Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٠
PHONE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٥٢ - [٥] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَفْضَلُ دِينَارٍ
يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ؛ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٩٥٢ - قوله: (أَفْضَلُ دِينَارٍ) يراد به العموم أي: أكثر الدنانير ثوابًا إذا
أنفقت. (دِيْنَارٌ يُنْفِقُةُ عَلَى عِيَالِهِ) أي: من يعوله وتلزمه مؤنته من نحو زوجة وولد
وخادم، وهذا إذا نوى به وجه الله كما تقدم. (عَلَى دَابَتِهِ) أي: دابة مرطوبة. (فِي
سَبِيلِ اللَّهِ) يعني: التي أعدها للغزو عليها، وفي رواية ابن ماجه: ((عَلَى فَرَسٍ فِي
سَبِیلِ اللهِ)). (عَلَى أَصْحَابِهِ) أي: حال كونهم مجاهدین.
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني: على رفقته الغزاة. وقيل: المراد بسبيله كل طاعة. قال
القاري: يعني الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضل من الإنفاق على
غيرهم ذكره ابن الملك. ولا دلالة في الحديث على الترتيب؛ لأن الواو لمطلق
الجمع، إلا أن يقال: الترتيب الذكري الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة،
فالأفضل ذلك، إلا أن يوجد مخصص؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((ابْدَهُوا
بِمَا بَدَأَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ﴾)) [البقرة:١٥٨]، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة، وفي آخره قال أبوقلابة : - أي: راوي الحديث - بدأ
بالعيال. ثم قال أبوقلابة: وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيالٍ صغارٍ
يعفهم الله به ويغنيهم؟ وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨٤)
والترمذي في البر وابن ماجه في الجهاد.
(١٩٥٢) مُسْلِم (٩٩٤/٣٨) عَنْ ثَوْبَانَ فِيهَا.
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ أَفْضَلِ الضَّدَقَةِ
٨١
IESE
١٩٥٣ - [٦] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي أَجْرٌ أَنْ
أَنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ فَقَالَ: ((أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا
أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
١٩٥٣ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) بفتح السين واللام أم المؤمنين زوج
النبي ◌َّهِ. (أَلِي) بسكون الياء وفتحها أي: هل لي. (أَجْرٌ أَنْ أَنْفِقَ) بفتح الهمزة
أي: في إنفاقي. (عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟) أبو سلمة هذا هو عبد الله بن عبد الأسد،
وكان زوج أم سلمة قبل النبي ◌َّةِ، فتزوجها النبي ◌َّ بعده، ولها من أبي سلمة
أولاد سلمة، وعمر، ومحمد، وزينب، ودرة. (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) منه بفتح الموحدة
وكسر النون وتشديد الياء، وأصله بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون
الجمع، فصار بنوى، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بسكون، فأدغمت
الواو بعد قلبها ياء في الياء، فصار بني بضم النون وتشديد الياء، ثم أبدلت الضمة
كسرة لأجل الياء فصار بني. (أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ) بفتح الهمزة وكسر الفاء. (فَلَكِ أَجْرُ مَا
أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ) قال الحافظ: رواه الأكثر بالإضافة على أن تكون ((مَا)) موصولة
وجوز أبو جعفر الغزناطي نزيل حلب تنوين أجر على أن تكون ((مَا)) ظرفية. انتهى.
والحديث ترجم له البخاري باب: الزكاة على الزوج، والأيتام في الحجر. قال
الحافظ: ليس في حديث أم سلمة تصريح بأن الذي كانت تنفقه عليهم من الزكاة،
فكان القدر المشترك من الحديث حصول الإنفاق على الأيتام. انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
أخرجاه في الزكاة واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦ ص٢٩٢، ٣١٠،
٣١٤) .
(١٩٥٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٦٧)، ومُسْلِم (٤٧/ ١٠٠١) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا فِي
الزَّكَاةِ .
٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٥٤ - [٧] وَعَنْ زَيْتَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ: (تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيَّكُنَّ) قَالَتْ: فَرَجَعْتُ
إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ قَدْ
أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأَتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِيُ عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى
غَيْرِكُمْ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ اثْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ
مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، فَقَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: اثْتِ
رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ، تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا
عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامِ فِي حُجُورِ هِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ
بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ هُمَا؟)). فَقَالَ:
امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْتَبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَّهِ: ((أَيُّ الزَّيَانِبِ؟)). قَالَ: امْرَأَةُ
عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: (لَهُمَا أَجْرَانٍ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ)).
[مُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لُسْلِمٍ]
W O
الْشَرْحُ
١٩٥٤ - قوله: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) أي: جماعتهن. (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) بضم
الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمعًا ويجوز فتح الحاء وسكون اللام مفردًا.
(فَرَجَعْتُ إِلَى) زوجي. (عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود. (إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ) كناية
عن الفقر أي: قليل المال. (قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ) أي: بإعطائها أو بالتصدق. (فَأْتِهِ)
أي: فأحضره. (فَأَسْأَلُهُ) وفي بعض النسخ: ((فسله)). وفي رواية للبخاري: وكانت
زينب تنفق على عبد الله، وأيتام في حجرها. فقالت لعبد الله: سل رسول اللَّه وَئل
أيجزئ عني أن أنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ قال الحافظ: لم
(١٩٥٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٦٦)، ومُسْلِم (٤٥/ ١٠٠) فِي الزَّكَاةِ عَنْهَا، والتِّرْمِذي (٦٣٦)،
والنَّسَائِي (٩٢/٥)، وابن مَاجَهْ (١٨٣٤).
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
٨٣
أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حجرها. (فَإِنْ كَانَ ذَلِك) أي: التصدق
عليك .
(يُجْزِئُ) بضم الياء وآخره همزة أي: يكفي، وفي بعض النسخ: ((يجزي)) بفتح
الياء وكسر الزاي وسكون الياء أي: يغني ويقضي. (عَنِّي) أي: تصدقت عليكم.
(وَإِلَّا) أي: وإن لم تجزئني (صَرَفْتُهَا) أي: عنكم. (إِلَى غَيْرِكُمْ) من المستحقين.
(بَلْ اْتِيهِ أَنْتِ) قيل: لعل امتناعه؛ لأن سؤاله ينبئ عن الطمع. (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ
الأَنَّصَارِ) أي: واقفة وحاضرة. (بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿) قيل: اسم هذه المرأة
الأنصارية زينب امرأة أبي مسعود يعني عقبة بن عمرو الأنصاري كما عند ابن الأثير
في ((أسد الغابة)). وفي رواية النسائي: فإذا امرأة من الأنصار يقال لها: زينب.
(حَاجَتِي حَاجَتُهَا) مبتدأ وخبر أي: عينها أو تشبيه بليغ. وفي رواية للبخاري:
حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي. (قَالَتْ) أي: زينب. (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ،وَلَ قَدْ أَلْقِيَتْ) بصيغة
المجهول. (عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ) بفتح الميم أي: أعطى الله رسوله هيبة، وعظمة، يهابه
الناس ويعظمونه، ولذا ما كان أحد يجترئ على الدخول عليه. قال الطيبي: ((كان))
دل على الاستمرار، ومن ثم كان أصحابه في مجلسه كأن على رؤوسهم الطير،
وذلك عزة منه عليه الصلاة والسلام لا كبره وسوء خلقه، وإن تلك العزة ألبسها الله
تعالى إياه ﴾ لا من تلقاء نفسه.
(فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ) المؤذن. (فِي حُجُورِهِمَا؟) بضم الحاء حجر بالفتح والكسر
يقال فلان في حجر فلان أي: في كنفه ومنعه، والمعنى: في تربيتهما. وفي رواية
الطيالسي: أنهم بنو أخيها وبنو أختها. (وَلَا تُخْبِرْهُ) بجزم الراء. (مَنْ نَحْنُ) أي: لا
تعين اسمنا بل قل: تسألك امرأتان إرادة الإخفاء مبالغة في نفي الرياء، أو رعاية
للأفضل، وهذا أيضًا يصلح أن يكون وجهًا لعدم دخولهما. وقيل: المعنى لا
تخبره، أي: بلا سؤال وإلا فعند السؤال يجب الإخبار، فلا يمكن المنع عنه؛
ولذلك أخبر بلال بعد السؤال.
(مَنْ هُمَا) أي: المرأتان. (قَالَ) أي: بلال مخبرًا عنهما ومعينًا لإحداهما لوجوبه
عليه بطلب الرسول، واستخباره عليه الصلاة والسلام. (امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْتَبُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَيُّ الزَّيَانِبِ))) أي: أي: زينب منهن فعرف باللام مع كونه
٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
علمًا لما نكر حتى جمع قال ابن الملك: وإنما لم يقل آية؛ لأنه يجوز التذكير
والتأنيث. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُونٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، انتهى. (قَالَ)
بلال زينب. (امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ولم يذكر بلال في الجواب معها زينب
امرأة أبي مسعود الأنصاري اكتفاء باسم من هي أكبر وأعظم.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَِّ) نعم يجزئ عنهما. (لَهُمَا) أي: لكل منهما. (أَجْرَانِ: أَجْرُ
الْقَرَابَةِ) أي: أجر وصلها. (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ) أي: أجر منفعة الصدقة، وهذا ظاهره
إن زينب امرأة عبد الله لم تشافهه بالسؤال، ولا شافهها بالجواب، وحديث أبي
سعيد عند البخاري في باب: الزكاة على الأقارب يدل على أنها شافهته وشافهها
لقولها فيه: يا نبي الله إنَّك أمرت، وقوله فيه: ((صَدَقَ زَوْجُكِ))، فقيل: تحمل هذه
المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال، ويحتمل أن تكونا قضيتين
إحداهما في سؤالها عن تصدقها بحليها على زوجها وولده، والأخرى في سؤالها
عن النفقة .
واستدل بهذا الحديث: على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول
الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد،
ومنعه أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية. والحديث: إنما يتم دليلًا للقول الأول
بعد تسليم أن هذه الصدقة صدقة واجبة. وبذلك جزم المازري، ويؤيد ذلك
قولها: أيجزئ عني، وعليه يدل تبويب البخاري بلفظ: ((باب الزكاة على الزوج
والأيتام))، وقد تعقب القاضي عياض المازري بأن قوله: (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ)، وقوله
فيما ورد في بعض الروايات عند الطحاوي وغيره: إنها كانت امرأة صنعاء اليدين،
فكانت تنفق عليه وعلى ولده، يدلان على أنها صدقة تطوع، وبه جزم النووي
وغيره، وتأولوا قوله: ((أيجزئ عني))، أي: في الوقاية من النار كأنها خافت أن
صدقتها على زوجها لا تحصل لها المقصود.
قال ابن الهمام: الإجزاء وإن كان في عرف الفقهاء الحادث لا يستعمل غالبًا إلا
في الواجب، لكن كان في ألفاظهم لما هو أعم من النفل؛ لأنه لغة الكفاية
فالمعنى، هل يكفي التصدق عليه في تحقيق مسمى الصدقة؟ وتحقيق مقصودها من
التقرب إلى الله تعالى. واحتجوا أيضًا على أنها صدقة تطوع بما في البخاري من
٨٥
كِتّابُ الرَّكاةِ
بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
حديث أبي سعيد أن النبيِ وََّ، قال لها: ((زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ))،
قالوا: لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر
وغيره، فعلم أنها صدقة تطوع، وتعقب هذا: بأن الذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة
الواجبة من تلزم المعطي نفقته، والأم لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود أبيه. وبأن
قوله: ((وَوَلَدُكِ)) محمول على أن الإضافة للتربية لا للولادة، فكأنه ولدها من غيرها
كما يشعر به ما وقع في رواية أخرى: ((على زوجها وأيتام في حجرها)). وسموا
أيتامًا، باعتبار اليتم من الأم، وأجيب عن الأول: بأن الأم يلزمها نفقة ولدها إذا
كان أبوه فقيرًا عاجزًا عن التكسب جدًّا عند الحنفية، وعن الثاني: بأنه خلاف
الظاهر، وأما الرواية الأخرى.
فالظاهر أنها قضية أخرى كما تقدم، واحتج لأبي حنيفة على منع إعطائها زكاتها
لزوجها، بأنها تعود إليها بالنفقة، فكأنها ما خرجت عنها، ورُدَّ هذا بأنه يلزمه منع
صرفها صدقة التطوع في زوجها لاحتمال الرجوع مع أنه يجوز صرفها فيه اتفاقًا .
والظاهر عندي: أنه يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها لدخول الزوج في عموم
الأصناف المسلمين في الزكاة، وليس في المنع نص، ولا إجماع ولا قياس
صحيح.
قال الشوكاني: الظاهر أنه يجوز صرف زكاتها إلى زوجها. وأما أولًا: فلعدم
المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز، فعليه الدليل. وأما ثانيًا: فلأن ترك
استفصاله ◌َّ لها ينزل منزلة العموم، فلمَّا لم يستفصلها عن الصدقة، هل هي تطوع
أو واجب؟ فكأنه قال: يجزئ عنك فرضًا كان أو تطوعًا. انتهى. وهكذا ذكر
الحافظ في ((الفتح)). ثم قال: وأما ولدها فليس في الحديث تصريح بأنها تعطي
ولدها من زكاتها، بل معناه: أنها إذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق
من الأجانب، فالإجزاء يقع بالإعطاء للزوج، والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة
محلها، انتھی.
وأما الزوج فاتفقوا على أنه لا يجوز له صرف صدقة واجبة في زوجته. قالوا:
لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن الزكاة؛ ذكره ابن المنذر، كما في
((المغني)) و((الفتح)). قال الأمير اليماني: وعندي: فيه توقف؛ لأن غنى المرأة
٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بوجوب النفقة على زوجها لا يصيرها غنية الغنى الذي يمنع من الزكاة لها. انتهى.
وقوله: ((وَوَلَدُكِ)) في حديث أبي سعيد يدل على إجزاء الزكاة في الولد إلا أنه ادَّعى
ابن المنذر الإجماع على عدم جواز صرفها إلى الولد. وحملوا الحديث على أنه في
غير الواجبة، أو أن الصرف إلى الزوج وهو المنفق على الأولاد، أو أنهم لم يكونوا
منها بل كانوا غيرها، والإضافة إليها للتربية.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أخرجاه في الزكاة. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦ ص٣٦٣) والنسائي
في الزكاة، وأخرجه ابن ماجه فيه مختصرًا جدًّا.
١٩٥٥ - [٨] وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ وَ فَقَالَ: ((لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ؛
كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٩٥٥- قوله: (وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ) أم المؤمنين الهلالية. (أَنَّهَا
أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً) أي: أمة. وللنسائي: أَنَّهَا كَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ. قال الحافظ: ولم
أقف على اسمها. (فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِوَلِّ) أي: ولم تستأذنه. (فَذَكَرْتْ ذَلِكَ) أي:
الإِعتقاق. (لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَّ) هذا لفظ مسلم، وفي رواية البخاري: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا
الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قالت: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي، قَالَ: ((أَوَ
فَعَلْتِ؟))، قَالَتْ: نَعَمْ. (لَوْ أَعْطَيْتِهَا) بكسر التاء. (أَخْوَالَكِ) باللام جمع الخال،
وأخوالها كانوا من بني هلال أيضًا، واسم أمها هند بنت عوف بن زهير بن
الحارث .
قال العيني: وقع في رواية الأصيلي للبخاري: ((أَخَوَاتِك)) بالتاء بدل اللام. قال
عياض: ولعله أصح من رواية: (أَخْوَالَكِ) بدليل رواية مالك في ((الموطأ)): ((فَلَوْ
أَعْطَيْتِهَا أُخْتَيْك)) ولا تعارض فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك كله. (كَانَ)
(١٩٥٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهَا؛ البُخَارِي (٢٥٩٢) فِي الهِبَةِ، ومُسْلِم (٩٩٩/٤٤) فِي الزَّكَاةِ.
٨٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
DAXEN ***
بَابُ أَفْضَل الصَّدَقةِ
إعطاؤك لهم. (أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ) من عتقها ومفهومه أن الهبة لذوي الرحم أفضل من
العتق، كما قاله ابن بطال، ويؤيده حديث سلمان بن عامر الآتي، لكن ليس ذلك
على إطلاقه، بل يختلف باختلاف الأحوال. وقد وقع في رواية النسائي بيان وجه
الأفضلية في إعطاء الأخوال، وهو احتياجهم إلى من يخدمهم. ولفظه: ((أَفَلَا
فَدَيْتِ بِهَا بِنْتَ أُخْتِك مِنْ رِعَايَةِ الْغَنَم)) على أنه ليس في حديث الباب نص على أن
صلة الرحم أفضل من العتق؛ لأنهاَ واقعة عين، فالحق أن ذلك يختلف باختلاف
الأحوال کما قررنا.
وفي الحديث: فضيلة صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب، وفيه: الاعتناء
بأقارب الأم، إكرامًا لحقها، وهو زيادة في برها، وفيه: جواز تبرع المرأة بمالها
بغير إذن زوجها إذا كانت رشيدة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الهبة ومسلم في
الزكاة، واللفظ لمسلم وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦ ص٣٣٢) وأبو داود في الزكاة
والحاكم (ج١ ص٤١٥) والنسائي في ((الكبرى)).
١٩٥٦ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى
أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: ((إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٩٥٦- قوله: (فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي) بضم الهمزة من الإهداء، يعني: أولًا،
وفي رواية أبي داود: بأيهما أبدأ. (إِلَى أَقَرَ بِهِمَا مِنْكَ) من متعلقة بالقرب في أقرب
لا صلة التفضيل؛ لأن أفعل التفضيل قد أضيف، فلا يجمع بين الإضافة، و(مِنْ)
المتعلقة بأفعل التفضيل. (بَابًا) نصب على التمييز أي: أشدهما قربًا. قيل:
الحكمة فيه: إن الأقرب يرى ما يدخل في بيت جاره من هدية وغيرها، يعني: أنه
أكثر اختلاطًا، أو أظهر اطلاعًا، فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وإن الأقرب أسرع
إجابة لما يقع لجاره من المهمات وينوبه من النوائب، ولاسيما في أوقات الغفلة
فكذلك بدئ به علی من بعد.
(١٩٥٦) البُخَارِي (٢٥٩٥) عَنْهَا فِي الهِبَةِ، وَفِي غَيْرِهَا.
٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي الحديث: الاعتبار في الجوار بقرب الباب لأقرب الجدار. قال ابن أبي
جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب؛ لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا
يكون الترتيب فيها واجبًا. ويؤخذ منه: أن العمل بما هو أعلى أولى. قلت: ليس
المراد من الحديث انحصار الإهداء إلى الأقرب، كما هو ظاهر الحديث، بل
المراد: أن الجار الأقرب أنسب بالإبتداء أو بمزيد الإحسان، لقوله تعالى:
﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] ولحديث أبي ذر الآتي، واختلف في
حد الجوار :
فجاء عن علي رَوَّهُ: من سمع النداء؛ فهو جار، وعن عائشة: حد الجوار
أربعون دارًا من كلٍّ جانبٍ، وعن كعب بن مالك عند الطبراني بسند ضعيف
مرفوعًا: ((أَلَا أَنَّ الْأَرْبَعِينَ دَارًا جَار))، وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب:
((أربعون دارًا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه). وهذا يحتمل كالأولى
ويحتمل أن يريد التوزيع، فيكون من كل جانب عشرة.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الشفعة وفي الهبة وفي الأدب، وأخرجه أيضًا أحمد
وأبو داود في الأدب.
١٩٥٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ: ((إِذَا طَبَخْتَ
مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشِّرْجُ
١٩٥٧ - قوله: (إِذَا طَبَخْتَ) بفتح الباء. (مَرَقَةً) أي: فيها لحم أو لا والمرقة
بالتحريك، وكذا المرق الماء الذي أغلي فيه اللحم أو غيره كالسلق وغيره. (فَأَكْثِرْ)
أمر من الإكثار. (مَاءَهَا) أي: على المعتاد لنفسك. (وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ) بكسر الجيم
وسكون الياء جمع الجار، يعني: أعط جيرانك من ذلك الطبيخ نصيبًا، يعني: لا
(١٩٥٧) مُسْلِم (١٤٢ / ٢٦٢٥) فِي البِرِّ وَالصِّلَةِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ.
٨٩
كِتّابَ الزَّكاةِ
بَابٌ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
تجعل ماء قدرك قليلًا، فإنك حينئذٍ لا تقدر على تعهد جيرانك، بل اجعل ماء قدرك
كثيرًا لتبلغ نصيبًا منه إلى جيرانك، وإن لم يكن لذيذًا؛ قاله المظهر .
وقال التوربشتي: قوله: (تَعَهَّدْ جِيرَانَك)) أي: تفقدهم بزيادة طعامك، وجدد
عهدك بذلك، وتحفظ به حق الجوار. والتعهد التحفظ بالشيء وتجدید العهد به،
والتعاهد ما كان بين اثنين من ذلك، يقال: تعاهد الشيء وتعهده واعتهده، أي:
تحفظ به وتفقده وجدد العهد به. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البر وأخرجه أيضًا أحمد اج٥
ص١٤٩) والترمذي وابن ماجه في الأطعمة وابن حبان بألفاظ مختلفة متقاربة.
٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٩٥٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُّ الصَّدَقَةِ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)).
الشَّرْحُ
١٩٥٨ - قوله: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((جَهْدُ الْمُقِلِّ))) بضم الميم وكسر
القاف من الإقلال أي: قليل المال، يقال: أقل الرجل أي: قل ماله وافتقر. قال في
((النهاية)): الجهد بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة. وقيل: المبالغة
والغاية. وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة. فأما في المشقة والغاية فالفتح لا
غير، ومن المضموم حديث الصدقة أي: الصدقة أفضل. قال: جهد المقل، أي :
قدر ما يحتمله حال القليل المال. انتهى. والجمع بينه وبين ما تقدم من قوله وَله :
((خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَّى))، إن الفضيلة متفاوتة بحسب الأشخاص، وقوة
التوكل، وضعف اليقين.
قال البيهقي (ج٤ ص ١٨٠): يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس في الصبر على
الشدة والفاقة، والاكتفاء بأقل الكفاية. وساق أحاديث تدل على ذلك. وقال ابن
الملك: أي: أفضل الصدقة ما قدر عليه الفقير الصابر على الجوع أن يعطيه،
والمراد بالغنى في قوله: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَّى)» من لا يصبر على الجوع
والشدة توفيقًّا بينهما، فمن يصبر فالإعطاء في حقه أفضل، ومن لا يصبر فالأفضل
في حقه أن يمسك قوته، ثم يتصدق بما فضل. انتهى.
وقال الشوكاني: بعد ذكر المعارضة بين الحديثين، ويؤيد هذا المعنى أي:
حديث (جَهْدُ الْمُقِلِّ) قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
[الحشر: ٩] ويؤيد الأول حديث الظهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ وَلَا
(١٩٥٨) أَبُو دَاوُد (١٦٧٧) فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ.
٩١
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابَ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ
نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ [الإسراء: ٢٩] ويمكن الجمع: بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس؛
إذا تصدق بجميع ماله أن يتصدق عن ظهر غنى، والأفضل لمن يصبر على الفاقة أن
يكون متصدقًا بما يبلغ إليه جهده، وإن لم يكن مستغنيًا عنه. ويمكن أن يكون
المراد بالغنى: غنى النفس، كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين: ((لَيْسَ الْغِنَى
عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)). انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الزكاة وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد،
وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي، وأخرجه البيهقي (ج٤
ص ١٨٠) من طريق الحاكم.
١٩٥٩ - [١٢] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِهِ:
((الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَّى ذِيَّ الرَّحِمِ ثِنْتَانٍ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ والتَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ] {صحيح}
G O
الشرخُ
١٩٥٩- قوله: (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ) كذا في جميع النسخ الحاضرة
مصغرًا وهو خطأ من النساخ، والصواب سلمان مكبرًا، هكذا وقع في جميع
الأصول وكتب الرجال وليس في الصحابة أحد اسمه سليمان بن عامر بالتصغير،
وسلمان هذا هو سلمان بن عامر بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبي
صحابي، سكن البصرة، وكان في حياة النبي وَّل شيخًا عاش إلى خلافة معاوية.
قال الدولابي: قتل يوم الجمل وهو ابن مائة سنة، روى عنه محمد وحفصة بنا
سيرين وابنة أخيه الرباب أم الرائح بنت صليع بن عامر، وحفيده عبد العزيز بن بشر
ابن سلمان.
قال مسلم: ليس في الصحابة ضبي غيره، كذا نقله ابن الأثير وأقره هو ومن
تبعه، وقد وجد في الصحابة جماعة ممن لهم صحبتهم، أو اختلف في صحتهم من
(١٩٥٩) التِّرْمِذِي (٦٥٨)، وَالنَّسَائِي (٩٢/٥)، وَابن مَاجَهْ (١٨٤٤)، كُلُّهُمْ فِي الزَّكَاةِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ
عَامِرٍ .
٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بني ضبة، منهم يزيد بن نعامة الضبي جزم البخاري، بأن له صحبة وكدير الضبي
مختلف في صحبته وحنظلة بن ضرار الضبي. قال مَيْرَك: قوله: ((سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ))
صوابه سلمان مکبرًا، بلا ياء، وسليمان سهو من الكتاب، أو من صاحب الكتاب
والله أعلم بالصواب. انتهى. قلت: الظاهر: أن الخطأ من الكتَّاب، فإنَّ المؤلف
قال في الصحابة: سلمان بن عامر هو سلمان بن عامر الضبي عداده في البصريين.
قال بعض أهل العلم: ليس في الصحابة من الرواة ضبي غيره. انتهى كلامه.
وقد ذكره بعد سلمان الفارسي فدل على أن السهو هاهنا من الكتاب؛ لأنه لو كان
من صاحب الكتاب لذكره في عداد سليمان قبل سلمة بن الأكوع. (الصَّدَقَةُ عَلَى
الْمِسْكِينِ ... ) إلخ. إطلاقه يشمل الفرض والندب، فيدل على جواز أداء الزكاة إلى
القرابة مطلقًا. قال الشوكاني: قد استدل بالحديث: على جواز صرف الزكاة إلى
الأقارب، سواء كان ممن تلزم لهم النفقة أم لا؛ لأن الصدقة المذكورة فيه لم تقيد
بصدقة التطوع، ولكنه قد تقدم عن ابن المنذر أنه حكى الإجماع على عدم جواز
صرف الزكاة إلى الأولاد. انتهى.
(صَدَقَةٌ) أي: واحدة. (وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ) أي: ذي القرابة. (ثِنْتَانِ) أي:
صدقتان اثنتان، يعني: ففيهما أجران، فهذاَ حث على التصدق على الرحم
والاهتمام به. (صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) يعني : أن الصدقة على الأقارب أفضل؛ لأنه خيران،
ولا شك أنهما أفضل من واحد. قال العزيزي: لكن هذا غالبي، وقد يقتضي الحال
العكس. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص١٧، ١٨، ٢١٤). (والتِّرْ مِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ
وَالدَّارِمِيُّ) أخرجوه في الزكاة (ج ٣ ص١١٦، ١١٧).
٩٣
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
١٩٦٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ:
عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ)) قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى
وَلَدَِ)) قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ)) قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ:
((أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ)). قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: ((أَنْتَ أَعْلَمُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ] {صحيح}
W O
الشَّرْجُ
١٩٦٠ - قوله: (جَاءَ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه. (عِنْدِي دِينَارٌ) أي: وأريد أن
أنفقه. (أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ) وفي رواية: (تَصَدَّقْ)) بدل: (أَنْفِقْ)، وكذا فيما بعده
أي: اقض به حوائج نفسك. (قَالَ: عِنْدِي آخَرُ ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ) فیه: دلیل
على أنه يلزم الأب نفقة ولده المعسر، فإن كان الولد صغيرًا، فذلك إجماع، وإن
کان کبیرًا ففيه اختلاف كما تقدم.
(قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ) أي: زوجتك كما في رواية. قال
الطيبي: إنما قدم الولد على الزوجة؛ لشدة افتقاره إلى النفقة بخلافها، فإنه لو
طلقها لأمكنها أن تتزوج بآخر. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٨١): هذا
الترتيب إذا تأملته علمت أنه وَّلّ قدم الأولى فالأولى والأقرب. وهو أنه أمره بأن
يبدأ بنفسه ثم بولده؛ لأن ولده كبعضه، فإذا ضيعه هلك، ولم يجد من ينوب عنه
في الإنفاق عليه، ثم ثلث بالزوجة وأخرها عن درجة الولد؛ لأنه إذا لم يجد ما ينفق
عليها فرق بينهما، و کان لها من یمونها من زوج، أو ذي رحم تجب نفقتها عليه، ثم
ذكر الخادم؛ لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته، فتكون النفقة على من يبتاعه
ويملكه، ثم قال له فيما بعد: ((أنت أبصر)) أي: إن شئت تصدقت، وإن شئت
أمسكت. انتهى. قلت: اختلفت الرواية في تقديم الولد على الزوجة، فقدمه
عليها في رواية الشافعي، وأبي داود والحاكم، وقدم الزوجة على الولد في رواية
أحمد والنسائي وابن حبان.
(١٩٦٠) أَبُو دَاوُد (١٦٩١)، وَالنَّسَائِي (٥/ ٦٢) عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ. قُلْت: وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ.
٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قال ابن حزم: اختلف يحيى القطان والثوري - عن ابن عجلان عن سعيد
المقبريِّ عن أبي هريرة - فقدم يحيى الزوجة على الولد، وقدم سفيان الولد على
الزوجة، فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر بل يكونان سواء؛ لأنه قد صحَّ أن
النبي ◌َّ كان إذا تكلّم؛ تكلّم ثلاثًا. فيحتمل أن يكون في إعادته إياه، مرة قدم
الولد، ومرة قدم الزوجة، فصارا سواء.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٣٣٤) بعد ذكر كلام ابن حزم: قلت: وفي
((صحيح مسلم)) من رواية جابر: تقديم الأهل على الولد من غير تردد، فيمكن أن
ترجح به إحدى الروايتين. انتهى. ولفظ حديث جابر عند مسلم قال: ((ابْدَأُ بِنَفْسِكَ
فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ ... ))
إلخ. قال الشوكاني: يمكن ترجيح تقديم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها .
في حديث جابر. (أَنْتَ أَعْلَمُ) بحال من يستحق الصدقة من أقاربك وجيرانك
وأصحابك.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) في الزكاة لكن اللفظ المذكور ليس لواحد منهما ولم
أجد هذا اللفظ في ((مسند الإمام أحمد)) و((المستدرك)) للحاكم أيضًا، نعم ذكره
بهذا اللفظ البغوي في ((المصابيح))، وتبعه المصنف في ذلك. والحديث أخرجه
أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٥١، ٤٧١) والشافعي وابن حبان والحاكم (ج١ ص ٤٥١)
وسكت عنه أبو داود.
وقال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان، وقد تقدم الكلام علیه وصححه
الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وسكت عليه الحافظ في ((التلخيص))
و((بلوغ المرام)).
٩٥
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابٌ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ
١٩٦١ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِهِ: ((أَلَا
أَخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكَ بِعِنَّانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ
بِالَّذِي يَتْلُوهُ؟ رَجُلٌ مُّعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، أَلَا أَخْبِرُكُمْ بِشَرِّ
النَّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ».
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
W O
الْشَرْجُ
١٩٦١ - قوله: (أَلَا) حرف تنبيه. (أُخْبِرُكُمْ) استئناف ويحتمل أن يكون ((أَلَا))
مركبًا من ((لَا)) النافية واستفهام التقرير، ويكون لفظ ((بلى)) مقدرًا. قال الباجي:
وقد علم أنهم يوردون ذلك على سبيل التنبيه لهم على الإصغاء إليه، والإقبال على
ما يخبر به والتفرغ لفهمه .
(بِخَيْرِ النَّاسِ) أي: بمن هو من خير الناس، وكذلك قوله: ((بِشَرِّ النَّاسِ)) أي:
بمن هو من شر الناس. وقيل: أطلق للمبالغة في الحث على الأول والتحذير
الثاني، وفي ((الموطأ)): ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا))، قال الباجي: أي: أكثرهم
ثوابًا وأرفعهم درجة. قال عياض: وهذا عام مخصوص وتقديره: من خير الناس،
وإلا فالعلماء الذين حملوا الناس على الشرائع والسنن، وقادوهم إلى الخير
أفضل، وكذا الصديقون، كما جاءت به الأحاديث، ويؤيده أن في رواية للنسائي :
((إِنَّ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ رَجُلًا عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ)) بـ((مِنْ)) التي للتبعيض،
انتھی .
قال الحافظ: وفي رواية للحاكم (ج٢ ص٧١): سئل: أي المؤمنين أكمل
إيمانًا؟ قال: ((الَّذِي يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ... )) إلخ. وكأن المراد
بالمؤمن: من قام بما تعين عليه القيام به، ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من
اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينية، وحينئذٍ فيظهر فضل المجاهد لما فيه
من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي. (رَجُلٌ) بالرفع على
(١٩٦١) التِّرْ مِذِي (١٦٥٢) فِي الجِهَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تقدير ((هو))، وبالجر على البدلية. (مُمْسِك) صفة رجل. (بِعِنَانٍ) بكسر العين:
لجام. (فَرَسِهِ) وفي رواية: ((آخِذٌ بِرَأْسٍ فَرَسِهِ)).
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وفي ((الموطأ)): ((رَجُلٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ»،
قال الباجي: یرید - والله أعلم - أنه مواظب على ذلك ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه
يجاهد في سبيل الله، بمعنى: أنه لا يخلو في الأغلب من ذلك راكبًا له، أو قائدًا
معظم أمره ومقصوده من تصرفه، فوصف بذلك جميع أحواله، وإن لم يكن آخذًا
بعنان فرسه في كثير منها، انتهى. (بِالَّذِي يَتْلُوهُ) أي: يتبعه ويقربه في الخيرية،
وفي رواية: ((بالذي يليه))، وفِي ((الموطأ)): ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا بَعْدَهُ)»،
قال الباجي: وصف رسول اللَّه ◌َ ل أفضل المنازل، ونص عليها، ورغب فيها من
قوي عليها، وأخبر بعد ذلك من قصر عن هذه الفضيلة وضعف عنها، فليس كل
الناس يستطيع الجهاد ولا يقدر على أن يكون آخذًا بعنان فرسه فيه، ففي الناس
الضعيف والكبير، وذو الحاجة والفقير.
(رَجُلٌّ مُعْتَزِلٌ) أي: متباعد عن الناس منفرد عنهم إلى موضع خال من البوادي
والصحاري. (فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ) أي: مثلًا وهو تصغيرٍ غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك
صغرت بالتاء، والمراد: قطعة غنم. (يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا) وفي رواية مالك: ((يُقِيمُ
الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا))، وللدارمي والنسائي:
((مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ))، قال الباجي:
فمنزلة هذا منزلة بعد منزلة المجاهد من أفضل المنازل لأدائه الفرائض، وإخلاصه
لله تعالى العبادة وبعده عن الرياء والسمعة. إذا خفي ولم يكن ذلك شهرة له؛ ولأنه
لا يؤذي أحدًا، ولا يذكره ولا تبلغ درجته درجة المجاهد؛ لأن المجاهد یذب عن
المسلمین، ویجاهد الكافرین حتی یدخلهم في الدین فیتعدی فضله إلى غيره،
ويكثر الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدى نفعه إلى غيره.
وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: قيل: يا رسول الله أيُّ الناس أفضل؟ فقال
رسول اللَّهُ وَّه: ((مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ))، قالوا: ثم من؟ قال:
((مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»، قال الحافظ: وإنما
كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة؛ لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابٌ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
**
٩٧
ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، ففيه: فضل العزلة والانفراد لما فيه من
السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك. لكن قال الجمهور: محل ذلك عند وقوع
الفتن، لحديث الترمذي مرفوعًا: ((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ
أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ))، ويؤيده
قوله وَّةِ : ((يَأْتِي النَّاسَ زَمَانٌ يَكُونُ خَيْرَ النَّاسِ فِيْهِ مَنْزِلَةً مَنْ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ
اللهِ يَطْلُبُ الْمَوْتَ فِي مَظَائَّهٍ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي
الزَّكَاةَ، وَيَدَعُ النَّاسَ إلَّا مِنْ خَيْرِ))، رواه مسلم، وللترمذي وحسنه والحاكم
وصححه عن أبي هريرة: أن رجلاً مَرَّ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة أعجبته فقال: لو
اعتزلت، ثم استأذن النبي وَّه فقال: ((لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ مَقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ
مِنْ صَلَاِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا))، وقال النووي: في الحديث دليل لمن قال بتفضيل
العزلة علی الخلة، وفي ذلك خلاف مشهور.
فمذهب الشافعي وأكثر العلماء: أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من
الفتن. ومذهب طوائف من الزهاد: أن الاعتزال أفضل، واستدلوا بالحديث.
وأجاب الجمهور: بأنه محمول على زمان الفتن والحروب، أو فيمن لا يسلم
الناس منه، ولا يصبر على أذاهم، وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير
الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين، ويحصلون منافع الاختلاط بشهود
الجمعة والجماعة، والجنائز، وعيادة المريض، وحلق الذكر وغير ذلك، انتهى.
قال ابن عبد البر: إنما وردت الأحاديث بذكر الشعب والجبل؛ لأن ذلك في
الأغلب يكون خاليًا من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في المعنى.
(رَجُلٌ يَسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ) سبق بيان معناه في الفصل الثالث من باب
الإنفاق .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد وحسنه والنسائي في الزكاة
والدارمي في الجهاد. واللفظ للترمذي وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٣٧، ٣١٩،
٣٢٢) وابن حبان في ((صحيحه))، كلهم من حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس،
ورواه مالك في الجهاد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن عطاء
ابن يسار مرساًا.
٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٦٢ - [١٥] وَعَنْ أمِّ بُجَيْدٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((رُدُّوا
السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ)). [رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى التَّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ]
الْشَرْجُ
١٩٦٢- قوله: (رُدُّوا) بضم الراء أمر من الرد أي: أعطوا. (السَّائِلَ) هذا
لفظ النسائي، وفي ((الموطأ)): ((رُدُّوا الْمِسْكِينَ)). (وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ) أي: لا
تجعلوا السائل محرومًا بل أعطوه، ولو كان ظلفًا محرقًا، يعني: تصدقوا بما تيسر
وإن قلَّ .
(رَوَاهُ مَالِك) في باب: المساكين من كتاب الجامع من ((الموطأ))، عن زيد بن
أسلم عن ابن بجيد الأنصاري ثم الحارثي - اسمه محمد - عن جدته. (وَالنَّسَائِيُّ)
في باب: رد السائل من كتاب الزكاة من طريق مالك، وكذا أحمد (ج٦
ص٤٣٥). (وَرَوَى التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ) وكذا الإمام أحمد وابن خزيمة وابن
حبان والحاكم والبيهقي، وقد تقدم في الفصل الثالث من باب الإنفاق.
١٩٦٣ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنِ اسْتَعَاذَ
مِنْكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ
إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِتُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تُرَوْا أَنْ قَدْ
كَافَأْتُمُوهُ».
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٩٦٣ - قوله: (مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْكُمْ بِاللهِ) كذا في جميع النسخ الحاضرة، ووقع
في ((المصابيح)): ((مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ))، وهكذا في ((مسند الإمام أحمد)» (ج٢
(١٩٦٢) أَبُو دَاوُد (١٦٦٧)، وَالتِّرْ مِذِي (٦٦٥)، وَالنَّسَائِي (٨١/٥) فِي الزَّكَاةِ عَنْ أُمِّ بُجَيْدٍ، وَقَالَ
التِّرْمِذِي: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ)).
(١٩٦٣) أَبُو دَاوُد (١٦٧٢) فِى الأَدَب، وَالنَّسَائِى (٨٢/٥) فِى الزَّكَاةِ عَن ابْنِ عُمَرَ.
٩٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابٌ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ
ص٩٩) و((سنن أبي داود)) في الأدب و((المستدرك)) للحاكم (ج١ ص٤١٢)
والبيهقي في الزكاة (ج٤ ص١٩٩) ولأبي داود فيه وللنسائي: ((مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ))،
وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١٠ ص٣١٨) وكذا وقع في ((المسند))
(ج١ ص٦٨، ١٢٧). (فَأَعِيذُوهُ) أي: إذا طلب أحد منكم أن تدفعوا عنه شركم أو
غيركم بالله، مثل أن يقول: يا فلان باللّه عليك، أو أسألك بالله أن تدفعني شر
فلان، أو احفظني من فلان، فأجيبوه واحفظوه لتعظيم اسم الله .
قال الطيبي: أي: من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم، أو شر غيركم عنه
قائلًا: بالله أن تدفع عني شرك، فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيمًا لاسم الله تعالى،
فالتقدير: من استعاذ منكمٍ متوسلاً بالله مستعطفًا به، ويحتمل أن تكون الباء صلة
استعاذ أي: من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له، بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر، فوضع
((أعيذوا)) موضع ادفعوا ولا تتعرضوا مبالغة. (وَمَنْ سَأَلَ) هذا لفظ أبي داود، وفي
رواية أحمد والنسائي والحاكم: ((وَمَنْ سَأَلَكُمْ)). (بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ) أي: إن وجدتم،
يعني: تعظيمًا لاسم اللّه وشفقة على خلق الله، وزاد النسائي: ((وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللهِ
فَأَجِیرُوهُ» .
(وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ) وجوبًا إن كان لوليمة عرس، وندبًا في غيرها. وقيل:
يجب الإجابة مطلقًا، وهذا إن لم يكن مانع شرعي. (وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا) أي :
أحسن إليكم إحسانًا قوليًّا أو فعليًّا. (فَكَافِئُوهُ) بمثله أو خير منه، من المكافأة
مهموز اللام وهي المجازاة أي: أحسنوا إليه مثل ما أحسن إليكم، أو خيرًا منه.
(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِتُوهُ) أي: بالمال، والأصل تكافئون فسقط النون بلا ناصب
وجازم تخفيفًا. (فَادْعُوا لَهُ) أي: للمحسن، يعني: فكافئوه بالدعاء له. (حَتَّى تُرَوْا)
بضم التاء أي: تظنوا، وبفتحها أي: تعلموا. وتحسبوا، قلت: وقع في رواية
أحمد: ((حَتَّى تَعْلَمُوا)).
(أَنْ قَدْ كَافَأَتُمُوهُ) أي: كرروا الدعاء، وبالغوا له فيه جهد كم حتى تعلموا قد أديتم
حقه. وقد جاء من حديث أسامة مرفوعًا: ((مَنْ صَنَعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفًّا فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاَ
اللهُ خَيرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ»، أخرجه الترمذي وغيره، فدل هذا الحديث على أن
من قال لأحد: جزاك الله خيرًا مرة واحدة، فقد أدى العوض، وإن كان حقه
کثیرًا .