذهب ابن حزم إلى أنه لا يبطل صومه إلا أن تطلع عليه الشمس. وقيل :
أن يغتسل ويصلي فيبطل صومه. قال ذلك بناء على مذهبه في أن المعصية عمدًا
تبطل الصوم، واحتج من قال بفساد صیام الجنب، بما روی أحمد وابن حبان عن
أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وََّ ((إِذَا نُوْدِيَ لِلصَّلَاةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَحَدُكُمْ
جُنُبٌ، فَلَا يَصُمْ حِيقَئِذٍ))، وأخرجه النسائي والطبراني وعبد الرزاق بلفظ: قال
أبو هريرة: كان رسول اللّه وَ ليل يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل جنبًا. وقد بين
أبو هريرة كما في رواية البخاري والنسائي وغيرهما: أنه لم يسمع ذلك من
النبي وَّ، وإنما سمعه بواسطة الفضل بن عباس وأسامة، وكأنه كان لشدة وثوقه
بخبرهما يرويه من غير واسطة، وحمل هؤلاء حديث عائشة وأم سلمة على أنه من
الخصائص النبوية، وإن حكم النبي ◌ّ على ما ذكرت عائشة وأم سلمة، وحكم
الناس على ما حكى أبو هريرة.
ورُدَّ هذا: بأن الخصائص لا تثبت إلا بدلیل، وبأنه قد ورد صریحًا ما يدل على
عدمها، وهو ما أخرجه مالك ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان
وغيرهم عن عائشة: أن رجلاً جاء إلى النبي بَّ، يستفتيه، وهي تسمع من وراء
الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة - أي: صلاة الصبح - وأنا جنب

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّؤْم
٢٦٣
أفأصوم؟ فقال النبي وَّةِ ((وَأَنَا تُدْرِ كُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ))، فقال: لست مثلنا
يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو
أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ وَأَعْلَمَ بِمَا أَتَّقِي))، وأجاب الجمهور عن حديث أبي هريرة:
بأنه منسوخ، وأن أباهريرة رجع عنه؛ لما روي له حديث عائشة وأم سلمة وأفتى
بقولهما .
قال ابن خزيمة: إن الخبر منسوخ؛ لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصوم كان
منع في ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم. قال: فيحتمل أن يكون
خبر الفضل حينئذٍ، ثم أباح اللَّه ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن
يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث
عائشة ناسخ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أباهريرة الناسخ فاستمر
أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه.
قال الحافظ: ويقويه أن في حديث عائشة المتقدم في الرد على دعوى
الخصوصية ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية؛ لقوله فيها: قد غفر الله لك ما
تقدم من ذنبك وما تأخر، وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما نزلت بعد عام الحديبية
سنة ست، وابتداء فرض الصيام، كان في السنة الثانية. وإلى دعوى النسخ فيه
ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد، وقرره ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اُلْصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقتضى إباحة الوطء في ليلة
الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر، فيلزم إباحة الجماع فيه. ومن
ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا ولا يفسد صومه، فإن إباحة التسبب للشيء إباحة
لذلك الشيء، ورَدَّ البخاري حديث أبي هريرة: بأن حديث عائشة أقوى إسنادًا.
قال الحافظ: وهو من حديث الرجحان كذلك؛ لأن حديث عائشة وأم سلمة في
ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة جدًّا بمعنى واحد، حتَّى قال ابن عبد البر: إنَّه صحّ
وتواتر. وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات أنه كان يفتى به، ورواية الرفع أقل،
وعند تعارض الترجيح بكثرة الطرق وقوتها، وقال بعضهم: إن حديث عائشة أرجح
لموافقة أم سلمة لها على ذلك، ورواية اثنين تقدم على رواية واحد، ولاسيما وهما
زوجتان، وهما أعلم بذلك من الرجال؛ ولأنهما ترويان ذلك عن مشاهدة بخلاف

٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
غيرهما؛ ولأن روايتهما توافق المنقول وهو ما تقدم من مدلول الآية والمعقول،
وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على صائم، فقد
يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يحرم عليه بل يتم صومه إجماعًا، فكذلك إذا
احتلم ليلًا بل هو من باب الأولى، وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهارًا.
قال الحافظ: القول بالنسخ أولى من سلوك الترجيح بين الخبرين. وجمع
بعضهم بينهما: بأن الأمر في حديث أبي هريرة إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن
يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز. ويعكر
عليه التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهي عن
الصيام، فكيف يصح الحمل على الإرشاد إذا وقع ذلك في رمضان؟ وقيل: هو
محمول على من أدركه الفجر مجامعًا، فاستدام بعد طلوعه عالمًا بذلك، ويعكر
عليه ما رواه النسائي أن أباهريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل
حتى أصبح فلا يصوم.
٤ فائدة في معنى الجنب والحائض والنفساء:
إذا انقطع دمها ليلاً، ثم طلع الفجر قبل اغتسالها، وهو مذهب العلماء كافة، إلا
ما حكي عن بعض السلف أنه لا يصح صومها. قال ابن قدامة (ج٣ ص١٣٨):
الحكم في المرأة إذا انقطع حيضها من الليل كالحكم في الجنب سواء، ويشترط أن
ينقطع حيضها قبل طلوع الفجر؛ لأنه إن وجد جزء منه في النهار أفسد الصوم،
ويشترط أن تنوي الصوم أيضًا من الليل بعد انقطاعه؛ لأنه ((لا صيام لمن يبيت
الصيام من الليل)). وقال الأوزاعي والحسن بن حي وعبد الملك بن الماجشون
والعنبري: تقضي فرطت في الاغتسال أو لم تفرط؛ لأن حدث الحيض يمنع الصوم
بخلاف الجنابة. وَلَنَا: أنه حدث يوجب الغسل، فتأخير الغسل منه إلى أن يصبح لا
يمنع صحة الصوم كالجنابة وما ذكروه لا يصح، فإن من طهرت من الحيض ليست
حائضًا، وإنما عليها حدث موجب الغسل، فهي كالجنب، فإن الجماع الموجب
للغسل لو وجد في الصوم أفسده كالحيض، وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب
الغسل من الحيض، انتهى. (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا أحمد
ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي في ((الكبرى)) والدارمي والطحاوي والبيهقي
وغيرهم .

كِتّابُ الصَّوْم
بَابَ تَنْزِيهِ الصَّوْم
٢٦٥
٢٠٢٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ بِّوَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ،
وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
[مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٢٢- قوله: (احْتَجَمَ) أي: طلب الحجامة بالكسر، ككتابة من الحجم
وهو المص، يقال: حجم الصبي ثدي أمه: أي: مَصَّهُ، يحجُم ويحجِم حجمًا،
والحجام والحاجم من يتعاطى الحجامة، وهي المداواة والمعالجة بالمحجم
بكسر الميم. قال ابن الأثير: هي الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المص،
وحرفته وفعله الحجامة. وقال المجد: المحجم والمحجمة ما يحجم به، وحرفته
الحجامة ككتابة واحتج طلبها. (وَهُوَ مُحْرٌِ) جملة حالية، فيه جواز الحجامة
للمحرم، وسيأتى الكلام فيه إن شاء الله في باب: ما يجتنبه المحرم من كتاب
الحج.
(وَاحْتَجَمَ) أيضًا. (وَهُوَ صَائِمٌ) حكى القاري عن الجزري أنه قال: مراد ابن
عباس: أنه احتجم في حال اجتماع الصوم مع الإحرام، لما رواه أبو داود حديثه
أيضًا: أنه عليه الصلاة والسلام احتجم صائمًا محرمًا. ورواه الترمذي بلفظ: ((وهو
محرم صائم))، انتهى. وقال الأمير اليماني: قيل ظاهره - أي: ظاهر حديث الباب
- أنه وقع منه الأمران المذكوران مفترقين، وأنه احتجم وهو صائم واحتجم وهو
محرم، ولكنه لم يقع ذلك في وقت واحد؛ لأنه لم یکن صائمًا في إحرامه، إذا أريد
إحرامه وهو في حجة الوداع؛ إذ ليس في رمضان، ولا كان محرمًا في سفره في
رمضان عام الفتح، ولا في شيء من عُمَرِهِ التي اعتمرها، وإن احتمل أنه صام نفلاً
إلا أنه لم يعرف ذلك. قال: والحديث إخبار عن كل جملة على حدة، وأن المراد:
احتجم وهو محرم في وقت واحتجم وهو صائم في وقت آخر، والقرينة على هذا
معرفة أنه لم يتفق له اجتماع الإحرام والصيام، انتهى. قلت: حديث ابن عباس
(٢٠٢٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٣٨)، ومُسْلِم (١٢٠٢.٨٧) عَنْهُ فِيهِ، وَفِي لَفْظٍ: ((احْتَجَمَ صَائِمًا
مُحْرِمًا قَائِّ)).

٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
روي على أربعة أوجه كما حكاه الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٢ ص٢٧٨) عن
صاحب ((التنقيح): الأول: احتجم وهو محرم، الثاني: احتجم وهو صائم،
الثالث: احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم، الرابع: احتجم وهو صائم
محرم .
فالأول: روي من طرق شتى عن ابن عباس عند أحمد والشيخين وغيرهم، واتفقا
عليه من حديث عبد الله بن بحينة، وفي النسائي وغيره من حديث أنس وجابر.
والثاني: رواه البخاري وأصحاب السنن.
والثالث: رواه البخاري. قال الحافظ: والظاهر أن الراوي جمع بين الحديثين.
والرابع: رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وصححه
الترمذي، وأعله أحمد وعلي بن المديني وغيرهما.
فقال أحمد: إن أصحاب ابن عباس لا يذكرون صيامًا يعني: ليس عندهم صائم،
وإنما هو محرم. وقال أبو حاتم: هذا خطأ أخطأ فيه شريك، إنما هو احتجم وأعطى
الحجّام أجرته، كذلك رواه جماعة عن عاصم. وشريك حدث من حفظه وقد ساء
حفظه فغلط فيه. وقال الحميدي: هذا ريح؛ لأنه وّ لم يكن صائمًا محرمًا؛ لأنه
خرج في رمضان في غزوة الفتح ولم يكن محرمًا. وقال الحافظ: استشكل النسائي
كونه وَلّر جمع بين الصيام والإحرام؛ لأنه لم يكن من شأنه التطوع بالصيام في
السفر ولم يكن محرمًا إلا وهو مسافر، ولم يسافر في رمضان إلى جهة الإحرام إلا
في غزاة الفتح، ولم يكن حينئذٍ محرمًا. قلت: فقائله الحافظ وفي الجملة الأولى
نظر، فما المانع من ذلك، فلعله فعل مرة لبيان الجواز، وبمثل هذا لا ترد الأخبار
الصحيصة، ثم ظهر لي أن بعض الرواة جمع بين الأمرين في الذكر، فأوهم أنهما
وقعا معًا والأصوب رواية البخاري ((احتجم وهو صائم))، و((احتجم وهو محرم))،
فيحمل على أن كل واحد منهما وقع في حالة مستقله، وهذا لا مانع منه، فقد صح
أنه وَّر صام في رمضان وهو مسافر، وهو في الصحيحين بلفظ: ((وما فينا صائم إلا
رسول اللَّهِوَِّ وعبد الله بن رواحة))، ويقوي ذلك أن غالب الأحاديث ورد مفصلًا
كما تقدم.
وقد اختلف في الحجامة للصائم: فذهب الجمهور منهم مالك والشافعي

٢٦٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
وأبو حنيفة: إلى أنه لا بأس بها عند الأمن، وأنها لا تفطر الصوم مطلقًا، وحجتهم
حديث ابن عباس وما وافقه. وقال عطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن
خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان: إنَّه يفطر الحاجم
والمحجوم ويجب عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، واحتج هؤلاء
بحديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ))، وقال قوم منهم مسروق والحسن وابن
سيرين: يكره الحجامة للصائم مطلقًا، ولا يفسد الصوم بها، نعم ينقص أجر
صيامهما بارتكاب هذا المكروه.
وأجاب القائلون: بعدم الفطر عن حديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ))
بوجهين: أحدهما: ادعاء النسخ، قال ابن عبد البر: إنه منسوخ لحديث ابن
عباس؛ لأن في حديث شداد وغيره أنه وُّل مر عام الفتح على من يحتجم لثمان
عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ))، وابن عباس شهد
معه حجة الوداع سنة عشر، وشهد حجامته حينئذٍ وهو محرم صائم. وحديث ابن
عباس لا مدفع فيه عند أهل الحديث، فهو ناسخ لا محالة؛ لأنه لم يدرك بعد ذلك
رمضان مع النبي ◌َّ، انتهى. وسبق إلى ذلك الشافعي كما حكاه البيهقي عنه في
((المعرفة)) وفي ((السنن الكبرى)) (ج٤ ص٢٦٨)، واعترض: بأنه قد اختلف
التوقيت في حديث شداد، ففي رواية عند البيهقي: أنه كان عام الفتح والنبي وَّ
کان حينئذٍ بمكة، وفي حديثه عند أبي داود والبيهقي أيضًا: أن ذلك كان بالبقيع وهو
بالمدينة، وكذا وقع في حديث ثوبان عند البيهقي (ج ٤ ص٢٦٦) ففي دعوى النسخ
على هذا نظر. وأيضًا في حديث ابن عباس: إنه احتجم صائمًا محرمًا ولم يكن
محرمًا وهو مقيم، وإنما كان محرمًا وهو ومسافر، وللمسافر أن يفطر على ما شاء
من طعام وجماع وحجامة، وكذا للمتطوع بالصوم أن يفطر متى شاء بالحجامة
وغيرها .
قال ابن حبان: لا يعارض حديث ابن عباس حديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ
وَالْمَحْجُومُ))؛ لأنه ◌ََّ لم يكن قط محرمًا إلا وهو مسافر والمسافر يباح له
الإفطار. وقال ابن خزيمة في هذا الحديث: أنه كان صائمًا محرمًا، قال: ولم يكن
قط محرمًا، وهو مقيم ببلده، إنما كان محرمًا وهو مسافر، والمسافر إن كان ناويًا
للصوم فمضى عليه بعض النهار وهو صائم أبيح له الأكل والشرب على الصحيح،

٢٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فإذا جاز له ذلك جاز له أن يحتجم وهو مسافر في بعض نهار الصوم، وإن كانت
الحجامة تفطره، انتهى.
قال الزيلعي (ج٢ ص ٤٧٨): لفظ البخاري ربما يدفع هذا التأويل؛ لأنه فَرَّقَ بين
الخبرين فقال: احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم فلينظر في ذلك. وقال
الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر تأويل ابن خزيمة: وتعقب: بأن الحديث ما ورد هكذا
لا لفائدة، فالظاهر: أنه وجدت من الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه
واستمر. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص١١١) متعقبًا على ابن خزيمة: هذا
التأويل غير صحيح؛ لأنه قد أثبته حين احتجم صائمًا، ولو كان يفسد صومه
بالحجامة لكان يقال: إنه أفطر بالحجامة، كما يقال: أفطر الصائم بشرب الماء
وبأكل التمر وما أشبههما، ولا يقال: شرب ماء صائمًا، ولا أكل تمرًا وهو صائم،
انتهى وحاصله: أن قوله: ((وَهُوَ صَائِمٌ)) دال على بقاء الصوم. قال الحافظ في
((التلخيص)) (ص ١٩٠) بعد ذكره: قلت: ولا مانع من إطلاق ذلك باعتبار ما كان
حالة الاحتجام؛ لأنه على هذا التأويل إنما أفطر بالاحتجام، والله أعلم، انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٦ ص٢٠٤): صح حديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ
وَالْمَحْجُومُ))، فوجب الأخذ به إلا أن يصح نسخه، ثم رد على من ادعى نسخه
بحديث ابن عباس، ثم قال: لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: أن رسول اللَّه وَل
أرخص في الحجامة للصائم، وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به؛ لأن الرخصة لا
تكون إلا بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجمًا أو
محجومًا، انتهى مختصرًا، والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة
والدار قطني والبزار والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي.
قال الحافظ في ((الفتح)): رجاله ثقات. ولكن اختلف في رفعه ووقفه وله شاهد
من حديث أنس أخرجه الدار قطني، ولفظه: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن
جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمرَّ به رسول اللَّه ◌ِ ل فقال: ((أَفْطَرَ هَذَانٍ))،
ثم رخص النبي ګ بعد ذلك في الحجامة للصائم، و کان أنس يحتجم وهو صائم،
ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن في المتن ما ينكر؛ لأن فيه أن ذلك في الفتح
وجعفر كان قتل قبل ذلك، ومن أحسن ما ورد في ذلك ما رواه عبد الرزاق
وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول اللّه وَ لَه قال:

٢٦٩
كِتّابُ الصَّوْم
بَابَ تَنْزِيهِ الصَّوْم
نهى النبي ◌ِّيّ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما؛ إبقاءً على
أصحابه إسناده صحيح. والجهالة بالصحابي لا تضر، وقوله: إبقاءً على أصحابه
يتعلق بقوله: نهى، وقد رواه ابن أبي شيبة بلفظ: عن أصحاب محمد مَّيٍّ قالوا:
إنما نهى النبي عن الحجامة للصائم، وكرهها للضعيف أي: لئلا يضعف، انتهى
كلام الحافظ. الوجه الثاني: الجمع والتأويل.
قال الخطابي (ج٢ ص١١٠): وتأول بعضهم حديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ
وَالْمَحْجُومُ))، فقال: معناه: تعرضا للإفطار، أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه
من ذلك، فيؤديه إلى أن يعجز من الصوم، وأمَّا الحاجم؛ فلأنه لا يؤمن أن يصل
إلى جوفه من طعم الدم، أو من بعض أجراحه إذا ضم شفتيه على قصب الملازم،
وهذا كما يقال للرجل يتعرض للمهالك: قد هلك فلان، وإن كان باقيًا سالمًا.
وإنما يراد: أنه قد أشرف على الهلاك، وكقوله ◌َّه: ((مَنْ جُعَلَ قَاضِيًّا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ
سِكِّينٍ))، يريد أنه قد تعرض للذبح، انتهى. وبنحوه قال البغوي، كما سيأتي في
الفصلَّ الثاني. وردَّهُ ابن تيمية: بأن قوله ◌َّ: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) له نص
في حصول الفطر لهما، فلا يجوز أن يعتقد بقاء صومهما، والنبي وَ لّ مخبر عنهما
بالفطر لاسيما، وقد أطلق هذا القول إطلاقًا من غير أن يقرنه بقرينة تدل على أن
ظاهره غير مراد، فلو جاز أن يريد مقاربة الفطر دون حقيقته، لكان ذلك تلبيسًا لا
تبيينًا للحكم، انتهى. قال الأمير اليماني: بعد ذكر هذا قلت: ولا ريب في أن هذا
هو الذي دل له قوله في حديث أنس في قصة احتجام جعفر: ((أَفْطَرِ هَذَانٍ))، ثم
رخص النبي ◌ِّل بعد في الحجامة، وتقدم أنه من أدلة نسخ حديث: ((أَقْطَرَ الْحَاجِمُ
وَالْمَحْجُومُ))، وقيل في تأويله: بأن المراد بذلك: رجلان بعينهما كان مشتغلين
بالغيبة، فقال رسول اللَّه ◌ِله: ((أَقْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ))، أي: للغيبة لا
للحجامة، أخرجه الطحاوي وعثمان الدارمي والبزار والبيهقي في ((المعرفة))،
وفي ((السنن)) وغيرهم. وفيه: يزيد بن أبي ربيعة وهو متروك. وحكم علي بن
المديني : بأنه حدیث باطل.
وقال ابن خزيمة في هذا التأويل: أنه أعجوبة؛ لأن القائل به لا يقول: إن الغيبة
تفطر الصائم. وقال أحمد: ومن سلم من الغيبة؟ ولو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا
صوم، وقد وجه الشافعي هذا القول وحمل الإفطار بالغيبة على سقوط أجر الصوم
مثل قوله ◌َّ للمتكلم، والخطيب يخطب: ((لَا جُمُعَةَ لَهُ)) ولم يأمره بالإعادة، فدل

٢٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على أنه أراد سقوط الأجر، وحينئذٍ فلا وجه لجعله أعجوبة كما قال ابن خزيمة.
وقيل في تأويله أيضًا: إن الحجامة كانت مع الغروب أي: مر بهما وَّ مساء،
فقال: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ))، كأنه عذرهما بهذا القول، إذ كانا قد أمسيا
ودخلا في وقت الإفطار، كما يقال: أصبح الرجل وأظهر وأمسى إذا دخل في هذه
الأوقات. ويدل عليه ما روى ابن حبان والطبراني في ((الأوسط)): عن جابر أن
النبي ◌َّ أمر أبا طيبة فوضع المحاجم مع غيبوبة الشمس، ثم أمره مع إفطار
الصائم فحجم ... الحديث. قال الهيثمي بعد عزوه إلى الطبراني: رجاله رجال
الصحيح. وقيل: معنى أفطرا: فعلا مكروهًا، وهو الحجامة فصار كأنهما غير
متلبسين بالعبادة .
قال الخطابي: قال بعضهم: هذا على التغليظ لهما والدعاء عليهما كقوله فيمن
صام الدهر: ((لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ))، فمعنى قوله: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) على هذا
التأويل أي: بطل أجر صيامهما، فكأنهما صارا مفطرين غير صائمين. وقيل:
معناه: حان لهما أن يفطرا كقوله: أحصد الزرع إذا حان له أن يحصد، وأركب
المهر إذا حان له أن يركب ذكره الخطابي أيضًا. وقال الشوكاني: حديث ابن عباس
لا يصلح لنسخ أحاديث الإفطار؛ لأنه لم يعلم تأخره، نعم حديث ابن أبي ليلى
وأنس وأبي سعيد يدل على أن الحجامة غير محرمة، ولا موجبة لإفطار الحاجم
ولا المحجوم. فيجمع بين الأحاديث: بأن الحجامة مكروهة - بكراهة التنزيه -
في حق من كان يضعف بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون
سبيًّا للإفطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها وعلى كل حال تجنب
الحجامة للصائم أولى، فيتعين حمل قوله: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) على
المجاز لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر، فإن الحديث من أفراد البخاري وليس عند مسلم ذكر
الاحتجام في حالة الصوم أصلاً، ولذلك نسبه المجد في ((المنتقى)) والحافظ في
((بلوغ المرام)) و((التلخيص)) والنابلسي في ((الذخائر)) إلى البخاري فقط. والظاهر:
أن المنصف قلد في ذلك ابن الأثير الجزري إذ عزاه في ((جامع الأصول)) (ج٧
ص١٩١) إلى البخاري ومسلم كليهما ولا شك في أن هذا وهم منه. وقد تقدم ذكر
من أخرجه غير البخاري. وفي جواز الحجامة للصائم أحاديث عن جماعة من

كِتّابُ الضَّؤْمِ
بَابٌ تَنْزِیهِ الصَّوْم
٢٧١
الصحابة ذكرها العيني في ((شرح البخاري)) (ج ١١ ص٤٠) والهيثمي في (مجمع
الزوائد» (ج٣ ص ١٧٠).
٢٠٢٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
الشرح
٢٠٢٣- قوله: (مَنْ نَسِيَ) أي: أنه في الصوم. (وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ)
سواء كان قليلا أو كثيرًا كما رجحه النووي لظاهر إطلاق الحديث. قال العيني: لا
فرق عندنا وعند الشافعي بين القليل والكثير. وقال الرافعي: فیه وجهان کالوجهين
في بطلان الصلاة بالكلام الكثير، انتهى. وقد روى أحمد من حديث أم إسحاق:
أنها كانت عند النبي وَلّ فَأَتي بقصعة من ثريد، فأكلت معه ثم تذكرت أنها كانت
صائمة. فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت؟ فقال لها النبي وَله: ((أَتِّمِّي
صَوْمَكِ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْك))، قال الحافظ بعد ذكره: وفي هذا رد على من
فرق بين قليل الأكل وكثيرة، انتهى. ويروى و((شرب))، واقتصر عليهما دون باقي
المفطرات؛ لأنهما الغالب في النسيان.
(فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) وفي رواية الترمذي: ((فَلَا يُفْطِرْ))، قال العراقي: يجوز أن يكون
((لا)) في جواب الشرط للنهي و((يفطر)) مجزومًا، ويجوز أن تكون (لَا)) نافية و((يُفْطِر))
مرفوعًا، وهو أولى فإنه لم يرد به النهي عن الإفطار، وإنما المراد: أنه لم يحصل
إفطار الناسي بالأكل، ويكون تقديره: من أكل أو شرب ناسيًا لم يفطر، انتهى. ثم
لما لم يكن أكله وشربه باختياره المقتضي لفساد صومه بل لأجل إنسائه تعالى له
لطفًّا به، وتيسيرًا عليه بدفع الحرج عن نفسه علله بَّهَ بقوله: (فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ
وَسَقَاهُ) أي: ليس له فيه مدخل قال السندي: كأن المراد: قطع نسبة ذلك الفعل إلى
(٢٠٢٣) الْبُخَارِي (١٩٣٣) (٦٦٩)، وَمُسْلِم (١٧١ / ١١٥٥)، وأَبُو دَاوُد (٢٣٩٨)، والتِّرْمِذِي (٧٢١)،
والنَّسَائِي في ((الكبرى)» (٣٢٧٥)، وابن مَاجَهْ (١٦٧٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.

٢٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العبد بواسطة النسيان، فلا يعد فعله جناية منه على صومه مفسدًا له، وإلا فهذا
القدر موجود في كل طعام وشراب يأكله الإنسان أكله عمدًا أو سهوًا، وقال
الخطابي: النسيان من باب الضرورة، والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم
إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها. وفي رواية الترمذي: ((فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ))، قال
العيني: قوله: ((فَإِنَّمَا)) تعليل؛ لكون الناسي لا يفطر، ووجه ذلك أن الرزق لما كان
من الله ليس فيه للعبد تحيل، فلا ينسب إليه شبه الأكل ناسيًا به؛ لأنه لا صنع للعبد
فيه، وإلا فالأكل متعمدًا حيث جاز له الفطر رزق من اللّه تعالى بإجماع العلماء
وكذلك هو رزق، وإن لم يجز له الفطر على مذهب أهل السنة، انتهى.
والحديث: دليل على أن من أكل أو شرب ناسيًا لصومه، فإنه لا يفطره ولا
يوجب القضاء، وإليه ذهب الجمهور: الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وإسحاق
والأوزاعي والثوري وعطاء وطاوس. وقال مالك: يبطل صومه ويجب عليه
القضاء، وهو قول شيخه ربيعة وجميع أصحاب مالك، لكن فرقوا بين الفرض
والنفل، واحتج الجمهور لقولهم بحديث الباب؛ لأنه أمر بالإتمام وسمى الذي
يتمه صومًا، وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية، فيتمسك به حتى يدل دليل على
أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغوية، وإذا كان صومًا وقع مجزئًا ويلزم من ذلك
عدم وجوب القضاء، كذا قرره ابن دقيق العيد (ج٢ ص ٢١٢) قال: وقوله: (إِنَّمَا
أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ)) يستدل به على صحة الصوم، فإن فيه إشعارًا بأن الفعل الصادر
منه مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه، انتهى. واستدل
لمن ذهب إلى الفطر، وإيجاب القضاء: بأن ركن الصوم هو الإمساك عن
المفطرات، فإذا فات رکنه یفسد الصوم كيفما كان.
قال ابن دقيق العيد (ج٢ص ٢١١): ذهب مالك إلى إيجاب القضاء وهو
القياس، فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات. والقاعدة تقتضي أن
النسيان لا يؤثر في باب المأمورات. وقال ابن العربي: تمسك جميع الفقهاء بظاهر
هذا الحديث، وتطلع مالك إلى المسألة من طريقها فأشرف عليه؛ لأن الفطر ضد
الصوم والإمساك ركن الصوم، فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة وسيأتي الجواب
عن هذا الاستدلال. واعتذر المالكية عن حديث الباب بوجوه:

٢٧٣
كِتّابُ الصَّوْم
بَابِ تَنْزِیهِ الصَّوْم
منها: أن المراد: فليتم إمساكه عن المفطرات، يعني: أن الصوم محمول على
معناه اللغوي، فيكون أمرًا بالإمساك بقية يومه كالحائض إذا طهرت في أثناء اليوم
وهو مدفوع أولًا: بأن الاتفاق على أن الحمل على المفهوم الشرعي، حيث أمكن
في لفظ الشارع واجب، فإن قيل: يجب ذلك للدليل على البطلان وهو القياس
الذي تقدم ذكره، قلنا: حقيقة النص مقدم على القياس لو تم، فكيف وهو لا يتم؟
فإنه لا يلزم من البطلان مع النسيان فيما له هيئة مذكرة البطلان معه فيما لا مذكر له
وهيئة الإحرام والاعتكاف والصلاة مذكرة، فإنها تخالف الهيئة العادية ولا كذلك
الصوم، والنسيان غالب للإنسان، فلا يلزم من عدم عذره بالنسيان مع تلك عدم
عذره به مع الصوم. وثانيًا: بأن نفس اللفظ يدفعه وهو قوله: ((فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ))
وصومه إنما كان الشرعي، فإتمام ذلك إنما يكون بالشرعي. وثالثًا: بما ورد من
نفي القضاء صريحًا كما سيأتي.
ومنها: إنه محمول على التطوع حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن
القصار، واعتل: بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع.
ومنها: أنه محمول على رفع الإثم وسقوط المؤاخذة. قال القرطبي: احتج
بالحديث من أسقط القضاء، وأجيب: بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على
سقوط المؤاخذة؛ لأن المطلوب صيام يوم لا خرم فيه. ومنها: أن المراد منه:
سقوط الكفارة عنه. قال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إسقاط القضاء،
فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الإِثم عنه وبقاء نيته التي بيتها،
انتھی .
والجواب عن ذلك كله: بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١
ص٤٣٠) وصححه والدار قطني (ص٢٣٧) والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي (ج٤
ص٢٢٩) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًّا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا
كَفَّارَةَ»، فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء، وقد انفرد بذكر إسقاط القضاء
الأنصاري وهو ثقة. وأخرجه النسائي من طريق علي بن بكار عن محمد بن عمرو،
ولفظه في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسيًّا، فقال: ((اللهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ))، وقد ورد
إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة، أخرجه الدار قطني من رواية محمد بن

٢٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عيسى بن الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين ولفظه: ((فَإِنِّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ
اللهُ إِلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ))، وقال بعد تخريجه: هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات.
قال الحافظ: ولكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية وليس فيه هذه
الزيادة، وروى الدار قطني أيضًا إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد
المقبري والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار كلهم عن أبي هريرة وأخرج
(ص٢٣٧) أيضًا - وكذا الطبراني في ((الأوسط)) - من حديث أبي سعيد رفعه: ((مَنْ
أَكَلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًّا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ))، وإسناده وإن كان ضعيفًا - لأن فيه محمد
ابن عبيد الله العرزمي الفزاري وهو ضعيف - لكنه صالح للمتابعة فأقل درجات
الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنًا، فيصلح للاحتجاج به. وقد وقع الاحتجاج في
كثير من المسائل بما دونه في القوة ويعتضد أيضًا، بأنه قد أفتى به جماعة من
الصحابة من غير مخالفة لهم منهم - كما قاله ابن المنذر وابن حزم وغيرهما - علي
ابن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر. ثم هو موافق لقوله تعالى:
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فالنسيان ليس من كسب القلب، وموافق
للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه، فكذلك الصيام. وأما القياس
الذي ذكره ابن العربي فهو في مقابلة النص فلا يقبل، انتهى كلام الحافظ. وتأول
المالكية حديث سقوط القضاء على أن معناه: لا قضاء عليه الآن، وهذا تعسف
ظاهر، وأجاب عنه ابن العربي: بأن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل
به، فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأما الثاني
فلا يوافقها فلم نعمل به .
وتعقبه الحافظ: بأن رد الحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القاعدة ليس
بمسلم؛ لأنه قاعدة مستقلة بالصيام، فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل قاعدة
في قاعدة، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا
القليل ولرد من شاء ما شاء. قال الشوكاني: وأما اعتذار ابن دقيق العيد، فيجاب
عنه: بأن غاية هذه القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث الباب
مخصصًا لها، انتهى.
وفي الحديث: لطف الله بعباده، والتيسير عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم،

٢٧٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ تَنْزِيهِ الصَّؤْم
واختلفوا فيما إذا جامع ناسيًا في نهار رمضان، فقال الثوري وأصحاب الرأي
والشافعي وإسحاق مثل قولهم فيمن أكل أو شرب ناسيًا، وإليه ذهب الحسن
ومجاهد، واستدل لهم: بأن الحديث وإن ورد في الأكل والشرب لكنه معلول
بمعنى يوجد في الكل أي: الأكل والشرب والجماع، وهو أنه فعل مضاف إلى الله
تعالى على طريق التمحيض بقوله: ((فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ)) قطع إضافته عن العبد
بوقوعه فيه من غير قصده واختياره. وهذا المعنى يوجد في الكل، والعلة إذا كانت
منصوصًا عليها كان الحكم منصوصًا عليه، ويتعمم الحكم بعموم العلة، وكذا
معنى الحرج يوجد في الكل. واستدل لهم أيضًا بما تقدم في رواية ابن خزيمة
وغيره من قوله: ((مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ))؛ لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو
شرب أو جماع، وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في الطريق الأخرى؛ لكونهما
أغلب وقوعًا، ولعدم الاستغناء عنهما غالبًا .
قال ابن دقيق العيد: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب؛ لأن نسيان الجماع
نادر بالنسبة إليهما وذكر الغالب لا يقتضي مفهومًا، انتهى. وقال عطاء والأوزاعي
ومالك والليث بن سعد: عليه القضاء أي: بدون الكفارة، وقال أحمد: عليه القضاء
والكفارة، واحتج له: بأن النبي ◌َّيّ لم يسأل الذي وقع على أهله أنسيت أم
عمدت، ولو افترق الحال لسأل واستفصل. وتعقبه الخطابي (ج٢ ص١٢١): بأن
معناه في هذا: اقتضاء العموم من الفعل، والعموم إنما يقتضى من القول دون
الفعل، وإنما جاء الحديث بذكر حال وحكاية فعل، فلا يجوز وقوعه على العمد
والنسيان معًا فبطل أن يكون له عموم. ومن مذهب أبي عبد الله - يعني: الإمام
أحمد - أنه إذا أكل ناسيًّا لم يفسد صومه؛ لأن الأكل لم يحصل منه على وجه
المعصية، فكذلك إذا جامع ناسيًا. فأما المتعمد لذلك، فقد حصل منه الفعل على
وجه المعصية فلذلك وجبت عليه الكفارة، انتهى. وأجيب أيضًا: بأن الأصل في
الأفعال أن تكون عن عمد، وأن الناسي لابد أن يذكر النسيان إذا استفتى؛ لأنه عذر
ولا يحتاج إلى السؤال عنه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي في
((الكبرى)) وابن ماجه والدارمي وغيرهم.

٢٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٢٤ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: بَيْثَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ وَ إِذْ جَاءَهُ
رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: ((مَالَكَ؟)) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي
وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: ((هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟)). قَالَ: لَا قَالَ:
((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: ((هَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ
سِتِّينَ مِسْكِينًا؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: ((اجْلِسَ)) وَمَكُثَ النَِّيُّ ◌َ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى
ذَلِكَ أَنِيَ النَّبِيُّ نَّهِ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ قَالَ: ((أَيْنَ
السَّائِلُ؟)) قَالَ: أَنَا. قَالَّ: ((خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ)). فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحِرَّتَيْنِ - أهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ
أهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَِّيُّ ◌ِِّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٢٤ - قوله: (بَيْنَمَا) أصله بين فأشبعت فتحة النون وصار بينا، ثم زيد فيه
الميم فصار بينما ويضاف إلى جملة اسمية وفعلية، ويحتاج إلى جواب يتم به
المعنى والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه ((إذ وإذا)) ولكن كثر مجيئها كذلك ومنه
قوله هنا: (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ)، قيل: الرجل هو سلمة بن صخر البياضي جزم به عبد
الغني في ((المبهمات))، وتبعه ابن بشكوال واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة
وغيره من طريق سيلمان بن يسار عن سلمة بن صخر: أنه ظاهر من امرأته في
رمضان وأنه وطئها. فقال له النبي وَالّ: ((حَرِّرْ رَقَبَةً ... ))، الحديث. وانتقد: بأن
ذلك هو المظاهر في رمضان أتى أهله في الليل رأى خلخالها في القمر، وفي
(تمهيد)) ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب: أن الرجل الذي وقع على امرأته في
رمضان سلمان بن صخر أحد بني بياضة. قال: وأظن هذا وهما أتى من الراوي
أي: لأن ذلك إنما هو في المظاهر وقع على امرأته في الليل. وأما المجامع
(٢٠٢٤) الْبُخَارِي (١٩٣٦)، ومُسْلِم (٨١/ ١١١١)، وأَبُو دَاوُد (٢٣٩٠)، والتِّرْ مِذِي (٧٢٤)، والنَّسَائِي
في ((الكبرى)) (٣١١٧)، وابن ماجه (١٦٧١) عَنْهُ فِيهِ.

٢٧٧
كِتّابَ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
فأعرابي فهما واقعتان، فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائمًا كما
سيأتي، وفي قصة سلمة بن صخر، أنه كان ذلك ليلاً كما عند الترمذي فافترقا، ولا
يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة، وكونها مرتبة،
وفي كونٍ كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها اتحاد القصتين. (فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ) وقع في رواية البيهقي (ج ٤ ص٢٢٦) وأبي عوانة والجوزقي:
جاء رجل وهو ينتف شعره ويدق صدره ويقول: هلك الأبعد.
ولأحمد (ج٢ ص٥١٦) والدارقطني في ((العلل)): يلطم وجه. وللبيهقي (ج ٤
ص٢٢٦) وأحمد (ج٢ ص٢٠٨): يدعو ويله. وفي مرسل ابن المسيب عند مالك
في ((الموطأ)): يضرب نحره. وعند الدارقطني: ويحثي على رأسه التراب.
واستدل بهذا: على جواز هذا الفعل، والقول ممن وقعت له معصية، ويفرق بذلك
بين مصيبة الدين والدنيا، فيجوز في مصيبة الدين لما يشعر به الحال من شدة
الندم. وصحة الإقلاع، ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود
وحلق الشعر عند المصيبة قاله الحافظ. ووقع في حديث عائشة عند البخاري
وغيره: ((احترقت))، واستدل به على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز
عن العصيان المؤدي إلى ذلك، فكأنه جعل المتوقع كالواقع وبالغ فعبر عنه بلفظ
الماضي، وإذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي وهو
مشهور قول مالك والجمهور، وعن أحمد وبعض المالكية: يجب على الناسي،
وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمدٍ، أو نسيان؟ وترك الاستفصال
في الفعل ينزل منزلة العموم في القول كما اشتهر. وقد تقدم جوابه عن الخطابي في
شرح الحديث السابق، وأجاب الحافظ عنه: بأنه قد تبين حاله بقوله: ((هَلَكْتُ))،
و((احترقت)) فدل على أنه كان عامدًا عارفًا بالتحريم، وأيضًا فدخول النسيان في
الجماع في نهار رمضان في غاية البعد، انتهى.
قال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٤): إن حالة النسيان بالنسبة إلى الجماع
ومحاولة مقدماته، وطول زمانه وعدم اعتياده في كل وقت مما يبعد جريانه في
حالة النسيان، فلا يحتاج إلى الاستفصال على الظاهر. لا سيما وقد قال الأعرابي:
((هَلَكْتُ))، فإنه يشعر بتعمده ظاهرًا ومعرفته بالتحريم، انتهى. قال الحافظ.
واستدل بهذا: على أن من ارتكب معصية، لا حد فيها وجاء مستفتيًا أنه لا يعزر؛

٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لأن النبي وَّ لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية. وقد ترجم لذلك البخاري في
الحدود. وأشار إلى هذه القصة وتوجيهه: أن مجيئة مستفتيًا يقتضي الندم والتوبة،
والتعزير إنما جعل للاستصلاح ولا استصلاح مع الصلاح، وأيضًا فلو عوقب
المستفتي لكان سببًا لترك الاستفتاء وهي مفسدة عظيمة، فاقتضى ذلك أن لا
يعاقب، هكذا قرره ابن دقيق العيد. لكن وقع في ((شرح السنة)) للبغوي: أن من
جامع متعمدًا في رمضان فسد صومه وعليه القضاء والكفارة، ويعزر على سوء
صنيعه وهو محمول على من لم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من الندم
والتوبة، انتهى.
(قَالَ: مَا لَكَ؟) بفتح اللام و(مَا) استفهامية محلها رفع بالابتداء أي: أي شيء
حصلٍ أو وقع لك، ولابن خزيمة: ((وَيْحَكَ مَا شَأَنُكَ؟))، ولأحمد (ج٢ ص٥١٦):
((وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟))، وفي ((الأدب)) عند البخاري: ((وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ؟)). (وَقَعْتُ
عَلَى امْرَأَتِي) وعند البزار: ((أصبت أهلي))، وفي حديث عائشة: ((وطئت امرأتي))،
ووقع في رواية مالك وابن جريج وغيرهما عند مسلم وغيره: ((أن رجلًا أفطر في
رمضان، فأمره النبي وَلّ ... )) الحديث. واستدل به: على إيجاب الكفارة على
من أفسد صيامه مطلقًا بأي شيء كان، وهو قول المالكية والحنفية. واختلف
الأئمة فيه: فحكي عن عطاء والحسن والثوري والزهري والأوزاعي وإسحاق: أن
الفطر بالأكل والشرب عمدًا، يوجب ما يوجبه الجماع من القضاء والكفارة، وبه
قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما.
وذهب سعيد بن جبير والنخعي وابن سيرين وحماد والشافعي وأحمد وأهل
الظاهر: إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار بالجماع فقط. فحملوا قوله: ((أفطر))
هاهنا على المقيد في الرواية الأخرى، وهو قوله: ((وقعت علي امرأتي))، وكأنه
قال: أفطر بجماع، واحتج من أوجب الكفارة مطلقًا بقياس الآكل على المجامع
بجامع ما بينهما من انتهاك حرمة الصوم، وبأن من أكره على الأكل فسد صومه كما
يفسد صوم من أكره على الجماع بجامع ما بينهما. وتعقب: بأن الفرق بين الانتهاك
بالجماع والأكل ظاهر فلا يصح هذا القياس. قال ابن قدامة: لا يصح قياسه على
الجماع؛ لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس والحكم في التعدي به آكد، ولهذا يجب
به الحد إذا کان محرمًا. ويختص بإفساد الحج دون سائر محظوراته، ووجوب

٢٧٩
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصّؤْم
البدنة؛ ولأنه في الغالب يفسد صوم اثنين بخلاف غيره، انتهى.
وقد وقع في حديث عائشة نظير ما وقع في حديث أبي هريرة، فمعظم الروايات
فيها: ((وطئت امرأتي)) ونحو ذلك، وفي رواية ساق مسلم إسنادها وساق أبو عوانة
في ((مستخرجة)) مَتْنَها أنه قال: ((أفطرت في رمضان))، والقصة واحدة ومخرجها
متحد، فيحمل على أنه أراد: أفطرت في رمضان بجماع. وقد وقع في مرسل سعيد
ابن المسيب عند سعيد بن منصور: ((أصبت امرأتي ظهرًا في رمضان)). وبتعين
رمضان يفهم الفرق في وجوب كفارة الجماع في الصوم بين رمضان وغيره من
الواجبات کالنذر.
هذا وقد استدل لمذهب الحنفية ابن الهمام بقوله: ((أفطر)) في بعض الروايات،
والكاساني بالمواقعة المذكورة في أكثر الروايات وبالقياس عليها، وأطالا الكلام
في تقرير ذلك من شاء الوقوف عليه رجع إلى ((فتح القدير)) و((البدائع)).
وقال صاحب ((فتح الملهم)) بعد ذكر تقرير ابن الهمام: والحق أن هذه الأدلة لا
تخلو عن ضعف إسناد أو ضعف دلالة على المطلوب فلا تصلح أن تكون دعامة
لإثبات المسألة وأساسًا له، نعم تعتبر في معرض الاستشهاد والتأييد بعد ثبوت
أصل المسألة، ثم ذكر تقرير صاحب ((البدائع)) وابن الهمام لإثبات أصل المسألة
بالجماع المذكور في الروايات وبالقياس عليه ثم قال: ولكن يختلج في قلب العبد
الضعيف أن الوصف المؤثر الذي هو مناط الحكم في المنصوص، هل هو إفساد
الصوم بالجماع خاصة، أو إفساده بالمفطر الكامل مطلقًا؟ والظاهر من إيجاب
التكفير بكفارة الظهار هو الأول، فإن المظاهر يحرم امرأته على نفسه تحريماً غليظًا
بإفحاش القول فيه، ثم يعود لما قاله فيجب عليه كفارة الظهار. وهكذا الصائم في
رمضان لما حرم على نفسه الجماع تحريمًا غليظًا بنيته، ومصادفته ذلك الوقت
الشريف المبارك ثم وقع فيه صار مثل المظاهر وصار حكمهما واحدًا، وليس كل
من حرم على نفسه أكل شيء أو شربه بأغلظ الأقوال وأفحشها، ثم حنث فيه يجب
عليه ما يجب على المظاهر، فافترق الجماع، والأكل ضرورة، فكيف يكون
المفطر بالأكل ملحقًا بالمظاهر في وجوب الكفارة؟ واللّه تَعَالَ أعلم بالصواب،
انتھی .