Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠١١ - [١٠] وعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَّ
عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَّاتٌ فَتمَيْرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا
حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءَ ..
[رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ] {صحيح}
الشرح
٢٠١١- قوله: (يُفْطِرُ) أي: من صومه. (قَبْلَ أَنْ يُصَلَّيَ) أي: المغرب،
وفيه: إشارة إلى كمال المبالغة في استحباب تعجيل الفطر. وأما ما صح أن عمر
وعثمان ظّا كانا برمضان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود، ثم
يفطران بعد الصلاة، فهو لبيان جواز التأخير؛ لئلا يظن وجوب التعجيل. (عَلَى
رُطَبَاتٍ) بضم الراء وفتح الطاء .
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ) بالرفع أي: موجودة أو إن لم تحصل ولم تتيسر.
(فَتُمَيْرَاتٍ) بالتصغير وبالجر أي: فيفطر على تميرات، وفي نسخة بالرفع أي:
فتميرات عوضها قاله القاري. وهذا لفظ الترمذي، ولأبي داود: ((فَعَلَى تَمَرَاتٍ))،
وكذا عند الدار قطني والحاكم. (حَسَا) أي: شرب. (حَسَوَاتٍ) بفتحتين أي :
شربات. (مِنْ مَاءٍ) قال العلقمي: حسوات، بحاء وسين مهملتين جمع حسوة
بالفتح، وهي المرة من الشرب. والحسوة بالضم: الجرعة من الشراب بقدر ما
يحسي، انتھی.
وقال في ((لسان العرب)): الحَسْوة، المرة الواحدة. وقيل: الحسْوة والحسُوة
لغتان. قال ابن السكيت: حَسَوْت: شربت حسْوًا وحساءً والحسوة: ملء الفم،
انتهى. والحديث: دليل على استحباب الإفطار بالرطب فإن عدم فبالتمر، فإن عدم
فبالماء، قال: وقول من قال: السنة بمكة تقديم ماء زمزم على التمر، أو خلطه به،
فمردود بأنه خلاف الاتِّباع، وبأنه وَّر صام عام الفتح أيامًا كثيرة، ولم ينقل أنه
خالف عادته التي هي تقديم التمر على الماء. ولو كان لنقل، انتهى.
(٢٠١١) أَبُو دَاوُد (٢٣٥٦)، وَالتِّرْمِذِي (٦٩٦) عَنْهُ فِيهِ.

كِتّابَ الصَّوْمِ
بَابَ في مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتّابِ الضَّوْمِ
٢٤١
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد والدار قطني (ص ٢٤٠) والحاكم
(ج١ ص٤٣٢) وابن حزم (ج٧ ص٣١) من طريق أبي داود والبيهقي (ج٤
ص٢٣٩). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسْنٌ غَرِيبٌ) وسكت عليه أبو داود
والحاكم والذهبي وصححه الدار قطني. وقال المنذري: بعد نقل كلام الترمذي:
وقال أبو بكر البزار: وهذا حديث لا يعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا جعفر بن
سليمان وذكره ابن عدي أيضًا في أفراد جعفر عن ثابت، انتهى. قلت: جعفر هذا
صدوق زاهد حسن الحديث لكنه كان يتشيع .
٢٠١٢ - [١١] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ : ((مَنْ فَطَّرَ
صَائِمًا، أَوْ جَهَّزَ غَازِيًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ)) .
[رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِنْمَانِ وَتُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَّرْحِ السُّنَّةِ وَقَالَ: صَحِيحٌ] {صحيح}
الشرح
٢٠١٢- قوله: (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) أي: الجهني. (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا) من
التفطير، وهو جعل أحد مفطرًا أي: من أطعم صائمًا عند إفطاره. (أَوْ جَهَّزَ غَازِيًا)
من التجهيز، أي: هيأ أسباب سفره وأعطاه ما يحتاج إليه في غزوه من السلاح
والفرس والنفقة. قال السندي: تجهيز الغازي تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في
غزوه. (فَلَهُ) أي: لمن فطر أو جهز.
(مِثْلُ أَجْرِهٍ) أي: الصائم أو الغازي، و((أَوْ)) للتنويع. وهذا الثواب لأنه من باب
التعاون على البر والتقوى. قال الطيبي: نظم الصائم في سلك الغازي لانخراطهما
في معنى المجاهدة مع أعداء الله، وقدم الجهاد الأكبر، انتهى. قيل: والمراد:
مثل أجره كمّ، لا كيفًا، وزاد في رواية: ((غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا)).
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَمُحْيِي السُّنَّةِ) أي: صاحب ((المصابيح)).
(٢٠١٢) التِّرْ مِذِي (٨٠٧)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣٣٣١)، وَابن مَاجَهْ (١٧٤٦) فِيهِ عَنْهُ، وَقَالَ التِّرْ مِذِي:
حَسَنٌ صَحِيحٌ.

٢٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
(فِي شَرْح السُّنَّةِ وَقَالَ: صَحِيحٌ) قال الجزري: ورواه النسائي بلفظه جملة
والترمذي وابن ماجه مقطعًا.
وقال الترمذي: في كل منهما حسن صحيح، كذا في ((المرقاة))، وقال المنذري
في ((الترغيب)): عن زيد بن خالد الجهني عن النبي وَّ قال: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ
مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ))، رواه الترمذي والنسائي وابن
ماجه وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)). وقال الترمذي: حديث صحيحٍ،
ولفظ ابن خزيمة والنسائي : «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا، أَوْ جَهَّزَ حَاجًا، أَوْخَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ فَطَّرَ
صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجُوْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْءٌ))، انتهى. قلت:
الحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص١١٤، ١١٥، ١١٦ وج ٥ ص١٩٢) والبيهقي
(ج٤ ص ٢٤٠) مطولًا ومختصرًا بألفاظ، وأخرجه الدارمي مقطعًا في الصيام
والجهاد، وكذا الترمذي وابن ماجه. وأخرج النسائي في الجهاد من ((المجتبى))
تجهيز الغازي فقط، ولم يخرج في الصيام أصلًا ولعله أخرجه في ((الكبرى)). قال
مَيْرَك بعد نقل السياقين المذكورين عن الترغيب: وكأن المصنف أي صاحب
((المشكاة)) لم يقف على هذين الطريقين، فعزا الحديث إلى البيهقي و((شرح السنة))
والعزو إلى أصحاب السنن أولى وأصوب، والله أعلم، انتهى. وتعقبه القاري
فقال: وفيه أنه إنما نسب إليهما؛ لأن لفظهما مغاير للفظ الطريقين فإن الأول
مختصر، والثاني مطول مع قطع النظر عن مخالفة بقية الألفاظ، انتهى. فتأمل.
٢٠١٣ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ:
((ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوَقُ وَثَّبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّه)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {حسن}
الشرح
٢٠١٣- قوله: (إِذَا أَفْطَرَ) من صومه. (قَالَ) أي: بعد الإفطار. (ذَهَبَ
الظَّمَأُ) بفتحتين فهمز أي: العطش أو شدته. قال النووي: في ((الأذكار)) الظمأ
(٢٠١٣) أَبُو دَاوُد (٢٣٥٧)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣٣٢٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.

كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابٌ في مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ
٢٤٣
مهموز الآخر مقصور وهو العطش، وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا؛ لأني رأيت
من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا، انتهى. وفيه: أنه قرئ: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ ﴾ [التوبة:
١٢٠) بالمد والقصر. وفي ((القاموس)) ظَمِئٍ، كفرح ظَمْأ وظماءً وظماءةً: عطش، أو
أشد العطش، ولعل كلام النووي محمول على أنه خلاف الرواية لا أنه غير موجود
في اللغة. قاله القاري.
(وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ) أي: صارت رطبة بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش، قيل: لم
يقل: وذهب الجوع؛ لأن أرض الحجاز حارة، فكانوا يصبرون على قلة الطعام لا
العطش. (وَثَبَتَ الأَجْرُ) أي: زال التعب وحصل الثواب. قال الطيبي: ذِكْرُ ثبوت
الأجر بعد زوال التعب استلذاذ، أي استلذاذ، ونظيره قوله تعالى حكايةً عن أهل
الجنة: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ [فاطر:٣٤]، انتهى.
(إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ثبوته بأن تقبل الصوم وتولى جزاءه بنفسه كما وعد. وقال القاري:
قوله: ((إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) متعلق بالأخير على سبيل التبرك، ويصح التعليق لعدم وجوب
الأجر عليه تعالى ردًّا على المعتزلة، ويمكن أن يكون ((إن)) بمعنى ((إذا)) فتتعلق
بجميع ما سبق.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وأخرجه أيضًا الدار قطني (ص٢٤٠) والحاكم (ج١ ص٤٢٢)
وابن السني (ص١٥٣) والبيهقي (ج٤ ص٢٣٩) وسكت عنه أبو داود والمنذري
وحسنه الدارقطني وصححه الحاكم وأقره الذهبي، قال الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج ٧ ص٢٤٨): زاد رزين: ((الْحَمْدُ للهِ)) في أول الحديث.
٢٠١٤ - [١٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ مرسلاً] (حسن}
الشرح
٢٠١٤ - قوله: (وَعَنْ مُعَاذٍ) بضم الميم. (بْنِ زُهْرَةَ) بضم الزاي وسكون الهاء
(٢٠١٤) أبُو دَاوُد (٢٣٥٨) مِنْ رِوَايَةٍ مُعَاذٍ بِنْ زَهْرَةَ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَه ... فَذَكَرَهُ.

Beexx
٢٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويقال: معاذ أبو زهرة. قال في ((التقريب)): مقبول من أوساط التابعين، أرسل
حديثًا فوهم من ذكره في الصحابة. وقال في ((تهذيب التهذيب)): معاذ بن زهرة،
ويقال: معاذ أبو زهرة الضبي، تابعي، أرسل عن النبي ◌ُّ في القول عند الإفطار،
وعنه حصين بن عبد الرحمن، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قلت - قائله
الحافظ: والذي ذكره بلفظ الكنية البخاري في ((التاريخ)) وتبعه ابن أبي حاتم،
والذي ذكر أن زهرة اسم والده هو الذي وقع في ((السنن)) لأبي داود، وفي
((المراسيل)) لكن وقع عنده عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ◌َّر، وقد أخرج ابن
السني، الحديث (ص١٥٣) من وجه آخر عن حصين بلفظ آخر. ولم يقل في سياقه
أنه بلغه. (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّةِ) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وفي السنن لأبي داود
عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي وَالّ.
(كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ) أي: دعا. وقال ابن الملك: أي: قرأ بعد الإفطار. (اللَّهُمَّ
لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ) قال المظهر: يعني: لم يكن صومي رياء بل كان
خالصًا لك؛ لأنك الرازق، فإذا أكلت رزقك ولا رازق غيرك، فلا ينبغي العبادة
لغيرك. وقال الطيبي: قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل دلالة على
الاختصاص إظهارًا للاختصاص في الافتتاح، وإبداءً لشكر الصنيع المختص به في
الاختتام .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا) في ((السنن)) وفي ((المراسيل)) لكن وقع عنده هكذا عن
معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ◌َّله ... إلخ، وتسميته مرسلًا لا يخلو عن خفاء؛
لأن قول معاذ التابعي: ((بلغه)) يقتضي ثبوت مبلغ، ويحتمل أن يكون واحدًا فهو
حينئذٍ متصل في إسناده مجهول فتأمل، وأخرجه ابن السني (ص٥٣) بلفظ: كان
إذا أفطر قال: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَعَانَنِي فَصُمْتُ، وَرَزَقَنِي فَأَفْطَرْتُ)) وليس في سياقه
قوله: إنه بلغه. وأخرجه البيهقي (ج ٤ ص٢٣٩) من طريق أبي داود بسياقه سواء.
قال ابن حجر: وهو مع إرساله حجة في مثل ذلك على أن الدار قطني والطبراني
روياه عن ابن عباس بسند متصل، لكنه ضعيف وهو حجة أيضًا. قال القاري: وأما
ما اشتهر على الألسنة: ((اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)) فزيادة
((وَبِكَ آمَنْتُ)) لا أصل لها، وإن كان معناها صحيحًا، وكذا زيادة: ((وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ،

٢٤٥
كِتّابَ الصَّوْم
بَابَ في مَسائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الضّوْمِ
لِصَوْمٍ غَدٍ نَوَيْتُ)) بل النية باللسان من البدعة الحسنة، انتهى.
قلت: لا أصل للنية باللسان للصوم وكذا للصلاة لا من كتاب، ولا من سنة، ولا
من صحابي، بل هو مجرد رأي، فهي بدعة شرعية، وكل بدعة شرعية سيئة فيتعين
تركها، وحديث ابن عباس أخرجه ابن السني أيضًا، وفي الباب عن أنس أخرجه
الطبراني في ((الأوسط))، وهو أيضًا ضعيف. ويكون هو وحديث ابن عباس شاهدًا
لحديث معاذ یقوی بهما .

٢٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٠١٥ - [١٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِفْلَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا
يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشرح
٢٠١٥- قوله: (لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا) أي: غالبًا وعاليًا، ولابن ماجه: ((لَا
يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ)). (مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ) أي: مدة تعجيلهم الفطر. قال القاري:
وسببه والله تعالى أعلم، أن هذه الملة الحنيفية سمحاء سهلة ليس فيها حرج فيسهل
قيامهم بها والمداومة عليها، بخلاف أهل الكتاب؛ فإنهم شددوا على أنفسهم،
فشدد اللَّه عليهم فغلبوا، ولم يقدروا أن يقيموا الدين، انتهى.
(لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ) أي: الفطر إلى اشتباك النجوم، وتبعهم
الرافضة في زماننا. قال السندي: هذا تعليل لما ذكر بأن فيه مخالفة لأعداء الله،
فما داموا يراعون مخالفة أعداء الله تعالى ينصرهم الله ويظهر دينهم. وقال
الطيبي: في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيف على مخالفة الأعداء من
أهل الكتاب، وإن في موافقتهم تلفًّا للدين، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
الْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَمَن يَتَوَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
[المائدة: ٥١] .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان
في ((صحیحیهما)) والحاكم (ج١ ص٤٣١) والبيهقي (ج٤ ص٢٣٧) وسكت عنه
أبو داود والمنذري. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي ونقل
السندي عن ((الزوائد)) أن إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال المنذري:
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سهل بن سعد
بنحوه، انتهى.
(٢٠١٥) أَبُو دَاوُد (٢٣٥٣)، وابن مَاجَهْ (١٦٩٨) عنه فيه.

٢٤٧
كِتّاب الصَّوْم
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتَفرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ
٢٠١٦ - [١٥] وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَىَ عَائِشَةً
فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانٍ مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَلَ أَحَدُهُمَا: يُعَجِّلُ
الْإِقْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ: يُؤَخِّرُ الَِّقْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ:
أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاَةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. قَالَتْ:
[رَوَاهُ مُشْلِمْ] {صحيح}
هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ، وَالْآخَرُ: أَبُو مُوسَى.
الشرح
٢٠١٦- قوله: (وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) بفتح العين وكسر طاء وشدة ياء، هو أبو
عطية الوادعي الهمداني الكوفي، واسمه: مالك بن عامر أو ابن أبي عامر أو ابن
عوف. وقيل: ابن حمزة. وقيل: ابن أبي حمزة. وقيل: اسمه عمرو بن جندب.
ويقال: ابن أبي جندب. وقيل: إنهما اثنان، روى عن ابن مسعود وأبي موسى
وعائشة ومسروق بن الأجدع، وعنه عمارة بن عمير والأعمش وآخرون، ثقة من
كبار التابعين، وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعد وابن حبان، شهد مشاهد علي
ومات في ولاية عبد الملك. وقيل: في ولاية مصعب على الكوفة. وقال في
((التقريب)): مات في حدود السبعين.
(وَمَسْرُوقٌ) أي: ابن الأجدع وتقدم. (رَجُلَانِ) مبتدأ. (مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَلِ)
صفة وهي مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر جملة قوله: (أَحَدُهُمَا: يُعَجِّلُ
الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ) أي: صلاة المغرب. (وَالآخَرُ: يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ
الصَّلاةَ) أي: يختار تأخيرهما، والظاهر: أن الترتيب الذكري يفيد الترتيب الفعلى
في العملين. (وَالآخَرُ: أَبُو مُوْسَى) قال الطيبي: الأول عمل بالعزيمة والسنة،
والثاني بالرخصة، انتهى. قال القاري: وهذا إنما يصح لو كان الاختلاف في الفعل
فقط، أما إذا كان الاختلاف قوليًّا فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة في
التعجيل وأبو موسى اختار عدم المبالغة فيه، وإلا فالرخصة متفق عليها عند الكل،
والأحسن أن يحمل عمل ابن مسعود على السنة وعمل أبي موسى على بيان الجواز
(٢٠١٦) روَاهُ مُسْلِم (١٠٩٩) عنه فیه.

٢٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كما سبق من عمل عمر وعثمان رضيّها، انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي
وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج٤ ص ٢٣٧).
٢٠١٧ - [١٦] وعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَه
إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: ((هَلُّمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ] {حسن}
الشرح
٢٠١٧- قوله: (وَعَنِ الْعِرَبَاضِ) بكسر العين المهملة، وسكون الراء
وبالموحدة والضاد المعجمة. (إِلَى السَّحُورِ) بفتح السين ويجوز ضمها.
(فَقَالَ) عطف أو تفسير وبيان، (هَلُمَّ) أي: تعال، وفيه لغتان، فأهل الحجاز
يطلقونه على الواحد والجمع والاثنين، بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم
تثني وتجمع وتؤنث، فتقول: هلم وهلمي وهلما وهلموا، قاله الجزري في
((النهاية)). ونزل القرآن بلغة الحجاز: ﴿قُلُّ هَلُمَ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ
هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٠] أي: أحضروهم، وقال: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَبِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}
* [الأحزاب: ٣٣].
(إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ) بفتح الغين المعجمة والدال المهملة والمد، وهو طعام يؤكل
أول النهار سمي به السحور؛ لأنه للصائم بمنزلته للمفطر.
وقال الخطابي (ج٢ ص ١٠٤): إنما سماه غداء؛ لأن الصائم يتقوى به على صيام
النهار، فكأنه قد تغدى. والعرب تقول: غدا فلان لحاجته إذا بكر فيها، وذلك من
لدن وقت السحر إلى طلوع الشمس.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) واللفظ لأبي داود، ولفظ النسائي عن العرباض قال:
سمعت رسول اللَّهُ وَ ◌ّله وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان، قال: ((هَلُّمُوا إِلَى
الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ)) والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص١٢٦) وابن خزيمة وابن
حبان في ((صحيحيهما)) والبيهقي (ج ٤ ص٢٣٦) كلهم عن الحارث بن زياد عن أبي
(٢٠١٧) رَواه أَبُو دَاوُد (٢٣٤٤)، والنَّسَائِي (١٤٥/٤) عنه فيه.

كِتّاب الصّوْم
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الضَّوْمِ
٢٤٩
رهم عن العرباض. والحارث لم يرو عنه غير يونس بن سيف الكلاعي.
وقال أبوعمر النمري: الحارث هذا مجهول يروي عن أبي رهم، حديثه منكر،
كذا ذكره المنذري في مختصر ((السنن)) وفي ((الترغيب)).
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): الحارث بن زياد شامي، أخرج له أبو داود
والنسائي حديثًا واحدًا في الصوم، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: أدرك
أبا أمامة .
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في ((الميزان)) مجهول، وشرطه أن لا يطلق
هذه اللفظة إلا إذا كان أبو حاتم الرازي قالها، والذي قال أبو حاتم أنه مجهول آخر
غيره فيما يظهر لي، نعم، قال أبوعمر بن عبد البر في صاحب هذه الترجمة:
مجهول حدیثه منکر، انتهى.
وقال في ((التقريب)): الحارث بن زياد الشامي لين الحديث.
٢٠١٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِاثْنَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((نِعْمَ
سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٠١٨ - قوله: (نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ) بفتح السين لا غير. (التَّمْرُ) أي: فإن
التسحر به بركة عظيمة وثوابٌ كثيرٌ، فيطلب تقديمه في السحور، وكذا في الفطور
إن لم يوجد رطب وإلا فهو أفضل في زمنه.
قال الطيبي: وإنما مدح التمر في هذا الوقت؛ لأن في نفس السحور بركة
وتخصيصه بالتمر بركة على بركة كما سبق: ((إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرِ فَإِنَّهُ
بَرَكَةٌ))، ليكون المبدوء به والمنتهى إليه البركة والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قال المزي: هذا الحديث في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره
(٢٠١٨) أَبُو دَاوُد (٢٣٤٥) عنه فيه.

٢٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أبو القاسم، ذكره في ((عون المعبود)) نقلا عن ((غاية المقصود)). والحديث أخرجه
أيضًا ابن حبان في ((صحيحه)) والبيهقي (ج٤ ص ٢٣٧) ورواه البزار وأبو نعيم في
الحلية عن جابر.
قال الهيثمي بعد عزوه إلى البزار: رجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في
((الكبير)) بسند ضعيف عن السائب بن يزيد وزاد: وقال: ((يَرْحَمُ اللهُ الْمُتَسَخِّرِينَ))
ذكره المنذري والهيثمي .

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
٢٥١
٣ - بَابُ تَنْزِيهِ الصَّؤْم
(بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم) أي: في بيان ما يدل على ما يجب تبعيد الصوم عنه مما يبطله
من أصله، أو يبطل ثوابه أوينقصه.
الفصل الأول
٢٠١٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ لَمْ
يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)).
[ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحیح}
الشرح
٢٠١٩- قوله: (مَنْ لَمْ يَدَعْ) بفتح التحتية والدال المهملة، أي: لم يترك.
(قَوْلَ الزُّورِ) أي: الباطل، وهو ما فيه إثم، والإضافة بيانية قاله القاري. وقال
الطيبي: الزور: الكذب والبهتان، أي: من لم يترك القول الباطل من قول الكفر،
وشهادة الزور، والإِفتراء والغيبة، والبهتان والقذف، والسب والشتم واللعن
وأمثالها مما يجب على الإنسان اجتنابها، ويحرم عليه ارتكابها. (وَالْعَمَلَ)
بالنصب. (بِهِ) أي: بالزور يعني: الفواحش من الأعمال؛ لأنها في الإثم كالزور.
وقال الطيبي: هو العمل بمقتضاه من الفواحش وما نهى الله عنه، وزاد في رواية
البخاري في الأدب و((الجهل))، ولابن ماجه: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْجَهْلَ،
وَالْعَمَلَ بِهِ)) فالضمير في ((بِهِ)) يعود على الجهل؛ لكونه أقرب مذكور، أو على
(٢٠١٩) الْبُخَارِي (١٩٠٣)، وَأَبُو دَاوُد (٢٣٦٢)، وَالتِّرْمِذِي (٧٠٧)، وَابن مَاجَهْ (١٦٨٩) فِيهِ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ.

٢٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
الزور فقط، وإن بعد لاتفاق الروايات عليه أو عليهما، وأفرد الضمير؛ لاشتراكهما
في تنقيص الصوم، قاله العراقي. وقال الحافظ: الضمير في رواية ابن ماجه يعود
على الجهل، وفي رواية البخاري: يعود على قول الزور، والمعنى متقارب.
والمراد بالجهل: السفه.
وقيل: أي: صفات الجهل أو أحوال الجهل والمعاصي كلها عمل بالجهل،
فيدخل الغيبة فيها، وفي ((الأوسط)) للطبراني بسند رجاله ثقات من حديث أنس:
((مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَى وَالْكَذِبَ))، قال السندي: قيل: يحتمل أن المراد: من لم يدع
ذلك مطلقًا غير مقيد بصوم، أي: من لم يترك المعاصي ماذا يصنع بطاعته،
ويحتمل أن المراد: من لم يترك حالة الصوم وهو الموافق لبعض الروايات،
انتهى. ويشير بذلك إلى ما وقع في رواية للنسائي: ((وَالْجَهْلَ فِي الصَّوْم)). (فَلَيْسَ
لِلَّهِ حَاجَةٌ) أي: التفات ومبالاة، وهو مجاز عن عدم القبول بنفي السبب وإرادة نفي
المسبب وإلا فلا حاجة لله تعالى إلى عبادة أحد.
(فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) فإنهما مباحان في الجملة، فإذا تركهما وارتكب أمرًا
حرامًا من أصله استحق المقت، وعدم قبول طاعته في وقت، فإن المطلوب منه
ترك المعاصي مطلقًا لا تركًا دون ترك. قال القاضي البيضاوي: ليس المقصود من
شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع
النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول،
فقوله: (لَيْسَ للِهِ حَاجَةٌ)) مجاز عن عدم قبول، فنفي السبب وإرادة المسبب، وإلا
فالله تعالى لا يحتاج إلى شيء. وقال ابن بطال: ليس معناه يؤمر بأن يدع صيامه،
وإنما معناه: التحذير من قول الزور، وما ذكر معه، وهو مثل قوله: ((مَنْ بَاعَ
الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ))، أي: يذبحها ولم يأمره بذبحها، ولكنه على التحذير
والتعظيم لإِثم بائع الخمر، وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به؛ ليتم له
أجر صيامه، انتھی
واعلم: أن الجمهور على أن الكذب والغيبة والنميمة لا تفسد الصوم، وعن
الثوري والأوزاعي أن الغيبة تفسده والراجح الأول. نعم هذه الأفعال تنقص
الصوم، وقول بعضهم: إنها صغائر تكفر باجتناب الكبائر، أجاب عنه الشيخ تقي

٢٥٣
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
الدين السبكي: بأن في حديث الباب، والذي مضى في أول الصوم دلالة قوية
لذلك أي: لقول الجمهور؛ لأن الرفث، والصخب، وقول الزور، والعمل به،
مما علم النهي عنه مطلقًا، والصوم مأمور به مطلقًا، فلو كانت هذه الأمور إذا
حصلت فيه لم يتأثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة به معنى نفهمه، فلما ذكرت في
هذين الحديثين نبهتنا على أمرين:
أحدهما: زيادة قبحها في الصوم على غيره، والثاني: الحث على سلامة الصوم
عنها، وإن سلامته منها صفة كمال فيه، وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل
الصوم. فمقتضى ذلك: أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، فإذا لم يسلم عنها نقص،
ثم قال: ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه على أخرى بطريق الإشارة وليس
المقصود من الصوم العدم المحض، كما في المنهيات؛ لأنه يشترط له النية
بالإجماع. ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما
كان ذلك يشق خفف الله، وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبه العاقل بذلك على
الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ما تضمنته أحاديث المبين عن الله مراده،
فيكون اجتناب المفطرات واجبًا واجتناب ما عداها من المخالفات هم المكملات
كذا نقله الحافظ في ((الفتح)).
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الصوم والأدب، وأخرجه أحمد والترمذي وأبو داود
والنسائي في ((الكبرى)) وابن ماجه، وأخرجه البيهقي (ج ٤ ص ٢٧٠) من طريق أبي
داود، وابن حزم من طريق البخاري.

٢٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٢٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُقَبِّلُ
وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِأَرَبِهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٢٠ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَهِ يُقَبِّلُ) من التقبيل أي: نفسها كما في
بعض الروايات، أو بعض أزواجه كما في روايات أخرى. (وَيُبَاشِرُ) أي: بعض
نسائه، يعني : يلصق، ويمس بشرتها ببشرته کوضع الخد علی الخد ونحوه. ولیس
المراد المباشرة الفاحشة. قال ابن الملك: أي: يلمس نساءه بيده. وأصل
المباشرة التقاء البشرتين، سواء أولج أو لم يولج، وقد يستعمل في الجماع وليس
بمراد هنا. قال الشوكاني: المراد بالمباشرة المذكورة في الحديث: ما هو أعم من
التقبيل ما لم يبلغ إلى حد الجماع، فيكون قوله: (كَانَ يُقَبَّلُ وَيُبَاشِرُ) من ذكر العام
بعد الخاص؛ لأن المباشرة في الأصل التقاء البشرتين.
(وَهُوَ صَائِمٌ)، وفي رواية عمرو بن ميمون عن عائشة: كان يقبل في شهر
الصوم، أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم. وفي رواية لمسلم: كان يقبل
في رمضان وهو صائم، فأشارت بذلك إلى عدم التفرقة بين الصوم الفرض والنفل
قاله الحافظ. (وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ) أي: أغلبكم وأقدركم. (لِأَرَبِهِ) أكثرهم يرويه
بفتحتين بمعنى الحاجة، أي: حاجة النفس ووطرها تريد حاجة الجماع،
وبعضهم: يرويه بكسر فسكون، وهو يحتمل معنى الحاجة، والعضو أي: الذكر.
قال الحافظ: قوله: (لِأَرَبِهِ) بفتح الهمزة والراء وبالموحدة أي: حاجته،
ويروى بكسر الهمزة وسكون، أي: عضوه والأول أشهر وإلى ترجيحه أشار
البخاري بما أورده من التفسير، انتهى. قلت: قال البخاري بعد رواية هذا
الحديث: قال ابن عباس: أرب: حاجة، وقال طاوس: غير أولى الإربة: الأحمق
لا حاجة له في النساء. وقال الجزري في ((النهاية)): (لِأَرَبِهِ) أي: لحاجته، تعني:
(٢٠٢٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٢٧)، ومُسْلِم (١١٠٦/٦٥) فِيهِ عَنْهَا، وأَبُو دَاوُد (٢٣٨٢)،
والتِّرْمِذِي (٧٢٩).

٢٥٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزیهِ الصَّوْم
أنه كان غالبًا لهواه. وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة،
وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان: أحدهما: أنه الحاجة.
والثاني: أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة، انتهى. ورُدَّ تفسيره
بالعضو بأنه خارج عن سنن الأدب.
قال التوربشتي: حمل الأرب ساكن الراء على العضو في هذا الحديث غير سديد
لا يغتر به إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب مائل عن سنن الأدب، ونهج الصواب
وأجاب الطيبي: بأنها ذكرت أنواع الشهوة مترقية من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت
بمقدمتها التي هي القبلة، ثم ثنت بالمباشرة التي هي المداعبة والمعانقة، وأرادت
أن تعبر عن المجامعة فَكَنَّتْ عنها بالأرب، وأي عبارة أحسن منها، انتهى. وفيه:
أن المستحسن إذًا أن الأرب بمعنى الحاجة كناية عن المجامعة. وأما ذكر الذكر
فغير ملائم للأنثى، كما لا يخفى، لاسيما في حضور الرجال قاله القاري. وفي
((الموطأ)): ((أَيُّكُمْ أَمْلَُّكُ لِنَفْسِهِ))، وبذلك فسر الترمذي في ((جامعه)) فقال: ومعنى:
(لِأَرَبِهِ)) يعني: لنفسه. قال العراقي: وهو أولى الأقوال بالصواب؛ لأن أولى ما
فسر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث، انتهى.
وقال شيخنا بعد ذكر كلام الترمذي المذكور: هذا بيان حاصل المعنى، وقد
عرفت أصل معنى لأربه، انتهى. واختلف في بيان معنى قول عائشة ومقصودها.
فقيل: أرادت أنه مع هذه المباشرة كان يأمن من الإنزال والوقاع، فليس لغيره
ذلك، فهذا إشارة إلى علة عدم إلحاق الغير به في ذلك، وعلى هذا، فيكره لغيره
القبلة والمباشرة، وقيل: المعنى: أنه كان قادرًا على حفظ نفسه عن القبلة
والمباشرة؛ لأنه كان أغلب الناس على هواه، ومع ذلك كان يقبل ويباشر وغيره
قلما يصبر على تركهما؛ لأن غيره قلما يملك هواه، فكيف لا يباح لغيره؟ ففي قولها
إشارة إلى أن غيره له ذلك بالأولى فسره بذلك من يجيزها للغير، ويجعل قولها علة
في إلحاق الغير به وَّة، ويؤيد هذا المعنى ما ذكره البخاري في ((صحيحه)) تعليقًا
قالت عائشة: يحرم عليها فرجها .
قال الحافظ: وصله الطحاوي عن حكيم بن عقال، قال: سألت عائشة: ما
يحرم علي من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها. وإسناده إلى حكيم صحيح،

٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويؤدي معناه ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح: عن مسروق سألت عائشة ما يحل
للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع، انتهى. ويؤيده أيضًا ما
روى مالك عن أبي النضر عن عائشة بنت طلحة، أخبرته: أنها كانت عند عائشة -
زوج النبي ◌َّلية - فدخل عليها زوجها، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر
وهو صائم، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟ قال :
أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم. ولا يخفى أن محل هذا الأمن من الوقوع في
الجماع أو الإنزال، وأما ما روى النسائي والبيهقي (ج ٣ ص٢٣٢) عن الأسود قال:
قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول اللّه ◌َالټ يباشر
وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لأربه. وظاهر هذا: أنها اعتقدت خصوصية
النبي وَلّ بذلك فقال القرطبي: هذا اجتهاد من عائشة، وقول أم سلمة كان يقبلها
وهو صائم أولى أن يؤخذ به؛ لأنه نص في الواقعة، وقال الحافظ: قد ثبت عن
عائشة صريحًا إباحة ذلك، فيجمع بين هذا وبين قولها المتقدم: أنه يحل له كل
شيء إلا الجماع بحمل النهي على كراهة التنزيه، فإنها لا تنافي الإباحة، وفي
((كتاب الصيام)) ليوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة، عن حماد، سألت عائشة
عن المباشرة للصائم فكرهتها .
قال الحافظ: ويدل على أنها كانت لا ترى بتحريمها، ولا بكونها من
الخصائص، ما رواه مالك في ((الموطأ)) عن أبي النضر فذكر الأثر المتقدم. وقال
ابن حزم - بعد ذكر هذا الأثر - وقول عائشة: يحل له كل شيء إلا الجماع - ما
لفظه: فهذان الخبران يكذبان قول من يقول: إنها أرادت بقولها: وأيكم أملك
لأربه من رسول اللَّه وَ لـ النهي عن القبلة والمباشرة للصائم، انتهى.
وقد اختلف في القبلة والمباشرة بغير الجماع على أقوال:
الأول: أنها مكروهة مطلقًا، وهو مشهور عند المالكية، ورواه ابن أبي شيبة
بإسناد صحيح عن ابن عمر. الثاني: أنها محرمة واستدل لذلك بقوله تعالى:
﴿فَالْثَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧) قيل: قد منع من المباشرة في هذه الآية نهارًا، وأجيب
عن ذلك: بأن النبي وَ لل هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارًا بفعله
كما أفاده حديث الباب، فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه

٢٥٧
كِتّابَ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
من قبلة ونحوها. قال الحافظ: وممن أفتى بإفطار من قبل وهو صائم وهو عبد الله
بن شبرمة أحد فقهاء الكوفة ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم، انتهى. قلت :
وروى ذلك أيضًا عن ابن مسعود، كما في ((مجمع الزوائد» (ج٣ ص١٦٦)
والبيهقي (ج٤ ص٢٣٤).
الثالث: إنها مباحة مطلقًا. قال الحافظ: وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة،
وبه قال سعيد، وسعد بن أبي وقاص وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظاهر لعله أراد به
ابن حزم، فإنه قال: إنها حسنة مستحبة سنة من السنن، وقربة من القرب إلى الله
تعالى فاستحبها، انتهى، ويدل لإباحة القبلة مطلقًا، ما روي عن عمر رضيوالتَةُ قال:
هَشَشْت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي وَّة، فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا
قبلت وأنا صائم، فقال رسول اللّه وَّةَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟))،
قلت: لا بأس بذلك، فقال رسول اللّه وَلِّ ((فَقِيمَ؟»، أخرجه أحمد (ج١ ص٢١ -
٥٢) وأبو داود والنسائي والحاكم (ج١ ص٤٣١) والدارمي وابن حزم (ج٦
ص٢٠٩) وسكت عنه أبو داود وابن حزم. وقال النسائي: إنه منكر وصححه ابن
خزيمة وابن حبان، والحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال المازري:
فيه إشارة إلى فقه بديع، وهو أن المضمضة لا تنقض الصوم وهو أول الشرب
ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما
يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل
الجماع كذا في ((الفتح)).
الرابع: التفصيل، فتكره للشاب، وتباح للشيخ وهو مشهور عن ابن عباس
أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما وجاء فيه ثلاثة أحاديث مرفوعة: أخرج
أحدها: أبو داود من حديث أبي هريرة. وسيأتي في الفصل الثاني. والثاني: أحمد
(ج٢ ص ١٨٥) والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنا عند
النبي وَل﴾ فجاء شاب فقال: أُقبل يا رسول الله وأنا صائم؟ قال: (لَا))، قال: فجاء
شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: ((نَعَمْ))، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال النبي
صَلىاللّه
((قَدْ عَلِمْتُ لِمَ نَظَرَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ))، وفي إسناده ابن لهيعة
مختلف في الاحتجاج. والثالث: البيهقي (ج٤ ص٢٣٢) من حديث عائشة.

٢٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الزرقاني والقسطلاني بإسناد صحيح: إن النبي وَّ رخص في القبلة للشيخ
وهو صائم ونهى عنها الشاب، وقال: ((الشَّيْخُ: يَمْلِكَ أَرَبَهُ، وَالشَّابُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ)).
والخامس: إن ملك نفسه جازت له وإلا فلا، كما أشارت إليه عائشة في حديث
الباب. قال الترمذي: ورأى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلا
فلا، ليسلم له صومه، وهو قول سفيان الثوري والشافعي، انتهى.
قلت: وهو قول أبي حنيفة. قال محمد بن الحسن في موطئه: لا بأس بالقبلة
للصائم إذا ملك نفسه بالجماع، فإن خاف أن لا يملك نفسه، فالكف أفضل وهو
قول أبي حنيفة والعامة قبلنا، انتهى. وهو قول أحمد أيضًا. قال ابن قدامة (ج٣
ص١١٢): المقبِّل إذا كان ذا شهوة مفرطة، بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبَّل أنزل
لم تحل له القبلة؛ لأنها مفسدة لصومه فحرمت كالأكل، وإن كان ذا شهوة لكن لا
يغلب على ظنه ذلك كره له التقبيل؛ لأنه يعرض صومه للفطر، ولا يأمن عليه
الفساد، ولا تحرم القبلة في هذه الحال لحديث عطاء بن يسار الآتي؛ ولأن إفضاءه
إلى إفساد الصوم مشكوك فيه، ولا يثبت التحريم بالشك، فأما إن كان ممن لا
تحرك القبلة شهوته کالشیخ الهرم، ففيه روايتان: أحدهما: لا يكره له ذلك وهو
مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأن النبي وَّ كان يقبل وهو صائم لمَّا كان مالكًا
لأربه وغير ذي الشهوة في معناه. والثانية: يكره؛ لأنه لا يأمن حدوث الشهوة،
فأما اللمس لغير شهوة، كلمس يدها؛ ليعرف مرضها فليس بمكروه بحال؛ لأن
ذلك لا يكره في الإحرام، فلا يكره في الصيام كلمس ثوبها، انتهى مختصرًا. وفي
((الروض المربع)): تكره القبلة، ودواعي الوطء لمن تحرك شهوته؛ لأنه عليه
الصلاة والسلام نهى عنها شابًّا. ورخص لشيخ، وغير ذي الشهوة في معنى الشيخ،
انتھی مختصرًا.
قلت: واستدل لهذا القول بما رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب
النبيِ وَّه، أنه سأل رسول اللَّهُ وَّله أيقبل الصائم؟ فقال: ((سَلْ هَذِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ))،
فأخبرته أن رسول اللَّه وَل يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما
تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: ((أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَنْقَاكُمْ للهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ))، قال
الحافظ بعد ذكره: دل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء؛ لأن عمر حينئذٍ كان شابًّا

٢٥٩
بَابُ تَنْزِیهِ الصَّوْم
كِتّابُ الصَّوْم
<<<<<<<<<**<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<******<<<<<<<<<<< > <<<<<<<<<<**
ولعله كان أول ما بلغ، وفيه: دلالة على أنه ليس من الخصائص، وروى
عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار، أنه قبل
امرأته وهو صائم، فأمر امرأته أن تسأل النبي وَ الثّ عن ذلك فسألته، فقال: ((إِنِّي
أَفْعَلُ ذَلِكَ))، فقال زوجها: يرخص اللَّه لنبيه فيما شاء، فرجعت، فقال: ((أَنَا
أَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِ اللهِ وَأَتْقَاكُمْ))، وأخرجه مالك لكنه أرسله. قال: عن عطاء: أن
رجلًا فذكر نحوه مطولًا، انتهى.
السادس: إنها مباحة في النفل مكروهة في الفرض وهي رواية ابن وهب عن
مالك. وقد ظهر مما ذكرنا أن أعدل الأقوال وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعي،
ومن وافقه من التفريق بين من يملك نفسه، ومن لا يملك، وبه يحصل الجمع بين
الأحاديث المختلفة ويفهم من التعليل المذكور في حديثي عبد الله بن عمرو بن
العاص، وعائشة المذكورين في القول الرابع: أن الإباحة والكراهة دائرة مع ملك
النفس وعدمه. وعلى هذا فليس كبير فرق بين القول الرابع والخامس، فالتعبير
بالشيخ والشاب جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم ومن
أحوال الشباب في قوة شهوتهم، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم؛ لأن الحكم
يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وروى النسائي من طريق طلحة بن عبد الله التميمي
عن عائشة قالت: أهوى إلَيَّ النبي ◌َّ ليقبلني فقلت: إني صائمة، فقال: ((وَأَنَا
صَائِمٌ)) فقبلني. وهذا يؤيد ما تقدم أن النظر في ذلك لمن لا يتأثر بالمباشرة والتقبيل
لا للتفرقة بين الشاب والشيخ؛ لأن عائشة كانت شابة. نعم لما كان الشباب مظنة
لهیجان الشهوة فرق من فرق.
وقال المازري: ينبغي أن يعتبر حال المقبل، فإن أثارت منه القبلة الإنزال
حرمت عليه؛ لأن الإنزال يمنع منه الصائم، فكذلك ما أدى إليه، وإن كان عنها
المذي، فمن رأى القضاء منه، قال: يحرم في حقه، ومن رأى أن لا قضاء، قال:
يكره، وإن لم تؤد القبلة إلى شيء، فلا معنى للمنع منها إلا على القول بسد
الذريعة. وقال النووي: القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته
لكن الأولى له تركها، وأما من حركت شهوته، فهي حرام في حقه على الأصح،
وقيل: مكروهة، انتهى. واختلف فيما إذا باشر، أو قبَّل، أو نظر، فأنزل أو أمذى،
فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الإمذاء.